يؤكد مختصون في القانون الدولي أن المقاومة بكافة أشكالها حق مشروع للشعب الواقع تحت الاحتلال، وأن سلاحها يحظى بشرعية قانونية ولا يمكن نزعه، محذرين من تمرير محاولات تجريدها من قوتها أو التجاوب مع أي مبادرات من هذا النوع. وشدد خبيران في القانون الدولي على ضرورة رفض المحاولات الإسرائيلية لتجريم سلاح المقاومة، لكنهما لم يستبعدا أن تتمكن تل أبيب من الخروج على الأعراف والقوانين الدولية كما دأبت على ذلك من قبل.

مبادرة الاحتلال المقترحة لنزع سلاح المقاومة

وتسعى الحكومة الإسرائيلية إلى حشد مواقف دولية لدعم مطالبها بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة مقابل تسهيلات اقتصادية. وقد دعت صحيفة يديعوت اليوم تل أبيب إلى طرح مبادرة جديدة لوقف النار، أحد بنودها نزع سلاح الفصائل. ودعت الصحيفة في افتتاحيتها -التي كتبها رئيس جهاز الشاباك السابق يوفال ديسكن- إلى مبادرة سياسية تتفق في روحها مع أهداف ومطالب الحكومة الإسرائيلية في حربها على غزة.

وأضاف أن المبادرة السياسية تستند إلى ثلاثة أطراف مهمة، هي: مصر، والسلطة الفلسطينية ورئيسها، والجامعة العربية والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وأضاف أن المبادرة تشتمل في الأساس على صفقة حوافز لقطاع غزة مقابل نزع السلاح. وتتضمن العناصر الأمنية للمبادرة التي يقترحها ديسكن وقفًا طويلًا لإطلاق النار والهجمات، وتجريدًا تدريجيًا للقطاع من السلاح، ووقف إنتاج الوسائل القتالية وتهريبها، وإغلاق أنفاق الهجوم والتهريب، وأخيرًا رقابة دولية تضمن تنفيذ هذه البنود. أما العنصر المدني -في المقابل- فهو رفع كامل للحصار عن غزة، وتوسيع منطقة الصيد وحرية الحركة وتنفيذ خطة دولية لإعمار قطاع غزة تنسق وتنفذ مع حكومة الوحدة الفلسطينية.

المشروعية القانونية للمقاومة الفلسطينية

قدم عدد من القانونيون دحض لتلك الإدعات التي أستاذ القانون الدولي بجامعة القدس الدكتور محمد فهد الشلالدة حذر من التجاوب مع هذه المبادرة، وشدد على أن المقاومة في غزة تتم وفق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وأن حق المقاومة وحركات التحرر مشروع ومكفول قانونيًا. وأضاف أن حركات التحرر تناضل ضد الاحتلال من أجل حق تقرير المصير، بما يقتضي أن أعمالها العسكرية تعتبر دفاعًا عن النفس وبالتالي يحق لها "المقاومة بكافة الوسائل ومنها الكفاح المسلح". وأكد شلالدة أنه لا يحق لأي جهة نزع سلاح المقاومة، قائلا إن ذلك "يعتبر انتهاكًا صارخًا لمبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".

وأوضح الخبير القانوني أن قطاع غزة يسري عليه قانون الاحتلال الحربي وبشكل خاص اتفاقية جنيف الرابعة، قائلًا إن "الشعب الفلسطيني يتعرض لأبشع الجرائم، ومن حقه أن يقاوم بكافة الوسائل". وأضاف أن الفصائل الفلسطينية تحق لها المقاومة سواء انضمت لمنظمة التحرير التي هي شخص من أشخاص القانون الدولي ودولة غير عضو بالأمم المتحدة، أو لم تنضم لها. وذهب الأكاديمي إلى أبعد من ذلك، إذ أكد أنه من حق الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية محاربة الاحتلال "لأنه لا تمييز بين جهاز أمني ومواطن وأكاديمي في المقاومة".

أما أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي الفلسطيني السابق حنا عيسى فشدد على أن نزع سلاح المقاومة لا يأتي إلا في إطار النيل من حقوق الفلسطينيين المشروعة، وفي مقدمتها الحرية وتقرير المصير. وأوضح أن اتفاقية لاهاي عام 1907 تنظم عمل حركات المقاومة وتنص على أن يكون لها رئيس وشعار، وأن تحمل السلاح علنا وتتقيد بأعراف وقوانين الحرب. وأضاف أن القرار الأممي رقم 3236 الصادر بتاريخ 1974 أعطى الشعب الفلسطيني الحق في استخدام كافة الوسائل لنيل حريته المتاحة بما فيها الكفاح المسلح. ونبه إلى أن الأمم المتحدة اعترفت بالشعب القائم في وجه العدو كشخص من أشخاص القانون الدولي، وطبقت على حركات التحرر الوطني نظام فيينا للبعثات الدائمة أو المؤقتة في المنظمات الدولية.

_____________

المصدر بتصرف: عوض الرجوب، القانون الدولي يحمي سلاح المقاومة الفلسطينية، الجزيرة نت، https://2u.pw/w4qtGo5.

قُدمت هذه الدراسة إلى كلية الحقوق- جامعة الشرق الأوسط بالأردن، للحصول على درجة الماجستير، عام 2013م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد يوسف علوان، ونُشرت على موقع "المنظومة".

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

إن حق الدفاع الشرعي كان ولا يزال من أكثر الموضوعات القانونية المثيرة للجدل بين فقهاء القانون لما به من جدلية قانونية وفلسفية تثير شهية أي باحث في القانون، وليس الخلاف جديدًا في القانون الدولي حيث تمتد جذوره بعيدًا في أعماق الفكر القانوني ولم يكن طي النسيان أثناء وضع الميثاق.

حيث إن جميع النظم القانونية تعترف بحق الدفاع الشرعي، وأن هذا الحق معترف به منذ العصور الأولى لوجود الإنسان على الأرض، وبقي هذا الحق وما زال في ظل التنظيم الدولي الحديث (ميثاق الأمم المتحدة)، ويعتبر هذا الحق من الحقوق الحتمية للحق في البقاء، والمحافظة على النفس، وهذا مما يجعل استخدام القوة دفاعًا عن النفس مشروعًا، سواء في ظل التشريعات الداخلية للدول أم في ظل التنظيم الدولي ضد أية دولة معتدية.

وقد نصت القوانين والتشريعات الداخلية والدولية على الدفاع الشرعي ووضعت ضوابط وشروطًا باعتباره حقًا أصيلاً يتمتع به الفرد، كما تتمتع به الجماعات والدول، فبموجب نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى مجلس الأمن فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس بمقتضى سلطته ومسئولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".

كرست المادة (51) من الميثاق حق الدفاع الشرعي، واعتبرته استثناء على قاعدة حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، ويرجع تبرير هذا الحق إلى أنه لا يمكن أن تترك الدولة ضحية الهجوم المسلح دون إنقاذ حتى تتمكن الأمم المتحدة من العمل على نجدتها.

ويعد حق الدفاع الشرعي من الحقوق الطبيعية التي تتمتع بها الدول كافة كنتيجة حتمية للحق في البقاء والمحافظة على النفس، وجاء النص عليه في المادة (51) لوضع الضوابط المتعلقة بشروط وكيفية ممارسته حتى لا تشتط الدول في استعمال هذا الحق وتتعسف به. وحق الدفاع الشرعي وفقًا لميثاق الأمم المتحدة ليس مطلقًا بدون قيود، فهو من ناحية مقيد بتعرض الدولة المعتدى عليها لعدوان مسلح، ومن ناحية ثانية مقيد بأن تمارسه الدولة المعتدى عليها مؤقتًا حتى يتحمل مجلس الأمن مسؤولياته في اتخاذ التدابير الفعالة ضد الدولة المعتدية، ومن ناحية ثالثة فهو يخضع لرقابة مجلس الأمن، وبالتالي تلتزم الدولة التي تمارسه بإبلاغ مجلس الأمن فورًا بالتدابير التي اتخذتها لممارسة حق الدفاع الشرعي.

فالدفاع الشرعي ينصرف إلى الحالة التي ترد فيها دولة ضحية لعدوان مسلح حال على هذا العدوان دفاعًا عن وجودها واستقلالها، وهو حق "طبيعي" و "أصيل" للدول وظيفته رد العدوان إلى أن يباشر الجهاز المختص (مجلس الأمن) سلطاته وصلاحياته في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين.

ومن خلال نص المادة (51) المذكورة نجد أنه قد وضع ضوابط لهذا الحق، وهذا لا يمنع من أن هذا النص به من الغموض أكثر ما به من الوضوح، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما إمكانية تطبيق هذا النص والمقصود هنا نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة على الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

مشكلة الدراسة:

إذا كان حق الدفاع الشرعي هو حق أصيل للدول كما للأفراد طبقًا لقواعد القانون الدولي، وأيضًا هناك تحريم اللجوء إلى استعمال القوة لفض المنازعات بين الدول فهذا الحظر أو المنع هو مبدأ مستقر في القانون الدولي طبقًا لنص المادة (2 فقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة، وبرغم عمومية وشمولية تلك المادة فهي تصل بالتحريم ليس فقط لاستعمال القوة بل لمجرد التهديد باستعمال القوة وهذا للحفاظ على السلم والأمن الدولي.

