أصل هذا البحث هو محاضرة للمستشار بمجلس الدول المصري والخبير الدستوري والأستاذ بكلية الحقوق بجامعة القاهرة د. عبد الفتاح حسن (رحمه الله) ألقاها بالموسم الثقافي للأزهر مساء الثلاثاء الموافق 29 ديسمبر 1959م.

ومما جاء في مقدمة البحث ما يلي:

لم تكن رغبتي في دراسة موضوع “القضاء الإداري في الإسلام” بنت اليوم، ولكنها رغبة كانت تعاودني خلال دراستي للفقه والقضاء الإداري في الدول الغربية بصفة عامة، وعندنا في مصر بصفة خاصة، إذ كثيرًا ما تساءلت: أليست مقومات القانون الإداري التي يعرفها الفقه المعاصر، واحدة، أيًا كان شكل الدولة، وأيًا كان العصر الذي تعيش فيه؟ فكان جوابي دون تردد بالإيجاب؛ فنظريات الموظف العام، والمرفق العام المادي أو العضوي، والقرار الإداري، والتنفيذ المباشر، والحكم القضائي، كلها تنشأ وتعيش في كل جماعة بلغت قدرًا من التنظيم، واعترفت صراحة أو ضمنًا بسلطة فرد، أو أفراد يقومون عليها وتوكل إليهم أمورها، وذلك حتى لو لم تبلغ هذه الجماعة في مدارج الرقي مرتبة الدولة.

فلا يخلو أن تحتاج تلك الجماعة إلى شخص أو أشخاص يقومون ببعض أعمالها العامة على وجه الدوام والاستقرار، بأجر أو بغير أجر، فهم موظفون عموميون.

ولا يخلو أن تحتاج إلى قوة دفاعية تواجه بها أعداءها في الخارج والداخل، وهذا هو مرفق الجيش أو مرفق البوليس.

كما أن القائمين بالأمر فيها يباشرون سلطانهم بأوامر شفوية، أو كتابية يلتزم بها الأفراد، وإلا نفذت عليهم جبرًا، وليست هذه الأوامر سوى القرارات الإدارية، وما تتمتع به من ميزة التنفيذ المباشر.

كما أن على أصحاب السلطة أن يتوقعوا أن تنشب المنازعات بين أعضاء الجماعة، وأن يستعدوا لمواجهتها بالفصل فيها وحسمها بحل واضح يلزم المتخاصمين، صونًا للهدوء العام، وليس هذا الحل سوى الحكم، حسب تعبيراتنا المعاصرة.

فهذه النظريات إذن، لم تصاحب نشأة القانون الإداري، وليست من صنعه وحده، ولكنها كلها -فيما نعتقد- سابقة عليه. فهي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ البعيد، ولتصاحب نشأة الجماعة المنظمة ذاتها أيًا كان رداؤها، وإذا كانت قد نمت بعد ذلك ينموها وتطورت معها، فإن جوهرها ظل كما هو لم يتغير، ومضمونها الأساسي بقي هو هو على مر العصور والأجيال، لم يتناوله التعديل والتبديل.

ولذلك فقد وجدت جميع هذه النظريات في المجتمع العربي:

فالموظف العام كان ولا يزال كل شخص يساهم في خدمة مرفق عام، بصفة منتظمة، دون أن يغير من ذلك تلقيبه في غير عصرنا بالوالي، أو العامل، أو الأمير، أو الصاحب.

والمرفق العام، وكان ولا يزال كل نشاط يقدر القائمون بالأمر، أنه من الأهمية في حياة الجماعة، بحيث يكون من الخطر، أو مما لا يوفي بالغرض، تركه لنشاط الأفراد، وأن من المصلحة العامة التي يسهرون عليها، أن تتولاه الجماعة بنفسها، أو على الأقل أن تخضعه لرقابتها وإشرافها. فالتعريف بمضمونه ليس بمستحدث، ولكن الجديد فيه هو التسمية التي ابتدعها الفقه والقضاء خلال القرن التاسع عشر فلم يكن البريد، وجباية الخراج، والشرطة، والحسبة، والقضاء، سوى مرافق عامة بالمعنى الصحيح لهذا التعبير.

والقرار الإداري، كان دائمًا تعبيرًا عن إرادة السلطة، بقصد ترتيب أثر قانوني عام أو فردي، فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة في مبدأ الدعوة المحمدية بعدًا عن أذى قريش وكفًا لشرهم، ثم أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة، كلاهما قرار إداري، وفرضه لعتاب بن أسيد الذي ولاه مكة درهمًا في اليوم، قرار إداري كذلك، وكل ما تم في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة خلفائه من بعده، من تعيين ولاة، أو أمراء سرايا، إنما تم بقرارات إدارية شفوية أو كتابية، وإن لم يطلق عليها حينئذ هذا التعبير.

والتنفيذ المباشر، كما نعرفه اليوم، هو المكنة التي تتمتع بها الجهة الإدارية في تنفيذ أوامرها وقراراتها مباشرة، وبنفسها، في مواجهة الأفراد، دون أن تلجأ إلى القضاء لاستصدار حكم منه بذلك. وهو بهذا التعريف أكثر وضوحًا في المجتمع الإسلامي الأول، منه في عصرنا الحاضر، وذلك لما كان يقوم عليه من اندماج السلطتين التنفيذية والقضائية في شخص الخليفة أو في شخص واليه، متى كانت ولايته عامة، بل يمكن القول بأن النظام الإسلامي في مختلف العصور، كان قائمًا على نظرية التنفيذ المباشر للأمر الإداري، فلا تعرف أن خليفة أو واليًا، كان يحيل رغباته في شئون الدولة إلى قاضيه، ليصدر فيها حكمًا واجب النفاذ، وذلك برغم ما بلغه بعض القضاة من الهيبة وعلو الكلمة.

أما الحكم، وهو -حسب ما ذهب إليه القضاء الإداري- عمل قانوني يحسم على أساس قاعدة قانونية، خصومة عينية أو شخصية، ويكون حجة في مواجهة الطرفين المتنازعين، وأحيانًا أيضًا في مواجهة الأغيار، فموضعه في التنظيم الإسلامي أوضح من أن يحتاج إلى بيان، فقد باشر الرسول وخلفاؤه من بعده القضاء بأنفسهم، أو بمن ينيبونه عنهم، وكان قولهم في ذلك فاصلًا وقاطعًا، دون حاجة إلى التنفيذ القسري، لقرب العهد بمطلع النبوة، وعمق الشعور الديني وتأصله في ضمائر المسلمين.

ومتى ثبت أن عناصر الجهاز الإداري للدولة الإسلامية في مراحلها المتتابعة، لا تختلف في حقيقتها عن تلك التي يتميز بها في الدولة المعاصرة، أيًّا كانت الفلسفة التي تصدر عنها. كذلك تتقارب الدولة الإسلامية والدولة المعاصرة أيضًا في ناحية أخرى أساسية، إذ يواجه كلاهما، نوعًا خاصًا من المنازعات، يثور بين الأفراد والسلطات القائمة، وهو ما يسمى بالمنازعات الإدارية Contentious administrative.

وهي منازعات لا سبيل إلى تلافيها، باعتبارها نتيجة حتمية وطبيعية لتعارض المصالح وتضاربها، ففريق -وهو الأفراد- يسعى وراء غايات شخصية يريد تحقيقها، بما فطر عليه كل من الأثرة، وآخر -يتمثل في السلطات الحاكمة- يعمل جاهدًا على الحد من غلواء المطامع الذاتية، تغليبًا لصالح الكل، الذي لا يعدو بدوره أن يكون جماع المصالح الخاصة، وهي كذلك منازعات لا سبيل إلى تجاهلها، أو التهوين من قدرها وخطرها، إذ ما قيمة العدل المطلق الذي يقوم على أنقاض من مصالح الأفراد وعلى أشلائها؟ أو ليس المشرع إذ يسعى إلى تحقيق مصلحة المجموع، إنما يعني بذلك تحقيق الموازنة بين مصالح الأفراد الذين يتألف منهم هذا المجموع؟ وإذا كان المجموع هو جماع الأفراد، بحيث يكون في تحقيق صالحه تحقيق لمصالحهم، أليس الأفراد هم كذلك عناصر هذا المجموع، فيكون في تحقيق مصالحهم تحقيق لمصالحه؟

فالفرد المغبون، إذ يسعى وراء مصلحة خاصة، يحقق مصلحة عامة، بتطبيق التشريع على حالته تطبيقًا سليمًا، فيعيد التناسق إلى النظام القانوني الداخلي، ويرد إليه هدوءه بعد اضطراب وقتي والسلطة القائمة بالأمر، والتي يفترض فيها تمثيل الصالح الجماعي، هل هي معصومة من الزلل؟ فمن يدرينا إذن أنها قد لا تتنكر لسبب وجودها، فتحيد وتنحرف وتجري وراء الأهواء والنزوات؟ لو تركت المنازعة الإدارية وشأنها، وأخلى بين الفرد والحاكم، كل يتدافع ويتصارع، لنفذت شريعة الغاب، وكان البقاء للأقوى، ولتغلب الحاكم دائمًا، أيا كانت بواطنه؛ إذ تتركز بين يديه القوة المادية، يديرها ويصرفها كما يشاء.

وقد أدركت الدول بعد تجارب طويلة، أن ذلك ليس من صالح الجماعة في شيء، وأن القانون يجب أن يعلو فوق الجميع، حاكمين ومحكومين، فنشأت فكرة وجود قاض عادل تعود إليه المنازعة الإدارية، يقارن بين المصالح المتنافرة، محاولًا التوفيق بينها، قاض يلجأ إليه الفرد الذي تعوزه القوة في مواجهة السلطة الحاكمة، فيردها القاضي إلى جادة الصواب: يهدر ما صدر منها مخالفًا للقانون، ويجبر ما نجم عن خطئها من ضرر، على أن يكون في كل ذلك حذرًا متبصرًا واسع الأفق، عميق النظر ذكي التفكير، لا يغيب عن بصره أن الأمة يجب أن تعيش، وأن على الفرد أن يتحمل القدر المعقول في سبيل الجماعة التي هو جزء من بنيتها، وخلية من خلاياها.

هذا القاضي الذي ينظر هذه المنازعة الإدارية، وهو ما اصطلح على تسميته بالقاضي الإداري juge administrative، وقضاؤه هو القضاء الإداري Jurisprudence administrative، فكيف ظهر هذا القاضي؟ وكيف نشأ هذا القضاء في الإسلام؟ وكيف تطور كلاهما؟

هذا هو الموضوع الذي نريد أن نعرض له الآن، والذي نرى قبل أن نتطرق إليه، أن نشير إشارة ما، إلى نشأة السلطة القضائية ذاتها وتطورها في النظام الإسلامي.

رابط مباشر لتحميل البحث

بتواضع معهود على المستشار الراحل طارق البشري يوضح في مقدمة كتابه “الوضع القانوني بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي” أنه مجرد إبراز عدد من الملاحظات حول المسألة القانونية المعاصرة وموقعها من الشريعة الإسلامية والقانون، ويرى البشري -رحمه الله- أن هناك ثلاثة عناصر ساهمت منذ القرن التاسع عشر في اضطراب البناء التشريعي لأقطار الدولة العثمانية، وهي جمود الاجتهادات التشريعية، وبرامج وأسس الإصلاح التي أبقت القديم على رقوده، وأنشئت الحديث بجانبه ومن غير انبثاق منه ولا تفاعل معه، وثالثًا الغزو الأوروبي بأدواته السياسية والاقتصادية والعسكرية.

الكتاب صادر عن دار الشروق في مصر عام 1996 م ضمن سلسلة “في المسألة الإسلامية المعاصرة”

نُشرت هذه الدراسة في المجلة المصرية للقانون الدولي التابعة للجمعية المصرية للقانون الدولي، العدد (59) لعام 2003م، وقد قدم المؤلف لهذه الدراسة على النحو الآتي:

الإسلام دين ودولة، ففيه من الأحكام ما ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة الأفراد وبعضهم البعض، في كافة نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وعندما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام، من مكة إلى المدينة، بدأت الدولة الإسلامية في التكوين، ومع عهد الخلفاء الراشدين، اتسمت أرجاء تلك الدولة، وأخذت نظم الحكم والإدارة فيها تتبلور.

وإذا كانت الدولة هي مخلوق قانوني قوامه جماعة من الناس من الجنسين معًا استقر بهم المقام على وجه الدوام، في إقليم أو رقعة جغرافية معينة، وتسيطر عليهم هيئة حاكمة، لها السيادة والولاية، وتتولى شئونهم في الداخل والخارج، فهذا ما يصدق على الدولة الإسلامية، بل إن الفقه الراجح يؤكد أن “الدولة الإسلامية قد سبقت في مظهرها التنظيمي نشوء الدولة الأوروبية من حيث اكتمال عصر الإقليم، وعنصر الولاية الذاتية فيها”.

ويلزم لقيام الدولة، توفر ثلاثة أركان الأول: الشعب، الثاني: الإقليم، الثالث: السيادة أو السلطة الحاكمة، ولقد استجمعت الدولة الإسلامية، كل هذه الأركان وغير خاف أن ركن الشعب population ، هو أهم أركان قيام الدولة على الإطلاق. فلا أهمية، أو قيمة لركن الإقليم بدون شعب يعمره. كما لا وجود لسلطة حاكمة بغير سبق وجود الشعب الذي تخاطبه القواعد والأحكام التي تضعها تلك السلطة. بل إن هذه السلطة، ما هي إلا عنصر من مكونات ركن الشعب ذاته.

وهنا يثور التساؤل: هل كل فرد يعيش داخل حدود الدولة، يعتبر من أعضاء ركن الشعب فيها، أي من رعاياها، فيتمتع بالحقوق السياسية، والحقوق العامة؟ والجواب كلا، فقد يكون من بين سكان الدولة من ليس من رعاياها، وهؤلاء هم الأجانب، ولكن كيف يتم التمييز بين الوطنيين والأجانب؟

لقد مر الفكر القانوني بمراحل عدة، انتهى في آخرها إلى معيار الجنسية. فهل عرف الفقه الإسلامي ذلك المعيار كي يحدد بمقتضاه من هم أعضاء شعب الدولة الإسلامية؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فهل تتطابق فكرة الجنسية، التي تعرفها القوانين الوضعية، مع فكرتها في الفقه الإسلامي.

نقترح الإجابة على تلك التساؤلات، في ثلاثة مطالب نخصص:

  • المطلب الأول: لماهية فكرة الجنسية وعلاقتها بالدين.
  • المطلب الثاني: لموقف الفقهاء من فكرة الجنسية في الشريعة الإسلامية.
  • المطلب الثالث: لرأينا الخاص في الاعتراف بالجنسية الإسلامية وقيامها على الارتباط العام بالإسلام.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

ليست الدعوة إلى المساواة في الميراث دعوة مستحدثة ألجأت إليها التطورات الاجتماعية التي شهدها العالم العربي مؤخرًا كما يظن البعض إنما هي دعوة قديمة تضرب بجذورها إلى عشرينات القرن الفائت، ويمكن القول أن هذه الفترة تحديدًا قد شهدت تشكل خارطة الفكر العربي وتموضع تياراته الأيديولوجية، وفي السطور الآتية أستعرض السياق التاريخي الذي نشأت خلاله هذه الدعوة مستهدفة بيان جوهر هذه الدعوة، وردود الفعل الأولى عليها والقائلين بها والحجج التي استندوا إليها حتى يمكن رصد التطورات التي طرأت عليها في المراحل التالية.

