وقد صدر عن دار نشر "صادر".

ومما جاء في مقدمة المؤلف للكتاب:

فلسفة القانون - كما يدل عليه اسمها - فرع من فروع الفلسفة العامة يعنى بالقانون بوجه خاص.

ولأن الفلسفة العامة هي علم الأصول أو الكليات المتعلقة بالكون بأكمله، فإن فلسفة القانون هي علم الكليات المتعلقة بالقانون أي علم أصول القانون وأسسه العامة، أو علم الأصول المشتركة بين جميع النظم القانونية (قرب فييه Villey في دروس في تاريخ فلسفة القانون باريس سنة ١٩٦٢ ص ١١).

ولتحديد موضع فلسفة القانون من الفلسفة العامة، يُلاحظ أن الفلسفة تتناول ثلاثة موضوعات رئيسية هي: الوجود l' être، والمعرفة ‏le connaître والعمل l' agir، وأن دراسة الموضوعين الأولين تكون ما يسمى بالفلسفة النظرية، وهي تشمل على الأخص فلسفة الأديان وفلسفة التاريخ ونظرية المعرفة والمنطق وعلم النفس، وأن دراسة الموضوع الثالث تكون الفلسفة العملية، وهي تشمل فلسفة الأخلاق وفلسفة القانون.

يبين من ذلك أن فلسفة القانون هي نوع من الفلسفة العملية أو فلسفة السلوك (èthyque) بالمعنى الواسع، وهي صنو لفلسفة الأخلاق (èthyque)‏ بالمعنى الضيق.

وهذه القرابة بينها وبين فلسفة الأخلاق تفسر امتزاجها بها في نشأتها، فسنرى أن قدامى الفلاسفة لم يتناولوا فلسفة القانون إلا في ضمن نظرياتهم الخاصة بفلسفة الأخلاق (انظر ديلفكيو، فلسفة القانون، الترجمة الفرنسية، باريس سنة ١٩٥٣ ص۳۵)، وأن فلسفة القانون لم يبرز لها كيان مستقل إلا في العصر الحديث.

ويبيّن من تعريف فلسفة القانون وتعيين موضعها من الفلسفة العامة بهذا الشكل أنها تتميز عن علم القانون بصفة جوهرية، هي أنها لا تعنى إلا بأصول القانون وأسسه العامة التي تحدد ماهية القانون وأهدافه في كل زمان ومكان، في حين أن علم القانون يدرس الأحكام القانونية المتبعة في زمان ومكان معينين وكيفية تطبيقها على الوقائع التي تحدث فيهما.

بل أنه لينقسم هو ذاته أقسامًا وتتخصص منه فروع في كل نوع من الأحكام بحسب نوع العلاقات الذي تنظمه تلك الأحكام، فمنها فرع القانون الخاص وفرع القانون العام، ويشمل كل منهما شِعبًا متعددة كقانون الأسرة وقانون المعاملات وقانون التجارة والقانون الدستوري والقانون الإداري وقانون الإجراءات، وفي بعض البلاد تتجزأ الشعبة الواحدة إلى قوانين خاصة مستقلة كقانون الإثبات أو البينات (في كل من مصر وسوريا) وقانون الموجبات والعقود (في لبنان) وقانون الأعمال غير المشروعة ‏torts (في كل من انجلترا والسودان والكويت) الخ. (انظر ديلفكيو في المرجع السابق ص ١٣ و١٤).

ولذلك فإن علم القانون يتحدد بظروف الزمان والمكان، فيوجد مثلاً علم القانون العراقي الحديث أو علم القانون المصري في القرن العشرين، أما إذا أريدت دراسة تطور القانون العراقي أو المصري في مختلف عهوده السابقة، فإن ذلك يكون علم تاريخ القانون العراقي أو المصري، وإذا أريد ألا تقتصر الدراسة على أحد هذين القانونين بل أن تشمل أيضًا مقارنته بسائر القوانين العربية أو غيرها من القوانين، فإن ذلك يدخل في علم القانون المقارن أو الدراسة المقارنة للقوانين.

وفي كل هذه العلوم الثلاثة الأخيرة يكون محل الدراسة الأحكام القانونية التفصيلية إما في بلد وعصر معينين، وإما في بلد معين في مختلف عصور تاريخه كلها أو بعضها، وإما في بلد معين بالمقارنة بقوانين بلاد أخرى تجمعها به بعض أوجه الشبه.

والجامع بين هذه العلوم الثلاثة أنها تنصب على جزئيات القانون أو أحكامه في حين أن فلسفة القانون ترتفع فوق ذلك كله لتستخلص الأسس التي يقوم عليها القانون في مجموعة أو التي يجب أن يقوم عليها، وهذه النظرة العليا التي تتميز بها فلسفة القانون هي التي تجعلها جديرة بأن تنتسب إلى الفلسفة العامة وبأن تتبوأ مكانها منها.

 

تقسيمات الدراسة:

الباب الأول: المذاهب الفلسفية القانونية في العصر القديم

  • الفصل الأول: عصر الرواد في الفلسفة اليونانية
  • الفصل الثاني: العصر الذهبي للفلسفة اليونانية
  • الفصل الثالث: عصر الشيخوخة للفلسفة اليونانية
  • الفصل الرابع: العصر الروماني

الباب الثاني: الفكر القانوني في العصر الوسيط

  • فلسفة آباء الكنيسة الأول والقديس أوغسطينوس
  • معارضو التوماوية

الباب الثالث: الفكر القانوني في العصر الحديث

  • الفصل الأول: فلسفة الحكم المطلق
  • الفصل الثاني: فلسفة الحكم المقيد

الباب الرابع: الفكر القانوني المعاصر

  • الفصل الأول: المذاهب الوضعية وأسباب ظهورها
  • الفصل الثاني: العودة إلى الميتافزيقية ومحاولات الجمع والتوفيق بينها وبين الوضعية

 

رابط تحميل الكتاب

 

تأتي هذه الدراسة ضمن متطلبات نيل درجة الماجستير في الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود؛ بهدف تحرير مصطلح تطبيق الشريعة الإسلامية ومفهومه. وتجلية هذا المفهوم وتوضيحه فكريًا ليسهل التعامل معه من خلال رؤية شرعية إسلامية واضحة المعالم. وإبراز تفوق التشريع الإسلامي وتميزه على غيره من التشريعات الوضعية وأنه صالح للتطبيق في كل زمان ومكان.

وتكمن أهميتها -بحسب الباحث- فيما نجده اليوم من اضطراب عند بعض أبناء المسلمين في كثير من المفاهيم الإسلامية، ومن هذه المفاهيم "مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية" وما يثار حوله من شبهات هدفها النيل من الأحكام الشرعية والتلبيس على الناس في دينهم عقيدة وشريعة والزعم بعدم إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في هذا العصر الذي يموج بالمتغيرات والفتن وما يقوم به أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم أو من بعض أبناء المسلمين الذين تأثروا بهم من العلمانيين وأصحاب المذاهب العقلية والفلسفية الذين تأثروا بالفكر الغربي والحضارة الغربية الحديثة وانبهروا بها، وأخذوا ينظرون إلى الدين الإسلامي بغير حقيقته ويقومون بإلصاق الشبه بهذا الدين عقيدةً وشريعةً ونظمًا وأحكامًا.

كما تبرز أهمية هذا البحث في إبراز قيمة التشريع الإسلامي وتميزه عن غيره من القوانين الوضعية سواء في جانبه العقدي والإيماني الذي ينظم علاقة الإنسان بخالقه من خلال معرفته للكون والوجود والحياة أو التي راعى فيها جانب المصالح والمنافع ومقاصد الشريعة أو التي تنظم حياة الناس وتراعي مصالحهم وتحميها، كما أن هذا التشريع الإسلامي قد تميز عن غيره من التشريعات والقوانين البشرية الوضعية لأنه جاء من عند الله سبحانه وتعالى وهو أعلم بشؤون الخلق وما ينفعهم في دنياهم وأخراهم.

وقد خلف الاستعمار الأجنبي في الأمة الإسلامية آثارًا خطيرة في مختلف نواحي الحياة، وفي تشويه صورة الإسلام لدى أبنائه والتشكيك في تعاليمه وأحكامه والانتقاص منها. كما كان للدور القوي الذي لعبته بعض الهيئات والمنظمات الدولية بما فيها منظمات حقوق الإنسان، أثر في إضعاف الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مجال الحدود بدعوى أنها متعارضة مع مبادئ حقوق الإنسان العالمية.

ومما جاء في مقدمة الباحث للرسالة:

إننا لا ننكر أن الأمة الإسلامية في هذا العصر قد بدأت تتطلع إلى العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية نتيجة ما عانته من ويلات الظلم والقهر والاستعباد في ظل القوانين الوضعية، وما نراه اليوم من ردود فعل إيجابية تمثلت في عقد العديد من المؤتمرات الإسلامية حول تطبيق الشريعة الإسلامية وإنشاء العديد من اللجان كل ذلك محاولات للتطبيق ولا يمكن اعتبار ذلك شاملًا ولا كافيًا.

هذه المحاولات قد أحدثت ردود أفعال سلبية تمثلت في فئات معارضة لهذا الاتجاه ووقفت بكل إصرار وتبجح في وضع العراقيل والعقبات أمام تطبيق الشريعة الإسلامية وأخذت تثير الكثير من الشبهات والتلبيس حولها.

كما إن مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية من المفاهيم الإسلامية الأكثر تداولًا منذ قرابة قرن من الزمن، وأصبح قضية من القضايا الهامة التي تشغل العديد من المفكرين الإسلاميين.

فلابد من تناول هذا المفهوم وتحرير مصطلحه حتى يتجلى لكل ذي عقل وبصيرة. وقد حاولت قدر الإمكان الإلمام بجوانب البحث مقتصرًا على مفهومه وبعض آثاره في حياة المسلمين دون الخوض في الجزئيات.

 

وقد خلص الباحث في دراسته تلك إلى النتائج الآتية:

أولًا: إن مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية هو: "أن يكون الإسلام ممثلًا في شريعته هو الموجه للمجتمع المسلم في كل الميادين وكل المجالات المادية والمعنوية وأن تكون جميع نظم المجتمع وقوانينه إسلامية مع الاستفادة بما لدى الغير من أنظمة أخرى بشرط عدم تعارضها مع نصوص الكتاب والسنة.

ثانيًا: كان علم الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي في السابق علمًا واحدًا ولا يوجد فرقًا بينهما فلما تشعب هذا العلم وتعددت فروعه أصبح علم الشريعة علمًا شاملًا يضم علم الفقه وغيره من فروع علم الشريعة.

ثالثًا: إن لهذا المفهوم تجليات في جوانب الحياة المختلفة الفردية منها والجماعية، كما أن للمفهوم جوانب تطبيقية منها الجانب العقدي والخلقي والسياسي والقضائي والمالي والاقتصادي وغيرها، وأنه يستوعب جميع جوانب الحياة الإنسانية المختلفة فهو مفهوم شمولي تكاملي.

رابعًا: أن المصطلح المرادف لهذا المفهوم والظاهر في الكتاب والسنة هو "الحكم بما أنزل الله".

خامسًا: إن هذا المفهوم ليس جديدًا بل هو مستقر بحقيقته منذ هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ونزل عليه قوله تعالى: (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله) واستمر هذا المفهوم مستقرًا عند المسلمين إلى أن حكمهم الاحتلال الأجنبي فأزاح الشريعة عن الحكم في بلادهم.

سادسًا: إن أول انحراف حصل في هذا المفهوم كان في الجانب السياسي أما في مجال التشريع والقضاء فكان بعد غزو التتار للعالم الإسلامي ولكن ذلك لم يستمر طويلًا، كما أن دخول القوانين الوضعية للبلاد الإسلامية كان في عهد الدولة العثمانية بسبب فرض الدول الكبرى امتيازات عليها لتفرض هذه القوانين ومن نتائج الاستعمار الأجنبي في البلاد الإسلامية فرضه هذه القوانين وإبعاده الشريعة الإسلامية عنها.