وعلى ذلك فلابد من البحث والتنقيب عن معيار إباحة استعمال القوة من خلال حق الدفاع، وكذلك حظر استعمال القوة لفض المنازعات بين الدول والمحرم تطبيقًا لنص المادة (2 فقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة. ثم إن الآراء الفقهية والاجتهادات القضائية ستكون هي الأخرى محل عناية الدراسة الحالية، ويعزي تعدد الآراء بين هؤلاء الفقهاء واختلافهم فيما بينهم إلى اختلاف توجه كل فقيه عن الآخر فضلاً عن التباين في ثقافة وأيديولوجية كل منهم.

هدف الدراسة:

هدف الدراسة هو البحث في حق الدفاع الشرعي في القانون الدولي وحالة النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي بصفة خاصة، وأن النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي هو واحد من أكثر النزاعات التي أرقت ولا تزال تؤرق المجتمع الدولي باعتبار أن هذا النزاع هو أقدم النزاعات الموجودة على الساحة الدولية والعلاقات الدولية المعاصرة منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة على الإطلاق.

فالهدف هو في الأساس تأصيل حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن حقوقه المشروعة طبقًا للقانون الدولي، إلا أن هذا التأصيل يواجه في الحقيقة وجهة نظر أخرى تدعي أن لإسرائيل كذلك وطبقًا لذات القانون الحق في الدفاع عن نفسها، والدراسة ليست هنا لتأريخ النزاع، وإنما الهدف فقط للبحث والتدقيق والتنقيب من خلال القانون الدولي عن تلك المفارقة، وليس هناك تناقض بين الحق في مقاومة الاحتلال وبين الحق في الدفاع الشرعي.

فمن المعروف قانونًا أن إسرائيل دولة معترف بها وذات سيادة والدولة المعترف بها لها السيادة على أرضها وبحرها وسمائها، وعند خرق سيادتها من خلال عدوان أو اعتداء فهنا ينشأ لها الحق في الدفاع عن سيادتها.

ومن الجدير بالذكر أن منظمة التحرير الفلسطينية قد اعترفت بدولة إسرائيل، ويثار التساؤل عن أثر ذلك على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وهذا ما تحاول الأطروحة الإجابة عليه.

أهمية الدراسة:

  • ترجع أهمية الدراسة في محاولة إسقاط النصوص القانونية للقانون الدولي، والخاصة بالدفاع الشرعي على حالة النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولا يتفق ميثاق الأمم المتحدة لجوء الدول الأعضاء بذات المنظمة إلى استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال لأية دولة ومقاصد الأمم المتحدة، وقد أباح ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة في حالات معينة منها حالة قيام مجلس الأمن باتخاذ تدابير القسر لحفظ السلم والأمن الدولي تطبيقًا لأحكام الفصل السابع من الميثاق، وكذلك حالة الدفاع الشرعي والتي تنص عليها المادة (51) من ذات الميثاق.
  • ومن الأهمية كذلك للدراسة الوضع القانوني للمقاومة المسلحة في الأراضي المحتلة في العموم، وخاصة دراسة الوضع القانوني للمقاومة الفلسطينية إزاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
  • ومن الأهمية أيضًا التطرق إلى التنظيم الدولي للنزاعات المسلحة أو التهديد باستخدام القوة، وقد جاء النص صريحًا في المادة الثانية في فقرتها الرابعة على أنه "يمتنع أعضاء المنظمة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة"، وهذا النص يتطلب البحث في فكرة حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية وبمضمون هذا الحظر والبحث في الطرق المشروعة لاستخدام القوة.

فرضيات الدراسة:

من الشيء المهم والمجدي لأية دراسة أن تكون لها إضافة لما سبق أن قُدم في ذات الموضوع، وإلا سيكون ما يُقدم عبارة عن تكرار لما قُدم وإعادة لما سبق، وهذا ما لا يجوز علميًا.

أولاً: من الأسئلة التي وضعت للبحث فإن الإجابة عليها -وهذا ما ترمي إليه الدراسة- هو البعد عن الجانب السياسي لموضوع حق الدفاع الشرعي طبقًا لقواعد القانون الدولي بالرغم من أنه لا يمكن فصل السياسة عن القانون في مثل هذه القضايا، وبالرغم من وجود جوانب لا يمكن التفريق بينها، ولكن التركيز على الجوانب القانونية أكثر من السياسية.

ثانيًا: إذا كان مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية أمرًا واجبًا قانونًا فهل الاستثناءات الواردة على هذا المبدأ سواء الواردة في ميثاق الأمم المتحدة أم التي قال بها فقهاء القانون الدولي، ولا أقصد هنا أن المبدأ والاستثناء يناقض بعضهم البعض ولكن ما أعنيه هو الأساس القانوني للاستثناء، وهذا يؤدي إلى البحث عن ماهية حق الدفاع من خلال التمييز بينه وبين غيره من المفاهيم القانونية الأخرى، وكذلك أساس حق الدفاع الشرعي، وأيضًا أنواعه مما يجعلني أوضح التباين في موقف فقهاء القانون الدولي والخاص بالفكرة ذاتها.

ثالثًا: بما أن الدراسة ترمي إلى بيان الحالة الفلسطينية - الإسرائيلية وعلاقتها بحق الدفاع الشرعي فلابد من الوصول إلى تعريف الاحتلال وحقوق الشعوب المحتلة، وأيضًا واجبات المحتل من قبل الشعب المحتل، وكذلك الإجابة عن مفهوم حق الكفاح المسلح وسنده القانوني، ثم هل هناك فرق بين شعب محتل لم يعترف بدولة الاحتلال وبين شعب محتل اعترف بدولة الاحتلال على سبيل المثال كمعاهدة السلام بين الشعب الفلسطيني والإسرائيلي، وما هو أثر ذلك على الحق في الدفاع الشرعي أو عدمه.

 

منهجية الدراسة:

ارتكزت الدراسة الحالية على المنهج التحليلي النقدي، وذلك لتحليل النص القانوني سواء بالسلب أو بالإيجاب اعتمادًا على تعدد آراء رجالات الفقه والقضاء للقانون الدولي، كما لابد من الأخذ في الاعتبار أن المنهج التحليلي سيؤدي إلى النقد، ولذا فالمنهج النقدي لا بد منه لغايات الدراسة، وخلال تحليل النص القانوني وإسقاطه على الحالة الفلسطينية - الإسرائيلية يمكن التوصل إلى المعيار القانوني لحق الشعب الفلسطيني في الدفاع الشرعي في إطار القانون الدولي.

 

تقسيمات الدراسة:

  • الفصل الأول: الإطار العام للدراسة.
  • الفصل الثاني: ماهية حق الدفاع الشرعي في القانون الدولي.
  • الفصل الثالث: ممارسة حق الدفاع الشرعي و ضوابطه.
  • الفصل الرابع: حق الشعب الفلسطيني في الدفاع الشرعي وتقرير مصيره في ظل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
  • الفصل الخامس: الخاتمة، النتائج والتوصيات.
  • قائمة المراجع.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

"إذا أدرجنا العوامَّ في حُكم الإجماع فنطلق القول بـ«إجماع الأمة»، وإن لم ندرجهم في حكم الإجماع -أو بَدَرَ (= ظهر) من بعض طوائف العوام خلاف- فلا يُطلق القول بإجماع الأمة، فإنّ العوام معظم الأمة وكُثْرها (= أكثريتها)؛ بل نقول: أجمع علماء الأمة".

أورد هذا النص الإمام أبو الحسن الآمِدي (ت 631هـ/1234م) -في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام"- لبيان مستويات التعبير عن آراء الأمة ومواقفها من القضايا العامة فيها، موضحا الفروق بين إجماع علماء الأمة، وبين حضور الأمة ذاتها في هذا الإجماع، وتمثيل نفسها بنفسها في المسائل العامة بوصفها صاحبة الحق الأصيل في ذلك، واعتبار ذلك هو ما يصلح أن يسمى بـ"إجماع الأمة"؛ وهو ما يجعلنا مباشرة أمام وضع يفرض تأمل مفهوم "الرأي العام" باعتباره فرعا من مباحث "الإجماع الشرعي" الأصولي، وذلك ما تتناولها هذه الدراسة المستوعبة لهذا الموضوع في مساريْها: النظري التأصيلي والتاريخي التفعيلي.

ذلك أن مبحث "الرأي العام" أحد المباحث السياسية الاجتماعية التي لم تنل حقها في الدراسة والتحليل، بل ظل غائبا عن حقل التنظير في فقهنا السياسي المعاصر رغم حضوره المؤثر في تراثنا وتاريخنا، ولا ريب أنه -إذا صُممت له المناهج التحليلية التاريخية والفقهية التي تقوم باستقرائه واعتصار خبرته وعبرته- سيكشف عن مورد غزير وعزيز للأفكار السياسية والاجتماعية التي تفيد نظرنا السياسي الراهن والمستقبلي.

إن "الرأي العام" مفهوم واسع متعذّر الضبط متعدّد التعريفات لتوزُّعه بين حقول شتى يتجاور فيها السياسي والاجتماعي والنفسي والإعلامي. وبالنسبة للحضارة الإسلامية؛ فإن الرأي العام كان تاريخيًا من أقوى مراكز التأثير المجتمعية بوصفه وعاء الانتماء وعنوان الهُوُّيّة، لاسيما أن الخبرة الإسلامية قامت على تمكين المجتمع من التشكل الذاتي لمكوناته والتدبير الطوعي لشؤونه ليكون هو عماد حيوية الأمة.