بواكير الدعوة إلى المساواة:

أول ما أمكنا العثور عليه من تاريخ هذه الدعوة يعود إلى عام 1928 م حين ألقى سلامة موسى -وهو مفكر قبطي – محاضرة له في جمعية الشبان المسيحيين بالقاهرة دعا فيها إلى المساواة في الإرث بدعوى أن عدم المساواة يعد تفضيلًا للرجال على النساء، وأن اللامساواة من دواعي إحجام كثير من الشبان في الشرق عن الزواج ففي المساواة حث على الزواج، وأشار كذلك إلى أن قاسم أمين كان ينوي المطالبة بالمساواة إلا أنه توقف لعدم نضوج الرأي العام. وعقب محاضرته أرسل خطابًا إلى هدى شعراوي رئيس الاتحاد النسائي يدعوها أن تطلب من وزارة الحقانية سن قانون يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث. أحدثت دعوة سلامة موسى أصداء واسعة في الصحف، ويمكن التوقف أمام مقالين أحدهما ينسب إلى الأديب مصطفى صادق الرافعي والآخر إلى السيدة هدى شعراوي.

وقد كتب الرافعي مقاله تحت عنوان ”المرأة والميراث“ استهله بمقدمة تضمنت الإشارة إلى بعض الأفكار التي يعتنقها موسى ورأي الرافعي فيها، وعلى رأسها الدعوة إلى تقليد الغرب تقليدًا مطلقًا كما تضمنت الإشارة إلى أنه ليس بمسلم، وهو ما يعني أنه لا يفهم الدين الإسلامي حق الفهم وأنه ”متطفل في اقتراحه“ كما يعتقد الرافعي. والانتقاد الرئيس الذي يوجهه الرافعي لأطروحة المساواة يتلخص في ”أن ميراث البنت في الشريعة الإسلامية لم يقصد لذاته، بل هو مرتب على نظام الزواج فيها، وهو كعملية الطرح بعد عملية الجمع لإخراج نتيجة صحيحة من العملين معا، فإذا وجب للمرأة أن تأخذ من ناحية وجب عليها أن تدع من ناحية تقابلها“ وهو يوضح ذلك بأن للمرأة حقًا في مال زوجها وليس للرجل هذا الحق في مال زوجه فإن هي ساوت أخاها في الميراث مع هذه الميزة التي انفردت بها انعدمت المساواة في الحقيقة، فتزيد وينقص، إذ لها حق الميراث وحق النفقة وليس له إلا مثل حقها في الميراث إذا تساويا [1].

أما هدى شعراوي فقد كتبت مقالا في جريدة “السياسة” ردت فيه على اقتراح موسى بمطالبتها بسن قانون يساوي بين النساء والرجال في الإرث قائلة إنه ليس من المسائل الداخلة ضمن أعمال الاتحاد النسائي، وأردفت أنها لا تستطيع أن تؤيده لسببين: الأول أن الحركة النسوية المصرية رغم تأثرها بالحركة الغربية إلا أنها ”لا يجب أن تتبعها في كل مظهر من مظاهرها وذلك لأن لكل بلد تشريعه وتقاليده وليس كل ما يصلح في بعضها يصلح في البعض الآخر“ [2] والثاني أنه ليس هناك تذمر من المرأة من عدم مساواتها الرجل في الميراث. وبلغة يسيرة ومنطق واضح مستقيم اتجهت إلى تفكيك دعائم دعوة موسى فذكرت أن عدم المساواة في الميراث ليست من دواعي الإحجام عن الزواج؛ لأننا نشاهد في أوروبا انتشارا للعزوبية يفوق انتشارها في الشرق رغم التساوي في الإرث، وأضافت لو أننا سلمنا بنظرية سلامة موسى بالمساواة “فهل لا يخشى أن يؤدي ذلك إلى إسقاط الواجبات الملقاة على عاتق الزوج نحو زوجته وأولاده بإلزام الزوجة بالاشتراك في الصرف؟ وفي ذلك ما فيه من حرمان يعود بالشقاء والبؤس على الزوجات الفقيرات اللاتي لم ينلن ميراثا من ذويهن”[3]. وأتت كذلك على الادعاء الخاص بكون قاسم أمين كان ينوي المطالبة بالمساواة في الإرث واصفة إياه بأنه من قبيل “الرجم بالغيب”. واختتمت مقالها بالقول أن ما يشغلها هو الوصول بالمرأة إلى المركز اللائق بها “وليس هو السعي لتغيير القوانين أو قلب الشريعة، فلله الحمد لم نجد في هذه ولا تلك من الأحكام ما يحملنا على التذمر والشكوى، بل كل ما نسعى إليه هو حسن تطبيق هذه القوانين بما يطابق غرض الشارع وحكمه” فإن كان هناك موجب لاستياء المرأة فليس من رجحان نصيب الرجل وإنما مما يلجأ إليه بعض الوالدين بحرمان المرأة من ميراثها بطريق الوقف ” وإذا شكونا منها لا نكون متظلمين من الشريعة نفسها بل من الخروج على أحكامها بهذه الحيل باسم الدين والدين منها بريء”[4].

الحجج والحجج المضادة:

لم تكد الأزمة التي أثارها موسى تخمد حتى أعقبتها أخرى أكثر اتساعًا بعد أقل من عامين، فقد كتب محمود عزمي وهو من أصدقاء موسى مقالًا بالأهرام في يناير 1930 جدد فيه الدعوة إلى المساواة في الإرث وفي ذات الوقت تقريبًا ألقى فخري ميخائيل فرج محاضرة بالجامعة الأمريكية عن “الواجب المالي للأمومة” تضمنت ضرورة المساواة، وطبعت بعد ذلك ويبدو أنها تضمنت ما يمس بالدين فاستدعي للتحقيق القضائي وطلب الأمير عمر طوسون من السلطات الرسمية وقف هذه الدعايات، وعلى أثر ذلك عقدت الجامعة المصرية مناظرة بين المؤيدين للمساواة الذين مثلهم محمود عزمي وفتاة جامعية والمعارضين ومن بينهم الشيخ رشيد رضا[5]، وقد كتب الأخير في المنار سلسلة من المقالات حول هذا الموضوع، ومنها نستخلص أن حجج الداعين إلى المساواة كانت كالتالي:

أولًا: أن المسلمين قبلوا بترك الحكم بالشريعة في معظم المجالات ورضوا بحكم المحاكم الأهلية (الوضعية) فلماذا لا يرضون بترك أحكام الإسلام المتعلقة بالأحوال الشخصية والمواريث.

ثانيًا: الزعم بأن بعض علماء المسلمين جوز ترك جميع أحكام الشريعة الدنيوية إلى ما يعتقدونه خيرًا منها بحجة اختلاف المصلحة باختلاف الزمان.

ثالثًا: أن نظام الوقف وضع في الإسلام للاستدراك على ما في أحكام الإرث من جمود يقتضي الزمان الخروج عنه، فالمسلمون يوقفون أموالهم على من يريدون إعطائهم أموالهم فوق ما تعطيهم آيات الميراث[6].

رابعًا: أن مقتضى الإنسانية التسوية بين الأخ والأخت في ميراث الأبوين.

وقد فند رشيد تلك الدعاوى ومما قاله في ذلك إن “أمر الدين ليس كأمر القوانين في جواز وضع نصوصه موضع البحث والنظر لنترك ما لا نستحسنه منها ونبقي ما نستحسنه، بل مقتضى الدين …. قبول كل ما هو قطعي منه” سواء أدركنا وجه منفعته أم لا. وأضاف أن الأحكام الشرعية ليست اختيارية فهذا ما لم يقل به عالم من علماء المسلمين المتقدمين ولا المتأخرين وهو مخالف للكتاب والسنة والإجماع والقول به يعد كفرًا صريحًا، إذ لا فرق عند العلماء بين أحكام العبادات وأحكام المعاملات في أدلة ثبوتها ووجوب العمل بها[7]. واختتم قوله بأن الإنسانية ليست مناطا للإرث ولا سببا لتحديد درجات الوارثين فذكرها ليس إلا لغو، ولكن مقتضى الإنسانية أن يسوي الوالدين في النفقة بين أبنائهم ذكورًا وإناثًا فيما تتساوى حاجتهم فيه كالملبس والمطعم وخلافه. في المحصلة يمكن القول أن هناك متغيران وثابت واحد في مسألة المساواة في الإرث؛ فأما المتغيران فهما أن الدعوة بدأت فردية ثم اتخذت طابعًا مؤسسيًا في فترات لاحقة حين تبنتها بعض التجمعات النسوية منذ الأربعينات، وأن غالبية دعاتها الأوائل كانوا أقباطًا ولكن هذا لم يلبث طويلًا إذ ما لبثت أن صادفت الدعوة قبولا من المسلمين، أما الثابت فهو الادعاء أن المصلحة تستدعي بالضرورة تغيير الأحكام الشرعية الثابتة.

_______________________

* فاطمة حافظ، الجذور التاريخية لدعوى المساواة في الميراث، إسلام أونلاين، https://2u.pw/1FzNpEi.

المراجع:

[1] مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، بيروت: المكتبة العصرية، ج3، ص 374-375.

 

[2] هدى شعراوي، مذكرات هدى شعراوي، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013، ص300.

 

[3] نفس المرجع السابق، ص301.

 

[4] نفسه، ص302.

 

[5] رشيد رضا، القاهرة: المنار، ج 30 ع 9، مايو 1930، ص699-703.

 

[6] رشيد رضا، القاهرة: المنار، ج 31 ع 1 يناير 1931، ص59. [7] رشيد رضا، القاهرة: المنار، ج 30 ع 9، ص704-705.

لمسنا في الفترة الأخيرة كيف صار «تجديد الخطاب الديني» محلًا للسجال الذي لم يقتصر على المسلمين وحدهم، بل تجاوزهم إلى غير المسلمين الذين بات بعضهم دعاة للتجديد الإسلامي ومنظرين له، وهو أمر بالغ الغرابة، والأغرب منه أنه صار أمرًا ليس غريبًا، وكأنه من البديهي أن يتصدى لتجديد الدين وخطابه أناس من غير أهله، بل ومن أعدائه أحيانًا!

ولا يمكن تفسير هذا الأمر بمعزل عن ظاهرة «الإسلاموفوبيا» التي تهيمن حاليًا على الخطابين السياسي والإعلامي في كثير من دول العالم، لا سيما في الدول الكبرى المتحكمة، وهو ما ربط بين مفهومي الإرهاب وتجديد الخطاب الديني، فجعل الأول تكأة للتحكم في الثاني، وإذا بنا نجد أنفسنا أمام حالة من الجرأة على الدين نفسه في سياق الدعوات إلى مكافحة الإرهاب عبر تجديد الخطاب!

ولقد رأينا مؤخرًا كذلك كيف امتدت الجرأة على الإسلام تحت شعار «تجديد الخطاب الديني» إلى حد مطالبة البعض – من المسلمين للأسف – بتعديل قواعد الميراث لتحقيق المساواة المطلقة بين الذكور والإناث، مناقضة للنصوص القرآنية قطعية الدلالة التي نصت في حالتين محددتين على أن للذكر مثل حظ الأنثيين، ومتغافلين عن أن المساواة المطلقة شرطها التماثل المطلق وهو أمر غير متحقق في بعض حالات الميراث لاختلاف أدوار الرجل عن أدوار المرأة في منظومة الثقافة الإسلامية، وهو اختلاف تنوع تكاملي لا تضاد صراعي كما هو في الثقافة الغربية على سبيل المثال.

رؤى سياسية علمانية

والحقيقة أن الأمر لم يقتصر على الدعوات إلى تجاوز الدلالات الصريحة لآيات القرآن الكريم المحكمات، بل وصل إلى حد أن دعا البعض صراحة إلى حذف بعض من تلك الآيات من المناهج الدراسية وتجاهلها تمامًا وتعطيلها، ولا سيما تلك التي تدعو الناس إلى الجهاد ومقاومة الظلم ونصرة المستضعفين، بحجة أنها تدعو إلى العنف والإرهاب!

كما أصبحت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني غطاء لتدخل السياسيين في شؤون المؤسسات الإسلامية – الرسمية وغير الرسمية – والتحكم فيها وفي مناهجها وفي علمائها ودعاتها بحجة تطويرها والأخذ بأيديها لتقود تجديدًا حقيقيًا في الخطاب الديني، على حين أن التجديد الرشيد يقتضي منح هذه المؤسسات استقلالية حقيقية وحرية كاملة في الحركة لتمنحها المصداقية اللازمة لنجاح مساعيها في مقاومة الغلو والانحراف في فهم الدين، وفي إعادة الفعالية للعقيدة الإسلامية في إصلاح أحوال المسلمين بصفة خاصة والإنسانية بصفة عامة.

ولم يقف هذا التجنيد السيئ لمفهوم تجديد الخطاب الديني عند السياسيين وحدهم، بل امتد إلى بعض غلاة العلمانيين الذين أرادوا استغلال ذلك المفهوم في التمكين لحلمهم المنشود بفصل الإسلام عن الحياة العامة ليتحول إلى مجرد شعائر وطقوس فردية فيما بين العبد وربه، فإذا بهم يناقضون شعاراتهم المعلنة التي تدعو إلى الحرية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، فيدعون – صراحة وضمنًا – إلى ما يصادر هذه الحريات والحقوق عبر إجبار الناس على فهمهم – هم – المغرض للإسلام المحاصِر لدوره السامي في الحياة، رغم عدم امتلاكهم لناصية الاجتهاد الشرعي ولا للتجرد اللازم للقيام بهذه المهمة.

إن مثل هذه الدعوات ليست إلا مجرد خطوات – يبدو أنها محسوبة – لإخضاع الخطاب الديني لرؤى سياسية علمانية ليتسق مع الطبعة الجديدة من الحداثة الغربية التي اتسمت بالسقوط في هاوية السيولة والنفعية المادية والنزعة الاستهلاكية والانحطاط الأخلاقي، على عكس ما يرنو إليه تجديد الخطاب الديني الإسلامي الذي له بواعث مشروعة تدفع إليه، ومنطلقات ينبغي أن تراعى، وضوابط وحدود لا يجوز أن يتجاوزها أو يتخطاها، فضلًا عن أنه – في النهاية – مجرد اجتهاد بشري نسبي في بيان موقف الدين (ذي المصدر الإلهي المطلق) من القضايا المعاصرة بأسلوب يتناسب مع روح العصر، ويجذب الناس إلى الالتزام الديني – طواعية – بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

نحو التجديد الرشيد

وليس هناك مجال الآن للحديث بالتفصيل في كل ما يتعلق بالخطاب الإسلامي وبتجديده، ولكن هناك نقاطًا أساسية أعتقد أنه من المهم التنبيه إليها عند النظر في أمر هذا التجديد حتى نتجنب تحويله عن مساره السديد، وننقذه من أن يكون أداة في يد المعادين للإسلام والجهلاء به على السواء، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: الخطاب الديني هو حلقة ضمن سلسلة متكاملة ومترابطة تحتوي على النصوص الشرعية والفقه الآخذ عنها والفكر المتعمق فيها والدارس لها ولكيفية تنزيلها على واقع ديناميكي متقلب ومتباين، ويأتي دور الخطاب للتعبير عن كل عناصر هذه السلسلة بأسلوب متناغم يتحتم ألا يخرج عن إطارها العام، ولا سيما قطعيات الشرع التي جرى النص عليها بنصوص قطعية الثبوت والدلالة؛ مثل: الفروض الشرعية المحددة بآيات قرآنية قطعية الدلالة كالصلاة والزكاة وصوم رمضان وتحريم الزنا والربا، أو تلك التي حازت مرتبة القطعية عبر الاستقراء التام مثل المقاصد الكلية الخمسة للشريعة الإسلامية؛ وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

ولكن هذا لا ينفي أن كل عناصر الحلقة المذكورة ينبغي أن تخضع للمراجعة وللتجديد كلما اختلفت الأزمنة والأمكنة والظروف والأشخاص والأحوال، غير أن التجديد بالنسبة للنصوص الشرعية ذاتها يقتصر على إزالة الشوائب عنها وفي فهمها وتنزيلها على الواقع، ولا يجوز بأي حال من الأحوال العمل على تغييرها أو تبديلها، فهو اجتهاد في النص لا ضد النص، ومن ثم فإن العنصر الأول الحاسم في منع تجنيد الخطاب الديني هو رفض خروجه عن إطاره العام وإلا فهو مجرد تبديد يستهدف التجنيد!