سابعًا: إن الدعوة إلى هذا المفهوم بدأت عندما أخذت القوانين الوضعية تغزو البلاد الإسلامية وبعد الناس عن تحكيم الشريعة الإسلامية وكانت ضعيفة في بداية الأمر، ثم أخذت تظهر بشكل واضح بسبب الوعي لدى الكثير من أبناء المسلمين ونتيجة لعدم قدرة القوانين الوضعية على تلبية حاجات المجتمع.

ثامنًا: إن جهود الدعوة إلى هذا المفهوم تنوعت على مستوى العلماء وقادة الفكر، وعلى مستوى الدول وعقد لذلك العديد من المؤتمرات الدولية لدراسة الشريعة الإسلامية وتميزها عن غيرها من الأنظمة والقوانين الوضعية.

تاسعًا: إن لمفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية آثار إيجابية متنوعة في حياة المسلمين منها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقضائية وغيرها.

عاشرًا: إن التحول الذي طرأ على هذا المفهوم في بداية الأمر كان في بعض جوانبه السياسية إلا أن المسلمين كانوا ملتزمين أشد الالتزام بتمثل أحكام الشريعة وتطبيقها في شؤون حياتهم على المستوى الفردي والجماعي.

الحادي عشر: إن مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية قد تمثله الرسول صلى الله عليه وسلم، في حياته ومن خلال بيانه الأحكام الشرعية التي أنزلت عليه عن طريق الوحي الإلهي وتطبيقها على نفسه وعلى أمته ويجب على المسلمين الالتزام بذلك قولًا وعملًا.

أما تقسيمات البحث، فكانت كالتالي:

يتكون البحث من مقدمة وأربعة مباحث، وخاتمة

المقدمة وتشتمل على :

1 - أهمية الموضوع وأسباب اختياره.

٢ - أهداف الموضوع.

  1. الدراسات السابقة .

٤ - منهج البحث.

المبحث الأول: دلالات مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: نشأة مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية وتطوره .

المبحث الثالث: المصطلحات ذات الصلة.

المبحث الرابع: آثار مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية.

الخاتمة : وتشتمل على أهم النتائج وأبرز التوصيات .

الفهارس وتشتمل على:

فهرس الآيات.

فهرس الأحاديث.

فهرس الآثار .

فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة .

فهرس الأعلام.

فهرس المصادر والمراجع.

فهرس الموضوعات .

لتحميل ملف الرسالة

صدر هذا الكتاب عن بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة عام 2006م، وقدم لهذا الكتاب الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق.

ومن خلال هذه الدراسة استخلص الباحث العديد من النتائج، وهي:

أولاً: يُعد القانون الدولي الإنساني مصطلحًا حديث النشأة بالمقارنة بقواعد وأحكام الشريعة الإسلامية التي كفلت حماية حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة الدولية منذ أكثر من ١٤٠٠ عام.

ثانيًا: يُقصد بضحايا النزاعات المسلحة الدولية الجرحى والمرضى والأسرى والمنكوبين في البحار والمفقودين ممن يشترك في الأعمال العسكرية؛ كما يشمل ما يلحق بالمقاتلين من الأشخاص المدنيين الذين يرتبط عملهم بأفراد القوات المسلحة كالهيئات الدينية والطبية والمراسلين الحربيين؛ علاوة على السكان المدنيين من النساء والأطفال وكبار السن والعمال وكافة الفئات التي لا تشترك في الأعمال العدائية، كما تقضي حماية المدنيين حماية الأعيان المدنية الضرورية لحياتهم أو المتعلقة بتراثهم الثقافي والروحي ... الخ.

ثالثًا: إذا كان القانون الدولي الإنساني ينظر إلى ضحايا النزاعات المسلحة نظرة إنسانية تنطوي على حمايتهم ورعاية حقوقهم وحرياتهم؛ لأنهم أصبحوا في وضع لا يُشكل خطورة على الخصم، والنيل من حقوقهم وحرياتهم يتجاوز الضرورة العسكرية، فإن الشريعة الإسلامية تنظر إلى هؤلاء نفس النظرة وتعطيهم نفس الحماية، وبالتالي لا يوجد اختلاف بين الشريعة والقانون في هذا الصدد.

رابعًا: تكفل نصوص الشريعة الإسلامية (في القرآن والسُنة) واجتهادات جمهور فقهاء المسلمين الحماية لضحايا النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء، وقد لاقى ضحايا النزاعات المسلحة الحماية والرعاية منذ فجر الإسلام، وقد أولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون لضحايا الحروب الحماية والرعاية بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو عرقهم .... الخ، وإذا حدث انحراف عن قواعد وأحكام الشريعة الإسلامية -في هذا الشأن- في العصور اللاحقة فلا يؤخذ ذلك على الإسلام، وإنما يؤخذ على المخاطبين بأحكامه حكامًا ومحكومين الذين ينتهكون حقوق وحريات ضحايا النزاعات المسلحة التي يقررها لهم الإسلام وبشكل يفوق ما يقرره القانون الدولي الإنساني في العصر الحديث.

خامسًا: تلقى قواعد القانون الدولي الإنساني في الشريعة الإسلامية حماية أكثر وضمانات أقوى لتنفيذ المسلمين لها باعتبارها شريعة إلهية شرعها المولى سبحانه وتعالى، ومن ينتهكها يوقع عليه جزاءان: الأول في الدنيا على يد أولي الأمر (رئيس الدولة - قائد الجيش - .... الخ)، والثاني في الآخرة (يوم القيامة)، وهذا يدفع المقاتل المُسلِم والمواطن المُسلِم والقائد المُسلِم إلى التمسك بتعاليم الإسلام في هذا الشأن؛ لأنه إن استطاع أن يتهرب من العقوبة الدنيوية فكيف له التهرب من عقوبة الله يوم الدين.

سادسًا: تكاد الحقوق والضمانات التي يتمتع بها ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية هي نفسها تلك التي يتمتع بها ضحايا النزاعات المسلحة الدولية. وقد خطى المجتمع الدولي خطوة إلى الأمام بإقرار الملحق الثاني لعام ۱۹۷۷م الملحق باتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩م، وعلى الأخص فإن كافة أرجاء المعمورة تعيش الآن تحت أنات وصرخات ضحايا النزاعات المسلحة في أفغانستان والصومال ويوغوسلافيا ... الخ، مما يقتضي أن يكون لضحايا الحروب القواعد التي يلتزم بها الأطراف أثناء النزاعات المسلحة الداخلية.

سابعًا: وإذا كان المجتمع الدولي قد خطى خطوات إلى الأمام بتشكيل محاكم جنائية لمحاكمة مجرمي الحرب كما حدث في محاكمات نورمبرج وطوكيو، وكما هو حادث الآن بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة، فإن تنفيذ وتطبيق القانون الدولي الإنساني على النحو الصحيح يقتضي تشكيل محكمة جنائية دولية دائمة يتوافر لديها صلاحيات توجيه الاتهام والتحقيق والمحاكمة.

 

تقسيمات الدراسة:

مقدمة بقلم الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر

تمهيد

الباب الأول: حماية ضحايا النزاعات المسحلة الدولية

  • الفصل الأول: حماية الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية
  • الفصل الثاني: حماية الأسرى في الشريعة الإسلامية
  • الفصل الثالث: حماية المفقودين والموتى في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية
  • الفصل الرابع: حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية

الباب الثاني: حماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية

  • الفصل الأول: ماهية القانون الدولي الإنساني المُطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية ونطاق تطبيقه
  • الفصل الثاني: مضمون الحماية الإنسانية لضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية

 

رابط تحميل الكتاب

 

قُدمت هذه الدراسة إلى كلية الدراسات القانونية العليا- جامعة عَمَّان العربية بالأردن، للحصول على درجة الماجستير، عام 2005م/ 2006م، تحت إشراف كل من الأستاذ الدكتور عمران محافظة "قانون دولي عام"، والأستاذ الدكتور أحمد المومني "فقه وتشريع"، ونُشرت على موقع "المنظومة".

وكما هو واضح من العنوان فإن هذه الدراسة تناولت المبادئ العامة الدولية الإنسانية في النزاعات المسلحة كدراسة مقارنة مع الشريعة الإسلامية، وجاءت في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة وتوصيات، وكان التركيز فيها منصبًا على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م وبروتوكولها الإضافي الأول لعام 1977م.

جاء الفصل الأول بعنوان "المبادئ الأساسية المنظمة للعلاقات الدولية الإنسانية في النزاعات المسلحة بين الشريعة والقانون"، وتناول فيه الباحث بيان وشرح مصطلحي الضرورة العسكرية ومبدأ الإنسانية ومبدأ التناسب والتوفيق بينهما، ومبدأ الضرورة تقدر بقدرها، سواء في القانون الدولي الإنساني أم في الشريعة الإسلامية، فتناول المبحث الأول أهم القيود التي ترد على الضرورة العسكرية، ومنها مبدأ تقييد حرية مهاجمة الأشخاص، ومبدأ تقييد حرية مهاجمة الأماكن، ومبدأ تقييد نوعية وسائل الهجوم.

وتم تخصيص المبحث الثاني من الفصل ذاته لدراسة مبدأ التناسب بين الضرورة العسكرية، ومبدأ الإنسانية سواءً في القانون الدولي الإنساني أم في الشريعة الإسلامية، ومقابلة ذلك كله بمبدأ مارتنز الشهير الذي صاغه "فريدريك دي مارتن" من أجل الحالات التي لم يشملها القانون الدولي الإنساني.

أما الفصل الثاني من الدراسة فقد جاء تحت عنوان "المبادئ العامة المنظمة للعلاقات الدولية الإنسانية في النزاعات المسلحة بين الشريعة والقانون"؛ وتناول الباحث فيه بشيء من التفصيل، وفي مبحثين مستقلين، مجموعة المبادئ العامة المنظمة للعلاقات الدولية الإنسانية زمن النزاعات المسلحة، ومنها المبادئ الخاصة بحماية ضحايا النزاعات المسلحة، والتي من أهمها مبدأي الأمن والحياد ومبدأي الحماية والعدالة، وكما تم من خلالها التطرق إلى مبدأ العالمية ومبدأ عدم التعرض ومبدأ الممارسة العادية للحياة سواءً في الشريعة الإسلامية أم في القانون.

وكذلك تطرق الباحث في هذا الفصل، وفي المبحث الثاني إلى أهم المبادئ المشتركة بين القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وهي مبدأ صيانة الحرمات والحق في السلامة الجسدية، ومبدأي التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، والمساواة في تقديم المساعدات، وتطرق كذلك إلى مبدأ حظر الآلام التي لا مبرر لها كأحد النماذج التطبيقية لمبدأ صيانة الحرمات والحق في السلامة الجسدية.

أما الفصل الثالث والأخير من الدراسة فجاء بعنوان "نماذج تطبيقية للمبادئ الأساسية المنظمة للعلاقات الدولية الإنسانية في النزاعات المسلحة بين الشريعة والقانون"، حيث رأى الباحث أنه لا يكتفي هنا وفي رسالته هذه بالحديث والتنظير عن المبادئ الأساسية المنظمة للعلاقات الدولية الإنسانية في النزاعات المسلحة بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، وإنما لا بد من ذكر نماذج تطبيقيه لتلك المقدمات التي أشرنا إليها حول مبادئ القانون الدولي الإنساني سواء في عصر الإسلام أم في عصرنا الحاضر، فجاء المبحث الأول من هذا الفصل للحديث عن غزوة بدر الكبرى في التاريخ الإسلامي القـديم. وأما المبحث الثاني فقد خصص لدراسة تطبيقـات مـن حـرب أفغـانستان فـي الـوقت الحـاضر، وتم التطرق في هذا المبحث إلى موضوع أسرى سجن "غوانتانامو" من مقاتلي طالبان والقاعدة، وهل يمكن اعتبارهم أسرى حرب؟

وتوجت هذه الدراسة في النهاية بخاتمة وعدة توصيات، وكان أبرز ما خلصت إليه هذه أن الإسلام قبل مئات السنين أرسى من القواعد التأصيلية ما لم نتوصل في عالمنا اليوم إلى إقرار بعضه إلا بعد جهد جهيد ومساع استمرت أجيالاً بأكملها.

