د. حازم عبد المتعال الصعيدي

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار نشر "دار النهضة العربية" في عام 1977م، وننشره للمرة الأولى في العالم الرقمي، وهو للأكاديمي المعروف د. حازم عبد المتعال الصعيدي، والذي كانت له كتابات مهمة في الفقه الدستوري الإسلامي، مثل "الإسلام والخلافة في العصر الحديث"، وهو ابن العالم والفقيه المعروف عبد المتعال الصعيدي، والذي يعد من رواد التجديد في الفكر الإسلامي.

ومما جاء في مقدمة الكتاب ما يلي:

التعريف بموضوع البحث:

يمكن بصفة إجمالية تعريف القانون الدستوري بأنه "مجموعة القواعد الأساسية التي تحدد شكل الدولة، وترسم قواعد الحكم فيها وتضع الضمانات الأساسية لحقوق الأفراد، وتبين مدى سلطان الدولة عليهم، وتنظم سلطاتها العامة، مع بيان اختصاصات هذه السلطات".

وتتفرع دراسات القانون الدستوري في الفقه الوضعي الحديث في ثلاثة مواضيع رئيسية، وهى الدولة، والحكومة، ومركز الفرد وحقوقه وحرياته.

وقد بحث فقهاء الإسلام جميعًا في المسائل التي تتعلق بما نسميه الآن "القانون الدستوري" (أي تلك المسائل التي تبين نظام الحكم في الدولة) تحت اسم السياسة الشرعية والأحكام السلطانية أو ما يؤدى هذا المعنى. وقد أخرج بعضهم في ذلك كتبًا خاصة مثل ابن تيمية الفقيه الحنبلي؛ فقد أخرج السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، وأبي الحسن البصرى الشافعي المعروف بالماوردي صاحب الأحكام السلطانية، وغيرهما.

وهذا البحث يتناول بالدراسة من بين المواضيع الدستورية في الفقه الإسلامي موضوع الدولة فحسب، ويحسن بنا أن نلاحظ -بادئ ذى بدء- أن علماء المسلمين المجتهدين لم يضعوا لنا نظرية عامة للدولة: بل كانوا يضعون الحلول ويقدمون الآراء بمناسبة كل حالة طارئة، فلم تكن هناك نظرية مسبقة يبنون عليها، أو يوجهون في نطاقها، فالفقه الإسلامي -خلافًا للفقه الغربي- لم يعن قط بوضع النظريات العامة في المسائل القانونية، وإنما كانت عنايته تتجه إلى بحث الحالات الفردية والمشاكل والأحداث اليومية واستنباط الحلول الفقهية لها.

الهدف من البحث:

لئن كان قد عُرف في التاريخ الإسلامي نظام حكم إسلامي، إلا أن الإسلام -باعتباره شريعة من الشرائع السماوية- لم يأت "بنظام" معين من أنظمة الحكم فرض على المسلمين في كل زمان ومكان، وإنما هو أتى فحسب -فيما نعتقد وفيما سنبين– "بمبادئ" عامة تصلح لكل زمان ومكان في هذا الميدان: ميدان نظام الحكم (أو الميدان الدستوري).

فالإسلام لم يجئ في ميدان شئون الحكم (ويطلق عليه في الاصطلاح الشرعي ميدان شئون "الإمامة"، وهو ميدان القانون الدستوري "والنظريات السياسية الإسلامية" إلا بالمبادئ العامة الأساسية، دون تعرض للتفصيلات والأساليب والجزئيات، التي بطبيعتها تتطور وتتغير بتغير ظروف الزمان والمكان، وذلك كما يقول الأستاذ الكبير الشيخ [عبد الوهاب] خلاف – "لتراعي فيها كل أمة ما يلائم حالها وتقتضيه مصالحها".

وبناءً على ذلك فالإسلام -فيما يتعلق بنظرية الدولة (وهو الذي يعنينا هنا)- لم يدخل في وضع تفاصيل ذات قيم نهائية مطلقة، أو مزودة بحق الشرعية المطردة التي لا تقبل تغييرًا ولا تبديلاً، وإنما اكتفى بوضع المبادئ العامة والقواعد الكلية التي ينبغى أن تعتمد عليها هذه النظرية، فالنظرية الإسلامية في الدولة -بالنسبة للجزئيات والتفصيلات- شأنها شأن سائر النظريات السياسية الإسلامية- قابلة للتغيير، والتبديل، والإضافة، وصيغها ليست نهائية ولا قطعية، ولا هي موضوعة في قالب جامد، فالإسلام يسمح بتطوير وتحوير نظرياته السياسية حسب ظروف العصر، ولا يقيد هذه الحرية إلا قيد واحد، وهو أن تستند تلك النظريات إلى المبادئ العامة التي جاء بها الإسلام في ميدان النظريات والأنظمة السياسية (أو أنظمة الحكم)، وهى -كما سنبين- مبادئ العدالة، والشورى، والمساواة، والحرية، والتكافل الاجتماعي، ومسئولية الحاكم.

فالتاريخ لم يعرف نظرية (أو نظامًا) من نظريات (أو أنظمة) الحكم والسياسة تصلح لجميع الأزمنة والأمكنة، فهذه النظريات لا تثبت بطبيعتها على حال، وكثيرًا ما يتغير مضمونها وتختلف أبعادها إلى عصر، ومن بلد إلى بلد آخر حسب ظروف كل منهما، وأنه ليُعد ضربًا من المحال أن نطمع في الوصول إلى نظرية سياسية مخلدة صالحة لكل زمان ومكان.

على أن الذي يعنينا من هذا البحث ليس الجانب التاريخي، أي أنه ليس هو التصدي لبحث النظرية الإسلامية في الدولة في صدر الإسلام، وما تلاه من تلك العهود الإسلامية في الأزمنة السابقة، إنما الذي يعنينا ويهمنا هنا إنما هو التصدي لاستنباط نظرية إسلامية في الدولة (أي نظرية في الدولة مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية) تحقق مقتضيات الحياة العصرية ومتطلباتها، ولا تخرج في الوقت ذاته عن أسس الشريعة الإسلامية ومقتضياتها، وذلك حتى تكون هذه النظرية صالحة للتطبيق في عالم اليوم، وقادرة على الحياة بين تيارات العصر الحاضر، فلا فائدة في دراسة تاريخية مجردة في هذا المقام، إلا إذا ربط بينها وبين واقع المسلمين المعاصر، ولا خير في نظرية تصطدم بالتطبيق، أو في فكر يظل نظريًا ولا يصدقه العمل.

ولا ريب أو جدال في أن الجانب التاريخي لا يمكن إغفال أمره ولا يصح أن ننكر أهمية شأنه، ولكنه ليس الهدف الأساسي أو الأول لهذا البحث.

ولا شك أن الملابسات المستقبلة للجماعة الإسلامية قد تتطلب نظرية إسلامية جديدة في الدولة، ولكن مهما يكن مستقبل الجماعة الإسلامية، فإن نظرية الدولة فيها يجب أن تقوم على المبادئ العامة، والدعائم الأساسية التي جاء بها الإسلام في ميدان شئون الحكم والسياسة، فهذه الأحكام الكلية هي المصدر الذي يجب أن تُستنبط منه النظريات والأنظمة السياسية الإسلامية.

أهمية البحث وضرورته:

من الأمور البينة أن البحوث المتعلقة بالخلافة أو الإمامة (وهى –كما قدمنا- بحوث القانون الدستوري "والنظريات السياسية الإسلامية") على قسط كبير من الخطورة، إذ إنها تتعلق بنظام الحكم في الدولة، وبيان حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية إزاء الدولة، بل إن إقامة شعائر الإسلام وصلاح حال رعيته يتوقف إلى حد بعيد على الأخذ بنظام حكم إسلامي أي نظامًا من أنظمة الحكم مستمدًا من أحكام الشريعة الإسلامية.

ورغم ذلك فإن علماء الإسلام -كما قدمنا- لم يولوا -على طول المدى وعلى بعده- الأحكام الشرعية الدستورية (أي المتعلقة بنظام الحكم) من عنايتهم شيئًا مذكورًا.

ولا يخفى أن الأوضاع والملابسات التي تمر بها الجماعة الإسلامية المعاصرة تتطلب من العلماء والمفكرين من المسلمين أن يولوا المسائل الشرعية ذات الصبغة السياسية الدستورية من عنايتهم الشيء الكثير، فالفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث يجتاز أزمة خطيرة، ويدخل في تجربة مريرة، ويواجه موقفًا بالغ الدقة، فقد خلقت نزعة الجمود والتقليد التي سادت الفقه الإسلامي منذ أمد طويل (وبخاصة في الناحية السياسية الدستورية) -كما أشرنا- فراغًا فكريًا ثقافيًا تنازعت على ملئه الثقافتان والفلسفتان السياسيتان المتعارضتان المتصارعتان: الثقافة والفلسفة الغربية الرأسمالية، والثقافية والفلسفة الماركسية، وهكذا وجدنا بعض البلاد الإسلامية قد أصبحت -راضية أو كارهة- ميدان نزاع أو صراع بين مبادئ وفلسفات هاتين الكتلتين المتنابذتين المتصارعتين.

ومن هنا ندرك مدى ما يمثله موضوع البحث من أهمية قصوى وضرورة بالغة، فهو يقصد -كما قدمنا- إلى استنباط نظرية إسلامية في الدولة (أي نظرية في الدولة مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية) تتواءم مع الواقع وتتجاوب مع الراهن، وتراعي مطالب عصرها وزمانها، وتساير مقتضيات الحضارة الحديثة، وذلك كله حتى تكون صالحة للتطبيق في الوقت الحاضر، وقادرة على مجابهة أحداث اليوم، وعلى مواجهة ظروف العصر، فكل عصر جديد يتطلب نظريات جديدة، كما يتطلب أيضًا التخلص من النظريات والنظم التي صارت متخلفة عن الواقع، أو متعارضة مع الراهن.

تقسيمات الكتاب:

اتباعًا للأساليب والتقسيمات المألوفة في الفقه الدستوري الحديث، فإننا سوف نقسم دراستنا للنظرية الإسلامية في الدولة -بعد الباب التمهيدي- إلى قسمين رئيسيين نتناول في أولهما التعريف بالدولة الإسلامية، وأصل نشأتها وأركانها، ثم نبحث في القسم الثاني شكل الدولة الإسلامية وخضوعها للقانون، وأخيرًا نختم الموضوع بكلمة موجزة عن البحث.

وعلى ذلك يكون تقسيم الموضوع على الوجه الآتي:

باب تمهيدي: في الإسلام وهل هو دين ودولة، وفى تاريخ الدولة الإسلامية، وفى مصادر القانون الدستوري (والنظريات السياسية) في الشريعة الإسلامية، وفى المبادئ الدستورية الإسلامية.

القسم الأول: التعريف بالدولة الإسلامية وأصل نشأتها وأركانها

الباب الأول: تعريف الدولة الإسلامية وأصل نشأتها، ويتكون من فصلين. الأول في التعريف بالدولة في الفقه الإسلامي، والثاني في أصل نشأة الدولة الإسلامية وأساس السلطة السياسية فيها.

الباب الثاني: في أركان الدولة الإسلامية ويتكون من ثلاثة فصول: الأول نتكلم فيه عن شعب الدولة الإسلامية، والثاني نتكلم فيه عن إقليم الدولة الإسلامية، وفى الفصل الأخير نعرض لعنصر السيادة في نطاق الدولة الإسلامية.

القسم الثاني: شكل الدولة الإسلامية وخضوعها للقانون

الباب الأول: شكل الدولة الإسلامية ومقارنته بأشكال الدول في الفقه الوضعي ويتكون من فصلين: الأول في أشكال الدول في الفقه الوضعي. الثاني في شكل الدولة في النطاق الإسلامي.

الباب الثاني: خضوع الدولة الإسلامية للقانون ونجعله من ثلاثة فصول: الأول في التطور التاريخي لخضوع الدولة الإسلامية للقانون، والثاني في أساس خضوع الدولة للقانون في الفقه الإسلامي والوضعي، والثالث في الوسائل التي كفلها الإسلام لتحقيق خضوع الحكام للقانون. ثم نختم الموضوع بكلمة وجيزة عن أهم النتائج التي ينتهى اليها البحث.

رابط مباشر لتحميل الكتاب

تعد المقاومة المسلحة "Armed resistance" من أبرز ظواهر المقاومة ضد المحتل[1]، ويعتبر مفهوم المقاومة المسلحة من أهم المفاهيم في القانون الدولي العام، والذي يحتل مكانة بارزة ضمن موضوعات هذا القانون، نظرًا لكونه يرتبط بكرامة الشعوب "Dignity of people" التي تعيش تحت نير الاستعمار وحقها في تقرير مصيرها "The right to self-determination"[2]، بدوافعها الوطنية التي تعتبر أسمى وأنبل الدوافع الإنسانية دفاعًا عن أراضيها ضد العدوان الخارجي أو من أجل تطهيرها من الاحتلال الحربي، فالمقاومة رد فعل طبيعي للظلم والقهر والاحتلال؛ لذلك تُشَكّل حركات تحرير في صورة تنظيم في الأقاليم الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية، حيث تقود تلك الحركات معركة الشعب ضد هذه السيطرة، لتمكينه من استرداد حقه في تقرير مصيره وتحقيق الاستقلال الوطني. وتتبع هذه الحركات أسلوبًا أساسيًا هو الكفاح المسلح أو ما يسمى بالحرب الشعبية لكنها تمارس إلى جانبه النضال السياسي[3].

وتُعرف المقاومة المسلحة -في أبسط معانيها- بأنها: "قيام مجموعة من أفراد الشعب المدنيين باستعمال السلاح بهدف طرد المحتل بشكل عفوي أو من خلال تنظيم لا يرقى إلى درجة الجيش[4]، ويعرفها أستاذنا الدكتور صلاح الدين عامر -رحمه الله- بأنها: "عمليات القتال التي تقوم بها عناصر وطنية من غير أفراد القوات المسلحة النظامية، دفاعًا عن المصالح الوطنية أو القومية ضد قوة أجنبية، سواء كانت تلك العناصر تعمل في إطار تنظيم يخضع لإشراف وتوجيه سلطة قانونية أم واقعية، أم كانت تعمل بناءً على مبادرتها الخاصة، وسواء باشرت هذا النشاط فوق الإقليم الوطني، أم من قواعد خارج هذا الإقليم"[5].

ودائمًا ما يثور التساؤل حول مدى مشروعية المقاومة المسلحة في القانون الدولي العام

والحقيقة أن الإجابة على هذا التساؤل تقتضي التأكيد في البداية على شرعية المقاومة المسلحة، ويؤكد ذلك نوعين من الأسانيد أو الحجج، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: الأسانيد الفقهية: وتتمثل في شرعية المقاومة المسلحة استنادًا إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها[6]، وحقها في الدفاع الشرعي ضد أي اعتداء خارجي المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة[7]؛ ذلك أن القانون الدولي لم يعد يبرر الاحتلال الحربي، ويعتبره أمر غير مشروع وأن أية مساعدة تقدمها دولة أو دول أخرى لدولة ظالمة أو محتلة أو مسيطرة أو معتدية هو عمل غير مشروع أيضًا، واستنادًا لذلك فإن قوات الاحتلال فاقدة لمبرر وجودها على الأراضي التي تحتلها، وهذا اعتراف صريح وكامل بشرعية استخدام المقاومة لوسائل القوة، ومن ضمنها الوسائل العسكرية، للدفاع عن بلدانها ضد القوات المعتدية دون وجه حق[8].

ثانيًا: الأسانيد القانونية: حيث توجد العديد من المواثيق القانونية الدولية التي تؤكد على شرعية المقاومة والمسلحة، نذكر منها على سبيل المثال:

  • قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة: أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة العديد من القرارات التي تؤكد على مشروعية المقاومة المسلحة، ومن أمثلة هذه القرارات: القرار رقم 3070 الصادر في عام 1972م، والقرار رقم 3314 لعام 1974م، والقرار رقم 3103 لعام 1974م، والقرار رقم 46/51 الصادر في 9 ديسمبر 1991م[9].
  • الاتفاقيات الدولية: هناك العديد من الاتفاقيات الدولية التي تؤكد وتنص في موادها على شرعية المقاومة المسلحة، ومن أمثلة هذه الاتفاقيات: اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية في لاهاي لعام 1907م[10] المادة الأولى[11]، واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م، والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977 الملحقين باتفاقيات جنيف لعام 1949م؛ حث ورد في اتفاقيتي جنيف الأولى والثانية في المادة 13 تأكيد حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإضفاء الحماية على الأقاليم المحتلة، عندما تثور ضد قوات الغزاة الأجانب، كما اعترفت المادة 4 من الاتفاقية الثالثة الخاصة بأسرى الحرب بالمركز القانوني للمقاومين بوصفهم أسرى حرب سواء كانوا يعملون داخل الإقليم المحتل أم خارجه[12].

وإذا نظرنا إلى موقف الشريعة الإسلامية من المقاومة المسلحة نجد أنها أكدت على مشروعية تلك المقاومة لرد الاعتداء والاحتلال، ومن أجل دفع الفساد والمفسدين، وتحطيم شوكة الباطل، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا  وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحج: الآية 40]، فلولا ما شرعه الله عز وجل للأنبياء والمؤمنين من قتال أعداء الله قديمًا وحديثًا لهيمن المعتدون على المؤمنين والمستضعفين ولضاعت مواضع العبادة في الأرض[13].