ولذا كان العامّة دائما مادّة النزاع بين علماء الدين وحملة الفكر ورجال السياسة، ونقطة الصراع بين المتشابكين من زعامات الفِرَق والطُّرُق والمذاهب الفقهية والفكرية؛ فكلّ فرقة تخاطب العامّة بمذهبها وتعرض عليها أفكارها وتسوّق لها مواقفها. وانطلاقا من تلك الحقيقة؛ نجد الدراسات الإنسانية اليوم كلها تتجه إلى الاهتمام بمواقف "العامّة" دراسة وتحليلا واستقراء لآرائهم وسلوكهم، لتحديد كيفية استقطابهم أو التعامل معهم بما يتوافق مع رغبات الفاعلين المجتمعيين.

وبالعودة إلى التراث الإسلامي الديني والاجتماعي والسياسي؛ سنجد أن "العامة" لم يكونوا مهمشين في الشأن العام المعرفي والواقعي، بل كانوا هم مادته المركزية لدى فئتيْ العلماء والأمراء، باعتبارهم محل الرضا والمقبولية والسيادة والخشية في الآن نفسه. فضلا عما كان لهم من "رقابة شعبية" كثيرا ما دفعتهم للتحرك من موقع الرأي إلى موقف الفعل، مع ما كان يؤدي إليه ذلك من ثورات وهبات اجتماعية ملأت التاريخ السياسي والاجتماعي في الحضارة الإسلامية.

لكن ذلك الاهتمام القديم بالرأي العام لا نكاد اليوم نجد له صدى في مباحث العلوم السياسية العربية والإسلامية؛ وهي ثغرة معرفية عظيمة جاءت هذه المقالة لتلفت الأنظار إليها، وتحاول أن يسدّ جانبا منها عبر رصد موجز لتاريخ الرأي العام الإسلامي باعتباره شكّل ثورة في الفكر السياسي الإسلامي، كاشفةً عن مكانته نظريا لدى نُخَب المسلمين قديما، ومستعرضةً ملامح من أدواره المجتمعية وتجلياته الواقعية ومحركات فعله المتعددة وآليات نشاطه المؤثرة.

 

سبق مصطلحي

اهتم علماء الإسلام -على اختلاف مشاربهم- بمناقشة ظواهر الرأي العام الشعبي ودوره في حركة الحياة العامة للمجتمعات، باعتباره مركز الثقل في الحضارة الإسلامية؛ فهو وعاء الانتماء ومستقرّ الهُوّية ومدار الفعل.

ولذا قد نندهش لاستخدامهم قديمًا مصطلحات من قبيل "رأي العامة" الذي يكافئ دلاليا مصطلحَ "الرأي العام" بمفهومه الأكثر شيوعا اليوم باعتباره الموقف الذي تتبناه أكثرية مجتمع ما في قضية معينة وتعمل لأجله؛ فنجد عند أبي حيّان التوحيدي (ت بعد 400هـ/1010م) -في "المقابسات"- قوله: "إنا لا نظن أن كل من كان في زمان الفلاسفة بلغ غاية أفاضلهم..، بل كان في القوم من رأى «رأي العامة» وحَطّ إلى ما حطَّتْ إليه".

بل إننا نطالع تعبير "الرأي العام" نفسه عند الشهرستانيّ (ت 548هـ/1153م) -في كتابه ‘المِلَل والنِّحَل‘- وإن كان بدلالة تختلف قليلا عن المفهوم الشائع اليوم لهذا التعبير، والذي نقصده هنا في هذا المقال؛ فهو ينقل عن إقليدس اليوناني (ت 265ق.م) قوله: "افْزَعْ إلى ما يشبه «الرأي العام» التدبيري العقلي واتَّهِم ما سواه"! وأيضا ربما عبّروا عن "الرأي العام" بمصطلح "الهيئة الاجتماعية"؛ كما سنرى لاحقا.

ومن هنا نجد العلماء يتطرقون لعلاقة عامة الناس بالمعارف والعلوم في مجالات عديدة؛ فنرى مثلا علماء اللغة يهتمون برصد وضبط الانحراف اللغوي عند "العامة" فيؤلفون فيه المصنفات، كما فعل الإمام الكسائي (ت 189هـ/805م) حين ألّف كتابه ‘ما تلحن فيه العامة‘، وكذلك وضع أبو بكر الزبيدي الأندلسي (ت 379هـ/990م) كتاب ‘لحن العوَامّ‘. كما نرى المؤرخين يهتمون برصد أنشطة الرأي العام في كل العصور.

وأما علماء الشرع؛ فقد حاول العلماء أن يجعلوا إيمان العامة قويا والتزامهم الديني عميقًا؛ فبحثوا دور العامة في صياغة "الرأي الشرعي" وخاصة في المجالين الرئيسيين: العَقَدي (أصول الدين) والتشريعي (أصول الفقه)؛ فبحثوا ما يلزم "العامِّيّ" (نسبة إلى العامة) في صحة الاعتقاد والاجتهاد، وحددوا منزلة موقفه فيهما والمساحة التي يعمل فيها ومدى حجية رأيه فيهما.

وبصفة عامة؛ يقدم لنا الإمام فخر الدين الرازيّ (ت 606هـ/1209م) خلاصة نقاشات العلماء بشأن موقع العامة في مراتب الناس على سلّم المعرفة، وما يجب على المنتسب إلى العامة طبقا لموقعه المعرفي؛ فيقول -في كتابه "المحصول"- إن مراتب المشتغل بالعلم ثلاثة: "فإما أن يكون عاميا صرفا، أو عالما لم يبلغ درجة الاجتهاد، أو عالمًا بلغ درجة الاجتهاد". ثم أوضح أن الشخص إذا كان عاميًا فإن العلماء جَوّزوا له استفتاء العلماء، وإن كان عالما لم يبلغ درجة الاجتهاد فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز له تقليد عالم غيره.

 

اختيار حرّ

ومع إلزام العلماءِ "العامةَ" باستفتائهم في الأحكام؛ فإن الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) يلفت انتباه زملائه من العلماء إلى ضرورة النظر إلى فلسفة الدين ومقاصد الشريعة، فيدعوهم إلى إقناع العامة بذكر الدليل الشرعي لهم مقرونا بالآراء العقدية والفقهية حتى ترتاح نفوسهم، ويُقرر أنّ العامة وإن أُلجِموا عن تعاطي مسائل "علم الكلام" إلا أنّ الاعتقاد ينبغي أن يُبنى عن دليل تطمئن به قلوبهم.

يقول الغزالي في "إلجام العوام عن علم الكلام": "فإن قلتَ: العاميُّ إذا لم تسكن نفسه إلى الاعتقادات الدينية إلا بدليل؛ فهل يجوز أن يُذكَر له الدليل؟ فإن جوزتَ ذلك فقد رخصتَ له في التفكر والنظر، وأي فرق بينه [في هذا النظر] وبين غيره؟ وإن منعتَ فكيف تمنعه ولا يتم إيمانه إلا به؟ والجواب: أني أجوّز له أن يسمع الدليلَ على معرفة الخالقِ ووحدانيته، وعلى صدق الرسول ﷺ، وعلى [ثبوت] اليوم الآخر…".

وقد انشغل الإمام الغزالي كثيرًا بمسألة العامة وعلاقتهم بالعلوم والأصول العقدية؛ ففي كتابه "القِسْطَاس المستقيم"؛ يحيل الغزاليُّ العامةَ إلى القرآن الحكيم وأدلته في "الأصول" (العقائد)، وأما في "الفروع" (العبادات والمعاملات ونحوهما) فيحيلهم إلى المتفق عليه بين العلماء. ويقول للعامّي مخاطبًا: "لا تشغل قلبك بمواقع الخلاف ما لم تفرغ عن جميع المتفق عليه". وينصحه إذا احتار في مسألة مختلف فيها بين الفقهاء فيقول: "اجتهد مع نفسك، وانظر: أيُّ الأئمة أفضلُ عندك، وصوابُه أغلب على قلبك" فاعمل به!

وإذا كانت العامة مطالبة بالرجوع إلى علماء عصرها لاستفتائهم فيما يعرض لها من مشكلات؛ فإن ذلك يثير سؤالًا مهمًّا عن كيفية معرفة العامي بالأهلية العلمية للعالِم؛ وهو السؤال الذي طرحه الشهرستانيّ -في ‘المِلَل والنِّحَل‘- دون أن يحسم بشأنه، فقال: "ثمّ إنّ العامي بأيّ شيء يَعْرفُ أنَّ المجتهدَ قد وصل إلى حدّ الاجتهاد؟ وكذلك المجتهد نفسه متى يعرف أنه قد استكمل شرائط الاجتهاد؟ فيه نظرٌ"!

لكن الإمام السيوطي (ت 911هـ/1506م) يجيب على هذا السؤال؛ فينقل -في "الرد على من أخلد إلى الأرض"- عن بعض العلماء أنه "يقلد العاميُّ من ظهر اسمه في البلد، وشاع اسمُه في ألسن الناس"، وعن آخرين: "بل يقول للعالِم أمجتهدٌ أنت [فـ]ـأقلّدك؟ فإن أجابه إلى ذلك قلّده"، ثمّ رجَّح هذا القولَ الأخير إذا كان العالِم عدلًا موثوقًا بدينه.

