نُشرت هذه الدراسة من قبل الاتحاد الاشتراكي العربي، (أمانة الفكر والدعوة والشئون الدينية، المعهد العالي للدراسات الاشتراكية)، وأصلها مستخرج من “دراسات القانون الدولي”، المجلد الثاني، 1970م.

والكاتبة هي أ. د. عائشة راتب (1928-2013م)، أول سفيرة مصرية وثاني سفيرة عربية، وأول معيدة في كلية الحقوق جامعة القاهرة، وأول أستاذة للقانون الدولي في مصر، ووزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، ولها مؤلفات تمثل مرجعًا في تخصصها.

وقد جاء في مقدمة الدراسة ما يلي:

يتخذ نزاع الشرق الأوسط حاليًا أبعادًا تتعدى أبعاد المنازعات المحلية، وإذا كانت الصفة العسكرية المحلية قد غلبت عليه حتى الآن، فإن العوامل والمؤثرات الهامة المحيطة به لها أثر كبير على العلاقات الدولية المعاصرة، ولعل هذا ما يفسر لنا تفاقم الإحساس بضرورة إيجاد حل لنزاع الشرق الأوسط كمقدمة لتخفيف حدة الأزمة العالمية العامة.

وقد زادت التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة من حدة وحجم هذا النزاع خصوصًا بعد أن زاد اهتمام الاتحاد السوفيتي بالمنطقة العربية، وبعد أن هجرت الولايات المتحدة سياسة العزلة التقليدية التي سارت عليها ما يقرب من قرنين من الزمان، وظهرت إيجابيًا في محيط العلاقات الدولية، كما ساعد في تأزم الموقف الفهم الخاطئ لدى الرأي العام العالمي لطبيعة المجتمع الفلسطيني وجهله المطبق بتاريخه وظروفه السياسية والاجتماعية، وهو ما أدى إلى تجاهل الجماعة الدولية عام ١٩٤٧م لحقوق الشعب الفلسطيني في وطنه وإهمالها اتخاذ الخطوات العملية لتمكينه من استعادة أراضيه.

ويضفى الوضع الجغرافي والاستراتيجي للمنطقة العربية أهمية قصوى على هذا النزاع: فهي المنطقة التي تتصارع فيها حاليًا القوى الاستعمارية التقليدية -وتنظر إلى منطقة الشرق الأوسط كمنطقة نفوذ تقليدية لها- والاتحاد السوفيتي الذى وضع الخطوط العريضة لسياسته في المنطقة على أساس حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقدم بالتالي المعونة والمساعدة لكل من طلبها من الدول العربية.

غير أن حرب يونيو عام ١٩٦٧م -وهى حلقة من سلسلة الحروب التي عاناها العالم العربي منذ عام ١٩٤٨م- بدأت مرحلة جديدة في نزاع الشرق الأوسط، والمشاهد أن الجماعة الدولية حاليًا تبذل الجهد لإيجاد تسوية سلمية لهذا الصراع رغم استمرار المعارك الحربية، ولعل سبب ذلك أن الحرب الأخيرة لم تحقق الأهداف المرجوة منها، فضلاً عن رغبة القوى الدولية الكبرى -رغم مواقفها المحددة ورغم وجود تفاهم شبه ضمني بینها على حصر الحرب في نطاق الحروب التقليدية المحدودة وعدم التورط فيها بما يهدد بتحويلها الى حرب عالمية- في إيجاد حل للنزاع وأخيرًا ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة كعنصر مؤثر فيه، والعوامل السابقة -نتيجة الحرب غير المتوقعة وتردد القوى الكبرى في تصعيد العمليات العسكرية، وظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة لابد أن تؤدى -في نظرنا- إلى إعمال الفكر وإيجاد الظروف المواتية لإيجاد تسوية عادلة لهذا النزاع.

وقد يعتقد البعض أن هزيمة يونيو عام ١٩٦٧م قد أنهت مقاومة الحكومات العربية، غير أن هذا الاعتقاد -ولو كان صحيحًا- لا يعنى بتاتًا عودة السلم إلى منطقة الشرق الأوسط، فقد أثبتت التجارب التي خاضتها شعوب سابقة أن الحلول العسكرية لا تحقق دائمًا النتائج المطلوبة إذا لم يرتكز الحل النهائي على أساس من العدل والقانون.

وواقع الأمر أن إيجاد الحل للمشكلة يتطلب دراستها دراسة عميقة وإعادة تقدير وتقييم النظريات التي بنيت عليها مما يساعد على إيضاح الرؤية وتحقيق الحل المتوازن السليم، وإذا كانت قرارات الأمم المتحدة التي أعقبت عدوان يونيو المسلح قد أهتمت بصفة رئيسية بالعمل على وقف إطلاق النار، فإنها لم تتضمن الأمر بالانسحاب، ويمثل قرار مجلس الأمن الصادر في نوفمبر عام ١٩٦٧م مجهودًا له قيمته، وإن كان قد اكتفى بتحديد الخطوط الرئيسية للتسوية السياسية ولم يضع الخطوط العملية التي تكفل تنفيذه.

ونحن لا نهدف من دراستنا اليوم إلى التعرض للمشكلة بالتفصيل -فقد سبق للفقه العربي أن تعرض لها كما تعرضنا لها في كثير من كتاباتنا السابقة- وإنما تقصر البحث اليوم على الجانب الخاص بالمقاومة الفلسطينية المسلحة التي تستهدف وفقًا للتصريحات التي أدلى بها السيد/ ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى “إزالة آثار عدوان ١٩٤٨م، وإقامة دولة فلسطينية يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود معًا”.

ولا شك أن تحديد الوضع القانوني للمقاومة العربية المسلحة أمر له أهميته القصوى في الظروف الحالية التي تمر بها الجماعة الدولية، ولهذا فنحن لن نقتصر في هذا البحث على دراسة المقاومة المسلحة بمعناها الضيق الذي ارتبط دائمًا في الفقه الدولي بالاحتلال العسكري، وإنما سنعرض لها أيضًا بمعناها الواسع، ولا شك أن ذلك يثير مجموعة من المشاكل القانونية نتعرض لها في هذا البحث. فما هي طبيعة الوجود الصهيوني في فلسطين؟ وما هو الوضع القانوني للمقاومة العربية المسلحة في الأراضي المحتلة؟ وما هو الوضع القانوني للمقاومة الفلسطينية المسلحة؟ وما هي الآثار القانونية التي تترتب على الإقرار بمشروعية المقاومة الفلسطينية؟

تقسيمات الدراسة:

  • مقدمة.
  • الفصل الأول: الوضع القانوني للمقاومة المسلحة في الأراضي المحتلة.
  • الفصل الثاني: الوضع القانوني للمقاومة الفلسطينية بمعناها الواسع.
  • خلاصة البحث.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

نُشرت هذه الدراسة في مجلة حقوق حلوان للدراسات القانونية والاقتصادية، مج: (48)، ع: (48)، يناير 2023م، وجاء في مقدمة الدراسة ما يلي:

عنيت الأديان السماوية بحقوق الإنسان وحرياته بصفة عامة، وأفردت عناية خاصة لحرية التعبير عن الرأي بأشكالها المختلفة، ووضعت الحدود والضوابط التي تحقق التوازن بين ممارسة الإنسان لحق التعبير عن رأيه وبين حقوق وحريات الآخرين، وكفلت لمباشرة حرية التعبير عن الرأي وسائل متعددة، بما يحقق في النهاية العدل والمساواة والتعايش السلمي بين البشرية.

ولما كان نظام المجتمع يقوم على قواعد يلتزم بها كافة أفراده، فإن العلاقات بين بني الإنسان وبين معبوده –فيما يعرف باسم الدين– لابد أن تُحترم من سائر المجتمعات، ولهذا فإن المشرع لكل دولة أدرك أهمية التعبير عن المعتقدات الدينية، ولذا وجب الفصل بين الاعتقاد وبين الممارسة، فالاعتقاد هو ما يبطنه الإنسان داخل نفسه، ويعقد عليه قلبه وعزمه، وتكون عليه نواياه، وهو أمر لا دخل للسلطات به أو بتنظيمه، وليس للناس البحث فيه، وإنما يتصل بعلاقة الإنسان بمعبوده.

ولذلك لكل إنسان أن يعتقد ما يشاء من القواعد الدينية، ولكن شريطة ألا يخل بالنظام العام والآداب، أما الممارسة فهي شيء آخر، فلا يمكن موافقة شخص يتدين بغير الديانات السماوية أن يطلب الإذن له بممارسة تلك الديانة على مرأى ومسمع من أصحاب الديانات السماوية، مما يضر بالنظام العام داخل المجتمع.

وفيما يتعلق بنطاق ممارسة حرية التعبير عن الرأي وإمكانية التوغل في تناول الحرية الدينية، فتحدث مساسًا بها، فقد نشأت علاقة بالغة الحساسية بين الحريتين عندما ظهرت آراء معادية أو ناقدة للدين في بعض صور التعبير، أبداها البعض تحت ستار حرية الرأي.

وقد تجلى ذلك في السنوات الأخيرة من خلال بعض الكتابات أو الرسوم الكاريكاتيرية أو الأفلام التي تُسيء إلى الدين. وقد ألقت هذه المواجهة بين الحريتين على الصعيد العالمي إشكالية في مدى إمكانية حل التنازع الظاهري بين الحريتين ومدى تأثير الانتماء الديني للدولة في التوازن بين الحريتين.

وقد احتدم هذا التوتر مؤخرًا عند ممارسة حرية التعبير الفني بمناسبة نشر بعض الرسوم أو المطبوعات المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في بعض البلدان الأوروبية، ففي كل هذه الأحوال يجب ألا يضر التعبير عن الرأي مشاعر الآخرين من المسلمين، لأن تجاوز تلك الحدود يعتبر تعديًا على الأديان والرموز الدينية، ولا يمكن أن يفلت من المساءلة القانونية سواء على المستوى الدولي أم الداخلي.