ثانيًا: علاقة الخطاب الديني بالواقع المعيش هي علاقة تفاعلية متبادلة، لا علاقة أحادية استعلائية، بمعنى أنها ذات اتجاهين؛ أولهما يستهدف السمو بالواقع ليرتفع إلى ما ترنو إليه مقاصد الشريعة الإسلامية وقيمها الأساسية وأحكامها القطعية من تحقيق مصالح الأنام الشرعية الضرورية منها فالحاجيّة فالتحسينية، وثانيهما يستجيب لما يفرضه الواقع من تحديات تقتضي المزيد من المرونة والتيسير والمعاصرة والرحمة وسعة الأفق، فلا يتعالى عليه أو ينعزل عنه أو يحيله إلى معيشة ضنك يحرم فيها كل فعل إيجابي من شأنه أن ييسر العيش على الناس.

ويترتب على هذه العلاقة باتجاهيها ضرورة فقه الواقع مع فقه النص ثم فقه التنزيل الأمثل للنص على الواقع، وهذه كلها أدوار أساسية للمفكرين والفقهاء الذين عليهم أن يفقهوا كلًا من أولويات الشرع وتحديات الواقع ويفقهون الموازنات بين المصالح والمفاسد ثم يرسمون خريطة للإصلاح الشامل يعبر عنه الخطاب الديني فيسوّق لها ويعبر عنها كي تتخلل الواقع وتواجه تحدياته وتسمو به.

ثالثًا: تجديد الخطاب الديني ورُقيّه ومعاصرته لا تعتمد فقط على حسن إعداد المخاطِبين (بكسر الطاء) بل تمتد كذلك إلى تهيئة المخاطَبين (بفتح الطاء) وتوعيتهم بدور الخطاب الديني وبمنطلقاته وبمضامينه وبأهدافه وبمتطلباته، فضلًا عن ضرورة أن يسبق ذلك ويوازيه العمل على صناعة كل من المفكر والفقيه حتى يستطيعا القيام بمهامهما التي سلفت الإشارة إليها، وهو أمر يدفع إلى ضرورة إصلاح التعليم (الديني وغيره) ليستبدل بتلك العقليات التلقينية السطحية عقليات نقدية تحليلية متعمقة في فقه النص والواقع، كما يتعين كذلك الانتباه إلى ضرورة تضافر الجهود في هذا السبيل بين علماء الدين وخبراء الواقع بمكوناته المختلفة والتعاون فيما بينهم بهذا الشأن، مع منحهم استقلالية كاملة؛ فكرية وإدارية ومالية.. وهي متطلبات يمكن التعبير عنها جميعًا – بإيجاز – بأنه ينبغي لتجديد الخطاب من إصلاح حال أطرافه وعناصره فضلًا عن تهيئة البيئة اللازمة لذلك التجديد ولرشده وفعاليته.

رابعًا: الانتباه إلى أن تجديد الخطاب الديني وفعاليته ترتبط كذلك ارتباطًا لازمًا بأن يكون نابعًا من الذات الحضارية للمسلمين لا تابعًا للآخرين، وإن استفاد منهم في الأساليب والوسائل، وهو أمر يقتضي التعمق في فهم التحديات الحضارية الأساسية التي تواجه الأمة، خاصة تحديات التخلف الحضاري الناتج عن التبعية والاستبداد والفساد، ومن ثم طرح خطاب يقوي المقاومة الحضارية ويحصن الأمة ضد الاستلاب والتغريب الذي يشكل الواقع بعيدًا عن الشريعة بل وضدها أحيانًا فيصعب من مهمة الخطاب في أداء رسالته، وهي صعوبة تزداد كلما اعتاد الناس على عادات وأفكار تتعارض مع الشرع وتتصادم معه أحيانًا.

وعندئذ يتحول الخطاب الديني من التجنيد إلى التجديد الرشيد.

والله المستعان.


*مقال منشور بمجلة المجتمع الكويتية.

أ.د.  صلاح الدين عامر

 

إن الإسلام في دعوته إلى وحدة الأديان في مصدرها وفي جوهرها، وإلى الإيمان بجميع الرسل بلا تفريق بينهم ولا تعصب، إنما يدعو جميع الشعوب إلى وحدتها الإنسانية الكبرى، على أساس عقيدة موضوعية جامعة، إنسانية عالمية، تتوحد فيها وتتساوى على قاعدة وحدة القيم الأساسية والأخوة الإنسانية والتعاون على البر.

إنما عقيدة هادفة إلى تحرير الإنسانية من استغلال بعضها البعض، وإلى تأهيلها لرسالتها العلمية الكونية التي حملت مسؤوليتها الخالدة، والتي لا سبيل إلى القيام بها إلاَّ بعد التحرر من الاستغلال والاستعباد للحكم أو للشهوات ومن تبديد الطاقات من أجل منافع ذاتية أو في صراعات عنصرية أو طبقية تدمرها. فهي دعوة إلى الوحدة العالمية والأخوة الإنسانية تستمد حيويتها من عقيدة إنسانية موضوعية ذات شريعة عالمية متوازنة القيم، لا تتجزأ فيها الحرية والعدالة ولا تتنافران. فلا حرية بلا عدالة، ولا عدالة بلا حرية، ولا يستعبد فيها الأفراد باسم الجماعة، ولا المجموع لصالح بعض الأفراد. فلا حرية ولا كرامة لجماعة أفرادها عبيد لحكام غير مسئولين، ولا سلام لشعوب تفصل بينها هوة في مستوى المعيشة أو تمزقها صراعات عنصرية أو طبقية أو مذهبية.

ولا ريب أن هذا التطور الشامل لمشاكل الإنسانية في مجموعها، وهذه الدعوة إلى وحدة الإنسانية وحدة عقيدة ومصير، كانت جوهر وأساس التصور الإسلامي للمجتمع الدولي، ومن هنا فإن معالجة الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي لحقوق الإنسان، انطلقت من هذه الأسس الراسخة.

وإذا كان المقام لا يتسع هنا لاستعراض موقف الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بقضية حقوق الإنسان استعراضًا تفصيليًا شاملاً فحسبنا أن نشير إلى أن الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي كان لهما السبق المطلق في إرساء دعائم حقوق الإنسان في وقت السلم وفي وقت الحرب على حد سواء. فلقد أعلنت الشريعة الإسلامية المكانة السامية للإنسان في هذا الكون: ]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [سورة الإسراء:٧٠]

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴾ [سورة الحجر: ۲۸-۳۱]

وأرست الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة بين البشر على أسس وطيدة. فالقرآن الكريم يقرر المبدأ العام: ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. [سورة الحجرات: ۱۳]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناسُ: إن ربكم واحد، كُلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغالب)).

وكفلت الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة أمام القانون: ]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [سورة النساء: ٥٨]. ]وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ[ [سورة المائدة: ٨].

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها)).

ويكفل الإسلام الحرية الدينية، فلكل إنسان الحرية في اختبار العقيدة التي يؤمن ما: ]لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[ [سورة البقرة: ٢٥٦]. ] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ [سورة بولس ٩٩]. وقد كفلت الدولة الإسلامية لغير المسلمين الذين يقيمون فيها حرية العقيدة.

وقد أعلنت الشريعة الإسلامية حرية الفكر، ودعت الإنسان إلى التأمل الدائب وإعمال العقل الذي يقود الإنسان إلى الهداية وإلى الطريق القويم: ] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ [سورة الحج: 46]. وقام نظام الحكم في الإسلام على أساس الشورى ] وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ [سورة آل عمران: ١٥٩] ] وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ [ [سورة الشورى: ۳۸].

ومن ناحية أخرى، أقامت الشريعة الإسلامية نظامًا إنسانيًا متكاملًا لحكم سير عمليات القتال التي تخوضها الجيوش الإسلامية في حروبها ضد الأعداء.

وقد سبقت الشريعة الإسلامية الحركة الإنسانية المعاصرة بمئات السنين، ويُعد المؤلَّف محمد بن الحسن الشيباني أول مؤلف فقهي في القانون الدولي الإنساني.


* مقالة منشورة في مؤلف حقوق الإنسان (المجلد الرابع) للدكتور محمود شريف بسيوني.

المستشار د. مصطفي كمال وصفي

 

يعتبر البحث في “الشريعة الإسلامية وسيادة القانون” هو مفتاح معالجة شئون الحياة المعاصرة على ضوء الشريعة الإسلامية.. أي مفتاح باب الشعار الذي اتخذته مجلة “المسلم المعاصر” مكملا لعنوانها في صفحتها الأولى.

فإنه إذا كانت السيادة القانونية للشريعة الإسلامية في بلد من البلاد، تشكلت على الفور جميع الأوضاع السياسية –الدولية والداخلية- والدستورية والاقتصادية والاجتماعية في قالب هذه السيادة الغالبة. وأمكن تنسيق المجتمع كله، والأفكار التي تدور فيه في إطار من الفكر الموحد الخاضع للإسلام.

وبدون ذلك تتضارب الجهود وتتشتت الأفكار، وتتدخل الأغراض المغرضة والتوجيهات المنحرفة.. فإن الشريعة الإسلامية هي ضمان الصيانة والإطار الحافظ للمجتمع الإسلامي في تقدمه ومسيرته.

ويكفي أن نذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهاجر إلى المدينة، ولم يقبل عرض الأنصار، إلا بعد أن بايعوه على العناصر الأساسية لخضوع المجتمع للشريعة الإسلامية، والتي أوردها عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- في حديثه عن بيعة العقبة، كما أورده أستاذي الإمام البخاري رضي الله عنه (صحيح البخاري في طبعة دار الشعب جزء 1 صفحة 11- صحيح البخاري المفسر (تأليفي) الحديث رقم 17). فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: “بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف.. فبايعناه على ذلك”.

فهذا هو العهد الأعظم للدولة الإسلامية، وميثاق تأسيسها الدستوري وعقدها الاجتماعي.

وهو –فيما نرى- يتضمن العناصر الأساسية للمشروعية الإسلامية:

1- فقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تشركوا بالله شيئا” أي يكون التوحيد أساس العدل والصحة. فإن الاعتقاد بالتوحيد يستتبع العمل بأوامره سبحانه وتعالى، ومنع نواهيه. فتصير هذه الأمور هي معيار العدل والصحة، والفيصل والفرقان بينه وبين الظلم والبطلان أو الفساد.

2- وقوله: “لا تسرقوا” إقرارا لعصمة المال.

3- وقوله: “لا تزنوا” إقرارا لعصمة العرض.

4- وقوله: “لا تقتلوا أولادكم” أي أولاد المسلمين (كنحو قوله: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) إقرارا لعصمة النفس والدم.

وهذه العصمات الثلاثة أساس لكل الحريات وحقوق الإنسان والنظم الاجتماعية على أنواعها.

5- وقوله: “لا تأتوا ببهتان” إقرارا للأمن والثقة.

6- وقوله: “لا تعصوا” إقرارا للنظامية اللازمة للجماعة.

وبذلك فهو ميثاق جامع شامل وافٍ لأساس نظام سياسي دستوري متكامل يخضع للمشروعية الإسلامية العليا.

وكان هذا الاشتراط قبل الدخول في أي علاقة أو أي إنشاء جديد..

وعندنا في مصر، لم تعد سيادة المشروعية الإسلامية حلما.. ولا أماني، ولم تعد تحتاج للخطابة والتمني والتحسر ونحو ذلك..  بل تحتاج إلى العمل.. والعمل الجاد الواعي. ومن لم يفعل فقد ظلم نفسه وإثمه كبير..

فقد أتاح لنا الدستور فرصة إعلاء الشريعة الإسلامية من أوسع أبوابها.. ولم يعد يمنعنا إلا أن نفرط في جنب الله.

والمقال الذي أقدمه هو جزء من تقرير قدمته في إحدى القضايا بحكم وظيفتي (كرئيس لمفوضي الدائرة الأولى من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة المصري). وبذلك يمكن القول بأن سيادة المشروعية الإسلامية عندنا قد وجدت مدخلا لدور التنفيذ والتطبيق الملزم بحكم الدستور والفهم القانوني الصحيح. والله ولي التوفيق.

وإنني أود لو أدلى المتخصصون في كل بلد إسلامي بوضع الشريعة عندهم وما يرونه من علاجات لإقرار السيادة الكاملة لتطبيق الشريعة الإسلامية عندهم.

وأما في مصر، فمنذ أن قامت الثورة في 23 يوليو سنة 1952 انتهى عهد الليبرالية والرأسمالية في هذه البلاد وقام بدلا من ذلك نظام مذهبي.

ونحن لم ندرس النظام المذهبي في أيام دراستنا. وكذلك فإن المدرسة القانونية الحالية ما زالت متأثرة وآخذة بالأفكار القديمة. ولم تستوعب التطور الحقيقي الذي انتاب العالم كله (حتى البلاد الليبرالية) بالتحول إلى المذهبية أو شبه المذهبية.

ومن المؤكد أننا سنفشل في مواكبة الحياة ما دمنا نتمسك بالأفكار القديمة حقيقة أن عوائق الاستيراد قد عطلت التطلع إلى التطورات الحديثة، ولكن هذا أمر لا بد من استيعابه على الأقل من القليل الذي وصلنا أخيرًا.

ولما قامت الثورة في 23 يوليو 1952، تجمعت أماني البلاد في مذهب واحد هو المبادئ الستة التي أعلنتها الثورة. وهذه حالة “شبه مذهبية” لأن المذهبية (أو الأيديولوجية) لا بد أن تكون ثابتة دائمة.

ثم توجهت البلاد إلى الاشتراكية التي أعلنها الميثاق عام 1962. وكان الرئيس الراحل يقصد أن يتفادى عيوب الماركسية ويستخلص فوائد الاشتراكية. فأرسى الميثاق أصولا اشتراكية مع الاحتفاظ بقدر من الملكية الخاصة مع احترام الدين. وكان الأمر يتطلب تخطيطًا للميثاق وتوضيحا لمراميه. ولكن البلاد وقعت في صراع داخلي وحاولت مراكز القوى الاستيلاء على المذهبية للصالح اليساري كما وقعت في صراع خارجي مع إسرائيل والصعوبات الاقتصادية المعروفة.