 

رابط مباشر لتحميل هذه الدراسة

 

قُدمت هذه الدراسة إلى كلية الشريعة والقانون- جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان، للحصول على درجة الماجستير، عام 2006م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمود مصطفى المكي، ونُشرت على موقع "المنظومة".

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

إن البشرية منذ فجر تاريخها الأول، وهي تشهد الحروب -النزاعات المسلحة- فكانت سببًا لاستباحة كل شيء- ولم يراع في ذلك مبدأ ولا قانون- مما نتج، وينتج عنها ضحايا سواء كانوا أشخاصًا أم ما يتعلق بهم من أعيان وممتلكات.

أولاً: مشكلة البحث

إذا كان أي نزاع مسلح دولي سينتج عنه لا محالة ضحايا، وحتمًا أنه سيكون هناك انتهاك للقيم الأخلاقية، والإنسانية في حقهم، فكان لزامًا ومن الضروري حماية هؤلاء الضحايا فما هي الحماية المقررة لهم في كل من الفقه الإسلامي، والقانون الدولي الإنساني.

ثانيًا: أهمية البحث

تكمن أهمية البحث في:

  • هناك قصور واضح من الدارسين في نشر وتقنين أحكام القتال في الفقه الإسلامي، لا سيما تلك المتعلقة بحماية ضحايا النزاع المسلح الدولي.
  • إنه مجال تزداد أهميته بسبب تزايد الاهتمام بحقوق الإنسان في العقود الماضية عمومًا ولارتباطه بظاهرة النزاعات المسلحة التي تشهد رفضًا وإدانة من جميع رجال الفكر الإنساني في كل الحضارات المعاصرة.

ثالثًا: أهداف البحث

يهدف البحث إلى دراسة الآتي:

  • أن يكون الفقه الإسلامي مصدرًا من المصادر الأساسية للقانون الدولي الإنساني خاصة بعد أن تزايد عدد الدول الإسلامية التي تتمتع بعضوية الجماعة الدولية الحديثة، والذي يسهم في صياغة هذا التطور الحديث، والمعاصر لقانون النزاعات المسلحة.
  • تجلية مبدأ الإنسانية الذي اعتمده الفقه الإسلامي وأرساه من خلال تشريعه لأحكام تحمي ضحايا النزاع المسلح الدولي.

رابعًا: فروض البحث

يفترض الباحث ما يلي:

  • أن الفقه الإسلامي كان سباقًا في النص على قواعد، وأحكام متكاملة تحمي الضحايا في النزاع المسلح الدولي.
  • قاعدة ازدواجية العقاب -دنيويًا وأخرويًا- في الإسلام ساعدت على تطبيق الأحكام الخاصة بحماية الضحايا خلال الحروب التي خاضها المسلمون ضد أعدائهم، عكس القانون الدولي الإنساني إذ يقتصر فيه على الدنيوي فقط– مما عرض ويعرض مبادئه، وأحكامه، وقوانينه لانتهاك وعدم التطبيق.
  • آداب الحرب كانت واقعًا قائمًا التزم به المسلمون في حروبهم، أما الحروب التي قامت، وتقوم في العصر الحديث أغلبها لم تراع فيها الآداب والقواعد التي نص عليها القانون الدولي الإنساني، فهي مجرد قوانين مكتوبة لم تطبق على أرض الواقع.
  • الشريعة الإسلامية ذات بعد إنساني في تشريعها لحماية ضحايا النزاع المسلح الدولي.

خامسًا: حدود البحث

إن الباحث قد ركز في بحثه أساسًا على حماية ضحايا النزاع المسلح الدولي أي النتائج الناجمة عن هذا النزاع، ففي عرضه لمفهوم النزاع المسلح لم يركز على مسألة شرعية الحرب أو عدم شرعيتها لأن المفترض هو أن النزاع واقع، وحاصل وكذلك ركز على الأمور الواقعة والحاصلة الآن أما ما كان في حكم التاريخ فلم يتطرق له، كمسألة الرق مثلاً؛ لأنها كانت سائدة في واقع قد مضى أما الآن فلم يصبح لها وجود لذلك لم يتعرض لها الطالب.

سادسًا: منهج البحث

استعان الباحث بمجموعة من المناهج: المنهج التاريخي، والمنهج الوصفي التحليلي، والمنهج المقارن، وهو ما تتطلبه طبيعة الدراسة.

سابعًا: خطة البحث

جاءت خطة البحث مبنية أساسًا على ما يرمي إليه العنوان فلذلك قسمت البحث إلى ثلاثة فصول:

الفصل الأول مفهوم وأقسام النزاع المسلح في كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي

  • المبحث الأول: مفهوم النزاع المسلح في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
  • المبحث الثاني: أقسام النزاع المسلح في كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي

الفصل الثاني: فقد تناولت فيه تصنيف ضحايا النزاع المسلح الدولي

  • المبحث الأول: تصنيف ضحايا النزاع المسلح الدولي من حيث الأشخاص
  • المبحث الثاني: تصنيف ضحايا النزاع المسلح الدولي من حيث الأعيان والأماكن

الفصل الثالث: الحماية المقررة لضحايا النزاع المسلح الدولي في كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني

  • المبحث الأول: تناولت فيه فئة المقاتلين المشمولين بالحماية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني.
  • المبحث الثاني: الحماية المقررة لغير المقاتلين في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني.
  • المبحث الثالث: الأعيان والأماكن المشمولة بالحماية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني.

الخاتمة.

رابط مباشر لتحميل هذه الدراسة

 

صدر هذا الكتاب في عام 1335/ 1917م، وقدم له الأستاذ خليل مطران، والذي أثنى على هذا الكتاب ثناء كبيرًا، ثم شرح الدواعي إلى تأليف هذا الكتاب من وجهة نظره، فكتب يقول:

طالما جاء في الحوادث اليومية منذ تأسيس المحاكم الأهلية ما دل على أن النصوص القانونية مهما يبالغ في دقة تحريرها وجلاء عبارتها وتقدير ألفاظها على معانيها لا يدع الغموض أن ينتابها ولا اللبس أن يعتورها فكان من يستقصي بحثًا أو يستقري مطلبًا ليتبين الغرض الصحيح من نص الشارع حيث تتنازعه التأويل وتختلف فيه الآراء والأقاويل لا يكاد إلا في ندور أو شذوذ يهتدي إلى أثر من تلك الآثار المزيلة للاشتباه النافية للريب التي اصطلح على تسميتها بالأعمال التحضيرية للقوانين والتي لا يستغنى عنها أهل الذكر في أيما بلد حذا حذو فرنسا في التشريع الوضعي ولا سيما من حيث الحصر بالنص والقصر على صريح المفهوم في مواد العقوبات.

لذلك كانت المحاكم في أطوارها الأولى تتباين في تقرير البادئ راجعًا بعضها إلى القانون الفرنساوى الذي أخذ عنه القانون الأهلي أو إلى آراء المحاكم الفرنساوية وذاهبًا بعضها الآخر في تفسير النصوص كل مذهب يوحيه الاجتهاد، وربما أخذت غير واحدة من تلك المحاكم بآراء الشراح من الفرنسيس أو أحكام القضاة منهم فأخطأت الصواب بعدم التوافق بين طائفة من مواد قانوننا المترجم وبين القواعد العامة الدائرة عليها قوانينهم فكان الاستنتاج ويتلوه الحكم على نقيض روح التشريع المصري إن صح أن يسمى بالتشريع المصري ما وقع في مواضع معدودات من الاختلاف المقصود بين الأصل والنقل.

استمرت العلة كذلك ولا دواء لها ما دامت الأعمال التحضيرية للقوانين المصرية مجهولة أو غير موجودة بالمرة - اللهم إلا شذرات من تلك الأعمال مبعثرة في أوراق مهملة من مباحث أولياء الأمر لذلك الوقت، وهي تلك المباحث التي نجمت عنها أوجه الخلاف التي أشرت إليها آنفًا إلى أن أخذ التشريع الأصيل يحل تباعًا محل التعريب اللصيق.

عندئذ وجدت شيئًا فشيئًا أعمال تحضيرية للقوانين الأهلية خليقة بهذه التسمية: إذ طفق الشارع المصري يسير بالقضاء في طريق الكمال وجعل حيثما صادف نصًا معقدًا أو غير ما تم مع العادات القومية يعدله أو يبدله مواظبًا على ذلك منذ سنة ۱۸۸۳ وخصوصًا في قانوني العقوبات وتحقيق الجنايات حتى إذا حلت سنة ١٩٠٣ فكر في تعديل طائفة من مواد قانون العقوبات دفعة وأرسل منويه (مشروعه) إلى أولياء الشأن كما أرسل إليهم مذكرات تفصيلية بأصل المواد والتعديل المراد إدخاله والسبب الداعي إليه.

عرض هذا المنويّ على مجلس شورى القوانين في أخريات سنة ١٩٠٣ فأحاله إلى اللجنة التي خصها بفحص (مشروعات القوانين) فنظرت فيه وأعادته إلى مجلس الشورى مشفوعًا برأيها فتناقش فيه المجلس ثم أعاده إلى مجلس النظار مصححًا على النحو الذي آثره، وفي ١٤ فبراير سنة ١٩٠٤ صدر الأمر العالي القاضي بأن يستعاض عن قانون العقوبات الأول بقانون العقوبات المعدل.

فالمؤلف على ما يظهر من هذه اللمحة التاريخية الشديدة الاختصار قد اعتمد إذن على مذكرة الحقانية (تعليقات الحقانية) المرسلة إلى مجلس النظار مع التعديل المنوي لمواد قانون العقوبات وعلى تقرير لجنة مجلس شورى القوانين ومحاضر جلساتها معتدًا إياها بحق أعمالاً تحضيرية لقانون العقوبات؛ لأن فيها روح ذلك التشريع المجدد وأسباب التغيير والتبديل مما يسهل معه على الباحث أن يستشف غرض الشارع من كل نص.

كذلك أدخلت تعديلات على طائفة من المواد في المدة التي غبرت بين ١٤ فبراير سنة ١٩٠٤ وبين سنة ١٩١٣ فكانت الحقانية تشفع كل منويّ من التعديل بمذكرة إيضاحية تبين فيها غرضها ورأيها، وكان هذا أيضًا موردًا من أغزر موارد التدوين لتلك الأعمال التحضيرية.

ولما كانت كل المعدات الآنف ذكرها ضرورية للوقوف على روح التشريع عنى المؤلف بكتابة كل مادة من مواد قانون العقوبات ثم أردفها أولاً - بالتعليقات التي أرسلتها الحقانية إلى مجلس النظار قبل سنة ١٩٠٤ حين أزمعت أن تعدل نصوص قانون العقوبات ثانيًا- بالمناقشات التي دارت في مجلس الشورى وما أدخلته لجنة هذا المجلس من التعديلات مع بيان السبب في كل منها، وثالثًا- بمفاوضات مجلس الشورى في المواد التي عدلت بعد تعديل القانون ورابعًا- برأي المستشار القضائي في كل تعديل وفيما دعا إليه ولم يفت المؤلف فيما عدا ذلك إيراد الآراء الصادرة عن اللجنة المراقبة القضائية وما استدركته على بعض المحاكم في طائفة من المبادئ (وذلك ما يسمونه بمنشورات اللجنة) كما لم يفته أيضًا جمع الأحكام المقررة للمبادئ القانونية مما أصدرته محكمة النقض والإبرام والمحاكم الكلية والجزئية بقدر ما وصلت إليه قدرته، وأكبر بها من قدرة.