أهمية البحث:

لما كان هذا الأمر من الأهمية بمكان، فإنه يتعين أن نبين بشيء من التفصيل تباعًا العلاقة بين حرية التعبير عن الرأي وبين ازدراء الأديان والتطاول على الرموز الدينية، والتفرقة بين البحث العلمي وبين الإساءة إلى الرسل والأديان.

منهج البحث:

قد يستشعر البعض أن موضوع المسئولية الدولية عن ازدراء الأديان والرموز الدينية تقترب في مضمونها من العلوم الدينية، وهذه حقيقة لا يمكننا إغفالها، بل إن معالجة بعض جوانب البحث يعتمد على النصوص الدينية وهذا يفرضه تكامل منهج البحث العلمي.

إلا أن الباحث عكف في هذه الدراسة على إبراز الجوانب القانونية لموضوع البحث من خلال اتباع المنهج التحليلي المقارن، وتظهر المقارنة من خلال مقارنة الوثائق الدولية التي نظمت حرية التعبير عن الرأي وحرية الاعتقاد كالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، وغيرها من الاتفاقيات الدولية، وكذلك الوضع في الدساتير والقوانين المصرية والفرنسية والدنماركية، كما يظهر المنهج التحليلي من خلال التعرض للأحكام الصادرة عن القضاء الدولي ذات الشأن للخروج بالدراسة من النظرية إلى التطبيق.

خطة البحث:

  • مبحث تمهيدي: مفهوم ازدراء الأديان والرموز الدينية.
  • المطلب الأول: مدلول الأديان.
  • المطلب الثاني: العلاقة بين حرية التعبير عن الرأي وازدراء الأديان.
  • الفصل الأول: موقف القانون والفقه الدولي من ازدراء الأديان.
  • المبحث الأول: الاتفاقيات والمواثيق الدولية بشأن الأديان وعدم الإساءة إليها.
  • المبحث الثاني: موقف الفقه الدولي من ازدراء الأديان.
  • الفصل الثاني: المسئولية الدولية عن ازدراء الأديان والرموز الدينية.
  • المبحث الأول: أساس المسئولية الدولية عن ازدراء الأديان والرموز الدينية.
  • المبحث الثاني: المسئولية الجنائية الدولية لازدراء الأديان.
  • الخاتمة: النتائج والتوصيات.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 اُختتمت  مساء الأحد الموافق 7 مايو 2023م فعاليات المؤتمر الدولي الثالث لكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالقاهرة، الذي عُقد تحت عنوان: «الرعاية الشرعية والقانونية لذوي الهمم في ضوء رؤية مصر 2030».

حيث انتهى المؤتمر إلى عدة توصيات أعلنت في جلسته الختامية، جاءت على النحو الآتي:

  1. اعتبار أهلية أداءٍ خاصةٍ للأشخاصِ ذوي الإعاقة؛ تفعيلًا لما جاء في الاتفاقياتِ الدوليةِ، والتوصيةُ بزيادةِ البرامجِ الإعلاميةِ والتثقيفيةِ والدعويةِ التي من شأنِها أن تُغيرَ الصورةَ والنظرةَ السلبيةَ تجاهَ ذوي الإعاقةِ.
  2. حُسنِ استخدامِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ باعتبارها من أبرزِ القنواتِ التي قد تُسهمُ في بناءِ أو هدمِ شخصيةِ أصحابِ الهممِ.
  3. اهتمام المراكزِ العلميةِ بالبحثِ في أسبابِ الإعاقةِ، ومحاولةِ تجنبِها بالوسائلِ المناسبةِ كالفحصِ الطبيِّ قبلَ الزواج.
  4. أهميةِ إحياءِ سنةِ الوقفِ الخيرىِّ؛ لتوفيرِ الدعمِ الماليِ لذوىِ الاحتياجاتِ الخاصةِ؛ للوفاءِ بمتطلباتِهم المعيشيةِ والإنفاقِ منه على ما يحتاجونَه من الأجهزةِ التعويضيةِ، وغيرِها من الأدواتِ التي تساعدُهم على ممارسةِ حياتِهم.
  5. توفيرِ اللوجستياتِ الخاصةِ بذوي الهممِ في كافةِ المباني الحكوميةِ والمستشفياتِ والنوادي والمحاكمِ والشوارعِ والحدائقِ والجهاتِ ذاتِ الصلةِ باحتياجاتِهم.
  6. كما يوصي المؤتمر بالتوسعِ في سبلِ حصولِ ذوىِ الهممِ على المعلوماتِ، من خلالِ زيادةِ الفقراتِ بلغةِ الإشارةِ في البرامجِ الإخباريةِ.
  7. فضلًا عن التوسعِ في وسائلِ الاتصالِ والبرامجِ التي تمكنُهم من الدخولِ إلي المواقعِ التي يتوفرُ فيها الموادُ العلميةُ المرجوة.
  8. إضافة إلى التوصية باعتبارِ الإعاقة في المجنيِ عليه ظرفًا مشدِّدًا للعقوبةِ في الجرائمِ الواقعةِ على الجسدِ والعرضِ والمالِ، وكذلك اعتبارُ الإعاقةَ الناشئةَ عن الاتجارِ بالأعضاءِ البشريةِ، أو التنمرِ بذوي الإعاقةِ من الظروفِ المشددةِ للعقوبةِ.
  9. تخصيصِ مكتبٍ خاصٍ بذوي الهممِ داخلَ المحاكمِ؛ لتسهيلِ الإجراءاتِ الخاصةِ بهم، والعملُ على سرعةِ البتِ في قضاياهم المعروضةِ أمامَ المحاكمِ، وإسباغ حمايةٍ خاصةٍ لذوي الهممِ في مجالِ التبادلِ التجاريِ بما يضمنُ حصولَهم على المعلوماتِ الجوهريةِ عن المنتجِ أو الخدمةِ المقدمةِ لهم على نحوٍ يتسقُ مع حقوقِهم.
  10. عدمِ الاكتفاءِ بالسياسةِ العقابيةِ ضد الشركاتِ التي ترفضُ تعيينَ ذوى الهممِ، بل لا بد من اتباعِ سياسةِ الترغيبِ، من خلالِ تقديمِ حوافزَ ضريبيةٍ وماليةٍ للشركاتِ التي تبادرُ بتعيينِ ذوى الهممِ.
  11. الاستفادةِ من النموِ المتواصلِ لنسبِ الشمولِ المالي وتزايدِ عددِ المشمولينَ ماليًّا في مصرَ بدعمِ التوجهِ نحو الاستثمارِ في المشروعاتِ متناهيةِ الصغرِ والصغيرةِ والمتوسطةِ لصالحِ الأشخاصِ ذوي الهممِ؛ لما في ذلك من مردودٍ إيجابيٍ على تحسينِ مستوى المعيشةِ ورفعِ مستوى دخولهم.
  12. فتح منافذ إلكترونية خاصة بذوي الهمم على المنصاتِ الرقميةِ؛ لتسهيلِ إجراءاتِ تعاملاتِهم بصورةٍ أكثرَ سرعة وفاعلية تحفظُ كرامتَهم وإنسانيتهم.
  13. ا
  14. إعفاء الأجهزة التعويضية وغيرها من الأجهزةِ التي تُستخدمُ في تأهيلِ ذوي الهممِ من الرسومِ الجمركيةِ.

والجدير بالذكر أن  المؤتمر قد عقد برعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وفضيلة الدكتور سلامة داود، رئيس الجامعة، والدكتورة نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي، والدكتور محمود صديق، نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث.

اُختتمت  مساء الأحد الموافق 7 مايو 2023م فعاليات المؤتمر الدولي الثالث لكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالقاهرة، الذي عُقد تحت عنوان: «الرعاية الشرعية والقانونية لذوي الهمم في ضوء رؤية مصر 2030».

نقلاً عن الفجر في الاثنين 8 مايو 2023م.

من فروع المعرفة وفنون الأدب التي تفرد بها تراثنا العربي والإسلامي فرع سماه الأقدمون “أدب المناظرة” – وهو باب من أبواب العلم عالج به أسلافنا قضيتين نحتاج إليهما أشد الحاجة، ونحن نتناول موضوع حرية الرأى وحدود تلك الحرية وكيفية التوفيق بينها، وبين قيم أخرى تحرص الجماعة على حمايتها وتثبيتها ورد العدوان عنها…

القضية الأولى: تحديد منهج الحوار وتبادل الرأي حول القضايا الخلافية عن طريق وضع عدد من القواعد الموضوعية التي تكفل الوصول بهذا الحوار إلى غايته من تجلية الحقائق، ووزن الاعتبارات المتعارضة، وتمحيص أوجه الخلاف، على نحو يمكن الجماعة -في نهاية الحوار- من الوصول إلى أفضل الحلول المتاحة لمشاكلها.

القضية الثانية: الاتفاق على عدد من «الأداب» التي تتصل بالحوار وسلوك أطرافه، صيانة لكرامة أولئك الأطراف وحفاظًا على الاحترام المتبادل بينهم، بما يشجعهم على مواصلة الحوار وهم آمنون من سهام التجريح وقذائف الاتهام بالباطل، وهى قذائف تغري كثيرًا من أصحاب الرأى بإيثار السلامة، وترك ابداء الرأي والابتعاد عن ساحات الحوار.

ما دام أصحاب الرأي يتعرضون -في غيبة الالتزام بأداب الحوار- لسخائم التعريض والتجريح التي يجيد فنونها من تعنيهم الغلبة والظفر في مبارزات الكلام…  أكثر مما تعنيهم خدمة القضايا العامة التي يدور حولها ذلك الحوار…

حرية الفكر والتعبير

ولقد تذكرت هذا كله، وأنا أتابع كثيرًا مما كتب وقيل خلال الشهور الأخيرة. دفاعًا عن حرية الفكر والتعبير … في مناسبة الحكم القضائي الذي صدر بتوقيع عقوبة جنائية على مؤلف كتاب “مسافة في عقل رجل”، وعلى من قام بتوزيعه بعد صدور القرار بمنع تداوله. ذلك أن أول أصول “الحوار” أن يحدد موضوعه أن تحدد -على وجه الدقة- عناصر الخلاف حول ذلك الموضوع.