فلما انتصر التصحيح الثوري في 15 مايو 1972 شرعت البلاد فورًا في وضع الدستور وعند ذلك أعربت الإرادة الشعبية بكل قوة بقيادة شيخ الأزهر وقتها –الإمام الأكبر الشيخ محمد محمد الفحام- عن التمسك بالمذهبية الإسلامية التي بلورتها دستورية صادقة وهي: “أن تكون الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع”، ووافق مجلس الشعب على ذلك، وكذا المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي.

ثم عدلت لجنة الصياغة هذه المادة (وأراها أحسنت كما يلي بعده) وإنما هي على أية حال ليس لها حق ذاتي في وضع الدستور فيرجع للمعنى الحقيقي كما عبرت عنه الإرادة الشعبية، وأما الاستفتاء الشعبي فلا حجة له في تفاصيل المسائل القانونية لأن الأصل فيه أنه مجرد ثقة إجمالية بالسلطة. ولذلك فالأصل أنه لا يؤخذ إلا على مسألة واحدة فقط بنعم أو لا.

وإني أكتب كوصية للأمة من بعدي. فإني لا أعرف حالي.. فربما أموت، ولا أدرك أن أدلي لها برأي، فيفوتني هذا الفرض وثوابه.

وأقرر أنه بالرجوع إلى الدستور نجده صريحًا في إعلان المشروعية وجعلها مشروعية عليا للنظام المصري. وهذا الفهم الأصيل يلقي ظله على جميع أحكام الدستور ونظام البلاد.

فإن أحكام الدستور في مجموعها تنقسم إلى أقسام بعضها أعلى من بعض.

فقمة الأحكام الدستورية: هي ما تعلق بالدولة (مادة 1 إلى 6) فإن هذه الأحكام هي الإطار الأعلى الذي يحكم كل ما جاء في سائر النصوص أيا كانت مكانتها.

ثم تليها الأحكام المتعلقة بمقومات المجتمع الأساسية والحريات والواجبات والحقوق (المواد من 7 إلى 13) والأحكام المتعلقة بسيادة القانون (من 14 إلى 72) فهي نتيجة للنوع الأول ومترتبة عليها.

ثم الأحكام المُتعلقة بتنظيم السلطات على تدرجها بينها كما هو معروف، وفي القسم الأول المتعلق بالدولة نصت المادة (2) على أن: “الإسلام دين الدولة.. ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”، وهذه المادة يجب أن تُفسر حرفًا حرفًا بكل حرص وبميزان الذهب لوقوعها في هذا القسم الأول من أحكام الدستور.

1- فمعنى “دين الدولة”: أي عقيدتها التي تفنى في سبيلها وتضحي من أجلها بكل ما عندها لأن الدين هو العقيدة الراسخة التي يذهب في سبيلها الإنسان إلى أقصى حدود التضحية والتفاني.

وهذا التعبير يقابله في الفقه الحديث أن الجماعات هي وحدات نظامية لها غايات نهائية Finalites وتتألف من جماعات متماسكة حول هذه الغايات التي تقيد أغراضًا اجتماعية لها ولها سلطة تحكمها وفقا لقواعد ترمي هذه الغاية (كتاب رينا في نظرية المنظمة Theorie de I’nstiution ومقالنا في نظرية النظام بمجلة مجلس الدولة وكتاب بيرود في النظرية العامة للعلوم السياسية بصفة عامة وخاصة الجزء الأول منه).

والتنظيم المذهبي الحديث يؤدي إلى تغيير شامل في شكل النظام الاجتماعي فهو يؤدي إلى وحدة الغاية ووحدة الفكر وهذا يؤدي إلى وحدة الوسائل والتنظيمات وإلى تضامن القاعدة الشعبية.

وهذا الشكل يختلف عن تشكيل الدول الليبرالية الرأسمالية حيث تختلف الغايات بسبب إطلاق المنافسة وإطلاق الحقوق والحريات ويسود الفراغ بين الناس فلا توجد قاعدة شعبية متضامنة.

وليس فوق نص الدستور على أن “الإسلام دين الدولة” عبارة أبلغ ولا أروع من أن غاية الغايات ونهايتها في النظام المصري هو إعلاء العقيدة الإسلامية وحمايتها والتقدم بها. ولما كانت الأشخاص القانونية تختلف عن الأشخاص الطبيعية في مقوماتها، فإنه يفهم من “دين الدولة” أنه شرائعها ونظامها ومنهجها في الحياة، تمامًا كما اتفق على أن القانون الجنائي يطبق على هذه الأشخاص بما يوافق طبيعتها بتوقيع العقوبات المناسبة لها دون ما لا يناسبها كالحبس، أو يفهم على أن الإسلام دين الأغلبية الساحقة فيكون دين الدولة، لأن الشعب مصدر السلطات ولن يرتضي المسلمون غير الإسلام دينًا. وأما غير المسلمين فقد ارتضوا أحكام الإسلام لأنها تحميهم وصار نظامهم جزءًا لا يتجزأ، خاصة أن إخواننا المسيحيين لا شريعة لهم ويعتمدون على الشريعة الإسلامية في كثير من أمورهم، وقد عشنا سويا (في مصر) قرابة الألف سنة في ظل الإسلام وفي وئام لم يشاهده شعب آخر.

وعلى هذا المنوال من الفهم المذهبي الذي يسيطر على القانون الدستوري الحديث تفهم النظم الحديثة، سواء في ذلك النظم الديمقراطية أو النظم الأخرى التي تقتبس من هذه النظم الشعبية. ولو أن بعض الدول المذهبية تتخذ مذاهب غير دينية ولكن الشكل الدستوري واحد في جميع النظم المذهبية.

2- ومعنى أن مبادئ الشريعة مصدر رئيسي للتشريع: أي أصول الشريعة –أي الأحكام الثابتة التي لا تتطور- هي المصدر الرئيسي وغيرها مصدر ثانوي –فلا يجوز تخطي الرئيسي والاقتباس من الثانوي. ومعنى التشريع هنا لا يقتصر على القانون المكتوب بل يشمل كل قاعدة تنظيمية سواء أثرها العرف أو وضعها القضاء كمبدأ. وهي في ذلك ليست مصدرًا تاريخيًا فقط بل مصدر تفسيري أيضًا لعامل الانسجام العام في ترابط المعنى التشريعي.

وهذه المادة لها خلفية تاريخية لا بد من شرحها:

وهي أنه لما شرعت البلاد في وضع دستور 1971 انهالت البرقيات على مجلس الشعب ومشيخة الأزهر مطالبة بأن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع فأصدر الإمام الأكبر شيخ الأزهر –الشيخ محمد محمد الفحام- بيانًا تاريخيًا نشرته الصحف في 2/6/1971 وأصدر مجلس الشعب ثم المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي قرارًا بأن تكون الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع.

ولكن لجنة الصياغة صاغت المادة على الوجه السالف. وهو لا يغير من معناها الأصلي طبعًا –لعدم ولايتها في ذلك- ولكنه يحتاط فقط للحاجة إلى استكمال الصياغة في الفروع، ولجان تقنين الشريعة دائبة على عملها. ولا تملك لجنة الصياغة بطبيعة الحال أن تخرج على إرادة السلطة التأسيسية في قراراتها وإنما يفسر النص الذي وضعته في ضوء هذه الإرادة لأنها مصدر السلطة، ومهمة لجنة الصياغة هي التحرير فقط وليست لها إرادة ذاتية في سن الدستور –كما أن الاستفتاء الشعبي- كما بينا- هو استفتاء إجمالي على الثقة بالسلطة.

وكلمة “مبادئ الشريعة” لا مفهوم لها إلا في المصطلح الإسلامي، وإنما تعرف الشريعة الإسلامية ما يسمى بالأصول، وما يسمى بالفروع.

وإجمال ذلك –كما أورده الثقات- أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: عقائد وشرائع (أو فقه). أو أصول الفقه (أي علم الأدلة الشرعية والاستنباط منها) وفروعه (أي التطبيقات العملية)، فصار مفهوم “مبادئ الشريعة” أي العقائد وأصول الفقه.

وفي ذلك يقول الإمام السعد (التفتازاني) على العقائد النسفية: “إن الأحكام الشرعية تنقسم إلى عقائد وشرائع”. وإن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية أو عملية. ومنها ما يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية.

والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع (أو الأحكام) وبالثانية أي العلم المتعلق بالثانية- يسمى “علم التوحيد والصفات”.

كما يقول الإمام البيضاوي في منهاج الوصول بيانًا لأقسام الفقه: أنه ينقسم إلى أصول وفروع: “أصول الفقه هو معرفة دلائل الفقه (أدلته) إجمالا وكيفية الاستفادة منها، وحال المكلف (يعني بحوث الأهلية وعيوب الرضا) والفقه، وأن الفروع هي العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من (أدلتها التفصيلية..) أي أن الأصول تتعلق بالأدلة وغير ذلك، والفروع تتعلق بالتطبيق العملي”.

وصار من اللازم طبقا للدستور أن تستمد الأحكام من هذه المبادئ أو الأصول فيما تقنن الفروع وهو منطق وبذلك زالت التهمة عن لجنة الصياغة ورفع الإصر عنها والحمد لله رب العالمين.

وبذلك أصبح فرض عين على القضاة وعلى رجال العلم أن يعلموا الشريعة وأن يقضوا بها.

ثم إن هذه الأصول ثابتة، والفروع ذات مرونة في الغالب وتقبل التغيير بقدر. ولذلك صلح أن يربط الدستور الأحكام بالأصول دون الفروع التي ما زالت تحتاج لمطابقة محدثات الزمان.

وأفضل ما أحيل إليه في ذلك ما قاله الإمام الشاطبي في الموافقات (الجزء الثاني: مقاصد الشريعة).

وكلمة “مصدرًا أساسيًا” تعني أن غير الشريعة ليس مصدرًا أساسيًا، لأن المذهبية لا تحتمل مصدرين أساسيين لضرورة وحدة الفكر فإذا عنت الحاجة للاقتباس من نظم أخرى فإن ذلك يكون في إطار المصدر الأساسي وبما لا يعارضه. وبذلك يمكننا الاستعانة بالنظم الأجنبية دون مجافاة للشريعة أو خروج عليها.

3- أما المشروعية الاشتراكية: فإنها تعتبر جزئية ومنطوية تحت المشروعية العليا؛ وهي المشروعية الإسلامية.

فإن ما تنص عليه المادة (4) من الدستور أن “الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكي القائم على الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال ويهدف إلى تذويب الفوارق بين الطبقات”. فهذا النص في الواقع يقتضي مشروعية جزئية قاصرة على الأساس الاقتصادي فقط محددًا في أمرين محصورين هما: الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال، وتذويب الفوارق بين الطبقات.

وهذه الأغراض جزئية بالنسبة للمشروعية الإسلامية الشاملة لنواحي الحياة الأخرى كالمسائل الدولية والاجتماعية والأدبية والثقافية والخلقية وعلاقات الأسرة والجوار (وغير ذلك كثير).

وليس صحيحًا أبدًا ما قيل من أن الاقتصاد هو الدافع الأول في الحياة، فالاقتصاد وسيط لغيره، وعلماء النفس اتفقوا على أن تصرفات الإنسان تصدر من غرائز أعمق، فهذا قول فاسد نشأ عن الانحراف نحو عبادة المادة. وطرح المثل والقيم.

ومن الملاحظ أن قبول الميثاق قد تقيد بالنص على أنه “إيمان بالله وشريعته” وبذلك فالإرادة الشعبية واضحة تمامًا في تقييد الاشتراكية -عند قبول الميثاق- بالدين والشريعة الإسلامية.

وكل ذلك لا يجدي ما لم يقم أهل العلم –والقضاء منهم- بتحقيق مبادئ الشريعة بالعلم والعمل فهذا هو معنى “العلم والإيمان” أن يكون العلم في خدمة الإيمان بأن يرسم مناهجه وطرق تخطيطه وتطبيقه فلا يظل الإيمان شعارات جوفاء لا قيمة لها.

وأن روح الفقه الحديث –كما أبديت في كتابات كثيرة- تقتضي أن يصبح الإيمان وقوة العقيدة والعمل بالروح الشعبية والشعور بآلام الناس هو سمة القانون في العصر الحديث.

وفي مصر: تتجه المحكمة العليا (الدستورية) اتجاها واضحا نحو إعلاء الشريعة الإسلامية واعتبارها نظاما عاما order public وخاصة في حكمها برفض إلغاء مواد الشفعة من القانون المدني ومواد الحبس لدين الفقه (حكمها في 21/6/1974 الدعوى رقم 1 لسنة 5، محمد حلمي إسماعيل ضد رئيس الوزراء وسامية عبد العال).

إلا أن الواقع أن فكرة النظام تختلف تمام الاختلاف عن فكرة السيادة الإيجابية التي تتيحها المذهبية، على الوجه الذي شرحناه في النظام الإسلامي.

ففكرة النظام العام order public هي فكرة وضعية positif وليدة النظم الفردية (الليبرالية الرأسمالية) ولا توجد إلا بها. لأن المشرع في هذه النظم يكون مطلق الحرية في التشريع كيف يشاء، ويكون له –كما يقولون- حق ذاتي مطلق في التشريع، نتيجة لنظرية التحديد الذاتي auto-limitation للدولة ونظمها التي سيطرت سيطرة شكلية formel في هذه النظم على النحو الذي نراه عند القائلين بذلك كأوتو ماير، وكاري ومالبرج وأوستن ونحوهم وبحيث تكون فكرة النظام العام وليدة النص وأسيرته، بعكس المذهبية، فهي تؤدي إلى تكوين مشروعية عليا legalite superieure على النحو الذي تتجه إليه الأفكار الحديثة. وهي مشروعية فوق سلطة الدولة، وفوق نصوص القانون بمعناها الشكلي.

وهذه الفروق تتبدى –بصفة خاصة- من النواحي الآتية:

أولًا: أن النظام العام l’order public هو نتيجة النص –في الغالب- وأسيره. فإن جاء النص –بالمنع والتحريم والتجريم- تقرر الحظر للنظام العام بصرف النظر عن تقبل الروح الشعبية لذلك. وإن جاء بالإباحة والإطلاق، صار غير مخالف للنظام العام بصرف النظر عن وجهة النظر الشعبية أيضًا. بعكس الحظر المذهبي، فإنه لا يأبه بالنص في هذه الحالة ويعلن بطلانه. ففي البلاد التي أبيح فيها الشذوذ الجنسي وزواج الأخ من أخته غير الشقيقة ومحارمه (كبنت الأخ وبنت الأخت والعمة والخالة) جاز ذلك قانونا ولو تضرر به معظم الشعب. وربما سار الفقهاء في المنع للنظام العام حينا طويلا، ثم يأتي النص رافعًا الحظر فيضطر القضاء للرضوخ له كارهًا.