فبعد ما تقدم من البيان يسوغ لي أن أقول أن هذا الكتاب خير مرشد لمن يريد الوقوف على روح التشريع في قانون العقوبات فقد اقتفى به واضعه طريقة «جارسونودالوز» التي هي أحدث طريقة يتوصل بها إلى الوقوف على مبادئ المحاكم، وأخرجه لقومه كتابًا كافيًا وافيًا غير مسبوق في مصر إلى هذا الأوان، ثم هل من المغالاة والشأن كما وصفت أن أزيد أن ذلك السِفر لا يستغنى عنه طالب الحقوق ولا المحامي ولا النائب ولا القاضي ولا مشتغل بالمسائل الجنائية أيًا كان لما يجده فيه كل ذي حاجة من الوفاء بحاجته والغنا عن التماسها في أشتات المظنات.

فحيا الله المؤلف الفاضل وبارك فيه من عالم عامل لئن جاء كتابه اليوم بين يدى أمته دليلاً جديدًا على البر والوفاء وشاهدًا ناطقًا بصدق الولاء فليكونن له خير ناصر يوم يلتفت الوطن العزيز إلى عماد بنائه، ويحاسب كلاً من كبار أبنائه، فيقول له بنص الآية الشريفة «اقرأ كتابك».

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

يعد هذا المؤلف من المؤلفات المهمة في موضوعه، وهو عبارة عن رسالة الدكتوراة التي نال بها الدكتور شفيق شحاتة الدرجة في القانون في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان الأستاذ المشرف عليه هو فضيلة الشيخ أحمد إبراهيم. ود. شفيق شحاتة مفكر مسيحي قبطي يعد من كبار أساتذة القانون، وتعتبر دراساته غاية في العمق، وكانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الإسلامي، حتى إنه شغل منصب أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة باريس، وكان نابهًا ويعتبر حجة في فهم تلك الشريعة وأصولها وفروعها، وله مؤلفات قيمة، من أهمها كتابه (الاتجاهات التشريعية في قوانين البلاد العربية).

أما عن طريقته في هذا المؤلف فكان يري د. شفيق أن "خطة" تناول النظرية العامة للالتزامات لم تكن مما ترتضيه دائمًا القواعد العلمية، فمن جهة، أن من تصدى من العلماء الغربيين لمعالجة مثل هذه المسائل، لم يصلوا أبدًا إلى تفهم روح النصوص. وهم في الغالب، يجهلون أيضًا اللغة التي وردت بها هذه النصوص. أما المستشرقون، فلا نجد بينهم القانوني الفقيه، الذي سرعان ما يلحظ، ما للنص من خطر. ومن جهة أخرى، نرى المؤلفين الشرقيين تنقصهم الروح العلمية، ومؤلف (سافاس باشا) على شهرته، مثل ناطق لهذا النقص. وكذلك الأمر في الرسائل والمؤلفات، التي حاول فيها مؤلفوها، التقريب بين الفقه الإسلامي، وآخر ما وصلت اليه اتجاهات المحاكم في عصورنا هذه، فما كان من تأثير حماسهم الصبياني إلا مسخ الشريعة الإسلامية.

لذلك ذهب د. شفيق شحاته إلى أنه من المتعين وضع -في مواجهة هؤلاء وهؤلاء- الطريقة التي يرى وجوب اتباعها، وقد سماها "الطريقة الموضوعية التاريخية"؛ لأنها تتناول مواضيع البحث وتقررها كما وردت في النصوص، مراعية في ذلك منتهى الأمانة، ثم هي تتبع هذه النصوص على مدى الأجيال، لتتلمس تطورها التاريخي. فهي قائمة على فكرة أساسية، ألا وهي، أن التشريع كائن حي، وليد الهيئة الاجتماعية، ينمو بها ولها، ويتطور معها، ويحمد عند جمودها، وهذه الطريقة تعمد لذلك، إلى المسائل. فقد رأي د. شفيق أن التشريع الإسلامي لم يهتم إلا بالمسائل، فإذا أردنا تفهمه على حقيقته، وجب أن تقصى المسائل، ونستوعب ما ورد عليها من الحلول. فتكون هي الحجارة التي بها يتم بناء هيكل النظريات، بصرف النظر عما حشر في الكتب حشرًا، لتفسير هذه الحلول، إذا كانت هذه التفسيرات لا تتفق والواقع، فمن يتصفح كتب الفقه، يتبين أن التفسير الذي يرد على الحلول، لا يكون صادرًا دائمًا عن مبادئ عامة، متمشية في جميع أجزاء الجسم الواحد، بل هو يرمى إلى تبرير الحل، الذي ورد بشأنه فقط، تبريرًا يستند سواء إلى فكرة مقبولة عقلًا، أم إلى أن حلولًا مشابهة قد جاءت في مناسبات أخرى.

ومما جاء في مقدمة المؤلف:

"إن صرح القانون مشيد على فكرة الالتزام. وقد ارتدت هذه الفكرة في القانون الخاص، رداءً خاصًا، حيث ظهرت في صورة الحق الشخصي، المقابل للحق العيني. ثم هي فيه، تخضع لقواعد عامة، تحكم مختلف المسائل التي تعرض للالتزام. وقد استخلص هذه القواعد فقها. الرومان، ونقلت عنهم في القوانين المستمدة من التشريع الروماني. وجمعت هذه القواعد، النظرية المعروفة بالنظرية العامة للالتزامات، وهي نظرية أجمعت الآراء، على أنها من خير ما أنتجت قريحة الرومان القانونية.

أما في الشريعة الإسلامية، فقد وجه الفقها، جهودهم نحو الحلول الفرعية، ولم يحاولوا وضع قواعد عامة، تحكم الالتزام في مصادره، وفي آثاره، وفي طرق انقضائه على أن بالشريعة الإسلامية كنوزًا من الأفكار والآراء والتصورات القانونية، فاذا نحن أردنا الانتفاع بها، يتحتم علينا أولًا الوصول إلى القواعد العامة التي تحكمها جميعًا، اذ لا يقوم العلم إلا على أساس من القواعد العامة.

ثم إن الفقه الاسلامي، قام وترعرع في مدى أجيال عديدة، وساد في مختلف الأقطار التي جمعتها المدنية العربية، تلك المدنية التي تركت آثارًا خالدة في جميع مناحي العلوم والفنون. فليس من الغريب إذًا أن يكون أثرها كذلك في ناحية التفكير القانوني. وفي الواقع قد ظهر هذا التفكير في صورة من أبهى صوره، ولا تزال آثار هذا التفكير من أنفس ما يدخر الشرق من التراث العلمي.

فمن العقوق إذًا أن يهمل هذا التراث، ومن العناية به أن يحمد إلى التأليف بين فروعه. ففي جميع الأمم وفي مختلف العلوم عمد العلماء إلى التركيب بعد التحليل. وقد قام الفقهاء بقسطهم الوافر من التحليل، فيتعين إذًا البدء من حيث انتهوا، وبهذا العمل نكون قد وصلنا ما كان قد انقطع. فعسى أن يكون الاهتمام بالآثار القانونية لفقهاء المسلمين على هذا الوجه. فاتحة عصر إحياء لتشريع، لا يمكن أن يكون غيره، ملائمًا مثله، في بلاد كانت مهدًا لله ومرتعًا".

أما تقسم الكتاب؛ فكان كالتالي:

مقدمة عامة

  • طريقة البحث
  • عرض عام لنظرية الالتزام في الشريعة
  1. القسم الأول الالتزام في ذاته
  • الكتاب الأول: طرفا الالتزام
    • الباب الأول في تعدد الملتزم لهم
      • الفصل الأول: في الالتزام لمتعدد بغير متضامن
      • الفصل الثاني: في الالتزام لمتعدد بغير متضامن
    • الباب الثاني في تعدد الملتزمين
      • الفصل الأول في تعدد الملتزمين بغير تضامن
      • الفصل الثاني في التضامن بين الملتزمين
  1. القسم الثاني مصادر الالتزام
  2. القسم الثالث الفكرة الإسلامية للالتزام

رابط تحميل الكتاب

مقدمة

إن أول ما ينبغي أن يبدأ به أي حديث عن شئوننا العامة، الحاضرة والمستقبلة، هو أننا نحيا في مرحلة من مراحل غزو واحتلال استعماري بمثل ما عرفناه في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فلسطين محتلة والعراق احتل والسودان يراد له أن يتفكك، والخليج كله محتل بالقواعد العسكرية الأمريكية، والإرادة الوطنية لغير هذه البلاد إما مسيطر عليها أو مضغوط عليها بما يشل فاعليتها أو مهددة بذلك ومضيق عليها ومحاصرة، بالتهديد العسكري المباشر أو بالضغوط الاقتصادية الفعالة، أو بتغلغل الصالح الأجنبي في الإرادة السياسية المحلية ذاتها، والأخطار هنا تتعلق بالأمن العربي القومي بعامة وبالأمن المحلي القُطْري لكل من بلادنا، وبأمن الجماعة والشعب في حياته ومصادر عيشه، وهي أخطار ليست مظنونة، ولكنها مؤكدة، وليست وشيكة ولكنها حالة ومتحققة.

وثاني ما ينبغي أن نبدأ به أي حديث أيضًا، أن من خصائص هذه الحالة الحاضرة، ما نلحظه من عجز الحكومات والنظم السياسية عن مواجهة هذه المخاطر، وهو عجز يتراوح بين العجز الكلي بالنسبة إلى بعضها وبين العجز الجزئي، كما أنه يتراوح بين عدم القدرة المادية على المواجهة وبين وهن الإرادة السياسية أو انسياقها في سياق التبعية. وعلى كل حال، وأيًّا كانت أسباب العجز والوهن، وأيًّا كانت درجات المراوحة، فلم تَعُد النظم السياسية قادرة على مواجهة الأخطار الحالية والمحدقة بالأمة كلها، وإن تجارب التاريخ تعلن أنه عندما لا تستطيع النظم الحاكمة أن تقوم بواجبها الرئيس في حراسة أمن الجماعة، فيلزم أن تتولى الحركات الشعبية هذا الواجب، وهو يتعلق بحفظ أمنها هي ووجودها، ويلزم أن تتعدل صياغة النظم بما يمكن من الإفساح لهذه الحركات وبمنح النظم مددًا يأتيها من جماعاتها السياسية.

 

-1-

المطلوب إذن هو دمج الهدف الوطني بالهدف الديمقراطي، وإن تاريخنا الحديث كله يكشف عن أن هذين الهدفين كانا دائمًا مندمجين؛ لأن تحقق الإرادة الشعبية هو ما يكفل تحقق السيادة الوطنية، وهما سبيكة واحدة، وأن نظم الحكم لا تقوم جدارتها في الوجود الشرعي إلا بقدر قدرتها على حفظ الأمن القومي لبلدها، فإن هي عجزت عن ذلك آذنت بزوال، وأن حركات التحرير في كل بلادنا المحتلة قامت على اتساع الجماعات الشعبية لتحل محل حكوماتها التي عجزت عن القيام بهذه المهمة، وأنا لا أقصد معنى البلاد المحتلة تلك التي غزيت بقوات عسكرية أجنبية، إنما أقصد هذه البلاد فضلاً عما يوجد بها من قواعد عسكرية أجنبية، وفضلاً عمن أمكن احتلال إرادتها السياسية الرسمية وصرفها عن مراعاة صالح شعبها، وعندما رفع المصريون في نهايات القرن التاسع عشر شعار "مصر للمصريين" إنما كانوا يدمجون بهذا الشعار هدفيهما الوطني والديمقراطي، ولا ديمقراطية إلا أن تكون خادمة للهدف الوطني.

وإن نظم الحكم تختلف عندنا من بلد إلى بلد بحيث يصعب تحديد تفاصيل دستورية معينة تكون صالحة للتطبيق في كل منها، إنما يمكن الإشارة إلى عدد من المبادئ والأسس التي لا بد أن تُلتزم بصرف النظر عن أساليب تطبيقها في كل حالة.