والسؤال الذي كان ينبغي على الكتاب والمتحاورين أن يطرحوه في مناسبة هذه القضية هو البحث في “تكييف محل النزاع… وهل تضعنا هذه القضية أمام حالة من حالات الحجر غير الدستوري على حرية الرأي… أم تضعنا أمام حالة من حالات “القذف والسب”، التي لم يَدَّعْ أحد قديمًا ولا حديثًا أنها من صور التعبير عن الرأي التي تتسع بالحياة الدستورية والسياسية…

ولقد شغلني هذا السؤال وأنا أتابع الحماس الشديد والانفعال الذي جرت به مناقشة الحكم القضائي الصادر بمعاقبة مؤلف ذلك الكتاب، وكيف افترض أكثر المعترضين على الحكم القضائي، أن ذلك الحكم ينطوي على مصادرة لحرية التعبير ولحق المخالفة والنقد… وأنه بذلك يمثل نكسة خطيرة وينفتح بها باب إرهاب الباحثين والمفكرين والأدباء والنقاد… ويفرض بمقتضاها وصاية على عقول الناس وضمائرهم يمسك زمامها أفراد معدودون من رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية الرسمية…

وبدا لي إزاء ذلك أن الحاجة ماسة إلى إلقاء مزيد من الضوء على جوانب قضية “حرية الرأي” التي اكتسبت في العقل والوجدان العربي مفهومًا «رومانسيًا» غامضًا يهتف الجميع باسمه ويشقون الحناجر صباحًا بشعاراته دون أن يعنوا بدراسة وظائفه الحقيقية في الجماعة، وفى ظل هذا الموقف العاطفي الخالص أمكن لكثير من أصحاب السلطان أن يجوروا على تلك الحرية، كما أمكن لكثير من رافعي شعاراتها أن يسيئوا إليها وأن يجوروا باسمها على قيم وحريات أخرى.

والتوفيق بين حماية حرية الرأى وبين قيم أخرى يحتاج المجتمع إلى حمايتها هي الأخرى، يثير عددًا من أدق مشاكل العلم السياسي والقانون الدستوري، وهي مشاكل سوف تطرح نفسها بمزيد من  التعقد على الرأى العام وعلى الجهات القضائية المسئولة عن حماية تلك المبادئ والحريات المتعارضة…

وسنحاول فيما يلي أن نضع بين يدي الباحثين في هذا الميدان عددًا من الحقائق الأولية الكبرى التي تعينهم على إيجاد صيغ مقبولة للتوفيق بين هذه الحريات…

الحقيقة الأولى

إن من المقرر في الفقه الدستوري، والعلم السياسي على السواء، ضرورة الفصل بين حرية الاعتقاد والفكر من ناحية، وحرية التعبير عن الرأى من ناحية أخرى… فحرية الاعتقاد والفكر حرية مطلقة لا سلطان للدولة ومؤسساتها عليها، إذ أن الفكر والاعتقاد أمران مستقران في الفؤاد، مستكنان في العقل والضمير… وما داما لا يخرجان إلى المجتمع من خلال التعبير [عنهما] فلا شأن للقانون بهما، ولا سلطان للدولة على أصحابهما… أما إذا اختار صاحب الفكر والعقيدة أن يخرجهما إلى الناس وأن يعبر عنهما بما يعن له من صور التعبير، فإن نتاج هذه الممارسة يدخل “المجال الاجتماعي” ويلتزم -ضرورة- بقواعده وضوابطه… ومن ثم لا يتصور أن تكون حرية التعبير حرية مطلقة، إذا ليس في السلوك الاجتماعي بصوره المختلفة حرية مطلقة…

الحقيقة الثانية

أن تجارب الأمم والشعوب على اختلاف ثقافاتها ومساراتها التاريخية قد دلت على ضرورة الإفساح لحرية التعبير ومنحها حماية دستورية خاصة… كما دلت على أن هذه الحماية هي وحدها الكفيلة بانطلاق الفكر باحثًا عن الحقيقة ومبدعًا في جنبات الكون … كما دلت في النهاية على أن هذا الانطلاق هو العاصم للجماعة من الزلل، وهو الهادي إلى الرشد، والكفيل بتعلم الناس جميعًا من تجاربهم وأخطائهم، وانطلاقًا من هذه التجارب الطويلة ظهرت في الفقه العام السياسي والدستوري نظرية تذهب إلى أن حرية التعبير تتميز بمركز ممتاز بين سائر الحقوق والحريات… باعتبارها مدخلاً ومفتاحًا لحماية سائر الحقوق والحريات… وبناءً على هذه النظرية ذهبت بعض أحكام القضاء في الولايات المتحدة إلى أنه إذا كان الأصل في جميع التشريعات افتراض أنها متفقة مع نصوص الدستور، ووجود قرينة أصيلة على هذا الاتفاق فإن الأمر يختلف في خصوص التشريعات التي تمس حرية التعبير أو تنتقص منها إذ تقوم قرينة عكسية مؤداها أن هذه التشريعات تخالف الدستور، حتى يتم إثبات توافقها مع الدستور[1].

الحقيقة الثالثة

إن أي قيد تشريعي أو إداري على حرية التعبير من شأنه أن يحدث أثرًا تصاعديًا في الحجر على تلك الحرية؛ ذلك أن من المألوف في السلوك الإنساني أن الفرد يتوسع عادةً في ابتعاده عن دائرة المحظور… ومعنى هذا أن القيد الذي يهدف المشرع من ورائه إلى تضييق مساحة حرية التعبير بمقدار معين، يؤدى في النهاية إلى تقييدها بما يجاوز كثيرًا ذلك المقدار. فإذا ذكرنا أن الإبداع والحوار الجاد حول القضايا العامة يحتاجان إلى توفر أكبر قدر من حرية التعبير لأدركنا خطورة الأثار السلبية التي تترتب على ترخص المشرع وتوسعه في فرض القيود على حرية التعبير.

الحقيقة الرابعة

إنه في مقابل الحقائق الثلاث السابقة فإنه من المسلم به أن هناك صورًا من التعبير لا تحميها الدساتير عادة، ولا القوانين، ما تمنحه لحرية التعبير كأصل عام من حماية دستورية.

ومن هذا النوع على سبيل المثال ألفاظ السب والقذف التي يبلغ مساسها بكرامة الآخرين وسمعتهم وأعراضهم ومشاعرهم مبلغًا يرجح على أي منفعة تعود على الجماعة أو على صاحب الرأي من تعبيره الجارح لكرامة الأخرين… ولهذا لم يخل نظام قانوني من تقرير عقوبات جنائية لجرائم السب والقذف… ولم يقل أحد أن في عقاب مرتكبي هذه الجرائم على حرية التعبير التي يحميها الدستور، ومن هذا النوع كذلك التعبيرات بالقول أو بالصور أو بالكتابة عن معانٍ خادشة للحياء، وهو ما يطلق عليه لفظ “الفحش” “‏odsenity” أو صور الإثارة الجنسية “‏Pornography‏”.

وقد كان من أدق المشاكل التي واجهت المشرعين والقضاة في العديد من الدول وضع الحد الفاصل بين التعبيرات الجنسية التي قد يقتضيها البحث العلمي أو تتطلبها بعض صور الأدب الواقعي، والتي تتمتع بالحماية الدستورية المقررة لحرية التعبير… وبين التعبيرات الفاحشة فحشًا مجردًا لا يخدم شيئًا من الأهداف العلمية أو الأدبية… ولكن المبدأ المستقر في تشريعات عشرات من الدول وفي أحكام محاكمها التي تفسر نصوص دساتيرها هو أن الدستور لا يحمي “الفحش” وأن التعبير الفاحش أو الفاضح لا يدخل في نطاق حرية الرأى.

ولقد عبرت المحكمة العليا الأمريكية عن هذا المبدأ المستقر تعبيرًا دقيقًا وقاطعًا في حكمين أصدرتهما عام ١٩٥٧م، في قضية روث ضد الولايات المتحدة وقضية ألبرت ضد كاليفورنيا، ذاهبة إلى أن جميع الأفكار تتمتع بالحماية الدستورية الكاملة حتى تلك التي لها قدر ضئيل من القيمة الاجتماعية، وتلك التي تعتبر بغيضة في ظل المناخ الفكري السائد… وذلك ما لم تتضمن اعتداء على قيم ومصالح أخرى أولى بالرعاية… ولكن من الثابت والمستقر -في ذات الوقت- رفض التعبير الفاحش بحسبانه تعبيرًا مجردًا من أية قيمة اجتماعية… ولا يتمتع -لذلك– بالحماية الدستورية ومعنى هذا كله -ودون استطراد إلى مزيد من التفاصيل حول تحديد مدلول الفحش- والأبحاث المستفيضة حول أدق المعايير التي يجب على المحاكم أن تستند إليها لتحديد ذلك المدلول – إن هناك صورًا من التعبير لا تحميها الدساتير، ولا يعتبر تقييدها – بالتشريع أو بأحكام القضاء، عدوانًا على حرية التعبير…

ومن هذه الصور كذلك استخدام عبارات وعرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، ومستثار بسبب عرضها على نحو يهدد باختلال الأمن، وهو ما عُرف في الفقه الدستوري باسم مخاطبة الجمهور الرافض hostile‏ ‏audience… ومعنى هذا أن طرح أفكار وتعبيرات تصدم الشعور العام وتستثيره على نحو يهدد بوقوع ردود أفعال تخل بالأمن والاستقرار يمكن أن يكون مدخلاً لتقييد حرية طرح مثل تلك الأفكار والتعبيرات…

فإذا أضفنا إلى ذلك كله فكرة النظام العام والأداب لما تعذر علينا فهم المبررات التي تسمح بتقييد بعض صور التعبير من الرأي…

وفي ضوء الحقائق المتقدمة جميعًا، نستطيع أن نتصدى لوضع الحدود الفاصلة بين حرية النقد وحق مخالفة الأفكار السائدة، وبين صور من التعبير تتجه مباشرة إلى خدش الحياء العام أو إلى تجريح المعتقدات الدينية السائدة تجريحًا لا تقتضيه الضرورات الأدبية والفنية، ولا تكون له أية قيمة اجتماعية هادفة…

ولقد انتشرت خلال السنوات الأخيرة كتابات أدبية وقصصية تنطوي على سخرية بالأديان وتحقير للأنبياء، وتجريح فاحش للرسل بالعبارات الصريحة أحيانًا أو بالرمز الواضح الذي لا يكاد يكون رمزًا أحيانًا أخرى، وعز على النقاد والمحللين أن يجدوا هدفًا -أي هدف- لهذا اللون من التجريح، كما عز على كثير منهم أن يجدوا ضرورة أدبية أو فنية لاستخدام هذه التعبيرات أو تلك الرموز بحيث لم يبق من هذه التعبيرات إلا أنها تمس جمهور الناس في صميم عقائدهم ومقدساتهم، وأنها تجرح شعورهم كما يجرحه اللفظ النابي والصورة الفاضحة الفاحشة.