ومن اللافت حقا أن العلماء أثبتوا للعامة من المقلِّدين حقهم في اختيار فقهائهم الذين يثقون في فتاويهم، بل وجعلوا من طرق هذا الاختيار أن يختبروهم حتى يطمئنوا إلى أهليتهم العلمية. فهذا الإمام الجويني (ت 478هـ/1085م) يقرر -في كتابه "الغِياثي"- أنه "يتعين على المستفتي (= العامي وشبيهه) ضربٌ من النظر في تعيين المفتي الذي يقلده ويعتمده، وليس له أن يراجع في مسائله كل مُتَلقِّب بالعلم".

وهذا يفيد بأنّ العامي لا يخلو من نمط ما من الاجتهاد، وإلا كان كسولًا في أسمى شيء في حياته وهو الدين وتعاليمه. ويتصل بذلك عدم حصرية ارتباط العامة بتقليد فقيه معيّن، إذ لهم -في أرجح الأقوال- حق استفتاء من يشاؤون من مختلف الفقهاء الموثوق بعلمهم، والدليل على ذلك "ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم يُنقَل عن أحد من السلف الحَجْرُ على العامة في ذلك"؛ طبقا للإمام أبي الحسن الآمِدي (ت 631هـ/1234م) في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام".

 

مساءلة مكفولة

ولم يكتف الفقهاء بتقرير حق العامة في اختيار علمائها ومفتيها واختبارهم قبل هذا الاختيار، بل أثبتوا لها أيضا حق مساءلة الفقيه أو المفتي عن دليله الشرعي على ما يقدمه لها من آراء فقهية، حتى إن الإمام الباقلاني (ت 402هـ/1012م) يوجب "على المستفتي أن يمتحن مَنْ يريد تقليدَه"؛ وفقا لما نقله عنه الجويني في "الغِياثي".

ويقرر الإمام ابن حزم (ت 456هـ/1065م) أيضا ذلك -في "الإحكام في أصول الأحكام"- قائلا: "ويلزم هذا [العاميَّ] إذا سأل الفقيهَ فأفتاه أن يقول له: مِن أين قلتَ هذا؟ فيتعلم من ذلك مقدارَ ما انتهت إليه طاقته وبلغه فهمه". كما يؤكد هذا الرأيَ نفسَه الإمامُ الخطيبُ البغدادي (ت 463هـ/1072م) -في كتابه "الفقيه والمتفقه"- بقوله: "وإذا أجابه الفقيه عن مسألةٍ جاز له أن يستفهمَه عن جوابه: أقاله عن أثَرٍ أو عن رأي؟".

وهذا ملمحٌ مهم في ترشيد الرأي العام حين يتم تشكيله بالاختيار الطوعي ومن خلال آراء فقهية لعلماء ذوي مصداقية علمية وشعبية؛ لأنّه ينبني على ذلك مسألة وجوب إقناع العامّة -باعتبار ذلك من مسؤولية الفقيه- بسلامة الآراء قبل تقليدهم إياها، وإلا فسيختلّ هذا التقليد إذا برز من شكّك فيه وأطعمَ العامةَ شبهاتِه.

وبعيدًا عن تفاصيل الخلاف بين العلماء في جواز تقليد العامة للعلماء في العقائد من عدمه؛ فإنّ مجرد حضور العامة في الدرس الفقهي والعقدي دليل على مكانة الرأي العام وموقعه في التراث الإسلامي، وبرهان على أن النظرة إلى العامة كانت إيجابية إلى الحد الذي جعل بعضهم يسوّون بين العامي والمجتهد في تحريم التقليد في العقائد! فالإمام الإسْنَوي (ت 772هـ/1370م) يرى -في ‘نهاية السُّول‘- أنه "يجوز للعامة الاستفتاء في الفروع..، واختلفوا في الأصول (= العقائد).. فالأكثرون على أنه لا يجوز لا للمجتهد ولا للعامي"!!

لا يقف التنظير لمكانة العامة في الفضاء العلمي عند مستوى تثبيت حقهم في اختيار مرجعياتهم العلمية ومساءلتهم إياها بشأن حجية آرائها في العقائديات والفقهيات؛ بل إننا نجد حضورا قويا لـ"رأي العامة" في مبحث الإجماع الفقهي عند علماء "أصول الفقه"، ومسألة ثبوت التواتر الخبري في "علوم الحديث" النبوي.

فقد ناقش علماء الإسلام ما إن كانت العامة جزءا من "الإجماع" الفقهي المعبِّر عن "عصمة الأمة"؛ وفي ذلك يقول الخطيب البغدادي -في "الفقيه والمتفقه" ملخصا النقاش في هذا الموضوع- إن "الإجماع على ضربين: أحدهما: إجماع الخاصة والعامة، مثل إجماعهم على القبلة أنها الكعبة، وعلى صوم رمضان..، والضرب الآخر: هو إجماع الخاصة دون العامة".

 

مكوِّن أصيل

وينقل الإمام الآمدي -في كتابه "الإحكام"- مختلف الآراء في مدى اعتبار "رأي العامة" في انعقاد الإجماع ويناقش أدلتها مرجحًا اعتباره في صحة حصول الإجماع، ثم يلخص النقاش جاعلًا لهم وزنا كبيرًا في مصداقية هذا الإجماع إن كانوا جزءا منه؛ فيقول: "وبالجملة فهذه المسألة اجتهادية؛ غير أن الاحتجاج بالإجماع عند دخول العوامّ فيه يكون قطعيًا وبدونهم يكون ظنيًا".

وما قرره الآمدي هو ما أثبته قبله الجويني -في كتابه "التلخيص"- لكن بصيغة أخرى عمادها التفريق بين "إجماع الأمة" و"إجماع علماء الأمة"، رغم ترجيحه أنّ خلاف العوام لا يقدح في الإجماع؛ فقد رأى "أنا إذا أدرجنا العوام في حكم الإجماع فنطلق القول بـ"إجماع الأمة"، وإن لم ندرجهم في حكم الإجماع -أو بَدَرَ (= ظهر) من بعض طوائف العوام خلاف- فلا يُطلق القول بإجماع الأمة، فإنّ العوام معظم الأمة وكُثْرها؛ بل نقول: أجمع علماء الأمة".

فهذا التفريق بين: "إجماع الأمة" و"إجماع علماء الأمة" له دلالته في منح الإجماع قوة قطعية في نوعه الأول، باعتباره معبّرا عن مجموع الأمة لا الشريحة العالمة فيها فقط، وهو ما يعني إعطاء الرأي العام "قوة تشريعية" إلى جانب العلماء. وهذا هو أساس مبدأ "عصمة الأمة" الذي تحدث عنه علماء الإسلام مثل الغزالي والآمدي وابن تيمية (ت 728هـ/1328م).

فالغزالي قد أثبت هذا المبدأ -في مبحث الإجماع من كتابه "المستصفى"- بقوله: "إنما يجوز الخطأ في اجتهاد ينفرد به الآحاد، أما اجتهاد «الأمة المعصومة» فلا يحتمل الخطأ كاجتهاد رسول الله ﷺ وقياسه، فإنه لا يجوز خلافه لثبوت عصمته، فكذا «عصمة الأمة» من غير فرق".

والآمدي يقرر -في "الإحكام"- أن "الأمة الإسلامية معصومة عن الخطأ" لأن ذلك مما "دلت عليه الدلائلُ السمعية (= النقلية)"، ثم يوضح أن هذه "العصمة [مُسْتمَدة] من صفات الهيئة الاجتماعية (= الرأي العام) من الخاصة (= العلماء) والعامة" من الناس، ولا شك أن "الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد" بمفردهم؛ كما يقول الإمام بدر الدين الزَّرْكَشي (ت 794هـ/1392م) في كتابه "البرهان".

وأما ابن تيمية فإنه تعرّض -في "منهاج السُّنة"- لما "ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة" الإسلامية؛ فأكد أن "هذه الأمة لا نبي بعد نبيها فكانت عصمتها تقوم مقام النبوة، فلا يمكن لأحد منهم أن يبدل شيئا من الدين إلا أقام الله من يبين خطأه فيما بدله، فلا تجتمع الأمة على ضلال"! وبذلك ندرك أن علماء الإسلام يقررون أن من أهم عناصر الرأي العام المجتمعي المكونة له ارتباطه بآلية "الإجماع القطعي" الذي هو "إجماع الأمة" وليس فقط "إجماع العلماء".

وإذا كان العلماء ناقشوا -كما رأينا- مكانة العامة فأفسحوا لها حيزا كبيرا في الاختيار والترجيح للعلماء والآراء، وجعلوها مكوِّنا أصيلًا في آلية إجماع الأمة وبالتالي جزءًا ضروريًا لاكتمال عصمتها؛ فإن العامة أيضًا كان لها -إلى جانب العلماء أنفسهم- إسهام عظيم في عملية الاصطفاء والتمايز في صفوف العلماء أنفسهم، فكان ميلها نحو بعضهم كفيلًا بوضعه على طريق "الإمامة العلمية" الموصلة إلى الخلود التاريخي.

 

اصطفاء شعبي

وهذا في الواقع مرتبط بحرية الانتماء الطوعي والتنظيم التي كانت تسمح للمجتمع الإسلامي بأن يتشكل في انتماءات مذهبية فقهية وطُرُقية سلوكية، بل وحتى في روابط مهنية وظيفية؛ فهذه المذاهب والطرق والروابط كانت من أكثر محاضن الرأي العام فعّالية في الفضاء الحضاري الإسلامي.