ثانيًا: إن النظام العام حظر جزئي موضعي في الغالب، فما يعتبر من النظام العام مدنيا قد لا يعتبر كذلك إداريًا أو جنائيًا وبالعكس. بل وفي داخل أحد الفروع –كالتقنين المدني- قد يعتبر الوضع مخالفا للنظام العام في أمر –كالملكية- ولا يعتبر كذلك في أمر آخر كبعض العقود والالتزامات الشخصية وهكذا. وسببه أن طريقة التشريع الفردية تخلق نظما norms مستقلة كل منها عن بعضها. فالنظام الجنائي غير النظامي التأديبي في أهدافه ودواعيه. والنظام المدني غير النظام التجاري أو الإداري كذلك، فنظام الإفلاس غير نظام الإعسار المدني. وأما المذهبية فتخلق منهجا عاما system أو طريقة للحياة mode de vivre بسبب وحدة الفكر والتضامن الشعبي، فلا يصح أن يكون الحظر موضعيا فيها.. ويؤيده ظاهرة وحدة القانون في النظام المذهبي وتعذر فكرة الازدواج والتعدد كما قرر الكثيرون.

ثالثًا: إن النظام العام l’order oublic مقيد واستثنائي بطبيعته، لأن النظام الفردي (الليبرالي والرأسمالي) يجعل الأصل في الحرية والحقوق إطلاقها، وما يرد خلافا لذلك يكون استثنائيًا مقيدَا، بخلاف المنع المذهبي، فإن جميع الحريات والحقوق والمراكز القانونية فيه تكون مقيدة موصوفة بالمشروعية العليا.

طريقة التنفيذ:

وطريقة إرساء المشروعية الإسلامية على الوجه السالف تنقسم إلى قسمين كبيرين:

1-أحدهما: طريق اجتماعي وذلك بإعادة بناء البيئة على أساس إسلامي بحيث تتسم بآداب الإسلام وعوائده وتقاليده. وهذا موضوع مستقل بذاته ويفتح بابَا كبيرَا خاصَا به. وإنما المقرر أن البيئة غير المتخلقة بأخلاقيات الإسلام وعوائده وآدابه، لا تصلح لتطبيق الشريعة فيها، كالأرض البور لا تنبت ما يوضع فيها من البذور مهما كثرت. فيجب إصلاح الأرض أولا لإنبات أي قدر من البذور مهما كان قليلا. والملاحظ أن البيئة الفاسدة تسخر من القواعد الصالحة –أيا كانت- وتتحايل عليها. ولذلك فلا ثمرة إطلاقَا لمحاولات الإصلاح التشريعي في البيئات الفاسدة.

2-وثانيهما: طريق تشريعي وذلك بوسيلتين:

أحداهما وسيلة وقائية: بأن تعرض مشروعات القوانين قبل إصدارها على هيئة تشريعية لإبداء الرأي في مطابقتها للشريعة. وقد شكلت لدينا -في مصر- لجنة لهذا الغرض في مجلس الشعب من السادة الأساتذة: عبد الحليم الجندي، وزكريا البري، وحسين حامد (وهو في السعودية الآن). ولكن لم يبد لها أثر فعال إلى الآن.. ولعله لم تأت مناسبة لبحث شرعي فيما صدر منذ تشكيلها.

وثانيهما وسيلة علاجية: وهي اعتبار مخالفة القانون للشريعة دفعا بعدم الدستورية يجيز الطعن أمام المحكمة الدستورية العليا، لإلغاء القانون المخالف للشريعة. فهذه هي الطريقة العملية الوحيدة التي تمهد لتقنين الشريعة بعد تبلور العمل في ضوء تصارع المصالح. أما طريقة التقنين المسبق التي تتجه إليها بعض الدول فهي –فيما أرى- طريقة غير عملية. لأن التشريع لا يقوم على التصور بل يجب أن يسبقه العمل. وفرق بين من يضع مشروعًا للحفظ والتمني وبين من يضعه للتنفيذ المباشر والعمل الفوري.. فإن روح الجد والبناء تسود الأخير دون الأول.

وإني آمل أن يكون هذا المقال افتتاحا لمساهمة المفكرين المتخصصين والرسميين العاملين.

والله سبحانه وتعالى الموفق للخير وهو العلي القدير.

__________________________

* مصطفي كمال وصفي، الشريعة الإسلامية وسيادة القانون، مجلة “المسلم المعاصر”، ع 1 أبريل 1975، https://2u.pw/MAtyRj7.

(الجزء الثاني)

 السلطة التقديرية للمشرع- هل تخضع للرقابة الدستورية؟ متى تعدل المحكمة الدستورية عن قضاء سابق؟ وكيف؟
 

بقلم

د. أحمد كمال أبو المجد

أستاذ القانون العام– حقوق القاهرة

عرضنا في الجزء الأول من هذا البحث لبعض المبادئ الدستورية الحاكمة لدور المحكمة الدستورية العليا في رقابتها على القوانين، وللمناهج المختلفة التي يمكن أن تتبعها المحكمة في ممارستها لهذه الرقابة..

وكان الحديث عن هذه المناهج حلقة متوسطة بين عرض المبادئ القانونية الحاكمة وبين مناقشة السياسة القضائية للمحكمة، وهو ما نعرض لبعض جوانبه في هذا الجزء من البحث متناولين فيه بالإيجاز المناسب، أمرين من بين أمور ثلاثة كنا قد وعدنا بالتعرض لها:

الأمر الأول: مناقشة سياسة المحكمة في الرقابة على التشريعات الاجتماعية، رقابة تشارك بها، في تحديد معالم النظامين الاجتماعي والاقتصادي.

الأمر الثاني: بيان الوسائل الفنية التي تتمكن المحكمة عن طريقها من مراجعة بعض ما انتهت إليه في عدد من أحكامها السابقة.

أما الأمر الثالث: وهو مناقشة أهم الاقتراحات التي طرحها البعض بقصد تقييد سلطة المحكمة أو الانتقاص من قيمة الأحكام التي تصدرها في المسائل الدستورية فنرجو أن نعود لمناقشته في بحث خاص منفرد.

أولًا: تقييم دور المحكمة في الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع في المجال الاجتماعي:

 من المحددات الأساسية لدور المحكمة في الرقابة على دستورية التشريعات وعلاقتها في ممارسة هذا الدور بالسلطات العاملة وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.. أن المحكمة قد لا تكون لها الدراية الكافية والخبرة اللازمة لاتخاذ القرارات التي تتصل بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.. إذ الأصل أن هذه الخبرة وتلك الدراية تتوافران أساسًا للسلطات العاملة بحكم وظيفتهما الدستورية ومسئوليتهما المترتبة على ممارسة تلك الوظيفة.. وبحكم توافر البيانات والمعلومات الخاصة بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية لديهما على نحو يغلب ألا يتوافر مثله للمحاكم. والنتيجة المنطقية التي تترتب على هذه الحقائق السابقة أن على المحكمة أن تمارس درجة أكبر من التحفظ والتزام مظاهر التقييد الذاتي حين يكون الأمر المعروض عليها في المنازعة الدستورية دائرًا حول إقرار أو رفض سياسة اجتماعية أو اقتصادية معينة تبنتها السلطة التشريعية. ولتوكيد هذا النظر السديد نضرب مثالين من الأحكام التي أصدرتها محكمتنا الدستورية العليا في منازعات تتعلق بقضايا اجتماعية يختلف النظر في شأنها على نحو لا تبدو معه حجة مقنعة لترجيح وجهة نظر المحكمة في شأنه على وجهة نظر السلطات العاملة المسئولة دستوريًا عن رسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية.

والمثال الأول: هو الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا يوم 6 يناير سنة 1996 في الدعوى الدستورية رقم 5 لسنة 8 قضائية دستورية والمتعلق بمدى حق المطلقة الحاضنة في الاحتفاظ بمسكن الزوجية الذي كانت تقيم فيه قبل طلاقها.. والذي قضت فيه المحكمة بعدم دستورية المادة 18 مكرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 استنادًا إلى أنه مخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية التي نصت المادة الثانية من الدستور على اعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع.. ولن نتوقف في مناقشتنا لحكم المحكمة عند مسألة العلاقة وبين سائر نصوص الدستور.. إذ إن ما يعنينا هنا إنما هو منهج المحكمة في تناول “السياسية الاجتماعية التي تبناها المشرع” وحدود سلطتها في مخالفة تقدير المشرع والعدول عنه إلى سياسة اجتماعية أخرى تراها المحكمة أوفق وأولى بالاعتبار.

والنص الذي قضت المحكمة بمخالفته للدستور يلزم الزوج المطلق بأن “يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب، فإذا لم يفعل خلال فترة العدة استمروا في شغل مسكن الزوجية دون المطلق مدة الحضانة وإذا كان مسكن الزوجة غير مؤجر كان من حق الزوج المطلق أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء مدة العدة، ويخير القاضي الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية وبين أن يقدر لها أجر مسكن مناسب للمحضونين…”.

وقد انتهت المحكمة إلى أن نص المادة 18 مكررًا “ثالثًا” مخالف للدستور فيما نص عليه وتضمنه من:

أولًا: إلزام المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفي لسكناهم، أو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه، مؤجرًا كان أو غير مؤجر.

ثانيًا: تقييده حق المطلق –إذا كان مسكن الزوجة مؤجرًا- بأن يكون إعداده مسكنًا مناسبًا لصغاره من مطلقته وحاضنتهم واقعًا خلال فترة زمنية لا يتعداها، نهايتها عدة مطلقته. وقد نتفق –من حيث الموضوع- على عدالة وحكمة الرأي الذي تبنته المحكمة في هذا الأمر الدقيق الذي تتنازع في شأنه أمامها مصلحة كل من الزوج المطلق، والزوجة الحاضنة، والأبناء.. ولكن الذي نتوقف عنده ان المحكمة قد قررت صراحة في حكمها أن “النفقة بمختلف صورها وفى مجمل أحكامها، وفيما خلا مبادئها الكلية، لا ينتظمها نص قطعي يكون فاصلًا في مسائلها” كما قررت أنه يسوغ “الاجتهاد في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها” وعادت فأكدت حق المشرع، ولى الأمر في ممارسة هذا الاجتهاد في المسائل الظنية أو ربطها بمصالح الناس عن طريق الأدلة الشرعية –النقلية منها والعقلية- حق لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق ثابتًا لولى الأمر يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها وبما يناسبها، بأهل النظر في الشئون العامة”.

كما ردد الحكم معنى قريبًا من هذا المعنى بقوله إنه قد صار حقًا وواجبًا، “أن يتدخل المشرع ليرد ما قدره ظلمًا بيّنا، وأن يعيد تنظيم الحقوق بين أطرافها”. “ورتب الحكم على ذلك كله إقرار ما قدره المشرع، بالنص المطعون فيه من انتقال حق هؤلاء الصغار من نفقة يفرضها القاضي مبلغًا من النقود إلى عين محقق وجودها هي تلك التي كانوا يشغلونها مع أبويهم قبل طلاق أمهم” مقرًا أنه “لا منافاة في ذلك للشريعة الإسلامية سواء في مبادئها الكلية أو مقاصدها النهائية”.

رغم ما تقدم جميعه، عاد الحكم فأنكر على المشرع ما قررته المادة 18 مكررًا “ثالثًا” من إلزام المطلق بأن يوفر لصغاره من مطلقته، ولحاضنتهم مسكنًا ملائمًا وإلا استمروا من دونه شاغلين مسكن الزوجية، ولو كان لهؤلاء الصغار مال يكفيهم للإنفاق عليهم.. وبنى الحكم هذا الإنكار على مسلك المشرع بأنه “يكون بذلك مرهقًا ودون مقتضى –من يطلقون زوجاتهم ولو كان الطلاق لضرورة لها موردها شرعا مفضيًا إلى وقوعهم كارهين في الحرج، ليكون إعانتهم منافيًا للحق والعدل، ليقترن الطلاق بالبأساء والضراء التي لا مخرج منها”.

وكأنما استشعرت المحكمة أنها أحلت نفسها محل المشرع في التوفيق بين المصالح المتعارضة وترجيح بعضها على بعض، وأنها لم تعتمد ما هو مقرر في الفقه الإسلامي من أنه إذا اختار ولى الأمر رأيًا في المسائل الخلافية، فإنه يترجح “فذهبت إلى تقييده هذا الذي يقرره الفقهاء بأنه “مردود بأن الترجيح عند الخيار بين أمرين لا يكون إلا باتباع أيسرهما ما لم يكن إثمًا” فلا يشرع ولى الأمر حكما يضيق على الناس أو يرهقهم من أمرهم عسرًا، بل يتعين أن يكون بصيرًا لشئونهم بما يصلحها”. ومع اقتناعنا بأن اختيار المحكمة وترجيحها بين المصالح في خصوص المسألة المعروضة عليها قد كان اختيارًا موفقًا وأن له سنده من مبادئ الشريعة التي نص عليها الدستور في مادته الثانية. فلا يزال صحيحًا أن المحكمة بهذا الذي فعلته قد اختارت أن تقتحم ميدانًا شائكًا ودقيقًا وهو ميدان مراجعة السلطة التشريعية في تقديرها للمصالح وترجيح بعضها على بعض، وإيثار سياسة تشريعية تراها أوفق وأصلح وأقرب إلى مبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية.. وإذا كانت المحكمة قد بنت اختيارها على أساس أن السياسة التي رجحتها من شأنها التيسير على الزوج المطلق، وان اختيارها يجد أساسه في الحديث الصحيح الذي ترويه عائشة رضى الله عنها من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- “ما خير بين أمرين إلى اختار أيسرهما”.

 فقد يلاحظ على هذا الاستدلال أنه يشير إلى منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإفتاء والقضاء ولا يتضمن قاعدة تشريعية محددة. وإنما يبقى الخطاب موجهًا إلى المشرع أو ولى الأمر، فيما يضعه من نصوص، وما تتضمنه تلك النصوص من أحكام. كما أن الأمر في خصوص موضوع الدعوى لا يكفي في حسمه مبدأ القول بضرورة اتباع الأيسر، إذ نحن هنا أمام مصالح متعارضة لأفراد متساوين، الأب المطلق، والصغار، والمطلقة الحاضنة، فما يكون تيسيرًا لواحد من الثلاثة قد يكون تعسيرًا وإعناتا للآخرين.

ويبقى أن نص المادة الثانية من الدستور حين ألزم المشرع باحترام “مبادئ الشريعة” بدلًا من إلزامه بأحكام الشريعة، قد منح المحكمة الدستورية العليا سلطة أكثر اتساعًا، تستطيع في ظلها أن تقضى بعدم دستورية أي نص تشريعي إذا رأت فيه خروجًا على ما يقتضيه إعمال مبدأ من مبادئ الشريعة” ولو لم يتمثل هذا الخروج في مخالفة نص بعينه من نصوص الشريعة، قطعية لورود وقطيعة الدلالة وبهذا يقترب قضاء المحكمة اقترابًا كثيرًا من مراجعة ملاءمة التشريع.

كما يبقى أن نلاحظ أن “ولى الأمر” الذي يتوجه إليه الخطاب النبوي، يشمل في عصرنـا الحاضر سلطات الدولة المختلفة التي إليها أمر الجماعة، ولا تختص به -بالضرورة- واحدة من تلك السلطات دون سائرها، وأن المرجع في نهاية الأمر إلى ما حدده دستور الدولة وما رسمه من علاقة بين تلك السلطات.. وأن أولى تلك السلطات بمباشرة هذا التقدير للمصالح المتعارضة، هي السلطة التشريعية المنتخبة بحسبانها أدنى السلطات إلى التعبير عن التقدير الجماعي للمصالح المعتبرة، وكيفية التوفيق بينها أو ترجيح بعضها على بعض.