وأنها لا تبدو لها أية قيمة اجتماعية تبرر استخدامها فهل تتمتع هذه التعبيرات -رغم ذلك كله- بالحماية الدستورية؟! وهل يعتبر منعها أو تقيدها عدوانًا على حرية الرأي يهدد المجتمع المفتوح ويصادر حق النقد، ويؤذن بوصاية شاملة على الأفكار تهدد الإبداع وانطلاق الأفكار وتؤذن بالعودة إلى نظام محاكم التفتيش ورقابة الرقباء الدينيين؟! لا نظن ذلك أبدًا، وما نظن المشرع المصرى قد تخطى حدود الدستور حين قرر في المادة ۹۸ من قانون العقوبات عقاب من استخدم القول أو الكتابة … بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها.

والضمان الحقيقى لكى لا تتحول هذه النصوص إلى قيد ثقيل على حرية النقد والابداع، يتمثل في توصل المحاكم إلى معايير منضبطه تحدد معنى ما اشتمل عليه ذلك النص التشريعي من عبارات، مدخلة في اعتبارها -بمناسبة كل قضية – أن مفهوم الشعور العام، مفهوم متحرك يختلف تقديره من عصر إلى عصر ومن ظرف سياسي واجتماعي إلى ظرف سياسي واجتماعي آخر… وليت المتخصصين من كتابنا وأدبائنا ورجال القانون والسياسة يبذلون من الجهد في وضع تلك المعايير، ما بذله بعضهم في الدفاع عن كتابات أدبية، يعلم أصحابها أنهم تجاوزوا الحدود واقتحموا على الناس -بالعدوان- دائرة المشاعر الدينية والقيم الاعتقادية المستقرة، دون أن تضطرهم إلى ذلك ضرورات خدمة هدف سياسي أو اجتماعي له حد أدنى من القيمة الاجتماعية، وهو الحد الذي يمنحه الحماية الدستورية التي يتمتع بها الحق في التعبير عن الرأى.

إن حرية التعبير تستحق منا جميعًا أن نكون على أعلى درجات اليقظة والشجاعة دفاعًا عنها وتأمينًا لاستخدامها وحرصًا على ألا يستخف أحد بالحماية الدستورية المقررة لها … ولكن هذا كله ينبغي أن يبذل -بغير تراخ ولا تهاون- في الميدان الحقيقي… ميدان التعبير عن الآراء والمواقف السياسية والاجتماعية… أما إثارة المعركة ودخولها بكل أنواع الأسلحة حين يكون الأمر في حقيقته سبًا وقذفًا وعدوانًا على قيم اجتماعية وعقائد مستقره، فليس من الحكمة ولا من حسن السياسة ولا من البطولة في شيء.

 


*  مجلة الهلال، ع: 3، 1 مارس 1992م.

[1] ظهرت هذه النظرية في القضاء الأمريكي للمرة الأولى في عبارة أوردها القاضي ستون، عضوا المحكمة العليا عام ۱۹۳۸ فى قضية Products Careolene‏.

 

مثَّل الاستعمار الغربي للبلدان المسلمة لحظة كاشفة مزدوجة، إذ كشف عن ضعف الاستعدادات المادية للمسلمين: العسكرية، الصناعية والتجارية. كما كشف عن الجمود الذي اعترى الحياة السياسية بسبب ضعف وفساد النخب السياسية الحاكمة، وتكلس النظرية السياسية بعد انقطاع التأليف في السياسة الشرعية لقرون عديدة. هكذا ظلّت السياسة الشرعية على حالتها الأولى كما صاغها الفقهاء القدامى، ولم يطرأ على أدواتها ومفاهيمها ونظرياتها تغييرات تُذكر، وباتت عاجزة عن الإحاطة بالمستجدات فضلًا عن التعاطي معها.

وعلى ضوء ذلك، شكّلت الموجة الاستعمارية مأزقًا حقيقيًا للفقيه الذي لم يجد بُدًّا من أن يسلك أحد سبيلين للتعاطي معها:

الأول: العودة إلى المنظومة الفقهية الكلاسيكية وتنزيل الوقائع عليها. لكنّ الأمر لم يكن ليخلو من المخاطر لاختلاف السياقات؛ الأمر الذي يحتم اختلاف النتائج التي ربما جاءت على غير مراد الفقيه.

الثاني: إعادة النظر في المنظومة السياسية الفقهية حتى تصبح قادرة على مواكبة المتغيرات، وهو الاتجاه الذي غلب في نهاية المطاف واستغرق بضعة عقود، حيث استؤنف التصنيف في السياسة الشرعية، واستُهلّ بإعادة تأويل بعض المفاهيم السياسية التقليدية إلى أن انتهى بإعادة صياغة علم السياسة الشرعية وفق قواعد وأسس جديدة، راعت كون الدولة القومية حقيقة واقعة.

الذي يعنينا من الجدالات الفقهية التي سادت حينئذ، أمران:

الأول: هو كيفية تعاطي الفقيه مع الموروث الفقهي في أزمنة التغيير، وكيفية التمييز بين الثابت والمتغير.

والثاني: هو كيفية حدوث التغيير داخل المنظومة الفقهية. ولأجل هذا سنتتبع بعض الآراء الفقهية المبكرة في كيفية التعاطي مع الإشكاليات المصاحبة للاستعمار كتوصيف الدار المحتلة، ومدى شرعية النخب الموالية لسلطة الاحتلال.

إعادة تأويل المفاهيم: دار الإسلام ودار الحرب

كانت أولى الإشكاليات التي فرضت نفسها على الفقيه، هي توصيف «الدار» التي سقطت في يد الاستعمار. هل أصبحت دار حرب، أم لم تزل دار إسلام؟ وهي مسألة مهمة لاختلاف الأحكام الشرعية في الدارين، وقد اختلف العلماء في تعريفهما؛ إذ بينما يرى جمهور الفقهاء أن دار الإسلام، هي الدار التي يستولي عليها المسلمون ويجرون فيها أحكام الدين الإسلامي العامة والخاصة علنًا، ودار الحرب هي الدار التي يُحكم فيها بأحكام الشرك والكفر علنًا، ولا تراعى فيها أحكام الإسلام[1]، فإن نفرًا منهم يرى أن دار الإسلام هي الدار التي يمكن للمسلم إظهار دينه فيها، ولا يخاف فتنة في دينه. لكنّ هذا التعريف الأخير يحمل إشكالات، فهو يوهم بأن البلاد التي لا يوجد فيها مسلم أصلي ولا يُحكم فيها بالإسلام كمعظم بلدان أوروبا والولايات المتحدة صارت دار إسلام. كما يوحي بأن البلدان التي يحكمها مسلمون، لكن لا يؤمن فيها الفتنة، ولا يُحكم فيها بالشريعة، ربما أضحت دار حرب[2].

ومع بدء الموجة الاستعمارية الغربية برز اتجاهان بين الفقهاء في توصيف البلاد المحتلة:

الأول: يرى أنها أضحت دار حرب باستيلاء العدو عليها، وحجته تعطل بعض أحكام الشريعة العامة كإجراء الحدود وإعلان الجهاد، والحكم بغير ما أنزل الله من قوانين المحتل، وهو يتشكّل من الفقهاء الكلاسيكيين، أشهرهم الشيخ محمد عليش (1802-1882) في فتواه بخصوص الاحتلال الفرنسي للجزائر.

الثاني: يرى أن الوقوع تحت سلطة الاحتلال، لا يعني تغير وضعية دار الإسلام استنادًا إلى أن هنالك شروطًا تتعلق بانتقال دار الإسلام إلى دار الحرب. كأن تتصل اتصالًا مباشرًا بها، وألا يبقى شيء من شعائر الإسلام وأحكام الشريعة. والقائلون بذلك هم الفقهاء الإصلاحيون، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بيرم الخامس (1840-1889).

وقد ناقش محمد بيرم هذه المسألة في رسالته المعنونة «دار الحرب وسكناها»، التي وضعها في العام ذاته الذي استولى فيه الفرنسيون على وطنه تونس، وحاول فيها تجنيب أهل تونس الجدل الذي وقع في الجزائر حول هذه المسألة. وقد ذهب فيها إلى أنه لم يعد ثمة «دار إسلام» بالمعنى الكلاسيكي، إذ لا توجد دولة قائم بها الشرع من جميع الوجوه. فبعضها يحتجب فيها ولاة الأمر ويقلّد من يخون المسلمين ولا يعرف شعائر الدين، وبعضها الآخر يُعلَن فيها بشعائر الكفر كضرب الجرس وتعطيل الدواوين والمدارس يوم الأحد. وبعضها الأخير يُحكم فيها بخلاف الشريعة، بل باتخاذ قوانين الكفار والعمل بها علنًا، وولاية الكفار في الأحكام وتعطيل الحدود[3]. وعلى جانب آخر يفترض «بيرم» أن سفر المسلم إلى دار الحرب وإقامته بها جائزة شرعًا بعد قيامه بعملية تأويل واسعة للنصوص الفقهية التي تحظر ذلك[4].

هذا الرأي المبكّر، قدّم غطاء شرعيًا للبعثات التعليمية الإسلامية في الغرب التي كانت واقعة تحت حرج شرعي بفعل هاته النصوص وفتاوى الفقهاء التقليديين. ويتفرّع عن هذه المسألة القول بوجوب الهجرة عن أرض احتلها العدو إلى أرض لم يصل إليها. وهو السؤال الذي طرح على العقل الفقهي الحديث مع استيلاء الفرنسيين على الجزائر. وقد انقسم العلماء حيالها بين من يرى وجوب الهجرة واللحاق بالمجاهدين في مناطقهم الجبلية، وأفتى هؤلاء بأن من لم يهاجر ليس بمحقون الدم، ويُسن سَبْي أهله وماله. بينما يرى آخرون أن الهجرة ليست واجبة مستدلًا بقوله تعالى: «إلا أن تتقوا منهم تقاة»، وقول النبي صلوات الله عليه: «لا هجرة بعد الفتح». وحسمًا لمادة الخلاف، رفعوا سؤالًا في ذلك إلى فقهاء الإسلام في الأمصار[5].

وممن أجاب عنه الشيخ محمد عليش الذي قال بوجوب الهجرة لتضافر النصوص الدينية في ذلك، ولا يسقط هذه الهجرة إلا تصور العجز الكلي من كل وجه. فلا الوطن ولا المال يمكن التعلل بهما للبقاء، لأن ذلك كله ملغي في نظر الشرع، ومن يتخير البقاء فقد آثر موالاة الأعداء التي يترتب عليها: الجرح في الشهادة، القدح في العدالة في الدنيا، والعقاب الشديد في الآخرة[6].

وإذا كانت إجابة الشيخ عليش تحمل سمات القراءة الأوّلية للحدث من حيث الاتكاء على النصوص الدينية والفقهية، وعدم إدراك المتغيرات التي يتعذر معها التنزيل الآلي للنصوص على الواقع؛ فإن تحولًا جذريًا على صعيد النظر الإسلامي ظهر مع السيد رشيد رضا في مجلة المنار، بحيث لم تعد المرجعية للنص وحده، وإنما غدت كذلك في عملية تكييفه وتأويله، وفي محاولة إدراك الواقع الذي يراد تنزيل النص عليه، وهو ما يتجلى في إعادة النظر إلى دار الحرب ودار الإسلام، إذ العبرة فيهما، كما يقول، بـ«ظهور الكلمة ونفوذ الحكم، فإذا كانت الأحكام لأهل الإسلام لا معارض لهم في تنفيذ شريعتهم وإظهار دينهم .. فالدار التي هذا شأنها دار إسلام؛ وإلا فهي دار حرب»[7]. وبموجب هذا التعريف لم يعد ثمة ارتباط بين الاحتلال، واستنادًا إلى هذا أفتى رشيد رضا البوسنيين بعدم وجوب الهجرة عن وطنهم بعد استيلاء النمسا عليه، وقد أفتاهم بعض علماء الآستانة بخلاف ذلك[8].

ويمضي «السيد رشيد رضا» في تفكيك أدلة القائلين بالهجرة ذاهبًا إلى أن العلماء اتفقوا على مسألتين فيها: الأولى هي الهجرة عند تعذر إقامة الدين وخشية الفتنة. وتعني حمل المسلم على الكفر أو مخالفة دينه. والثانية هي الهجرة عند حالة الجهاد المتعلّق بحماية الدين وأهله، عندئذ تجب الهجرة فرديًا أو جماعيًا لمن احتيج إلى جهاده لنصرة الدين. وأضاف أنه يدخل في الثانية الهجرة إلى طلب العلم الواجب عند الحاجة، «فإن لم يُهاجر من يتعلم ويعود أثم جميع المسلمين الذين فقدوا هذا العلم في وطنهم»، وكذلك الهجرة من المكان الذي غلب عليه الفسوق والمجاهرة بالمنكر[9].

شرعية النخب الموالية للاحتلال

أما الإشكالية الثانية التي طرحت نفسها على العقل الفقهي، فهي موالاة الغازي الأجنبي. إذ شكّلت مواقف بعض النخب السياسية صدمة للضمير الإسلامي بانحيازها السافر له في المواجهة العسكرية الدائرة بينه وبين الوطنيين، وهو ما أثار السؤال حول إمكانية نزع الشرعية عن هؤلاء الحكام «ولاة الأمر»، وقد نوقش ذلك علانية مرتين:

الأولى: ضمن فتوى الأمير عبد القادر الشهيرة التي تشكّى فيها من تعديات السلطان عبد الرحمن، سلطان المغرب، الذي فكّ حصار المجاهدين الجزائريين للجيش الفرنسي، وزوّده بالطعام، وصادر عتادًا عسكريًا كان في طريقه للمجاهدين، واستولى على تبرعات المسلمين لدعم الجهاد، وعقد الهدنة مع الفرنسيين. وقد تضمنت الفتوى ثلاثة تساؤلات: ما حكم الشريعة في هذه الأفعال؟ وما مشروعية الهدنة التي أوقعها؟ وهل يجوز قتاله بعد مهاجمته جيش المجاهدين؟

وقد أجاب الشيخ عليش بأن جميع أفعال السلطان السابقة مُحرمة عليه «حرمة معلومة من الدين بالضرورة لا يشك فيها من في قلبه ذرة من الإيمان»[10]، والهدنة فاسدة ولا يجوز أن تقاس على صلح الحديبية لافتقادها الشروط الشرعية، وأهمها أنه وقّعها دون عذر شرعي قبل أن يدهم العدو دياره. ويجب على المجاهدين قتاله «وجوبًا عينيًا»، إذ هو كالعدو والبغاة القاصدين الأنفس والحريم[11].

أما الثانية: فكانت في مصر إبان الهجوم البريطاني عام 1882، إذ رفع أحمد عرابي ورفاقه سؤالًا إلى العلماء بشأن الخديوي توفيق الذي انحاز إلى البريطانيين في حربهم ضد العرابيين. وقد صيغ السؤال بصيغة مجردة لا متعيّنة، فهو يسأل عن «حاكم مسلم» اختار ولاية غير المؤمنين على المؤمنين، وطلب من الدول الأجنبية إنفاذ قواتهم في بلاده الإسلامية، وحمل رعاياه على الخضوع لها، ولما دعاه المسلمون للرجوع عن ذلك امتنع «وأصر على المروق من الشريعة»، فهل يجوز أن يبقى في منصبه حتى يُمكن للأجانب في البلاد الإسلامية ويتعين عزله؟[12]

وقد أجاب عن الفتوى جمعٌ من علماء الأزهر بقولهم إنه يتوجب عزله ليحل محله من يقيم شرع الله ويذود عنه، ودعموا ذلك بالنصوص الدينية التي تدور حول وجوب الحكم بما أنزل الله، وتحرم موالاة الكافرين، وبفحص هذه الفتوى تستوقفنا بضعة أمور:

الأول: عدم تضمين الفتوى أي نصوص فقهية، والاكتفاء بالنصوص الدينية، وهو أمر لافت إذا ما قورنت بفتوى الأمير عبد القادر السالفة.

الثاني: استخدم العُرابيون في سؤالهم مصطلحًا محايدًا لوصف المحتلين، هو «الأجانب». ويبدو أنهم أرادوا الإبقاء على جسور التفاهم معهم مفتوحة. لعل هذا يفسر خلو الإجابة من النصوص الفقهية التي تحمل بالضرورة أوصافًا ومصطلحات عن الآخر لا ينبغي تضمينها.

الثالث: الربط بين موالاة الاستعمار والمروق من الدين كما تم التنصيص عليه في سؤال الفتوى، ومرجعه الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان». وهو الربط الذي يبدو أكثر جلاء في الفتوى التي وردت إلى لجنة الفتوى بالأزهر من طرابلس الغرب -ليبيا- عام 1947، في أعقاب إعلان إيطاليا نيتها الانسحاب عنها، وتتساءل تلك الفتوى عن حكم الشريعة في أفراد «يدّعون أنهم عرب مسلمون، ويشذّون في الوقت ذاته عن ميول شعبهم المشروعة، ويعلنون عن رغبتهم في أن تتولى الإشراف على بلادهم حكومة أجنبية مستعمرة، لا تصلها بالإسلام والعروبة صلة». وقد نُشرت في مجلة الأزهر تحت عنوان لافت هو «موالاة المستعمرين خروج من الدين».

أجاب عنها الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر الذي بينَّ دواعي التشديد القرآني، على تحريم موالاة الكافرين وأرجعه إلى أنها سبيل التفرق والخروج على وحدة المسلمين، وحصول الفتنة. فمن خلالها يتمكن الأعداء من تحقيق أغراضهم، والتسلط على المسلمين، وإضعاف شوكتهم. لذلك قرّر الله أن هذا الصنيع مشاقّة لله ولرسوله، واتباع لغير سبيل المؤمنين، وخلص من ذلك إلى أن هؤلاء المطالبين بإشراف حكومة أجنبية على وطنهم «يخرجون بذلك على الدين… وأن هذا هو حكمهم عند الله وفي نظر الدين». واختتم بدعوة المسلمين عامة إلى أن يكافحوا هذا الصنف من الناس الذين منيت به الشعوب الإسلامية، فزعزع سلطانها وأطمع الأعداء فيها[13].

وصفوة القول في هذه الأمثلة أن الفقيه مع بدء الهجمات الاستعمارية، أعاد النظر في المنظومة الفقهية السياسية. إذ استطاع إدخال تعديلات جوهرية فيما يخص إعادة تعريف دار الحرب ودار الإسلام. أما مسألة نزع الشرعية بوجهيها الديني والسياسي عمن يود تكريس سلطة الاحتلال، فلم تعُزْه الحاجة لإدخال تعديلات عليها لكفاية المنظومة السياسية في هذه المسألة، المرتبطة ببُعد عقدي واضح.

______________________

* المصدر: فاطمة حافظ، الفقيه وأسئلة الزمن الكولونيالي، إضاءات، 13 فبراير 2018، https://2u.pw/HxSlNIf.