فقد كان من عوامل انتشار المذهب الفقهي أو الطريقة الصوفية التفاف العامة حوله وتكوُّن تيار من الرأي العام داعم له. وهذا لا يأتي عبر الانتخاب الآلي؛ بل بالتفاعل بين الرأي العام ورجال المذاهب والطرق، وبين هذه المذاهب والطرق والواقع الذي تعيش فيه، وبينهما وبين حرية الاختيار والانتماء التي يتمتع بها العامة.

ولذا كانت العامة إذا قبلت عالما أو فقيهًا أو صوفيًا مُربِّيًا وتكاثرت في حضور مجالسه عُدّ هذا الحضور دليلا على قوة ذلك العالم ومتانة مذهبه أو طريقه، وأثنى عليه المترجمون في كتب التراجم والطبقات المذهبية. فهذا الإمام النووي (ت 676هـ/1374م) يقول -في "شرح مسلم"- في ترجمة الإمام المحدِّث أبي بكر بن أبي شيبة (ت 235هـ/850م) صاحب "المصنَّف": "واجتمع في مجلس أبي بكر نحو ثلاثين ألف رجل"!

ولا يستغرب هذا العدد الهائل في مجلس هذا الإمام؛ فقد كانت مجالس العلم أيامها كثيرًا ما تُعقد في فضاءات مفتوحة تسع عشرات الآلاف، وكان المجلس يضم "مُسَمِّعين" كل منهم يوصل كلام الشيخ لمن حوله من الحاضرين.

وكانت المكانة العظيمة للإمام البخاري (ت 256هـ/870م) في أوساط الرأي العام ببلده من أسباب محنته وطرده منه؛ فقد روى الإمام الذهبي (ت 748هـ/1347م) -في ‘سير أعلام النبلاء‘- أنه "لما قدِم أبو عبد الله [البخاري إلى مدينته] بُخارَى نُصب له القباب على فرسخ (= 5كم) من البلد، واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور إلا استقبله، ونُثر عليه الدنانير والدراهم والسكّر الكثير"!!

لكن هذا الاحتفال الهائل أثار غيرة بعض مشاهير علماء البلاد فادّعوا عند أمير بُخارى –من قِبل الدولة الطاهرية- خالد بن أحمد الذُّهْلي (ت 270هـ/978م) أن الإمام البخاري "أظهرَ خلافَ السُّنة"، فحذَّر منه الأميرُ "أهلَ بخارى، فقالوا: لا نفارقه! فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج" منها إلى سمرقند حيث توفي!!

وكان للإمام الغزالي في بغداد وحدها ثلاثمئة تلميذ ثابت يحضرون له، وعن ذلك يقول في كتابه "المنقذ من الضلال": "وأنا مَـمْنُوٌّ (= مُمْتَحَنٌ/مُبْتلَى) بالتدريس لثلاثمئة نفر من الطلبة ببغداد (= بغداد)". ويروي الذهبي أن الواعظ المحدِّث شمس الدين محمد بن يحيى الطائي الواسطي (ت 633هـ/1236م) "تقدَّم على أقرانه بالديار المصرية، وحصل له قبول زائد من العامة"!

 

جماهيرية داعمة

وربما بلغت جماهيرية بعض العلماء مستوى عظيما يوصف معه -في كتب التراجم والتاريخ- بأنه كانت "العامة حزبه" أو كان "شيخ العامة"؛ فقد قالوا مثلا إن خطيب البصرة وزاهدها عبد الباقي بن الحسن الشاموخي (ت 485هـ/1092م) "كان مشهورا بزهد وخير وأمر بمعروف، وكان العامة حزبه..، وكانت جنازتُه حَفِلة (= عظيمة)"؛ وفقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘.

وترجم الذهبي للمتكلم والفقيه والمحدِّث الأندلسي إبراهيم بن يوسف المالقي (ت 611هـ/1214م) المعروف بابن المرأة، فقال إنه "روى ‘الموطَّأ‘..، وكان فقيها حافظا للرأي أديبا، غلب عليه علمُ الكلام فَرَأَس فيه..، وكانت العامة حزبه"!! كما قال عن الإمام مجد الدين علي بن وهب المنفلوطي المالكي (ت 667هـ/1268م) إنه "كان أحد العلماء المشهورين والأئمة المذكورين..، معظما عند الخاصة والعامة..، كثير السعي في قضاء حوائج الناس"!

ولعل في هذا البعد الخدمي للناس الحاصل في سيرة هذا الإمام -وهو والد الإمام العظيم ابن دقيق العيد (ت 702هـ/1302م) الموصوف بأنه "مجدد المائة السابعة"- ما يعزز مكانته عند العامة، فهو يعلمهم أحكام دينهم ويخدمهم في حوائج دنياهم!

وفي ترجمة هبة الله المَرْوَزِي (ت 522هـ/1128م)؛ قال عنه الإمام ابن حجر (ت 852هـ/1448م) -في ‘لسان الميزان‘- إنه "محدث كثير المحفوظ له قبول عند العامة إلا أنه كان غير ثقة"، يقصد بالمعايير الفنية لأهل الحديث. وفي ترجمة الشهرستاني الأشعريّ يقول المؤرخ ابن خلِّكان (ت 681هـ/1282م): "وظهر له قبول كثير عند العوام".

وفي المقابل؛ كان العلماء يحفظون لعامة الشعب حقهم في مجالستهم وحضور دروسهم للاستفادة والتزود بما يمكن من المعارف، ويرفضون أن تكون في العلم طبقية بحيث لا يناله إلا خاصة الناس من أبناء الأمراء والوجهاء.

ومن نماذج ذلك ما يذكره الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- من أن الإمام المحدِّث أبا داود السجستاني (ت 275هـ/888م) -وهو مؤلف ‘سُنن أبي داود‘- طلب منه مرة الرجل الثاني في البلاط العباسي الأمير أحمد الموفَّق (ت 278هـ/891م) أن يخصص لأبنائه مجلسا يأخذون عنه فيه الحديث "فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة"! فما كان من الإمام إلا أن رفض طلبه قائلا: "أما هذه فلا سبيل إليها، لأن الناس في العلم سواء..؛ فكانوا يحضرون [مجلسه].. ويسمعون مع العامة"!!

بل إن كثيرًا من العلماء كانوا يخصون العامة من الناس بمجالس يسمّعونهم فيها الحديث النبوي ويفقهونهم في دينهم؛ ومنهم العالم الأندلسي الشهيد أبو القاسم أحمد بن محمد الأميني المرسي (ت 622هـ/1225م)، الذي قال الذهبي -في "تاريخ الإسلام"- إنه "كان بارعًا في فنون نقلية وعقلية، وغلب عليه الفقه على طريقة السلف..، وله يد في الطب، ومعرفة بالحديث، ومجلس عام للعامة".

ويقول السخاوي (ت 902هـ/1496م) -في ‘الضوء اللامع‘- مترجما للفقيه المحدّث محمد بن محمد الغزي الشافعي (ت 885هـ/1480م) إنه "قرأ الحديث على العامة في بلده"، كما يحكي أن إبراهيم بن أحمد التنوخي الشافعي (ت 888هـ/1483م) "قرأ [صحيح] البخاري على العامة في الجامع الأموي والناصري" بدمشق.

 

تنافس محتدم

فهذه نماذج من مقبولية المؤمنين والعامة للعالِم سواء كان فقيهًا أو محدثًا أو واعظًا أو متكلِّمًا، وهناك مستوى آخر يتعلق بإعراض العامّة عن فقيه أو عالِم لسبب مذهبيّ أو عاطفيّ ونحو ذلك. فهذا الإمام المحاسبي الصوفي (ت 243هـ/857م)؛ قال ابن خلِّكان في ترجمته من "وفيات الأعيان": "كان أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م) يكرهه لنظره في علم الكلام وتصنيفه فيه..، فاستخفى من العامة، فلما مات لم يصلّ عليه إلا أربعة نفر"!!

ولا يعني رفض العامة لعالِمٍ أنه مخطئ حقًّا أو ضال المنهج؛ وإنما الشاهد هنا هو قوة كلمة الرأي العام حين يلتف العامة حول عالم أو ينفضون عن آخر، بغض النظر عما ورائيات ذلك الموقف، فقد يكون توجيه عاطفة العامة ومشاعرهم توظيفا من سلطة سياسيّة، أو من خصوم مذهبيين، أو غيرة من بعض أقرانه العلماء، ونحو ذلك من الأسباب؛ كما رأينا في قصة الإمام البخاري رغم أن العامة ظلت تقف بجانبه ما دام في بلده رغم تنفير السلطة منه.

إنّ جلّ الاشتباكات العلمية التي دارت بين العلماء والمذاهب والطوائف كانت ولا تزال -في حقيقة الأمر- نزاعا على الرأي العام وجماهير العامة، مما يدلّ على أنها المركز الذي يشتبك الجميع حوله ويتصارعون عليه. ويظهر ذلك في "رسالة التشبيه" التي كتبها الجاحظ (ت 255هـ/869م) للقاضي المعتزلي أبي الوليد ابن أبي دُؤاد (ت 239هـ/853م)، يخوّفه فيها من تأثير الحنابلة ويضخّم لديه صيتَهم لدى العامة لأن "الغلبة لمن كانت معه.. والمقهور من كانت عليه..، ولكنا كما نخافهم نرجوهم.. ونطمع فيهم..؛ ثم قد علمتَ ما كنا فيه من.. إخافة علماء المتكلمين"!

