د. حازم عبد المتعال الصعيدي
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار نشر "دار النهضة العربية" في عام 1977م، وننشره للمرة الأولى في العالم الرقمي، وهو للأكاديمي المعروف د. حازم عبد المتعال الصعيدي، والذي كانت له كتابات مهمة في الفقه الدستوري الإسلامي، مثل "الإسلام والخلافة في العصر الحديث"، وهو ابن العالم والفقيه المعروف عبد المتعال الصعيدي، والذي يعد من رواد التجديد في الفكر الإسلامي.
ومما جاء في مقدمة الكتاب ما يلي:
التعريف بموضوع البحث:
يمكن بصفة إجمالية تعريف القانون الدستوري بأنه "مجموعة القواعد الأساسية التي تحدد شكل الدولة، وترسم قواعد الحكم فيها وتضع الضمانات الأساسية لحقوق الأفراد، وتبين مدى سلطان الدولة عليهم، وتنظم سلطاتها العامة، مع بيان اختصاصات هذه السلطات".
وتتفرع دراسات القانون الدستوري في الفقه الوضعي الحديث في ثلاثة مواضيع رئيسية، وهى الدولة، والحكومة، ومركز الفرد وحقوقه وحرياته.
وقد بحث فقهاء الإسلام جميعًا في المسائل التي تتعلق بما نسميه الآن "القانون الدستوري" (أي تلك المسائل التي تبين نظام الحكم في الدولة) تحت اسم السياسة الشرعية والأحكام السلطانية أو ما يؤدى هذا المعنى. وقد أخرج بعضهم في ذلك كتبًا خاصة مثل ابن تيمية الفقيه الحنبلي؛ فقد أخرج السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، وأبي الحسن البصرى الشافعي المعروف بالماوردي صاحب الأحكام السلطانية، وغيرهما.
وهذا البحث يتناول بالدراسة من بين المواضيع الدستورية في الفقه الإسلامي موضوع الدولة فحسب، ويحسن بنا أن نلاحظ -بادئ ذى بدء- أن علماء المسلمين المجتهدين لم يضعوا لنا نظرية عامة للدولة: بل كانوا يضعون الحلول ويقدمون الآراء بمناسبة كل حالة طارئة، فلم تكن هناك نظرية مسبقة يبنون عليها، أو يوجهون في نطاقها، فالفقه الإسلامي -خلافًا للفقه الغربي- لم يعن قط بوضع النظريات العامة في المسائل القانونية، وإنما كانت عنايته تتجه إلى بحث الحالات الفردية والمشاكل والأحداث اليومية واستنباط الحلول الفقهية لها.
الهدف من البحث:
لئن كان قد عُرف في التاريخ الإسلامي نظام حكم إسلامي، إلا أن الإسلام -باعتباره شريعة من الشرائع السماوية- لم يأت "بنظام" معين من أنظمة الحكم فرض على المسلمين في كل زمان ومكان، وإنما هو أتى فحسب -فيما نعتقد وفيما سنبين– "بمبادئ" عامة تصلح لكل زمان ومكان في هذا الميدان: ميدان نظام الحكم (أو الميدان الدستوري).
فالإسلام لم يجئ في ميدان شئون الحكم (ويطلق عليه في الاصطلاح الشرعي ميدان شئون "الإمامة"، وهو ميدان القانون الدستوري "والنظريات السياسية الإسلامية" إلا بالمبادئ العامة الأساسية، دون تعرض للتفصيلات والأساليب والجزئيات، التي بطبيعتها تتطور وتتغير بتغير ظروف الزمان والمكان، وذلك كما يقول الأستاذ الكبير الشيخ [عبد الوهاب] خلاف – "لتراعي فيها كل أمة ما يلائم حالها وتقتضيه مصالحها".