** باحثة ومؤرخة، مهتمة بالدراسات الإسلامية، حاصلة على الدكتوراة في الآداب من قسم التاريخ بجامعة القاهرة.

الهوامش:

[1] محمد بيرم بن مصطفى، الرياض، جامعة الملك سعود، رسالة في دار الحرب وسكناها، رقم 3456، ق1 (مخطوط).

 

[2] مجلة المنار، فتاوى المنار، القاهرة: 19 يونيو 1905، مج 8 ص291.

 

[3] محمد بيرم بن مصطفى، رسالة في دار الحرب وسكناها، ق 7-8.

 

[4] نفس المرجع السابق، ق10.

 

[5] محمد عليش المالكي، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، القاهرة: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د/ت، ج 1 ص 375.

 

[6] فتح العلي المالك، ص375-380.

 

[7] مجلة المنار، فتاوى المنار، القاهرة: 17 يوليو 1909، مج 12 ص410.

 

[8] مجلة المنار، مج 12 ص 412.

 

[9] نفسه، مج 12 ص 412.

 

[10] فتح العلي المالك، ج1 ص389.

 

[11] نفس المرجع السابق، ص 390.

 

[12] فاطمة حافظ، الفتوى في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب جامعة القاهرة، ص 211.

 

[13] مجلة الأزهر، مج 19، محرم 1367 ص 555.

نظمت لجنة الأسرة بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوتها الثالثة في سلسلة ندوات “تعزيز دور العلماء في حماية الأسرة” وذلك تحت عنوان “رد الشبهات المعاصرة حول قضايا الأسرة”، وقد عُقدت الندوة عقب انتهاء اجتماع مجلس أمناء الإتحاد، وذلك بتاريخ 29 يناير 2023م في مقر اتحاد علماء تركيا (UMAD) ممثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تركيا.

وقد ترأس الندوة فضيلة الأستاذ الدكتور رأفت محمد رشيد الميقاتي – رئيس جامعة طرابلس– لبنان ورئيس المركز الدولي لحقوق الإنسان والقانون المقارن، وعضو لجنة الأسرة بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حيث افتتح الندوة بالترحيب بفضيلة أمين عام الاتحاد الأستاذ الدكتور علي القرة داغي، والسادة العلماء الحاضرين من أعضاء الإتحاد.
واختتمت الورشة بعدد من التوصيات أهمها:

أن يتخذ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين موقفاً شرعياً تاريخياً حاسما بشأن خطورة مواءمة القوانين والتشريعات الأسرية مع الاتّفاقيّات الدوليّة المناقضة للشريعة الإسلامية من خلال إسصدار فتاوى تهدم الثوابت بحجة مرونة الشريعة وتحت غطاء الاجتهاد.
حصر الجهود العلمية الموجودة في هذا المجال، وتكوين فريق توعوي مؤهل يتصدره العلماء والخطباء، واعتماد خطاب إعلامي يستعين بالجانب العلمي، في مواجهة الهجمة التي تتعرض لها مؤسسة الأسرة.
عقد المزيد من الندوات الجماهيرية و العلمائية لتعريف جمهور العلماء بالأبعاد المختلفة للمواثيق الدولية وأثارها على الأسرة والأخلاق.
عقد مؤتمر عالمي تناقش فيه التحديات والشبهات التي تواجه الأسرة وسبل مواجهتها.

المصدر: الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

تنظم كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، السبت المقبل السادس من مايو، مؤتمرها العلمي الدولي الثالث تحت عنوان: «الرعاية الشرعية والقانونية لذوي الهمم في ضوء رؤية مصر 2030» برعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، والدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف، والدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، والدكتورة نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي، والدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة، والدكتور محمود صديق حسن، نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث.

وصرح الدكتور عطا عبد العاطي السنباطي، عميد كلية الشريعة والقانون، رئيس المؤتمر، أن المؤتمر يتضمن خمسة محاور؛ هي:

المحور الأول: التدابير الشرعية والقانونية للوقاية من الإعاقة، والتوعية بأسباب الإعاقة ومخاطرها، والفحص الطبي قبل الزواج، وحماية الأجنة ورعاية حقوقهم الصحية، والتطعيمات واللقاحات والأمصال الوقائية.

أما المحور الثاني فيشمل الرعاية الشرعية لذوي الهمم: ذوو الهمم بين التكليف والتخفيف، وعوارض الأهلية وعلاقتها بأحكام ذوي الهمم، ومقاصد الشريعة وأثرها في فقه ذوي الهمم، وحماية الحقوق المالية والأدبية لذوي الهمم في الفقه الإسلامي.

ويتناول المحور الثالث: الرعاية القانونية لذوي الهمم: الحماية المدنية والتجارية والجنائية المقررة لذوي الهمم في القانون، والمسئولية المدنية والتجارية والجنائية المتعلقة بذوي الهمم، ودور القانون الدولي الخاص والاتفاقيات ذات الصلة في حماية ذوي الهمم، والرعاية المقررة لذوي الهمم في قانون الأحوال الشخصية، والحقوق الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لذوي الهمم، والحماية التشريعية للحقوق الأدبية لذوى الهمم.

أما المحور الرابع فيشمل: الرعاية المجتمعية والصحية لذوي الهمم: الرعاية الصحية والنفسية لذوي الهمم في الشريعة والقانون، والرعاية التربوية والاجتماعية والتعليمية لذوي الهمم في الشريعة والقانون، ومنظمات المجتمع المدني ودورها في رعاية ذوي الهمم، ودور الإعلام الوطني في دمج ذوي الهمم وتأهيلهم.

في حين يتضمن المحور الخامس: حماية ذوي الهمم في المواثيق والمعاهدات الدولية في ضوء رؤية مصر 2030م، ومنها: أهداف التنمية المستدامة في رؤية مصر 2030م ودورها في حماية ذوي الهمم، ودور القانون الدولي العام في حماية حقوق ذوي الهمم، والالتزامات الدولية تجاه ذوي الهمم، والتعاون الدولي في تحسين الظروف المعيشة لذوي الهمم.

أمانة المؤتمر تضم: الدكتور علي حسين عبد النبي، وكيل الكلية للدراسات العليا والبحوث مقرر عام المؤتمر، والدكتور أبو بكر يحيى عبد الصمد، وكيل الكلية لشئون التعليم والطلاب أمين عام المؤتمر، والدكتور محمد صلاح حلمي سعد، أستاذ أصول الفقه المساعد بالكلية رئيس اللجنة العلمية والإدارية.

المصدر: صدى البلد، الأربعاء الموافق 4 مايو 2023م.

تميز منهج الأستاذ البشري بالنضج والحكمة في الطرح والتناول، والبحث عن فرص الالتقاء قبل النظر في مساحات الاختلاف؛ عملا بقاعدة: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وإن شئت قلت: ونتحاور فيما اختلفنا فيه[1].

وفي هذا الإطار طرح البشري بعضا من معالم منهجه الحواري، خاصة في تعامل المتشرعين مع مخالفيهم، ونجمل هذه المعالم في معلمين هما:

أولاً- من الجدل إلى الحوار:

يرى الحكيم البشري -في واقع التعامل مع المخالف- أن طاقات كثيرة من طاقات الأمة تستنزف في الجدل مع المخالفين الذي كثيرا ما يتحول إلى صراع فكري أو سياسي مرير يبدد الطاقات، ويشتت الجهود في معارك وهمية بعيدا عن اتجاه بوصلة الأولويات، لا سيما الجدل الذي يتطرق للأصول العقائدية للمخالف السياسي[2].

ويرى البشري أن الأولى في التعامل مع هذا المخالف هو الحوار البناء، مع تركيز الحوار في كيفية الاتفاق على تطبيقات محل توافق لحل المشكلات وتحقيق النهضة والتنمية. ((ومن هذه المسائل الفكرية مثلا موضوع العلاقة بين الإسلام والعروبة، وموضوع الجامعة السياسية الدينية والجامعة الوطنية، …))[3].

وفي هذا السياق رأى البشري أن الحوار الإسلامي العلماني الذي يجب ألا يكون موضوعه المرجعية في جانبها العقدي، بل من حيث هي ثقافة المجتمع التي تتمخض عنها برامج عملية في الإصلاح، وتنتج حلولا تطبيقية للمشكلات[4].

وفي هذا الإطار يبدو من طرح الحكيم البشري أن فرص الالتقاء بين شتى مكونات وأطياف الجماعة الوطنية أكبر مما يتصور، وأن ملاحظة فرص الالتقاء شرط لازم قبل ادعاء الخلاف.

ثانيًا- أحقية النظر الفقهي/ القانوني على النظر الفلسفي (الجدالي/المنابذ) في معالجة القضايا ذات الأبعاد التشريعية:

من معالم المنهج عند الحكيم البشري: أنه انتبه إلى أن كثيرا من اللبس والاحتدام في القضايا المتعلقة بالشريعة والمرجعية الإسلامية منشؤه تغليب الجدل الفلسفي (المسيَّس) على النظر الفقهي/القانوني في المعالجات المعاصرة لهذا النمط من القضايا، وهو ما خرج بالبحث عن مساره في هذا النوع من القضايا، وألحق بقضية تطبيق الشريعة الكثير من غبار الشبهات (الجدلية الفلسفية) التي لا يعترف بها البحث العلمي الذي يدور بين الفقهاء والقانونيين في هذه المساحة المشتركة بين مجالي الفقه والقانون؛ حيث لأهل الفقه والقانون من التصرفات والمواءمات وقواعد النظر ما لا ينتبه له القادمون من خلفيات فلسفية تتعامل مع قضايا الدين والشريعة بقدر من التوجس لا تخطئه العين؛ نتاج التأثر بالعلمانية اللائكية، ما يلقي بظلال سلبية على حصيلة النظر في هذه القضايا، ويُحمِّل البحث فيها ما لا يحتمل من المجادلات العقيمة التي تجاوزها البحث القانوني المعاصر الذي بات يتساءل عن: كيف؟ بقدر ما يتساءل أصحاب المجادلات الفلسفية عن: ماذا؟؛ وذلك مثل مجادلة العقل والنقل التي لا يزال أصحاب الخلفيات الفلسفية أسرى في فلكها، غاضين الطرف عن الجهد العقلي الهائل الذي بذله الفقهاء المسلمون في إنتاج فقههم، ولم يبلغوا هم عشر معشاره، مستنزفين طاقة العقل المعاصر في غير طائل[5]!