وأول أسس الإصلاح السياسي بالنسبة للدولة أن تقوم هيئاتها على أسس من الصفة التمثيلية لمن يشغلها، فكل من يمارس سلطة عامة إنما يستمد شرعية ممارسته لها من تفويض له واختيار له من الجماعة السياسية، وحق الجماعة لا يرتد إلى أحد من الخلق أبدًا، وهو في الفقه الإسلامي مردود إلى حق الله تبارك وتعالى؛ لأن حق الجماعة هو حق الله سبحانه، وفي الفقه الوضعي هو مردود إلى مبدأ سيادة الأمة بحسبانها مصدر السلطات، والجماعة لا تتجلى في هيئة واحدة، إنما تتجلى في إرادتها العامة من خلال الهيئات المتعددة التي يوازن كل منها الآخر ويقيده ويكمله.

وما من ذي سلطة في الشأن العام ويكون أصيلاً عن نفسه في ممارستها، وحتى ملوك أوربا المستبدون في القرون الوسطى كانوا يستندون إلى فكرة "التفويض الإلهي"، والوضعيون المحدثون يتكلمون عن النيابة عن الشعب حتى إن كانوا نازيين أو فاشيين، والفقه الإسلامي يصدر عن البيعة من الأمة والنيابة عنها في إطار الشريعة الإسلامية وبشرط حراسة الدين والدنيا.

وإن مبدأ التمثيل بأي من هذه الأصول الفلسفية التي ينحدر منها لا بد أن يكون ذا تحقق فعلي وواقعي، من انتخاب نزيه أو نيابة صحيحة أو بيعة تطوعية أو اختيار حر، وهو يفقد شرعيته إذا كان مزيفًا أو كان صادرًا عن إكراه، وقديمًا قيل: "ليس لمكره بيعة" قياسًا على "ليس لمكره طلاق"، كما أن هذا المبدأ يفقد شرعيته إن تجاوزت الممارسة شروط الولاية أو النيابة؛ لأنه ما من نيابة إلا وهي محدودة لا تقبل التجاوز، ومقيدة لا تقبل الإطلاق، ومشروطة لا تقبل الانفلات من شرطها.

وإذا لم تتحقق إرادة التمثيل أو النيابة ينكسر وعاء الشرعية في ممارسة السلطة العامة، وتغدو الممارسة عدوانًا بحتًا من فرد أو أفراد أو جماعة محددة بعينها.

 

-2-

ويتفرع على ذلك وجوب أن تمارَس السلطة لا من هيئة واحدة حتى لا تحتكرها أي هيئة بمفردها، فانفراد جهاز واحد بالممارسة خليق بأن يهيمن عليها، إنما يكون من الضروري أن يختص كل جهاز أو هيئة بجانب من جوانب الممارسة لا يتجاوزه، ولا يتم صدور القرار وممارسة السلطة إلا عبر هيئات ومؤسسات يشارك بعضها ويراقب بعضها ويكمل بعضها بعضًا، ومن هنا يظهر قدر التوازن المطلوب، وألا تملك هيئة على هيئة أخرى مكنة السيطرة عليها في وجودها أو في استمرارها فيما تتخذه من قرارات؛ لأن الاستقلالية النسبية هي ما بها يتحقق التوازن المطلوب.

ويتفرع على ذلك أيضًا مبدأ جماعية القرار، فلا يصدر أي قرار من فرد واحد، أو أفراد محدودين إنما يصدر من جماعة يتوازن أفرادها بعضهم عن بعض بغير هيمنة فردية لأحدهم أو لبعضهم على الآخرين، وذلك حذر الهيمنة الفردية من داخل أية مؤسسة تشارك في العمل العام، وجماعية القرار تتشكل وفقًا لأنماط متعددة، منها نظام التصويت في المجالس، ومنها اتخاذ ما يسمى القرارات المركبة؛ إذ تتوافق إرادات عديدة من جهات عديدة على إصدار القرار الواحد.

ويتفرع على ذلك أيضًا مبدأ تأقيت تولي الوظائف والمناصب العامة، وتداول هذه الوظائف من أفراد ومجموعات متعددة ومتوالية.. والتأقيت والتداول عنصران أساسيان لكي يستقل أو يتميز العمل العام عن القائم به، ولكي لا يتشخصن العمل العام ويفقد موضوعيته وعموميته.

 

-3-

كل ذلك مقرر فكرًا ومتفق عليه حتى ممن يخالفونه في التطبيق، وحتى ممن يضعون العراقيل في وجه تطبيقه، ونحن لم نَعُد نطالب بالديمقراطية في مواجهة من يعارضونها ويجهرون بذلك، أو حتى يسرون به؛ لأنه لم يَعُد أحد من مخالفيها وخصومها إلا ويؤكد أنه نصير لها ومنفذ لمبادئها، فصرنا إزاء ذلك نطالب "بالديمقراطية الحقيقية" في مواجهة من يخالفونها بالفعل، لا بالفكر ولا بالقول، وهذا يكشف عن أن المشكل هنا لم يَعُد مشكلاً فكريًّا، إنما صار مشكلاً فعليًّا وواقعيًّا، ولم يَعُد أحد يطالب بالانتخابات ولا بالبيعة ولا بالاختيار، إنما يطالب في كل ذلك أن يكون "نزيهًا" و"تطوعيًّا" و"حرًّا" و"صحيحًا".

والحال أن الحديث عن الإصلاح السياسي والدستوري إن جرى في المبادئ مثل ما سبقت الإشارة، يكون حديثًا معادًا ومكررًا بما قد يثير السأم، ولكن استحسان ذكره يرد بسبب أن الواقع يخالفه، ويخشى أنه إذا استمر الحال على ما هو عليه أن يعتاد الناس على هذا الواقع، فتفقد المبادئ صلتها بالواقع في عادات الناس وسلوكهم، إما بأن يستقر في اعتبارهم الفكري أن المبادئ خيال غير قابل للتحقيق والتطبيق، وإما أن تلتوي معاني الألفاظ والعبارات لتفيد عكس مؤداها، أو لتصير كما يقال أحيانًا من "ألفاظ الأضداد" والتي تعني الأمر وضده! لذلك يتعين علينا أن نبقى مجاهرين بالحق مع أنفسنا لنحفظ للمبادئ معانيها الحقيقية ولنعي أنها قابلة للتحقق، وأن ما يجري في الواقع باسمها يتعارض معها، وأن الأمر يستدعي حركة شعبية نخرج بها من النفق المظلم.

والمسألة هنا تتعلق بالواقع، وبموقفنا منه وبسعينا لإصلاحه لا بنظر جديد ولكن بفعل جديد، والمشكل في جوهره مشكل حركي يتعلق بالوسائل والمكنات التي تتيح توفير القدرة على أن ما هو عقلي يصير واقعيًّا.

 

-4-

ما دام الأمر في ظني يتعلق بالواقع السياسي الشعبي فينبغي النظر إلى المسألة من هذه الزاوية، وفي ظني أن الأمر يحتاج إلى سعي عملي ملموس لتحقيق أوسع مجال للتآزر الشعبي في كل بلادنا، تآزر يشمل الجماعات السياسية والتيارات الفكرية وهيئاتهم المتعددة والمتنوعة، ما داموا يتشاركون أو يتقاربون في نظرهم إلى المخاطر المعيشة، ويكون معيار تآزرهم هو مواجهة هذه المخاطر، وتكون الأولوية في أي عمل هو مواجهة هذه المخاطر، ويكون معيار التجاذب والتباعد هو مدى الموافقة أو المخالفة حول هذه المواجهات، أي مواجهة الأخطار الخارجية الحالة أو المحدقة، ومسائل الأمن القومي الإقليمي والقطري لبلادنا ومسألة توفير الحاجيات الشعبية الأساسية باعتبار ذلك من قضايا الأمن القومي أيضًا، وبملاحظة أن أخطار الخارج المطلوب مواجهتها لا تقتصر على مسائل الغزو والاحتلال، إنما تشمل ضغوط الخارج الاقتصادية والسياسية التي تهدد الإرادة الوطنية لبلادنا، وكذلك ما تغلغلت به المصالح الأجنبية في النسيج السياسي الاجتماعي المحلي، بما يعوق تبلور المصلحة الوطنية في إرادة سياسية واضحة وبما يعوق من فاعلية العمل الوطني.

والسؤال الذي ينطرح علينا هو كيف نقيم التوازن في أمتنا؟ وكيف نصوغ التيار السياسي الأساسي؟ والتوازن المطلوب ليس هو توازن الجمود، إنما المقصود به توازن الثبات، أي التوازن الذي يكفل ثبات الحركة نحو ما تتراضى عليه الجماعة من أهداف. والمقصود من التيار السياسي ليس تنظيمًا سياسيًّا واحدًا ولا تيارًا فكريًّا واحدًا، ولكنه الإطار الجامع لقوى الجماعة السياسية والإطار الحاضن لهذه القوى، يجمعها ويحفظها على تعددها وتنوعها، وهو ما يعبر عن القاسم المشترك لجماعات الأمة وطوائفها ومكوناتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، وهذا التيار السياسي الأساسي لا ينفي إمكانات الخلاف بين مكوناته؛ لذلك يتعين أن تكون صيغته مرنة وحركية تضبط الخلاف وتتعدل وفقًا لحصيلته، والحاكم في ذلك هو الصالح العام للجماعة والمحدد هو تحقيق موجبات الأمن القومي وتوفير الاحتياجات الأساسية الشعبية وتحقيق القدر المناسب من التوازن بين مكونات هذا التيار.

 

-5-

إن المرحلة التاريخية الراهنة التي نحياها قد قاربت بين ما يعتبر أهدافًا رئيسية لدى كل من التيارات السياسية ذات الوجود المعتبر في بلادنا. وإن المخاطر المحدقة بعقائدها هي ذاتها المخاطر المحدقة بأوطاننا، وهي ذاتها المخاطر المحدقة بنظم الحكم والحريات عندنا، وهي ذاتها المخاطر المحدقة بتوفير الحاجات المعيشية الأساسية. وإن مصادر الخطر واحدة فلم تَعُد تقوم فرقة ذات أهمية في ترتيب أولويات العمل السياسي، وصار السعي المشترك يجيء تلبية لنداء الحق والوطن معًا، ويجيء استجابة لاحتياجات العقيدة والمنفعة أيضًا، وما من أمر في تاريخنا الحديث المعيش كان مجمعًا لقوانا الوطنية بمثل ما جمعها وحدة الفعل العدواني الخارجي، فهو الاحتلال، وهو سبب ذهاب الإرادة الوطنية، وهو مصدر الاستبداد، وهو سبب الإفقار.

ونحن إذا تابعنا حركاتنا السياسية في نصف القرن الأخير نلحظ أن ثمة أربعة مجالات للعمل والنشاط الشعبي تتعلق بالشأن العقيدي والثقافي، والشأن الوطني السياسي، والشأن الديمقراطي النظامي، وشأن التنمية والعدالة الاجتماعية، هذه الشئون اضطربت العلاقات بين بعضها البعض، وتوزعت الجهود وتباينت الأولويات، وبلغت في بعض الأوقات حد التضارب، وكان هذا مما فت في العضد وأوهن من العزيمة، وأضعف الحصيلة، والأخطر من ذلك كله أن الخلافات أهدرت إمكانية التراكم التاريخي لمكتسباتنا ولو كان تراكمًا بطيئا، وعانينا من النهايات المبتسرة للكثير والعزيز من وجوه نشاطنا وجهادنا في عقود القرن العشرين، وانتكست نهضاتنا وانفكت حشودنا.