ورغم أن الجاحظ هو الذي يروي -في رسالة "فصل ما بين العداوة والحسد"- مقولة: "استوصوا بالغوغاء خيرا فإنهم يطفئون الحريق، (ويُخرجون الغريق)، ويسدُّون البُثُوق (= خروق الفيضان)"؛ فإنه كان شديد البغض لهم دائم الهجوم عليهم، ويحذر من اتفاقهم وتكتلهم حول قيادة بصيرة تصل بهم إلى أهدافها، وكأنه تأثر أكثر بمقولة الشاعر خالد بن صفوان التميمي (ت 135هـ/754م) لم يرَ في العامة سوى أنهم "يُغْلون الأسعار، ويضيّقون الأسواق، ويكدِّرون المياه"؛ وفقا لابن عبد ربه (ت 328هـ/940م) ‘العقد الفريد‘.

فالجاحظ يرى -في "رسالة التشبيه"- أن "العوام.. إذا كانت نَشَرًا (= متفرقين) فأمرُها أيسر، ومدة هيْجها أقصر، فإذا كان لها رئيس حاذق ومُطاع مُدبِّر وإمام مقلَّد؛ فعند ذلك ينقطع الطمع [من نصرتهم]، ويموت الحق ويُقتل المـُـحِقُّ"!!

ويضيف فيما يبدو أنه يعني به هنا أهل الحديث من الحنابلة وغيرهم: "والحق أن المتكلمين أحْرِياء (= مستحِقون) أن يخافوا العوامَّ الذين يعتمدون على السلطان والقدرة، وعلى العدد والثروة، وعلى طاعة الرعاع والسفلة"! ويحكي الجاحظ أنّ من يسميهم "العوام" كانوا يعارضون الكلام قبل "محنة خلق القرآن" ويأبون مناظرة المتكلمين في هذه المسألة، وهو ما يؤيد أنه يقصد بالعوام هنا أهل الحديث.

وكلام الجاحظ -بما كان له حينئذ من مكانة داخل النخبة المعتزلية والسلطوية- يثبت أنّ العامة كان تأثيرهم كبيرا على العلماء والفِرَق والتيارات الفكرية، وأنّ تلك النخب غضبت من ميل العامة مع خصومهم من أهل الحديث. ولعل في موقف الجاحظ وخالد بن صفوان -وهما أديبان من المعتزلة- من العامة ما يسمح بمقارنة موقف "التيار العقلاني" قديما بموقف "نظيره" المعاصر حين يأخذ على "العامة" دعمها لخصومه الفكريين المنتمين إلى "التيار المحافظ".

 

أدوار تاريخية

بالنظر إلى وقائع التاريخ؛ نجد أنّ العامة كانوا هم عماد حركات التغيير الكبرى وأصحاب الدور المؤثر في نجاحها، مثل انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين أواخر الثلث الأول من القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، وما أعقبه من ظهور للدويلات المستقلة عن مركز الخلافة منذ نهايات القرن نفسه، ثم بروز عصر السلاطين في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وكذلك مختلف الثورات الجزئية مثل ثورة الزنج (255-270هـ/869-883م) وفتن حركات العيّارين واللصوص، والتقلبات التي حدثت طوال عصور الإسلام وعبر امتداد جغرافيته الشاسعة.

بل إنّ النبي ﷺ أكثر من آمن برسالته في بداية الدعوة هم العامة المستضعفون وليس الزعامات، كما خوطبوا بالوحي والرسالة تماما مثل النخبة فكان المكلف بتعاليمها جميع العاقلين البالغين من أفراد الأمة، وهذه العمومية في التكليف هي التي احتجت بها طائفة من علماء الأصول جعلوا "موافقة العامة للعلماء المستدِلِّين (= المجتهدين) شرطا في جعل الإجماع حجة" شرعية ملزمة؛ وفقا للآمدي.

ثمّ إن هؤلاء العامة كانت لهم أدوار كبيرة في المعارك والغزوات لتأسيس دولة الإسلام وأدوار أخرى في بيعة الخلفاء، لكن الدور الأهم واللافت هو تحركهم ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان (ت 35هـ/656م) رضي الله عنه، الذي بدأ احتجاجا سلميا على بعض سياساته باعتباره "إمام العامة" وفقا لوصف المغيرة بن شعبة (ت 50هـ/671م) عند الذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘، ثم انحرف هذا الاحتجاج عن مساره حتى انتهى بمأساة استشهاده.

يروي المؤرخ المحدِّث عمر بن شَبَّة البصري (ت 262هـ/876م) -في كتابه "تاريخ المدينة"- أنّ السيدة أم المؤمنين عائشة (ت 58هـ/679م) رضي الله عنها قالت لعثمان لما طلب الناس منه عزل عبد الله بن سعد ابن أبي سرح (ت نحو 40هـ/661م) عن ولاية مصر: "تقدَّمَ إليك أصحابُ محمد ﷺ وسألوك عزلَ هذا الرجل فأبيتَ"!

ولعل هذا الموقف من عائشة كان نابعا مما عُرف عنها من بصيرة بمواقف الرأي العام واهتمام بمصالح عامة الناس، حتى قال عنها الإمام التابعي عطاء بن أبي رباح (ت 115هـ/734م): "كانت عائشة أفقهَ الناس وأعلمَهم، وأحسنَ الناس رأيًا في العامة"؛ طبقا للذهبي في ‘السِّيَر‘. والحق أنها في ذلك إنما كانت تمتثل قول النبي ﷺ: «الدين النصيحة.. لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (رواه الإمام مسلم).

وكان مطلب الصحابة تعبيرا عن رغبة الرأي العام حينها، وهذا ما يدل عليه قول علي بن أبي طالب (ت 40هـ/661م) رضي الله عنه -"وكان متكلِّمَ القومِ" حسب ابن شَبَّة- للخليفة عثمان: "إنما سألوك (= العامة) رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قِبَلَه (= عنده) دَمًا، فاعزلـ[ـه] عنهم واقْضِ بينهم، وإن وجب عليه حقٌّ [لهم] فأنصفهم منه"! فاستجاب عثمان لطلب العامة، بل وقال لهم: "اختاروا رجلًا أولّيه عليكم مكانه".

 

اهتمام مؤصَّل

وهذا يدل على موقع العامة في العقل الجمعي لمجتمع صحابة رسول الله ﷺ ممثَّلِين في علي وعائشة رضي الله عنهما، وإدراكهم أنّ فلسفة الحكم ترمي إلى إرضاء العامة وإنفاذ ما يريدونه ما دام منسجما مع ضوابط المصلحة العامة، باعتبار الإمام وكيلًا عنهم ونائبًا يدير شؤونهم، وذلك لمحض الحاجة والضرورة واستحالة إدارة جماعة دون رئيس.

ولعل الصحابة استمدوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ (سورة التوبة/الآية: 105)؛ فهذه الآية تعطي للرأي العام [المؤمنون] في الإسلام حق الرقابة على سلطاته الرسمية ومختلف مكوناته المجتمعية، وفي ذلك يقول العلامة رشيد رضا (ت 1354هـ/1935م) -في "تفسير المنار"- إن هذه "الآية تهدينا إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين.. تلي مرضاةَ الله ورسوله، وأنهم لا يجتمعون على ضلالة… [كما في] الحديث.. «لا تجتمع أمتي على ضلالة»..، وفي معناه قول ابن عباس (ت 169هـ/785م): ما رآه المسلمون حَسَنًا فهو عند الله حَسَن"!

ويذهب الآمديّ إلى وجوب احترام رأي العامة عند البيعة وأنّ بيعة بعض الشعب لا تكون كافية إلا بشرط موافقة الأمة، أي أنهم ممثلون للأمة في هذه الحال لا مستبدون بأمرها من دونها. ويستدل بكلام لأبي بكر الباقلاني في ذلك: "ويجب أن يكون ذلك بمحضر من الشهود، وبينة عادلة، كفًّا للخِصام ووقوع الخلاف بين الأنام". فتقرير العلماء لمكانة الرأي العام -أو "رأي العامة" بتعبير الأقدمين- في إبرام البيعة السياسية لمن يتولى الحكم يمثل تصورا كبيرا من الفقهاء لمرجعية الشعب في اكتساب الحكّام لمبدأ "الشرعية السياسية".

وذلك محل اتفاق بين العلماء المتكلمين في أحكام الإمامة؛ فنجد عند الغزالي يقرر -في "فضائح الباطنية"- أن الخليفة الراشد أبا بكر الصدّيق (ت 13هـ/635م) "لو لم يبايعه غير عمر (بن الخطاب ت 23هـ/645م) وبقي كافة الخلق له مخالفين، أو انقسموا انقسامًا متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب؛ لما انعقدت له الإمامة".

كما يؤكد ابن تيمية -في "منهاج السُّنة"- شرعية عموم الأمة في بيعة أمرائها؛ فيقول عن بيعة الصدّيق: "ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوا أبا بكر وامتنع سائرُ الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة". ويقول عن بيعة الفاروق: "وكذلك عمر لما عَهِد إليه أبو بكر [بالخلافة]، إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قُدِّر أنهم لم ينفِّذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يَصِرْ [عمرُ] إمامًا".