وفي هذا يقول البشري في عام 2011: ((رجال الفقه والقانون في مجالي الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، لم تقم بينهم معارك محتدمة فيما يتعلق بالخيار بين مصدرية الشريعة الإسلامية ومصدرية القانون الوضعي؛ لأن كلًّا من فريقي الخلاف من هؤلاء يعرف أصالة الفقه الإسلامي وصياغاته الفنية والبالغة أعلى مستويات الدقة، كما يعرف مدى الاحتياج إلى التجديد الفقهي والتشريعي؛ ليتلاءم النظام التشريعي مع أنماط معاملات حادثة ونماذج علاقات مستحدثة وتستحدث أبدًا، على مستويات القانون العام والخاص جميعًا…

لذلك نجد الحوار بين الفقهاء وعلماء القانون والشريعة في هذا المجال أهدأ وأوغل في التفاصيل ودقائق المسائل، وأكثر قدرة على الوصول إلى الحلول، من ذلك الصخب العجيب الذي يجري التعامل به بين رجال الفكر السياسي والفلسفي، بشأن موضوع يدركون بعض مشاكله، ولكنهم لا يحيطون بها… ولذلك فإن أهم الخطوات في هذا المجال هو أن يتولى فقهاء الشريعة الإسلامية وفقهاء القانون من العرب أمر هذا الحوار)).

ولهذا لا يتحمس الحكيم البشري لقضية المناظرات التي تجري على أساس فلسفي؛ لأن المتشبعين بالأفكار الفلسفية التغريبية قلما يلحظ عليهم التجرد للحقيقة والاستعداد للتخلي عن الأفكار التي تبين خطؤها، بخلاف البحث الذي يتداوله الفقهاء والقانونيون فيما بينهم؛ إذ يسفر عن نتائج أقرب للنفع وأيسر في التطبيق[6].

وأضيف أنا نلاحظ أن السمة الغالبة على هذه المناظرات باتت هي الصبغة الصراعية بديلا عن سمة: الجدال بالتي هي أحسن، التي قررها القرآن الكريم، ونادرا ما وجدنا هذه المناظرات الصراعية تنتج إنصافا يحمل من يقتنع بخطأ فكرته على التراجع.

وذلك أن الأجواء لم يسد فيها ذلك النمط الحجاجي الذي أسماه علماؤنا المتقدمون بآداب البحث والمناظرة، فمصطلح الآداب زحفت عليه تقنيات الغلبة وتحطيم الخصم على حساب الحق والحقيقة في ظل هذه الأجواء الملبدة بغبار اتباع الهوى وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهي من سمات زمان الفتنة كما جاء في الحديث الشريف.

أين هذا من قول الشافعي ليونس بن عبد الأعلى حين لاحظ الشافعي مقاطعته إياه -على إثر مجادلة أقام فيها الشافعي الحجة على صحة قوله- فقال له الشافعي معاتبا إياه على المقاطعة: أو ما يصلح أن نتناظر ونبقى أخوين؟

إن هجر مصطلح (آداب) الوارد في التعبير الإسلامي، إلى الفنيات أو الحرفيات أو اللا قواعد التي تميز أجواء المناظرات الصراعية -على الأرضية الفلسفية الأيديولوجية- التي نتحدث عنها يلفت أنظارنا إلى جانب من أسباب الأزمة الحجاجية المعاصرة؛ حيث بات الحجاج لا على إثبات صحة الرأي بالأدلة البرهانية بقدر ما هو على الانتصار الساحق على الخصم على طريقة لمس الأكتاف التي تنتزع صيحات الإعجاب من أفواه الجمهور المتشوق للإثارة.

إن هذا التوجه لكفيل بأن يسوغ لنا أن نستعير من المسيري فنصف هذا المنحى بأنه نمط من أنماط علمنة مفهوم المناظرة في الحداثة الثقافية المعاصرة، وقد عد المسيري (نزع القداسة) هو جوهر مفهوم العلمنة الشاملة، ونحن نلحظ في هذه الأجواء نزع القداسة عن الحق والحقيقة لحساب الأيديولوجيا والمصالح الفئوية، وهو ما يكفي مؤشرا على وجود عمليات علمنة وفقا لطريقة المؤشرات التي شرحها المسيري في كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.  

وأظن الحكيم البشري لم يقصد -بتفضيل الحوار الفقهي على المجادلات الفلسفية- الحط من شأن الفلسفة، وإنما قصد ضبط معايير النظر، بحيث ينعم كل مجال بما هو أنسب له من قواعد البحث وطريقة التناول وأهل الفاعلية الأولى به.

ولهذا وصفتُ الخلفيات الفلسفية التي شكا البشري من ضررها على البحث الفقهي والتشريعي -ومزاحمتها المتعسفة للتداول الفقهي القانوني- بـ(الجدالية/المنابِذة)؛ لأنها تحدث كثيرا من الضجيج، وتكثر من الدعاوى (مثل دعوى احتكار العقلانية) من غير طائل، وبدون تحديد للمفاهيم المدعاة؛ مثل: مفاهيم العقلانية والحداثة والتنوير! مع ما يظهر فيها من احتكار لكل ما هو إيجابي، ونعت مخالفيها بكل ما هو سلبي، على خلاف التداول البحثي بين أهل الفقه والقانون وما قاربهما، الذي يسفر عن حصائل أقرب للرشاد والفاعلية منها إلى تيه الجدليات المنابذة!


* مدرس بقسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق- جامعة عين شمس، وحاصل على الجائزة التقديرية في مسابقة وقف المستشار محمد شوقي الفنجري لصالح خدمة الدعوة والفقه الإسلامي لسنة 2022.

[1] حيث يرى بعض أهل الشريعة: أن بعض العقائد والأفكار مما عليه المخالفون للشريعة الإسلامية لا عذر لهم فيه، ومن ثم يتحفظون على قول الشيخ رشيد رضا -صاحب هذه المقولة- “ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”؛ لذا -ونحن في معرض التأليف والتجميع- اقترحت أن تعدل العبارة إلى: “ونتحاور فيما اختلفنا فيه”.

 

[2] طارق البشري: شخصيات وقضايا معاصرة، القاهرة، دار البشير للثقافة والعلوم، الطبعة الأولى، 2019م، ص139.

 

[3]  نحو إسلامية المعرفة في الفكر السياسي، مرجع سابق، ص33.

 

[4] نحو إسلامية المعرفة في الفكر السياسي، مرجع سابق، ص166.

 

[5] السياق التاريخي والثقافي لتقنين الشريعة، طارق البشري، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1422هـ، ص68.

 

[6]  حوارات مع طارق البشري، القاهرة، مركز الحضارة للدراسات والبحوث ودار البشير للثقافة والعلوم، الطبعة الاولى، 2021م، ص ص 160-162.

صرح الدكتور شوقي علَّام مفتي مصر، ورئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم خلال لقائه الرمضاني اليومي في برنامج “كل يوم فتوى” مع الإعلامي حمدي رزق، الذي عُرض على فضائية صدى البلد: إن قضايا المعاملات المالية في الفقه الإسلامي تعد أساسًا لبناء الاقتصاد وتطوره واستقراره، يصلح بصلاحها ويفسد بفسادها، ومن أجل ضمان سلامة المبادلات الاقتصادية ودوران المال بشكل سليم بيَّنت الشريعة الإسلامية الغراء أحكام المعاملات المالية بنصوص شرعية صريحة حتى تحمي الاقتصاد من كل كسب خبيث أو أي عمل يلحق ضررًا بالمجتمع.

جاء ذلك خلال تصريحات تليفزيونية، مضيفًا: أن الشريعة الإسلامية أقامت المعاملات المالية على أساس العدل والصدق، وتبادل المنافع دون غبن أو غش أو خداع؛ ليحصل التعاون بين الناس ويستفيد بعضهم من بعض.

وأشار المفتي إلى أن التعاملات المختلفة قد تكون وسيلة للترابط والتعاون والتكامل بين البشر؛ حيث وزَّع الله تعالى نعمه ورزقه بينهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، حتى يحتاج بعضهم إلى بعض فيحصل الترابط والتعاون والتكامل، لكن الناس في تصرفاتهم المالية قد يشوبونها بالغش والخداع، وقد يتخذون المال وسيلة لأكل الحرام، أو البحث عن الربح السريع غير الحلال، أو كسب المال بغير وجه مشروع، أو الاستيلاء على أموال الآخرين من غير طيب نفس، أو اتخاذ معاملات غير مشروعة نهى عنها الدين في إقامة المشروعات وكسب المال، وكل ذلك وما يشابهه يسبب أزمات ومشكلات على مستوى التعامل المالي.

وشدَّد على أنَّ الشريعة الإسلامية ما نهت عن الكسب غير المشروع بمختلف مظاهره ووسائله إلا لأن فيه مضرة ومفسدة تعود على الناس في أموالهم.

وأكد المفتي أنَّ الالتزام بأحكام الشرع في المعاملات المالية هو الضمان لتحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم وَفق ما يراه الشرع مصلحةً أو ما يراه مفسدة، فلو ترك الناس دون ضبط معاملاتهم ضبطًا شرعيًّا لوقعت الكثير من المفاسد، وضاعت الحقوق، وارتكب الحرام، ووقع الغبن عليهم.

واعتبر أن العدل هو أهم عنصر ترتكز عليه المعاملات المالية في التشريع الإسلامي، ويُعبِّر هذا الخُلُق عن القاعدة المقاصدية العامة المطردة التي تمثل العمود الفقري في بناء الاقتصاد، فالموازنة التي أجراها علماء المقاصد بين المصالح والمفاسد تئول في الغالب إلى تحقيق العدل، الذي يتصدر المرتبة الأولى في قائمة الأخلاق.

وأوضح المفتي أن الشرع الحكيم قد وضع تشريعات تضبط حركة المال وفق قوانين تحقق المصالح وتنفي المفاسد، وهذا من جهة تحصيل المال ومن جهة إنفاقه؛ فحرَّم مثلًا كسب المال بطرق الربا أو الغش أو الغرر أو الكذب ونحوها، كما حرَّم في جهة الإنفاق الإسراف والتوصل بالمال إلى تحصيل المآثم وجلب المحرمات، مشيرًا إلى أن الشريعة بمقتضى العدل أوجبت على المكلف صاحب المال أن يؤدي الحقوق الواجبة عليه فيه، كالزكاة والنفقات الواجبة عليه تجاه الآخرين، كنفقة من يعول وردِّ الأمانات إلى أربابها ونحوها.

المصدر: ، 13 أبريل 2023

أكد المجلس الأعلى للقضاء القطري أن القانون رقم (4) لسنة 2023 بشأن إجراءات تقسيم التركات، الذي أصدره الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، يهدف إلى تيسير إجراءات التقاضي على الورثة وسرعة تقسيم التركات وتفادي الإشكالات القانونية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على تأخير توزيعها على الورثة.

وأضاف المجلس، في بيان له اليوم، أن القانون سيساهم بشكل كبير في تحقيق العدالة الناجزة وتخفيف إجراءات التقاضي، كما سيكون له دور كبير في تحقيق الحماية الاجتماعية وصيانة حقوق القاصرين وحفظ حقوقهم الشرعية والقانونية في التركة، فضلا عن توثيق أواصر العلاقات الأسرية بين الورثة، إذ إنه يعطي الأولوية للتوزيع الرضائي فيما بين الورثة، وفي حال الاختلاف يتم توزيع التركة من قبل القاضي وفقا للأنصبة الشرعية.

أحكام القانون

وأوضح البيان أن قانون إجراءات تقسيم التركات يتضمن أحكاما إجرائية مستحدثة وفقا لأفضل التجارب والممارسات القضائية، وبما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ويتناسب وطبيعة النظام القضائي في الدولة والنهج التشريعي المتبع.

ويلزم القانون الجهات الطبية بإبلاغ المجلس الأعلى للقضاء (إدارة التوثيقات الأسرية) والهيئة العامة لشؤون القاصرين بحالات الوفاة داخل الدولة أو في حالات السفر أو الإقامة خارج الدولة خلال سبعة أيام من تاريخ تسجيل الوفاة، كما يلزم الورثة بمباشرة إجراءات حصر الورثة وتقسيم التركة خلال شهر من وفاة المورث، من خلال التقدم بطلب استخراج شهادة حصر الورثة لدى القاضي خلال ثلاثين يوما من تاريخ تسجيل الوفاة، وفي حال لم يتقدم الورثة بطلب الشهادة خلال الموعد المحدد، يكون للقاضي اتخاذ إجراءات تحديد الورثة وإلزامهم أو أحدهم بالحضور أمامه مع الشهود لاستصدار شهادة حصر الورثة.

ويقضي القانون بتقسيم التركة على الورثة حسب أنصبتهم الشرعية رضاء أو قضاء من خلال إدارة التوثيقات الأسرية بمحكمة الأسرة، كما يقضي بتعيين مفوض للتركة من بين الورثة لإدارة أموال التركة والحفاظ عليها لحين قسمتها وتوزيعها، وفي حال اختلاف الورثة يكلف القاضي الهيئة العامة لشؤون القاصرين بذلك، حيث تتولى الهيئة حصر وجرد تركة المتوفى فور إخطارها بالوفاة والاستعلام عن أمواله داخل الدولة وخارجها وإيداعها في حساب وعاء التركة المعتمد لدى الهيئة.

ويتوجب، وفقا للقانون، سداد ديون المتوفى وتنفيذ الوصايا والوقف تحت إشراف القاضي وقبل توزيع التركة على الورثة، حيث يعطي القانون الأولوية للقسمة الرضائية بين الورثة قبل البدء في الإجراءات القضائية، وفي حال إقرار مشروع القسمة الرضائية الذي يعده القاضي أو يقدمه الورثة تكون له قوة السند التنفيذي دون حاجة لإصدار حكم قضائي، وإذا تعذر الصلح بين الورثة خلال 30 يوما يتولى قاضي التوثيقات الأسرية إحالة الأمر إلى دائرة التركات المختصة للفصل في النزاع في أقرب وقت ممكن.

تعاون وثيق

ونوه المجلس الأعلى للقضاء، في بيانه، بوجود تعاون وثيق بين محكمة الأسرة وهيئة شؤون القاصرين والجهات المعنية لتطبيق قانون إجراءات تقسيم التركات، مشيرا إلى وجود برنامج إلكتروني متكامل لتفعيل أحكام القانون للتيسير على الورثة وتسريع الإجراءات.

وسلط المجلس الأعلى للقضاء الضوء على أبرز الأحكام الإجرائية المستحدثة للقانون رقم (4) لسنة 2023 بشأن إجراءات تقسيم التركات، الذي تسري أحكامه على التركات الخاصة بالقطريين داخل الدولة وخارجها، لتيسير إجراءات تقسيم التركات المتعلقة بالمواطنين القطريين وتحقيق السرعة في قسمتها وفقا لمقتضيات الشريعة الإسلامية، منها إصدار شهادة حصر الورثة، حيث يتولى القاضي إصدار شهادة حصر الورثة بعد التحقق من وفاة المورث والتأكد من صفة الورثة وانتفاء موانع الإرث، وعلى إدارة التوثيقات الأسرية تزويد الهيئة العامة لشؤون القاصرين بنسخة من شهادة حصر الورثة فور صدورها لتقديم تقرير عن حصر وجرد أموال التركة.

ووفقا للقانون، تتولى الهيئة العامة لشؤون القاصرين بعد إخطارها بالوفاة استكمال إجراءات الاستعلام من جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية عن أموال التركة العقارية والمنقولة لحصر وجرد أموال المتوفى، ولها في سبيل ذلك بعد أخذ موافقة القاضي اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحصر وجرد التركة.

أموال التركة

وبالنسبة لأموال التركة التي تكون خارج الدولة، أعطى القانون للهيئة العامة لشؤون القاصرين الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية المناسبة لحصر وجلب أموال التركة إلى حساب وعاء التركة خلال مدة معقولة، وذلك بهدف توفير أكبر قدر من الضمانات لحقوق الورثة وضمان سرعة إجرائها، مع إلزام جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية والورثة وذوي الشأن داخل الدولة أو خارجها، بموافاة الهيئة بالبيانات والمعلومات اللازمة لحصر التركة خلال 7 أيام من تاريخ إعلانهم بالعنوان الوطني أو أي وسيلة تفيد العلم، وفي حال الامتناع عن ذلك يرفع الأمر للقاضي لاتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الشأن.

وأوضح المجلس الأعلى للقضاء، في بيانه، أنه في سبيل تعزيز ضمانة حقوق الورثة وإدارة أموال التركة والحفاظ عليها، يقضي القانون بأن يتولى القاضي تفويض من يتفق عليه الورثة لإدارة أموال التركة والحفاظ عليها، وأن تكون إدارة أموال التركة بالتنسيق مع الهيئة العامة لشؤون القاصرين إذا كان بين الورثة قاصر أو من في حكمه، وذلك لحين قسمتها وتحديد نصيب كل وارث فيها.

وفيما يتعلق بصرف النفقات الضرورية من أموال التركة، حرص القانون على توفير أكبر قدر من الحماية لحقوق الورثة، حيث لا يجوز التصرف بأموال التركة إلا اقتضاء للنفقات اللازمة إذا كان من ضمن الورثة قاصر أو من في حكمه، أو الإنفاق على من كانت تجب على المتوفى نفقتهم بالقدر المعتاد، وكذلك الصرف من أموال التركة لسداد مصاريف ضرورية للحفاظ عليها، وذلك من خلال الهيئة العامة لشؤون القاصرين بعد أخذ موافقة القاضي.

تقسيم التركات

واستحدث قانون إجراءات تقسيم التركات، القسمة الرضائية للتركة، حيث يتولى القاضي فور ورود تقرير حصر وجرد أموال التركة سداد الديون وتنفيذ الوصايا والوقف، وأن يتولى إعداد مشروع القسمة الرضائية للتركة أو مباشرة إجراءات الصلح والتوفيق بين الورثة بشأن توزيع أموال التركة، وذلك بهدف تعزيز العدالة التصالحية وتسريع وتيرة إجراءات تقسيم التركات بالطرق الرضائية تلافيا للنزاعات بما يحافظ على استقرار الروابط الاجتماعية في المجتمع. كما يجوز للورثة عرض مشروع التقسيم المتفق عليه بينهم مكتوبا على القاضي لإقراره وتوثيقه حسب الاتفاق بعد التأكد من مراعاته لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون.

ووفقا للقانون، لا يكون مشروع القسمة الرضائية أو الصلح نافذا إلا بعد موافقة جميع الورثة أو من ينوب عنهم، ويصدر القاضي قراره باعتماد اتفاق القسمة الرضائية أو الصلح خلال عشرة أيام من تاريخ اتفاق الورثة أو إقراره للصلح، ويكون لقرار القاضي في تلك الأحوال قوة السند التنفيذي، ويتم إعلانه للجهات المعنية لتنفيذه. وأشار المجلس الأعلى للقضاء إلى أنه في حال عدم اتفاق الورثة على مشروع القسمة الرضائية والصلح أو اعتراض أحد الورثة، يأمر القاضي بإحالة النزاع إلى المحكمة المختصة خلال ثلاثين يوما من تاريخ عرض مشروع القسمة الرضائية أو الصلح، ما يساهم في تيسير إجراءات التقاضي، لا سيما وأنه تم استكمال كافة الإجراءات اللازمة للفصل في النزاع بطريقة ناجزة.

المصدر: ، 12 أبريل 2023