أذكر ذلك لأوضح الأهمية الحيوية والتاريخية لكي نهتم بمراعاة الشأن العام المشترك لقوانا السياسية وتياراتنا الفكرية، بما يمكن تسميته ببلورة أسس وأطر التيار السياسي الأساسي، فهو ليس نافعًا فقط في المرحلة الجزئية المعيشة الآن، لكنه صار شرطًا مسبقًا لتراكم جهودنا وحفظ مكتسباتنا الماضية وأن نصير ذوي منعة؛ لأن الوطن ليس فقط حدودًا جغرافية وليس فقط جماعة سياسية متبلورة، لكنه أيضا إطار فكري يستخلص من تبين وجوه الصالح العام بعيد المدى للجماعة السياسية والمقومات الرئيسية لتكوينها الثقافي والسياسي والاجتماعي. دون نفي لوجوه التعدد والتباين وإمكانات الخلاف بشأنها.

 

-6-

وفي هذا الصدد لا يكفي أن تجتمع أحزاب السياسات الوطنية على أهداف سياسية معينة، في إطار تكتيكات العمل السياسي اليومي، وفي إطار برامج السياسات قصيرة المدى؛ لأن وضع المسائل بهذا التأقيت وفي حدود البحث عن العاجل دون الآجل من الأهداف بعيدة المدى، وضع المسائل هكذا من شأنه أن تنمو به نُذُر الفرقة الآجلة؛ لاختلاف كل حزب في نظره لضوابط العاجل والآجل من الأهداف، ولأن قضايا المستقبل الأبعد لا بد أنها ستنعكس على نظرة كل فريق بالنسبة لرؤية الحاضر ومشاكله؛ ولأن موضوع "القيادة" السياسية سيثير نوازع التنافس بين حلفاء الفترة ذاتها، ومن ثَم تنمو الذاتية العازلة لكل فريق عن أخيه، وتنمو الريبة وسوء الظن وتحل آليات التفكير الفردي محل آليات التفكير الجماعي.

أقول: لا يكفي الاجتماع على برامج الحد الأدنى أو برامج الحاضر الراهن أو المستقبل قصير المدى، إنما يتعين في ظني، لا أقول الاندماج ولا التوحد السياسي فهو غير مطلوب وقد يكون ضارًّا، ولكني أقول بوجوب قيام درجة من التآخي الفكري أو التقبل والاحتمال، بالنسبة لكل تيار فكري إزاء التيارات الأخرى، ووجود قدر من التهيؤ للتعايش الفكري بين أهل كل فريق، وذلك في إطار المشترك الثقافي الوطني والتاريخي، ولا أظن أن اطمئنانًا سياسيًّا يعول عليه في عمل مشترك يمكن أن يقوم مع تدابر وتنافر فكري وإحساس لدى كل جانب بأن الآخر ينفيه، وأن ثمة خصاما لا بد أن ينشأ وينمو في آجل الأيام الحاضرة، وبعد انتهاء ما نسميه "العدو المشترك"، احتلالاً أجنبيًّا كان أو استبدادًا داخليًّا.

ونحن نذكر في مصر أن إمكانات التآزر السياسي، وطنيًا وديمقراطيًا واجتماعيًا، التي كانت قائمة فعلاً وواعدة بالنمو في بداية الثمانينيات، قد ضربت وتكاد تكون صفيت لأكثر من عقد من الزمان، وجاء ضربها لا من الجوانب السياسية، فالكل بقي على أهدافه، ولكن من الجوانب الثقافية، ويبدو ذلك جليًا من نوعية القضايا التي أثيرت، وبإيجاز وإجمال يمكن أن تعتبر السنوات من ۱۹۸۲ - ١٩٨٤ فاصلاً بين فترتين: الفترة السابقة على هذه السنوات كانت القضايا المطروحة هي الصلح مع إسرائيل، والمشروع الاستثماري لبيع هضبة الأهرام، ومسألة دفن النفايات النووية، وقضية فلسطين طبعًا بكل تداخلاتها، والقوانين ومشاريع القوانين الخاصة بتفتيح آفاق الديمقراطية أو كبحها وحرية تكوين الأحزاب، وعروبة مصر أو فرعونيتها، وكانت كل هذه القضايا تجمع التيارات السياسية بما انعكس أثره في المؤتمرات السياسية والانتخابات العامة والتشكيلات النقابية.

أما الفترة اللاحقة لهذه السنوات، أي ما بعد ١٩٨٤، فقد تصدر الساحة الفكرية، قضايا مثل قصة سلمان رشدي، وقصة أولاد حارتنا، وأعمال تسليمة نسرين، ومدى حرية "الإبداع" الفكري وإن اقتحم حرمات الدين، وشركات توظيف الأموال، ومشروعات تعديل قانون الأحوال الشخصية .. وقد أدير الجدل في وسائل الإعلام الخارجية والمحلية بما ينمو به الخصام في هذه الأمور، وبما يتسلط به الضوء على هذه القضايا دون غيرها، وهكذا ضربت حركة التقارب السياسي من المقاتل الثقافية، وحل التنافر محل التجاذب، وحلت الريبة محل الثقة.

وفي هذه الأيام الحالية من مفتتح سنوات القرن الحادي والعشرين، صار الشأن السياسي هو ما عليه المعول وصارت المخاطر المحدقة بالوطنيين تشد ذوي التيارات المختلفة، وهذا ما يثير التفاؤل، ولكن يتعين أن نعي درس الثمانينيات جيدًا ونحذر ألا يتكرر، ومن هنا يحسن لا أن نكون على حذر فقط من دسائس الوقيعة الفكرية، ولكن أن تعمل بجد وإيجابية لكي نزيل مثيرات النزاع الفكري، وذلك بالنقاش الهادئ وبروح التجميع والتركيز على وجوه التقارب، وتحديد جوانب الخلاف وفهمه ومحاصرته.

 

-7-

وفي ظني إن أهم ما يثور بشأنه الجدل الثقافي بين التيارات الوطنية في بلادنا هو ما يتعلق بالمرجعية الإسلامية والمرجعية الوضعية، وهو جدل يثور أساسًا بين الإسلاميين والقوميين، وهذا الجدل خطا خطوات إيجابية في السنوات العشر الأخيرة، لعل اشتعال الانتفاضة الفلسطينية منذ 1987 زكى جوانب التقارب بينهم والتقوا في ساحة الجهاد، ولعل حرب الخليج بين العراق والكويت زكته أيضًا؛ لأن هذه الأزمة فرزت أنصار كل تيار فكري وسياسي وأعادت تصنيف عناصر كل تيار على أساس الموقف من الاستعمار والدفاع عن الحوزة، وتنبه الجميع إلى أن الاستقطاب الفكري يتعين أن يراعي المؤدى السياسي وما تؤول إليه الأمور في مجال الدفاع عن الحوزة ومواجهة مخاطر الخارج، ومن ثَم ظهر في كل تيار تصنيف داخلي، ووجد قوميون يقفون مع إسلاميين وقوميون يقفون ضد قوميين، وإسلاميون يصنعون الأمرين ذاتهما.

ونحن الآن نلحظ أن وجوه التقارب تنمو، وبوجه الخصوص مع انتصار المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان على الإسرائيليين، ومع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، ومع العدوان الأمريكي على أفغانستان ثم على العراق، ومع المقاومة العراقية الباسلة وغير ذلك، ولكننا نلحظ أيضا أن محاولات صرف الأذهان عن حقائق الصراع الدائر لا تكف، ومحاولات إعادة الوقيعة لا تكف أيضًا، ونرى ذلك في نشاط أجهزة إعلامية وثقافية تعقد المؤتمرات حول الحق في التعبير وحرية الإبداع، وتثير الأحداث نشر قصص أو تعليقات على صحابة أو تأويل نصوص دينية أو اعتراضا على تمثيلية، وغير ذلك.

والحقيقة أن جوانب التقارب الثقافي والفكري بين التيارين الإسلامي والقومي كثيرة وفسيحة، ولا أريد أن أستطرد في هذا الأمر المشتهر والمعروف في كثير من كتابات العقد الماضي من مفكرين إسلاميين وقوميين، وأن التاريخ المشترك المستند إليه واحد أو متداخل، والجامعة السياسية الإسلامية والعربية لا يختلفان إلا اختلاف عموم وخصوص، والتراث المشترك واحد، والخلاف لا يتعلق بالقومية بذاتها ولا بالإسلام بذاته، لكنه يتعلق بالنظر العلماني الذي حملته بعض تيارات الفكر القومي وكل ذلك ميسور المعالجة.

 

-8-

ولكن ما دام أن ثمة تركيزًا ملحًّا على موضوع حرية التعبير والثوابت الدينية، بحسبان أن هذا الأمر هو ما يُرى إمكان إثارة التعارض بشأنه بين التيارات الوطنية الإسلامية والوضعية، وهو ما تعقد من أجله المؤتمرات الآن وتجيش نفوس المثقفين في كل حين، وتصطنع بشأنه الأحداث (في مصر لا تكاد تنقضي شهور إلا ويثور ثائر يتعلق بأمر كهذا وجذب الانتباه إليه) ما دام الأمر كذلك فيحسن الحديث في هذا الشأن والاجتهاد لإيجاد بعض الضوابط بشأنه.

إن المشكلة التي تقوم هنا تثار دائمًا بين الحق في التعبير والثوابت الدينية، وهي تكسب حدتها وصعوبة حلها من أن كلاًّ من العبارتين تنحدر لدى المتمسكين بها من مرجعية فكرية مناقضة للأخرى، فالمشكلة لا تقوم بين حق التعبير وثوابت الدين بمعنييهما المتبادر، ولكنها تقوم بين مرجعيتين فكريتين: المرجعية المتحصنة في ثوابت الدين، والمرجعية الوضعية التي تستخدم "حرية التعبير" بوصفها مقدسًا أوجده البشر في تاريخهم الحديث ليحل محل المرجعية الدينية، فالحرية في التعبير هنا إنما تستخدم لا للإفساح السياسي ولا لنقد الحكام، ولكن لإزاحة ثوابت الدين أو المساس بها.

ونحن عندما نتكلم عن ثوابت الدين إنما نصدر عن المرجعية الدينية وأصولها، والمرجعية الدينية تلزم المتدين، واختياره لتدينه يلزمه إراديًّا بحراسة ثوابت ما يتدين به، ولا تقوم لديه مشكلة في احتكامه إلى ثوابت ما يريد أن يحفظه، كما لا تقوم مشكلة لدى من يتحاور معه من المتدينين؛ وذلك لاستقرار توافقهما على الاحتكام إلى ما يتوافقون على حفظه من ثوابت وأصول ومرجعيات.

إنما تقوم المشكلة عندما لا يكون الطرف الآخر في الحوار متدينًا، ويكون صادرًا عن مرجعية وضعية يريد لها السيادة، هنا يدور الجدال، كما دار دائمًا في السنين الأخيرة، على محورين متوازيين لا يلتقيان، ولا يستطيع المتدين أن يلزم غير المتدين بموجبات التدين، ولا يستطيع أن يلزمه بحاكمية لا يقبلها غير المتدينين ولا يقبلون حكمها، ولعل البعض منهم يجتهد في سعيه إلى تنحيتها.