ويمكن القول بأن مقاومة ودفع المعتدي هو أمر مشروع في الشريعة الإسلامية، بل هو واجب على الأفراد والجماعات، حيث أكدت الشريعة الإسلامية على وجوب الدفاع المشروع ضد أي اعتداء، على أن يكون هذا الدفاع بالقدر الذي يفي برد هذا الاعتداء، مصداقًا للآيات القرآنية الكريمة، ومن ضمنها، قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية 194][14].

ونخلص إلى أن الشريعة الإسلامية حثت على مقاومة الظلم والطغيان والتعدي على الأفراد والأعراض والدول، والتصدي لدفع العدوان، وهذا أيضًا ما أكدت عليه أيضًا -فيما بعد- الاتفاقيات والمواثيق الدولية وقواعد القانون الدولي.

---------------------------------------------

[1] راجع:

Patrick Dailler, Alain Pellet, Droit Internationl Public, 7 edition, L.D.G, P.953.

مشار إليه في: د. رشيد حمد العنزي، ود. عبد السلام حسين العنزي، المقاومة المسلحة في ظل قواعد القانون الدولي، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، ع: 58، أكتوبر 2015م، ص267.

[2] انظر: د. مرابط وسيلة، استخدام القوة في العلاقات الدولية وأثره على فرض الشرعية، مركز الدراسات العربية، القاهرة، 2021م، ط1، ص406.

[3] انظر: اعتصام العبد صالح الوهيبي، احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان في ظل الاحتلال الحرب مع إشارة خاصة للأوضاع في الأقاليم الفلسطينية والعراق وأفغانستان، دار النهضة العربية، القاهرة، 2013م، ص163.

[4] انظر: د. أحمد أبو الوفا، الوسيط في القانون الدولي  العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 2004م، ط4، ص761-762.

[5] انظر: د. صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام، دار الفكر العربي، القاهرة، 1977م، ص41.

[6] أكدت محكمة العدل الدولة على حق الشعوب في تقرير مصيرها في أكثر من حكم لها؛ ففي قضية الصحراء الغربية Western Sahara أشارت المحكمة إلى أن الحق في تقرير المصير هو حق للشعب، وليس للحكومات، وكذلك في قضية ناميبي سنة 1971م اعترفت المحكمة بطبيعة الحق في تقرير المصير باعتباره قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، وفى هذه القضية اعترف القاضي أمون في رأيه المستقل بالصفة الآمرة لقواعد الحق في تقرير المصير ، وفى قضية نيكاراغوا والولايات المتحدة  الأمريكية عدّت المحكمة حق تقرير المصير من القواعد الآمرة في القانون الدولي، هذا وتجدر الإشارة إلى أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي نصت في قرارها الصادر عام 1979م على أن لجنة حقوق الإنسان تؤكد باستمرار شرعية النضال ضد الاستعمار بالوسائل المتاحة كافة بما في ذلك الكفاح المسلح.

د. رشيد حمد العنزي، ود. عبد السلام حسين العنزي، المقاومة المسلحة في ظل قواعد القانون الدولي، مرجع سابق، ص301.

[7] تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه: "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس -بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

[8] انظر: خليفة عبد السلام الشاوش، الإرهاب والعلاقات العربية الغربية، دار جرير للنشر والتوزيع، الأردن، 2008م، ط1، ص107؛ د. مرابط وسيلة، استخدام القوة في العلاقات الدولية وأثره على فرض الشرعية، مرجع سابق، ص411.

[9] للمزيد من التفاصيل حول هذه القرارات راجع: توفيق الحاج، القرار 1373 والحرب على الإرهاب، منشورات زين الحقوقية، لبنان، 2013م، ط1، ص169؛ تهاني على يحيى زياد، الإرهاب ووسائل مكافحته في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لسنة 1988م "دراسة مقارنة"، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008م، ص153-158؛ خليفة عبد السلام الشاوش، الإرهاب والعلاقات العربية الغربية، مرجع سابق، ص102؛ د. مرابط وسيلة، استخدام القوة في العلاقات الدولية وأثره على فرض الشرعية، مرجع سابق، ص414-418؛ اعتصام العبد صالح الوهيبي، احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان في ظل الاحتلال الحرب مع إشارة خاصة للأوضاع في الأقاليم الفلسطينية والعراق وأفغانستان، مرجع سابق، ص171.

[10] راجع: د. سهيل حسين الفتلاوي، الإرهاب وشرعية المقاومة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، دون دار نشر، د. ت، ص120.

[11] حيث نصت هذه المادة على مشروعية حركات المقاومة المسلحة متى توافرت فيها الشروط المنصوص عليها في هذه المادة، والتي جاء نصها على النحو التالي: إن قوانين الحرب وحقوقها وواجباتها لا تنطبق على الجيش فقط، بل تنطبق أيضًا على أفراد الميلشيات والوحدات المتطوعة التي تتوفر فيها الشروط التالية:1. أن يكون على رأسها شخص مسؤول على مرؤوسيه. 2. أن تكون لها شارة مميزة ثابتة يمكن التعرف عليها عن بعد. 3. أن تحمل الأسلحة علنًا. 4. أن تلتزم في عملياتها بقوانين الحرب وأعرافها".

[12] ينظر: د. مرابط وسيلة، استخدام القوة في العلاقات الدولية وأثره على فرض الشرعية، مرجع سابق، ص419-420.

[13] انظر: محمد حمد الرحيل الغرايبة، المقاومة والإرهاب وإشكالية تحديد مفهوميهما في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، جرش للبحوث والدراسات، جامعة جرش، مج: 18، ع: 2، ديسمبر 2017م، ص97.

[14] المرجع السابق، ص97.

الشيخ محمد الغزالي

أقول في البداية، بأنني كمسلم أقف دون شك في صف المطالبين بتطبيق الشريعة، لا فقط لأن ذلك يحقق مصلحة لأمتنا، بل أيضًا لأننا كمسلمين مأمورون من قبل الله تعالى، ولا يمكن أن يجري التعامل مع التعاليم الإلهية حسب أهواء الناس، فينقذ بعضها ويترك البعض الآخر- بهذا المعنى هنالك موقف إسلامي مبني على الإيمان وعلى شمولية النظرة للعالم وللكون، فلا يمكن انتقاء جانب من تعاليم الله دون الجانب الآخر، ففي القرآن:

[كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ]

[كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ]

ونحن ملزمون بتطبيق هذه الأوامر. ولكنني سأشرح وجهة نظري فيما بعد حول الفرق بين الاعتقادات والعبادات والمعاملات.

إن شبكة التعاليم الإسلامية التي ترعى شئون الناس تحتاج إلى توضيح وتمييز بين جوانبها المتعددة، بمعنى أن الإسلام قصد من القوانين التي وضعها أن يصون دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، وهذا ما نفهمه بمقاصد الشريعة، وهذه الصيانة تتطلب أمرين:

الأول: هو أمر عقائدي وأخلاقي، أي انبعاث الإنسان من داخل نفسه لحماية حقوق الآخرين والمحافظة على حرماتهم ولاتخاذ موقف مبني على الإيمان والأخلاق إزاء الناس والمجتمع والبيئة. فحقوق الناس مصونة ومقدسة في الإسلام، وكذلك يجب أن تكون في دخيلة كل مسلم مؤمن، وقد جاء في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى الكعبة وقال: "ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك؛ إن الله جعلك حراما، وحرَّم من المؤمن دمه وماله وعرضه"، أي إن لحقوق الإنسان قداسة لا يجوز أن تنتهك. وتجلى هذا الموقف في تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلم والمؤمن، فالمسلم هو من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من آمنه الناس على أموالهم وأعراضهم.

لكن هذه التعاليم، على وضوحها، لا يمكن وحدها أن تحفظ العدل والنظام في مجتمع ما، لذلك وجدت ضرورة تعزيزها بعقوبات رادعة، تردع المجرم الذي ينفلت من الالتزام العقيدي والإيماني ليتبع هواه ونزعاته ويؤذى الآخرين والمجتمع، وهذا ما نسميه بالأمر الثاني الذي تتطلبه صيانة حقوق الناس ونظام المجتمع الإسلامي، ففرض العقوبة يجعل المقبل على الإجرام يشعر بالرهبة من القصاص والحد والجزاء.

وقد وضع الإسلام حدودًا دقيقة لهذا الأمر، فأمر بالقصاص في حالة انتهاك ما هو من حقوق الناس، ووضع حدودًا فيما هو مختلط بين حقوق الله وحقوق الناس ولكن حق الله اظهر... وهذا هو الفارق بين القصاص والحد، فالقصاص مصلحة البشر فيه أظهر بينما الحدود حق الله فيها أكثر.

طبعًا لا يوجد مجتمع متحضر دون نظام قانوني للعقاب، ولكن هنالك فرق واضح بين الشريعة والقانون الوضعي المقتبس من شرائع أجنبية في هذا المجال.

فالشريعة ترى الخمر محرمًا، وينطلق هذا الموقف أساسًا من ضرورة حماية العقل البشرى من التخدير والتغييب وما ينتج عن ذلك من شطط. فحماية البشر من الخمر والمخدرات من حقوق الله، وهنالك حد الخمر الذي فرضته الشريعة. أما القانون الوضعي فيعاقب فقط في حالة عربدة السكير في الشارع وإزعاجه للناس مثلاً، أو عندما يقدم السكير على جُرم آخر وهو في حالة السكر، بينما الشريعة الإسلامية ترفض السكر وتمنعه صيانة لعقل البشر، وكذلك الموقف من الزنا فالإسلام يحرمه حماية لأعراض الناس وحفظًا للمجتمع، بينما القوانين الوضعية السائدة في بلادنا والمنقولة أساسًا من القانون الفرنسي تبيح الزنا في الواقع، فهي لا تعتبره جريمة إذا وقع برضى الطرفين وإرادتهما، وتنتفى الإرادة في حالة الاغتصاب وفي حالة القاصر حيث لا يعتبر صاحب إرادة حرة، ونحن نرى الخلاف واضحًا بين الشريعة والقانون الوضعي هنا ولا يمكن التوفيق بينهما.

وقد أوصل الموقف الوضعي المجتمعات الغربية إلى درجة الإباحة التامة، لا للزنا فقط، بل حتى وصل الأمر لإصدار قوانين تبيح اللواط.

وهنالك أمر آخر يفصل الشريعة عن القانون الوضعي في قضية الزنا، فزنا الزوجة لا يهم المجتمع إذا لم يقدم الزوج شكوى بذلك، بل لا يحل للأب أو الأخ أن يتدخلوا في الأمر، وإن موقف القضاء من الزوجة المتلبسة بجريمة الزنا يعتمد على موقف الزوج، يعفي عنها أم لا، أي لا دخل للمجتمع والقيم السائدة فيه.

أما القتل فقد حرمه الإسلام، وعقوبة القتل العمد هي القصاص إلا إذا عفى  ولى الدم. وهنالك بعض الناس من أهل الخير يحاولون في هذه الحالة إقناع ولى الدم بالعفو وقبول الدية، فإذا قبل وعفى، يسقط القصاص، ويبقى حق الدولة التي تقوم بتعزير الجرم. والواقع أن عقوبة القصاص وحد الزنا لعبا دورًا كبيرًا في الردع وفي تقليل عدد الجرائم في المجتمعات الإسلامية، بينما أدى التساهل بشأن هذه الجرائم في ظل القانون الوضعي والاستعمار التشريعي إلى ازدياد لا مثيل له في نسبة الجريمة. فمن النظرة الأولى يبدو موقف الشريعة قاسيًا وحازمًا وأقرب لفكرة العقاب.. بينما النظرة المتمعنة تبين بأن هذا الموقف في الواقع هو أقرب للرحمة بالناس والمجتمع بل وحتى بالإنسان النازع نحو الجريمة.

ولا ننسى أن غياب القصاص الإسلامي، وسع حالات الأخذ بالثأر فأدى ذلك إلى ازدياد حجم الجريمة بشكل عام.

إن الحد من نسبة الجرائم بل والوصول إلى مجتمع فاضل، تنتفى فيه الجريمة أو تكاد، هو هدف المسلمين على المدى الطويل، ولكن تحقيق مثل هذا المجتمع هو أمر يتطلب إقامة العدل بين الناس لتنتفي أسباب الجرائم، ويتطلب أيضًا مزيدًا من التوعية وبث القيم النبيلة في النفوس.

ولكن ما دامت الجريمة موجودة، فلابد من القصاص والعقاب.. ولكم في القصاص حياة.

إنني عمومًا مع تطبيق القصاص والحدود، ولكن يجب أن نتفحص موقف الإسلام من الحدود، فالشارع درأها بالشبهات أولاً، ثم جعلها في أضيق نطاق، فحد الزنا ظل حدًا رادعًا يساهم في منع الجريمة، بينما كانت نادرة تلك الحالات التي طبق فيها الحد فعلاً، بسبب ما وضع من شروط ومستلزمات لذلك التطبيق، فعندما جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معترفًا بارتكابه الزنا وطالبًا توقيع الحد به، أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم طبق عليه الحد بعد إصرار الرجل، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن شريكته في الجريمة وسكت عنها معتبرًا الإقرار حجة قاصرة على صاحبها.. فالرجل، كما يقول ابن تيمية، أبى أن تغسله التوبة الشخصية فهو لو تاب واكتفى لكان ذلك مطهرًا له، لكنه أبي إلا أن يقتل في الدنيا.

ولنأت إلى موقف القضاء أو الحاكم، وكيف يكون الأمر عندما يمثل أمام القضاء رجل ثبتت عليه الجريمة، حسب ابن تيمية وابن القيم وما أفهمه أنا من السنن، أستطيع أن أقول بأن القاضي يستطيع وقف التنفيذ في السابقة الأولى، فلو سرق تلميذ أو شاب، وكانت سرقته الأولى أو عثرة قدم زلت بصاحبها، فإذا وجده القاضي متألمًا لذلك ونادمًا أو شاعرًا بالخجل، له أن يوقف العقوبة، ویستتيبه ويقبل توبته، وله أن يعزره بالكلام أو بالجلد أو السجن، حسبما يرى. ولكن إذا عاد للجريمة مرة أو مرات أخرى، تقطع يده.

يبدو هذا الحكم قاسيًا، ولكن هل حكم السجين لسنين عديدة هو أرحم من ذلك وأكثر صونًا للمجتمع؟ الأيادي ثلاث: يد عاملة من حقها أن تكافأ، ويد عاطلة من حقها أن تعمل وتنتج، ويد فاسدة ثبت فساد صاحبها في أكثر من تجربة، أفلا نحمي الناس منها؟! إنني أرى أن متعود الإجرام يجب أن ينفذ فيه الحد. طبعًا للمجتمع أن يتدخل ويحدد من هو متعود الإجرام.

هنالك حديث كثير عن كون الحدود الإسلامية منافية للحضارة الحديثة. مالي وللحضارة الحديثة؟! وماذا أفعل بناس يشعرون تجاهها بعقدة نقص، فيتركون شريعتهم ليقبلوا استعمارها التشريعي والثقافي. إن الحضارة الغربية المعاصرة حققت تقدمًا في مجالات العلم والتكنولوجيا، ولكن ما علاقة هذا التقدم بالتشريع الذي يحكم المجتمعات؟ ولماذا يصبح التعلم من إنجازات الغرب التقنية مرتبطًا باقتباس شرائعه وقيمه وأنماط حياته، لماذا لا يمكننا التمسك بديننا وشريعتنا وثقافتنا مع أخذنا بنتاجات التقدم العصري في الدوائر الحضارية الأخرى، إن اليابان حققت تقدمًا تقنيًا هائلاً مع تمسك غالبية أهلها بدین خرافي.

إن الاستعمار التشريعي نتاج تطور متعدد الجوانب لدائرة حضارية أخرى، وهذا التطور لم ينسجم حتى مع تعاليم المسيحية، وأقول هذا لأُذكر من يعتقدون بأن النظام التشريعي الغربي له أصول مسيحية، فالواقع إن الغرب الأوروبي تنكر للمسيحية الحقة فأصبح ينطبق عليه قول على بن أبي طالب (رضي الله عنه) عن نصارى تغلب: لا يعرفون من النصرانية سوى شرب الخمر!، لقد استخدم الغرب الهاجم المسيحية في بعض معاركه الخارجية وكأداة تبشيرية رافقت الحملات الاستعمارية وسياسات التتبيع المعاصرة.

لماذا يصر البعض منا على التمسك بمعايير الغير، والحرص على أن يرضى عنا الرأي العام الأوروبي، الرأي العام الذي لا يأخذ مرة في الحسبان ما نقوله نحن عنه أو نعتقده، بل ولا يحترم أقدس مقدساتنا. لماذا لا تكون معاييرنا نابعة من قيمنا وتراثنا وديننا، ومن مصالح أمتنا بالدرجة الأولى؟

إن العمل من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية يبدأ بالتحرر من نير العبودية الحضارية والاستعمار التشريعي، والوقوف مرة أخرى على أرضية التشريع الإسلامي، وهنا بالضبط تبدأ معركة أخرى. وهي التي تعنيني أكثر من غيرها، أي معركتنا مع العقل الإسلامي الراهن، من يطبق الشريعة، من يفتي، من يعمل في مجال الفقه المعاصر، من يسن القوانين المستمدة من الشريعة، أي نظام وأي تطبيق؟؟ هذه كلها أسئلة تشغل بالي، وأنا أعرف حق المعرفة بأن معركتنا داخل مجتمعنا ومع أنفسنا ليست معركة سهلة ولا تنتهى بإقرار عام بضرورة تطبيق الشريعة.