أما المثال الثاني:

الذي يكشف عن مدى تدخل المحكمة في وزن وتقدير الاعتبارات الاجتماعية التي تحيط ببعض التشريعات فتعبر عنه سلسلة من أحكامها التي تعرضت لضبط العلاقة بين المستأجرين والمؤجرين للأماكن السكنية، وهي علاقة بالغة التعقيد والدقة.. ويرجع ذلك إلى أمرين أحاط بمسلك المشرع المصري في ضبط هذه العلاقة.. فبعد قيام ثورة 1952 كان التوجه التشريعي العام هو [تجميد] السعر لحماية المستأجرين باعتبارهم “حينذاك الطرف الأضعف والأكثر حاجة لحماية المشرع، وذلك في مواجهة الملاك المؤجرين الذين افترض المشرع أنها الطرف الأقوى الذي يستبد عامة بالمستأجرين خصوصًا بعد ان استحكمت أزمة الإسكان.. وصار من يتهدد بفقد مسكنه بانتهاء مدة عقده أو بإنهائه من جانب، المالك والمؤجر، معرضًا لعنوة وعنت لا حدود لهما واستمر هذا التوجه التشريعي سنين طويلة، تغيرت خلالها أوضاع اقتصادية واجتماعية.

وتبينت خلالها كذلك حقائق كان بعضها قد غاب عن المشرع الذي أصدر عدة قوانين تنظيم هذه العلاقة، فقد تفتتت الطبقة التي كانت تسمى طبقة الملاك، وتراجعت قوتها الاقتصادية بما ترتب على القوانين المنظمة للعلاقة بين المؤجرين والمستأجرين من “تجميد” الأجرة المستحقة لهؤلاء الملاك، تجميدًا قلب العلاقة بينهم وبين المستأجرين رأسًا على عقب، كما أدى إلى ظهور مفارقات صارخة وغير مقبولة بين فئات مختلفة من الملاك، وأصبح بعض الأثرياء من المستأجرين لا يدفعون لبعض الفقراء من الملاك المؤجرين، إلا فتات لا يتناسب البتة مع قيمة العقارات المستأجرة، ولا يكاد يسد رمق أولئك الملاك الذين انتقلوا من فئة الموسرين إلى فئة المعسرين المحتاجين. وإذ استمر هذا الخلل سنين طويلة، فقد تصور الملاك المؤجرين أن وضعهم هذا أنشأ لهم في مواجهة المستأجرين وفى مواجهة المشرع حقوقًا مكتسبة لا يجوز المساس بها، لذلك صار من الصعب أن يتدخل المشرع ليتوجه بتشريعاته في اتجاه إعادة التوازن بين طرفي عقود الإيجار، ورد العلاقة الاجتماعية والقانونية بين أولئك الأطراف إلى ميزان الاعتداد الذي لا يظلم الناس فيه ولا يظلمون.

ولقد هم المشرع غير مرة بتدارك هذا الخلل، وكثر الحديث عن مشروعات لقوانين تعيد تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، ولكن الضغوط السياسية والاجتماعية التي تعرض لها المشرع، قد حالت دون إتمام هذا الأمر الذي صار التراخي عنه سببا لمظالم عديدة ولخلل يوشك أن يهدد السلام الاجتماعي بين فئات الناس، وفى ذروة هذه الأزمة بدا للمحكمة الدستورية حين وصل الأمر إليها، أن تؤدى بسلسلة موصولة من أحكامها، جزءًا من الدور الذي تراخى التشريع عن أدائه. فأصدرت عدة أحكام كان لها أثرها المباشر على مجمل العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين وحسبنا أن نشير إلى الأحكام التي قررت عدم دستورية نصوص عديدة كانت تسرف في حماية المستأجرين على نحو أوشك معه حقهم أن يتحول من حق شخصي مستمد من العقد إلى حق عيني شبيه بالملكية مستمد من نصوص القوانين.. كما أوشكت عقود الإيجار أن تتحول إلى عقود مؤبدة، لا يملك المؤجر إنهاءها واسترداد ما له من حق على العقار الذي يملكه قانونًا، ويستأثر به وبمنفعته المستأجرون فعلًا.

(أ) في مقدمة هذه الأحكام ما انتهت إليه المحكمة من عدم دستورية ما تضمنته المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر من استمرار عقد إيجار المسكن -عند ترك المستأجر الأصلي له- لصالح أقاربه بالمصاهرة حتى الدرجة الثالثة الذين أقاموا معه في العين المستأجرة مدة سنة على الأقل سابقة على تركه العين أو مدة شغله لها (القضية رقم 6 لسنة 9 قضائية دستورية- الحكم الصادر بجلسة 18 مارس 1995).

(ب) ومنها ما قضت به من عدم دستورية الفقرة الثانية من ذات المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 فيما نصت عليه من استمرار شركاء المستأجر الأصلي للعين التي كان يزاول فيها نشاطًا تجاريًا أو صناعيًا أو مهنيًا أو حرفيًا في مباشرة ذات النشاط بها بعد تخلى هذا المستأجر عنها (القضية رقم 4 لسنة 19 ق د- الحكم الصادر في 6 يوليو 1996).

(ج) وما قضت به من عدم دستورية ذات النص “الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون 49 لسنة 1977- فيما نصت عليه من استمرار الإجارة التي عقدها المستأجر في شأن العين التي استأجرها لمزاولة نشاط حرفي أو تجارى لصالح ورثته بعد وفاته”.

ولما كانت المبادئ التي قررتها هذه الأحكام تدور كلها حول استعادة التوازن بين مصالح المستأجر وتطلعاته و مصالح المؤجر وحقوقه وكان الحكم الصادر في 18 مارس سنة 1995، قد حوى أهم الأسانيد التي استندت إليها سائر هذه الأحكام لتبرير التوجه الجديد للمحكمة، فإننا سنكتفى باستعراض أهم ما تضمنه هذا الحكم الصادر في 18 مارس 1995 من مبادئ وهو -فيما نرى- حكم بالغ الأهمية في تحديد رؤية المحكمة للعلاقة بين المستأجر والمؤجر، وفى تحديد ما تراه أساسًا دستوريًا لمسلكها في إقامة هذا التوازن وأساسا -كذلك- لمخالفتها توجه المشرع الذي عبرت عنه النصوص التي رأت المحكمة مخالفتها للدستور”.

(أ) لاحظت المحكمة -بحق- أن نطاق الطعن الماثل أمامها لا ينحصر فيما قررته المادة 29 سالفة الذكر.. وإنما يمتد إلى الأحكام ذاتها التي تبنتها المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 لصالح هذه الفئة عينها، ومن ثم امتد عدم الدستورية إليها هي الأخرى.

(ب) حدد الحكم، بوضوح لا مزيد عليه، موقف المحكمة من السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق مقررًا أن الأصل في هذا السلطة أنها تقديرية، ما لم يفرض الدستور على ممارستها قيودًا لا يجوز تخطيها. وأن المشرع في مجال تنظيم العلائق الإيجارية، وإن قرر من النصوص القانونية ما ارتآه محققا للتوازن بين أطرافها، “إلا أن هذا التوازن لا يجوز أن يكون صوريًا أو منتحلًا أو سرابًا، بل يجب أن يعكس حقيقة قانونية لا مماراة فيها، ليكون التنظيم التشريعي لحقوق المؤجرين والمستأجرين في دائرتها منصفًا لا متحيفًا، متضمنًا الحقائق الموضوعية وليس متعلقًا بأهدابها الشكلية”.

وانتهت المحكمة إلى أن القيود التي يفرضها المشرع على حق الملكية “أي حق المؤجرين الملاك: لا يجوز أن تكون مدخلا لإثراء مستأجر العين وإفقار مالكها، ولا أن، يحصل المستأجر من خلالها على حقوق لا يسوغها مركزه القانوني في مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وكان قرينة الاستغلال”. وبهذه العبارة تأكد أن المحكمة تقتحم فعلًا، وهي عالمة تمامًا، مجال السلطة التقديرية التي تختص بها -أصلًا- السلطة التشريعية، وكأنها تعيد للعلاقة بين المستأجرين والمؤجرين توازنًا عادلًا أخلت به نصوص القوانين التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها.

(ج) وبسبب إدراك المحكمة لما قد يوجه لهذا الاقتحام الجريء من نقد أو ما قد يحيط به من تحفظ.. فقد توسعت في عرض مبررات هذا الاقتحام، واصفة تدخل المشرع بالنصوص محل الطعن بأنه “شطط وقلب للموازين” وأن من شأنه أن يجعل مغبون الأمس وهو المستأجر “غابنا” وأن من شأن هذا كله “أن يحل الصراع بين هذين العاقدين بديلًا عن اتصال التعاون بينهما”.

(د) لاحظت المحكمة -بحق كذلك- أن النص المطعون فيه يندرج تحت التشريعات الاستثنائية التي تدخل بها المشرع لمواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى.. إلا أنها لاحظت -بحق كذلك- “أن الطبيعة الاستثنائية لهذه التشريعات التي اعتبر المشرع أحكامها من النظام العام لإبطال كل اتفاق على خلافها.. لا تعصمها من الخضوع للدستور، بل يجب “أن يكون مناط سلامتها هو اتفاقها مع الدستور، ويجب بالتالي أن تقدر الضرورة المواجهة لهذا التنظيم الخاص بقدرها، وأن تدور معها وجودًا وعدما تلك القيود التي ترتبط بها وترتد إليها باعتبارها مناط مشروعيتها وعلة استمرارها.

(هـ) ولم تكتف المحكمة بهذا التدليل المستمد من الطبيعة الاستثنائية للتشريعات محل الطعن.. وإنما عادت لتقيم حجة إضافية مستمدة من تحديد مصدر حق مستأجر العين في استعمالها مُّذكرة بأن هذا الحق مصدره العقد دائمًا، وأنه لا يزال حقًا شخصيًا.. وليس حقًا عينيًا ينحل إلى سلطة مباشرة على العين المؤجرة ذاتها يمارسها مستأجرها دون تدخل من مؤجرها، ولازم ذلك أن يكون بقاء مستأجر العين فيها مرتبطا بضرورة شغلها بوصفها مكانا يؤويه هو أسرته، فإذا تخلى عنها تاركا لها، وأفصح بذلك عن قصده انهارت الإجارة التي كان طرفًا فيها وزايلته الأحكام الاستثنائية التي بسطها المشرع عليه لحمايته.

وانتهت المحكمة من عرضها لهذه الحجة الإضافية إلى أن المشرع آثر بالنص المطعون فيه أن يمنح -بالشروط التي حددها- مزية استثنائية يقتحم بأبعادها حق الملكية انتهاكًا لمجالاتها الحيوية التي لا يجوز أن يمسها المشرع إخلالًا بها، ذلك أن منفعة العين المؤجرة تنتقل بموجبها (أي بموجب هذه المزية الاستثنائية) من مستأجرها الأصلي إلى غيره من أقربائه بالمصاهرة حتى الدرجة الثالثة، ليحل هؤلاء محل المستأجر الأصلي في العين التي كان يشغلها الأبناء على تعاقد تم بينهما مثلما هو الأمر في شأن التأجير من الباطن أو التنازل عن الإجارة، بل بقوة القانون.

ومضت المحكمة تردد هذا المعنى وتقلبه على جوانبه كلها مقررة أن ما فعله النص الطعين “يناقض خصائص الإجارة” وأنه “ينحل إلى عدوان على الملكية من خلال نقضه بعض عناصرها، وهو بذلك لا يندرج تحت تنظيمها، بل يقوم على إهدار كامل للحق في استعمالها واستغلالها”. ملحقًا بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش “وأن المشرع بهذا قد خرج على قاعدة التضامن الاجتماعي التي أرستها المادة (7) من الدستور”. وهو “ما يخل بالحدود التي ينبغي أن يتم تنظيم الملكية في نطاقها” مما يصم النص المطعون فيه بإهدار أحكام المواد 2، 7، 32، 34 من الدستور”.

ومما يستحق التنويه في هذا المقام أن المحكمة الدستورية قد تابعت في عدد من أحكامها الحديثة هذا التوجه الجديد في استعادة التوازن بين المؤجر والمستأجر استعادة تتأكد بها حماية الملكية الخاصة التي قررها الدستور، ونشير في ذلك إلى حكم حديث للمحكمة صادر في 3 نوفمبر 2002 في القضية رقم 70 لسنة 18 ق.

(و) انتهت فيه إلى عدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 “فيما لم يتضمنه من النص على انتهاء عقد الإيجار الذي يلتزم المؤجر بتحريره لمن لهم الحق في شغل العين بانتهاء إقامة آخرهم بها سواء بالوفاة أو الترك”. ولهذا الحكم في تقديرنا دلالة مزدوجة فهو يعبر -من ناحية– عن مواصلة المحكمة جهدها الذي أشرنا إليه في إعادة التوازن بين حقوق المالك وحقوق المستأجر، كما أنه يعبر-فوق ذلك ومعه- عن ولاء المحكمة لتراثها الذي صار راسخًا وثابتًا في حماية الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، وهو ولاء نتمنى ونتوقع أن يستمر وأن يتضاعف يومًا بعد يوم.

ولا نملك في نهاية استعراضنا لهذه الأحكام العديدة التي سعت بها المحكمة إلى إعادة التوازن بين حقوق المستأجرين وحقوق المؤجرين إلا أن نقرر أمرين: هما خلاصة تقييمنا لقضاء محكمتنا الدستورية في هذا المجال الاجتماعي الذي يعبر عن أزمة تعرضت لها حياتنا العامة بسبب صعوبة تحقيق التوازن والمصالحة بين فئتين كبيرتين من فئات المجتمع، لكل منهما مصالحها، ولكل منهما من يدافع عن تلك المصالح أمام الرأي العام وداخل المجلس التشريعي. الأمر الأول: أن المحكمة قد شيدت بناء قانونيًا ودستوريًا شديد التماسك لتتمكن من مواجهة هذا التناقض البيّن بين مصالح المؤجرين والمستأجرين. مستخدمة فيه كل ما امتد إليه نظرها من المبادئ القانونية. وفى مقدمتها ضرورة احترام حقوق الملكية الخاصة التي كفلها الدستور، وضرورة احترام المصدر التعاقدي لحقوق كل من المستأجرين والمؤجرين. وطبيعة التأقيت الملازم لعقد الإجارة في القانون، وفى الشريعة الإسلامية على السواء، وفوق هذا كله، وقبله أن السلطة التقديرية للمشرع في مثل هذه الأمور، لا يمكن أن تغل يد المحكمة عن بسط رقابتها على ممارسة تلك السلطة.

الأمر الثاني: أن هذا القضاء يمثل -في مجموعه- خطوة بالغة الجسارة وبعيدة الآثار في تحديد علاقة السلطة القضائية بالسلطة التشريعية.. وبهذه الخطوة انتحلت المحكمة لنفسها سلطة “إصلاح” الخطأ البيّن الذي قد تقع فيه السلطة التشريعية في ممارسة وظيفتها الدستورية في سن القوانين. وسلطة المحكمة في ذلك لا تختلف كثيرًا عن سلطة المحاكم الإدارية المقررة في الفقه والقضاء الإداريين لمراقبة ما قد يشوب السلطة التقديرية للإدارة من “غلو” وهو “الغلو” الذي وجد فيه قضاؤنا الإداري، مبررًا وأساسًا للقضاء بإلغاء القرار الإداري باعتبار ذلك الغلو سببًا مستقلًا للإلغاء أو باعتباره قرينة على الانحراف بالسلطة، وهو شبيه كذلك بما قرره مجلس الدولة الفرنسي لنفسه من سلطة إلغاء القرار الإداري إذا شابه خطأ صارخ- في التقدير.