وما دام الوضع الاجتماعي المشترك والعيش المشترك يفرض علينا أن نتحاور ونتجادل ونضم جهودنا إلى بعضها البعض لنواجه ما نواجه من مخاطر، فعلينا أن نسعى إلى استخراج معايير للاحتكام تمكن من المجادلة بالتي هي أحسن، أقول ذلك لأنه يتعين أن نبحث عن الحلول، وأن نستجمع قوانا وأن نتشارك، بقدر ما يسعنا الجهد وما تحتملنا الثوابت التي نركن إليها ارتكان وجود وحياة، وترد هنا ثلاثة ضوابط للمجادلة:

 

-9-

الأول: إن ثمة ما يميز الحق عن الحرية. والحرية هي بتعبيرات الفقه الإسلامي "رخصة" أي هي إتاحة وهي إمكانية، وإن مطالعة بيانات حقوق الإنسان العالمية توضح هذا الأمر؛ لأن الحق هو ما ثبت ووجب وصار معينًا ومحددًا أو قابلاً للتعيين أو التحديد، بينما الحرية هي إتاحة عامة وإباحة عامة، وهي مكفولة للشخص بنص مواثيق حقوق الإنسان، ولكنها في استخدام المرء لها إنما يتعين ألا يخل استخدامها "الحر"، "بحقوق" الآخرين، فحريتي تقف عند أعتاب حق غيري، وحريتي في الحركة والتنقل تقف عند حدود ملك غيري، أرضًا كان أو سكنًا؛ ولذلك كانت حرية التعبير وما يتعين أن يتمتع به الإنسان من حرية التعبير والتفكير والرأي، اعتناقًا وتلقيًا وإذاعة حسبما تنص المادة 18 من بيان حقوق الإنسان (10 ديسمبر 1948) هذه الحرية إنما يضبطها ويحدها ما أوردته الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية الصادرة عن الأمم المتحدة في 1976، عندما نصت في المادة 17 على عدم جواز التدخل التعسفي في خصوصيات أحد أو المساس بشرفه وسمعته، وعندما نصت في المادة 20 على منع أية دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، ومن هنا يظهر الضابط الواجب الالتزام به في ممارسة حرية التعبير وهو ألا يسيء إلى ذوي الأديان والعقائد.

الثاني: إن الحريات أمر مكفول للشخص أو للفرد، وهذان اللفظان هما ما استخدم في كل إعلانات حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، والمقرر المعترف به أنه إذا تعارض حق الفرد مع حق الجماعة، وجب بذل الجهود للتوفيق بينهما، فإن لم يكن التوفيق، وفيما لم يمكن فيه التوفيق، يجب تقديم حق الجماعة، ويصير حق الجماعة أولى بالمراعاة من حقوق الفرد، وهذا المعيار ثابت في الفقه الإسلامي الذي يجعل حق الجماعة من حقوق الله سبحانه، إعلاء لهذا الحق وتعظيمًا (لأن الله مستغن عن الناس وجماعاتهم)، وحتى لا يصادر أحد من الطغاة حق الجماعة فيدَّعي لنفسه القوامة عليها. وفي الفكر الوضعي أخضعت الفقرة 3 من المادة 18 من الاتفاقية الدولية الحقوق المدنية والسياسية (1976) أخضعت حرية الفرد في التعبير عن ديانته ومعتقداته "للقيود المنصوص عليها في القانون والتي تستوجبها السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية"، وكذلك ضبطت المادة 19 من الاتفاقية ذاتها حرية التعبير باحترام حقوق الآخرين وسمعتهم وحماية الأمن الوطني والنظام العام والصحة العامة والأخلاق.

الثالث: حرية التعبير تتعلق بأمر بشري، وأمور البشر نسبية، وهي دائمًا محدودة بقيود تتعلق بحقوق الغير وحرياتهم، والأمور البشرية تحتمل الزيادة والنقصان وترد عليها احتمالات التجزؤ. ونحن إذا راجعنا أي دستور من الدساتير، نلحظ أن الحقوق العامة والرخص يرد عليها الإقرار الدستوري لها مضبوطة بضوابط التنسيق والتنظيم، أما الثوابت الدينية فهي مطلقة سواء في الإسلام أو في المسيحية أو في غيرها، والمطلق لا يحتمل النقص ولا الزيادة، ولا ترد عليه تجزئة ولا تبعيض، وهو لو انجرح لا يبقى منه شيء؛ لذلك نهينا عن أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعضه، ولا يمكن أن يوجد معيار يمكن به استبعاد بعض آيات القرآن واستبقاء الباقي منها؛ ولذلك فإن حقوق البشر وحرياتهم -وهي نسبية- ينبغي أن تقف عند حدود المطلق من ثوابت الدين، والنسبي إذا نقص يستمر الباقي موجودًا بينما المطلق لو نقص لا يبقي منه باق.

وخلاصة المعيار المقترح في هذا الشأن:

  • أن الحريات والرخص تقف عند حدود الحقوق وما يحوطها من حرمات.
  • حق الفرد يقف عند حدود الجماعة، وحق الجماعة المحدودة تقف عند حدود حق الجماعة الأشمل.
  • أن النسبي من الحقوق والحريات والرخص عن شئون البشر يقف عند حدود المطلق من ثوابت الدين.

 

-10-

الأمر الآخر الذي يحسن أن نهتم به هو تنقية الجو الفكري من خصومات الماضي، بقدر ما تستوجب ذلك مطالب الحاضر، ونحن لا يجوز أن نحيا في الماضي، نحن طبعًا نحتوي ماضينا، بل نحن نمثل ماضيًا موصولاً بحاضرنا، ومتطلعًا إلى مستقبلنا، وسنكون هباء منثورًا إن تجردنا من ماضينا، وإن حاضرنا المعاش هو حصيلة الماضي متعاملاً مع أحداث وظروف المرحلة الراهنة، وكتاباتنا عن الماضي هي جزء متمم لحديثنا عما نحن فيه، واستدعاؤنا لأحداث الماضي لازم للاستفادة من تجاربه ودروسه، وكل ذلك يرد في البحوث ودراسات التاريخ.

لكن ما يتعين علينا أن نعيه، أنه عندما نستدعي دروس الماضي لننتفع بخبراتها لا بد أن نتذكر أن الماضي انتهى ولا يمكن تصحيح وقائعه، وثمة فارق كبير بين ما يجب حفظه من وقائع التاريخ وبين ما لا يجوز ولا يصح من إعادة إحياء الماضي وآثار خصوماته وإحياء عداواته وثاراته، إننا إن فعلنا ذلك -ونحن للأسف نفعله- نكون قد غفلنا عن حاضرنا وأضررنا بمستقبلنا دون أن نغير من أوضاع الماضي شيئًا، أي نكون قد حكمنا على أنفسنا بأنفسنا أن نجعل مستقبلنا صورة من ماضينا، ماضينا الذي لم ينجح أي من أطراف خصوماته في تحقيق ما كانوا ينشدونه أو في تثبيت ما أنجزوه.

-11-

هناك ما يمكن تسميته "كيمياء التفكيك" وذلك بمعرفة مواطن الخلاف التاريخية والفكرية ودراسة تفاصيل أحداثها، ثم العمل على إثارة أحداث من الماضي أو التذكير بها أو اصطناع أحداث جديدة مشابهة ليشتعل الجدل ويثور الخصام.

أما غير هذه الأمور فالراجح في تقديري أن التيارين الإسلامي والقومي قد تجاوزا أهم العقبات التي قامت بينهما من قبل، لا أقول اتفقا اتفاقًا كاملاً ولا شبه كامل، ولكنني يمكن أن أقول إنهما تجاوزا من الخلافات ما يسمح لهما بإزالة سوء الظن، وما يسمح لهما بالمشاركة في النشاط من حيث تشابه النظر إلى مشاكل الخارج وإلى أساليب مواجهته في كل قطر وإلى أولويات العمل السياسي، وأنهما تجاوزا الاستقطاب الفكري والسياسي والشخصي إلى قدر من التداخل الحميد، ولا سيما بالنسبة إلى قسمٍ من الناشئة فيهما.

 

رابط مباشر لتحميل البحث


*  دراسة منشورة في: الدستور في الوطن العربي عوامل الثبات وأسس التغيير، مجموعة مؤلفين، بيروت- مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربي (47)، يناير 2006م، ط1، 45-56.

 

 

صدر هذا الكتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، سلسلة كتب المستقبل العربي (47)، يناير 2006م، ط1، ويشتمل الكتاب على مجموعة من الأبحاث لعدد من المؤلفين.

وجاء في مقدمة الكتاب ما يلي:

شهد الوطن العربي في السنوات الأخيرة، مراجعة فكرية واسعة لموضوع الدستور، مترافقة مع الدعوات للإصلاح وتحقيق المزيد من الإجراءات الضامنة لحقوق المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية، وأخذت تلك المراجعات سبلاً متعددة للوصول إلى أهدافها، ابتداءً من إعادة صياغة الدساتير وعرضها على الشعب لمناقشتها والاستفتاء عليها، إلى تعديل بعض نصوصها اقتضاءً لمصالح وطنية واستحقاقات يمليها عامل التغيير والتطور.

والخبرة الدستورية في الوطن العربي، على حداثة عهدها نسبيًا بالمقارنة مع الخبرة الدستورية الأوروبية، إلا أنها ترافقت مع تصاعد دور النخب السياسية في صياغة آليات الحكم وأنماط المشاركة، واستطاعت أن تتحقق، مع تفاوت نسبي بين بلد عربي وآخر، تمثيل الروح القومية في التحرر وحماية السيادة والدفاع عن المقدسات، وسيكون لتلك الخبرة، بالإضافة إلى ما يتحقق من تجارب وخطوات تكميلية الأثر البارز في استكمال الشروط الأساسية لأي دستور عربي مستقبلاً.

إن إرث القرون الأربعة التي عاشها العرب تحت الحكم العثماني، وما اتبعها من نضال ضد الأشكال الجديدة من الاستعمار الأوروبي، وقد انعكست على صباغة الدساتير العربية في محتواها الفكري والسياسي، حيث عادت موضوعة السيادة والشخصية المستقلة للدولة تأخذ رجحانًا وتقدمًا على القضايا الاجتماعية، في إطار من تواصل التعبير لمحتوى حركة التحرر الوطني وبناء الكيان المستقل، ولا تزال هذه العملية مستمرة بشكل أو بآخر في غیر بلد عربي باتجاه المزيد من الإصلاحات الدستورية لصالح ضمان أوسع مشاركة شعبية في الحكم والرأي.

ولا شك أن تطور الوعي، وتوسع قاعدة منظمات المجتمع المدني، وتطور أدوارها في الفعاليات السياسية والاجتماعية يفرض إجراء تعديلات على مضامين الدساتير العربية، ورغم التفاوت في إجراءات التغيير، إلا أن العقد الأخير قد شهد تقدمًا محسوسًا في هذا الإطار، معبرًا عنه بشكل تآزر شعبي لدعم الإصلاحات، ومن خلال دعم قرار التغيير، أخذت بعض الدساتير العربية نفحة من رياح التغيير نحو استكمال عناصرها الأساسية كمعبرة عن إرادة الأمة مجتمعة في سبيل المصالح العليا.

وإذا كان الاختلاف في طبيعة كل مرحلة من مراحل النضال الوطني وتباين النظم السياسية في البلاد العربية قد أدى إلى تفاوت في تفاصيل الدساتير، إلا أن مبادئها لا تزال موحدة، وفي المقدمة منها الحفاظ على هوية كل بلد في إطار الهوية الأكبر، الهوية العربية، على الرغم من بعض المحاولات، كالتي شهدها العراق مؤخرًا لتحجيم الانتماء القومي لصالح خصوصيات وطنية وعصبيات فئوية، إلا أن الثابت، وغير القابل للاجتزاء، هو تعبير الدساتير العربية عن مضمون فكرة الوحدة العربية والنضال في سبيلها، واعتبار وحدة الأمة وارتباطها المصيري، هو الطريق نحو تحقيق الحرية والعدالة والمساواة الاجتماعية وصولاً إلى التقدم والرفاه.

ومن دون شك فإن العمل الفكري ومواجهات إصلاح الدساتير العربية لن يتوقف عند حدود، فإذا كان الدستور هو الوثيقة الأسمى في الدولة التي تحدد نظام الحكم وتنظم عمل السلطات فيها، وتكفل حقوق الأفراد والجماعات وتجسد تطلعات الشعب، إلا أنه يبقى في صيرورة فكرية وعملية مستمرة مستجيبًا، بشكل أو بآخر لمتطلبات التطور، مع تأكيد ثباته كقواعد قانونية ملزمة، ولكنه في ذات الوقت سيستجيب لدواعي التطور الحتمية التي تشمل جميع مناحي الحياة، ومستوعبًا حركة التاريخ ومتطلبات التقدم.