هل العقل الإسلامي المعاصر هو سليم أم مختل؟ في رأيي أن العقل الإسلامي، ومنذ قرون، به خلل ظاهر وخطير، ولابد من علاج هذا الخلل، وقد كتبت في هذا الأمر كتابي: سر تخلف العرب والمسلمين، ولنأت إلى بعض التجليات الفاضحة هذا الخلل، فقط على سبيل المثال:

أولاً: الناحية الدستورية

لماذا أصبح الإسلام مرادفًا للماضي، لشيء اسمه "التراث"؟ لماذا يحجم ويجعل سجينًا في أسرته الأولى وعهود نشأته الأولى؟.. أي في أسرة بني أمية وبني العباس؟.

طبعًا هنالك موقف العلماء على مر القرون، كان قد شجع هذا الفهم الخاطئ للإسلام، إذ أن ضمير العلماء، عانى، كالضمير التأريخي للأمة ككل، من عقدة صفين، فدفع هذا إلى نوع من الانزواء وترك ساحات الحكم وإدارة المجتمع لسلطات لا تلتزم بالضرورة بأحكام الإسلام، كما كان الأمر في العهد الراشدي، ولقد تم لقرون عديدة، نوع من التحييد لقوة الرأي العام الإسلامي، وتفاقم هذا الأمر في العصر الحديث، بحيث عندما نرى قوة الرأي العام الإسلامي المعاصر تدفع مرة أخرى باتجاه إقامة دساتير وشرائع المجتمعات على أساس الإسلام، يبدو الأمر وكأنه مطالبة غريبة، لا كعودة طبيعية إلى صراط مستقيم وحالة طبيعية ينسجم مع تكوِّن الأمة ومصالحها.

ثانيًا: وضع النساء وما يتهم به الإسلام من إجحاف حقوقهن

ففي عهد الرسول كانت النساء يملأن المساجد، ما خلا منهن مسجد، ينشطن في كافة مناحي الحياة وحضورهن في ميادين العمل والجهاد والحياة الاجتماعية لا يعوقه عائق.

أما الآن فلا ترى وجودًا نسائيًا في المساجد إلا نادرًا، وليس هنالك إلا بعض المساجد يسمح فيها بدخول النساء، وذلك أيضًا بشكل محدود وأوقات محدودة وفي زاوية معينة، وحتى هذا الأمر يضيق به بعض الناس.. وذلك باسم الإسلام، ولكن من قال إن هذا هو الإسلام؟ وأي دين هذا الذي يقسم البشر إلى قسمين ويجعل بيت العبادة لأحدهما فقط، إن هذا لا يليق إلا بالوثنيات المتخلفة. ثم كيف يمنع نصف المجتمع من العمل باسم الإسلام.. فيجعل المجتمع مشوهًا نصف مشلول، يستخدم يدًا واحدة ويقف على قدم واحدة؟

إنني أرى بأن تطبيق الشريعة تطبيقًا صحيحًا سوف لن يغير المرأة في شيء، بل أرجو أن يعيد ذلك إليها حقوقًا لها مسلوبة. إن هنالك قناعًا وعادات سائدة في مجتمعاتنا، هي نتاج تطور تأريخي مشوه في القرون الأخيرة، والناس الذين عاشوا هذه العادات هم الذين خلقوها وربطوها بوعي أو لا وعى بالإسلام.

والمؤسف أن حتى بعض علمائنا أخذوا في هذا المجال ببعض الأحاديث الضعيفة، وتركوا المتواتر والصحيح، وقد حاولت أن أتصدى لهذا الأمر في كتابي الأخير "السنة النبوية بين أهل الحديث وأهل الفقه". لقد حاولت أن أبين انحراف أمتنا، وأعتبر أن هذا الانحراف والانهيار الداخلي هو أخطر من الغزوة الثقافية الأجنبية ومن الاستعمار التشريعي، بحيث أصبحت عقولنا وتصوراتنا المتخلفة لا تستطيع مواجهة تحديات العصر وتقديم بدائل قادرة على الحياة للأنظمة الوضعية المستوردة والمفروضة علينا.

يجب فهم المعادلة بشكل صحيح والنظر في طرفيها. أنا أعرف طبعًا مناحي القوة في الحضارة الأوروبية، ولكنني لا أعتقد بأن هذه المناحي تتعلق بقوة روحية أو أخلاقية أو بتماسك داخلي ومنطقي، أعتقد أن حضارة الغرب تسير نحو الانحدار في هذه المجالات، إذ أصبح حتى محاربة الإيدز من جانب الفاتيكان، تجرى باسم حماية الصحة فقط، وليس بالاستناد لوازع أخلاقي. ولكن المشكلة هي ضعف وهشاشة البدائل المطروحة لهذه الحضارة. فخلال التاريخ كان هنالك تعاقب وتوارث للحضارة.. وكان يمكن للعرب والمسلمين أن يرثوا، خلال نهضة متعددة الجوانب، الحضارة الأوروبية القائمة.. ولكن من يرث من؟. ولكن العرب أصبحوا أقل الناس تمسكًا بالإسلام، وأقلهم طموحًا في نهضة عصرية تعيد للإسلام قوته وإذا استمر الأمر هكذا، واستمرت خيانة حكام الأمة، فقد يتحول العرب كلهم إلى شتات لاجئين، ليس في بلاد الغرب، بل حتى لاجئين وغرباء في بلادهم وعلى أرضهم، إن السعى يجب أن يتركز على إجراء إصلاح جذري في العقول الخاملة والمتخلفة.

 

الاجتهاد المعاصر:

أنتقل إلى مسألة الاجتهاد المعاصر في حالة تطبيق الشريعة. فالدين الإسلامي يتكون من ثلاثة أجزاء: العقائد والعبادات والمعاملات، فأما العقائد فهي أخبار، وهي تتضمن مبادئ عقيدية: الله واحد، الآخرة حق،... الأساس في التعامل معها هي الأخبار الإلهية ولا مجال فيها للمناقشة، فالمرء يؤمن بها أم لا. أما العبادات فتتعلق بالصوم والصلاة وتفاصيلها مثلاً، وهذه أيضًا ابتدعتها الشريعة ونظمت لها أصولاً لا يمكن تغييرها. علمًا بأن الشريعة حتى في هذه المجالات وضعت شروطًا واستثناءات تراعي إمكانيات البشر وظروفهم. وكل ما هو خارج العقائد والعبادات، ينضوي في مجال المعاملات، وأساس المعاملات هو الإصلاح والمصلحة، هنالك فهم خاطئ يقول بأننا نقبل الشريعة رغم عقولنا، ولا حيلة لنا في مناقشة نصوصها، والواقع أن الشريعة تنسجم مع المصلحة العامة ومع العقل. لننظر في الأمر مليًا: كان هنالك زواج قبل الإسلام فجاءت الشريعة ومنعت الزواج بالأخت والأم مثلاً، ووضعت قواعد لهذا التنظيم الإنساني، وكذلك وضعت قواعد للتجارة والمعاملات المالية فحرمت الربا وأحلت الريح الحلال.. وهكذا.

وهنالك علاقة النص بالاجتهاد. فما جاء بنص قاطع، لا اجتهاد فيه. مثلاً: للذكر مثل حظ الأنثيين، فهذا الحكم يرتبط بما يوازنه: عليه الإنفاق ولها النفقة، فيكون الرجل والمرأة قد تعادلا في هذا، أي، نفهم النص القاطع ضمن هذه المعادلة وبالنظر لما يوازنه من حقيقة اجتماعية فإن لم يتحقق الجانب الآخر من المعادلة، يصبح هنالك خلل في الأمر. أي أن هنالك اجتهاد في فهم النص، وقد يجئ النص محتملاً لعدة معاني.

يرى الأحناف بأن حديث الآحاد يوقف العمل به إذا كان يخالف قياسًا قطعيًا، إذ إن القياس القطعي يعتمد على يقين دیني، بينما حديث الآحاد نصه ظني. هذا مثال بسيط لسعة دائرة الاجتهاد في فهم النص أو فيما لا نص قاطع فيه. ولكن المطلوب من المجتهدين: سعة الفهم وصدق الدين، فالخطر أن يسخر المجتهد نفسه لخدمة حاكم جائر أو صاحب شهوة مقتدر، أي أن يكون إلى جانب فهمه الفقهي الواسع، ضمير مخلص وإيمان ثابت يضمن عدم انحرافه. ولضمان هذا الأمر نحتاج أيضًا إلى وعى عام، إلى رأى عام يعمل كضمانة لعدم انحراف هذا المجتهد أو ذاك، فهنالك من يجتهد ليلحق المسلمين أكثر فأكثر بركب التبعية، فأين الضمير وأين مصلحة الجماعة الإسلامية في هذا الاجتهاد؟.

أما فيما يخص حقوق الجماعات القومية والدينية في مجتمعاتنا، فأولاً: لا خوف على الجماعات القومية، فالإسلام ليس لقوم دون آخر، إنه جامع للأقوام والشعوب وجسر للمحبة والتعاون بينهم على أساس العدل. وما يجرى من اضطهاد للشعوب والقوميات في بعض بلداننا إنما يجرى على أيدى النخب الحاكمة وأكثرها قومية وعلمانية. ولا يمكن لإسلام صحيح تطبق شريعته في المجتمع، إلا أن يعيد لكل صاحب حق حقه، فإذا كان الإسلام يحمى حق فرد واحد ويصونه من العدوان فكيف بحق الجماعات والقوميات؟.

أما الجماعات الدينية غير المسلمة، فلنا معها تاريخ طويل من العيش المشترك، فمنذ أيام الإسلام الأولى عاش الأقباط في هذا البلد، وقد حفظت الشريعة حقوقهم ولم تتدخل في شئونهم، وإذا كان هنالك من ضرر قد لحقهم في بعض العهود على أيدي حكام ظالمين، فقد لحق المسلمين أيضًا على أيدي نفس الحكام المظالم، ولكن المجتمع الإسلامي كان قادرًا على وضع صيغة عادلة للتعايش، صيغة لا تعتمد على موازين القوى بحيث يبدأ المسلمون بذبح المسيحيين عندما يتمكنون من ذلك، وكما حدث أن فعل الإسبان بالمسلمين واليهود بعد أن ضعف شأنهم في الأندلس، أو كما فعلت جموع الصليبيين، وإنما الصيغة كانت تعتمد على العدل.

الجزية!!

نحن لدينا مبدأ قديم/ جديد، لا لبس فيه، نقول عن غير المسلمين، "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، إن مطالبة بعض الجهلة بفرض الجزية على غير المسلمين، لا يجب أن تحسب على الإسلام، فالجزية كانت على الأغلب كبدل للخدمة العسكرية، فلم يشأ الإسلام أن يفرض على المسيحيين أن يقاتلوا ضمن جيشه، بينما كان هذا القتال يجرى أحيانًا ضد إخوانهم في الدين، وذلك حرصًا على مشاعرهم، وكذلك لأسباب أمنية ففرضت جزية لتكون تعويضًا عن إعفائهم من الخدمة العسكرية. أما الآن فالمسيحيون يعيشون معنا في أوطان، نحن وإياهم نعتبر مواطنين متساوين في الحقوق، أما حقوق غير المسلمين في مجال الأحوال الشخصية وعقود الزواج وغيرها فلا حق لأحد التدخل فيها.

ولكن لنرى كيف يفرض أحيانًا حكم الأقلية على الأغلبية. لنرى لبنان حيث الشيعة أكثر السكان عددًا، يليه الموارنة ثم السنة، ثم إن المسلمين كلهم (شيعة وسنة ودروز) يمثلون أكثرية ساحقة، بينما ظلت مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية بين الموارنة. وهنالك ضغوط دولية جائرة تمنع أي إصلاح يريد إحقاق الحق وإقامة العدل بين هذه الجماعات.

فعندما نتحدث عن حق الأقلية ونطالب بصونها (وهذا واجبنا) لا يجب أن ننسى حقوق الأغلبية، ومن الخطأ أن يطلب من المسلمين بأن "يخففوا" من إسلاميتهم (أن لا يطبقوا الشريعة مثلاً) حرصًا على غير المسلمين. إذًا إذا انتصر هذا المنطق يعني ذلك ظلمًا فاحشًا بحق الأغلبية يفرض باسم الأقلية وباسم الحرص عليها.

في جنوب السودان ١٠٪ من السكان مسیحیون، و10% مسلمون والبقية وثنيون. الآن يطرح الأمر وكأن جنوب السودان كله مسيحي، وهذا الطرح يعيق الحلول المطروحة للأمة ويعرقل جهود الأغلبية المسلمة لإعادة بناء حياتها ودولتها على أساس دينها. يجب أن نراعي كفتي الميزان: نطالب بحق المسلمين الذي لا جدال فيه، بتطبيق الشريعة الإسلامية، ونطالب في الوقت نفسه بصيانة حقوق غير المسلمين وإحقاق الحق في كل المجالات، وهذا من مقاصد الشريعة. ويجب أن نتمسك بالقاعدة الذهبية (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).

إن بلادنا لم تشهد حروبًا دينية ولا مجازر كالتي حدثت في أوروبا. أما الآن فيلقي في روعنا بأن تطبيق الشريعة قد يؤدي إلى مضاعفات طائفية وتناحر ديني، وهذا غريب عن تجربتنا التاريخية. ولنتذكر: إن لبنان الذي أصبح رمزًا للتناحر الطائفي، بدأت الحرب فيه وليس فيه حزب إسلامي واحد، ولا أحد يطالب بتطبيق الشريعة، بل إن الأحزاب السائدة والمتنفذة في كل مناطقه كانت أحزابًا علمانية: ليبرالية وقومية واشتراكية،... وفي ظل هذا التكوين العلماني للدولة والأحزاب جرت الحرب الطائفية المقيتة.

---------------------------------------------------------------

 * مقال منشور بمجلة الأزهر، عدد جمادى الآخرة 1433هـ/ مايو 2012م، ص 1292- 1299.

عُقدت يوم الأحد الموافق 22 أكتوبر 2023م ندوة بعنوان «النزاع الحالي في غزة... حول الأبعاد القانونية والسياسية والإنسانية لكل الأطراف المتنازعة» نظمتها كلية الحقوق بجامعة الكويت على مسرح عبدالله الجابر بالشويخ.

وأجمع المشاركون في هذه الندوة على أن ما يحدث بفلسطين إبادة جماعية وجريمة مكتملة الأركان يعاقب القانون الدولي من نفذها ومن أمر بها وساعد وسكت عنها.

وقال أستاذ العلوم السياسية بالجامعة د. عبدالله الشايجي، إن ما حدث في غزة خلال الـ 16 يومًا الماضية هز ضمير العالم كله، وأثبت ازدواجية المعايير وتكريس سردية كاذبة، موضحًا أنه «خلال القصف على غزة لم نسمع أحدًا من الرؤساء بأمريكا وأوروبا يندد بكلمة الاحتلال أو يطالب بوقف اطلاق النار، وهو لب الموضوع وما نشهده اليوم».

وأكد أيضًا على أن ما قامت به إسرائيل يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان في كل دقيقة، وأضاف الشايجي أن القانون الدولي وجميع الشرائع تعطي الحق لمن احتلت أرضه أن يقاوم المحتل، مؤكدًا أن ما قامت به غزة هو دفاع عن أرضها، فهناك أكثر من 5 آلاف سجين فلسطيني في السجون الإسرائيلية دون أي محاكمة.

ومن جانبه قال أستاذ القانون الدولي بالجامعة د.عيسى العنزي، «إن ما قامت به إسرائيل جريمة موثقة في انتهاك القانون، وما يحدث اليوم في غزة يُعد إبادة جماعية يحاسب القانون الدولي كل من نفذها وأمر بها وشارك فيها وهي لا تسقط بالتقادم».

 

وأكد أن مجلس الأمن فاشل حاليًا في ظل وجود «الفيتو» الذي استغل بشكل خاطئ عما شُرع لأجله، وتم استغلاله لمصالح شخصية، داعيا الدول إلى الاعتراض على حق «الفيتو» للدول التي تتمتع به، وطلب تفسيره في وضعه الحالي عن طريق محكمة العدل الدولية.

من جانبها، دعت عضوة الجمعية الثقافية النسائية الكويتية د. منال الديحاني إلى الضغط في جميع الوسائل الإعلامية والمدنية والنقابات لإيصال صوت الشعب الفلسطيني، وبينت الديحاني «أن العدوان العسكري المتكرر يسمح لنا أن نرفع القضايا الدولية على مرتكبي جرائم الحرب»، مؤكدة أن «الإعلام الغربي مسيس بطريقة عنصرية للتأثير على المجتمع في الداخل والخارج ولابد من التصدي له، وفك هذه السلبية».

وأكد السفير المصري لدى الكويت أسامة شلتوت أن المعبر مع غزة لم يغلق يومًا من الجانب المصري، وتم إدخال المساعدات الإنسانية في المرحلة الأولى لأكثر من 20 حافلة مساعدات، ووصلت إلى وسط المعبر بالتعاون مع الأمم المتحدة التي تقوم بدورها بإيصالها إلى الجانب الآخر، مثمنًا دعم القيادة في الكويت المتواصل للشعب الفلسطيني وتيسير جسر جوي عبر مطار العريش وصولاً إلى معبر رفح.

وعبر شلتوت عن استنكاره لما تقوم به إسرائيل منذ بدء الأحداث في غزة من منع المساعدات وقطع الكهرباء والماء، والتي تُعد عقوبات جماعية وفق القوانين الدولية والإنسانية، مشيرًا إلى أنه كانت هناك دعوة من مصر لقمة السلام لإحياء القضية الفلسطينية وهي قضية مصر الأولى وكان هناك تحيز واضح من جانب بعض الدول الغربية إلى إسرائيل وكان هناك إجماع عربي.

وأكد شلتوت أن جهود مصر التي تبذل هي لوضع حل للقضية الفلسطينية، والتي لن تحل إلا بإنشاء دولة فلسطين في اطار حدودها الشرعية وفقًا لقرارات الأمم المتحدة وعاصمتها القدس الشرقية.


*  نقلاً عن موقعي: جريدة السياسة الكويتية، وجريدة الجريدة الكويتية، بتاريخ 23 أكتوبر 2023م.

 

يرجع ابتكار مُصطلح "القانون الدولي الإنساني" (International Humanitarian Law)[1] إلى الفقيه القانوني والقاضي والدبلوماسي المعروف ماكس هوبر (Max Huber)، والذي شغل كذلك منصب رئاسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعدة سنوات. ولم يلبث هذا المُصطلح أن ظهر حتى تم تبنيه من قبل العديد من الفُقهاء، ويكاد يكون اليوم مُصطلحًا رسميًا على الصعيد الدولي[2].

وقبل الاستقرار على مصطلح "القانون الدولي الإنساني"، فقد مر بالعديد من المسميات مثل "قانون الحرب"، "القانون الإنساني"، القواعد القانونية المُطبقة أثناء النزاع المُسلح"، "قانون النزاعات المُسلَّحة"[3]، قانون حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة أو قانون سير العمليات القتالية[4]، ولكن اسم " القانون الدولي الإنساني" هو الأكثر ذيوعًا وشهرةً الآن[5].

ونرى أن تسمية هذا القانون بالقانون الدولي الإنساني تُظهر الغاية الرئيسية أو الطابع الإنساني لهذا القانون، وهي التخفيف من المعاناة الإنسانية الناجمة عن ويلات الحروب[6]، كما أن هذه التسمية هي المعتمدة لدى المنظمات الدولية المعنية بتطبيقه، ومنها -في المقام الأول- اللجنة الدولية للصليب الأحمر[7]. ويذهب البعض إلى تفضيل استخدام تعبير القانون الإنساني الدولي، بدلاً من القانون الدولي الإنساني[8]، وذلك لقناعته بأن إنسانية الإنسان سابقة على دوليته، ويُدلل على ذلك بأن الترجمة العربية للمُصطلح الإنجليزي (International Humanitarian Law)، تعني القانون الإنساني الدولي[9].

ولقد اختلف الفقه في تحديد المقصود بمصطلح القانون الدولي الإنساني[10]، فلا يوجد حتى الآن تعريف واحد لهذا المصطلح، نظرًا للتطورات السريعة التي يمر بها، فأصبح هناك حالة من الغموض، أدت إلى حدوث خلط بين بعض التعريفات أو المفاهيم[11].

ولكن على أية حال فقد عرفه البعض بأنه: "مجموعة المبادئ والقواعد المُتَّفق عليها دوليًا، والتي تهدف إلى الحد من استخدام العنف في وقت النزاعات المُسلَّحة عن طريق حماية الأفراد المُشتركين في العمليات الحربية، أو الذين توقفوا عن المُشاركة فيها، والجرحى والأسرى والمدنيين، وكذلك عن طريق جعل العنف في المعارك العسكرية مُقتصرًا على تلك الأعمال الضرورية لتحقيق الهدف العسكري"[12].

وقد عرفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر اصطلاح القانون الدولي الإنساني بأنه: "مجموعة القواعد الدولية المستمدة من الاتفاقيات أو الأعرف الرامية على وجه التحديد إلى حل المشكلات الإنسانية الناشئة بصورة مباشرة من المنازعات المسلحة الدولية وغير الدولية، والتي تقيد لأسباب إنسانية، حق أطراف النزاع في استخدام طرق وأساليب الحرب التي تروق لها أو تحمي الأعيان والأشخاص الذين تضرروا أو قد يتضررون بسبب المنازعات المسلحة"[13].

ويمكن تعريف القانون الدولي الإنساني بأنه: "ذلك الفرع من فروع القانون الدولي العام الذي يشتمل على مجموعة القواعد القانونية الدولية اتفاقية أو عرفية التي تنظم العلاقة بين أطراف النزاع المسلح الدولي وغير ذات الطابع الدولي أو بينها وبين الأطراف المحايدة، بهدف تقييد حق أطراف النزاع في اختيار أساليب، ووسائل القتال، وكذلك حماية الأشخاص، والأموال حال تلك المنازعات المسلحة، للمحافظة على حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية وكرامته الإنسانية"[14].

ونرى أن هذا التعريف هو التعريف الأمثل للقانون الدولي الإنساني؛ لأنه يحتوي إلى حد ما على العناصر الأساسية المحددة للنطاق الزمني والشخصي والمادي للقانون الدولي الإنساني؛ فمن حيث النطاق الزمني نجد أنه يطبق على النزاعات المسلحة الدولية أو غير ذات الطابع الدولي؛ ومن حيث النطاق الشخصي فهو قانون ذو طابع إنساني يهدف إلى مراعاة الاعتبارات الإنسانية وتغليبها على الضرورات العسكرية، ومن حيث النطاق المادي أو الموضوعي للقانون الدولي الإنساني، فإن جوهر هذا القانون وغايته هو توفير الحماية القانونية للفئات غير المشاركة بصورة مباشرة في العمل العسكري[15].

وعرف الفقهاء المعاصرين القانون الدولي الإنساني في الإسلام بأنه: "مجموعة القواعد الشرعية الهادفة إلى حماية الإنسان والحفاظ على حقوقه وقت النزاع المسلح"[16].

ومن التعريف السابق للقانون الدولي الإنساني في الإسلام يمكن استخلاص أمرين بارزين في هذا القانون، هما أن الحرب يجب أن تقتصر على الضرورة فقط كمًا وكيفًا، وأن ما يقع فيها يجب أن يكون إنسانيًا؛ أي محترمًا لإنسانية أطرافها، وهاتان قاعدتان إسلاميتان؛ أما الأولى فقاعدة الضرورة، وإن من المقرر في الشريعة أن الضرورة تقدر بقدرها، وما دامت الحرب ضرورة فإنه لا يجوز بحال تجاوز هذه الضرورة، وأي تجاوز هو تعدِ واعتداء على الطرف الآخر[17].

وأما القاعدة الإنسانية فإن الأصل تكريم الإنسان قال تعالى ]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[[18]، وحرم ظلمه ]وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا[[19]، وهذا وعيد لكل ظالم، فيشمل ظلم الإنسان للإنسان أثناء القتال، وتبعًا لهذه القاعدة دعا الإسلام إلى خوض المعارك بروح إنسانية[20]، فلا يقدم المسلم على القتل إلا لسبب شرعي ] وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[[21]، وإذا تحقق السبب الشرعي وجب أن يتم القتل ضمن أفضل الطرق إنسانية[22].

وتأسيسًا على ما سبق يمكن القول بأن الإسلام عرف معظم القواعد والمبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني[23]، ومن أمثلة هذه المبادئ مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين، وأوجب حماية غير المقاتلين، كما عرف التفرقة بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية وأوجب حماية الأهداف المدنية، ويظهر ذلك جليًا من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جيش أرسله، حيث يقول لجنوده "انطلقوا بسم الله، وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله في سبيل الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا"[24]، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: "انطلق إلى خالد، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ألا تقتل ذرية ولا عسيفًا[25]، كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في معركة بدر أن يكرموا الأسرى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغذاء رغم حاجتهم إلى الطعام، حتى نزل قول الله تعالى[26]: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[27]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا "غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك"[28]، كما أوصى صلى الله عليه وسلم بعدم قتل الرهبان، وعدم هدم المنازل[29]، وقد سار الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ذات الاتجاه الإنساني[30]؛ إذ أوصى قائد الجيش يزيد بن أبي سفيان قائلاً: " إني موصيك بعشر فاحفظهن، إنك ستلقى أقوامًا زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا له، وقال: وستلقى أقوامًا قد حلقوا أوساط رؤوسهم فأفلقوها بالسيف[31]، قال ولا تقتلن مولودًا[32]، قال ولا امرأة ، قال ولا شيخًا كبيرًا، قال ولا تعقرن شجرًا بدا ثمره ولا تحرقن نخلاً ولا تقطعن كرمًا، قال ولا تذبحن بقرة ولا شاة، ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا لأكل"[33].

وكان عمر بن الخطاب يقول لجنده: "بسم الله وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، ولكم النصر بلزوم الحرب والصبر، قاتلوا ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجنبوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الفرسان، وعند زحمة النبضات، وفي شن الغارات، وتزهوا الجهاد عن عرض الدنيا"[34].


[1] للمزيد من التفاصيل حول مصطلح القانون الدولي الإنساني انظر: د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مركز الدراسات العربية، القاهرة، 2022م، ص77-96.

[2] د. زيدان مريبوط، مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، المُجلَّد الثاني لحقوق الإنسان، دار العلم للملايين، بيروت، 1988م، ص100.

[3] د. أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني في القانون الدولي وفى الشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006م، ط1، ص3.

[4] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص77.

[5] د. أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني في القانون الدولي وفى الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص3.

[6] انظر: د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، حماية اللاجئين في فترات النزاعات المسلحة "دراسة نظرية تطبيقية"، مركز الدراسات العربية، القاهرة، 2022م، ص122.

[7] انظر: د. مفتاح عمر درباش، تطور مركز الفرد في القانون الدولي الإنساني، بدون ناشر، 2014م، ص33.

[8] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص78.

[9] هشام محمد بشير محمد الصادق، حماية البيئة في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني "دراسة نظرية مع التطبيق على حالتي العراق ولبنان"، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2010م، ص56.

[10] للمزيد من التفصيل حول تعريف القانون الدولي الإنساني انظر: د. محمود شريف بسيوني، القانون الدولي الإنساني "مؤلف جماعي"، تقديم: د. أحمد فتحي سرور، دار المستقبل العربي، القاهرة، 2003م، ص83؛ هشام محمد بشير محمد الصادق، حماية البيئة في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني "دراسة نظرية مع التطبيق على حالتي العراق ولبنان"، مرجع سابق، ص56-61؛ د. أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص3؛ د. فيصل شطناوي، حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، دار الحامد، عمان، 2001م، ص190؛ د. جميل محمد حسين، المقدمة في القانون الإنساني الدولي، كلية الحقوق، جامعة بنها، 2010م، ص3 وما بعدها؛ د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص77-96.

وباللغة الإنجليزية راجع:

  • Jean Pictet, The Principles of International Humanitarian Law, International Committee of Red Cross, Geneva, 1975, P2.
  • Vincent Chetail, The Contribution of The International Court of Justice To International Humanitarian Law, International Review of The Red Cross, Vol. 85, 2003.

[11] انظر: د. محمد سعد صالح، دروس في القانون الدولي الإنساني، بدون ناشر، 2013م، ص10.

[12] د. محمد نور فرحات، القانون الدولي الإنساني لحقوق الإنسان "جوانب الوحدة والتمييز"، بحث مُقدَم إلى المؤتمر الإقليمي العربي بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف للقانون الدولي الإنساني 1949-1999م، القاهرة في الفترة ما بين 14-16 نوفمبر 1999م، ص1؛ نزار أيوب، القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، سلسلة دراسات قانونية، رام الله، فلسطين، 2006م، ص6.

[13] ورد هذا التعريف في: د. عبد الغني محمود، القانون الدولي الإنساني، دار النهضة العربية، القاهرة، 1991م، ط1، ص9؛ المجلة الدولية للصليب الأحمر، مقال بعنوان: "إجراءات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حالات انتهاك القانون الدولي الإنساني"، ع: 728، أبريل 1981م، ص79.

[14] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص84.

[15] للمزيد من التفصيل عن العناصر التي يحتوي عليه مفهوم القانون الدولي الإنساني انظر: د. مفتاح عمر درباش، تطور مركز الفرد في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص37-38؛ د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص84.

[16] انظر: د. زيد بن عبد الكريم الزيد، مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام،  اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 1425ه، ص25.

[17] المرجع السابق، ص25-26.

[18] سورة الإسراء، الآية رقم ۷۰.

[19] سورة الفرقان الآية رقم ۱۹.

[20] انظر: إحسان الهندي، الإسلام والقانون الدولي، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، سوريا، ۱۹۸۹م، ط1، ص۱۳۷.

[21] سورة الأنعام، الآية رقم ١٥١.

[22] د. زيد بن عبد الكريم الزيد، مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام، مرجع سابق، ص26.

[23] المرجع السابق، ص104-106.

[24] عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المصنف, كتاب الجهاد، ج: 7، دار الفكر، 1414هـ/ 1994م، ص654.

[25] أحمد بن علي محمد الكناني العسقلاني، التلخيص الحبير، ج: 4، كتاب السير "باب كيفية الجهاد"، مؤسسة قرطبة، 1416هـ/ 1995م، ط1، ص193.

[26] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص104-105.

[27] الآية 8-9 من سورة الإنسان.

[28] انظر: محمد بن مصلح الدين مصطفى القوجوي الحنفي المتوفي سنة 951هـ، حاشية محي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي المتوفي سنة 685هـ، ج8، ضبطه وصححه وخرج آياته: محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1419هـ/ 1999م، ط1، ص436؛ العلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري 467-538هـ، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج6، تحقيق وتعليق ودراسة: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض ود. فتحي عبد الرحمن أحمد حجازي، مكتبة العبيكان، الرياض، 1418هـ/ 1998م، ط1، ص277.

[29] N. M. Wasfi, The Great Battales of Islam, AL- Azhar Magazine,Vol. 69, Part. II, Safar 1417 H/ June-July 1996, P.297.

[30] جمعة شحود شباط، حماية المدنيين والأعيان المدنية وقت الحرب، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، القاهرة، 1424هـ/ 2003م ، ص83-84.

[31] المراد الشمامسة، فمنهم أئمة الكفر إذ يحثون الناس على القتال.

[32] المراد هو الصبي، لأن ما من أحد إلا وهو مولود.

[33] انظر: محمد بن أحمد السرخسي، شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، ج1، معهد المخطوطات، جامعة الدول العربية، 1971م، ص40-44.

[34] انظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ت276هـ/889م، عيون الأخبار، ج1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418هـ، ط1، ص185؛ أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين ت399هـ/ 1008م، قدوة الغازي، دراسة: عائشة السليماني, دار الغرب الإسلامي, بيروت, لبنان، 1989م، ص166.

مشار إليه في: د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص105-106.

 لقد شهدت البشرية –ولا تزال- العديد من الجرائم الدولية التي يرتكبها البشر، سواء أكان ذلك في وقت السلم أم في وقت النزاعات المسلحة، وتأتي "جرائم إبادة الجنس البشري" على قمة الجرائم من حيث الخطورة والنتائج الوخيمة[1].

ويطلق على جرائم إبادة الجنس البشري اسم "جرائم الإبادة الجماعية"، وفي الحقيقة ما هي إلا تسميات مختلفة لمسمى واحد[2]، ويُذكر أن مصطلح "إبادة الأجناس" (Genocide)[3] مشتق من الكلمة اللاتينية (Genus)، وتعني الجماعة، ومن الكلمة اللاتينية (Cide)، ومعناها يقتل، ونتاجًا لذلك يعني المصطلح قتل أو تدمير الجماعة[4]، ويرجع الفضل في تسميتها بهذا الاسم إلى محامي يهودي بولندي "رفائيل ليمكين" الذي عمل مستشارًا للولايات المتحدة الأمريكية لشؤون الحرب في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أبيدت أسرته التي وقعت في الأسر من قبل النازيين[5].

وأكدت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في قرارها رقم 96 في 11 ديسمبر 1946م، على أن جريمة الإبادة الجماعية هي جريمة دولية، يستهجنها المجتمع المتحضر، ويجب معاقبة مرتكبيها سواء كانوا فاعلين أصليين أم شركاء وبصرف النظر عن صفتهم حكامًا أم أفرادًا عاديين، وسواء قاموا بارتكابها على أسس تتعلق بالدين أم بالسياسة أم بالجنس[6].