وبناءً على ذلك فالإسلام -فيما يتعلق بنظرية الدولة (وهو الذي يعنينا هنا)- لم يدخل في وضع تفاصيل ذات قيم نهائية مطلقة، أو مزودة بحق الشرعية المطردة التي لا تقبل تغييرًا ولا تبديلاً، وإنما اكتفى بوضع المبادئ العامة والقواعد الكلية التي ينبغى أن تعتمد عليها هذه النظرية، فالنظرية الإسلامية في الدولة -بالنسبة للجزئيات والتفصيلات- شأنها شأن سائر النظريات السياسية الإسلامية- قابلة للتغيير، والتبديل، والإضافة، وصيغها ليست نهائية ولا قطعية، ولا هي موضوعة في قالب جامد، فالإسلام يسمح بتطوير وتحوير نظرياته السياسية حسب ظروف العصر، ولا يقيد هذه الحرية إلا قيد واحد، وهو أن تستند تلك النظريات إلى المبادئ العامة التي جاء بها الإسلام في ميدان النظريات والأنظمة السياسية (أو أنظمة الحكم)، وهى -كما سنبين- مبادئ العدالة، والشورى، والمساواة، والحرية، والتكافل الاجتماعي، ومسئولية الحاكم.
فالتاريخ لم يعرف نظرية (أو نظامًا) من نظريات (أو أنظمة) الحكم والسياسة تصلح لجميع الأزمنة والأمكنة، فهذه النظريات لا تثبت بطبيعتها على حال، وكثيرًا ما يتغير مضمونها وتختلف أبعادها إلى عصر، ومن بلد إلى بلد آخر حسب ظروف كل منهما، وأنه ليُعد ضربًا من المحال أن نطمع في الوصول إلى نظرية سياسية مخلدة صالحة لكل زمان ومكان.
على أن الذي يعنينا من هذا البحث ليس الجانب التاريخي، أي أنه ليس هو التصدي لبحث النظرية الإسلامية في الدولة في صدر الإسلام، وما تلاه من تلك العهود الإسلامية في الأزمنة السابقة، إنما الذي يعنينا ويهمنا هنا إنما هو التصدي لاستنباط نظرية إسلامية في الدولة (أي نظرية في الدولة مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية) تحقق مقتضيات الحياة العصرية ومتطلباتها، ولا تخرج في الوقت ذاته عن أسس الشريعة الإسلامية ومقتضياتها، وذلك حتى تكون هذه النظرية صالحة للتطبيق في عالم اليوم، وقادرة على الحياة بين تيارات العصر الحاضر، فلا فائدة في دراسة تاريخية مجردة في هذا المقام، إلا إذا ربط بينها وبين واقع المسلمين المعاصر، ولا خير في نظرية تصطدم بالتطبيق، أو في فكر يظل نظريًا ولا يصدقه العمل.
ولا ريب أو جدال في أن الجانب التاريخي لا يمكن إغفال أمره ولا يصح أن ننكر أهمية شأنه، ولكنه ليس الهدف الأساسي أو الأول لهذا البحث.
ولا شك أن الملابسات المستقبلة للجماعة الإسلامية قد تتطلب نظرية إسلامية جديدة في الدولة، ولكن مهما يكن مستقبل الجماعة الإسلامية، فإن نظرية الدولة فيها يجب أن تقوم على المبادئ العامة، والدعائم الأساسية التي جاء بها الإسلام في ميدان شئون الحكم والسياسة، فهذه الأحكام الكلية هي المصدر الذي يجب أن تُستنبط منه النظريات والأنظمة السياسية الإسلامية.
أهمية البحث وضرورته:
من الأمور البينة أن البحوث المتعلقة بالخلافة أو الإمامة (وهى –كما قدمنا- بحوث القانون الدستوري "والنظريات السياسية الإسلامية") على قسط كبير من الخطورة، إذ إنها تتعلق بنظام الحكم في الدولة، وبيان حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية إزاء الدولة، بل إن إقامة شعائر الإسلام وصلاح حال رعيته يتوقف إلى حد بعيد على الأخذ بنظام حكم إسلامي أي نظامًا من أنظمة الحكم مستمدًا من أحكام الشريعة الإسلامية.
ورغم ذلك فإن علماء الإسلام -كما قدمنا- لم يولوا -على طول المدى وعلى بعده- الأحكام الشرعية الدستورية (أي المتعلقة بنظام الحكم) من عنايتهم شيئًا مذكورًا.