ومن هنا فإن مركز دراسات الوحدة العربية حين يضع هذا الكتاب أمام القارئ، فإنه يسعى لتقديم مساهمة فكرية لتفعيل العمل من أجل مواصلة إصلاح الواقع الدستوري مع التمسك بالثوابت والقيم الأساسية، مع إيمانه - المركز - بأن الانتقال بروحية الدساتير العربية لتعبر فعلاً عن إرادة الشعب العربي سوف يأخذ طريقًا قد يطول، ويتطلب تضحيات قد تكون باهظة الثمن، إلا أن الطريق يجب أن يسلك، والهدف لا بد وأن يُنال.

تقسيمات الكتاب:

مقدمة

القسم الأول: دراسات نظرية سياسية وقانونية في الدستور

  • الفصل الأول: الوحدة في الدساتير العربية (محمد المجذوب).
  • الفصل الثاني: محنة الدستور في الوطن العربي: العلمانية والأصولية وأزمة الحرية (خلدون حسن النقيب).
  • الفصل الثالث: حول الأوضاع الدستورية والسياسية في الوطن العربي (طارق البشري).
  • الفصل الرابع: الحقوق المدنية والسياسية في الدساتير العربية (فاتح سليم عزام).

القسم الثاني: دراسات في واقع الدساتير العربية

  • الفصل الخامس الفدرلة والدسترة في الخليج العربي: دراسة في عقيدة التفكيك (فتحي العفيفي).
  • الفصل السادس: العنف والإصلاح الدستوري في السعودية (متروك الفالح).
  • الفصل السابع: قراءة قانونية لمستقبل وحدة شعب العراق (باسيل يوسف بجك).
  • الفصل الثامن: إشكالية الفدرالية في الدستور العراقي (رشيد عمارة ياس الزيدي).

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

جاءت هذه الدراسة ضمن الأوراق المقدمة إلى المؤتمر العلمي السنوي السابع بعنوان: "القانون الدولي الإنساني وتطبيقاته على الأراضي المحتلة"، والذي عقدته كلية الحقوق جامعة المنصورة بالتعاون من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في الفترة من 5- 6 أبريل 2003م، ونُشرت هذه الدراسة على موقع "المنظومة".

وجاء في مقدمة الورقة ما يلي:

أ. لمحة جمالية:

من المعلوم أنه بخصوص العلاقات العسكرية بين الأطراف المتحاربة، يهدف قانون الحرب إلى إيجاد حل وسط بين اعتبارين متناقضين:

  • فمن ناحية، بما أن النتيجة التي يهدف إليها كل محارب هي تحقيق النصر علي الطرف الآخر، وجب إعطاؤه وضعًا يسمح له بوضع كل الإمكانات والوسائل التي تحقق له ذلك.
  • ومن ناحية أخري، تقضي الاعتبارات الإنسانية بضرورة احترام الحياة الإنسانية وذلك بتجنيبها كل أنواع المعاناة غير المفيدة.

معني ذلك أن كل نزاع مسلح يحتم ضرورة التوفيق بين الضرورات الحربية والمقتضيات الإنسانية الأولية، وهكذا فيما يتعلق بسير العمليات العسكرية، إذا كان للأطراف المتحاربة حشد كل الوسائل الكفيلة بتحقيق النصر العسكري، فإن ذلك لا يعني أن حريتهم في هذا المقام غير مقيدة، كذلك يجب التمييز في جميع الأحوال بين الأشخاص المشتركين في العمليات العسكرية والسكان المدنيين الذين يجب بقدر الإمكان تجنيبهم آثار الحرب، وبالتالي اتخاذ الاحتياطيات الضرورية التي تكفل تحقيق ذلك، لذلك يجب عدم استخدام أسلحة التدمير الشامل؛ لأنها بسبب قوتها العمياء تمس ليس فقط المحاربين، ولكن أيضًا غير المحاربين، ولأنها مصدر لأنواع من المعاناة غير المفيدة، أو القسوة غير الضرورية useless or needless severity (راجع المواد 4، ٣٢ - ٣٤ من قواعد الحرب البرية التي تبناها مجمع القانون الدولي عام ۱۸۸۰م)، كذلك علي الأطراف المتحاربة عدم استخدام الأسلحة التي وإن كان لها أهداف محددة تؤدي إلي أنواع من المعاناة غير المفيدة: كاستخدام الغازات الخانقة، والحرب البكتريولوجية، والقذائف التي تنمو وتتسطح في جسم الإنسان كقذائف دم - دم ... إلخ.

ب. ضرورة حماية الفرد من ويلات النزاع المسلح:

لا مراء أن الوضع القانوني للفرد، وهو موضوع آثار الكثير من المناقشات والجدل علي الصعيد الدولي، يتحسن يومًا بعد يوم، وإذا كان هذا الوضع ما زال هشًا وضعيفًا ومحدودًا، فإنه يبقى مع ذلك أن نقرر أن الزمن الذي كان فيه الفرد لا يحتل مكانًا مميزًا علي الصعيد الدولي (أو حتي في إطار القانون الداخلي) قد انقضى إلى غير رجعة، وذلك يجب ألا يدعو للدهشة، ذلك أن غاية أي نظام قانوني تتمثل أساسًا في خدمة أشخاصه الذين يتكونون في النهاية من أفراد، فالقانون الداخلي يهتم أساسًا بالأفراد، بل هم الذين يشكلون في الواقع سبب وجوده، أما القانون الدولي وإن كان يهتم بأشخاصه فقط (كالدول والمنظمات الدولية)، إلا أنه يضع نصب عينيه - في النهاية - أيضًا الفرد ككائن حي.

ويدخل ذلك بصفة خاصة في بؤرة اهتمامات أحد الفروع الأساسية للقانون الدولي المعاصر "القانون الدولي الإنساني".

ويتمثل سبب وجود القانون الدولي الإنساني - أساسًا - في حماية كل الأنفس البشرية المندمجة بطريقة أو بأخرى في النزاعات المسلحة، أو الذين يعتبرون من ضحاياها، وذلك بتجنيبهم أوجه المعاناة غير الضرورية، فالأمر إذن يتعلق بحماية آلاف، بل قل ملايين، الأشخاص الذين تتهدد حياتهم نتيجة بدء واستمرار بل وانتهاء النزاعات المسلحة، ولا يهم، في هذا المقام، طبيعة المنازعات أو الدوافع أو الأسباب التي تتواجد خلفها على أساس: أنه في النهاية يذوق ويلاتها دائمًا الكائنات البشرية.

ورغم أن قواعد القانون الدولي الإنساني تجد جذورها في أخص أعماق النفس البشرية باعتبار أنها تطبيق للفطرة التي فطر الله الناس عليها وللسليقة الحسنة، فإن أهم تلك القواعد تم تقنينها في بعض الاتفاقات الدولية، ومنها اتفاقات جنيف الأربع العام ١٩٤٩م، وهي: اتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضي من أفراد القوات المسلحة في الميدان، واتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضي والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار، واتفاقية معاملة أسرى الحرب، واتفاقية حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، وفي عام ۱۹۷۷م اعتمد مؤتمر القانون الدولي الإنساني ملحقين للاتفاقيات المذكورة، وهما: الملحق رقم 1 الخاص بالمنازعات الدولية، والملحق رقم ٢ الخاص بالمنازعات الداخلية التي تدور فوق إقليم إحدى الدول بين قواتها المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى.

وليس في نيتنا أن نعرض بصورة تفصيلية للنظرية العامة للقانون الدولي الإنساني، مكتفين بالإشارة إلى أهم الملامح الأساسية التي تكتنف تطبيقه، وهي:

أولاً: تطبق قواعد القانون الدولي الإنساني على أشخاص ذوي طبيعة مختلفة (أفراد القوات المسلحة المرضى والجرحى، وأسرى الحرب، والسكان المدنيين، والصحفيين في ميدان القتال، ورجال الدين ... إلخ)، لكن لا يتمتع بهذه القواعد المرتزقة والجواسيس، ولا يعد أفراد القوات المسلحة الذين يرتدون زيهم، جواسيس فيما يتعلق بالمعلومات التي يجمعونها عن الخصم.

كل هؤلاء الأشخاص يجب معاملتهم معاملة إنسانية، مع احترام آدميتهم، دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو المعتقدات السياسية. كذلك يجب عدم الاعتداء على حياتهم أو استعمال العنف تجاههم، وعلى الأخص عدم قتلهم أو إبادتهم أو تعذيبهم. ومن الناحية الموضوعية، على أطراف النزاع - كما قلنا - عدم استعمال الأسلحة التي تؤدي إلى أوجه معاناة غير مفيدة، ولا يجوز بأي حال الاعتداء علي المنشآت الطبية الثابتة والمتحركة، بل لا يجوز لدولة الاحتلال الاستيلاء عليها ما بقيت هذه المرافق لازمة لمد السكان المدنيين بالخدمات الطبية المناسبة، ولاستمرار علاج أي من الجرحى والمرضي الذين هم تحت العلاج.

ثانيًا: يكون مراعاة قواعد القانون الدولي الإنساني بواسطة أطراف النزاع أنفسهم، باعتبار أن الأمر يهمهم بالدرجة الأولى، ويمكن قيام بعض الجهات المحايدة (كجمعية الهلال الأحمر أو الصليب الأحمر) ببعض الجهود الإنسانية، بقصد حماية وإغاثة المرضى والجرحى والأسرى، بل يجري العمل أيضًا على إمكانية قيام دولة ثالثة (يطلق عليها اسم الدولة أو السلطة الحامية) بتأمين تطبيق هذه القواعد لحماية مصالح أطراف النزاع. وتلتزم الدول الأطراف في الاتفاقيات المقننة لقواعد القانون الدولي الإنساني بوضع أي تشريع داخلي لازم لفرض عقوبات فعالة على الأشخاص الذين يقترفون إحدى المخالفات الخطيرة لهذه القواعد (كالقتل العمد أو التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية أو الأعمال التي تسبب آلامًا شديدة أو إصابات خطيرة للجسم أو الصحة)... إلخ.

ثالثًا: أن قواعد القانون الدولي الإنساني تسري حتى عند عدم الارتباط بها بالتطبيق لنص اتفاقي.

 

ج. حتمية تلافي حدوث انتهاكات حقوق الفئات المحمية: مثال ما حدث في يوغوسلافيا السابقة بالنسبة للمسلمين:

إن مختلف الفظائع التي ترتكب ضد الفئات المشمولة بحماية القانون الدولي الإنساني تحتم ضرورة تلافيها، ومن هذه الفظائع ما حدث في يوغوسلافيا السابقة إثر تحلل الاتحاد اليوغوسلافي، وبصفة خاصة ما تم ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، والتي وصلت إلى حد أنه في بعض المناطق غطت جثث القتلى مسافة من ٥٠ إلي ۷۰ مترًا.

ومن القضايا التي نظرتها محكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة قضية الجنرال كرستيش Krstic الذي اتهم بارتكابه جرائم إبادة الجنس، وبعض الجرائم ضد الإنسانية (كالقتل والمعاملة القاسية واللاإنسانية، وإرهاب المدنيين المسلمين في البوسنة وترحيلهم) وانتهاك قوانين وأعراف الحرب عندما تم استيلاء الصرب علي سربرنيتشا في يوليو ١٩٩٥م رغم إعلان تلك المنطقة "منطقة آمنة". فقد تم ترحيل أكثر من ٢٥٠٠٠ مسلم إلى المناطق الأخرى الموجودة تحت سيطرة المسلمين، وتم إعدام ما بين ۷۰۰۰ إلى ۸۰۰۰ مسلم من الرجال القادرين علي حمل السلاح.

تقسيمات الدراسة:

  • مقدمة عامة.
  • الفصل الأول: فئات الأشخاص المحميين.
  • الفصل الثاني: المبادئ التي تخص الفئات المحمية.
  • الفصل الثالث: نظم ووسائل كفالة الحماية المقررة للفئات المحمية.
  • خاتمة عامة.

 رابط مباشر لتحميل الدراسة