وقد لا تكون هذه الصيغة الجديدة للعلاقة بين السلطتين القضائية والتشريعية هي الصيغة التي قام عليها دستورنا حين أخذ بمبدأ الفصل بين السلطات.. ولكنها فيما نرى صيغة صالحة، ولكن في أضيق الحدود، لعلاج عجز المشرع أو تراخيه في بعض الحالات الاستثنائية عن إصلاح خلل حالت استطالة مدته وتمسك بعض الأطراف به استدامة لمصالحهم وما يرونه حقوقا اكتسبوها، دون تدخل المشرع ليضع -بقاعدة عامة جديدة- نهاية لما وقع من إخلال بالتوازن الضروري بين مصالح الفئات المختلفة، ولهذا ومع تقديرنا للضرورة التي دفعت المحكمة الدستورية إلى هذا النوع من التدخل، ومع إعجابنا بدقة وإحكام البناء القانوني الذي شيدت عليه قضاءها، فإننا لا نملك إلا أن نتوجه إلى المحكمة -التي يعلم الله كم نعتز بها وكيف نرى فيها خط دفاع كبير عن الحقوق والحريات والضمانات التي قررتها نصوص الدستور- كي لا تتوسع في استخدام سلطتها هذه، وأن تعتبر اللجوء إليها استثناء شبيهًا بالتدخل الجراحي الذي تقضى الحكمة بعدم اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى وبعد أن يتحقق عدم جدوى سائر وسائل التدارك والعلاج.

إن التزام الحذر الواجب في ممارسة هذه السلطة التي قررتها المحكمة لنفسها من شأنه أن تتراجع أو تذهب إلى غير رجعة الدعوات التي ارتفعت منذ سنوات قليلة منادية بوضع قيود على سلطة المحكمة، من شأن الأخذ بها على ما سوف نبينه أن تتراجع الفرص الحقيقية لحماية الشرعية الدستورية، وتتراجع معها فرص حماية سائر الحقوق والحريات التي قررتها نصوص الدستور.

ثانيًا: الوسائل الفنية التي تستطيع المحكمة الدستورية أن تعدل بها عن بعض أحكامها القديمة:

مضى على إنشاء محكمتنا الدستورية ما تعد [يزيد] على اثنين وعشرين عامًا، أصدرت خلالها أكثر من 2500 حكمًا.. يقع أكثرها في ميدان الطعون بعدم دستورية القوانين.. وهي أحكام تتناول ألوانًا عدة من الموضوعات.. منها ما يتصل على [بمبدأ] المساواة في مجالاته المختلفة ومنها ما يتعلق ببيان طبيعة وحدود الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور.. ومنها -على ما بينّا في الجزء الأول من هذا البحث- ما يقع في مجالات بالغة الدقة من مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وإذا كان جوهر العمل القضائي -بصوره كلها- يتمثل في إنزال حكم القانون على الوقائع المتنازع حولها.. وكانت تلك الوقائع متجددة متطورة.. ومع التسليم أن نصوص الدستور المصري تعلو -بحكم الجمود النسبي المقرر لها- على موجبات التغير المتكرر السريع.. فلا يزال صحيحًا أن الإطار الواقعي والموضوعي الذي تجرى في ظله مهمة “تنزيل حكم النصوص على وقائع الدعاوى والمنازعات” هذا الإطار متغير ومتجدد في بعض عناصره على الأقل على نحو قد ترى معه المحكمة أن الأمر يدعو إلى مراجعة بعض أحكامها السابقة، خصوصًا تلك التي مضى على صدورها أمد بعيد أو تلك التي كشفت الممارسة العملية عن أضرار ومظالم سببتها لأطراف النزاع أو لغيرهم ممن لم يكونوا طرفًا في الخصومات القضائية. ولأمر ما لا يزال خافيًا عنا، تصورت المحكمة ومعها جانب كبير من الفقه، وجانب كبير كذلك ممن يعبرون عن الرأي العام.. أن الأصل هو امتناع المحكمة عن ممارسة هذا “العدول” عن الأحكام القديمة.. ومواصلة الالتزام بما جرت به وقررته تلك الأحكام أيا كان وجه الرأي فيما قضت به وانتهت إليه. ولا بد لنا ونحن نعالج هذه القضية الفنية الدقيقة أن نذكر أمرين لا بد أن يكون لهما وزن كبير في تحديد منهج هذه المعالجة.

الأمر الأول: أن مصر ليست من الدول التي يقرر نظامها القانوني مبدأ حجية السوابق القضائية Slare Decisis المقرر والمعروف في النظام القانوني الأنجلو سكسونى أو الأنجلو أمريكي كما يقال اليوم.

إن هذا المبدأ، غير المقرر في مصر، يجد مبرره الأساسي في ضرورة المحافظة على استقرار المعاملات، من خلال استقرار المبادئ التي تتضمنها الأحكام القضائية.. وهو اعتبار له قيمته التي لا يجادل فيها أحد.. ولكن إعماله وحده وتجاهل ما قد يطرأ على الجماعة من موجبات التطور والتغيير يحول الاستقرار Stability إلى جمود وتحجر Stagnation and rigidity ومن ثم لا يتصور الرفض المطلق لمراجعة بعض المبادئ التي قررتها الأحكام السابقة للمحكمة والتي تظهر الحاجة واضحة إلى مراجعتها في ظل ما طرأ بعد صدورها من تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية تستوجب تلك المراجعة.

الأمر الثاني: أن للمسألة خصوصية متميزة حين تتصل بالقضاء الدستوري وحين تتصل -بصفة خاصة- بالمبادئ التي قررتها الأحكام السابقة حماية للحريات وإعمالًا للحقوق والضمانات التي قررتها نصوص الدستور، إذا إن القيمة الحقيقية لتلك المبادئ لا تتمثل في حماية حقوق وحريات من يلجؤون إلى المحكمة سعيًا لحماية تلك الحقوق والحريات، ووقوفًا في وجه كل صور “الخروج على الدستور” التي تمس مصالحهم.. وإنما تشكل تلك المبادئ “حرمًا” آمنا حول حقوق الأمة وأفرادها جميعًا.. قد تحوم حوله سلطات الحكم وتحدثها نفسها بالمساس به ولكنها تتردد طويلًا قبل اقتحامه والولوغ فيه بسبب حراسة المحكمة له وقيامها على احترامه.. لذلك يتجنب كثيرون تشجيع المحكمة على العدول عن أحكامها القديمة، اعتقادًا بأن الراجح، أن يكون ذلك العدول تراجعا عن بعض المبادئ التي قررتها الأحكام القديمة، وانتقاصا من الحقوق والحريات التي استقرت الأحكام على امتناع المساس بها، وترخصًا في إعمال مبادئ الشرعية الدستورية وسيادة القانون وكلها أمور نتمنى ألا تكون، ولا نتصور –مطلقًا- أن يكون شيء من ذلك وراء البحث عن سلطة المحكمة في العدول عن بعض ما قررته أحكامها السابقة، كما لا نحب -من ناحية أخرى- أن تؤدى هذه الهواجس إلى إجهاض البحث الضروري عن “الوسائل الفنية” التي تفتح الباب أمام المحكمة لتجديد قضائها في ميادينه المختلفة. أما قضية “التراجع” الذي يخشى منه البعض، فتظل أمرًا متعلقًا بالسياسة القضائية للمحكمة، مرجعه في النهاية إلى تصورها لعلاقتها بسائر السلطات، ووعيها- الذي لا نشك فيه أبدًا- بأهمية الدور الكبير الذي تؤديه في تثبيت دعائم الشرعية الدستورية، وإقرار السلام الاجتماعي والسياسي وهو سلام لا قيام له ولا دوام إلا بإلزام سلطات الحكم جميعها بنصوص الدستور ومبادئه، وهي المهمة الكبرى التي وكلها الدستور إلى المحكمة الدستورية، واختصها بها، دون غيرها على ما تقول المادة 175 من الدستور.

ومن الجدير بالذكر أن المحكمة الاتحادية العليا في الولايات المتحدة وهى التي تعمل في ظل مبدأ حجية السوابق القضائية لم تلتزم هذا المبدأ في المجال الدستوري بصفة خاصة، وأنها عبرت- في وقت مبكر للغاية- عن القيمة النسبية لهذا المبدأ، وذلك عام 1849 في القضية المعروفة باسم The Passenger Cas مقررة أن “القاعدة التي تجرى عليها هذه المحكمة هي أن آراءها في تفسير الدستور تظل دائمًا مفتوحة للبحث، لإعادة النظر فيها إذا تبين أنها أقيمت على أساس خاطئ، وحجية هذه الآراء يجب ألا تعتمد إلا على قوة ما تستند إليه من منطق وتدليل”. كما عاد القاضي الشهير براندايز Brandies فشرح موقف المحكمة من مبدأ حجية السوابق القضائية حين يتصل الأمر بتفسير الدستور، وذلك في رأى مخالف له Dissenting Opinion عام 1932 في قضية شركة كورونادو للزيت، ذهب فيه إلى أنه “حين يتصل الأمر بتفسير الدستور الاتحادي، ويتعذر تصحيح الأخطاء القضائية بإصدار تشريعات جديدة، فقد جرت هذه المحكمة على تصحيح أخطائها بنفسها عن طريق نقض أحكامها السابقة، نازلة بذلك عند حكم التجربة وما يتضح أنه الأصح والأسلم من المبادئ القانونية”.

بل إن بعض الشراح الإنجليز أنفسهم يرون أن القوة الملزمة لمبدأ حجية السوابق القضائية تقل كثيرًا حين يتصل الأمر بالمصالح العامة والنظام العام للمجتمع Public Policy “عن مؤلف فريدمان المشهورLegal Theory ص 330” فإذا كان هذا مسلك القضاء في إنجلترا والولايات المتحدة، وهما مصدر قاعدة إلزام السوابق القضائية.. فلا معنى للتردد في فتح الباب أمام التطور الطبيعي للقضاء الدستوري مواكبة للتطور السياسي والاجتماعي، مادامت هذه المواكبة تتم من خلال منهج موضوعي منضبط، لا يتسلل إليه ضعف أو هوى أو يتحكم فيه تأثر بترغيب أو ترهيب وكلها أمور يتنزه عنها كل قضاء عادل ومستقل.

فإذا انتقلنا إلى مناقشة الوسائل الفنية التي تستطيع محكمتنا الدستورية أن تلجأ إليها للعدول عن مبدأ قررته في بعض أحكامها السابقة ذكرنا أن هناك وسائل فنية ثلاث تستطيع المحكمة أن تستخدمها لتحقيق العدول عن مبدأ سبق أن قررته بعض أحكامها القديمة.

 الوسيلة الأولى: هي ما يعرف في لغة القضاء بتمييز “السابقة القديمة” عن “القضية الماثلة” أمام المحكمة Disting uishing a Precent. هذا هو الطريق التقليدي الذي يلجأ إليه القضاء الأنجلو سكسونى عبر مئات السنين.. حتى يتخلص من الآثار العملية الضارة والناتجة عن التطبيق الحرفي الجامد لمبدأ حجية السوابق القضائية، ومؤدى هذا الطريق أن تقرر المحكمة أن وقائع الدعوى الجديدة الماثلة أمامها تختلف عن الوقائع التي كانت معروضة عليها حين أصدرت أحكامها في السوابق القديمة ومعلوم أن القضاء في الدول الأنجلوسكسونية قد بلغ في سبيل “تمييز الدعاوى الماثلة عن السوابق القديمة” مبلغًا غير مقبول.. وأنه كثيرًا ما بنى عدوله عن المبدأ القديم على مفارقات بين وقائع الدعويين لا وزن لها ولا قيمة وما كان ينبغي أن يكون لها تأثير يستوجب العدول عن المبدأ القديم. وما دمنا قد انتهينا إلى أن قضاء محكمتنا الدستورية لا يحكمه التزام صارم بالسوابق.. فإن الحاجة لا تقوم في مصر إلى افتعال مفارقات بين وقائع تلك السوابق، ووقائع الدعاوى الجديدة الماثلة سعيًا إلى التخلص من تلك السوابق وإنما يتبقى أمام محكمتنا الدستورية وسيلتان فنيتان أخريان تملك المحكمة الاختيار بينهما. الوسيلة الثانية: مؤداها أن تتجاهل المحكمة الحكم القديم الذي تريد العدول عنه.. ولا تشير إليه مطلقا في حكمها الجديد مكتفية بتقرير مبدأ قانوني مخالف، أو تفسير للدستور مغاير للتفسير الذي سبق لها أن تبنته.. والواقع أن هذا التجاهل أيسر على المحكمة إذا كانت السابقة القضائية المخالفة قد مضى عليها زمن طويل تغيرت خلاله الأوضاع والملابسات المحيطة بموضوع الدعوى تغيرًا كبيرًا يبرر العدول عن المبدأ القديم.

ومن الأمثلة الشهيرة التي يسوقها الشراح الأمريكيون في هذا الصدد حكم المحكمة العليا الاتحادية عام 1917 في قضية بانتنج ضد أوريجون حيث قررت المحكمة الدستورية قانونًا صادرًا في ولاية أوريجون متضمنا تحديد حد أقصى لساعات العمل في المصانع، ناقضة بذلك حكما قديما شهيرا يرجع إلى عام 1905 صادرًا في قضية لوتشنر Lochner v.new york ضد نيويورك وفيه قضت المحكمة بعدم دستورية تشريع صادر في نيويورك يضع حدًا أقصى لساعات العمل في المخابر وكان هذا العدول تعبيرًا عن نظرة جديدة إلى سلطة الدولة في التدخل في حرية الأفراد في التعاقد، وإلى نظرة المحكمة لحدود هذه الحرية فبعد أن كانت المحكمة تتبنى تصورًا مسرفًا في احترام حرية التعاقد، يحول بين المشرع وبين حماية مصالح عامة ترجح عند المفاضلة على حرية الأفراد في التعاقد عادت فقيدت هذه الحرية رعاية لمصلحة عامة راجحة هي حماية العمال من استغلال حاجاتهم للعمل من جانب أصحاب المصانع وأرباب الأعمال، وتشغيلهم ساعات طويلة من شأنها أن تمس صحتهم وأن تعرضهم لأضرار قدر المشرع أهمية حمايتهم منها. وقد تفاوت النظر في تقدير هذه الوسيلة الفنية وفى المفاضلة بينها وبين التصريح بنقض السابقة القديمة.