ولا يخفى أن الأوضاع والملابسات التي تمر بها الجماعة الإسلامية المعاصرة تتطلب من العلماء والمفكرين من المسلمين أن يولوا المسائل الشرعية ذات الصبغة السياسية الدستورية من عنايتهم الشيء الكثير، فالفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث يجتاز أزمة خطيرة، ويدخل في تجربة مريرة، ويواجه موقفًا بالغ الدقة، فقد خلقت نزعة الجمود والتقليد التي سادت الفقه الإسلامي منذ أمد طويل (وبخاصة في الناحية السياسية الدستورية) -كما أشرنا- فراغًا فكريًا ثقافيًا تنازعت على ملئه الثقافتان والفلسفتان السياسيتان المتعارضتان المتصارعتان: الثقافة والفلسفة الغربية الرأسمالية، والثقافية والفلسفة الماركسية، وهكذا وجدنا بعض البلاد الإسلامية قد أصبحت -راضية أو كارهة- ميدان نزاع أو صراع بين مبادئ وفلسفات هاتين الكتلتين المتنابذتين المتصارعتين.
ومن هنا ندرك مدى ما يمثله موضوع البحث من أهمية قصوى وضرورة بالغة، فهو يقصد -كما قدمنا- إلى استنباط نظرية إسلامية في الدولة (أي نظرية في الدولة مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية) تتواءم مع الواقع وتتجاوب مع الراهن، وتراعي مطالب عصرها وزمانها، وتساير مقتضيات الحضارة الحديثة، وذلك كله حتى تكون صالحة للتطبيق في الوقت الحاضر، وقادرة على مجابهة أحداث اليوم، وعلى مواجهة ظروف العصر، فكل عصر جديد يتطلب نظريات جديدة، كما يتطلب أيضًا التخلص من النظريات والنظم التي صارت متخلفة عن الواقع، أو متعارضة مع الراهن.
تقسيمات الكتاب:
اتباعًا للأساليب والتقسيمات المألوفة في الفقه الدستوري الحديث، فإننا سوف نقسم دراستنا للنظرية الإسلامية في الدولة -بعد الباب التمهيدي- إلى قسمين رئيسيين نتناول في أولهما التعريف بالدولة الإسلامية، وأصل نشأتها وأركانها، ثم نبحث في القسم الثاني شكل الدولة الإسلامية وخضوعها للقانون، وأخيرًا نختم الموضوع بكلمة موجزة عن البحث.
وعلى ذلك يكون تقسيم الموضوع على الوجه الآتي:
باب تمهيدي: في الإسلام وهل هو دين ودولة، وفى تاريخ الدولة الإسلامية، وفى مصادر القانون الدستوري (والنظريات السياسية) في الشريعة الإسلامية، وفى المبادئ الدستورية الإسلامية.
القسم الأول: التعريف بالدولة الإسلامية وأصل نشأتها وأركانها
الباب الأول: تعريف الدولة الإسلامية وأصل نشأتها، ويتكون من فصلين. الأول في التعريف بالدولة في الفقه الإسلامي، والثاني في أصل نشأة الدولة الإسلامية وأساس السلطة السياسية فيها.
الباب الثاني: في أركان الدولة الإسلامية ويتكون من ثلاثة فصول: الأول نتكلم فيه عن شعب الدولة الإسلامية، والثاني نتكلم فيه عن إقليم الدولة الإسلامية، وفى الفصل الأخير نعرض لعنصر السيادة في نطاق الدولة الإسلامية.
القسم الثاني: شكل الدولة الإسلامية وخضوعها للقانون
الباب الأول: شكل الدولة الإسلامية ومقارنته بأشكال الدول في الفقه الوضعي ويتكون من فصلين: الأول في أشكال الدول في الفقه الوضعي. الثاني في شكل الدولة في النطاق الإسلامي.
الباب الثاني: خضوع الدولة الإسلامية للقانون ونجعله من ثلاثة فصول: الأول في التطور التاريخي لخضوع الدولة الإسلامية للقانون، والثاني في أساس خضوع الدولة للقانون في الفقه الإسلامي والوضعي، والثالث في الوسائل التي كفلها الإسلام لتحقيق خضوع الحكام للقانون. ثم نختم الموضوع بكلمة وجيزة عن أهم النتائج التي ينتهى اليها البحث.
رابط مباشر لتحميل الكتاب