وتوصف جريمة الإبادة الجماعية Genocide Crime بأنها أشد الجرائم الدولية جسامة وبأنها جريمة الجرائم[7]، فهي تمس أغلى ما يمتلكه الإنسان وهو الحق في الحياة، ولذا فقد صدرت العديد من القرارات الدولية التي تجرم أفعال الإبادة الجماعية منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة[8]، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى حقيقة مهمة مفادها أن الصراعات الدولية والإقليمية لم تخلو من تجاوزات تضمنت أمثلة صارخة على اقتراف هذه الجريمة، ومن أمثلة هذه النزاعات المسلحة تلك التي حدثت في أمريكا إبادة الهنود الحمر، وفي البلقان في البوسنة وكوسوفو تحددًا، وفي رواندا[9].

وتعرف الإبادة الجماعية بأنها "التدمير المتعمد سواء الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو عنصرية أو عرقية أو دينية"[10]، وعرفتها المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية "بأنها أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه؛ إهلاكًا كليًا أو جزئيًا[11]:

  • قتل أفراد الجماعة.
  • إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.
  • إخضاع الجماعة عمدًا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليًا أو جزئيًا.
  • فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
  • نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخري[12].

ويظهر من خلال استعراض هذا الّنص، وفي ضوء الخلفية التاريخية لهذه الجريمة، لا سيما الجرائم المرتكبة في "البوسنة" و "الهرسك" ضد المسلمين[13]، أن هذه الجريمة يمكن أن ترتكب في وقت الحرب والسلم، وبذلك عدّ النظام الأساسي للمحكمة الأعمال التي ترمي إلى إبادة الجنس البشري، جريمة دولية توجب معاقبة مرتكبيها بغض النظر عن زمن ارتكابها[14].

ووفق نظام المحكمة الجنائية تتميز هذه الجريمة بأنها ذات طبيعة دولية؛ والطبيعة الدولية لهذه الجريمة لا تعنى بالضرورة ارتكابها من مواطني دولة ضد دولة أخرى، ولكن قد تقع داخل الدولة الواحدة شرط أن تتحقق في أفعالها طبيعة الركن المادي لأفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية ونظام المحكمة الجنائية الدولية[15]، كما أن المسئولية المترتبة عليها هي مسئولية مزدوجة تقع تبعتها على الدولة من جهة، وعلى الأشخاص الطبيعيين مرتكبي الجريمة من جهة أخرى[16].

وعن موقف الشريعة الإسلامية نجد أنها حرمت أي فعل من أفعال جريمة الإبادة الجماعية، ولعل ذلك واضحًا في التصوير القرآني لجريمة الإبادة الجماعية؛ حيث قدم مثالًا واضحًا عن هذه الجريمة، وهي جريمة أصحاب الأخدود، والتي تم ذكرها في سورة البروج؛ حيث توعد الله سبحانه وتعالى القائمين على هذه الجريمة، بقوله جل وعلا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [سورة البروج: الآية 10] [17].

ويشير القرآن الكريم أيضًا إلى حقيقة اجتماعية تربوية مهمة، وهي أن قتل أي إنسان، إن لم يكن قصاصًا لقتل إنسان آخر، أو لم يكن بسبب جريمة الإفساد في الأرض، فهو بمثابة قتل الجنس البشري بأجمعه، كما أن إنقاذ إنسان من الموت يعد بمثابة إنقاذ للإنسانية كلها من الفناء، ووردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تحرم القتل، وإبادة الجنس البشري، وكذلك أجمع فقهاء المسلمين على حرمة إهلاك النسل والحرث[18].

فقواعد وأحكام الشريعة الإسلامية ترفض رفضًا قاطعًا قتل أي إنسان دون وجه حق، ومن ثم فهي لا تقر بجريمة إبادة الجنس البشري، وتنظر إلى المدنيين أي غير المقاتلين بعين الرأفة والرحمة.


 [1] انظر: أيمن عبد العزيز محمد سلامة، المسئولية الدولية عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، 1426هــ/ 2005م، ص1.

[2] انظر: نوزاد أحمد ياسين الشواني، الاختصاص القضائي في جريمة الإبادة الجماعية، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2012م، ط1، ص34؛ نبيل أحمد حلمي، جريمة إبادة الجنس البشري في القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، بدون سنة نشر، ط1، ص17.

[3] Webster Comprehensive Dictionary, International Edition, 1977, P.527.

[4] أيمن عبد العزيز محمد سلامة، المسئولية الدولية عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، مرجع سابق، ص21..

[5] انظر: ناظر أحمد منديل، جريمة إبادة الجنس البشري، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 2000م، ص3.

[6] انظر: محمد منصور الصاوي، أحكام القانون الدولي المتعلقة بمكافحة الجرائم ذات الطبيعة الدولية، دار المطبوعات الجامعية، مصر، 1984م، ص235.

[7] نسرين عبد الحميد نبيه، الجرائم الدولية والانتربول، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2011م، ص64.

[8] انظر: إبراهيم عبد ربه إبراهيم علي، مدى فعالية دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم الإرهاب الدولي، مجلة الدراسات الفقهية والقانونية، المعهد العالي للقضاء، سلطنة عُمان، ع: 1، يناير 2019م، ص97.

[9] انظر: د. عبد الفتاح بيومي حجازي، المحكمة الجنائية الدولية "دراسة متخصصة في القانون الجنائي الدولي"، دار الفكر الجامعي، جمهورية مصر العربية، 2004م، ص313-314.

[10] راجع نص المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية.

[11] نص المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

[12] إبراهيم عبدربه إبراهيم علي، مدى فعالية دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم الإرهاب الدولي، مرجع سابق، ص98.

[13] للمزيد من التفاصيل حول الجرائم المرتكبة في البوسنة والهرسك ومتابعة المسئولين عنها راجع: حسام على عبد الخالق الشيخة "المسئولية والعقاب على جرائم الحرب"، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2004م، ص489 وما بعدها.

[14] علي يوسف الشكري، القضاء الجنائي الدولي في عالم متغير، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2011م، ص138.

[15] عبد الفتاح بيومي حجازي، قواعد أساسية في نظام محكمة الجزاء الدولية، دار الكتب القانونية، 2008، ص31.

[16] عبد الواحد الفار، أسرى الحرب، عالم الكتب، القاهرة، 1975م، ص208؛ إبراهيم عبدربه إبراهيم علي، مدى فعالية دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم الإرهاب الدولي، مرجع سابق، ص98.

[17] انظر: عبد المهدي جاسم محمد الخفاجي، الانحراف عن أحكام وقواعد الحرب في الشريعة الإسلامية "الإبادة الجماعية أنموذجًا"، رسالة ماجستير، كلية العلوم الإسلامية، جامعة كربلاء، العراق، 1437هــ/ 2016م،  ص128-133.

[18] المرجع السابق، ص132.

 

أجري الدكتور “عبد الرزاق بلعقروز” رئيس تحرير مجلة “نماء” حوارًا مع الأستاذ الدكتور وائل حلاق… حول منهجه في النظر الفكري ومنظومة مفاهيمه، وأبعاد مشروعه الأبستمولوجية والأخلاقية، وذلك ضمن أعمال “دورية نماء” بالعددين 6 و7، ربيع وصيف 2018م.

ودار الحوار حول نقاط أساسية، منها:

  • تعدد المفهومية والشخصيات والمناهج في نصوص “وائل حلاق” عبر كتبه.
  • بناء التراث الإسلامي من خلال منهج وطريقة جديدة له، وفهم مقولة الشريعة.
  • القيم الأخلاقية في الفكر العربي وتقييم “وائل حلاق” للجهود التي تسائل الأخلاق.

وكان من أهم الأسئلة التي طرحها المحاور على د. وائل حلاق:

  • طبيعة التكوين المعرفي الذي ميز د. وائل حلاق بالتعددية سواء كانت مفهومية أم شخصية أم منهجية، وحقيقة التشابكات المعرفية (مفهومية ومنهجية) التي تطبع نصوصه ومؤلفاته؟
  • مدي صدقية أن الغرض من نصوصه هو إعادة بناء منهج جديد في التراث الإسلامي، من خلال إعادة بناء وفهم مقولة الشريعة، وما هي الدعامات المنهجية التي يمكن الارتكاز عليها لأجل فهم التراث في سياق منهجيات سائدة تسلك المسلك الاستشراقي في هذا الأمر؟
  • مدي مناسبة القول بأن مقالاته التي تنحو المنحى الأخلاقي، أو تراهن على مركزية “النطاق المركزي الأخلاقي” لصلاح حال الإنسان، هي انعكاس لعودة السؤال الأخلاقي في الفكر الإنساني المعاصر؟  

وننشر نص الحوار كاملًا على الوجه الآتي:

نماء: الناظر في نصوص وائل حلاق عبر كتبه، يرى بأن ثمة تعددية مفهومية مثل: النموذج والنّطاق المركزي والنظام المعرفي وأيضًا تعددية منهجية مثل: الفيلولوجيا والجينيالوجيا… فضلًا عن تعددية الشخصيات المفهومية: كارل شميث، وجورجيو أغامبين وطه عبد الرحمن، ما هي طبيعة التكوين المعرفي الذي ميزكم بهذه التعددية وحقيقة التشابكات المعرفية (مفهومية ومنهجية) التي تطبع نصوصكم؟

وائل حلاق: بشكل عام، أجد أنه من الصعب جدًا الإجابة على هذا النوع من الأسئلة. هذا لأن التكوين الفكري لا يكون أبدًا شيئًا متعمدًا أو مقصودًا. ولا يسبق مستويات وعي المرء بقيمته الذاتية. فالباحثون والمثقفون يختارون المنهجيات والنظريات التي تناسب أفكارهم أثناء تطويرها. ولذا فإن توصيف التكوين الفكري للفرد هو بالضرورة مسألة تتعلق بما بعد الحدث (بُعد ميتافيزيقي)، وتحليلٌ بعد الفعل. وبالتالي فإن النظر إلى عمل المرء نفسه، بمعنى ما، يبدو مثل النظر إلى عمل الآخرين. وعلى هذا النحو، فربما يمكن الإجابة على هذا السؤال من قبل الآخرين بقدر ما يمكنني الإجابة عليه، إن لم يكن أفضل. لكنك سألتني، وسأحاول الإجابة عليه.

 أرى أن اختيار المرء اتباع مسار منهجي أو نظري معين ليس اختيارًا حرًا تمامًا. إنه اختيار يقوم به المرء لكن ضمن قيود معينة. لكن ما هي هذه القيود؟ أعتقد أن القيد الرئيسي الأول هو الموقف الذي يتخذه المرء. أنا لا أدعي أن لدي تفسير لماذا يتخذ أحد المثقفين موقفًا معينًا بينما يتخذ الآخر موقفًا مغايرًا. ولا أعتقد أن أحدًا لديه إجابة على هذا السؤال فضلًا. عن إجابة شاملة بأي حال لماذا دافع ماركس عن نظرياته؟ لماذا دافع فوكو عن النظريات التي ناصرها؟ في بعض الأحيان نعزو هذه الاتجاهات والنزوعات الفكرية إلى التربية وخبرات الطفولة، والخبرات الحياتية، ولكن لا شيء يمكن أن يفسر بشكل مقنع لماذا يصبح الناس مفكرين وباحثين بالطريقة التي هم عليها. لذلك لن أستفيض في الحديث عن هذه المشكلة، لكنني سأفترض أننا نتخذ المواقف لسبب أو لآخر، أو على الأرجح، لمجموعة معينة من الأسباب أو غيرها.

بالنسبة لي، بدأت الأمور معي عندما تخصصت في الشريعة، وقضيت عدة سنوات في دراستها. أول شيء لاحظته هو أنني عندما قرأت مصادر الفقه وأصول الفقه وجدت فجوة بين الدروس التي استخلصتها من هذه المصادر وما قاله الاستشراق عنها. لقد بدأت من الموقف الأصلي القائل بأنه يلزم إجراء تصحيح. لكن بعد بضع سنوات، أدركت أن سوء الفهم وسوء التأويل ليسا من قبيل الصدفة أو الاستثناء؛ بل إنهما يمثلان مشكلة أعمق في الطريقة التي يرى بها باحثو أوروبا وأمريكا العالم ويفسرونه. بمعنى آخر لم تكن الشريعة هي المشكلة بل الطريقة التي قرأها بها قراؤها الغربيون. كحقل دراسي، فإن الشريعة، بالنسبة لي، أبرزت هذه المشكلة. لقد كانت سياقًا غنيًا ظهر فيه التحيزات الغربية بوضوح شديد. لكن في وقت لاحق من مسيرتي المهنية، بدأت أدرك أن مشكلة القراءة الخاطئة للشريعة هي أعمق من ذلك بكثير، فهي تعود إلى البنية الأساسية للمشروع الحديث. 

وهنا، في هذه المرحلة، بدأت أبحث عن أطروحات نقدية مختلفة للحداثة يمكن المشكلة هو أن تساعدني في فهم ما يحدث. ولكن بعد أن أمضيت سنوات عديدة في قراءة هذه الأطروحات النقدية، فإن ما وجدته مذهلًا حقًا هو أن شكوكي وظنوني الأولية حول مشكلات الحداثة وأنماطها المعرفية لم يتم تأكيدها فحسب: لقد توصلت إلى خلاصة مفادها أن دراسة الشريعة يمكن أن تساعد في الواقع على فهم المشكلات التي اجتاحت المشروع الحديث. بعبارة أخرى، لم تكن دراسات الشريعة التي أجريتها دراسات تاريخية فحسب بل صارت الشريعة نفسها -باعتبارها نسقًا فعالًا بمنطقها الداخلي ومجتمعها الخاص- مصدرًا لنقدي للحداثة. وبما أن مجال الشريعة هو في الواقع مجال واسع يتسع لأن تصبح الشريعة مجالًا للثقافة كان هناك العديد من الجوانب التي يتعين دراستها. يمكن للمرء التركيز على أنماط العقلانية مقارنة بالحداثة، وهنا يصبح عمل مدرسة فرانكفورت، وكانط، ومنتقديه وطه عبد الرحمن، وغيرهم مفيدًا للغاية. يمكن التركيز كذلك على أبعادها السياسية واستخدام ذلك من أجل نقد مثمر للفكر السياسي الحديث والسياسة، بما في ذلك الدولة. هنا بالطبع أثبتت أعمال شميت وأغامبين وآخرين أنها مثمرة للغاية. ثمة مثال آخر هو نقد الحداثة ودراسة الشريعة من منظور الدستورانية (Constitutionalism)، وهو موضوع الكتاب الذي أعمل عليه الآن. الجدير بالملاحظة هنا هو أن القرآن والشريعة في مشروعي هما مصدران للنقد كما هو الحال مع النقد الغربي للدستورانية الغربية. إن دراسة هذه المجالات الإسلامية لا يقتصر على كشف تاریخها فحسب، بل أيضًا على شحذ نظام نقدي من خلال دراسة منطقها. ولكن يمكن للمرء أن يفعل أكثر من ذلك مع مثل هذه الدراسات. يمكن لدراسة الإسلام بشكل عام، ودراسة القرآن والشريعة على وجه الخصوص، إثراء وتعديل وصقل نظريات العديد من الفلسفات النقدية المنتجة في الغرب. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء استخدام فوكو بطرائق مفيدة جدًا في تطوير ملكة التفكير النقدي، ولكن يمكن للمرء أيضًا أن يُخضع عمل فوكو للنقد كجزء من الحداثة، وعلى أساس معرفة الشخص بالشريعة، وما إلى ذلك. هذا ما فعلته على سبيل المثال، في كتابي الذي نشر مؤخرا، بعنوان «قصور الاستشراق (Restate Orientalism) (من المتوقع صدور الترجمة العربية في هذا العام). في هذا العمل، وجدت أنه من الضروري تعديل وتعميم مفهوم «حالة الاستثناء» عند أغامبين، الذي هو بالفعل تعديل لمفهوم شميت.

نماء: الناظر في نصُوصكم يجد أن الغرض الرئيس هو إعادة بناء منهج جديد في قراءة التراث الإسلامي من خلال إعادة بناء وفهم مقولة الشريعة، فإلى أي مدى يمكن الإقرار بهذه الحقيقة؟ وما هي الدعامات المنهجية التي يمكن الارتكاز عليها لأجل فهم التراث في سياق منهجيات سائدة تسلك المسلك الاستشراقي في هذا الأمر؟

وائل حلاق: أعتقد أنه من الواضح الآن أن مشروعي يبدأ بالشريعة، وكما قلت، ويستخدمها كأساس لنقد الحداثة. أرى أنك محق في وصف المشروع بأنه محاولة لإعادة بناء التراث عن طريق تقديم قراءة جديدة له. ولكن قبل أن أشرح كيف أريد المضي قدمًا في هذا المشروع، يجب أن أوضح نقطة مركزية هنا: ألا وهي أن مفهوم الشريعة الذي أطرحه يجب أن يفهم على أنه يتضمن العديد من الأشياء بخلاف مفهوم القانون. كما أوضحت في كتابي “الشريعة: النظرية، والممارسة والتحولات” (۲۰۰۹)، فمن الإشكالي جدًا رؤية الشريعة كقانون بأي معنى حديث للمصطلح. الشريعة هي بالتأكيد “قانونية” مثل أي نظام حديث، ولكنها أكثر من ذلك بكثير، سواء في مضمونها ومنهجيتها، من جهة، وفي تصوراتها للواقع، من جهة أخرى، لكن عبارة “أكثر من ذلك بكثير”، لا تعني أن الشريعة تتشارك مع الأنظمة الحديثة في بعض السمات وبالتالي يمكن مقارنتها بها بسبب هذا التشابه، وبمعزل عن الاختلافات. هذا خطأ. إن اهتمام الشريعة الواسع بالذات كذات بشرية يمنحها سمات إضافية وهو ما يجعلها مختلفة تمامًا عن القانون الحديث. وأعتقد أنها أفضل من القانون الحديث. وبالتالي، فإن هذه الإضافة، هذا البعد الإضافي، ليست إضافة كمية يمكن أخذها بعين الاعتبار أو صرفها متى شئنا، بل إنها بالأحرى إضافة نوعية تغير حتى ما يعنيه “القانون” في الإسلام.

في حين أن القانون الحديث هو انضباط تقني أو عملي يتناول الإنسان من الخارج (لأنه من اختلاق الدولة)، فإن الشريعة هي انضباط خارجي وداخلي في آن واحد. أود القول بأن الشريعة هي أولًا نظام داخلي واستدخالي، وثانيًا نظام خارجي من الإلزام والانضباط. ثمة طريقتان على الأقل يمكن من خلالهما تكوين الذات: الأولى هي الطريقة القديمة التي تحدث عنها أرسطو والغزالي وفوكو، وهي التقنيات الأخلاقية للذات، وهناك طريقة جديدة وصفها ألثوسير على نحو نموذجي. الاختلافات بين التقنيتين كثيرة، لكن ثمة اختلافان جديران بالملاحظة. الاختلاف الأول هو أن جهاز الدولة الأيديولوجي الذي وصفه ألثوسير يرتكز على أنماط الإنتاج الرأسمالية وعلى مفهوم الإدارة السياسية المتمركز حول الدولة. هذا التكوين، كما جادلت في كتاب “الدولة المستحيلة”، يصر على الفصل بين الأخلاقي والقانوني والأخلاقي والسياسي والأخلاقي والاقتصادي، والأخلاقي والعلمي بعبارة أخرى، لا يهتم هذا النمط من تكوين الذاتية بالأخلاق باعتبارها الشاغل المركزي له. أما الاختلاف الثاني فهو أن مفهوم أرسطو والغزالي وفوكو يحول دون تدخل کیان خارجي تملي شروط تكوين الذاتية بوعي وعن عمد وعلى نحو سياسي وأيديولوجي، بل إنه يستند إلى أفراد بذوات غير مسبوقة، أي إن نطاقه وعمقه يختلفان من شخص إلى آخر. إن الفرد هو الحَكَم الوحيد والأخير فيما إذا كان يجب أن يشارك في سيرورة التكوين الذاتي أم لا، وتحديد إلى أي درجة يتم إجراء هذه المشاركة. وإنه لأمر جوهري أن تكون هذه التقنية سيرورة يعمل فيها المرء على ذاته، فهي تخلق ساحة مستقلة ونسبية للمنافسة.

أعتقد أن هذين الاختلافين بميزان الشريعة عن المفاهيم الحديثة للقانون بطرائق عميقة ومهمة. ولكن هناك في الشريعة ما هو أكثر من هذه الاختلافات الشريعة، كما أعرفها، هي تصوف أيضًا، أي إنه عندما أستخدم مصطلح “الشريعة” (كمصطلح عام وبدون مرجعية محددة)، فما أعنيه ليس فقط أصول الفقه، والفقه والشروح والحواشي، والمدرسة، والوقف والممارسات الاجتماعية-الاقتصادية، وما شابه ذلك، ولكن أيضا الطرق الصوفية لرؤية ومكابدة العالم. الشريعة معنية كذلك بالأدب والفلك والرياضيات وغير ذلك الكثير. إن ارتباطها بالصوفية يجعلها مشروعًا نفسيًا-صوفيًا، وارتباطها بالفلك والرياضيات يجعلها علمية وارتباطها بالأدب يجعلها إنسانية، وهكذا. كل هذا متضمن في الشريعة عندما أستخدم المصطلح بطريقة غير محدّدة، مثلما أتحدث عنها الآن أثناء الإجابة على سؤالك المهم.

إذا أدركنا أن الشريعة كانت مهتمة بنوع من الذات استعصى فهمها على القانون الحديث ولا الدولة الحديثة حتى الآن، فإن لدينا هنا مجال استثنائي من المعرفة يمكن أن يساعدنا في تطوير نقد للحداثة من خارج الحداثة نفسها. الشريعة لديها الكثير لتقدمه كنظرية ومنهج، لكن اسمحوا لي أن أؤكد سريعًا لمصلحة إخواننا وأخواتنا الليبراليين والمتلبرلين الذين لا يستطيعون رؤية أي شيء في عالمنا الكبير هذا غير الغرب وليبراليته: أن الشريعة ليست مجرد مجموعة من القواعد التي يرى العديد من “الليبراليين التقدميين” أنها غير متوافقة مع الحساسيات «الحديثة» و«المتطورة» التفكير في الشريعة من هذه الناحية هو مثل رمي كتاب نفيس في سلة المهملات لأن غلافه قديم ومهترئ. هذا تفكير ضحل في رأيي. إن الشريعة -كما عرفتها- تتناول الكائن البشري من منظور ينشغل بإنسانيته/ إنسانيتها، كعضو في مجتمع ما لديه احتياجاته الخاصة، أو من حيث كونه ضعيفًا وغير معصوم، أو ككائن اجتماعي يكون موقعه الاجتماعي المشترك أكثر أهمية من أي اعتبار آخر. بعبارة أخرى، تعمل الشريعة لصالح المجتمع ومن خلال المجتمع. وعلى النقيض من ذلك، لا تحافظ الدولة الحديثة على التماسك الاجتماعي رغم أنها تدعي ذلك ولا تهتم بالحفاظ على استقامة المجتمع الأخلاقي، بل على الضد تمامًا، فهي تواصل إعادة تشكيل المجتمع والأسرة. وإعادة هندستهم بصورة مستمرة. لقد وصلنا الآن إلى مرحلة أن الأسرة تعاني من أزمات شديدة. ففي الغرب، تتلاشى الأسرة ببطء ولكن بثبات، وهذا سيؤثر حتمًا في العديد من المجتمعات الأخرى، بما في ذلك المجتمعات الإسلامية.

ولكن اسمحوا لي أن أوضح مسألة أخرى ذات صلة هنا. إن توظيف الشريعة في مشروعي لا يفترض إعادة بنائها كفاية أو مرحلة أولى. فإعادة بناء نظام يتبنى مبادئ الشريعة يأتي في المرحلة الثانية في ترتيب أولوياتي، فهو شاغل ثانوي أهتم به لاحقًا. ما هو مهم كخطوة أولى، هو توظيف الشريعة كأداة نقدية، وكنظرية نقدية. ولأن الشريعة تقدم مجموعة من القيم التي تظل مهمة، حتى فيما نسميه العصر ما بعد الحديث، ولأنه يجري تهميشها؛ فهي حقل رئيسي يمكن من خلاله استخلاص نظرية عمل تستطيع أن تقدم نقدًا للممارسات الحديثة. وهنا اسمحوا لي أن أؤكد على القاعدة الأولى بشأن النقد: أن النقد الأصيل والحقيقي يجب أن يأتي مــن خـــارج النظام أو الظاهرة التي يجري نقدها. ولا يمكن أن ينبع من داخل النظام، ولا من منطقه، أو من تصوره، لأن أي حل يأتي من نفس النظام الإبيستمولوجي الذي أنتج المشكلة سيفشل ببساطة، وسيؤدي بالتأكيد إلى مشكلة أخرى وهكذا إلى ما لا نهاية. ويمكن للشريعة أن توفر هذه النزعة الخارجانية (Externality)، هذه الموضوعية؛ لأنها صارت دخيلًا خارجًا، ولكنها دخيل لديه كلمة الفصل في طرائق تفكيرنا ومعيشتنا. وبمجرد طرح هذا النقد، وبمجرد أن تبدأ طرائقنا في التغيير، ربما ترغب في التفكير في كيفية إعادة بناء شكل من أشكال الشريعة يتناسب مع الحقائق والوقائع التي نواجهها. في الوقت الحالي، الشريعة ليست مجرد «نظام قانوني»، ولا مجرد وسيلة للمسلم لكي يخوض بها غمار الحياة. إن الشريعة، في الواقع، هي تجسيد للنقد.

نماء: هل يمكن القول بأن مقالتكم التي تنحو المنحى الأخلاقي، أو تراهن على مركزية «النّطاق المركزي الأخلاقي» لصلاح حال الإنسان هي انعكاس لعودة السؤال الأخلاقي في الفكر الإنساني المعاصر؟ حيث أن الاتجاه إلى تخليق العالم بات همًا إنسانيًا مشتركًا؟

وائل حلاق: الإجابة المختصرة على سؤالك هي «نعم». أعتقد أنه لا مناص من حتمية الأخلاق والطرائق الأخلاقية للتفكير في العالم. اسمحوا لي أن ألخص المسألة وأُبسط المشكلة التي نواجهها: لطالما كان تاريخ البشرية معقدًا وعنيفًا ومليئًا بالبؤس والشقاء. لا أعتقد أن أي شخص يمكن أن يُشكك في ذلك. لكن الحداثة جاءت لتكثيف كل هذا. فإذا فكر المرء بوضوح وبفكر متفتح حول “مرحلتنا” في التاريخ، نجد أن الحداثة لـم تقدم لنا سوى فائدة واحدة، وإنجاز رئيسي واحد، ألا وهو الوفرة المادية والثروات الدنيوية، وأشكال فوقانية من المعيشة المادية. يمكننا اليوم الوصول إلى المزيد من الأشياء المادية ووسائل الراحة الناتجة عنها أكثر من أي فترة أخرى في تاريخ البشرية. لكنني لا أستطيع التفكير في أي جانب آخر للحداثة يمكن أن يكون إيجابيًا بشكل واضح. لقد دمرت الحداثة البيئة الطبيعية والنسيج الاجتماعي للمجتمع والأسرة، وسلبت الذات قوتها. بوسعنا الآن أن نتحدث عن إجماع علمي بشأن قضايا المناخ والأزمات البيئية. يتجلى ذلك في الخراب الإيكولوجي الهائل، وارتكاب فظائع استعمارية وإمبريالية ساحقة، وتجريد الآخر من الإنسانية (حيونة الإنسان)، وأشكال غير مسبوقة من العنف السياسي والاجتماعي، وإبادة جماعية من كل الأنواع، وبناء هويات سياسية قاتلة ومشوهة، وتسمم الطعام والماء. وإبادة أعداد ضخمة من الكائنات الحية، والتهديدات الصحية المقلقة بشكل متزايد، والتفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء، والانحلال الاجتماعي والمجتمعي، وصعود الفردانية النرجسية السيادية، والزيادة الدراماتيكية في الأمراض الاجتماعية الفردية والجماعية والانتشار الخطير لاضطرابات الصحة النفسية والعقلية، وانتشار وباء الانتحار، وغير ذلك الكثير. لقد أثبتت الحداثة أنها عنيفة تجاه كل شيء تلمسه. وكما يعلم الجميع، فإن القرن العشرين وحده قد تسبب في موت ودمار أكثر مما حدث خلال الألفي سنة التي تسبقه

لذا فالحداثة هي استثناء للقاعدة العامة للتاريخ البشري. إنها قطيعة مع كل ما سبقها. وإذا كنت تتساءل ما هو مصدر أو سبب هذا الانحراف أو التشظي الجذري، فإن المرء يجد صعوبة في العثور على أي شيء آخر سوى ظاهرة واحدة: فصل أوروبا بين الحقيقة والقيمة، “بين ما هو كائن” (ls) و«ما ينبغي أن يكون» (Ought). وقد شرحت ذلك في كتابّي (الدولة المستحيلة، وقصور الاستشراق) ولن أكرر هذا الشرح هنا. لكن من المهم أن ندرك أن هذا الفصل يتعلق بالأخلاق. نحن بحاجة إلى استعادة هذا الارتباط، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لنا لاستعادة إنسانيتنا ومكاننا الصحيح في العالم. نحن في ظل الحداثة، دمرنا كل شيء من حولنا، لأننا لم نعد نحترم أي شيء آخر غير القوة والثروة. إن ارتباطنا بالطبيعة، واهتمامنا بها، هو ارتباط مرضي، ونحن بحاجة إلى علاج هذه المشكلة بسرعة. إذ ليس من المنطقي أن نتمكن من تدمير حوالي ١٥٠ نوعًا من الكائنات الحية كل يوم. هذه الحقيقة وحدها يجب أن تجعلنا نتوقف ونفكر. إنه أمـر صــادم، على أقل تقدير. ثمة شيء خطأ فينا بالأساس. نحن بحاجة إلى تغيير، نحن بحاجة إلى إظهار الاحترام للحيوات الأخرى على كوكب الأرض، ولبعضنا البعض. لا أستطيع التفكير في أي شيء آخر غير الأخلاق التي يمكن أن تتدخل وتصحح هذا الوضع. لقد أكد طه عبد الرحمن أن الأخلاق هي ماهية الإنسانية. وأنا أقول، نحن لا شيء بدون أخلاق. بدون الأخلاق، تكون الحيوانات أفضل منا (وأنا لا أقصد هنـا الحـط مـن قيمة الحيوانات، فهي في الواقع لم تفعل شيئًا خاطئًا).

نماء: تتبنى مجلة نماء منظور التكاملية المعرفية والتركيبية المنهجية بين علوم الوحي والعلوم الإنسانية، وإذا كانت المقالة الأخلاقية في نصوصكم هي جوهرة التاج أو الملمح الجوهري في المشروع؟ فكيف ترى المقالة الأخلاقية التي يتبناها وائل حلاق قضية العلاقة بين علوم الوحي والعلوم الإنسانية؟

وائل حلاق: هذا سؤال في غاية الأهمية، والإجابة المختصرة عليه هي: أن الإنسانوية نوعان على الأقل، نوع علماني وآخر ديني من الخطأ الاعتقاد بأن الإنسانوية هي نطاق العالم العلماني وحده. لكن ثمة فارق كبير بين الإنسانوية الدينية والإنسانوية العلمانية. فالإنسانوية العلمانية تجعل من الإنسان القيمة الوحيدة في العالم وتنزل كل شيء آخر إلى مرتبة أداة أو شيء ما. وحتى إنسانية البشر قد تم حوسلتها (الحوسلة Instrumentaltzation» هي تحويل الشيء إلى وسيلة)، كما يتضح من الطريقة التي عامل بها العلمانيون غيرهم. من أشكال العبودية الساحقة إلى الإبادة الجماعية. لكن حوسلة الإنسان تحدث أيضًا بشكل يومي، كما نرى في الانتهاكات وعبودية العمال التي تبنتها الشركات متعددة الجنسيات التي تحكم العالم الآن بجانب الدول القومية. هذا لأن الإنسانوية العلمانية ترى العالم كمادة أو كشيء يجب استغلاله واستخدامه. لقد صارت الطبيعة شيئًا جامدًا، لكي يُشكلها البشر كما يريدون. لكن هناك رابط هنا يفتقده الكثيرون وهو أن الإنسان جزء من الطبيعة أيضًا. فعندما تخضع الطبيعة لسطوتنا وهيمنتنا، فإننا نخضع ذواتنا لنفس هذا الشكل من السطوة والهيمنة. بدأت هذه السيرورة بشكل جدي مع استعباد الأفارقة وإقصاء الهنود الأمريكيين كجزء من طبيعة يمكن السيطرة عليها وتغييرها. وتعمل الإبادات الجماعية بنفس المنطق فالإبادة الجماعية تهدف إلى تغيير مشهد الإنسانية (أو الطبيعة) تمامًا مثلما تنتزع الأعشاب الضارة من حديقتك (هناك كتاب ممتاز عن هذه المسألة بعنوان “الحداثة والهولوكوست” لزيجمونت باومان). من الخطأ، إذن، الاعتقاد بأن الإنسانوية العلمانية تدور حول قدسية الإنسان، بل إنها معنية بشريحة من البشر تستعبد الآخرين. دعونا لا ننسى أن أوروبا استعمرت العالم باسم الإنسانوية العلمانية على وجه التحديد. علاوة على ذلك، بسبب الانفصال بين هذا النوع من الإنسانوية والطبيعة كعمل لخلق بديع وجليل، لا يمكن للإنسانوية العلمانية أن تظهر أي إحساس بالتواضع أو الامتنان (كما بينت بالتفصيل في كتاب «قصور الاستشراق»).

لكن من المهم أن نفهم أن هروب أوروبا إلى الإنسانوية العلمانية ليس خطوة نحو التقدم أو تحسينًا متعمدًا للوضع/الشرط البشري. لقد لجأت أوروبا إلى هذا النوع الجديد من الإنسانوية لأنه وقع استبدادها من قبل الملوك، والأكثر من ذلك، من قبل الكنيسة المسيحية. وهو ما يعني أن أوروبا عانت من صدمة سببها كيان ادعى التحدث باسم الله. هذا هو السبب في أن كانط يُعرّف “التنوير” على أنه هروب من السلطة الفكرية للآخر؛ لأن فلسفته عبرت عن سخط الأوروبيين من الكنيسة المستبدة. وهكذا عندما حشدت أوروبا كل طاقتها من أجل غزو العالم والسيطرة عليه، فرضت شروطها، وما كانت أوروبا تكرهه صار مفروضًا على الجميع. إذا كانت أوروبا لديها مشكلة مع الدين، فإن الدين سيئ للجميع. هذا ما كان يقصده الأوروبيون عندما قالوا إن كل الناس سواسية: إنهم سواسية في الطريقة التي من المفترض أن يتبنوا من خلالها القيم الأوروبية. خلاف ذلك، لا أرى أي مكان على مدار الأربعمائة سنة الماضية حيث كان الأوروبيون يعاملون الآخرين على أنهم سواسية معهم حقًا، ويستحقون كل الخير الذي يشعرون (أي الأوروبيون) أنهم يستحقونه.

أجد صعوبة في قبول أي حجة ناجمة عن تجربة مؤلمة وصدمة شديدة، وذلك ببساطة لأن أي حجة من هذا القبيل هي رد فعل مَرَضي على الصدمة. ما قامت بـه أوروبا كان الجمع بين تجربتها الصادمة وبين القوة المادية والعسكرية الهائلة، الأمر الذي جعل حجتها الناجمة عن الصدمة تبدو ذات مصداقية. لذا أعتقد أن المسلمين عامة، من بين آخرين، يخلطون بين القوة العسكرية والمادية وجدلية القيمة والحقيقة.

من جهة أخرى، لا تواجه الإنسانوية الدينية المشكلات التي أظهرتها الإنسانوية العلمانية، كما يتضح من التجربة الإنسانية الطويلة عبر التاريخ. لقد كان للإسلام علمانويته الدينية لقرون عدة، حتى لأكثر من ألف سنة، وبالطبع كانت له مشكلاته الخاصة، لكن لا شيء كما رأينا يحصل في القرن العشرين باسم العقل والإنسانوية والأخوة. لكن الأهم من ذلك هو أن الإنسانوية الدينية يمكن أن تطور -بل إنها طورت بالفعل- علاقة أكثر إنسانية وأكثر تعاطفًا وحميمية مع الطبيعة، بما في ذلك الطبيعة البشرية. إن الإنسانوية الدينية مؤهلة تمامًا لإظهار شعور عميق بالتواضع والامتنان وهما من المتطلبات الأساسية للعيش في العالم بأكبر قدر ممكن من السلام. هذه محاججة طويلة، وأنا أحث الأشخاص المهتمين بهذه المسألة على قراءة كتابي “قصور الاستشراق”(Restating Orientalis) (2018) و”إعادة تشكيل الحداثة” (Reforming Modernity) (2019) هذا الكتاب الأخير يتناول طه عبد الرحمن الذي تعتبر أعماله أيضًا شرطًا أساسيًا لفهم العديد من القضايا التي يواجهها المسلمون. 

نماء: ثمة اهتمامات بالقيم الأخلاقية في الفكر العربي، منها نص محمد عابد الجابري العقل الأخلاقي العربي ومشروع طه عبد الرحمن الذي انخرط في السؤال الأخلاقي بصورة منهجية واضحة، ما هو تقييمكم لهذه الجهود التي تُسائل الأخلاق؟

وائل حلاق: في الكتاب الذي يتناول أعمال طه عبد الرحمن الذي ذكرته آنفًا، أقدم تقييمًا مفصلًا لعمل محمد عابد الجابري، وأبين كيف أنه عمل غير متسق بل ومتناقض، وأناقش أيضًا تناول طه لعمل الجابري، الذي يُعد تناولًا نقديًا بنفس القدر. أعتقد أن مكانة الأخلاق في الإسلام ملتبسة في ذهن الجابري، ومفهوم «العقل» عنده إشكالي جدًا لأنه مبني على استعارات مربكة من المشهد الفكري الأوروبي، أود القول أيضًا إنه لم يفهم كيف أن الإسلام صقل شكلًا معينا من الأخلاق ينطوي على مكون قوي هو «العمل». برأيي إن عمل طه أكثر رصانة واهتمامًا بخصوصيات الإسلام كنظام للأخلاق، على الرغم من بعض المشكلات التي نأمل أن يحلها في الوقت المناسب. في النهاية أحيل القارئ إلى كتاب “إعادة تشكيل الحداثة” (Reforming Modernity) من أجل مناقشة مفصلة. وآمل أن تظهر الترجمة العربية لهذا الكتاب في عام (2019)، بعد فترة ليست طويلة من نشره باللغة الإنجليزية.

 

للاطلاع علي مادة حوار نماء مع د. وائل حلاق

       يُعد هذا اللقاء الثاني ضمن حلقات الموسم الأول من الملتقى العلمي (ملتقى التحولات والقضايا العالمية)، [والذي ينظمه مركز الحضارة للدراسات والبحوث]، وقد ناقش فيه د. مصطفى كمال باشا (أستاذ كرسي السياسة الدولية بقسم السياسات الدولية – جامعة أبيريستويث) موضوعًا مهمًّا، عنوانه “التحولات العالمية الراهنة.. وموقع العالم العربي والإسلامي منها“.

       واعتبر باشا هذا اللقاء إضافة للقاء الذي سبقه وقدَّمه كلٌّ من: د. نادية مصطفى، د. مدحت ماهر. وأمَّل أن يكون هذا اللقاء فاتحة لما بعده من لقاءات.

بداية استخلص باشا مجموعة من العناصر والأفكار والمفاهيم الأساسية تعتبر مفاتيح أساسية لفهم هذا المنتدى عن التحولات والقضايا العالمية من منظور حضاري:

       العنصر الأول: مرتبط بتجديد الفكر؛ بإدراك أن هناك تراثًا إسلاميًّا، وأن هذا التراث الإسلامي يحتاج لإعادة استدعاء، وربما نتيجة التطوُّرات في الداخل والخارج انزوى الاهتمام به، ولكنه من الثراء الذي يحتاج لإعادة الاستدعاء والتجديد، وأنَّنا لا نتحدَّث فحسْب عن رؤية إسلامية أو رؤية لعلوم اجتماعية، وإنما عن قراءة إسلامية بالمعنى الحضاري للعلوم الاجتماعية، وهذا من المهم التركيز عليه في الرؤية الحضارية. كما رصد أن من العناصر الأساسية التي تنبني عليها هذه الفكرة هي فكرة أهمية استعادة الغرب لحضاريَّته؛ بأن يصبح الغرب حضارة ضمن حضارات أخرى تعيش وتتواجد، وأن لا يصبح هو الوحيد الذي ينتج المعرفة، وأن يدرك أن هناك حاجة لمراكز حضارية بديلة تنتج معرفة أخرى.

       نقطة أخرى وهي العلم الذي لا ينفصل عن القيم ولا الأخلاق ولا الدين، ومن ثم هناك رفض لفكرة أن العلم يمكن أن يكون خاليًا من القيم، وهناك قناعة بأنه لا بدَّ أن يكون هناك أساسٌ أخلاقيٌّ للعلم الذي نسْعى لتأسيسه.

       النقطة الخامسة: إدراك الحدود والقدرات، وحدود العلوم، حتى لا نتوهَّم الكمالَ ولا القداسة، وأن المطروح في هذه الفكرة الحضارية أنها رؤية لا تدَّعي القداسة، فهي تدرك حدودَها وحدودَ إمكانيَّاتها البشرية.

       النقطة السادسة: تخصُّ مسألةَ تطبيق الرؤية الحضارية، وكيف يمكن تفعيل هذه الرؤية الحضارية، وما هي الأدوات والمناهج اللازمة لهذا الأمر، ويرى د. باشا أن المدرسة المصرية لمنظور حضاري إسلامي قطعت شوطًا هامًّا في التطبيق والتفعيل لهذه الرؤية        الحضارية.

       النقطة السابعة: لا وجود لنظرية تنفصل عن السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، ويرى باشا أن مشكلة نظرية العلاقات الدولية تتمحور حول هذه المسألة؛ وهي أنها لا تُحَدِّثُ العالمَ ولا تُحَدِّثَ الجنوبَ العالمي، ولا تُحَدِّثُ العالمَ الإسلامي، ولكنها تتحدَّث مع ذاتها، وتتحدَّث عمَّا تراه هي، وما تعبر عنه، كما لو كان هو العلاقات الدولية، بينما هو ليس كذلك.

       النقطة الثامنة: ترتبط بهذه المسألة وهي: كيف يجب أن نفهم ما هي المشكلات الدولية التي تحيط بنا، وما هي الحلول التي يمكن تقديمها في هذا الصدد.

       النقطة التاسعة: كل حضارة لها عناصر أساسية ولها خصوصية، والخصوصية الإسلامية ترتبط بمعنى خاص بالقيم والأخلاق والثقافة، وهذه الخصوصية الإسلامية موجودة رغم التنوُّع الكبير عبر الأقاليم الإسلامية، نفس الحال ينطبق على الحضارة الغربية، فهي أيضًا لها خصوصية رغم اختلاف الدول والمناطق.

       النقطة الأخيرة: وهو التحدِّي الأكبر الذي أشارتْ إليه المحاضرة السابقة، ويخصُّ التفاعل بين الأمة والدولة وبين الحالة العالمية، حيث لا ينفصل حال الأمة وتطوير حالها أو تغييره عن فهمنا ومعرفتنا بالعالم من حولنا.

وأشار إلى أن المحاضرة تقوم على أربعة أفكار أساسية:

       “Common Sense” وهو طرح قدمه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي، حول المسلَّمات التي لا نتجادل معها، أو المنطق الذي نتعامل معه كونه مسلَّمات.

       التحولات العالمية، ماذا يحدث حولنا من تحولات؟ ليس فقط العولمة، ولكن تحولات عميقة يرصدها د. باشا في نسيج وبنية العالم من حولنا

ما التحديات التي تواجه الرؤية الحضارية؟

إعادة تخيل مفهوم العصبية كما طرحه ابن خلدون.

الفكرة الأولى: حول الأفكار السائدة عن العالم الإسلامي

وكيف يتم التعامل مع هذه الأفكار السائدة على أنها طبيعية وصحيحة، وعلى أنها حقائق (أن هذا العالم الإسلامي به عنف، وعدم مساواة، …).

       بداية فهذه الصور الذهنية شديدة السلبية عن العالم الإسلامي يتمُّ التعامل معها في الغرب كما لو أنها واقعًا مسلَّمًا به، وليس مجرَّد صور ذهنية متحيِّزة ضدَّ هذا الإسلام، ومشكلتها الأساسية أنها تأخذ الصبغة العالمية، وتصبح مهيمنةً لدرجةٍ لا يمكن التشكيك في صحتها.

       وهذا الفكر له تداعيات في الواقع كثيرة، وله مؤسِّسين ومنظِّرين أمثال برنارد لويس، ممَّن دفعوا بأن هناك خللًا جسيمًا في الحضارة الإسلامية، لا يمكن معه لهذه الحضارة أن تتطوَّر.

       أما من وجهة نظر العالم الإسلامي فهناك شعور بالدونية، وهناك تشكيك في الذات والقدرات الذاتية، منبعه -في تقدير د. باشا- الاستعمار من ناحية، ثم هذا الفهم الغربي للعالم الإسلامي من ناحية أخرى، ثم لنرى كيف يتجلَّى هذا الشعور بالدونية في مساحات تفكير العالم الإسلامي في حلول لمشاكله السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو مشاكل الحكم أو غيرها.

       ويرى د. باشا أن من أهمِّ إسهامات المدرسة الحضارية المصرية في هذا الصدد، أنها ترفض هذه الثنائية؛ ترفض التعامل مع هذه الصفات للعالم الإسلامي على أنها مسلَّمات، كما أنها ترفض هذا الشعور بالدونية، وترى أن هناك مصادر إسلامية كثيرة يمكن إعادة البناء عليها وتحقيق تغيير، ويرى أن من أهمِّ ما يميِّز المدرسة أنها تتحدَّث من منطلق الندِّية والتكافؤ وليس من موقع الشعور بالأفضلية على الآخرين.

       يؤكِّد د. باشا أن هناك دائمًا خياريْن أمام كلِّ حضارة، إمَّا أنها ترفض الحداثة، أو تزدريها لعدم قدرتها على اللحاق بها. إلا أن المدرسة المصرية قدمت حلا ثالثا؛ وهو الإيمان بالعلم واحترام العلم ولكن أيضًا مع ربط هذا العلم بالقيم، والتأكيد على أن الحداثة التي تقدِّمها هي حداثة بفهمها الخاص، لا ترفض العلم ولا تنكره، ولكن تضيف له بصمات خاصة.

الفكرة الثانية: التحديات والتحولات العالمية

التحديات الجديدة في مواجهة التحديات القديمة

       يرى د. باشا أن هناك تحديات قديمة ترتبط بالاستعمار الأوروبي، منذ وصول نابليون لهذه المنطقة، وتأثيره طويل المدى، وهو يمتدُّ ولا ينتهي، ويفت في عضد الجسد الاجتماعي للعالم الإسلامي.

       ولكن هناك بالإضافة لذلك تحديات جديدة من بينها صعود الدولة القومية الحديثة، وهي وعاء جغرافي جديد، وتطور مؤسَّسي شهدْناه في القرون الماضية منذ ما بعد وستفاليا، ولكنها تعتبر المنافس الأساسي للحضارة، فالناس يعيشون داخل حضارة، ولكن هذا يتمُّ تحدِّيه بخلْق دولة مدنيَّة حديثة أصبحت واقعًا وتشكِّل تحدِّيًا للتفكير الحضاري.

       هذا التناقض بين الحضارة والدولة، يحدِّد ملامح العديد من المشكلات التي نرصدها في واقعنا الإسلامي المعاصر، ولكن محاولة التفكير كما لو أن الدولة القومية غير موجودة هو جهدٌ لا طائلَ من ورائه، فالأهم هو كيف نفكر في الحضارة في ضوء هذه المعطيات الجديدة؟ وهذا ما فعلتْه المدرسة الحضارية، حيث كانت الموازنة بين الاثنين حاضرة، على سبيل المثال في فكر ابن خلدون: كان واعيا بهذه المواجهة بين الإسلام كحضارة وبين الدولة.

       إن أزمة الحضارة الإسلامية أنها فقدت القوة السياسية والاقتصادية والثقافية، وهذا جعلها الطرف الأضعف في مواجهة الدولة، ولكنه يرى أن هذا أيضا يتغيَّر، وأن هذا الفقدان للقوة يرتبط بهيمنة قوة أو اثنتين على العالم، ولكن مع التعدُّدية أصبحت هناك فرصة لرؤية جديدة أن تظهر.

       ومن ثم أهمية أن لا نقلِّل من القوة الحضارية، فالحضارة مكوِّن للقوَّة وليس مجرَّد إطارٍ للتفكير، وهذه القوة الحضارية التي ترتبط بإدراكنا لذاتنا وإدراكنا للوجود، لا يلتفت لها الكثيرون من النخبة في العالم الإسلامي، لا إلى أهمية الثقافة ولا إلى أهمية التعليم كقوة، وهذه القوة الثقافية ليست القوة الناعمة وإنما القدرة على تطوير إجابات أو حلول لمشاكلنا من منطلقات ذاتية.

بالإضافة إلى ذلك هناك مجموعة من التحديات المهمة في خلفية واقعنا المعاصر:

       التحدي الأول هو الحداثة الغربية: وكيف أنه يتم التعامل معها على أنها مرجعية عالمية، تُقَيَّمُ على أساسها الحضارات والمجتمعات والمناطق الحضارية المختلفة، ويرى د. باشا أن هذه المسألة يتمُّ التشكيك في صحتها تدريجيًّا، وأصبح هناك إدراك متنامٍ بأن هناك سبلًا متعدِّدة للتحديث وليس مجرد سبيل واحد.

       التحدِّي الثاني: يخصُّ تلك العلاقة بين الحداثة والعلمانية، وكيف أن الحداثة تقوم على صلةٍ وطيدةٍ بالعلمانية، ومن ثم كان هناك تصوُّر أن الدين هو عائق أمام الحداثة والتطوُّر، وهي فكرةٌ يرى أيضًا أنه يتمُّ تحدِّيها والخروج عليها تدريجيًّا.

       والتحدِّي الثالث: الفصل بين الأخلاق والسياسة، وهي فكرة يتمُّ غرسُها وتغذيتُها في مجتمعاتنا، حتى أضْحى كثيرون يتصوَّرون أن السياسة يمكن لها أن تتحرَّك بلا ضابط أخلاقي، وأن السياسة هي ممارسة القوَّة وإنجاز الأمور بأي وسيلة، ويؤكِّد باشا أن الرؤية الحضارية تذكِّرنا أن السياسة بدون أخلاق هي سياسة شديدة الضعف.

       ننطلق للعنصر الثاني في هذه المحاضر، وهو يدور حول: ماذا يحدث حولنا من تحولات عالمية أساسية؟

       بحيث إن إدراكها واستيعابها يقوِّي ويدعم من الرؤية الحضارية وقدرتها على الإسهام.

       التحول عن النظام الليبرالي العالمي، وظهور نظام ما بعد ليبرالي: فنحن في عالم يتجاوز مرحلة العالم الليبرالي، ويدرك أن هناك أجزاء لم يصل إليها، ولكن أربعة عناصر تحدِّد هذه الصفة وإن كانت لم تتبلْور بعد بالكلية:

       التحول نحو المزيد من التعدُّدية في مراكز القوى، وهي تعدُّدية ثقافية واقتصادية وسياسية، ومركزها ليس فقط الغرب، بل مركزها خارجَه كالصين والهند؛ كذلك ترتبط بهذه المسألة -في تقدير د. باشا- فكرة وجود مساحة حركة كبيرة لم تكن موجودة من قبل للدول والحضارات الأخرى، مثالا على ذلك حالة أوكرانيا، وكيف أنها نجحت في الاستفادة من هذه التعدُّدية في الاتفاق على بعض القضايا وفي تصويت الأمم المتحدة.

       إضعاف الهيمنة الغربية، وكيف أن المركز الثقافي والسياسي والاقتصادي يتحرَّك تدريجيًّا من الغرب إلى آسيا.

       وجود نماذج بديلة من التنمية، وكيف أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد أصبحت لها أشكال أو تصورات متعدِّدة ولم يعد لها تصوُّر واحد، حتى العلاقة بين الديمقراطية والتنمية لم تعد بتلك الأهمية التي كانت عليها من قبل، والمثال الحاضر هو الصين.

       ما بعد العولمة: وكيف أن هناك اتجاهات تعادِي العولمة في ظلِّ وجود اتجاهات تؤكِّد وجودَها، صحوة للقومية على سبيل المثال مرتبطة بوباء كورونا وكيف تمَّ وضع حدودٍ ومعوِّقات قومية سريعًا بين الدول، وكيف أصبح العالم المعولَم معاديًا للعولمة، أيضًا ما يخصُّ الهجرة: فبالفعل هناك حركة مفتوحة بين المال وانتقال التكنولوجيا، ولكن حركة البشر ليست بهذه السهولة، والاتحاد الأوروبي يحرص على توقيع اتفاقيات مع دول مثل تونس وليبيا من أجل الحدِّ من هذه الهجرات.

       تراجع في منطق الحداثة العلمانية، حيث حدث رفضٌ كبيرٌ من شعوب العالم لهذه الحداثة العلمانية، وليس العالم الإسلامي وحده. الهند بها رفض شديد للحداثة العلمانية أيضًا.

       يؤكِّد د. باشا على أكثر من جزئية: القومية العلمانية كانت هي السائدة في الستينيات والسبعينيات ولكنها لم تعد بهذه الأهمية على الإطلاق، النقطة الثانية التي تخصُّ صعود أو عودة تجدُّد الاهتمام بالديني، حيث يذكر د. باشا أن هذا ليس حال العالم الإسلامي أو الشرق الأوسط فحسْب، وإنما هذا الاهتمام بالديني موجود في آسيا وفي جنوب شرق آسيا، وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، فهناك وعي يومي متزايد حول كيف نأكل وكيف نتحدَّث وكيف نلبس، وكل ذلك مرتبط بمكون الدين، وفي حين كان يُنظر إلى الحديث بخطاب ديني في فترة مضت على أنه حديث متخلِّف لم يعد هذا هو الحال الآن.

       النقطة الأخيرة هي الوعي الحضاري، سواء في العالم الإسلامي أو في غيره بإرث حضاري ممتدٍّ عبر القرون الماضية.

       غياب الدقة وعدم اليقين وقلة الشعور بالمخاطر المشتركة التي تُحيط بنا، فلم يصل واقعنا لهذه الدرجة من عدم الاستقرار من قبل.

       يرى د. باشا أن هناك حالة متزايدة من الانقسام في العالم الإنساني، أعداد قليلة جدًّا تسيطر على موارد كبيرة جدا، 1% يسيطرون على 52% من موارد العالم، هناك قابلية للاختراق غير مسبوقة، وهناك حاجة لأن نقدِّم إجابات حضارية للبشر، لكي نُعيد إليهم الشعور بالأمل والهُوية، ونُعطيهم منطقًا للتعامل مع الحياة من حولهم، وهم غالبية البشر، هناك حالة من عدم اليقين مرتبطة كذلك بالتكنولوجيا التي جعلت كل نواحي حياتنا محفوفة بالمخاطر.

       صعود الشعبوية: مع فكرة أنها تطرح حلولًا سهلة لمشكلات معقَّدة، وكيف أن شعوب العالم ككل أصبحت تبحث عن هذه الحلول السهلة.

       يرصد د. باشا كيف أن هناك تراجعًا في السياسة التقليدية، في الشمال وفي الجنوب. وهناك سياسة استقطاب كبيرة في الشمال تهيمن على المجتمعات الغربية بحيث يكاد لم يعد هناك مجال للحوار بين القطبين المختلفين، أيضًا يتم تحميل الطبقات الأضعف والأفقر (كالمهاجرين وغيرهم) مشاكل المجتمعات، ومحاولة تشويه صورتهم بحيث يحملون كافة آفات هذه المجتمعات.

       بالإضافة إلى التراجع في الالتزام بالقيم الديمقراطية -والذي يرصده د. باشا- خاصة في وسط وشرق أوروبا، وكيف أن هذه القيم الديمقراطية تتراجع مقابل قيم شعبوية آخذة في الصعود.

       التكنولوجيا: أحد أكبر مصادر التهديد التي نواجهها كبشر وعالم إنساني، وأبعاد هذا التهديد والخطر لم يتم إدراكه كلية بعد.

       يرصد د. باشا ثلاثة متغيرات حديثة في عالمنا: شبكات التواصل الاجتماعي، ومسألة الرقابة المتزايدة على حياتنا، والذكاء الاصطناعي. وتساءل ما المشترك بينهم؟ المشترك هو أنهم يغيرون علاقتَنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا، وبعضنا البعض، في كيفية معيشتنا كعالَم إنساني، وكيف يغيرون ملامح هذا العالم الذي نعيش فيه، والذي أصبحنا شديدي التعلُّق به. فكيف تؤثر هذه التكنولوجيا الاتصالية على الصداقات والعلاقات، وعلاقات الأهل والمعلمين بتلاميذهم، هناك إذن حاجة لرصد تأثير هذه التكنولوجيا على الحضارة الإنسانية.

       مسألة الرقابة: نجد أن الخصوصية انتهكت بشكل غير مسبوق، لم تعد هناك مساحات خاصة لم تخترقها التكنولوجيا، ومجرد سحب نقود يعطي معلومات عن أين أنت وكيف ستنفق هذه النقود… إلى آخره.

       مسألة الذكاء الاصطناعي: وكيف أنه تحدٍّ لا نستوعب مداه، في تصوُّره أن الذكاء الاصطناعي يؤثر بسرعة تغير أسرع بكثير مما نتصور وأننا شديدي البطء في إدراك هذا التأثير على العالم من حولنا، فهو يؤثر في الأفكار وفي إنتاج المعرفة وفي كيفية التفكير، وأبعاد أخرى كثيرة من حياتنا كبشر، له بالتأكيد تأثيرات إيجابية في قطاع الطب مثلا، لكن -في تقدير د. باشا- لو تحكَّمت التكنولوجيا في حياتنا وخسرنا حريَّتنا؛ فهذا تحدٍّ حضاري وجودي وليس تحديًا بسيطًا، لا بدَّ أن نبدأ اليوم في التفكير فيه.

       التغير المناخي: ما نعيشه اليوم هو إرث من الثورة الصناعية، التي تنقلب على البشر وكأن الطبيعة تنتقم من البشر لإخلالهم بالتوازن الذي وضعه الله في الكون.

       يؤكد د. باشا أن لدينا تصورًا إسلاميًّا خاصًّا عن هذه الأزمة تحديدًا؛ وأن هذه الأزمة هي منتج لتحطيم القيم، حين توقَّفنا عن التعامل مع الحياة والعالم والكون من حولنا كهبةٍ من الله، وأفرطْنا في الطمع كبشر وتصوَّرنا القدرة على السيطرة المتناهية على الطبيعة، واليوم نرى تداعيات هذه التصوُّرات.

       ويرى أن من أهمِّ المشكلات الاجتماعية التي تتولَّد عن قضية التغيُّر المناخي هي مسألة عدم العدالة البيئية، لأن الذي يشارك أقلَّ في هذه المشكلة هو الذي يتحمَّل العبء الأكبر، ومثال على ذلك أفريقيا التي لا تتعدَّى مساهمتها 5% في هذه المشكلة، مشكلة الانبعاثات الكربونية وغيرها ولكنها مع ذلك تتحمَّل العبء الأكبر من هذه المشكلة.

       يتساءل د. باشا عن ما هي التداعيات الحضارية والثقافية للتغير المناخي؟ ويرى أننا نحتاج لميثاق أخلاقي جديد مع الطبيعة وأن لا نتوهم القدرة على السيطرة على الطبيعة، واليوم.. أصبحت الصين والهند مصدرًا أساسيًّا للانبعاثات الكربونية؛ وبالتالي يجب علينا أن نبحث في إرثنا الثقافي أو الحضاري عن إجابات لهذه المشكلة.

الفكرة الثالثة: ما هي التحديات التي تواجه الرؤية الحضارية؟

  • المشكلة الأكبر هي تلك العلاقة بين التحديات وبين القدرات فهي تحديات كبيرة تواجه مجتمعاتنا الإنسانية، ولكن هل نمتلك القدرات لمواجهة هذه التحديات، يرى أنه يجب أن ندرك حجم التحدِّي بأن نستوعب بالفعل حجمه الحقيقي ثم نستوعب حجم قدراتنا، وإن كنَّا نمتلكها أو لا، وإن لم نمتلكها فمن أين نأتي بها؟
  • يؤكِّد أنه ليست لدينا إجابات جاهزة، وإنما هي مسائل تحتاج للتفكير العميق فيها، وبعض هذه التحديات شديدة الخطورة ولا يمكن حتى إصلاحها بسهولة متى شرعْنا في هذا.
  • ضغط الوقت يرصده د. باشا ويرى أنه لا بدَّ وأن نتحرَّك سريعًا، لأن بعض هذه المشكلات تمَّت صناعته في وقت ضئيل للغاية ولكن نحتاج وقتًا طويلًا للتعامل معها وليس لدينا رفاهية التفكير البطيء في الحلول.

الفكرة الرابعة: إعادة تخيل مفهوم العصبية كما طرحه ابن خلدون

       يمكن أن نسأل أنفسنا ما هي الموارد الحضارية التي نمتلكها؟ نمتلك لغة وتاريخًا وفنًّا وموسيقى وأساطير، ولا نحتاج حتى لمجرد ترديد مقولات بأننا كنا حضارة عظيمة أو غيره، ولكن بالفعل هناك موارد وإمكانات يمكننا أن نستعيدها وأن نبني عليها.

       المسألة الأخرى التي تسمح لنا بالتعاطي مع التحديات التي رصدها د باشا: هي مسألة أن المعرفة هي إرث عالمي مشترك، وهي ليست حكرًا على حضارة بعينها، فيمكن أن نعرف من الغرب أو الشرق، أينما وجدت المعرفة فنحن مطالبون بالبحث عنها والسؤال عنها.

       يجب أن نتجنب الانغلاق على الذات، كما يجب أن نتجنَّب محاولة تقليد الآخرين، فلا نحن ننفتح على الآخرين دون وعي بالذات ولا نحن نقلِّدهم، وإنما نفهم التراث الإنساني بإبداع وانفتاح فكري، لا نرفض المعرفة لمصدرها، وإنما ننقِّح ونفهم ما لدى الآخرين، ثم نبحث ونؤسِّس أخلاقيًّا لما يمكن أن نقدِّمه.

       إعادة تعريف القيم العالمية: يؤكِّد د. باشا أن هناك بالفعل قيمًا إنسانية عالمية مثل قداسة الحياة، وقداسة الطبيعة وبالتالي التعامل معها كهبة ونعمة كبيرة لا بدَّ أن نصونَها، وهي قيم ليست ذات خصوصية أو قومية أو غيرها وإنما هي قيم عالمية، ختم باشا حديثه بأنه يمكن أن نبدأ من هذه النقاط في محاولة لمواجهة التحديات والسعي في محاولة حقيقية للتغيير.


* نقلاً عن: موقع مركز الحضارة للدراسات والبحوث،

https://2u.pw/ichFFPD

        انطلقت فعاليات المؤتمر العلمي الدولي الرابع لكلية الشريعة والقانون بدمنهور (عاصمة محافظة البحيرة بجمهورية مصر العربية)، تحت عنوان: “قضايا المناخ والبيئة في ضوء الفقه الإسلامي والقانون” يوم الإثنين الموافق 18 سبتمبر 2023م.

       وذكر الدكتور محمد المغازي، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر فرع دمنهور، أن انعقاد المؤتمر الدولي الرابع للكلية حول قضايا المناخ، يعتبر ترجمة حقيقة على أرض الواقع لقمة المناخ 2022 التي عقدت في مصر وتضمنت مخرجاتها فتح المجال أمام الجامعات والمؤسسات عن المناخ.

       وتابع عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر فرع دمنهور، خلال حواره مع الإعلامية سالي سالم، ببرنامج «البيت»، المذاع على فضائية «الناس»، يوم الإثنين الماضي: «محاور المؤتمر تتناول الدلائل العلمية على القدرة الإلهية في تكوين الغلاف الجوي، ومظاهر التغييرات المناخية وأسبابها وآثار التغيرات المناخية والحلول العلمية المقترحة للتغلب على آثار التغيرات المناخية في إطار القدرات المصرية، وتناول الجهود المصرية العملية لمواجهة التغيرات المناخية».

       وأضاف أن هناك محاور المؤتمر القانونية تتناول أثر التغيرات المناخية على تنفيذ الالتزامات التعاقدية الوطنية والدولية، ومسئولية الشركات العامة والخاصة عن الإهمال المناخي وتأثير التغيرات المناخية على التجارة الدولية، وتأثير حقوق الملكية الفكرية على نقل التكنولوجيا للدول النامية، وانعكاسه على قدرة مواجهة التغيرات المناخية، بالإضافة إلى تناول محاور أخرى عديدة فقهية وقانونية.

       وأشار إلى أن توصيات المؤتمر تتركز على الجانب التوعوي على الدور البيئي، لأنها واجب فردى واجتماعي، أيضًا بالإضافة إلى الجانب التشريعي، فظاهرة الاحتباس الحرارى تخص 50% من سكان العالم، وبالتالي نحتاج إلى إجراءات وتعديلات في بعض القوانين المتعلقة بالبيئة.

رابط مباشر لحديث  الدكتور محمد المغازي عن المؤتمر

 

بدأت البنوك الروسية اعتبارًا من الأول من سبتمبر تجربة إدخال الخدمات المصرفية الإسلامية في روسيا، وطبقًا لما هو مقرر فإنه في غضون عامين، سيتم اختبار الخدمات المصرفية الجديدة بموجب الشريعة الإسلامية في أربع مناطق، هي: بشكيريا وداغستان وتتارستان والشيشان، وقد تم التوقيع على قانون إجراء هذه الاختبارات في أوائل أغسطس من قبل الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”.

ويُذكر أن العدد الأكبر من البنوك الإسلامية يقع في الشرق الأوسط، في دول الخليج وماليزيا، ومن هذه المناطق سيكون من الممكن جذب الاستثمار الأجنبي.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للخدمات المصرفية الإسلامية أن تساعد في زيادة عدد المشاريع في روسيا من خلال تمويل الشركاء للشركات والأفراد.

وبالإضافة إلى الاستثمار المشترك، سيحصل المقترض على تدقيق دائم لأنشطته، كما يقول فلاديمير تشيرنوف، المحلل في Freedom Finance Global.

ووفقًا لتحليل السوق، يبلغ عدد عملاء التمويل الإسلامي المحتملين 7.5 مليون شخص على الأقل، وأكثر من نصفهم (4.7 مليون شخص) هم بحكم الواقع عملاء لمصرف سبيربنك.

وقال “أوليغ غانيف” النائب الأول لرئيس سبيربنك، في مقابلة مع كوميرسانت: “إن الـ 2.8 مليون شخص المتبقين هم عملاء جدد محتملون”.

يمكن استخدام الخدمات المصرفية الإسلامية ليس فقط من قبل المسلمين، بل ومن قبل ممثلي جميع الأديان، على الأقل، يجري إدراج هذه المسألة بشكل منفصل في القانون.

هناك مسألة أخرى تتمثل فيما إذا كانت البنوك ستوافق على العمل وفق الشريعة الإسلامية مع كل من يرغب.

وفي هذا الصدد، قال “ألكسندر باختين” استراتيجي الاستثمار في BCS Mir Investments: “نعتقد أن هناك آفاقًا للصيرفة الإسلامية في روسيا، نظرًا للنسبة الكبيرة من المسلمين، وبشكل عام، الاهتمام المتزايد بالاستثمارات في البلاد، ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنتشر الخدمات المصرفية الإسلامية بشكل نشط خارج المناطق التي يُمارس فيها الإسلام في الغالب”.


* نقلاً عن:

– موقع روسيا اليوم في 3 سبتمبر 2023م.

– عرب جورنال في 3 سبتمبر 2023م.

– برسي بي في 3 سبتمبر 2023م.

– جريدة  العلم الإلكترونية في 3 سبتمبر 2023م.