فالميزة الكبرى لهذه الوسيلة أنها تيسر للمحكمة تصحيح أخطائها في هدوء، ودون إثارة للرأي العام، أو رأى بعض أصحاب المصالح، إلا أنها من ناحية أخرى تفتح الباب أمام المحكمة كي تعود إلى السابقة القديمة مادامت لم تنقض صراحة، وهو ما ينزع الاستقرار ويفضى إلى الاضطراب في المعاملات لذلك وجدنا المحكمة العليا الأمريكية تعود مرة أخرى عام 1923 إلى المبدأ الذي كانت قد قررته عام 1905، ذاهبة في قضية أدكنز ضد مستشفى الأطفال Adkins V.childern`s Hospital إلى عدم دستورية تشريع يضع حدًا أدنى لأجور النساء في العمل، زاعمة أن المبدأ الذي تقرر عام 1905 في قضية لوتشنر، هو السابقة المعتمدة وأنه لم ينقض أبدًا وفى تقديرنا أن المحكمة في مفاضلتها بين حكمين سابقين متناقضين من أحكامها ستجد نفسها مضطرة دائما إلى تمييز وقائع الدعوى الماثلة أمامها عن واحدة من السوابق التي تريد العدول عنها وتقريب تلك من الوقائع الدعوى التي نرى فيها “السابقة الملزمة لها”. وهو ما يفتح -بدوره- بابًا للحيرة في معرفة المبادئ الملزمة التي قررتها المحكمة في أحكامها المختلفة أو في تصور ما سوف تكون عليه الأحكام الجديدة حين يعرض الأمر مرة أخرى على المحكمة.

أما السبيل الثالث: الذي تملكه المحكمة والذي تلجأ إليه مضطرة إذا كان الحكم الذي تريد العدول عنه حديث العهد، لم ينسه المتقاضون ولا تملك المحكمة لذلك تجاهله والسكوت عنه. فهو العدول الصريح عما قرره الحكم القديم والتصريح بأن السابقة القديمة قد نقضت بقضائها الجديد. ومن الملابسات التي تسهل على المحكمة انتهاج هذا الأسلوب الأخير أن تكون السياسة التشريعية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية قد تغيرت تغيرًا جذريًا.. على نحو يكون معه التمسك بالسابقة القديمة وقوفًا في وجه حركة المجتمع، والتزامًا بما لا يلزم من رؤى ومفاهيم عدل المجتمع عنها واتجه إلى سواها.. وقد حدث هذا في الولايات المتحدة في أعقاب أزمة أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي بين الرئيس روزفلت والمحكمة العليا حول سياسته الاقتصادية الجديدة New Deal التي تبنت صورًا لم تكن مألوفة من صور التدخل الحكومي في العلاقات الاقتصادية وهى الأزمة التي انتهت -في أعقاب نجاح الرئيس روزفلت في الانتخابات عام 1936- إلى عدول المحكمة السريع عن سلسلة من أحكامها كانت قد قررت فيها عدم دستورية أجزاء كبيرة من برنامج الاصلاح الاقتصادي الذي تبناه الرئيس روزفلت ومعه الكونجرس وبسبب السرعة التي جرى بها عدول المحكمة عن قضاء موصول لها فقد كان هذا العدول موضوع لنقد شديد تزعمه بعض أعضاء المحكمة وعلى رأسهم القاضي روبرتس الذي ذهب في رأى مخالف له عام 1944 إلى أن “هيبة المحكمة واحترامها لابد أن تسقط عند جمهور المتقاضين وعند المحامين حين يعملون أن شيئًا مما قالته لا يلزمها في الدعاوى الجديدة المنظورة أمامها”. ويظل الأمر في النهاية مرتبطًا بسياسة المحكمة ومدى قدرتها على التوفيق بين اعتبارات الاستقرار والاستمرار، واعتبارات الرجوع إلى الحق حين يتكشف وجه الخصومة- أو يتبين مقدار الضرر الذي سببه حكم قديم لها.

وفى ختام هذا الجزء من البحث المقرر [نقرر] الأمور الآتية:

1 – إن التعميم في مناقشة هذه المشكلة نقض [يقود] لا محالة إلى الخطأ، وأن المنهج السليم في تقدير مسلك المحكمة حين تعدل عن قضاء قديم لها ينبغي أن يتجه البحث عن الأسباب الحقيقية لهذا العدول في كل حالة على حدة، وأن توزن الأضرار الناتجة عن هذا العدول بالأضرار الناتجة من استمرار المحكمة في تطبيقها لسابقة فسادها، أو تغيرت دواعي وأسباب الحكم الصادر فيها.

2 – يدل استقرار أحكام المحكمة العليا من بعدها المحكمة الدستورية العليا في مصر.. على أن المحكمتين وإن لم تعرضا على نحو مباشر لمناقشة حق المحكمة في العدول عن بضعة أحكامها القديمة.. إلا أن هناك أحكامًا غير قليلة عدلت فيها المحكمة فعلًا عن مبادئ قررتها في أحكام سابقة دون أن تصرح صراحةً بهذا العدول.. أي أنها اتبعت الوسيلة الفنية الثانية التي عرضناها فيما سبق. من ذلك على سبيل المثال أن المحكمة الدستورية قد رفضت بحكم شهير لها الصادر في القضية رقم 20 للسنة الأولى القضائية (دستورية) الطعن بعدم دستورية ما تقرره المادة 226 من القانون المدني من فوائد يدفعها المدين بمبلغ من النقود معلوم المقدار نظير تأخره عن السداد، وهي فوائد مقدارها 4% في المسائل المدنية و5% في المسائل “التجارية”.. وكان من أسباب هذا الطعن مخالفة هذا الحكم لأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها التي أصبحت منذ عام 1980 المصدر الرئيسي للتشريع بمقتضى التعديل الذي تقرر في تلك السنة للمادة الثانية من الدستور.

واستندت المحكمة في رفض هذا الطعن إلى أن المادة 226 المطعون بعدم دستوريتها قد صدرت عام 1948، أي قبل نفاذ المادة الثانية من الدستور، حتى قبل تعديل نصها الأصلي الذي تضمنه دستور عام 1971، وأن القيد الذي فرضه المشرع الدستوري على الدستور لا ينصرف إلا إلى التشريعات التي تصدر بعد نفاذ المادة الثانية من الدستور. وهذا الذي انتهت إليه المحكمة مخالف تمامًا لما سبق للمحكمة العليا أن قررته في عدة أحكام لها منها حكمها الذي أصدرته المحكمة في 6 نوفمبر 1971 مقررة عدم دستورية القرار بقانون رقم 31 لسنة 1963 بتعديل المادة 12 من قانون مجلس الدولة الصادر عام 1959 فيما نصت عليه من اعتبار القرارات الصادرة من رئيس الجمهورية بإحالة الموظفين إلى المعاش أو الاستيداع أو فصلهم بغير الطريق التأديبي من أعمال السيادة، وقد ذهبت المحكمة إلى أن القرار المطعون فيه ينطوي على مصادرة لحق هؤلاء المواطنين في الطعن في تلك القرارات أو التقاضي بشأنها، فضلًا عن إهداره مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق، بالمخالفة لنصى المادتين 40 و 68 من الدستور والدساتير السابقة، وأنه “لا يطهره من هذا العيب ما نصت عليه المادة 191 من الدستور من أن كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقى صحيحًا ونافذًا، وأن نص المادة 191 المشار إليه “لا يعنى سوى مجرد استمرار نفاذ هذه القوانين واللوائح دون تطهيرها مما قد يشوبها من عيوب ودون تحصينها ضد الطعن بعدم الدستورية”.

وقد تابعت المحكمة الدستورية العليا مسلك المحكمة العليا هذا في سلسلة من أحكامها، نذكر منها على سبيل المثال حكمها الصادر في 11 أكتوبر 1997 والذى تعرض للطعن بعدم دستورية المادتين 14 و 15 من القانون رقم 598 لسنة 1953 بشأن أموال أسرة محمد على التي صدر قرار من مجلس قيادة الثورة في 28/11/1953 بمصادرتها ومصادرة ما عساه يكون قد انتقل منها من أفرادها إلى غيرهم عن طريق الوراثة أو المصاهرة أو القرابة، وقالت المحكمة في أسباب حكمها أنه “من حيث إن قضاء المحكمة العليا التي تتقيد المحكمة الدستورية العليا بأحكامها على ما جرى به قضاؤها مؤداه أن دستور 1956 لم يتخذ موقفًا واحدًا من التشريعات السابقة على العمل به، بل غاير بينها على ضوء أهميتها لثورة يوليو 1952 فما كان منها ملبيًا متطلباتها الرئيسية.. فإن حصانته من الطعن عليه أو التعويض عنه أمام أية جهة تكون نهائية لا رجوع فيها على ما تقضى به المادة 191 من هذا الدستور. وما كان من تشريعاتها في درجة أدنى فإن حمايتها تكون أقل إذ تبقى نافذة مع جواز إلغائها أو تعديلها وفقًا للإجراءات المقررة في الدستور فلا يكون نفاذها عملًا بنص المادة 190 من ذلك الدستور مؤديًا إلى تحصينها بما يحول دون الطعن عليها.

كذلك قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية عدد من النصوص التشريعية الصادرة قبل تاريخ العمل بدستور 1971 لمخالفتها المادة 34 من هذا الدستور. ولكن هذه السلسلة المتصلة من أحكام المحكمة العليا، ومن بعدها المحكمة الدستورية العليا لم تمنع هذه الأخيرة من مخالفة تلك الأحكام جميعها ورفضها والقضاء بعدم دستورية المادة 226 من القانوني المدني استنادًا إلى أن تلك المادة سابقة على تاريخ نفاذ المادة الثانية من دستور 1971 والتي جرى تعديلها عام 1980 على ما بينا.

وخلاصة ذلك كله أن المحكمة الدستورية العليا لم تتردد في العدول عن بعض أحكامها القديمة، وذلك دون أن تقرر صراحة أنها تعدل عنها.. مكتفية بتقرير مبدأ مخالف لما كان قضاؤها القديم قد أقيم عليه. ومعنى هذا كله أن الباب كان ولا يزال مفتوحًا أمام المحكمة لمراجعة بعض ما قررته من قبل في أحكامها القديمة.. ولكن هذه المراجعة تظل مع ذلك جزءًا من السياسة القضائية للمحكمة تحكمه اعتبارات أساسية في مقدمتها –فيما نرى– أمران:

أولهما: أن يكون هذا العدول تعبيرًا صادقًا عن الرغبة في أن تعبر أحكام المحكمة عما يطرأ على الأوضاع الاجتماعية والسياسية في المجتمع المصري من تغيرات.. وأن تظل المحكمة – وهي تستجيب بقضائها لهذه التغيرات – على وعى كامل بأهمية تحقيق الاستقرار الاجتماعي والقانوني عن طريق متابعة الأحكام القديمة ما لم تنطو هذه المتابعة على إخلال واضح بالمصالح الجماعية الكبرى.. أو كانت التجربة العملية قد كشفت عما أدى إليه تطبيق السابقة القديمة من أَضرار محققة بالجماعة أو ببعض من أفرادها، أو وقوعها في خلل منطق لا يتصور العمل على استدامته وفرضه على المجتمع.

ثانيًا: أن يظل هذا العدول في الحالات التي يتم فيها، محافظًا على الخط الأساسي الذي تبنته المحكمة منذ نشأتها، والذي نتمنى ألا تعدل عنه أبدًا في غد قريب أو بعد غد بعيد، وهو خط حراسة الشرعية الدستورية، وإعلاء كلمة القانون، وصيانة الحقوق والحريات، ذلك أنه إذا غابت الحرية وغابت معها سيادة القانون، أمكن أن يغيب عن الأمة كل خير وكل استقرار، وإذا [حضرتا ففي صحبتهما يحضر] كل صلاح ورشد وأمن وخير.


* نُشر هذا المقال في العدد الثاني من مجلة “الدستورية”، التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا في مصر (عدد أبريل 2003م).

توفي بالأمس (٢٢ أبريل ٢٠٢٣) أ. د. عبدالحميد البعلي بالكويت وسيصل جثمانه الكريم اليوم (٢٣ أبريل ٢٠٢٣) القاهرة…

والأستاذ الدكتور عبد الحميد محمود البعلي، أستاذ الفقه المقارن والاقتصاد الإسلامي، ورئيس قسم الفقه المقارن والدراسات الإسلامية بكلية القانون الكويتية العالمية.

أهم المؤهلات العلمية:

دكتوراة الفقه المقارن بكلية الشريعة- جامعة الأزهر.

الدكتوراة الفخرية من جامعة محمود قشقاري للدراسات الشرقية- القرقيزية الكويتية- بجمهورية قرقيزستان.

ماجستير القانون العام.

أهم الأعمال والخبرات المتعلقة بفقه الاقتصاد الإسلامي:

أول رئيس ومؤسس لقسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود بالسعودية.

من المؤسسين للمعهد الدولي للبنوك والاقتصاد الإسلامي بجمهورية قبرص التركية.

أول رئيس لقسم الفقه المقارن والاقتصاد الإسلامي بالمعهد الدولي للبنوك والاقتصاد الإسلامي بجمهورية قبرص التركية.

أول مستشار للاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.

بعض المشروعات القانونية والدراسات التي قام بها:

وضع أول صياغة لمقترح مشروع قانون للبنوك الإسلامية واشترك في مناقشته في اللجنة الاستشارية العليا لاستكمال تطبيق الشريعة في الكويت.

وضع أول صياغة لمشروع تمويل عجز الموازنة في الكويت واشترك في مناقشته وصدر من اللجنة العليا الاستشارية بعنوان (الأدوات المقترحة لتمويل عجز الموازنة).

أهم المؤلفات:

ضرورة تقنين أحكام الفقه الإسلامي لتطبيق الشريعة الإسلامية.

تقنين أحكام فقه المعاملات المالية المعاصرة مع نموذج تطبيقي.

تهيئة الأجواء لتطبيق الشريعة ومراعاة واقع البلاد ومصالحها.

تحميل السيرة الذاتية كاملة

قال الدكتور شوقي علام مفتي مصر ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، إن الدستور المصري نص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

وأضاف شوقي علام خلال لقائه مع الإعلامي حمدي رزق، ببرنامج «نظرة»، المذاع على قناة صدى البلد، أن المبادئ هي الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة، مردفا: «الدستور يقول يا سلطة تشريعية في الدولة لما تيجي تشرعي لا تتبني قوانين على خلاف مبادئ الشريعة الإسلامية لأنها مستقرة وثابتة ولا تتغير بتغير الزمان أو المكان، وهذا أمر تراعيه مصر في كل التشريعات».

وتابع مفتي مصر، أن القانون المصري هو وسيلة تطبيق الشريعة الإسلامية، لأنه لا يمكن وضع النص الشرعي موضع التطبيق إلا من خلال هذه التقنيات في الدولة الحديثة ولا يمكن القول إننا سنخضع لاجتهادات يمكن أن تتغير من قاض لآخر نظرا لوجود وجهات نظر متعددة.

الشروط الكافية التي نص عليها القرآن الكريم لا تتوفر في إثبات العديد من الجرائم

وبين شوقي علام أن الشروط الكافية التي نص عليها القرآن الكريم لا تتوفر في إثبات العديد من الجرائم، ولا يمكن أن يطمئن القاضي إلى وجود الشروط والأسباب التي تؤدي إلى تطبيق العقوبات الحدية خاصة في الزنا والسرقة، موضحا أن الدستور لا يستبدل عقوبة مذكورة في القرآن بأخرى، لكن الشروط لم تتوافر لتطبيق العقوبة ولا يمكن أن تتوافر حتى في أثناء الاعتراف.

وأكد مفتي مصر، أن ما يقر من أحكام مختلفة في القانون المصري، غير الواردة بالنص الشرعي هو نتيجة لعدم توافر الشروط الكافية وليس استبدالا للعقوبات المنصوص عليها.

*المصدر: