في تعظيم دور الملكية في المجتمع

نشأ القضاء الدستوري المصري منذ سنة 1969 في حقبة ساد فيها الفكر الاشتراكي في مصر، فمنذ سنة 1961، شهدت البلاد موجة تحول إلى النظام الاشتراكي، وجرى تأميم العديد من أدوات الانتاج، بل وبعض ادوات الملكية الخاصة التي رُئي أنها تمثل خطرًا على التوجه الاشتراكي السائد في ذلك الوقت. وعندما تمت صياغة الدستور المصري لسنة 1971، فقد تم توثيق المذهب الاشتراكي كأحد الركائز الاساسية في المجتمع. وكان للتأثير الاشتراكي على الاقتصاد الدور الكبير، فنصت المادة الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي واشتراكي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة. كما نصت المادة الرابعة على أن: الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكي القائم على الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال ويهدف إلى تذويب الفوارق بين الطبقات. كما نصت المادة (24) على أن: "يسيطر الشعب على كل أدوات الإنتاج، وعلى توجيه فائضها وفقاً لخطة التنمية التي تضعها الدولة. " كما نصت المادة (30) على أن: "الملكية العامة هي ملكية الشعب، وتتأكد بالدعم المستمر للقطاع العام. ويقود القطاع العام التقدم في جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية في خطة التنمية.

ومن جماع هذه النصوص يتبين أن الاشتراكية في ظل أحكام ذاك الدستور غدت أساسًا اقتصاديًا حاكمًا للمجتمع.

وفي غضون التسعينيات اتجه المجتمع المصري بخطوات متواكبة ناحية الاقتصاد الحر، فيما عرف في ذاك الوقت بالانفتاح الاقتصادي. وبدت الأحكام المتعلقة بالاشتراكية غريبة عن التوجه المجتمعي الجديد، ومن ثم فقد أعيدت مناقشة جدوى بعض الآثار الاقتصادية المترتبة على الحقبة الاشتراكية. وكانت أهم المشاكل التي تخلفت عن تلك الحقبة كيفية تسوية الأموال التي تم تأميمها أو وضعها تحت الحراسة بحسبانها من رؤوس الأموال المستغلة التي لا تتفق مع التوجهات الاشتراكية المدعومة من نصوص الدستور.

 

في مصادرة الملكية

حفلت التشريعات المختلفة في حقبة الخمسينيات والستينيات بقوانين الإصلاح الزراعي التي كانت الدولة بموجبها تنزع ملكية الأراضي الزراعية التي تزيد عن الحد الأقصى للتملك، وتعيد توزيعها على صغار المزارعين، وقد كان النزع يتم في الغالب مقابل تعويض قانوني يقدره المشرع. إلا أن بعض القوانين تضمنت مصادرة للملكية الزراعية بغير تعويض. وقد عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا فقضت بعدم دستورية نزع الملكية بغير تعويض، وأقرت بحق الملاك في الحصول على التعويض مقابل هذا النزع. وقد أكدت المحكمة أن سلطة المشرع في التنظيم ليست مطلقة وإنما ترتهن بوجوب التعويض عن كل مساس بها إذ المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا "إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت جميعها منذ دستور سنة 1923 على النص على مبدأ صون الملكية الخاصة وحرمتها باعتبارها في الأصل ثمرة النشاط الفردي، وحافزه على الانطلاق والتقدم، فضلاً عن أنها مصدر من مصادر الثروة القومية التي يجب تنميتها والحفاظ عليها لتؤدي وظيفتها الاجتماعية في خدمة الاقتصاد القومي. ومن أجل ذلك، حظرت تلك الدساتير نزع الملكية الخاصة جبرًا عن صاحبها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض.

 

في التعويض عن التأميم والحراسة

شهدت القوانين اعتبارًا من السبعينيات اتجاهًا محمودًا نحو تصفية الأوضاع المتعلقة بالحراسة بموجب قوانين تجيز دفع تعويضات بحدود قصوى للخاضعين للحراسة حال إذا ما تم التصرف في المال الخاضع للحراسة للغير حسن النية. وقد كانت هذه الحدود القصوى لا تعبر حقيقة عن قيمة الضرر الذي تعرض له الخاضعون للحراسة ، كما لا تعبر عن القيم الحقيقية للمال الخاضع للحراسة ، لاسيما مع تغير الأسعار وانخفاض قيمة العملة، فقد عرض الأمر على المحكمة الدستورية ، وأقرت المحكمة مبدأ أساسيًا في الرد العيني للمال الخاضع إذ الملكية لا تنزع إلا للمنفعة العامة فقط، فإذا تعذر الأمر وجب التعويض الكامل الذي يعادل قيمة الضرر الفعلي، فأقرت المحكمة حق من خضع للتأميم في الحصول على تعويض عادل لا يتقيد بالحدود القصوى للتعويض التي دأبت القوانين آنئذ على النص عليها.

 

في تحرير العلاقة الإيجارية

إلا أن المشكلة الأكبر حقيقة كانت تتعلق بتحرير العلاقات الإيجارية بين المالك والمستأجر، فقد كانت القوانين السائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأكدها تبني النظام الاشتراكي في ستينيات القرن الماضي، تقضي بتثبيت قيمة الأجرة، ووضع ضوابط قانونية لتقديرها لا تتقيد بالاتفاق المبرم بين المالك والمستأجر، وتقرير الامتداد القانوني لعقود الإيجار رغما عن المالك. وقد افرز هذا الوضع آثار غير عادلة إذ استمر عقد الإيجار لعقود طويلة بالأجرة المتعاقد عليها بعد تخفيضها -بموجب القيود القانونية الملزمة لطرفي العلاقة في تقديرها-، دون زيادة رغم تغير الأوضاع الاقتصادية، وانخفاض قيمة العملة. ومع الانفتاح الاقتصادي زاد الانخفاض في قيمة العملة لحدود كانت ابعد من تصورات المتعاقدين. ومع ذلك ظلت هذه القوانين السارية تجبر المالك على تجديد مدة العقد إلى آجال غير محددة، وتقضي بتوريثه إلى اسلافه، وأصهاره، والمتساكنين معه من غير حد اقصى.

وفي تسعينيات القرن الماضي عرضت هذه المنازعات على المحكمة الدستورية العليا. وقد تبنت المحكمة اتجاهًا واضحًا للتوفيق بين التسليم بالتوجه الاشتراكي السائد في أحكام الدستور الذي كان يسبغ سندا دستوريًا على هذا التنظيم، وبين توكيد حقوق الملكية التي قدم الدستور سندًا راسخًا لها. وقد راعت المحكمة في قضائها اعتبار تعاظم هذه المشكلة، وضخامة أعداد من تنطبق عليهم أحكامها، فقد كانت المحكمة حريصة كل الحرص على عدم احداث انهيار في هذا التنظيم، وإنما العمل على الحد من غلوائه كلما سمح الواقع بذلك. ويمكننا تلخيص مذهبها في النقاط الآتية:

أولًا: المزاوجة بين المذهبين الرأسمالي والاشتراكي

أكدت المحكمة على أن الدستور أخذ بموقف متوسط بين المذهبين الشيوعي والرأسمالية يسمح بتقييد الملكية، فقضت بأن الملكية في إطار النظم الوضعية التي تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة لم تعقد حقًا مطلقًا، ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية ، والأغراض التي ينبغي توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور.

ثانيًا: وأن شرعية تدخل المشرع بالتنظيم رهن بوجود ضرورة اجتماعية تبرر هذا التدخل، فإذا انتفت هذه الضرورة غدا تقييد حق الملكية غير دستوري

وتطبيقا لذلك قضت المحكمة الدستورية العليا بأن "الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة تمتد إلى كل أشكالها، وتقيم توازنًا دقيقًا بين الحقوق المتفرعة عنها، والقيود التي يجوز فرضها عليها، فلا ترهق هذه القيود تلك الحقوق بما ينال من محتواها أو يقلص من دائرتها، ولذا لم يجز الدستور المساس بالملكية إلا استثناءً، باعتبارها في الأغلب الأعم من الحالات ثمرة جهد صاحبها، حرص على إنمائها وصونها، آملاً أن يتفيأ ثمارها، متطلعًا أن تكون ردءًا له وذويه في يومه وغده، مهيمنًا عليها ليختص دون غيره بغلتها، ولذا كان لزامًا أن توفر الحماية بوجه عام للأموال بما يعينها على أداء دورها، ويكفل حصد نتاجها، ويقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها، فلم يعد جائزًا أن ينال المشرع من عناصرها ولا أن يغير من طبيعتها، أو يتدخل بتنظيم أوضاع أموال معينة على نحو يودى ببعض أجزائها، أو يقيد مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصبًا أدخل إلى مصادرتها".

ثالثًا: اتجاه المحكمة إلى القضاء بعدم دستورية بعض صور الامتداد القانوني لعقد الإيجار

ويمكن التدليل على هذا التوجه بالأحكام الآتية:

(أ) عدم دستورية الامتداد القانوني للأصهار:

قضت المحكمة بناء على ذلك بجلسة 18/3 / 1995، في القضية رقم 6 لسنة 9 ق دستورية بعدم دستورية ما تضمنته المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر من استمرار عقد إيجار المسكن - عند ترك المستأجر الأصلي له - لصالح أقاربه بالمصاهرة حتى الدرجة الثالثة الذين أقاموا معه في العين المؤجرة مدة سنة على الأقل سابقة على تركه العين.

(ب) عدم دستورية الامتداد القانوني لصالح الشريك غير المتعاقد في العين المؤجرة لنشاط تجاري:

كما قضت بجلسة 6 يوليو سنة 1996، في القضية رقم 4 لسنة 15 ق دستورية بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك فيما نصت عليه من استمرار شركاء المستأجر الأصلي للعين التي كان يزاول فيها نشاطاً تجارياً أو صناعياً أو مهنياً أو حرفياً، في مباشرة ذات النشاط بها بعد تخلى هذا المستأجر عنها.

(ج) عدم دستورية الامتداد القانوني لعقد ايجار الأقارب نسبًا بشرط الإقامة سنة:

 كما قضت بجلسة 2 أغسطس سنة 1997 في القضية رقم 116 لسنة 18 ق بعدم دستورية ما نصت عليه المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر من أن "وفيما عدا هؤلاء من أقارب المستأجر نسبًا حتى الدرجة الثالثة، يشترط لاستمرار عقد الإيجار، إقامتهم في المسكن مدة سنة على الأقل سابقة على وفاة المستأجر أو تركه للعين أو مدة شغله للمسكن أيتهما أقل".

(د) وفي تطور آخر أكدت المحكمة أنها متمسكة بالامتداد القانوني في حدود ضيقة.

فقد أرادت المحكمة أن تؤكد على حق المشرع في أن يقرر امتداد عقد الإيجار إلى حدود لا تكون مؤبدة بغير حدود، فقضت بأن " ولئن كان الدستور قد كفل حق الملكية الخاصة، وحَوّطه بسياج من الضمانات التي تصون هذه الملكية وتدرأ كل عدوان عليها، إلا أنه في ذلك كله لم يخرج عن تأكيده على الدور الاجتماعي لحق الملكية، حيث يجوز تحميلها ببعض القيود التي تقتضيها أو تفرضها الضرورة الاجتماعية وطالما لم تبلغ هذه القيود مبلغًا يصيب حق الملكية في جوهره أو يعدم جُلّ خصائصه، إذ كان ذلك، وكان ما أملى على المشرع المصري تقرير قاعدة الامتداد القانوني لعقد الإيجار، هو ضرورة اجتماعية شديدة الإلحاح تمثلت في خلل شديد في التوازن بين قدر المعروض من الوحدات السكنية وبين حجم الطلب عليها، وهو خلل باشرت ضغوطه الاجتماعية آثارها منذ الحرب العالمية الثانية، وكان تجاهلها يعنى تشريد ألوف من الأسر من مأواها بما يعنيه ذلك من تفتيت في بنية المجتمع وإثارة الحقد والكراهية بين فئاته ممن لا يملكون المأوى ومن يملكونه، وهو ما يهدر مبدأ التضامن الاجتماعي، مما دعا المشرع المصري إلى تبنى قاعدة الامتداد القانوني لعقد الإيجار، منذ التشريعات الاستثنائية لإيجار الأماكن الصادرة أثناء الحرب العالمية الثانية وحتى النص الطعين، كي يصون للمجتمع أمنه وسلامته محمولين على مبدأ التضامن الاجتماعي".

وخلصت المحكمة من ذلك إلى دستورية التشريع الذي يؤكد حق المستأجر الأصلي لعين النزاع في التمسك بالامتداد الذي قرره القانون لعقد الإيجار، في مواجهة المالك دون التقيد بالمدة المتفق عليها في العقد المبرم بينهما طالما أن هذا الامتداد لم يصل إلى حد التأبيد.

(هـ) المحكمة تقضي بعدم دستورية الامتداد القانوني لعقود إيجار الأشخاص المعنوية:

وأخيرًا قضت المحكمة ، بعدم دستورية الامتداد القانوني المؤبد لعقود ايجار الأشخاص الاعتبارية عندما تعرضت لصدر الفقرة الأولى من المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، في مجال سريانها على عقود ايجار المبرمة لصالح هذه الأشخاص، فقضت بعدم دستورية ما تضمنه هذا النص من إطلاق عبارة " لا يجوز للمؤجـر أن يطلب إخلاء المكـان، ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد،... "، لتشمل عقود إيجار الأماكن المؤجرة للأشخاص الاعتبارية لاستعمالها في غير غرض السكنى، مراعاة لاعتبار أن الشخص المعنوي لا يموت في الظروف الطبيعية، بل تستمر حياته حتى بعد وفاة مالكيه.

والخلاصة فإن المحكمة حتى في ظل عمل دستور 1971 في صورته الأولى التي سيطرت عليها النزعة الاشتراكية، تمسكت بحماية الحق الملكية الخاصة، وقامت بضبط نطاق المذهب الاشتراكي، والتوفيق بينه وبين قواعد صون الملكية الخاصة استجابة للتطور الاجتماعي الذي اتجهت إليه الدولة.

 (و) دور القطاع العام في الاقتصاد الاشتراكي

قام الاقتصاد في ظل الحقبة الاشتراكية معتمدًا على القطاع العام الذي قاد قاطرته في شتى المجالات الانتاجية والتجارية. بيد أن مشاكل الإدارة أثرت على حسن أدائه، وبلغت المشكلة ذروتها في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي ترتب عليه أن فقد هذا القطاع العريض جدواه، وأصبح غير قادر على الاستمرار بالحيوية ذاتها، وقد سارعت الحكومة ببيع جانب من القطاع العام إلى القطاع الخاص، ومحاولة إدخال قدر من التطوير في إدارته، وأثناء ذلك ثار الحديث الاجتماعي حول مدى دستورية القوانين التي قررت هذه التصرفات بالبيع. وقد عرض الأمر على المحكمة فقضت برفض دعوى عدم دستورية قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، واستندت المحكمة في ذلك إلى أن المادة (30) من الدستور التي تمنح القطاع العام دورًا تقدميًا يتحمل به المسئولية الرئيسية في خطة التنمية، ويقود خطاها في مختلف مجالاتها فإن هذه النصوص الدستورية لا يجوز تفسيرها باعتبارها حلًا نهائيًا ودائمًا لأوضاع اقتصادية جاوز الزمن حقائقها، فلا يكون تبنيها والإصرار عليها، ثم فرضها بآلية عمياء إلا حرثًا في البحر بل يتعين فهمها على ضوء قيم أعلى غايتها تحرير الوطن والمواطن سياسيًا واقتصاديًا. وأن قهر النصوص الدستورية لإخضاعها لفلسفة بذاتها، يعارض تطويعها لآفاق جديدة تريد الجماعة بلوغها، فلا يكون الدستور كافلًا لها، بل حائلًا دون ضمانها. وهكذا فقد اتجهت المحكمة – في هذا الحكم على وجه الخصوص- إلى تفسير الدستور استهداًء بمذهب المدرسة التاريخية في التفسير، وهي مدرسة تقرأ النص القانوني في ضوء البيئة التي يطبق فيها، وتقر بتطور أحكامه استجابة لظروف الواقع.

بيد أن المحكمة توسعت في حماية الحق في الملكية على نحو لا ينفصل عن نصوص الدستور، وإنما يتبنى تفسيرًا موسعا للحق في الملكية الخاصة في ظل النظم الاشتراكية، وهو منهج املاه التطور السياسي والاقتصادي الذي ساد هذا العصر في المجتمع. والذي انتهى إلى تعديل الدستور سنة 2007، واستبعاد كل التأثير الاشتراكي من الدستور.

 

في حق التقاضي

الحق في الولوج للقاضي الطبيعي طلبًا للعدالة

شرعت المحكمة العليا في تفعيل الحق في التقاضي منذ باكورة احكامها. وكان الدلالة المطروحة لتفعيل هذا الحق هو تأمين حق كل مواطن في الولوج إلى قاضيه طلبًا للعدالة، فإذا حظرت القوانين على المضرورين الولوج إلى القضاء فإن المحكمة كانت تفعل هذا الحق بقائها بعدم دستورية النص المانع من عرض الأنزعة على قاضيها. من ذلك قضاؤها بعدم دستورية المادة (1) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 99 لسنة 1963 فيما نصت عليه من عدم سماع أي جهة قضائية أي دعوى يكون الغرض منها الطعن في أي تصرف أو قرار أو تدبير أو إجراء أو عمل أمرت به أو تولته الجهات القائمة على تنفيذ جميع الأوامر الصادرة بفرض الحراسة على أموال وممتلكات بعض الأشخاص أو الهيئات.

مفهوم التقاضي وحلقاته الثلاث

إلا أن المحكمة في مرحلة لاحقة طورت مفهوم حق التقاضي فجعلته يتضمن حلقات ثلاث: أولها حق كل إنسان في الولوج إلى القضاء، وثانيها حقه في أن يجد قاض مؤهل علميًا، ومحايد قادر على الفصل في الخصومة القضائية في موعد مناسب وفق الأسس المسلم بها في الأمم المتحضرة، وثالثها حقه في أن يوفر له القانون في ختام مطاف الخصومة حلًا عادلًا ومنصفًا يحقق له الترضية القضائية.

وهكذا فقد قالت المحكمة إن "حق التقاضي يفترض ابتداء وبداهة تمكين كل متقاض من النفاذ إلى القضاء نفاذًا ميسرًا لا تثقله أعباء مالية، ولا تحول دونه عوائق إجرائية، وكان هذا النفاذ- بما يعنيه من حق كل شخص في اللجوء إلى القضاء وأن أبوابه المختلفة غير موصده في وجه من يلوذ بها، وأن الطريق إليها معبد قانونًا- لا يتعدى كونه حلقة في حق التقاضي تكملها حلقتان أخريان لا يستقيم بدونهما هذا الحق، ولا يكتمل وجوده في غيبة أي منهما، ذلك أن قيام الحق في النفاذ إلى القضاء لا يدل بذاته ولزومًا على أن الفصل في الحقوق التي تقام الدعوى لطلبها موكول إلى أيد أمينة عليها تتوافر لديها- ووفقًا للنظم المعمول بها أمامها- كل ضمانة تقتضيها إدارة العدالة إدارة فعالة ، بما مؤداه: أن الحلقة الوسطى في حق التقاضي هي تلك التي تعكس حيدة المحكمة واستقلالها، وحصانة أعضائها والأسس الموضوعية لضماناتها العملية، وهى بذلك تكفل المقاييس المعاصرة التي توفر لكل شخص حقا مكتملًا ومتكافئًا مع غيره في محاكمة من صفة وعلنية تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة ينشئها القانون تتولى الفصل- خلال مدة معقولة - في حقوقه والتزاماته المدينة أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه، ويتمكن في كنفها من عرض دعواه وتحقيق دفاعه ومواجهة أدلة خصمه ردًا وتعقيبًا في إطار من الفرص المتكافئة، وبمراعاة أن تشكيل المحكمة، وأسس تنظيمها وطبيعة القواعد الموضوعية والإجرائية المعمول بها في نطاقها، وكيفية تطبيقها من الناحية العملية، هي التي تحدد لتلك الحلقة الوسطى ملامحها الرئيسية. متى كان ما تقدم، وكان حق التقاضي لا تكتمل مقوماته أو يبلغ غايته ما لم توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلًا منصفًا يمثل التسوية التي يعمد من يطلبها إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التي يسعى إليها لمواجهة الإخلال بالحقوق التي يدعيها، فإن هذه الترضية - وبافتراض مشروعيتها واتساقها مع أحكام الدستور- تندمج في الحق في التقاضي باعتبارها الحلقة الأخيرة فيه، ولارتباطها بالغاية النهائية المقصودة منه برابطة وثيقة ، ذلك أن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن مصلحة نظرية لا تتحمض عنها فائدة عملية، وإنما غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون، وتتحدد على ضوئها حقيقة المسألة المتنازع عليها بين أطرافها وحكم القانون بشأنها. واندماج هذه الترضية في الحق في التقاضي، مؤداه: أنها تعتبر من مكوناته، ولا سبيل لفصلها عنه، وإلا فقد هذا الحق مغزاه، وآل سرابًا. وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان إنكار الحق في الترضية القضائية سواء بمنعها ابتداء، أو بإقامة العراقيل في وجه اقتضائها، أو بتقديمها متباطئة متراخية دون مسوغ أو بإحاطتها بقواعد إجرائية تكون معيبة في ذاتها بصفة جوهرية، لا يعدو أن يكون إهداراُ للحماية التي يفرضها الدستور والقانون للحقوق التي وقع العدوان عليها، وإنكارًا للعدالة في جوهر خصائصها وأدق توجهاتها، وبوجه خاص كلما كان طريق الطعن القضائي لرد الأمور إلى نصابها ممتنعًا أو غير منتج، وكان من المقرر أنه ليس لازمًا لإنكار العدالة وإهدار متطلباتها أن يقع العدوان على موجباتها من جهة القضاء ذاتها، ذلك أن السلطة التشريعية أو التنفيذية قد تفرض من العوائق ما يحول دون بلوغ الترضية القضائية ، سواء عن طريق حرمان الشخص من إقامة دعواه، أو من نظرها في إطار من الموضوعية، ووفق الوسائل القانونية السليمة ومن ثم لا يعتبر إنكار العدالة قائماً في محتواه على الخطأ في تطبيق القانون. وإنما هو الإخفاق في تقديم الترضية القضائية الملائمة، وهو ما يتحقق بوجه خاص إذا كانت الوسائل القضائية المتاحة لا توفر لمن استنفدها الحماية اللازمة لصون حقوقه، أو كانت ملاحقته لخصمه للحصول على الترضية القضائية التي يأملها، لا طائل من ورائها. وحيث إنه بغير اقتران الترضية القضائية بوسائل تنفيذها وحمل الملزمين بها على الرضوخ لها، فإن هذه الترضية تغدو هباءً منثورًا، وتفقد قيمتها من الناحية العملية، وهو ما يفيد بالضرورة إهدار الحماية التي فرضها الدستور والمشرع- كلاهما- للحقوق على اختلافها، وتكريس العدوان عليها، وتعطيل دور القضاء المنصوص عليه في المادة (65) من الدستور في مجال صونها والدفاع عنها، وإفراغ حق اللجوء إليه من كل مضمون. وهو حق عنى الدستور بتوكيده في المادة (68).

 إذا حدد الدستور قاضيًا بعينه للمسألة كان هو القاضي الطبيعي لها

وفي تطور حديث قضت المحكمة بأن الدستور متى ناط بهيئة قضائية معينة الاختصاص بالفصل في منازعة بنوعها ، فإن هذه الهيئة تصبح هي القاضي الطبيعي لنظر هذه المنازعة، فإذا عاد واسند الاختصاص إلى هيئة أخرى فإن ذلك بعد عدوانا على مبدأ اختصاص القاضي الطبيعي بنظر هذه المنازعة ، وترتيبًا على ذلك قضت المحكمة الدستورية العليا بأن إذا:  " كان المرجع في تحديد بنيان الضريبة العامة على المبيعات وعناصرها ومقوماتها وأوضاعها وأحكامها المختلفة، بما في ذلك السلع والخدمات الخاضعة للضريبة، والمكلفين بها والملتزمين بعبئها وقيمة الضريبة المستحقة ومدى الخضوع لها والإعفاء منها إلى قانون هذه الضريبة، وإلى القرار الصادر من الجهة الإدارية المختصة تنفيذًا لأحكامه، فإن المنازعة في هذا القرار تعد منازعة إدارية بحسب طبيعتها، تندرج ضمن الاختصاص المحدد لمحاكم مجلس الدولة طبقًا لنص المادة (174) من الدستور الحالي الصادر في 25/12/2012 (ويقابلها المادة 190 من دستور سنة 2014). وإذ أسند النصان المطعون فيهما الاختصاص بالفصل في تلك المنازعات إلى المحكمة الابتدائية التابعة لجهة القضاء العادي، فإن مسلك المشرع على هذا النحو يكون مصادمًا لأحكام الدستور الذي أضحى بمقتضاه مجلس الدولة، دون غيره من جهات القضاء – وفى حدود النطاق المتقدم ذكره – هو صاحب الولاية العامة في الفصل في كافة المنازعات الإدارية وقاضيها الطبيعي، والتي تدخل ضمنها الطعون في القرارات النهائية الصادرة من الجهات الإدارية في منازعات الضرائب".

 

في ضوابط التشريع الجنائي

أولًا- الجريمة

 لقد كان للمحكمة الدستورية وقفات عدة في سبيل ضبط شرعية النص الجنائي على احكام الدستور، ولقد كان للمحكمة دور بارز في تقعيد الأحكام الضابطة لهذه النصوص بالنظر لخطورتها على الحرية الفردية ومساسها المباشر بحقوق الإنسان وكرامته. وسوف نبسط أهم هذه المبادئ على النحو الآتي:

 

وضوح القاعدة الجنائية وانتفاء غموضها

لعل من أهم واسبق الضوابط التي أوجبت المحكمة الدستورية العليا تحققها هي قاعدة وضوح النص الجنائي، وانتفاء غموضه، فإذ كان النص الجنائي غامضًا أو متميعًا بحيث يصعب على المخاطبين بأحكامه الوقوف على دلالته، فإنه يكون غير مستوف للضوابط الدستورية للقاعدة الجنائية. وقد قار هذا الاعتبار بصدد الجريمة المؤثمة بالمادة (5) من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 بشأن المتشردين والمشتبه فيهم، إذ كان مضمون النص الجنائي غير واضح، وغير محدد المعالم على نحو يتيح للمخاطبين به الكف عن موانعه، فقضت المحكمة بأن "الأصل وفقا لنص المادة (66) من الدستور هو أن يكون لكل جريمة عقوبة محددة ينص القانون عليها في صلبه، أو تقرر - علي الأقل - وفقا للحدود التي يبينها، كذلك، فإن من القواعد المبدئية التي يتطلبها الدستور في القوانين الجزئية، أن تكون درجة اليقين التي تنتظم أحكامها في أعلي مستوياتها، وأظهر في هذه القوانين منها في أية تشريعات أخري، ذلك أن القوانين الجزئية تفرض علي الحرية الشخصية أخطر القيود وأبلغها أثرًا، ويتعين بالتالي - ضمانا لهذه الحرية - أن تكون الأفعال التي تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وبمراعاة أن تكون دوما جليلة واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو انبهامها في بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها علي بينة من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها، كذلك فإن غموض مضمون النص العقابي مؤداه أن يحال بين محكمة الموضوع وبين أعمال قواعد منضبطة تعين لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا خفاء فيه، وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطارًا لعملها لا يجوز تجاوزه، ذلك أن الغاية التي يتوخاها الدستور هي أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة حرياته في إطار من الضوابط التي قيدها بها، ولازم ذلك أن تكون القيود علي الحرية التي تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلي الامتثال لها كي يدفعوا عن حقهم في الحياة وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة. ولقد كان غموض القوانين الجزائية مرتبطًا من الناحية التاريخية بإساءة استخدام السلطة، وكان أمرًا مقضيًا أن يركن المشرع الي مناهج جديدة في الصياغة لا تنزلق إلي تلك التعبيرات المرنة أو الغامضة أو المتميعة المحملة بأكثر من معني والتي تنداح معها دائرة التجريم بما يوقع محكمة الموضوع في محاذير واضحة قد تنتهي بها - في مجال تطبيقها للنصوص العقابية - إلي ابتداع جرائم لا يكون المشرع قد قصد حقيقة إلي إنشائها، والي مجاوزة الحدود التي اعتبرها الدستور مجالًا حيويا لمباشرة الحقوق والحريات التي كفلها، وهو ما يخل في النهاية بالضوابط الجوهرية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة وفقا لنص المادة (67) من الدستور، والتي عرفتها هذه المحكمة بأنها تعكس نظاما متكامل الملامح يتوخى بالأسس التي يقوم عليها صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه وحرياته الأساسية، ويحول بضماناته دون إساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها".

افتراض البراءة وعدم دستورية افتراض أي عنصر في الجريمة

تكليف النيابة العامة إثبات الدليل على الإدانة

شهدت الأنظمة الجنائية في العالم أجمع مع اتساع التجريم في مجال الجرائم التنظيمية درجة من الصعوبة في الإثبات، الأمر الذي حدا بها إلى افتراض علم المتهم بعناصر الجريمة تيسيرًا على سلطة الاتهام في اقامة الدليل. ولقد كان الأمر في البداية قاصرًا على الجرائم البسيطة كمخالفات المرور، التي لجأ المشرع فيها إلى مساواة العمد بالخطأ، ثم افتراض العلم بعناصر الجريمة المختلفة. ومع التطور الصناعي لجأ المشرع إلى التوسع في التجريم مفترضا تحقق العلم بعناصر الجريمة المختلفة، والقى على المتهم عبء النفي. إلا أن المحكمة الدستورية العليا بمصر وقفت لهذا المسلك التشريعي بالمرصاد. فحرمت على نحو قاطع افتراض أي عنصر من عناصر الركن المعنوي، وأوجبت دومًا أن تقوم النيابة العامة بواجبها في إثبات هذا الركن. من ذلك قضاءها بأن: " افتراض براءة المتهم، لا يعدو أن يكون استصحابا للفطرة التي جبل الإنسان عليها، وشرطاً لازماً للحرية المنظمة يكرس قيمها الأساسية التي لا يتصور أن تنفصل الجماعة عنها. وهو كذلك وثيق الصلة بالحق في الحياة، وبدعائم العدل التي تقوم على قواعدها النظم المدنية والسياسية جميعها. ومن ثم كان أصل البراءة جزءاً من خصائص النظام الاتهامي Accusatorial system لازماً لحماية الحقوق الرئيسية التي كفلتها المادة 67 من الدستور لكل متهم ، مرددة بها نص المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والفقرة الثانية من المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، بما مؤداه أن هذه البراءة لا يجوز تعليقها على شرط يحول دون إنفاذ محتواها ، ولا تعطيلها من خلال إتهام يكون متهاوياً ، ولا نقضها سواء بإعفاء النيابة من التزامها بالتدليل على صحة اتهامها ، أو عن طريق تدخلها هي أو غيرها للتأثير دون حق في مسار الدعوى الجنائية ومحصلتها النهائية . بل إن الإخلال بها ــ وباعتبارها مبدأ بدهيًا ــ An Axiomatic Precept يعد خطأ لا يغتفر A prejudicial Error مستوجباً نقض كل قرار لا يتوافق معها. إن أصل البراءة يعتبر بذلك جزءاً لا يتجزأ من محاكمة تتم إنصافًا باعتباره متساندًا مع عناصر أخرى تشكل مقوماتها، وتمثل في مجموعها حدًا أدنى من الحقوق اللازمة لإدارتها، ويندرج تحتها أن يكون لكل من المتهم وسلطة الاتهام، الوسائل عينها التي يتكافأ بها مركزيهما سواء في مجال دحض التهمة أو إثباتها، وهي بعد حقوق لا يجوز الحرمان منها أو تهميشها سواء تعلق الأمر بشخص يعتبر متهمًا أو مشتبهًا فيه. وقد أقرتها الشرائع جميعهاــ لا لتظل المذنبين بحمايتهاــ وإنما لتدرأ بمقتضاها وطأة الجزاء المقررة للجريمة التي خالطتها شبهة ارتكابها بما يحول دون القطع بوقوعها ممن أسند إليهم الاتهام بإتيانها، إذ لا يعتبر هذا الاتهام كافيًا لهدم أصل البراءة، ولا مثبتًا لواقعة تقوم بها الجريمة، ولا حائلًا دون التدليل عليها، بل يظل هذا الأصل قائمًا إلى أن ينقض من خلال حكم قضائي صار باتًا بعد أن أحاط بالتهمة عن بصر وبصيرة، وخلص إلى أن الدليل على صحتها ــ بكل مكوناتها ــ كان نقيًا متكاملًا".

 

الركن المادي للجريمة

لقد خلصت المحكمة من نص المادة (66) من دستور 1971، المقابلة لنص المادة (95) من الدستور القائم التي تقضي بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون ، إلى أن الدستور أوجب على المشرع عند النص على الجريمة أن يعين الركن المادي لها، بحيث لا يتصور وجود جريمة بغير ركن مادي ، هو الذي يعبر عن قوامها، وبدونه لا قوام لها إطلاقا، ففي دعوى أثم فيها المشرع أفعال الغش الغذائي على التجار ولو تعذر عليهم العلم بمحتويات المادة المباعة، وفي هذا تقول المحكمة: "إن الدستور -في اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة، ومتابعة خطاها، والتقيد بمناهجها التقدمية - نص في المادة (66)، على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها، وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنًا ماديًا لا قوام لها بغيره، يتمثل أساسًا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحًا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداءً -في زواجره ونواهيه- هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيًا كان هذا الفعل أم سلبيًا، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهى التي يتصور إثباتها ونفيها، وهى التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها، وتقدير العقوبة المناسبة لها. بل أنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعًا واضحًا، ولكنها تجيل بصرها فيها، منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيرًا خارجيًا وماديًا عن إرادة واعية. ولا يتصور بالتالي وفقًا لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم، والنتائج التي أحدثا بعيدًا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه

. A persons " intent in any regard is to be inferred from his conduct and ordinarily can be proven only by circumstantial evidence. Regardless of whether intent is general or specefic, intent is proven to the trier of facts by the conduct of the actor which represents an objective, tangible manifistation of behaviour assumed to be reflection of his or her mental state.

ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية ـ وليس النوايا التي يضمرها الانسان في أعماق ذاته ـ تعتبر واقعة في منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكًا خارجيا مؤاخذًا عليه قانونا، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها وتم التعبير عنها خارجيًا في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.

 

الرقابة الدستورية على الجرائم العمدية والجرائم غير العمدية

 الجرائم العمدية

لم تقف المحكمة عند اعتبار تطلب الركن المادي ذو المظاهر الخارجية القابلة للتحقيق وتعيين الفعل المستوجب لتقديم المتهم للمحاكمة استنادًا إليه ، بل خطت خطوة أوسع في اتجاه تطلب الركن المعنوي في مجال الجرائم العمدية ، ففي قضية جوهرية تتعلق بمسئولية رئيس التحرير عن الجرائم التي تقع بطريق النشر ، وهي مسئولية افتراضية تقوم على أساس افتراض العلم في حقه بكل ما نشر بالجريدة، ومن ثم المسئولية عن كل جريمة تقع بهذا النشر ، قضت المحكمة بعدم دستورية هذا الافتراض ، وأوجبت تحقق العلم الفعل والإدارة الحقيقية طالما أن المشرع نظم هذه الجريمة ضمن الجرائم العمدية ، فقالت المحكمة : " الأصل في الجرائم، أنها تعكس تكويناً مركباً باعتبار أن قوامها تزامناً بين يد اتصل الإثم بعملها [an evil - doing hand]، وعقل واع خالطها [an evil - meaning mind] ليهيمن عليها محدداً خطاها، متوجهاً إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، ليكون القصد الجنائي ركناً معنوياً في الجريمة [Mens Rea] مكملاً لركنها المادي [Actus Reus]، ومتلائماً مع الشخصية الفردية في ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هي التي تتطلبها الأمم المتحضرة في مناهجها في مجال التجريم بوصفها ركناً في الجريمة، وأصلاً ثابتاً كامناً في طبيعتها، وليس أمراً فجاً أو دخيلاً مقحماً عليها أو غريبا عن خصائصها. ذلك أن حرية الإرادة تعنى حرية الاختيار بين الخير والشر. ولكلٍ وجهة هو مُوَلِّيها، لتنحل الجريمة -في معناها الحق- إلى علاقة ما بين العقوبة التي تفرضها الدولة بتشريعاتها، والإرادة التي تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التي يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها، بديلًا عن الانتقام والثأر المحض من صاحبها. وغدا أمرًا ثابتًا -وكأصل عام- ألا يجرم الفعل ما لم يكن إراديًا قائمًا على الاختيار الحر، ومن ثم مقصودًا. ولئن جاز القول بأن تحديد مضمون تلك الإرادة وقوفًا على ما هيتها، لا زال أمرًا عسرًا، إلا أن معناها - وبوصفها ركنًا معنويًا في الجريمة - يدور بوجه عام حول النوايا الإجرامية أو الجانحة felonious intent أو النوازع الشريرة المدبرة malice aforethought أو تلك التي يكون الخداع قوامها fraudulent intent أو التي تتمحض عن علم بالتأثيم، مقترنًا بقصد اقتحام حدوده guilty knowledge، لتدل جميعها على إرادة إتيان فعل بغيًا.

 الجرائم غير العمدية

أما في مجال الجرائم غير العمدية ، فقد أوجبت المحكمة اتجاه الإرادة إلى الفعل دون النتيجة، أو عدم توقع حدوث النتيجة كأثر للفعل رغم امكان توقع ذلك، وأنه ولئن كانت تلك الشروط هي ما خلص إليه العلم الجنائي، إلا أن المحكمة خطت خطوة جديدة، بإسناد هذه النتائج إلى نصوص الدستور، واعمال الرقابة الدستورية على النص الجنائي استنادًا اليها، وفي هذا تقول المحكمة: "أن المشرع عمد أحيانًا ـ من خلال بعض اللوائح ـ إلى تقرير جرائم عن أفعال لا يتصل بها قصد جنائي باعتبار أن الإثم ليس كامنًا فيها inherenly   wrong  mala in se   ولا تدل بذاتها على ميل إلى الشر والعدوان ولا يختل بها قدر مرتكبها أو اعتباره وإنما ضبطها المشرع تحديدًا لمجراها ، وحدًا من مخاطرها وأخرجها بذلك عن مشروعيتها mala  prohibita  وهى الأصل وجعل عقوباتها متوازنة مع طبيعتها فلا يكون أمرها غلوا من خلال تغليظها، بل هينًا في الأعم وقد بدا هذا الاتجاه متصاعدًا إثر الثورة الصناعية التي تزايد معها عدد العمال المعرضين لمخاطر أدواتها وآلاتها ومصادر الطاقة التي تحركها، واقترن ذلك بتعدد وسائط النقل وتباين قوتها وبتكدس المدن وازدحام أحيائها وبغلبة نواحي الإخلال بالصحة العامة وبوجه خاص من خلال الاتصال بالمواد الغذائية سواء عند انتاجها أو توزيعها وتداولها أو بمراعاة نوعيتها، وكان لازمًا بالتالي ولمواجهة تلك المخاطر ـ أن بفرض المشرع على المسئولين عن إدارة الصناعة أو التجارة وغيرهم قيوداً كثيرة غايتها أن ينتهج المخاطبون بها سلوكًا قويمًا موحدًا ببذل العناية التي يتوقعها المشرع من أوساطهم ليكون النكول عنها وبغض النظر عن نواياهم ـ دالًا على تراخى يقظتهم ومستوجبًا عقابهم. غير أن تقرير هذا النوع من الجرائم في ذلك المجال ظل مرتبطًا بطبيعتها ونوعيتها ومنحصرًا في الحدود الضيقة التي تقوم فيها علاقة مسئولية بين من يرتكبها وخطر عام لتكون أوثق اتصالًا برخاء المواطنين وصحتهم وسلامتهم في مجموعهم public  welfare  offenses  وبإهمال من قارفها لنوع الرعاية التي تطلبها المشرع منه عند مباشرته لنشاط معين أو بإعراضه عن القيام بعمل ألقاه عليها باعتباره واجبًا وبمراعاة أن ما توخاه المشرع من إنشائها هو الحد من مخاطر بذواتها بتقليل فرص وقوعها وإنماء القدرة على السيطرة عليها والتحوط لدرئها ولا يجوز بالتالي أن يكون إيقاع العقوبة المقررة لها معلقًا على النوايا المقصودة من الفعل ولا على تبصر النتيجة الضارة التي أحدثها foreseeability  of  the  resulting  harm  ذلك أن الخوض في هذين الأمرين يعطل أغراض التجريم ولأن المتهم ـ ولو لم يكن قد اراد الفعل كان باستطاعته أن يتوفاه لو بذل جهدًا معقولًا وفقًا للمقاييس الموضوعية عما يكون متوقعًا من الشخص المعتاد ordinary  reasonable  man  وغدا منطقيًا بالتالي أن يتحمل الأضرار التي أنتجها ، وأن يكون مسئولًا عنها حتى ما وقع منها بصفة عرضية أو مجاوزًا تقديره ولازم ما تقدم أن هذا النوع من الجرائم ـ وتلك هي خصائصها ـ يعد استثناء من الأصل في جرائم القانون العام التي لا تكتمل مقوماتها الا باعتبار أن القصد الجنائي ركن فيها . ذلك أن هذه الجرائم لها من الخصائص ما يشين مرتكبها ويتعين أن يكون قوامها تدخلًا إيجابيًا مقترنًا بالإرادة الواعية التي تعطى العمل دلالته الإجرامية وبها يكون العدوان في الأعم واقعًا على حقوق الافراد أو حرياتهم أو ممتلكاتهم أو حياتهم أو آدابهم public decency and morality.

 

ثانيًا- العقوبة

شرعية الجزاء تناسبه مع الإثم

أوجبت المحكمة لشرعية الجزاء الجنائي من الناحية الدستورية أن يكون متناسبًا مع مقدار الإثم الجنائي، فعندما عرض عليها أمر جريمة الاتفاق الجنائي كجريمة مستقلة تقوم بغض النظر عن اتمام الجريمة الجنائية من عدمه، نظرت من بين عناصر التأثيم إلى خطورة الجزاء الجنائي، وعدم تناسبه مع خطورة الفعل، وخلصت إلى أن: "قضاء هذه المحكمة جري علي أن شرعية الجزاء - جنائيا كان أم مدنيا أم تأديبيًا - مناطها أن يكون متناسبا مع الأفعال التي أتمها المشرع أو حظرها أو قيد مباشرتها فالأصل في العقوبة هو معقوليتها فكلما كان الجزاء الجنائي بغيضًا أو عاتيًا أو كان متصلًا بأفعال لا يسوغ تجريمها أو مجافيا بصورة ظاهرة للحدود التي يكون معها متناسبًا مع خطورة الأفعال التي أتمها المشرع فإنه يفقد مبررات وجوده ويصبح تقييده للحرية الشخصية اعتسافًا متي كان ذلك وكانت الفقرة الثانية من المادة 48 من قانون العقوبات تقرر عقوبة السجن علي الاتفاق الجنائي علي ارتكاب جناية وكانت عقوبة السجن هي وضع المحكوم عليه في أحد السجون العمومية وتشغيله داخل السجن أو خارجه في الأعمال التي تعينها الحكومة المدة المحكوم بها عليه ولا يجوز أن تنقص عن ثلاث سنوات ولا أن تزيد علي خمس عشرة سنة إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانونًا بينما هناك جنايات كثيرة حدد المشرع العقوبة فيها بالسجن مدة تقل عن خمس عشرة سنة كما تنص الفقرة علي أن عقوبة الاتفاق الجنائي علي ارتكاب الجنح هي الحبس أي وضع المحكوم عليه في أحد السجون المركزية أو العمومية المدة المحكوم بها عليه وحدها الأدنى أربع وعشرون ساعة ولا تزيد علي ثلاث سنوات إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانونًا بينما هناك جنح متعددة حدد المشرع العقوبة فيها بالحبس مدة تقل عن ثلاث سنوات وهو ما يكشف عن عدم تناسب العقوبات الواردة في الفقرة الثانية من النص المطعون فيه مع الفعل المؤثم ولا وجه للمحاجة في هذا المقام بأن الفقرة الرابعة من المادة 48 المشار إليها تقضي بأنه إذا كان محل الاتفاق جناية أو جنحة معينة عقوبتها أخف مما نصت عليه الفقرة السابقة فلا توقع عقوبة أشد مما نص عليه القانون لتلك الجناية أو الجنحة ذلك انما محل الاتفاق - كما سبقت الاشارة - قد يكون ارتكاب جناية او جنحة غير معينة بذاتها وعندئذ توقع العقوبات الواردة في الفقرة الثانية من المادة وحدها وهي تصل إلي السجن خمس عشرة سنة أو الحبس ثلاث سنوات -حسب الأحوال- ولا شك أنها عقوبات مفرطة في قسوتها تكشف عن مبالغة المشرع في العقاب بما لا يتناسب والفعل المؤثم". وانتهت من ذلك إلى عدم دستورية نص المادة (48) من قانون العقوبات المؤثمة لهذه الجريمة.

تفريد العقوبة – عدم دستورية العقوبة ذات الحد الواحد

استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على اعتبار العقوبة التي لا تتيح للقاضي التمييز بين مرتكبي الجريمة على أساس خطورتهم الإجرامية، وجسامة أفعالهم على تباينها هي عقوبة غير دستورية. إذ أنها توجب التسوية بين غير المتساويين، وتحول دون تفريد العقوبة المستحقة لكل منهم. وقد حدث ذلك بمناسبة النظر في عقوبة جريمة البناء على أرض زراعية ، فقد أثم المشرع هذه الجريمة بالمادتين (152، 156) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 المعدل بالقانون رقم 116 لسنة 1983، وحظر على المحكمة القضاء بوقف تنفيذ هذه العقوبة ، ورأت المحكمة في ذلك سببًا لعدم الدستورية، وفي ذلك تقول: "اعتبار المتهمين نظراء بعضهم لبعض سواء في نوع جريمتهم أو دوافعها أو خلفيتها، لا يعدو أن يكون إخلالًا بشرط الوسائل القانونية السليمة التي لا يتصور في غيبتها أن يكون للحق في الحياة، أو في الحرية، من قيمة لها اعتبارها". وقد استقر هذا المبدأ في قضاء المحكمة الدستورية العليا حتى أنه عد من المبادئ الجوهرية لقضائها.

تعدد الجزاءات بغير مبرر

كذلك فقد خلصت المحكمة إلى أن عدالة الجزاء توجب ألا تتعدد صور الجزاء على محل واحد بغير مبرر، فقضت انطلاقًا من ذلك إلى أن "الأصل في صور الجزاء ألا تتزاحم جميعها على محل واحد بما ينبو بها عن موازين الاعتدال، وألا يتعلق جزاء منها بغير الأفعال التي تتخذ خواصها وصفاتها، وبما يلائمها، فلا يكون من أثره العدوان دون مقتض على حقوق الملكية الثابتة لأصحابها، وكان ذلك مؤداه أن الجزاء لا يجوز أن يكون خطأ، ولا فاسدًا مغبة. بل ينبغي أن يوازن المشرع قبل تقريره، بين الأفعال التي يجوز أن يتصل بها، وأن يقدر لكل حال لبوسها، فلا يتخذ من النصوص القانونية ما تظهر فيه مكامن مثالبها، بل يبتغيها أسلوبا لتقويم أوضاع خاطئة وتصحيحها." وكان ذلك عقابًا على التهرب من أداء ضريبة المسارح والملاهي المقررة بالقانون رقم 221 لسنة 1951 إذ كان النص يعاقب على أفعال التهرب بغرامة لا تجاوز خمسين جنيها، إلا أنه أضاف إليه عقوبة إغلاق المحل مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا، ثم أضاف إليها التزام المخالف بأداء باقي الضريبة مع زيادة تساوى ثلاثة أمثالها تضاعف في حالة العود.

 

دور المحكمة الدستورية العليا في تطوير الحقوق السياسية

لقد حرص الدستور على ضمان الحقوق السياسية، فنصت المادة (5) من دستور سنة 1971، على أن "يقوم النظام السياسي في جمهورية مصر العربية على أساس تعدد الأحزاب وذلك في إطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص عليها في الدستور. وينظم القانون الأحزاب السياسية.

وللمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية وفقًا للقانون. ولا تجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أية مرجعية دينية أو أساس ديني، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل.”، كما نصت المادة (62) - على أن "للمواطن حق الانتخاب وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقًا لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني، وينظم القانون حق الترشيح لمجلسي الشعب والشورى وفقًا لأي نظام انتخابي يحدده." ونصت الفقرة الأخيرة من هذه المادة على أن " ويجوز أن يأخذ القانون بنظام يجمع بين النظام الفردي ونظام القوائم الحزبية بأية نسبة بينهما يحددها، كما يجوز أن يتضمن حدًا أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين".

ويمكننا أن نلاحظ حرص المشرع الدستوري على إقرار أصل الحقوق السياسية التي يستوجبها أي نظام ديمقراطي في المجتمع الحديث من الحق في تكوين الأحزاب، والحق في الانتخاب والترشح على أسس ديمقراطية.

 

أولًا- تقييد سلطة المشرع في اختيار صورة النظام الانتخابي

وقد استقر القضاء الدستوري منذ نشأته على التسليم بسلطة المشرع التقديرية في مجال تنظيم الحقوق ما لم تتصادم مع الضوابط التي وضعها الدستور. وأن للمشرع أن يتخير من البدائل المتاحة ما يراه أكثر ملاءمة، وأوفق للواقع. وكان مؤدى استقرار هذه القاعدة أن يكون تنظيم المشرع لنظام الانتخابات أمر يدخل في نطاق السلطة التقديرية له. وهو يمارس عند اختياره بين البدائل المتاحة في النظم الانتخابية المقارنة الحق في الاختيار الحر، سواء اختار النظام الفردي أم نظام القوائم الحزبية طالما أن هذا التنظيم أو ذاك يعد من صور الاختيارات المتباينة التي تسود في نظم الانتخابات العالمية.

ثانيًا- في حق المستقلين في الترشح

إلا أن الواقع السياسي المصري في فترة عمل دستور سنة 1971، شهد تقييدًا شديدًا لإجراءات إنشاء الأحزاب السياسية، الأمر الذي جعل الأحزاب المرخص لها لا تعبر عن حقيقة الرأي العام في المجتمع، ولا تستوعب الاتجاهات الفكرية المختلفة الموجودة في شرائحه الفكرية والسياسية، فضلا عن أن تضييقًا حدث على مكنة الأحزاب المصرح بها في اتصالها بالجماهير بما يؤثر على شعبيتها. ولقد لعب النواب المستقلون – غير المنتمين للأحزاب – دورًا بارزًا في تنشيط العمل السياسي في البرلمان وإنعاشه، والعمل على طرح الأفكار الشعبية غير الممثلة في الأحزاب المرخص لها، وإذ عرض نظام الانتخاب بالقائمة على المحكمة الدستورية العليا وكان نظامًا يقوم بالأساس على الانتخاب بالقائمة إلا أنه يعطى المستقلين حق الترشح على (48) مقعد فقط في دوائر شديدة الاتساع على مستوى الجمهورية، مقابل ما يزيد عن أربعمائة مقعد للقوائم الحزبية، فقضت المحكمة الدستورية العليا  بعدم دستورية هذا التنظيم لما اعتراه من إهدار حق المستقلين في النفاذ إلى البرلمان، فقضت المحكمة في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" بجلسة 19 مايو 1990 بعدم دستورية نص المادة الخامسة مكررًا من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986 فيما تضمنته من أن يكون لكل دائرة كلية عضو واحد يتم انتخابه عن طريق الانتخاب الفردي. واستندت في ذلك أن الدستور في المادتين (40 ،62) منه نص على الحق في المساواة، وحق كل مواطن في الانتخاب والترشح، وأن إنكار حق المستقلين في الترشح وهم شريحة لا يستهان بها في المجتمع، أو تضييق فرصهم في التمثيل البرلماني من شأنه إهدار الحق في المساواة في فرص الترشح بين الحزبيين والمستقلين، وأن الفرصة التي يوفرها النص المطعون عليه للمستقلين فرصة ضيقة لا تتعادل مع فرصة المرشح على القوائم. وقد ترتب على صدور هذا الحكم إبطال تكوين البرلمان "مجلس الشعب" ومن ثم حله وإعادة انتخابه على أسس تضمن مساهمة المستقلين.

وكان رائد المحكمة الدستورية العليا في هذا القضاء اتاحة الفرصة أمام جموع غفيرة من المواطنين لم تجد في الحياة الحزبية متنفسًا لأفكارها، ولا سبيل للمشاركة السياسية إلا بتمكينها من الترشح وفقًا لنظام الفردي.

وقد كان لهذا القضاء أثر بالغ على الحياة السياسية، وأقول عدم رضاء المؤسسات الحاكمة عن هذه النتيجة، الأمر الذي أدى إلى ادخال تعديل على دستور سنة 1971 عام 2007، تضمن النص صراحة على أن "يجوز أن يأخذ القانون بنظام يجمع بين النظام الفردي ونظام القوائم الحزبية بأية نسبة بينهما يحددها، كما يجوز أن يتضمن حداً أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين".

 

ثالثًا- الإشراف القضائي على الانتخابات

فقد كان المجتمع المصري إلى ما قبل سنة 2011 يئن من التلاعب في العملية الانتخابية من قبل أولئك المنتدبين للإشراف على العملية الانتخابية، وقد كانت المادة (24) من القانون رقم 73 لسنة 1956 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية تنيط بوزير الداخلية تعيين أعضاء اللجان الفرعية بينما يتم تعيين رؤساء اللجان العامة من أعضاء الهيئات القضائية، وإذ طعن على هذا النص في القضية رقم 11 لسنة 13 قضائية "دستورية"، فقضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 8 يوليو لسنة 2000 بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (24) من ذلك القانون قبل تعديله بالقانون رقم 13 لسنة 2000 فيما تضمنه من جواز تعيين رؤساء اللجان الفرعية من غير أعضاء الهيئات القضائية مستندة في ذلك إلى نص المادة (88) من الدستور التي أوجبت الإشراف على العملية الانتخابية من قبل أعضاء الهيئات القضائية، بحسبان أن عبارة الإشراف تتسع لمعنى الإشراف القريب وليس الإشراف من بُعد. وقد ترتب على هذا الحكم حل مجلس الشعب وإعادة الانتخابات تحت إشراف رجال القضاء، وقد شهدت هذه الانتخابات درجة غير مسبوقة من النزاهة خلال هذه الفترة الزمنية نتيجة استئثار رجال القضاء بالإشراف على العملية الانتخابية كلها. ولم تستطيع الحكومات في تلك الحقبة التاريخية الخروج من تبعة هذا الحكم إلا بتعديل الدستور سنة 2007 وإلغاء شرط الإشراف القضائي على الانتخابات.

ولعل هذه الاحكام تعكس مدى تأثير الظروف الاجتماعية المحيطة بتطبيق النص القانوني، في تفعيل النص الدستوري على نحو يحقق المصلحة العامة ويوطد الحقوق الدستورية.

 

في الرقابة على المعاهدات الدولية

فقد كان دستور سنة 1971 ينص في المادة (151)، على التمييز بين المعاهدات التي لا يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة، أو التي تتعلق بحقوق السيادة أو التي تحمل خزانة الدولة شيئًا من النفقات غير الواردة في الموازنة منه على استئثار رئيس الجمهورية بإبرامها، ويكتفى في هذا الشأن بإبلاغ مجلس الشعب بها، وتكون لها قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة. وعلى خلاف ذلك فإن معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة وجميع المعاهدات التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة، أو التي تتعلق بحقوق السيادة أو التي تحمل خزانة الدولة شيئًا من النفقات غير الواردة في الموازنة، تجب موافقة مجلس الشعب عليها.

وفي ظل هذا الدستور قضت المحكمة الدستورية العليا بأنه وإن كانت نظرية "الأعمال السياسية" - كقيد على ولاية القضاء الدستوري- تجد في ميدان العلاقات والاتفاقيات الدولية معظم تطبيقاتها بأكثر مما يقع في المجال الداخلي، نظرًا لارتباط ذلك الميدان بالاعتبارات السياسية وسيادة الدولة ومصالحها العليا، لتسلم من حيث المبدأ بامتناع رقابة المعاهدات الدولية باعتبارها من اعمال السيادة.

ولقد صدر دستور سنة 2014، ونص في المادة (151) على تنظيم إبرام المعاهدات الدولية، وأنه وإن اسند الاختصاص في ابرام المعاهدات كأصل عام إلى رئيس الدولة، إلا أن الدستور ميز بين أنواع ثلاثة، أولها يتطلب موافقة البرلمان عليها، وهي المعاهدات التي لا تخالف الدستور ولا تتعلق بأحكام السيادة ولا تنطوي على تنازل عن اقليم الدولة.  أما معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة فقد استوجب الدستور دعوة الناخبين للاستفتاء عليها، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة، أما النوع الثالث فقد حظر الدستور إبرامه بصورة مطلقة وهو متى كانت المعاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة. فصار هناك ثلاث احكام للمعاهدات، المحظور منها وهو ما انطوى على ما يخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة.

وقد عرض أمر معاهدة سياسية في دعوى تنازع بين أحكام القضاء المدني والإداري، فقضت المحكمة بعدم جواز تدخل القضاء برقابة المعاهدات الدولية قبل التصديق عليها اعمالا للنصوص القانونية التي تدخلها في أعمال السيادة. إلا أنه متى نُشرت المعاهدة وفقًا للأوضاع المقررة في الدستور، وأصبح لها قوة القانون، جاز مراقبتها قضائيًّا من قبل المحكمة الدستورية العليا من وجهين، الأول: رقابة استيفائها للشروط الشكلية المقررة في الدستور، الثاني: الرقابة الموضوعية للمعاهدة، وهى رقابة تجد موجاتها في نص الفقرة الأخيرة من المادة  (151) من الدستور، التي حظرت مخالفة المعاهدة لأحكام الدستور كافة، وهذه الرقابة القضائية على المعاهدات، من وجهيها، هي رقابة دستورية لا مشروعية، وهى، بهذه المثابة، منوطة استئثارًا بالمحكمة الدستورية العليا، لا تشاركها فيها جهة قضائية أخرى أيًّا كانت، وذلك متى اتصلت الدعوى الدستورية بها طبقًا لأحكام قانونها. هكذا اسبغت المحكمة رقابتها على المعاهدات بعد ابرامها، لبيان مدى توافقها واحكام الدستور متخطية بذلك نظرية أعمال السيادة في مجال تطبيقها على المعاهدات.

_______________________________

([1]) حكم المحكمة المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 25 يونيو سنة 1983 ، في القضية رقم 3 لسنة 1 قضائية "دستورية" حيث قالت المحكمة "وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت جميعها منذ دستور سنة 1923 على النص على مبدأ صون الملكية الخاصة وحرمتها باعتبارها فى الأصل ثمرة النشاط الفردى ، وحافزه على الإنطلاق والتقدم، فضلاً عن أنها مصدر من مصادر الثروة القومية التى يجب تنميتها والحفاظ عليها لتؤدى وظيفتها الاجتماعية فى خدمة الاقتصاد القومى . ومن أجل ذلك، حظرت تلك الدساتير نزع الملكية الخاصة جبراً عن صاحبها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض وفقاً للقانون - المادة (9) من كل دستور سنة 1923 ودستور 1930 والمادة (11) من دستور سنة 1956 والمادة (5) من دستور سنة 1958 والمادة (16) من دستور سنة 1964 والمادة (34) من دستور سنة 1971-كما نص الدستور القائم صراحة على حظر التأميم إلا لاعتبارات الصالح العام وبقانون ومقابل تعويض المادة (35). بل أنه إمعاناً فى حماية الملكية الخاصة وصونها من الاعتداء عليها بغير حق حظر هذا الدستور المصادرة العامة حظراً مطلقاً، كما لم يجز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائى المادة (36).

لما كان ذلك، وكان استيلاء الدولة على ملكية الأراضى الزراعية الزائدة على الحد الأقصى الذى يقرره القانون للملكية الزراعية يتضمن نزعاً لهذه الملكية الخاصة بالنسبة للقدر الزائد جبراً عن صاحبها، ومن ثم وجب أن يكون حرمانه من ملكه مقابل تعويض، وإلا كان استيلاء الدولة على أرضه بغير مقابل مصادرة خاصة لها لا تجوز إلا بحكم قضائى وفقاً لحكم المادة (36) من الدستور.

([2])  من ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 16 مايو سنة 1981 ، في القضية رقم 5 لسنة 1 قضائية "دستورية" حيث قالت المحكمة : إن جميع الدساتير المصرية المتعاقبة حرصت على تأكيد حماية الملكية الخاصة وعدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء وفى الحدود وبالقيود التى أو ردتها، فنصت المادة الخامسة من دستور سنة 1958 على أن الملكية الخاصة مصونه ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض وفقاً للقانون، وهو ما رددته المادة (16) من دستور سنة 1964 والمادة (34) من دستور سنة 1971، كما لم تجز المادة (35) من دستور سنة 1971 التأميم إلا لاعتبارات الصالح العام وبقانون ومقابل تعويض.

ولما كانت أيلولة أموال وممتلكات الأشخاص الطبيعيين الذين فرضت عليهم الحراسة إلى ملكية الدولة طبقاً للمادة الثانية من القرار بقانون رقم 150 لسنة 1964 لا تعد من قبيل نزع الملكية للمنفعة العامة الذى لا يرد إلا على عقارات معينة بذاتها فى حين شملت الأيلولة إلى ملكية الدولة أموال وممتلكات من فرضت عليهم الحراسة بما فيها من منقولات، ولم تتبع فى شأنها الإجراءات التى نصت عليها القوانين المنظمة لنزع الملكية والتى يترتب على عدم مراعاتها اعتبار الإجراء غصباً لا يعتد به ولا ينقل الملكية إلى الدولة ، وكانت هذه الأيلولة لا تعتبر تأميماً ذلك أنها تفتقر إلى أهم ما يتميز به التأميم وهو انتقال المال المؤمم إلى ملكية الشعب لتسيطر عليه الدولة بعيداً عن مجال الملكية الخاصة بحيث تكون إدارته لصالح الجماعة ، بينما امتدت الحراسة - وبالتالى الأيلولة إلى ملكية الدولة - إلى كافة أموال وممتلكات من فرضت عليهم الحراسة بما تشمله من مقتنيات شخصية يستحيل تصور إدارتها لصالح الجماعة ، كما أن المادة الرابعة من ذات القرار بقانون رقم 50 لسنة 1964 تنص على تسليم الأراضى الزراعية التى آلت ملكيتها إلى الدولة إلى الهيئة العامة للاصلاح الزراعى لإدارتها".......... حتى يتم توزيعها وفقاً لأحكام القانون رقم 178 لسنة 1952" بشأن الاصلاح الزراعى ، وبالتالى فإن مآل هذه الأراضى أن تعود إلى الملكية الخاصة لمن توزع عليهم ولا تبقى فى ملكية الشعب لتحقق إدارتها ما يستهدفه التأميم من صالح عام. لما كان ذلك فإن أيلولة أموال وممتلكات الأشخاص الطبيعيين الذين فرضت عليهم الحراسة إلى ملكية الدولة التى تقررت أول الأمر بالقرار بقانون رقم 150 لسنة 1964 على ما سلف بيانه، تشكل اعتداء على الملكية الخاصة ومصادرة لها بالمخالفة لحكم كل من المادة (34) من الدستور التى تنص على أن الملكية الخاصة مصونة ، والمادة (36) منه التى تحظر المصادرة العامة ولا تجيز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائى .

لما كان ما تقدم وكان القانون رقم 69 لسنة 1974 وضع لحمايتها ضوابط وقواعد محددة ، الأمر الذى يحتم إخضاعهما لما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية ، وكان القانون رقم 52 لسنة 1972 الذى نص على تسوى وضاعهم برد بعض أموالهم عيناً أو ثمن ما تم بيعه منها وذلك فى حدود مبلغ ثلاثين ألف جنيه للفرد ومائة ألف جنيه للأسرة ، فإنه يكون بما نص عليه من تعيين حد أقصى لما يرد من كافة الأموال والممتلكات التى فرضت عليها الحراسة قد انطوى على مخالفة لأحكام دستور سنة 1971 الذى لا يجيز تحديد حد أقصى إلا بالنسبة للملكية الزراعية طبقاً للمادة (37) منه الأمر الذى يتضمن بدوره مساساً بالملكية الخاصة بالمخالفة لحكم المادة (34) من الدستور سالف البيان.

كذلك  الحكم الصادر بجلسة 5 /3/ 1994، في الدعوى 98 لسنة 4 ق دستورية حيث قضت بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة الثالثة من القرار بقانون رقم 141 سنة 1981 فيما تضمنته من النص على " وبالنسبة للأشخاص الذين غادروا البلاد مغادرة نهائية ولم يعودوا إلى الإقامة فيها خلال المدة المنصوص عليها في القانون رقم 69 لسنة 1974 المشار اليه ، فيعوضون عن تدابير الحراسة طبقا لأحكام القانون رقم 49 لسنة 1971 وفي الحدود المنصوص عليها فيه.

كما قضت بجلسة 06/06/1998 ، في الدعوى 28 لسنة 6 ق دستورية أولا : بعدم دستورية مانصت عليه المادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم 178 سنة 1952 بشأن الإصلاح الزراعى ، من أن يكون لمن استولت الحكومة على أرضه ، وفقا لأحكام هذا القانون الحق فى تعويض يعادل عشرة أمثال القيمة الإيجارية لهذه الأرض ، وأن تقدر القيمة الإيجارية بسبعة أمثال الضريبة الأصلية المربوطة بها الأرض ، وبسقوط المادة (6) من هذا المرسوم بقانون فى مجال تطبيقها فى شأن التعويض المقدر على أساس الضريبة العقارية • ثانيا : بعدم دستورية مانصت عليه المادة الرابعة من القرار بقانون رقم 127 سنة 1961 بتعديل بعض أحكام قانون الإصلاح الزراعى من أن يكون لمن استولت الحكومة على أرضه تنفيذا لأحكام هذا القانون الحق فى تعويض يقدر وفقا للأحكام الواردة فى هذا الشأن بالمرسوم بقانون رقم 178 سنة 1952 المشار إليه وبمراعاة الضريبة السارية فى 9 سبتمبر سنة 1952 ، وبسقوط المادة الخامسة من هذا القرار بقانون فى مجال تطبيقها فى شأن التعويض المقدر على أساس الضريبة العقارية.

([3]) حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 27/5 / 1992، في القضية رقم 25 لسنة  11 قضائية "دستورية " الجزء الخامس المجلد الأول ص 364.

([4] ) حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في  القضية رقم  105 لسنة 24 قضائية "دستورية "بجلسة 7/3/2004 الجزء الحادي عشر المجلد الأول  ص485 .

([5]) حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 3 / 11 / 2002، في القضية رقم 105 لسنة 19 ق بدستورية المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981.

([6]) حكم المحكمة الصادر بجلسة الخامس من مايو سنة 2018م في القضية رقم 11 لسنة 23.

([7]) حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 1 /2/ 1997، في القضية رقم 7 لسنة 16 قضائية دستورية .

([8]) والحق أن هذا الحكم لا يمكن اعتباره كاشفا عن مذهب مستقر للمحكمة في التفسير، وإنما هو في حقيقة الأمر كان خروجا على مذهب المحكمة المسقر على تفسير النصوص الدستورية في ضوء مضمونها الحقيقي باعتبار الإرادة المستخلصة من عباراتها.

([9]) حكم المحكمة العليا الصادر بجلسة 3 / 7 /1976 في القضية رقم 5 لسنة 5 – دستورية.

([10]) حكم المحكمة الصادر بجلسة 3 إبريل سنة 1993م في القضية رقم 2 لسنة 14 قضائية دستورية. وجلسة 15 مايو سنة 1993 القضية رقم 15 لسنة 14 قضائية "دستورية "

 

([11]) حكم المحكمة الصادر بجلسة 7 / 4 / 2013، في القضية رقم 162 لسنة 31 قضائية دستورية.

[12] حكم المحكمة الدستورية العليا  الصادر بجلسة 2 / 1 / 1993، في القضية رقم 3 لسنة 10 قضائية دستورية. ج 5 / 2 ص 103.

([13]) جلسة 03 / 01 / 1998 الدعوى رقم 29 لسنة 18 قضائية ج  8  صفحة رقم 1042

 

([14]) حكم المحكمة الدستورية العليا  الصادر بجلسة 02 / 12 / 1995 في القضية رقم 28 لسنة 17 قضائية “ دستورية”  الجزء 7  صفحة رقم 262.

([15]) حكم المحكمة الدستورية العليا  الصادر بجلسة 3 يوليو سنة 1995، في القضية رقم 25 لسنة 16 قضائية "دستورية" الجزء 7 صفحة رقم 45. وكذا حكمها الصادر بجلسة 01 / 02 / 1997، في القضية رقم 59 لسنة 18 قضائية “ دستورية" الجزء 8  صفحة رقم 286.

([16]) حكم المحكمة الدستورية العليا  الصادر بجلسة 3 يوليو سنة 1995، في القضية رقم 25 لسنة 16 قضائية "دستورية" الجزء 7 صفحة رقم 45. وكذا حكمها الصادر بجلسة 01 / 02 / 1997، في القضية رقم 59 لسنة 18 قضائية “ دستورية" الجزء 8  صفحة رقم 286.

([17]) القضية رقم 114 لسنة 21 قضائية “ دستورية”  الحكم الصادر بجلسة 02 / 06 / 2001 ، الجزء 9  صفحة رقم 986.

([18]) القضية رقم 37 لسنة 15 قضائية “ دستورية”  الحكم الصادر بجلسة 03 / 08 / 1996 ، الجزء 8  صفحة رقم 67.

([19]) يراجع على سبيل المثال حكم المحكمة الصادر بجلسة 8 نوفمبرسنة 2014، في القضية رقم 196 لسنة 35 قضائية دستورية، الجزء 15 /1 ص 330. وكانت الدعوى تتعلق بحرمان المحكمة الجنائية في جرائم حيازة وإحراز السلاح بدون ترخيص من استخدام قواعد الرأفة المنصوص عليها في المادة (17) من قانون العقوبات.

[20] - جلسة  06 / 06 / 1998، القضية  رقم 152 لسنـــة  18ق " دستورية "–الجزء الثامن ص 1365.

[21] وعين الأمر في العديد من الأحكام ، يراجع على سبيل المثال الحكم الصادر بجلسة 5 / 3 / 2016، في القضية رقم 289 لسنة 24 قضائية "دستورية".

([22] )   معدلة طبقاً لنتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور، الذي أجرى في يوم 22 من مايو سنة 1980 ، وكان النص الأصلي عند صدور الدستور يجري على أن :

" الاتحاد الاشتراكي العربي هو التنظيم السياسي الذي يمثل بتنظيماته القائمة على أساس مبدأ الديمقراطية تحالف قوى الشعب العاملة من الفلاحين والعمال والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية. وهو أداة هذا التحالف في تعميق الديمقراطية والاشتراكية، وفي متابعة العمل الوطني في مختلف مجالاته، ودفع هذا العمل الوطني إلى أهدافه المرسومة.

ويؤكد الاتحاد الاشتراكي العربي سلطة تحالف قوى الشعب العاملة عن طريق العمل السياسي الذي تباشره تنظيماته من الجماهير، وفي مختلف الأجهزة التي تضطلع بمسئوليات العمل الوطني.

ويبين النظام الأساسي للاتحاد الاشتراكي العربي شروط العضوية فيه وتنظيماته المختلفة، وضمانات ممارسة نشاطه بالأسلوب الديمقراطي، على أن يمثل العمال والفلاحون في هذه التنظيمات بنسبة خمسين في المائة على الأقل."

([23] )  الفقرة الثالثة مضافة بموجب إعلان نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور الذي جرى  بتاريخ 26/3/2007 .

([24] )  معدلة طبقاً لنتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور، الذي أجرى في يوم 26 من مارس سنة 2007  . وكان النص  قبل تعديله يجري على أن :

" للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقاً لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني."

(([25] يراجع على سبيل المثال حكم المحكمة الصادر بجلسة 19 / 6 / 1996 في القضية رقم 10 لسنة 14 قضائية دستورية .

([26]) حكم المحكمة الصادر بجلسة 3/ 3/2018، في دعوى التنازع رقم 12 لسنة 39 قضائية .

 

لتحميل الدراسة بصيغة pdf

المصدر:

عبد الحكيم أحمين، الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن للجزيرة نت: "المقاومة الطوفانية" حركة تحرر للإنسان والعالم، الجزيرة نت، 16 ديسمبر 2023، https://2u.pw/Ci56a43.

 

قال الفيلسوف والمفكر المغربي طه عبد الرحمن إن أبعاد "طوفان الأقصى" تتخطى الحدود الجغرافية والثقافية للأمة إلى العالم كله؛ لأن الفعل المقاوِم بات يتطلب في زمن ما بعد الطوفان الانتماء إلى العالم.

وأضاف أستاذ المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق، ومؤلف كتاب "روح الحداثة.. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"، أنه لما ظهر أن الطوفان، من حيث كونه تجريفًا للشر المطلق، هو السبيل الذي يوصّل إلى التحرر الأمثل، فقد لزم أن تكون "المقاومة الطوفانية" حركة تحررٍ للإنسان عامة أو حركة تحرير للعالم كله، حتى ولو بدت في الظاهر حركة تحرر لشعب مخصوص أو حركة تحرير لأرض مخصوصة، وفق تعبيره.

وألّف عبد الرحمن (79 عامًا) كتبًا عديدة تنوعت موضوعاتها بين المنطق والفلسفة وتجديد العقل ونقد الحداثة، ويتلخص مشروعه الفلسفي في العمل على فك الارتباط بين الفلسفة ومفهوم الحداثة وبين الفكر الغربي كذلك، ليؤكد أن لكل ثقافة وحضارة فلسفتها وحداثتها الخاصة، جاعلًا من الفكر النظري والعمل الأخلاقي وجهين لعملة واحدة، معارضًا بذلك الفكر الغربي الحديث الذي يستبعد الأخلاق في شقها العملي.

ورفع الفيلسوف المغربي شعار "الأخلاق هي الحل" أو ما سماه "العمل التزكوي" في بعض كتبه مثل "روح الدين" و"سؤال العمل"، واعتبر أن الازدواجية في الفكر الإسلامي العربي شلت قدرة أهله على الإبداع الفلسفي لاستخدام مفاهيم في الممارسة الإسلامية العربية تحذو حذو المنقول الفلسفي الغربي حذو النعل بالنعل.

فإلى الحوار:

 

كيف تنظرون إلى عملية "طوفان الأقصى" في السياق الفلسطيني والإنساني؟

إن أول ما يستوقف الفيلسوف في "طوفان الأقصى" في سياقه الفلسطيني هو هذه التسمية نفسها؛ فلِمَ اختارت المقاومة الفلسطينية في غزة أن تُطلق على عمليتها اسم "الطوفان" ولَم تختر غيره؟ لا شك في أن حديث "الطائفة المنصورة" الذي أُشربت به قلوب رجالها كان له تأثير في هذه التسمية؛ فـ"الطوفان" لا يكون إلا من عمل هذه "الطائفة" متمثلةً فيهم، هذا عن الأصل الاشتقاقي؛ أما عن العلة لهذه التسمية، فمعلوم أن "الطوفان" يفيد معنى "التجريف الذي لا يترك وراءه شيئًا"؛ فلنسأل ما حقيقة هذا الشيء الذي حمَلت هذه المقاومة أمانةَ تجريفه بالمرة بحيث لا تُبقي منه شيئا؟ لا يُمكن أن يكون هذا الشيء مجرد الاحتلال، ولا حتى مجرد الظلم، وإنما هو، على الحقيقة، "الشر المطلق"؛ فقد كان الناس يتصورون "الشر المطلق" مفهومًا بعيدًا، ولا يعتقدون تحققه، فإذا بهم اليوم يرونه رأي العين واقعًا حيًا؛ فقد شاهدوا "الصلاة" في بيوت الله تُقصف، و"البراءة" في الطفولة تُزهق، و"العافية" من المستشفيات تُطرَد، و"اللجوء" إلى المآوِي يُرهَب، وقس على ذلك ما شابَهه؛ رأوا بأمّ أعينهم احتضار كل قيم الخير التي خُلق الإنسان من أجلها؛ وليس "الشر المطلق" إلا مَشاهِد الموت الذي يأتي على كل القيم؛ وقد كانت المقاومة الفلسطينية في غزة سبّاقة إلى تبيُّن حقيقة هذا الشر، فسارعت إلى مواجهته بالقوة التي تدفع موبقاته، بل تنتزعه من أصله؛ لذلك استحقت هذه المقاومة أن تسمى "المقاومة الطوفانية"، تمييزا لخصوصيتها عن باقي أشكال المقاومة.

يبقى أن نسأل لِم أضافت هذه المقاومة "الطوفان إلى "الأقصى" ولَم تُضِفه إلى سواه؟ ما من شك أن مكانة "الأقصى" عندها تُحتّم هذه الإضافة، غير أن هذه المكانة لها وجوه عدة يختلف الأخذ بها بحسب السياقات والظروف؛ فـ"الأقصى"، في سياق ذكر التوجه في الصلاة، هو القبلة الأولى للمسلمين، بينما هو في الظروف الخاصة التي تحفُّ بالمقاومة الطوفانية هو، بالأساس، "المسرى"، ذلك أن "الإسراء"، اصطلاحًا، يستلزم التغلب على مادية الجسم بالكلية، مَثَلُه في ذلك مَثَل "العروج"؛ وهذا يعني أن روح "المُسرَى به" تتحرر من كل القيود بما يجعلها تنطلق في فضاء الملكوت اللامتناهي؛ لذلك، بات "المَسرى"، بالنسبة إلى هذه المقاومة، يدل على "مكان التحقق بالحرية القصوى"؛ وعليه، فإن كان الاسم التاريخي لهذا المكان هو "الأقصى"، فإن الاسم الظرفي له هو، بالذات، "المَسرى"؛ ولو أن هذه المقاومة لم تُسمّ عمليتها "طوفان الأقصى"، لاتخذت لها اسم "طوفان المَسرى" لدلالته على الحرية؛ ولعلّها حرصت على حفظ الاسم التاريخي، اعتبارا لشهرته؛ والدليل على ذلك أنها جعلت "تحرير" جميع الأسرى في سجون العدو أسبق مقاصد "الطوفان"، بل جعلته أول شرط في أي تفاوض معه!

ومن هنا، يتبين أن السياق الفلسطيني لطوفان الأقصى يفتح على السياق الإنساني من جانبين على الأقل؛ أحدهما، أن هذا الطوفان فيه من طوفان نوح عليه السلام نصيب، وهو "استئصال الشر من الأرض"، بحيث يتهيأ بفضله الإنسان من حيث هو كذلك ليتلقى قيما جديدة؛ والثاني أن "الأقصى" فيه من إسراء محمد عليه الصلاة والسلام نصيب، وهو "التحرر من قيود المادة"؛ فيكون "الأقصى" أو قل "المَسرى" آية دالة على تعميم القيم الجديدة على البشرية جمعاء، بحيث لا يحدُّها أي اعتبار مادي.

ولما ظهر أن الطوفان، من حيث كونه تجريفًا للشر المطلق، هو السبيل الذي يوصّل إلى التحرر الأمثل، فقد لزم أن تكون "المقاومة الطوفانية" حركة تحرر للإنسان عامة أو حركة تحرير للعالم كله، حتى ولو بدت في الظاهر حركة تحرر لشعب مخصوص أو حركة تحرير لأرض مخصوصة، إذ المقاوم الطوفاني إنما هو الإنسان في صراعه مع الشر؛ ويؤيد ذلك التفاف العالم حول قضيته، ولا يرجع هذا الالتفاف، كما شاع بين جمهور السياسيين، إلى تعاطي العالم للرواية الفلسطينية للأحداث بقدر ما يرجع إلى كون هذه المقاومة أعادت بقوة الإنسان، حيثما كان، إلى فطرته الأولى، أي أعادته إلى القيم الأصيلة التي تنطوي عليها روحه، بدليل سرعة هذا الالتفاف حول قضيته وانخراط الفتيان فيه بكثرة، إذ الفتى يكون أقرب من سواه إلى الفطرة، فيسهل إحياؤها فيه.

 

مع طوفان الأقصى، شهدنا مظاهر كثيرة لازدواجية المعايير الغربية، برأيكم هل يمكن أن نشهد تراجعا حضاريا متأثرا بهذا التراجع القيمي؟

ما أريد التنبيه عليه هو أن ازدواجية المعايير عند الغرب ليست مظهرًا مستحدثا فيه، بل كانت ملازمة لحضارته منذ بدايتها، لأن هذه الحضارة بُنيت، أصلًا، على مبادئ مادية تقرّر تفوُّقه على غيره من الأمم؛ وحيثما يوجد هذا الشعور بالتفوق، يوجد خطر تفضيل الذات على غيرها، وتقديم مصالحها على مصالحه بإطلاق؛ ولا يدفع هذا الخطر التمييزي إلا وجود "جذوة التعالي الروحي" في القلوب، هذه الجذوة الفطرية التي تختص بكونها تنزع أسباب التنازع على المصالح المادية، وتسوّي بين الناس كلهم في الحقوق والواجبات؛ والغرب ظل، عبر تاريخه الحديث، يفتقد هذه الجذوة المتعالية، بل أقام صرحه الحضاري على أساس إطفاء هذه الجذوة في القلوب لطغيان المصالح الدنيا على كل أحواله؛ غير أن ما يميز ازدواجية المعايير في حاضر تعامله مع طوفان الأقصى عن حالات أخرى لهذا الازدواج عنده هو أن حكامه فقدوا خُلق "الحياء" بالمرة، إذ يعلنون، بكل صفاقة، إنكارهم للحقائق الناصعة التي ينهض أفراد العالم كلهم شهودا عليها، فجمعوا إلى تكذيب الأحداث تكذيب الشهود؛ وحينها، لا نستغرب قسوة قلوبهم وذهاب إحساسهم، منسلخين بالكلية عن إنسانيتهم.

وعلى هذا، فإن التقهقر القيمي ليس شيئا طارئًا على الحضارة الغربية، وإنما أسبابه مبثوثة فيها على الدوام؛ فهي حضارة، أصلًا، متقهقرة قيميا لو قورنت بحضارة الإسلام، لأنها، كما ذكرت، خالية، ابتداءً، من جذوة التعالي؛ وظل هذا التقهقر القيمي خافيا عن الأنظار لغلبة تعلُّق الناس بمظاهر التقدم المادي؛ لكن أبت الأقدار إلا أن تكون الصدمة العظمى التي أحدثها طوفان الأقصى هي التي تُبرز بوجه لم يسبق إليه تغلغُلَ هذا التقهقر في صلب هذه الحضارة المادية، بل أن تُبرز قبحه المطلق، ليكون هذا الطوفان آية ناطقة بلسان الملكوت بين أظهر الغرب.

 

كيف تنظر إلى تحيز بعض مفكري الغرب خاصة ضد الشعب الفلسطيني في المقاومة والتمتع بحقوق الإنسان، رغم أن بعضهم كانوا يدافعون عن ضرورة تمتع جميع الشعوب بالحقوق نفسها؟

ما كنت لأستغرب من هؤلاء المفكرين انحيازهم، ذلك لأن ما يحقُّ أن نستغرب منه ليس مسايرتهم منطق حضارتهم، وإنما هو مخالفة هذا المنطق؛ فهم، في حكمهم على الفلسطينيين، إنما صدروا عن القيم التي تحكم حضارتهم والتي تجعل تَقَدُّم المصالح المادية معيار التفوق الإنساني، فهم من هذه الناحية متسقون في فكرهم؛ أضف إلى ذلك أن الغالب عليهم هو أن يأتوا بأفكار فلسفية مجرَّدة لا يلتزمون بأن تُصدِّقها أفعالهم إلا ما ندر، وهذا الانفصال بين أقوالهم وأفعالهم من شأنه أن يسمح لهم بأن يقولوا باستواء أفراد البشرية في الحقوق وفي الوقت ذاته أن يتخذوا من شعب فلسطين موقفًا لا يقول بهذا الاستواء، قاصرين البشرية على شعوبهم الآخذة بتحضر لا جذوة فيه من التعالي الروحي الذي يزين أفراد هذا الشعب.

لكن ما يجهله هؤلاء المفكرون، وينبغي أن يعلموه متى أرادوا حفظ نسبتهم إلى التفلسف، هو أن البشرية، في الزمن الحاضر، جُمعت جمعًا في الإنسان الفلسطيني كما تُجمع في الأنبياء وعظماء الرجال؛ فالإنسان الفلسطيني اليوم هو "إنسان العالَمِ" أو قل "الإنسان العالَم"، أو "الإنسان العالمي" بامتياز؛ وبيان ذلك من وجهين:

أحدهما، أنه لا أحد بلغ مبلغ المقاوم الفلسطيني في التحقق بأسمى القيم الأخلاقية والروحية، إن تحملًا للأذى أو تمسكًا بالحق أو تصديًا للباطل أو ثباتًا في الميدان أو تحققًا بالتضحية؛ وبهذا، يغدو الإنسان الفلسطيني نموذجًا يُحتذى، ومعلوم أن النموذج في أي أمّة يقوم مقام الأمة؛ والعالَم هو الأمة التي أضحى الإنسان الفلسطيني نموذجًا لها، فيصح أن يسد مسد العالَم.

والوجه الثاني، لا يخفى أن الإنسانية مرت بأزمنة أخلاقية متعددة لاحقُها أكمل من سابقها، آخرُها الزمن الأخلاقي الإسلامي، فيكون أكملَها جميعًا؛ والمقاوم الفلسطيني ينتمي إلى هذا الزمن كما ينتمي إليه كل إنسان وُجد بعد البعثة المحمدية، مسلما كان أو غير مسلم، بحيث يقع المعاصرون أنفسهم، أيا كانت عقيدتهم، تحت طائلة هذا الزمن الإسلامي، فيُسألون عن أخلاقهم  كما يُسأل المسلمون منهم؛ ولما كان المقاوم الفلسطيني يرتقي أعلى مراقي الأخلاق التي تحدد الزمن الأخلاقي الذي هو فيه، فقد لزم أن يكون عالميا باعتبار انتمائه إلى عالمية هذا الزمن الإسلامي.

وعلى هذا، يكون هؤلاء المتفلسفة المنحازون ظلما إلى أعداء الإنسان الفلسطيني قد فاتتهم حقيقتان أساسيتان لا ينبغي أن تفوت أي فيلسوف، لأنهما تدوران على مفهوم "العالمية"، مع العلم بأن هذا المفهوم هو مبتغى كل فيلسوف إلى حد أنه يدعي التفرد بالاشتغال به؛ وأولى هاتين الحقيقتين الفلسفيتين هي أن المقاوم الفلسطيني عالمي من حيث اتصافه بالنموذجية؛ والحقيقة الثانية أن المقاوم الفلسطيني عالمي من حيث انتسابه إلى الزمن الأخلاقي الذي وُجد فيه؛ فالمتفلسف المعاصر الذي لم يتفطن لهذه العالمية الفلسطينية المزدوجة مشكوك في كمال تفلسفه، فما الظن بمن يجحد هذه العالمية، ناهيك عن الذي يدعي التنظير للأخلاق، بل التنظير للأخلاق العالمية، فلا شك أنه متفلسف متبع لهواه، أو بتعبير الفارابي، متفلسف "بَهْرج" حتى ولو وُجد من يُصدّقه! فهل يُعقل أن يَعمى عن هذه الحقيقة الجامعة، وهي أن كل إنسان في العالم له نسبة إلى الإنسان الفلسطيني، بموجب نموذجيته وأخلاقيته!

 

هل ما حدث ينبئ ببداية الانفكاك عن الاحتلال الثقافي والقيمي والسياسي، وبداية عهد جديد للعالم العربي والإسلامي؟

إن ما جاءت به هذه "الطائفة" من المقاومين من "طوفان" عز نظيره، محوًا لشرور الاحتلال، وتثبيتا لأسباب التحرر، لَيفتح الطريق لإمكاناتٍ للنهوض لا سابق لها؛ فلما كان هذا الطوفان يعيد الثقة المفقودة إلى الذات، ويحيي الذاكرة المجيدة للأمة، ويورّث الوعي الضروري بقوى الروح، فقد جمع أسباب إطلاق طاقات الإبداع، اجتهادًا وتجديدًا، لدى أبناء الأمة؛ وحينها، يبقى على هؤلاء أن يبادروا إلى الأخذ بهذه الأسباب قبل أن يتجند الاحتلال وأعوانه في الخارج وأتباعه في الداخل لتفويت هذه الفرصة التاريخية عليهم، رادّا لهم إلى ما كانوا عليه قبل الطوفان من فقدان الثقة الذاتية والذاكرة المميَّزة والوعي الروحي؛ وأيا كانت الكيفية المتبعة في الأخذ بهذه الأسباب، (هنا الأهم) يبقى أن هذا الطوفان يوجب البناء، في هذا التجديد للأمة، عربًا ومسلمين، على أصلين طوفانيين: أحدهما، أنه "لا نهوض للأمة إلا بالتحقق بالمقاومة"؛ والثاني، أنه "لا مقاومة إلا مع التحقق بالانتماء إلى العالم".

أما عن الأصل الطوفاني الأول، أي أنه "لا نهوض للأمة إلا بالتحقق بالمقاومة"، فما عانته الأمة، ممثلةً خير تمثيل بشعب فلسطين، من أشكال الاحتلال الطويل، سياسة واقتصادًا وثقافة، جعل المقاومة فيها ترتقي من رتبة الفعل السلوكي إلى رتبة الفعل الوجودي، وهذا يعني أنه لا وجود للأمة إلا بالفعل المقاوم، بل يعني أنه لا حق للأمة في الوجود إلا بهذا الفعل؛ فقد باتت المقاومة، بالنسبة إليها، الطريق الذي به تحيا وتبقى؛ فليست المقاومة، في حق أمتنا، مجرد دفع المظلومية القانونية، وإنما هي تحصيل المشروعية الوجودية؛ لذلك، لا يمكن أن تكون هذه المقاومة مجرد عمل يُترك لاختيار الفرد أو لتقديره، وإنما هي معاملة يشترك فيها مجموع الأمة، دخولا فيها وتقويما لها.

وعليه، يتعين على مثقفي العهد الجديد الذي فتحه "طوفان الأقصى" أن يعيدوا التفكير في مفهوم "المقاومة"، ويؤسسوه على أصول جديدة، ويُنشؤوا من المفاهيم ما يعضّده، ويستخرجوا من حقائقه ما لم يكن يخطر على البال، ويبنوا من النظريات والأنساق الفكرية والسياسية ما يكون على قدره؛ فقد أظهر "طوفان الأقصى" أن هزيمة العدو تكون أشد وأنكى لو هُزم عقلُه وهُزمت أخلاقه، على خلاف ما ترسخ في الأذهان من أن المقاومة توجب أولًا وقبل كل شيء إيقاع الهزيمة السياسية بالعدو؛ فـ"طوفان الأقصى" انتصر على عقل المحتل كما انتصر على أخلاقه، فتكون هزيمة العدو السياسية مجرد تابع لهزيمته العقلية وهزيمته الأخلاقية؛ ولما كان العقل والخُلُق هما الصفتين المحددتين لكلية الإنسان، كانت هزيمة العدو فيهما هزيمة لذاته بأسرها؛ ومثلُ هذه الهزيمة لذات العدو لا يمكن أن تُمحى من ذاكرته، فلا يستقيم له بعدها أمر، فيأخذ في دوام الانهزام، حتى الانقراض الكلي؛ وفي المقابل، فإن انتصار المقاومة بهذه الطريقة، أي عقلا وأخلاقا، هو انتصار لكلية ذاتها؛ ومِثلُ هذا الانتصار لا يمكن، هو الآخر، أن يمحى من ذاكرة الأمة، فلا يَعوجّ لها بعده طريق، فتأخذ في دوام الانتصار، حتى الانبعاث الكلي.

وأما عن الأصل الطوفاني الثاني الذي يجب البناء عليه، وهو أنه "لا مقاومة إلا مع التحقق بالانتماء إلى العالم"، فقد ظهر للعيان أن أبعاد "طوفان الأقصى" تتخطى الحدود الجغرافية والثقافية للأمة إلى العالم كله، لا لأن آثاره سرت، بالفعل، في مجموع الإنسانية فحسب، بل لأن الفعل المقاوِم بات يتطلب أن تُزال هذه الحدود بالمرة، وأن يُنظر إليه على أنه فعل عالمي صريح مُلزِم لكل فرد من أفراد البشرية، حيثما حصل من بقاع الأرض وكيفما كانت الشرور التي يتصدى لها؛ لذلك، يتعين على المقاوم أن يعي ويوقن، وهو يأتي أفعاله، بأنه يتصدى لشرور لا تقتصر آثارها على وطنه، وإنما تَطال أقطار العالم كلها؛ ولا شك أن هذا الشعور سيزيد، بما لا يقاس، من طاقته النضالية، فضلا عن توسيع إمكانات إمداده.

ولعل هذه النتيجة أوجب في حال المقاوِم العربي منها في حال غيره، نظرًا لأن النظام العربي، في جملته، أضحى مانعا للفعل المقاوم إلى حد أن هذا المنع أشبَه المنع الذي يقع من المحتل، حتى كأن هذا النظام "احتلال داخلي"؛ ويرجع ذلك إلى أسباب عدة قد تجتمع لدى بعض عناصر هذا النظام، وهي، كما هو معلوم، "الهوة السياسية بين الحاكم والمحكوم"، و"النخبة العسكرية المستولية على السلطة بالقوة والمشتركة في المصالح مع الجهات الاستعمارية"، و"النخبة المدنية التي استُلبت بقيم الثقافة الأجنبية والتي أُسندت إليها إدارة المؤسسات بتوجيه من هذه الجهات الاستعمارية"، وأخيرًا، "مسلسل التطبيع" الذي أنهى البقية الباقية من الأمة؛ ولا سبيل إلى دفع هذا المنع الداخلي إلا باتخاذ المقاومة حالة حركية دائمة التوجه إلى العالم كله، شعوبا ومنظمات، نظرا لأن هذه الشعوب والمنظمات قادرة، بحكم وجودها في دول تحفظ الصلة بين الحاكم والمحكوم، على تصحيح آراء ومواقف ساستها، إذ هذا التصحيح السياسي من شأنه أن ينعكس على هذه المقاومة في الداخل بمزيد القوة، لا سيما وأنها تحمل توجها عالميا.

 

لطالما كان الجدل حيّا بين القيم الأخلاقية والمصالح السياسية، فكيف حسَم "طوفان الأقصى" هذا الجدل؟

أول ما تجب الإشارة إليه هو التباس مفهوم "المصلحة"؛ فقد كان يدل في الاستعمال الإسلامي على معنى "المنفعة التي تعود بالصلاح على الإنسان"، بينما أضحى يدل في السياق المعاصر على "المنفعة التي تلبي مطلق الحاجة"؛ وشتان بين المعنيين: إذ إن المعنى الأول للمصلحة يتضمن بعدًا أخلاقيًا صريحًا يجعل منها لفظًا مرادفًا للقيمة الأخلاقية، بينما المعنى الثاني للمصلحة لا يتضمن بالضرورة هذا البعد الأخلاقي، بحيث يجوز أن تكون المصلحة مباينة للقيمة الأخلاقية، هذا التباين الذي يبرز بأوضح صورة في فكر "ميكيافيل" وفيما يسمى بـ"الواقعية السياسية"؛ لذلك، كان استعمال لفظ "المصلحة" في هذين المعنيين المتضادين باعثا على تشويش الفكر لدى الناطق العربي؛ وكان الأجدر أن يُوضع للمعنى الثاني مصطلح مستقل خاص به، وقد يكون هذا اللفظ هو "الغرض"، لا سيما وأن الدول الاستعمارية باتت تستعمل مقابلاته في لغاتها للدلالة على فاسد أغراضها في المنطقة العربية كما في العبارة: "تهديد المصالح القومية"، فينساق الجمهور العربي، من حيث لا يشعر، إلى الاعتقاد بأن هذه الأغراض الاستعمارية مصالح مشروعة، إذ يضفي عليها، بحكم ثقافته الإسلامية، الصلاح الذي ليس فيها قط.

أما "طوفان الأقصى"، فقد انبَنى على مبدأ عدم التضاد بين القيمة الأخلاقية والمصلحة السياسية، بحيث لا جدل بينهما في سياقه، بل انبنى على مبدأ التداخل بينهما الذي ورثه عن ثقافته الإسلامية، وهذا التداخل يتخذ فيها صورة التضمن ذي الاتجاه الواحد؛ والمقصود بهذا التضمن هو أن المصلحة السياسية تكون تابعة دوما للقيمة الأخلاقية؛ وهذا يعني أن المقاوم الطوفاني يبني سياسته، بالأساس، على المعيار الأخلاقي، ويسخّر العمل السياسي لخدمة الأخلاق تسخير الوسيلة لمقصدها؛ إذ السياسة عنده عبارة عن تدبير من أجل التحرير، و"الحرية" قيمة أخلاقية عليا؛ ثم إن التدبير عنده عبارة عن تدبير للدنيا من أجل الآخرة، فيلزم أن يوجد، في أفق هذا التدبير، مقصد الشهادة، و"الشهادة"، هي الأخرى، قيمة أخلاقية عليا؛ وهكذا، فإن المصلحة السياسية، بحسب المقاوم الطوفاني، تكون موجَّهة على الدوام بقيمتين أخلاقيتين جامعتين هما: "الحرية" و"الشهادة"، فإما أن يتحرر، وإما أن يستشهد؛ فلولا كمال تحقق المقاوم الطوفاني بملابسة الأخلاق للسياسة ما كان ليُنجز ما أنجز من مآثر غاية في الإبداع.

وقد استطاع هذا المقاوم، بفضل تلبُّس عمله النضالي بالأخلاق، أن يُرِيَ العالم مشاهد السقوط الأخلاقي الذي تؤدي إليه مادّية الحضارة الغربية؛ فقد حمل العدوَّ الإسرائيلي على كشف صور لاأخلاقيته الفاحشة، استغراقًا في الكذب والخداع والتضليل، وإيغالا في سفك دماء الأبرياء، وتدميرًا لكل قيم الحياة، بل كشَف العورات اللاأخلاقية لدول الغرب، إذ هبّت كلها، وقد فقدت صوابها لهول ما أصاب هذا العدو، إلى مساندته بإطلاق، تَمدُّه بأفتك الأسلحة وتؤيده في فظائع جرائمه، مُضْفيَة عليها، بلا استحياء، وصف "الشرعية الدولية"، بل فضَح "النفاق المطلق" الذي اتصف به حكامها وبعض مثقفيها، وهم يزعمون حمل لواء التنوير في العالم.

ولما كان المقاوم الطوفاني إنسانًا عالميًا بحق، فقد نزل منزلة المنقِذ للعالم من هذا السقوط الأخلاقي غير المسبوق الذي ينزل به؛ ذلك بأن العالَم لا بد أن يجد في هذا المقاوم المعلّم الأمثل الذي يعينه على استرجاع الصلة المفقودة عنده بين الطرفين: "السياسة" و"الأخلاق"، إذ لا يسعه إلا أن يرى أن هذا المقاوم لم يكتف بأن يسلّم بهذه الصلة التي ورثها عن زمن ثقافي كانت فيه الحدود بين هذين الطرفين متداخلة، وإنما اشتغل، في الزمن الثقافي الحالي الذي اشتهر بالفصل بين الطرفين، ببناء منجَزه الطوفاني العظيم على هذه الصلة، مختبرًا لقوتها ومتوصّلًا إلى نتائج مبهرة؛ ولما أيقن العالَم بأن المقاوم الطوفاني خبير بهذه الصلة بقدر ما هو وريث لها، فقد بات يُبدي حاجته إلى أن يستعيد، هو نفسه، هذه الصلة المفقودة، لكن يأبى أن تحصل هذه الاستعادة على الوجه الذي تحققت به في ماضيه لِما ترتَّب على سابق استغلالها من مفاسد، وإنما يتطلع إلى أن تحصل على الوجه الذي تتحقق به الآن في العمل الحي لهذا المقاوم المتميز؛ ومن هنا، يتأتى للمقاوم الطوفاني أن يمارس جانبًا من واسع عالَميته، معيدا الاعتبار، في المجال السياسي، للأخلاق بوصفها عنوان "الإنسانية" في تدبير العالم.

قُدمت هذه الدراسة إلى كلية الدراسات العليا- الجامعة الأردنية بعمان، للحصول على درجة الدكتوراه، عام 2008م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور غسان هشام الجندي، ونُشرت على موقع "المنظومة".

وقد جاء في ملخص هذه الدراسة ما يلي:

لا يحتاج المرء إلى حاسة سادسة ليدرك من خلالها مدى الدمار الهائل الذي خلفته حروب العصر الحديث، ومدى فظاعة المآسي التي جرّتها النزاعات المسلحة على المجتمعات، فحاسة الشم وحدها تكفي لكي تشهد على هذه المآسي، فهاهي رائحة شواء لحوم المدنيين، والتي تسد الأنوف تترك دليلاً قاطعًا على عشوائية الهجمات التي تقوم بها الأطراف المتنازعة، وتترك دليلاً لا يقبل الشك والجدال على أن الأسلحة الحديثة التي تستخدم في النزاعات المسلحة هي في معظمها أسلحة عمياء لا تميز بين المقاتل والمدني.

لقد أصبحت الآلة العسكرية تحصد أرواح المدنيين بالجملة، لا تفرق بين صغير وكبير ولا بين شيخ وامرأة، حتى أصبح المدنيون يشكلون العدد الأكبر من ضحايا أي نزاع مسلح في عصرنا الحديث.

ومن بين المدنيين من الضحايا هناك فئة تتعرض للانتهاكات بسبب طبيعة عملها، والتي غالبًا ما تكون انتهاكات مقصودة، إلا أنها تختلف عما سواها من المدنيين بأنها تلقي بنفسها في رحى المعركة، وتتواجد دائمًا في الصفوف الأولى من الاقتتال الدائر بين الأطراف المتنازعة، ليس رغبةً منها في الاشتراك في هذا النزاع، ولا رغبة منها في بث الدعاية لصالح طرف دون الآخر، ولكن دافعها الأساسي هو تغطية الحدث، ونقل ما يحدث في ساحات القتال إلى العالم ليراه بعين الاهتمام والمراقبة وللوقوف على ما يحدث في هذه النزاعات من انتهاكات لأحكام القانون الدولي الإنساني.

إنهم الصحفيون الذين يقتلون بدم بارد، ولا يجدون من يحاسب قاتليهم؛ لأن ذرائع القتل التي تجعل منه مشروعًا في نظر الجناة دائمًا ما تكون متوافرة لديهم، ومن النادر جدًا أن نرى أو نسمع أن جنديًا يُحاكم بسبب قتله لأحد الصحفيين رغم وجود ما يكفي من القواعد القانونية الدولية الإنسانية لحماية هذا الصحفي، وكذلك ما يكفي لإدانة ذلك الجندي.

وما يدمي القلب ألمًا وحسرةً هو توجيه الآلة العسكرية الحديثة لهجماتها الصاروخية ضد مقرات الصحافة تلك المنشآت والأعيان المدنية التي تخرج عن مفهوم الأهداف العسكرية، والتي من المفترض أن توفر السبيل والملاذ الآمن للصحفي للقيام بمهمته على أكمل وجه بدلاً من أن تكون سبب قلقه المستمر وخوفه الدائم من ممارسة عمله من خلال وسيلة الإعلام الحرة المحايدة.

وعلى الرغم من وجود القواعد القانونية الدولية التي تحمي الصحفي ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة، إلا أننا نلاحظ ازدياد وتيرة توجيه الآلة العسكرية تجاه الصحفيين ومقرات الصحافة في حروب العصر الحديث على وجه الخصوص.

هذا الوضع المتفاقم، وهذه العشوائية في توجيه آلة الدمار العسكرية، وهذه الفوضى التي تخلفها الحروب، وازدياد حصيلة الضحايا من الصحفيين، والقصف العشوائي لمقرات الصحافة على مرأى ومسمع من العالم أجمع دفع بالباحث إلى تناول هذه الإشكالية في محاولة جادة للوقوف على الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذه الانتهاكات رغم وجود القواعد القانونية الدولية الأمرة بعدم التعرض لهذه الفئة من المدنيين على وجه الخصوص، بالإضافة إلى محاولة إيجاد آلية للتخفيف من وطأة الانتهاكات بحق هذه الفئة ومقراتهم الصحفية، وانطلاقًا من اعتبارهم مدنيين استنادًا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩م، والبروتوكولين الإضافيين لعام ۱۹۷۷م الملحقين باتفاقيات جنيف الأربع، وكذلك تقديم الاقتراحات التي من شأنها أن تشكل حلاً لهذه المشكلة أو على الأقل أن تكون جزءًا من الحل.

وقد نهج الباحث في سبيل تناول هذه المشكلة بالبحث والتحليل إلى تقسيم دراستها إلى أربعة فصول بدأها الباحث بفصل تمهيدي تم تخصيصه كمدخل نظري لهذه الدراسة ليتم من خلاله التعريف بالقانون الدولي الإنساني، وكذلك بيان ماهية الصحفيين ضمن أحكام هذا القانون، وماهية النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني.

أما الفصل الأول فقد تطرق من خلاله الباحث إلى الحماية القانونية الدولية للصحفيين أثناء النزاع المسلح من خلال التعرف على الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون أثناء النزاعات المسلحة، وكذلك تتبع مراحل تطور الحماية القانونية الدولية للصحفيين بالإضافة إلى مضمون هذه الحماية.

وفي الفصل الثاني تناول الباحث الحماية القانونية الدولية لمقرات الصحافة أثناء النزاع المسلح من خلال التعرض للانتهاكات التي تتعرض لها مقرات الصحافة أثناء هذا النزاع المسلح، ومضمون هذه الحماية، وكذلك الاستثناءات على حرمة هذه المقرات التي حددها القانون باعتبارها أعيانًا مدنية.

واختتم الباحث دراسته في الفصل الثالث الذي تناول فيه المسؤولية الدولية عن انتهاك حقوق الصحفيين ومقرات الصحافة من خلال تعريف هذه المسؤولية، وبيان أساسها القانوني، وكذلك التعرض للتكييف القانوني للانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون ومقراتهم الصحفية، بالإضافة إلى بيان المسؤولية الدولية المترتبة على مثل هذه الانتهاكات.

 

وفي نهاية هذه الدراسة توصل الباحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات تم إدراجها ضمن الخاتمة أشار الباحث فيها إلى الثغرات القانونية في التشريعات الدولية الإنسانية التي تحمي الصحفيين ومقراتهم الصحفية أثناء النزاع المسلح ووضع اقتراحات وتوصيات لسد هذه الثغرات ليتم من خلال ذلك توفير حماية أكثر أمنًا لهذه الفئة من المدنيين أثناء النزاعات المسلحة بشقيها الدولي والداخلي، ومن أهم تلك التوصيات:

  1. قيام المجتمع الدولي بإنشاء جهاز دولي خاص مرتبط بالمنظمة الدولية للأمم المتحدة وتكون من مهام هذا الجهاز:
  • الإشراف على تدريب الصحفيين على ممارسة مهنتهم أثناء النزاعات المسلحة وتوعيتهم وتعريفهم بمدى خطورة هذه النزاعات على حياتهم.
  • شرح وتوضيح أحكام الاتفاقيات الخاصة بالقانون الدولي الإنساني والتي تطبق أثناء النزاعات المسلحة حتى يتمكن الصحفي من ممارسة مهنته بوعي قانوني.
  • يناط بهذا الجهاز مهمة إعداد التقارير الأولية عن الانتهاكات التي ترتكب بحق الصحفيين ومقراتهم الصحفية، وجمع المعلومات المتاحة والتأكد منها ثم رفعها إلى لجنة تقصي الحقائق المشكلة بموجب أحكام المادة (۹۰) من البروتوكول الإضافي الأول لعام ۱۹۷۷م، ومتابعة إجراءات ونتائج التحقيق الذي تختص به اللجنة المذكورة.
  • تكليف هذا الجهاز بتحريك الدعاوى أمام القضاء الدولي بصفته ممثلاً للصحفيين بحق مرتكبي الانتهاكات.
  1. ضرورة قيام المشرع الدولي الإنساني بتعديل أحكام البروتوكول الثاني، وذلك بتوسيع نطاق تطبيقه بحيث يشمل كافة الاضطرابات والتوترات الداخلية التي قد تتسبب بمعاناة للأشخاص من غير المشاركين في النزاع، وعدم استثناء أي نوع من أنواع العنف.
  2. ضرورة قيام المشرع الدولي الإنساني بوضع تعريف واضح ومحدد للصحفيين ومقراتهم الصحفية ضمن أحكام البروتوكولين، وكذلك النص صراحة على اعتبار الصحفيين من الفئات غير المشاركة، وإفراد أحكام خاصة لحمايتهم نظرًا للفارق بينهم وبين المدنيين تجاه النزاع المسلح كما سبقت الإشارة إليه، وليس مجرد الاقتصار على اعتبارهم أشخاصًا مدنيين.
  3. دعوة كافة أطراف النزاع سواء الدولي أو الداخلي، إلى ضرورة التقيد التام بأحكام المادة (۸۲) من البروتوكول الأول الخاص بتعيين المستشارين القانونيين، نظرًا لما يشكله هؤلاء المستشارون من رقابة قانونية وقائية على تصرفات القوات التي ينتمون إليها، وعلى هذه القوات الرجوع إلى المستشارين القانونيين عن كل تصرف حفاظًا على قانونية هذا التصرف، وبالتالي تجنب أية انتهاكات قد تحدث أثناء قيامهم بالعمليات العسكرية.
  4. عدم قبول عضوية أية دولة أو جماعة مسلحة من أطراف النزاع المسلح ممن تنطبق عليهم شروط تفعيل أحكام القانون الدولي الإنساني ما لم يقدم هذا الطرف ما يفيد بالدليل القاطع قيامه بتعيين مستشارين قانونيين ضمن كادر قواته المقاتلة.
  5. يدعو الباحث المجتمع الدولي ممثلاً بالجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة لأحكام القانون الدولي الإنساني، وإقرار مشروع اتفاقية خاصة بحماية الصحفيين ومقرات الصحافة تُسمى "اتفاقية جنيف الخامسة لحماية الصحفيين ومقرات الصحافة" أو إقرار مشروع بروتوكول ثالث ملحق باتفاقيات جنيف الأربع يُسمى "البروتوكول الإضافي الثالث المتعلق بحماية الصحفيين ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة الدولية والداخلية".

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

   تأليف: د. ماهر جميل أبو خوات

عرض: سمير محمد شحاتة

حظيت قضية حماية الصحفيين العاملين في مناطق النزاع المسلح باهتمام دولي كبير في الآونة الأخيرة، حيث كشفت أحداث الحرب الأمريكية على العراق عام ٢٠٠٣م عن تلك المأساة التي لحقت بالصحفيين ورجال الإعلام، فسقط العشرات منهم ما بين قتيل وجريح، وتم اختطاف العديد منهم، فى تحول خطير ينبئ عن تعمد الأطراف المتحاربة لهذا الاعتداء، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني.

وقد كشفت حوادث الاعتداء على الصحفيين في الحروب التي وقعت مؤخرًا، ضعف الحماية الدولية للصحفيين ووسائل الإعلام أثناء النزاعات المسلحة، وبأن مشكلة الصحفيين العاملين في مناطق النزاع لا يجب أن تعالج في إطار حماية المدنيين بصفة عامة؛ لأن الصحفي هو شخص مدني بالفعل، وإنما ينبغي أن يكون هناك وضع قانوني خاص يتعامل مع تلك التجاوزات التي تحدث للصحفيين.

وفي هذا الكتاب المكون من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، عرض فيه الفصل الأول "وضع الصحفيين ووسائل الإعلام في القانون الدولي الإنساني" لأهم النصوص التي تناولت حماية الصحفيين ووسائل الإعلام أثناء النزاعات المسلحة، وأن القانون الدولي الإنساني بفرعيه الكبيرين، وهما قانون لاهاي وقانون جنيف ينظمان تلك الحماية، ولكن هذا التطور ارتبط في المقابل بتطور التغطية الإعلامية للحروب.

ولاشك أن ظاهرة الاعتداء على الصحفيين ووسائل الإعلام قد بلغت حدًا من الخطورة في النزاعات الأخيرة التي وقعت حول العالم، ولم يعد الأمر هو مجرد الاعتداء على صحفي، بل أصبحت اعتداءات منظمة ترتكبها الأطراف المتحاربة في غالب الأحيان عن عمد، من قتل واختطاف الصحفيين إلى قصف محطات الإذاعة والتليفزيون، ومعدات وسائل الإعلام، وبدت هذه الظاهرة تمثل تهديدًا ضمنيًا للأمن الدولي عن طريق تقييد حق الشعوب في الحصول على المعلومات وفى تلقي الأخبار، مما حدا بالمنظمات الصحفية والعالمية أن تطلب من الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة إصدار قرار دولي عن طريق مجلس الأمن لأجل توفير حماية أفضل للصحفيين العاملين في مناطق النزاع المسلح.

ويشير المؤلف إلى أن تطور وسائل الإعلام واستخدام الأقمار الصناعية في عمليات البث، واستطاعة أجهزة التليفزيون أن تنقل للمشاهد في نفس اللحظة ما يقع من أحداث في الجانب الآخر من العالم، وكذلك الدور الذي تلعبه الإذاعات الدولية ووكالات الأنباء في ربط العالم من خلال مراسليها المنتشرين فى كل مكان، كل ذلك انعكس على التغطية الإعلامية للحروب مما حدا بأجهزة الإعلام الدولية، وبما لديها من إمكانات رهيبة في وسائل الاتصال تمكنها من التواجد في قلب الأحداث أن تعتمد على الصحفيين ورجال الإعلام المستقلين في غالب الأحيان لتغطية أحداث الحروب دون حاجة لأن يلتحقوا بالقوات.

وأصبح لهؤلاء المراسلين المستقلين دور مهم في كشف حقائق الحرب، وفى حمل الأطراف المتحاربة على احترام القواعد الإنسانية التي تطبق في وقت النزاع المسلح، وجعل الرأي العام الدولى وسيلة ضغط على المتحاربين، ومن هنا تزايدت خطورة الحرب على الصحفيين المستقلين، وأصبح الاعتداء عليهم أمرًا شائعًا في النزاعات الحديثة.

وعالج الفصل الثاني "حماية الصحفيين ووسائل الإعلام من آثار الأعمال العدائية" عن طريق التذكير بأهم المبادئ الواردة في القانون الدولي الإنساني، والتي تُلزم الأطراف المتحارية باتخاذ الاحتياطات اللازمة عند القيام بهجوم يمكن أن يؤثر على الصحفيين ووسائل الإعلام، وفي المقابل يقع على عاتق الصحفيين ووسائل الإعلام التزامات متقابلة حتى لا يتعرضوا لمخاطر الأعمال العدائية، لذلك يبدو من المفيد التزام توخي الحذر والحيطة التي تقع على عاتق أطراف النزاع التي تُعد أو تُقرر القيام بهجوم يمكن أن يؤثر على الصحفيين ووسائل الإعلام، وفي المقابل وحتى يتمتع الصحفيون ووسائل الإعلام بالحماية التي يتمتع بها الأشخاص المدنيون والأعيان يجب أن يبتعدوا عن أي مساهمة أو مشاركة في العمل العسكري.

وقد أجمعت النصوص في المادة الثالثة عشرة من اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية المنعقدة في لاهاي عام 1907م، واتفاقية جنيف لعام 1929م المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب، والتي نصت على معاملة المراسلين أو المخبرين الصحفيين الذين يقعون في قبضة العدو كأسرى حرب، ثم جاءت المادة (4/1) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م على أن الصحفيين المراد حمايتهم هم الصحفيون المعتمدون لدى سلطات الجيش الذين يتبعونه، ويحملون بطاقة أو تصريحًا يدل على ذلك، ويتمتعون في هذه الحالة بوضع أسير الحرب عندما يقعون في قبضة العدو، أما الصحفيون المستقلون غير المعتمدين فعندما يقعون في قبضة أحد أطراف النزاع، تطبق عليهم أحكام القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بالاعتقال أو الاحتجاز الإداري أثناء النزاعات المسلحة.

وحري بالذكر أنه لا توجد في القانون الدولي الإنساني أحكام تقضى بمعاملة مراسلي الحرب في حالة وقوعهم في الأسر معاملة خاصة، فحمايتهم تندرج في إطار الحماية العامة المكفولة لجميع الأسرى، وقد جاءت اتفاقية جنيف الثالثة لعام ١٩٤٩م والمتعلقة بمعاملة أسرى الحرب، وبعض أحكام البروتوكول الإضافي الأول لعام ۱۹۷۷م ليكفلان حماية الأسرى والمعاملة الواجبة لهم منذ وقوعهم في الأسر، وحتى الإفراج عنهم وعودتهم إلى ديارهم وأوطانهم.

ويقصد بأسير الحرب كل مقاتل يقع في قبضة العدو أو في أيدى الخصم، وأسير الحرب لا يقتصر فقط على أفراد القوات المسلحة، وإنما هناك فئات أخرى لأسرى الحرب.

وعرض الفصل الثالث لمسألة الاعتداء على الصحفيين ووسائل الإعلام بوصفها جريمة حرب، وقيام المسئولية الدولية للدولة عن أفعال قواتها المسلحة التي تنتهك حماية الصحفيين ووسائل الإعلام، وبالمثل تثور المسئولية الجنائية الفردية بالنسبة للأشخاص الذين اقترفوا الجرائم في حق الصحفيين، كما يحق للصحفيين الضحايا أو لورثتهم الحصول على تعويض عن الأضرار التي أصابتهم.

وتمثل المبادئ الأساسية والخطوط التوجيهية حول الحق في الانتصاف والجبر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والتي اعتمدتها لجنة حقوق الإنسان عام 2002م دعامة أساسية للصحفيين والأفراد المضارين من جرائم الحرب في المطالبة بالتعويض من جراء ما لحقهم من انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أثناء النزاعات المسلحة، حيث تحدد المبادئ الاساسية الضرر "بأنه الحادث نتيجة لأفعال أو حالات إهمال تشكل انتهاكًا لقواعد حقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني".

ولا شك أن هذه المواثيق يستفيد منها أي صحفي أو ورثته عند المطالبة بالتعويض الفردي أمام المحاكم الوطنية أو الدولية.

وفي المطلب الثاني من الفصل الثالث المعنون "إدلاء الصحفيين بالشهادة عن الجرائم التي ترتكب في أوقات النزاع المسلح"، أشار المؤلف إلى أنه لا شك أن للصحفيين ورجال الإعلام دورًا بالغ الأهمية في ضمان مزيد من الاحترام للقواعد الإنسانية التي تطبق في وقت النزاع المسلح، فالتقارير المكتوبة أو المسجلة أو المصورة التي يبعثون بها من موقع النزاع، يستطيعون أن يؤثروا بها على الرأي العام؛ لأنها تكشف عن الجرائم التي يرتكبها المحاربون انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، وعندما يشهد الصحفيون في مثل هذه الانتهاكات، فإن من واجبهم أن يكشفوها، وبالتالي يُمثل الرأي العام الموجه بوسائل الإعلام وسيلة ضغط شديدة على المتحاربين.

وعلى الرغم من قيمة الشهادة كدليل لإثبات أو نفي الجرائم في النظم القانونية الداخلية أو الدولية، إلا أن الالتزام بقول الحقيقة أمام القضاء ليس مطلقًا وعامًا، وإنما هناك من يجب عليهم بحكم مهنتهم على أسرار هذه المهنة حتى في مواجهة القضاء، وهؤلاء الأشخاص يطلق عليهم أصحاب السر المهني.

وقد أورد المؤلف في نهاية الكتاب بعض المقترحات والتوصيات من أجل دعم حماية الصحفيين ووسائل الإعلام في النزاعات المسلحة، وهي كالاتي:

1) ضرورة تعريف الصحفيين ورجال الإعلام قبل العمل في مناطق النزاع بالقانون الدولي الإنساني، وأن يُعقد لهم دورات تدريبية في هذا المجال حتى يكونوا ملمين بالمبادئ الأساسية لهذا القانون.

2) تحسين مستوى الحماية الراهنة المقدمة للصحفيين، ومن بينها الحاجة القائمة لإعداد اتفاقية دولية لحماية الصحفيين تتضمن بدورها، إذا دعت الضرورة إيجاد شارة للصحافة تهدف إلى حماية الصحفيين العاملين بوسائل الإعلام المتواجدين في مناطق النزاع المسلح.

3) إنشاء لجنة مهنية دولية تكون مسئولة عن تلقي أسماء الصحفيين ورجال الإعلام العاملين في مناطق النزاع المسلح، وتختص بالتحقيق في مراعاة الصحفيين للمبادئ الصحفية المهنية من ناحية، وفي حوادث الاعتداء على الصحفيين ووسائل الإعلام من ناحية أخرى.

4) إعادة النظر في مسألة إدلاء الصحفيين بالشهادة أمام المحاكم الجنائية الدولية، وإعطائهم حصانة مطلقة للمثول كشهود أمام هذه المحاكم، نظرًا لخشية اعتبارهم شهودًا محتملين من قبل الأطراف المتحاربة، ومن ثم يصبحون أهدافًا للهجمات، ولذلك يجب منحهم نفس الحكم المقرر لأعضاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر فيما يتعلق بالمحافظة على سرية معلوماتهم.


* صدر هذا الكتاب عن دار النهضة العربية بالقاهرة عام 2008م، بينما نُشر هذا العرض في مجلة الديمقراطية التابعة لمؤسسة الأهرام، مج: 9، ع: 33، 2009م.

كتاب ينشره موقعنا (مصورًا) على شبكة الإنترنت للمرة الأولى

(دار الساقي- لندن

الطبعة الثانية، 2004م)

 

لا تزال جدلية الدين والسياسة تشغل حيزًا واسعًا في كتابات المفكرين الإسلاميين الذين يسعون إلى رسم الخطوات الأولى نحو دولة الإسلام. وكتاب "السياسة والحكم- النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع" ليس إلا من مجاهدات التحرر من عقدة تغريب الإسلام وأفكاره ومن ثمرات اليقين بأنه حق متى وافته الصحوة والدعوة بعد الغفلة العارضة ظاهرًا على الدين كله. ويجدّد الدكتور حسن الترابي مفهوم "السلطان" ويصله بالناس والشورى والمجتمع مصدر الإجماع والسلطة في الإسلام. ومهما انحرف التاريخ بالمصطلح إذ استبد الفرد دون الشعب أو أخذ السلطة بالوراثة أو غصبها بالقوة أو بالانقلاب، فإن بناء منظومة الحكم الإسلامي لا يكون إلا بالحرية الأتم والشورى الأوسع والعقد الاجتماعي المؤسس على الرضى والاختيار.

وإذ يقدم الترابي اجتهاده المثابر العميق لفكر إسلامي سياسي حديث، يحلل الظرفين الاجتماعي والتاريخي اللذين انحطا بواقع المسلمين دون مثال الحرية والمساواة والعدل، ووسما الفقه السياسي بالبؤس والانحسار، وأكدا الفصال بين الدين والحياة والسلطان والشعب والمجتمع والفرد، ولكن الدين توحيد يجمع ذلك كله ويصله إيمانًا بالغيب والأزل. وفي عمله هذا يصوب حسن الترابي سهامه على المارقين عن الإسلام دين التوحيد بفتنة اللادينية أو العلمانية العازلة لعالم الدنيا السياسي عن الغيب والهدي الديني، وإذ يخاطب الترابي عامة جمهور المسلمين يحثهم أن يتبينوا بأنفسهم أصول هدي الدين في السياسة والسلطان ومعاني أحكامه ووصاياه ومقتضى قواعده وكلياته ومحصول قيمه وموازينه في سياق حاجات واقعهم المعلوم الذي تنشأ فيه القضايا، وذلك ليطبقوها على الواقع حياة تستقر نظمها وضوابطها وتطمئن دوافعها وعلاقاتها. وأم القضايا اليوم -في رأي الترابي- هي قضية قيام الدين السياسي أو بقاؤه محجورًا كله مقبورًا.

وهذا الكتاب حصاد حياة زاخرة بالعلم والعمل للترابي، يقارن فيه فقه الإسلام السياسي إلى جملة كسب البشرية في علوم السياسة والحكم، ويبسط رؤيته لبناء إسلامي شامل إحياءً للاجتهاد الذي يستنبط أصول النظم السلطانية من هدي القرآن وسنة المجتمع الراشد الأول، ويصلها بقضايا المجتمع والدولة المعاصرة وتحدياتها الكثيفة، ويفتح الأبواب لحياة إنسانية عالمية مؤسسة على الحرية والسلام.

وحسن الترابي (1 فبراير 1932 - 5 مارس 2016) زعيم سياسي وديني سوداني، كان له دور فعّال في ترسيخ قانون الشّريعة الإسلامية في الجزء الشّمالي لدولة السودان. وقد صدر له عن دار الساقي كذلك: "التفسير التوحيدي"، و"المصطلحات السياسية في الإسلام"، و"السياسة والحكم"، بالإضافة إلى العديد من المؤلفات والدراسات المهمة الأخرى.

ومما جاء في مقدمة الكاتب:

"هذا كتاب من هدي الإسلام، وربما يحق أن تبين نسبته تلك لدى عنوانه ليجتذب القراء المهتمين بالإسلام السياسي، أو تغيب ليمضي سبيله بين سائر القراء الذين تعنيهم شئون السياسة. ذلك أن الشائع في سوق المنشورات السياسية العربية الحاضرة يغلب فيه المترجم أو المقتبس من الثقافة السياسية الأوروبية أو المستمد من هديها. وتلك ثقافة تأصلت من تراث أفكار يونانية وأعراف رومانية وتقاليد مسيحية خاصة، ثم تنورت برؤى العقلانية الإنسانية المنقطعة عن الغيب والدين وتطلقت بأهواء المادية الشهوانية وحاجات الدنيا وحاضراتها الواقعة، وتطورت بها الحياة والنظم السياسية خارجة على حكم الكنيسة ونفوذها متحررة من سلطان الملوك والعرف القديم مندفعة بثورات الشعوب وقواها المتصارعة وعلومها المتطورة. وقد تكثفت تلك الثقافة بعمران الحضارة الغربية وتعالت بوسائل الاتصال والاستكبار فائضة على سائر العالم المتخلف الواطئ الثقافة، فامتدت إلى أوساط الأمة المسلمة المستضعفة لاسيما في حياتها العامة التي كانت ثغرًا للغزو الثقافي إذ ضؤل فيها الوعي وانغمر الدين. في ذلك العهد، كان المنشور الصادر عن فقه القضايا السياسية بالإسلام واردًا غريبًا لابد أن ينسب لأصله ليتميز عن السائد المعروف، وأن يثار ذكره حتى يشتريه القراء المفتونون عادة بالمعروض الغربي الصبغة. لكن هذا الكتاب -ومثله- ليس إلا من مجاهدات التحرر من عقدة تغريب الإسلام وأفكاره ومن ثمرات اليقين بأنه حق متى وافته الصحوة والدعوة بعد الغفلة العارضة، ظاهرًا على الدين كله.

ولئن كان الإسلام المتجدد يعود لأول العهد غريبا في بيئته -على سنة التجديد في ثقافات العالم- فإن ساحة المسلمين اليوم لم يعد منطمسًا فيها ذكر الإسلام حتى يبدو كتابه منكرًا تلزمه شارة تعريف وجهدة ترويج. فإن ارتكمت على المسلمين قرون إدبار عن فقه سلطان الإسلام الراشد ثم ارتكزت غفلتهم عنه لمّا تمكن عليهم السلطان الغربي واستعمر فيهم قوته ودعوته، فها هي اليوم تنتشر دعوة الإسلام السياسية ويظهر حقه وأخذت تضمحل بين المسلمين فتنة المذاهب والقوى النازعة إلى شمالي الأرض. ولمّا يتحقق بعد هدي الإسلام السياسي واقعًا منبسطًا في كل دياره، ولكن بارت فيها شرعية النظم السلطانية المؤسسة كُرها على المسلمين تحمل شعارات وأشكالًا منسوبة غالبًا زورًا للديمقراطية وشيئًا ما أحيانًا للإسلام بل إن المارقين على الإسلام دين التوحيد بفتنة اللادينية أو العلمانية العازلة لعالم الدنيا السياسي عن الغيب والهدي الديني، هؤلاء اليوم في اضطراب يجادلون حول الإسلام، وأحيانًا في اضطرار يزينون مذهبهم بكلمات مبهمة تخادع بذكر من الإسلام وكذلك المتسلطون المستبدون بأهوائهم على الرعايا المسلمة المتلبسون زخرفًا ظاهرًا من صور الديمقراطية، هم اليوم يرفعون شارات زيف ليؤكدوا مزاعم النسبة للإسلام، وكلهم يحملون أحيانًا على دعاة الإسلام الشاهدين الصادعين بحق رشده السياسي والسلطاني خشية أن يودوا بهم إلى حرج فانفصال من الشرعية وإطراح، ويدّعون أن حشر الدين في السياسة ليس إلا سوء استغلال محترماته، ويتوهمون أنهم بالمنافقة يسترضون جماهير الرعية. ومهما يكن، فدعوة الإسلام السياسي ينتشر ذكرها بذلك من حيث لا يشعر الكارهون. أما الجماهير المسلمة فهم اليوم أكثر وعيا بالإسلام الحق وأرجح وقعا في مسيرة السياسة وأحمس للولاء والعطاء في سبيل الله. ومنشور الدعوة الإسلامية السياسية اليوم في غناء عن إعلان نسبته حذر الغربة وفى كفاية عن علامة تجارية طلب الرواج.

هذه الإلمامة بقضايا السياسة والسلطان أو المعالجة لها في هذا الكتاب ليست إلا ثمرة من توحيد مكاسب المعرفة في حياة الكاتب. بعضها علم أخذه المرء من مصادر غربية ناظرة في مطروح تلك القضايا أو راوية للمعمول به منها قديمًا وحاضرًا، وبعضها عبرة تلقاها مباشرة من مشاهد الواقعات في حكم الغرب، وبعضها زاد حكمة من ممارسة التجربة في الحياة السياسية لعشرات السنين في السودان، وبعضها أضواء اطلاعات من قريب أو بعيد على واقع الحياة العامة في كثير من ديار الإسلام. وذلك فضلًا عن أساس من دراسات لتراث فقه الإسلام في أحكام السلطان وقصص سيرته في السياسة، وقراءات لمنشورات حديثة شتى من ملة المسلمين تصدر عن ذوي علم أو تجربة بعضهم يحمل ميول المذاهب التقليدية وبعضهم يعبر عن مواقف عصرية متباينة المدى من حيث الإيمان بحق الإسلام واجتهاد النظر في صراطه السياسي المستقيم المتجدد أو الافتتان بالواقع انكبابًا على مثير أحواله وتقلباته أو بالغرب استقبالًا لفكره وخبره. وحيثما نشأت مصادر المعرفة للإنسان فبقدر وسعه في جمعها تتحد وتتناصر ويزداد في النفس رسوخ اليقين والعلم والحق والحكمة شعابًا للإيمان بدين التوحيد. فمتى كانت فطر النفوس تتزكى بالتجارب اطمأنت القلوب باليقين، وحيثما كانت العقول تتفكر في منظورات الوجود ومشهوداته اهتدت خواطرها إلى العلم الحق، وكلما كانت آيات الوحي المنزلة من الأزل تُتدبر تجلى بها عبر حادثات الحياة الدين الخالد، وأينما كانت الحياة تقرأ بسيرة عواقبها الشاهدة على صالحها وسيئها فعبرها وعظاتها تنزل الحكمة البالغة.

وكذلك من قصد الخلاص إلى محصول الرؤى في هدي الإسلام في القضايا السياسية والسلطانية ينبغي أن يتحرى ويوحد مادة من معرفة حق الإسلام وكل حقائق الحياة، يوحد النظر إلى أصل المثال الإسلامي المستقيم الخالد في الحكم وإلى واقع كسب المسلمين ثقافة مقصورة ومنقولة للمعتبر المتعظ، ويصل سيرة السلف والخلف السياسية الناهضة والهابطة والمتجددة والمتنقلة عبر تقلب ابتلاءات التاريخ، ويجمع ظاهر الحياة العامة وصورها ومراسمها الطيبة بباطنها في خلق الوجدان الخالص، ويربط عموم الوجهة والمبادئ والقواعد في أحكام السلطان ومُفصّل المناهج والقضايا والسنن، ويوحد الإنسان بمقارنة الأصيل من دين المؤمنين بلا نسخ ولا مسخ والدخيل عليهم من كسب سائر البشر وحضاراته في شئون الحكومة.

لا بد من أن نتعرف إلى أصول الإسلام المثال القرآني والواقع السنى فذلك فيه هدي الحق الخالد، ولئن عبرت عن بعضه حقائق مسنونة من الواقع والصور مثل الشعائر التعبدية المعروفة فإن بعضه لاسيما في السياسة والسلطان إنما يتحقق في أوضاع وهيئات وعلاقات متجددة عبر تبدلات ابتلاءات الدهر وتغيرات ظروفه. وينبغي ألا ينقطع خَلَف المسلمين عن تراث ثقافتهم برؤاها المتمذهبة وسيرها المتقلبة، ففي ذلك وجوه من إصابة تتبين للنظر الراجع تزوده علمًا وعبرة ومن خطأ يكسبه عظات، وفيها مجاهدات ومحاولات لبلوغ المستوى الأعلى والميزان الأقسط مما تطلبه تكاليف المثال، وفي ضوء التاريخ وسياقه يبين الدرج الذي سما إليه الواقع ليبني عليه صعدًا أو الدرك الذي تدهور إليه ليستدرك. وينبغي ألا تحجر الخلف المنقولات التقليدية التي تتراكم عليهم عن أن يتيمموا الأصول، وألا يقعدهم التعويل عليها عن الاجتهاد في ضوء البلاءات الجديدة ووجوه الرأي النابتة، بل أن تنشرح صدورهم بالاجتهاد المتجدد الممتد الذي لا تنسد أبوابه وتنفتح نفوسهم من ركام العصبية الموروثة مذهبية فقهية أو نحلية شيعة وسنة. وتعاقب التاريخ امتحان لكل أمة إما زادها علما وحكمة فرقيت، أو رهنها جمودًا وعصبية فهوت.

ومن هَدي دين التوحيد لمن يبتغى رشد الحياة السياسية بالدين دارسا ظاهرها وما يبدو من بلاءاتها بشتى مساقاتها وتطوراتها وما يلزم من خطها ورسمها وحكمها بوجوه من تجديد فقه الإسلام، أن يتأمل أيضًا باطنها متذكرًا عظة التاريخ. فقد اعتزل الخلف الصوفي الذي عم بين المسلمين ساحة السياسة، إذ هجر شيوخ المتصوفة حمى السلطان وأبوابه خوفًا أو قنوطًا مما غشيها من فتنة الشيطان واقتداء بما جرى لأئمة الفقه، فجفت السياسة من الإيمانيات إذ التهت بالجدليات والفرعيات عن أصول التدين وانقطعت عن التقوى منسطحة على ظاهر الصور والأقوال، فشاعت أعراض النفاق والفساد السياسي وفرغت القلوب من النيات الحية. لابد للدين علمًا وعملًا أن يتحد به الباطن والظاهر لتنشط الوجدانيات العامرة وتصدق التعبيرات الكثيفة وتتماثل تزكيًا وخشوعًا وتقوى في السياسة والإمارة، مثل الصلاة والإمامة فيها. وبلاء كل الثقافات أن تتفاصل فيها الأحكام القانونية الضابطة لظاهر السلوك والأخلاق الباطنية الموجهة لدوافعه، وذلك فساد وموات للحياة بما يجعلها قاصرة لا تتكامل ويحيلها إلى منافقة لا تتصادق حقائقها. وأشد ساحات الحياة عرضة لمرض الفصام بين الظاهر والباطن هي السياسة التي تباعد فيها في كل نظر النصارى وغالِب واقع المسلمين المشهود الحاضر والغيب الآجل، وتعازل الدنيوي والديني.

وكذلك على المعني بشأن السياسة في الدين، أن يوحد النظر لسياق البلاء عبر المراحل والانتقال. فسيرة المتدينين وغيرهم من البشر تتعاقب قرونا، قد يتصاعد الأوائل وعيا وتجددًا ونهضة إذا استفزهم تحد أصابهم من أمة أرقى منهم أو قوّمهم بعد الضلال والجمود هدي تنزل عليهم من السماء أو تذكروه بعد غفلة. وقد يخلف قرن يتم البناء بعد تأسيسه السالف ثم يعقب قرن عاطل لا يجتهد تعويلًا على التراث المنقول ولا يجتهد توكلًا على الفخر والكسب الموروث. وهكذا تتداول الأيام بالأمم وهي سُنّة كان وقعها ظاهرًا في تاريخ المسلمين لاسيما في سيرتهم سكونًا خاملًا بعد حركة حية وجبروتًا مطلقًا بعد شورى حرة وشتات ذليل بعد وحدة عزيزة. وفي دراسة تلك السياقات المتداولة عبرة لتقدير عوامل الانحطاط عن المثال ولتخطيط حركة جديدة نحو نهضة بعد وهدة، ولتدبير اتصال مراحل المستقبل تعاليًا مستمرًا ونزوعا دؤوبًا نحو المثال لا تصيبه العلة المعهودة من طروء العجز والحرف والتقادم عند الخالفين.

والداعون أول العهد للإسلام أو من بعد، إلى منهاج فيه متجدد يحييه بعد ذبول، أو يكيف مقتضى حقه الخالد حسب تطور الحقائق الواقعة، أولئك إنما يبدرون إلى عرض المبادئ إجمالًا لتقبل أساسًا جديدًا للحياة ووجهة عامة لها قبل أن تتنزل من بعد شعاب هُدى لفروع الحياة. وكذلك المجاهدون الآخذون دينهم بالقوة في وجه مستبد قوي يقيم جبروتا على المسلمين أو طاغوت عارض عاد عليهم من الخارج، هؤلاء يقيمون ما تيسر من الدين في جماعتهم لكنهم يرفعون سائر معانيه شعارات ورايات رمزية تركز الولاء للدين والبراء من نظام الباطل وسلطانه والتحرر للحق المنشود ولاستقامة الحياة. ولربما يكتب اسم النصر فيجابهون بلاءات الواقع التالي بغير عُدة من مناهج مفصلة تصدقها سياسات منزلة نظامًا سلطانيًا رشيدًا على الأرض التي تمكنوا فيها وهدايات منبسطة تحيط بكل ابتلاءات الحياة السياسية الجديدة المنتقلة ليرسخ أمرها ويستقر، ربما يتحير بهم المسير في مرحلة الحرج بعد النصر. وإنما الأرشد أن يتيسر لدعاة التغيير الإصلاحي ومجاهديه فقه أصول وفصول يمد روح المجاهدة ويعززها بنيات مركبة تتقصد كل الأهداف المفصلة التي يجادلون ويقاتلون في سبيلها، وليستعدوا إذا فتح الله بالاستجابة من الناس أو النصر على الطاغوت وسلمت أمة الخطاب بالمبادئ الأُول أن يبينوا لهم شعاب مقتضايتها ويفسروها مع تطور التساؤل ليطمئنوهم إلى ما ينشدون لصالح الحياة وليتمكنوا فيهم بلا خيبة أو اضطراب. وهذه سُنّة بلاء، التحولات والثورات كلها تتحير شيئا ما عند التجاوز من التبشير إلى مرحلة التطبيق، يتمادى الثوار خاصة بروح الصراع من فور ما يفاجئهم الانتقال فيصوبون المشارسة المنقولة من عهد الثورة إلى أنفسهم، إذ يهلك العدو المستهدف فينقلب بعضهم يهدف بعضًا، ويقوم فراغ بيّن في ثغور المبادئ المبهمة التي كانت كافية شعارًا لعهد الدعوة والثورة، فيغزوا باطل جديد يسد الفراغ ويبدو الفشل من حملة الرشد والعدل والخير الموعود بعد أن امتحنهم الواقع موطأ لهم ممهدًا، ولا تقوم سياسات متكاملة يرضاها الناس ويطمئنون ويسكنون. تلك مخاطر مسنونة في ظواهر التحول ومراحل الانتقال، ويلزم من ثم بسط فقه متكامل بشئون السياسة والسلطان في الإسلام أهدافًا عامة يدعى إليها أو يجاهد في سبيلها ومناهج وسياسات مفصلة منها تتم الدين حقائق متنزلة مطمئنة في كل واقع حاضر.

إن هذا الكاتب في شأن الإسلام والسياسة والسلطان ومعظم إخوانه هم من تغشاهم الثقافة الغربية المهيمنة، وقد ينصبغ بعضهم بها فلا يرى السياسة إلا مفتونًا بالدهريات الظاهرة منصرفًا عن الأزليات مدبرًا عن ثقافته الأصيلة. إن حفظ الأصالة الإيمانية المتجددة هو ضمان الرشد والهُدى في الدوافع والمقاصد والثبات والنفاذ في المناظم والمراسم التي تسير حياة المسلمين السياسية والسلطانية، ولا يجدي أن يقوموا فيها تشبهًا بغيرهم بغير أصالة، أفعالهم كالقرود وأقوالهم كالببغاوات مهما طاب المنقول المحاكى، ولا اتباعًا لبعض الذين نبتوا في دمن الثقافة الدينية التقليدية البائسة الفقه السياسي يقلدونه مفتين في مسائل فرعية لا يدركون الأصول والأركان والمغازي في هَدي الإسلام جامدين لا يجتهدون مجددين في ضوء الابتلاءات المتطورة ولا يسيحون في الأرض لا سيرًا ولا اتصالًا يسيرًا غزيرًا ليحيطوا بسنن العالمين من بني آدم، يتفهمون مذاهبهم ويتبينون واقعاتهم ويتدبرون عبرها ومواعظها ويقارنونها إلى مقتضى الدين الواجبة اليوم ليعوا المقبول منها تجربة بشر والمنكر ضلالًا. والحق على المؤمن المتعلم أن يوحد كل علوم الإنسان وتجاربه ويسخرها على أساس وإطار من الهدى المتنزل من الله لإقامة الحياة الأقوم والأحكم.

إن هذا الكتاب مخاطبة لعامة جمهور المسلمين، لا لتشغلهم بفرط تشعيب الفرعيات الدقيقة ولا لتربكهم بازدحام منقول المقولات والمحاجات المتعصبة والمختصمة، بل ليتبينوا ويتفهموا بأنفسهم أصول هَدي الدين في السياسة والسلطان ومعاني أحكامه ووصاياه ومقتضى قواعده وكلياته ومحصول قيمه وموازينه في سياق حاجات واقعهم المعلوم الذي تنشأ فيه القضايا، وذلك ليطبقوها على الواقع حياة تستقر نظمها وضوابطها وتطمئن دوافعها وعلاقاتها. وأم القضايا اليوم هي قيام الدين السياسي أو بقاءه محجورًا كله مقبورًا. والجماهير المؤمنة هم حَمَلة تلك الأمانة الثقيلة لإقامة أصل الحكم الإسلامي في وجه الابتلاءات والتحديات المثقل بها هذا العصر. والمعول والواجب الأول إنما هو على الجماهير أن تأخذ الدين بقوة وتحمل في سبيله ضغوط المدافعة السياسية للباطل القائم في حال الحرية والسلام أو دفوع المجاهدة الثورية في حال الكره والصدام للجبروت أو العدوان. ولا قوام بعدئذ لتحقيق الدين وتطبيقه واقعا كاملا إلا وقفا على جهد كل الجماهير ناشطة في أداء التكاليف، إليهم المرجع ليرفعوا ويخلعوا ببصيرتهم وإرادتهم سلطان الوضع ويقيموا سلطان الشرع وليحفظوا أسس الحكم مشاءَةً تمارس الحرية وإرادة لإجراءات الشورى وعقدا لقرارات الإجماع وليرتبوا نظم الحكم المتوازنة المتضابطة وليبسطوا ويحسموا الخيارات المتنافسة ويبعثوا المناصحات العامة ويكيفوا الإصلاحات المتضاعفة. وإنما جاهد واجتهد لتمكين الإسلام لأول عهده جمهور المؤمنين الصحب للرسول، ما كان فيهم متخصصون متفرغون لتدقيق العلم وإنما أخذوا الدين كافة من عموم هَدي القرآن وخصوص أحكامه المتنزلة على الأحداث والوقائع كما يبينها قائدهم، وما كانوا على أساس من فقه كثيف ورصيد غني من الثقافة السياسية. ومن ثم بدأ الاجتهاد الفقهي يتبارك مع تطور الحياة وتشعبها وظهر بعض الأئمة ناطقين بما عليه الرأي والعرف المقبول في الثقافة الحية الواسعة، لكن تدهور من بعد مستوى الدين السياسي باختلاط الجماهير الداخلة في الأمة بما تحمله من تراث وتعسرت وظائف الحكم وطرأت الفتن السياسية، وأخيرا ظهر خَلَف فقهى من الشراح الذين يفرعون التعليقات الموغلة المتنطعة في الحواشي الدقيقة علما يتباعد بعامة الناس عن أصول الدين ومنابعه ويغمر معالمه، بل تعازل أولئك المتفيقهون والعوام الذين أصبحوا يَسدُون في الحياة في غفلة وجهالة إلا سماع الفتاوى في صغائر المسائل ممن اختص بأمر الدين واحتكر معارفه.

والعهد اليوم تركة ساكنة لا حياة متعمرة بالدين لتعقبها نهضة ثقافية متفجرة بالاجتهاد تستدعى ضبطها بالعلم المتخصص المنظم، بل حياة يغشاها التماوت وثقافة دينية تغلب فيها المورّثات البالية من منثورات الفتاوى، وذلك يستدعى الاستنفار لدفع الحركة خوفا من الموت لا التحفظ حذرا من الفوضى، لاسيما في الثقافة السياسية التي هي أشد جمودًا لا تتحرك أو تنمو أو تلد وهي أبعد تخلفًا عن تطور الابتلاءات لا تناسب بروز قوة المجتمعات بقواها المستعصية حكمًا وظهور معضلات حاجاتها وأمورها العامة المعقدة وثقافاتها العالمية المتدافعة. فالخطاب الأجدى اليوم إنما هو بفقه الإسلام السياسي الحي لعامة الناس.

والكاتب كثيرًا ما ألقى من قبل رسائل خطاب عام ودعوة للجماهير لتحريكهم في مسالك السياسة والسلطان على هُدى من الإسلام، وما كانت تلك مادة تعد للمدارسة الدقيقة التي ينظر فيها العلماء ويحفظها الطلاب. وهذا خطاب جامع يعرض الآراء المتجددة الراجعة إلى الأصول مجردة من المقولات الشواهد من السلف غير محفوفة بكثيف حيثيات المحاجة في أمة خطاب مرهونة بالنظر إلى حرف النصوص لا سياقها، وظاهرها لا مغزاها، ومصروفة إلى قديم الفقه المعهود وقائم الأوضاع الحاضرة، قد تنكر الآراء الجديدة الداعية للإصلاح. والتعزي بالمصابرة لزام حتى تألف النفوس ما لم تعهد ويستقر فيها وحتى يقيض للفقه الجديد المتخصصون المتفرغون لسنده بالمأثورات ومده بالفرعيات، وحتى يدفع القدر قوى الدعوة والمجاهدة فطور مصائر الواقع فتصدق الحق والحكمة في ذلك الجديد. إن حال مجتمع المسلمين اليوم لم تبارحه بعد أزمة الضلال في الرؤية السياسية وفتور الحمية لحكم الشريعة وعوائق الأهواء العالقة بالواقع، ولا يصح تأخير نزول أصول الحق حتى تتوافر كل المباحث العلمية التي تجليه وتتهيأ من نفسها تصاريف الظروف منزلًا له ميسورًا. بل هَدي الدين أن يُسارع إلى الحق ما بانت وجهته العامة وإلى الخير ما ارتسمت معالمه الأساسية، والعمل بمبتدأ العلم يباركه بيانا ويحققه فعلا. ذلك ولو تعرض أول المسير لبعض الخطل والفشل وتعثرت الخطى فإن بني الإنسان ما اعتصموا بالقبلة هدى وبالله توكلًا هم خطاؤون توابون يتنامون بذلك علمًا وحكمة.

و الحق يقال أن كاتب هذه السطور إنما حررها وهو في حبس سياسي من فتن السلطان معتقلًا عن الإحاطة بكل الكتب في مكتبة خاصة أو عامة حتى يثبت بيان مراجعه فيها وينقل عنها حرف المنقولات ومواصف مصادرها، وإنما تيسر له ما يحفظ ويتلو من آي القرآن التي يجتهد أن يتفقهها موصولة بسياقاتها المبينة وبأطر نزولها الظرفية والثقافية بمنهج تفسير توحيدي لا يأخذ مقطع الكلمات ومجردها، وإنما يتبين معانى آيات القرآن في إطار منزلها أحداثًا وسيرة واقعة وأقوالًا مروية عن الرسول r، وقليلًا ما تُنثر هنا جمل من الأحاديث النبوية مبتورة من هوادي القرآن وظروف الواقع المبينة، لا سيما وأن الشأن سياسة سلطان متغيّرة متطورة ابتلاءاته يخط الدين هديه العام ولا يرسم كل منطق أقواله وحركة أفعاله وصورة علاقاته مثل شعائر الدين المسنونة كالصلاة والصيام والحج .

والكاتب، كما سبق القول، يحاول أن يوحد ما اجتمع لديه من مصادر المعرفة تتوالى وتتكامل ولا يرتبك الأعلى والأدنى حجة ولا يختلط الأقرب بالأقصى إطارًا لإخراج مثال للإسلام اليوم في الموضوع. وإنه ليسأل الله مستغفرًا من الخطأ مرجيًا رضوانه تعالى بالصواب، متشفعًا لكل أهل المشارع التي ورد ماءها واستقى منها علمًا ما أو حكمة، ليشملهم الله رأفة من رحمته للكافر الملة الموزور، ولاسيما الذي يعتدل ولا يتعدى على دين الإسلام، وبركة من فضله للمسلم المأجور قدر كسبه، من يبعّض إيمانه بالإسلام فينصرف عن هدي الدين في السياسة كفرًا صريحًا أو نفاقًا يوارى ضلته بحيل الكلام، ومن هو منفعل بمشاعر الولاء الديني لكنه يضرب في السياسة بجهالة، ومن هو صادق متبصر يأخذ دينه بتفقه واجتهاد. أولئك هم جميعًا علموا الكاتب مدارسة أو بسطوا له علمهم مطالعة أو هدوه إلى الحكمة مشاركة أو مشاهدة لهم في السياسة وما يعملون فيها من صالح يزود بحسن القدوة أو فاسد يعظ بسوء الفعلة، لا يستطيع المرء أن يحصيهم عددًا أو يشير إليهم ذكرًا في حاشية أو ملحق في هذا الكتاب الذي هو حصيلة كل بنيته المعرفية لا هديته في شأن السياسة والسلطان وحدها، وإنما كتاب أسباب المكاسب وحساب جزائها عند الله وهو بكل شيء محيط.

لئن سارع الكاتب إلى جمع تعاشيب معلومات كسبها وكلمات محاضرات تذكرها ورؤوس خواطر تدبرها، وإلى تحريرها في هذا الكتاب، أجمل فيه المتن بلا ترتيل للفروع وعطل النص بلا ذكر للمراجع، وآثر ألا يتركه أوراقًا مخطوطة محفوظة جمعت في السجن. ولئن كان في المادة غريب أفكار انتظرت عشرات السنين رجاء فراغ وبوح بعد الفرج يتمها محفوفة ويقدمها مألوفة لكن ظلت مغمورة بمشاغل الحرية. لئن كتب الكاتب اليوم فإنه ليرجو أن يقرأ القارئ بسماحة منفتحة ولو وجد غريبًا ينكره ويشذ عن مألوفة ومعهوده ولم يجد إيلافًا من شواهد رأى كثيفة من السلف. وإنما الكتاب استرفاد بكل رصيد سابق واجتهاد لمده نحو بناء لاحق وتحضيض لعامة الداعين الساعين المجاهدين في سبيل الحق وتثوير لفكر الهادين المجتهدين يوافقون رأيا ويؤيدونه ببيان المساند وجلاء الشعاب ويدركون خطأ فيستغفرون للخاطئ ويعدلون للسالك ويتدبرون ويطورون مسيرة المسلمين السياسية توبة ثقافية إلى بينة ويقين وقومة عملية على صراط مستقيم هدى للعالمين".

وإليكم فهرس موضوعات الكتاب:

توطئة

الفصل الأول: الدين والسلطان: التوحيد والفصال

الفصل الثاني: صور الأحكام السلطانية

الفصل الثالث: المجتمع المؤمن مصدر السلطان

الفصل الرابع: ميزان الحريات على سواء والسلطان

الفصل الخامس: الأحزاب والقوي السياسية

الفصل السادس: سلطة التشريع وضبط الإمارة

الفصل السابع: سلطة الإمارة والتنفيذ والإدارة

الفصل الثامن: سلطان الإمارة وشعابها التنظيمية

الفصل التاسع: سلطة العدالة وقضاء الخصومات

الفصل العاشر: أنظمة المحاسبة والمضابطة والقسطاس

الفصل الحادي عشر: تفاصل السلطات وتكاملها وتضابطها

الفصل الثاني عشر: مقاسم السلطان الإقليمية والمحلية

الفصل الثالث عشر: الدولة الوطنية ووحدة الأمة

الفصل الرابع عشر: علاقات السلطان والمجتمع العالمية

رابط تحميل ملف الكتاب

يمثل هذا البحث مقدمة العلامة الفقيه د. عبد الرزاق السنهوري لكتاب "الامتيازات الأجنبية" للأستاذ محمد عبد الباري الصادر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، سلسلة المعارف العامة، مطبعة الاعتماد بمصر، 1348هـــ/ 1930م.

ومما جاء في مقدمة هذا البحث:

أحسنت لجنة التأليف والترجمة والنشر في أن تضم إلى مجموعتها القيمة كتابًا في الامتيازات الأجنبية، وأحسن مؤلف هذا الكتاب في معالجة موضوع من الموضوعات الحيوية التي تؤثر في حياة مصر الاجتماعية والاقتصادية، وأحسن كل من اللجنة والمؤلف في اختيار هذا الظرف لنشر هذا الكتاب القيّم. فحديث الامتيازات الأجنبية، جدير أن يشغل كل مفكر في هذا البلد لا سيما في الوقت الحاضر والمقترحات البريطانية معروضة على البرلمان المصري، وتعديل نظام الامتيازات الأجنبية مسألة من المسائل الأساسية في هذه المقترحات.

ولست أتردد في أن أقدم لجمهور القراء هذا الكتاب الجدير بالعناية، بعد أن بذل المؤلف في كتابته مجهودًا موفقًا، استطاع من ورائه أن يبسط لأبناء وطنه، بعبارة طلية شيقة، ما هي هذه الامتيازات التي يتمتع بها الأجانب في مصر من عهد قديم، وما نشأ عن هذه الامتيازات، أو بالأولى عن التعسف في استعمال هذه الامتيازات، والتوسع فيها توسعًا يتناقض مع المعاهدات والعرف الدولي، من الأضرار بمصالح مصر القضائية والاقتصادية، وما أدت إليه من انتقاص لسيادة الدولة المصرية، وإخلال بميزان المساواة بين المصريين والأجانب، فبعد أن كان الأصل أن صاحب البلد يمتاز على الأجنبي، انقلبت الآية في مصر، وأصبح الأجنبي هو الممتاز، والمصري هو الذي ينادي بوجوب المساواة بينه وبين الأجنبي.

وقد بيّن المؤلف بوضوح أن استناد الامتيازات الأجنبية إلى "العادات المرعية"، بجانب المعاهدات الدولية لا أساس له في القانون، وإنما هو كما يقول "نتيجة الأمر الواقع المبني على التحكم من جانب الغربيين، وعلى التفريط والإهمال من الجانب المصري".

وذكر بإسهاب جميع الأدوار التي مرت بها محاولات الخديوي إسماعيل ووزيره نوبار لتعديل نظام هذه الامتيازات تعديلاً يجعلها أقل إجحافًا بمصالح الدولة المصرية والرعايا المصريين حتى انتهت هذه المحاولات إلى إنشاء المحاكم المختلطة، وكان دقيقًا في بيان الاخطاء التي ارتكبتها مصر في فترة المفاوضات، وإن كنّا نرى أن هذه "الأخطاء" قد أُجبر عليها المتفاوضون المصريون من جراء تشدد الدول، لا سيما الدولة الفرنسية في التمسك بامتيازاتها، ولم يكن لدى مصر في ذلك الحين من القوة ما تستطيع به أن تلزم الدول الحجة، وتقنعها بعدالة مطالبها. وقد سلم المؤلف نفسه بأن الظروف ربما كانت لا تساعد على تجنب هذه الأخطاء فهي مهما كانت عظيمة "فإنها قضت على جزء عظيم من أسباب الفوضى القضائية بمصر، ووضعت أساسًا قويًا لعدالة محترمة كان لها فضل كبير في قيام صرح البلاد الاقتصادي ببعث الثقة في نفوس المتعاملين الأجانب قبل المصريين".

ثم أشار المؤلف إلى موقف إنجلترا إزاء الامتيازات الأجنبية بعد احتلالها للبلاد، فبيّن كيف أنها لم تقف في سبيل هذه الامتيازات، بل تركتها تقوى وتنمو، وذلك خشية أن تثير مخاوف الدول لا سيما فرنسا، وحتى تتجنب احتجاج هذه الدول على الاحتلال غير الشرعي، وذلك إلى أن وقعت الاتفاقية المشهورة بين إنجلترا وفرنسا سنة ١٩٠٤م. وهنا تعقب المؤلف المشروعات المتوالية التي حاولت إنجلترا أن تعدل بها نظام الامتيازات الأجنبية في مصر منذ ذلك الحين على أساس تركيز هذه الامتيازات في يدها وحدها دون غيرها من الدول.

فبدأ ببسط آراء اللورد كرومر، وهي تتلخص في إنشاء هيئة مختلطة قليلة العدد من المصريين والأجانب، تعرض عليها القوانين المراد بها أن تسري على الأجانب، ولا تكون قرارات هذه الهيئة نافذة إلا بعد تصديق الحكومتين المصرية والإنجليزية، ثم أشار إشارة موجزة إلى مشروع السير برونيات، وكنا نود لو ألمّ بهذا المشروع بعض الإلمام، كما فعل في المشروعات الأخرى حتى يكون الكتاب وافيًا من هذه الناحية.

وتناول بعد ذلك مشروع سير سسل هرست، ولاحظ أن هذا المشروع قد ربط مسألة تعديل الامتيازات الأجنبية بمسألة تسوية العلاقات بين مصر وإنجلترا، والمؤلف لا يوافق على ربط المسألتين إحداهما بالأخرى، ويرى في ذلك تعطيلاً لحل مسألة الامتيازات، ووسيلة تتذرع بها إنجلترا لحصر ما تًوزَع بين الدول في يدها، ثم نظر بعد ذلك في محتويات المشروع، ويخيل إلينا أنه لم يرجع في ذلك إلى النصوص الأصلية، بل اعتمد على المحاضرة القيمة التي ألقاها الأستاذ عبد العزيز فهمى باشا في نقد المشروع وبيان عيوبه، وسنشير إلى هذه المحاضرة فيما يلي.

وأشار بعد ذلك إلى النصوص المتعلقة بالامتيازات الأجنبية في مشروع اللورد كرزون، وانتقل منها إلى مشروع ثروت – شامبرلان، وقد أفاض في ذكر ما ورد في هذا المشروع خاصًا بالامتيازات، ونقل ذلك عن مصادره الأصلية، وحسنًا فعل، فإن هذا المشروع يعتبر بحق الأساس الذي بنيت عليه المقترحات الحالية، وقد أشار المؤلف إلى هذه المقترحات كآخر حلقة من السلسلة، وعلق عليها تعليقًا موجزًا، ومن رأيه أنها إذا نفذت كان ذلك من شأنه أن يزيد النفوذ البريطاني فيما يتعلق بالقضاء والتشريع بمصر.

وقبل أن نكمل متابعة المؤلف، نوجه نظر القارئ إلى أهمية المقترحات الحالية في الظروف الحاضرة ومصر على باب المفاوضة مع إنجلترا لتسوية العلاقات بين البلدين، وقد رأينا أن ننتهز هذه الفرصة لبحث هذه المقترحات في الجزء الخاص منها بالامتيازات، فخصصنا لذلك القسم الثاني من المقدمة، ونزعنا في التحليل والنقد نزعة تختلف بعض الشيء عن نزعة الكتاب، فاقتصرنا على الناحية القانونية حتى نضم بذلك مجهودنا إلى مجهود المؤلف، وتوخينا أن نشير بشيء من التفصيل إلى العيوب التي رأينا أن نوجه إليها نظر المفاوض المصري، حتى يعمل على إصلاحها، في مفاوضته مع إنجلترا أولاً ثم في مفاوضته مع الدول ذوات الامتيازات ثانيًا، ورجونا من وراء ذلك أن نستحث رجال القانون على بحث هذا الموضوع الخطير في دوره الحاضر بحثًا فنيًا عمليًا يساعد المفاوض المصري على أداء مهمته الشاقة في مرحلتيها.

وقد ختم المؤلف الكتاب بفصل عقده لبيان ما يحيق بمصر من الأضرار من جراء نظام الامتيازات، فوصف إلى أي حد يقف هذا النظام عقبة في سبيل الاصلاح المالي والاجتماعي في هذه البلاد، بسبب جمود نظام الضرائب.

 

رابط مباشر لتحميل بحث د. عبد الرزاق السنهوري

 

رابط مباشر لتحميل كتاب "الامتيازات الأجنبية"