فالغزالي وابن تيمية يرسخان هنا سياسيًا -رغم تباين مدرستيهما الكلامية والفقهية والسلوكية- لمسألة مركزية الأمة في الاختيار والقبول أولًا، ولمسألة تقديم إرادة الأكثرية ثانيًا، وهو ما ترسخ في النظام السياسي الحديث، لكنه كان يُعرف قديمًا -في الفكر والممارسة السياسييْن عند المسلمين- بـ"بيعة العامة".

 

تقليد راسخ

وكانت تلك البيعة العامة تقليدًا سياسيًا يحرص عليه -حتى ولو كان شكليًا- مَنْ وصلوا إلى السلطة ولو بالقوة؛ كما فعل العباسيون حين أعلنوا انتصار ثورتهم في معقلها الكوفة، فـ"خرجوا جميعا إلى جامع الكوفة فبويع (أبو العباس السفاح ت 136هـ/754م) وخطب في الناس..، ثم نزل السفاح ودخل القصر، وأجلس أخاه (أبا جعفر المنصور ت 158ه/776م) يأخذ بيعة العامة"؛ طبقا للذهبي في "السِّيَر".

واستمرّ هذا التقليد طيلة عهود الحكم المتعاقبة حتى سقوط الخلافة العباسية ببغداد على أيدي التتار سنة 656هـ/1258م؛ وكان من آخر من حفظت لنا كتب التاريخ التزامه بهذا الرسم السياسي الخليفة العباسي الظاهر ابن الناصر (ت 623هـ/1226م)؛ فقد بايعه أولًا "أهله وأقاربه من أولاد الخلفاء" ثم كبار المسؤولين: "نائب الوزارة" (= رئيس الوزراء) و"أستاذ الدار" (= مدير ديوان الخليفة) و"قاضي القضاة"، ثم "بويع يوم عيد الفطر البيعة العامة..، فكان.. أستاذ الدار.. هو الذي يأخذ [له] البيعة على الناس"؛ وفقا للذهبي في "تاريخ الإسلام".

ينقل النويري (ت 733هـ/1333م) -في "نهاية الأرب"- عن أمير تونس إبراهيم بن أحمد الأغلبي التميمي (ت 289هـ/902م) قوله إن الرعية هم "مادّة الـمُلْك، فإن أباح [الأمير] ظُلمَهم لم يصل إليه نفعهم ولحقه الضرر، وصار النفع لغيره"؛ ولذا كان التنافس قائمًا بين الفقهاء والسلاطين على كسب مواقف الرأي العام ودعم عامة الشعب، والسعي لتأمين خطرها "لأن العامة إذا انتكثت للخاصة وتنكرت للقادة.. كان البوار الذي لا حيلة له والفناء الذي لا بقاء معه"؛ طبقا لرأي الجاحظ في "رسالة الحنين إلى الأوطان".

ومن هنا يمكن فهم أن الخليفة العباسي المأمون (ت 218هـ/833م) إنما غضب من علماء "المحنة" خوفا من تأسيس مرجعية موازية له مدعومة من "رأي العامة" وتؤثر في تصوراتهم، وخاصة المحدِّثين -بقيادة الإمام أحمد بن حنبل- الذين كانوا حينها يستطيعون التأثير في العامّة؛ كما يُفهم من كلام الجاحظ السابق.

بل إن الذهبي يلمح -في "السِّيَر"- إلى أن المأمون لم يستطع إعلان موقفه من "خلق القرآن" إلا بعد وفاة الإمام يزيد بن هارون السُّلَمي (ت 206هـ/821م)، وكان يقول: "لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرتُ [القول بأن] القرآن مخلوق، فقيل: ومن يزيد حتى يُتَّقَى؟ فقال: ويحك! إني لأرتضيه لا أن له سلطنة، ولكن أخاف إن أظهرته فيردّ عليّ فيختلف الناس وتكون فتنة"!! ولا غرابة في خشية الخليفة من عالم "يقال إن في مجلسه سبعين ألفًا" من الأتباع بعد أن "احتفل محدثو بغداد وأهلها لقدومـ[ـه].. وازدحموا عليه لجلالته"؛ طبقا للذهبي.

ولذا كانت العامة -طوال العصور- إحدى أدوات الضغط السياسي والاجتماعي والديني، بما كانت تلجأ إليه من أساليب الاحتجاج السلمية والعنيفة. فنحن نجد مثلًا -طبقا لرواية النويري- أنه لمـّا استبد بحكم مصر الحاكمُ بأمر الله الفاطمي (ت 411هـ/1021م) وأفسد حياة أهلها بل وادّعى الألوهية؛ تحرَّك العامة أولا للاحتجاج السلمي على الأوضاع سنة 410هـ/1020م، ووضعوا في الطرقات "صورة (= تمثال) امرأة.. عُملتْ من قراطيس، وفى يدها جريدة (= سعف نخيل) عليها ورقة فيها سَبٌّ للحاكم وأسلافه وذكره بقبيح الفعال"!

 

فاعل أصيل

ونجدُ كثيرًا في كتب التاريخ أنّ العامّة كانت لهم مواقع في الحياة السياسية والاجتماعية، أي كانوا فاعلين وليس منفعلين فحسب؛ وخاصة إذا وقع ما يعتبرونه انتهاكا للمحرمات أو المقدسات الدينية، أو حدث مستوى لا يطاق من تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية.

ومن أمثلة ذلك أن السيوطي تحدث -في "تاريخ الخلفاء"- عن "ثورة الحَرَّة" سنة 63هـ/684م التي كان وقودها عامة الناس بقيادة جمْع من الصحابة -مهاجرين وأنصارًا- بالمدينة المنورة على حكم الأمويين في عهد يزيد بن معاوية (ت 64هـ/685م)؛ فقال: "وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي"!

وكان للرأي العام سطوة يفرض بها مطالبه بشأن من يتولى إدارة شأنه اليومي؛ فالإمام ابن كثير (ت 774هـ/1372م) يحدثنا -في ‘البداية والنهاية‘- أنه في سنة 194هـ/810م "خَلَع أهل حمص نائبهم فعزله عنهم الأمين" الخليفة العباسي (ت 198هـ/814م)، ثم ولّى عليهم واليا جديدا هو عبد الله بن سعيد الحَـرَشي (ت بعد 202هـ/817م) ففتك بهم، وقتل كثيرا منهم ليُخمد تمردهم لكنهم لم يخضعوا، وبعبارة ابن كثير: "ثم هاجوا فضرب أعناق كثير منهم أيضا"!

وفيما ورائيات تلك الرواية ندرك أنّ أرض الشام كانت خصيبة بمجتمع مدني فاعل ومُتحرّك وضاغِطٍ، استطاع أن يعزل نائبًا ويثور على آخر رغم ما تعرض له. ونجد في عبارة ابن كثير لفتة لطيفة، فقد نسب "خلع" الوالي إلى أهل حمص، ولم ينسبه إلى وجوهها وأعيانها وأهل الحل والعقد فيها!

وفي مثال مشابه حصل بعد قرون في مصر، مما يوحي بتواصل ظاهرة الرأي العام الضاغط زمنيا وتمددها جغرافيًا؛ يقول ابن حجر -في "إنباء الغُمْر"- إنه في أحد أيام سنة 775هـ/1374م "اجتمع العوام بالمصاحف وسألوا [الأمراءَ] أن يعزلوا علاء الدين بن عرب (ت بعد 781هـ/1379م) عن [ولاية] الحسبة، فعُزِل". ويقول إنه في سنة 791هـ/1389م "اجتمع العوام فشكوا من المحتسب، فأحضره.. [الأميرُ] وضربه مئتيْ عصا وعزله".

 

مشروعية لازمة

فمسألة تولية الولاة وعزلهم لم تكن أمرًا سلطانيًا صرفًا كما قد يظن البعض، بل كانت لمقبولية المؤمنين ورضا العامة -وهو ما يُسمَّى اليوم في العلوم السياسية بـ"السيادة الشعبية" أو "المشروعية الشعبية"- مدخلًا مهمًا في ذلك. ولذلك كان الخلفاء الراشدون حريصين على استرضاء العامة؛ فقد جاء في ‘صحيح البخاري‘ أنه "شكا أهل الكوفة سعدا (= سعد بن أبي وقاص ت 55هـ/676م) إلى عمر، فعزله [عنهم] واستعمل عليهم عمارا (= عمار بن ياسر ت 37هـ/658م)"، وكان ذلك سنة 22هـ/644م حسب قول الذهبي في كتابه ‘العِبَر‘.

وقد قال الإمام ابن بَطَّال القرطبي (ت 449هـ/1058م) -في ‘شرح صحيح البخاري‘- تعليقا على هذا السلوك العُمَري الذي تكرر في أكثر من بلد: "وفيه أن الوالي إذا شُكيَ به أنه يُعزَل إذا رأى ذلك الإمامُ (= السلطان) صلاحا له ولمن شكا به، وإن كذب عليه في الشكاية؛ لأن سعدًا أثنى عليه أهل الكوفة خيرًا غير شيخ منهم، فعزله عمر ورأى ذلك صلاحا للرعية والسياسة لها، لئلا يبقى عليهم أمير وفيهم من يكرهه.. وربما يؤدي ذلك إلى ما تسوء عاقبته" بسبب تمرد الرأي العام واضطراب الأحوال.

يعرض المؤرخ الجَبَرْتي (ت 1240هـ/1822م) -بنحو متكرر في كتابه ‘عجائب الآثار‘- تفاصيل وقائع الاحتجاجات الشعبية في مصر خلال العهد المملوكي/العثماني التي كان يلتحم فيها علماء الأزهر مع مطالب الرأي العام، فكانوا -بالتحالف مع التجار والأعيان ضد الأمراء حينئذ- يقودون تحركات العامة، التي كانت تؤدي غالبًا إلى إعلان إضراب عام تغلق خلاله الأسواق ويوقف الدراسة في أروقة جامع الأزهر، حتى يتم تنفيذ مطالب جموع الشعب ويُردع المعتدون.

فقد قال الجبرتي إنه في سنة 1199هـ/1785م "ورد الخبر بوصول باش (= باشا: الوالي) مصر الجديد إلى ثغر الإسكندرية وكذلك باش جدة، ووقع قبل ورودهما بأيام فتنة بالإسكندرية بين أهل البلد وآغَات (= حرّاس) القلعة والسِّرْدار (= قائد الجند) بسبب قتيل من أهل البلد قتله بعض أتباع السردار، فثار العامة وقبضوا على السردار وأهانوه وجرّسوه (= شهّروا به) على حمار وحلقوا نصف لحيته، وطافوا به البلد وهو مكشوف الرأس وهم يضربونه ويصفعونه بالنعالات"!

ومن ذلك أيضا ما يرويه في أحداث سنة 1209هـ/1794م قائلا إنه حضر إلى شيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي (ت 1227هـ/1812م) أهالي قرية تابعة لمدينة بلبيس، واشتكوا إليه من بعض متنفذي المماليك الذين "ظلموهم وطلبوا منهم ما لا قدرة لهم عليه، واستغاثوا بالشيخ فاغتاظ وحضر إلى الأزهر وجمع المشايخ.. وقفلوا الجامع وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت، ثم ركبوا.. واجتمع عليهم خلق كثير من العامة وتبعوهم" إلى مقرات المسؤولين عن البلاد، حيث خاطبوهم قائلين "نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع…، وانحطّ (= انتهى) الأمر على أنهم تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم، وانعقد الصلح على أن… يكفوا أتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس".

 

مخاوف سلطوية

يحاول السلاطين عادة تنحية العامة عن الاهتمام بالسياسة وقضاياها؛ ولذا فإنّ المؤرخ الصفدي (ت 764هـ/1363م) يروي -في ‘الوافي بالوفيات‘- أن الخليفة العباسي الناصر لدين الله (ت 622هـ/1225م) عزل أحد المسؤولين في الدولة عن منصبه، وكتب له قائلا: "ما عزلناك لخيانة ولا لجناية ولكن للملك أسرار لا تطلع عليها العامة". أي أن النخبة كانت حريصة على عدم معرفة العامة بمجريات الأمور، وذلك لتجنب غضبهم وثوراتهم.

وفي ترجمة الوزير العباسي المصلح ظهير الدين الرُّوذْرَاوَرِي (ت 488هـ/1095م)؛ يقول ابن خلِّكان: "وولِيَ الوزارةَ للإمام (= الخليفة) المقتدي بأمر الله (ت 487هـ/1094م) بعد عزل [الوزير] عميد الدولة أبي منصور ابن جهير (ت 493هـ/1100م)..، وخرج (= ظهير الدين) بعد عزله ماشيًا يوم الجمعة من داره إلى الجامع، وانثالت (= تدفقت) عليه العامة تصافحه وتدعوا له، وكان ذلك سببًا لإلزامه بالقعود في داره".

وعلى ما يبدو؛ فإن السلطة تخوفت من تأثيره في العامة وتذكيرهم بأيامه السعيدة ففرضوا عليه الإقامة الجبرية، وذلك لأن غضب رؤوس القوم -كالعلماء والأعيان- محدود ويمكن كبحه واحتواؤه، بيد أن غضب العامة بخلاف ذلك. ومن ذلك أيضًا ما حكاه ابن الجوزي (ت 597هـ/1201م) -في ‘المنتظم‘- من أنه في سنة 330هـ/942م "قام رجل من العامة في جامع الرصافة والإمام يخطب، فلما دعا للمتقي لله (الخليفة العباسي ت 357هـ/968م) قال له العامي: كذبت، ما هو بالمتقي! فأخِذ وحُمِل إلى دار السلطان".

وحاول الأمراء معرفة سلوك العامة والقواعد التي تحكم اجتماعاتهم وتصرفاتهم، في عملية أشبه ما تكون بدراسات علم الاجتماع السياسي في عصرنا؛ فابن الأزرق الغرناطي (ت 899هـ/1494م) يخبرنا -في ‘بدائع السِّلك‘- أنه "يُحكى أن أبا جعفر المنصور [العباسي] توقف أياما عن الخروج إلى الناس، فقالوا هو عليل فكثروا القول، فدخل عليه وزيره الربيع (بن يونس ت 169هـ/785م) فقال: يا أمير المؤمنين أدام الله لك في البقاء أن الناس يقولون [الشائعات عنك]! قال: وما يقولون؟ قال يقولون إن أمير المؤمنين عليل (= مريض)!!

فأطرق [المنصور] مَلِيًّا، ثم قال يا ربيع: مالنا وللعامة! إنما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال، فإذا جعلت لهم فما حاجتهم: إذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم وينصف بعضهم من بعض، وإذا أمنت سبيلهم حتى لا يلحقهم خوف في ليل ولا في نهار، وإذا سُدَّتْ ثغورهم من أطرافهم حتى لا يصل إليهم عدوهم. ونحن قد فعلنا ذلك كله لهم؛ فما حاجتهم إلينا؟!".

وكانت السلطة مهما بلغت قوتها تعمل حسابًا للعامة وتخشى صنيعها؛ ومن ذلك أن الطبري يذكر -في تاريخه- أنه في سنة 284هـ/997م "عزم المعتضد بالله (العباسي ت 289هـ/902م) على لَعْن معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/681م) -رضي الله عنه- على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب (= مرسوم) بذلك يُقرأ على الناس"، ولم يتخلّ عن ذلك حتى خوّفه خاصته من رجال دولته من "أن تضطرب العامة ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة"، وما سينجم عن ذلك من سخط شعبي سيستغله ضده خصومُه من العلويين الثائرين بنواحي الدولة.

وتلك الرواية تُظهر احتياج الخلفاء والسلاطين إلى كسب ولاء العامة لإحداث توازن مع جماعات مناهضة ومعارِضة، لا سيما إذا ثارت وهاجت تلك الجماعات، فيخشى السلطان ألا يجد نصيرا من العامّة، وربما تحالفوا مع خصومهم ضدهم.

 

استثناء لافت

رغم أن الصورة المستقرة في الأذهان تُرسِّخ دور كثير من العامة فيما يشهده المجتمع من انحرافات اجتماعية ومبتدعات دينية؛ فإن كتب التاريخ تفتح أعيننا على صور أخرى مغايرة كان فيها قطاع واسع من عامة الناس واقفا في صف الإصلاح، وداعما للمصلحين من الأمراء والعلماء والوجهاء، انسجاما مع التوجه الشرعي الذي أتاح للرأي العام حق التشكل من خلال مسؤولية "الحِسبة" المجتمعية بالأخذ على يد الظالم، وحق تحمُّل وأداء الشهادات عند الترافع القضائي، وأعراف التكافل الاجتماعي لعون الضعفاء على مواجهة أعباء الحياة.

وهكذا كان كثير من العامة منخرطين في مجال الإصلاح المجتمعي دعما للعلماء والفقهاء، وعونا لمؤسسات الدولة في بسط الأمن الاجتماعي، وبالتالي كان إسهام الرأي العام في الحضارة الإسلامية يتعدى مجرد "اقتراح الرأي" وصياغة المزاج الشعبي، ليصل أحيانا كثيرة إلى مستوى ممارسة "الرقابة الشعبية" وتفعيل آليات الضبط الاجتماعي الإيجابي.

ومن أغرب صور ذلك الدَّور ما يحكيه ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- من أنه في سنة 329هـ/941م اضطربت الأوضاع السياسية والأمنية ببغداد، فـ"اجتمعت العامة في جامع دار السلطان، وتظلمت من الدَّيْلم (= عساكر البويهيين) ونزولهم في دورهم بغير أجرة، وتعديهم عليهم في معاملاتهم، فلم يقع إنكار لذلك [من السلطان]؛ فمنعت العامة الإمامَ من الصلاة وكسرت المنبرين..، ومنعهم الديلم من ذلك فقتلوا من الديلم جماعة".

ونلاقي نماذج من انخراط عامة الشعب في مساعي ردع من يخرجون على المستقر لدى أغلبيتها من تعاليم الدين ومسائل العقيدة؛ فنجد مثلا الحافظ ابن حجر يترجم -في ‘لسان الميزان‘- للقاضي شعْبَوَيْه بن سهل الرازي (ت 246هـ/860م)، فيقول إنه "ولّاه المعتصمُ (الخليفة العباسي ت 227هـ/842م) القضاءَ والصلاة بجامع الرصافة [ببغداد]..، وكان مبغضا لأهل السنة مُتَنِّقِّصًا لهم.. وكتب على باب مسجده: القرآنُ مخلوق!.. فأحرق العامة بابه".

وقد كان يحصل أحيانا أن يوظِّف بعض أهل العلم والزهد شعبيتَه العظيمة في ملاحقات خصومه الفكريين، وربما جمع في ذلك بين سطوة العامة وسلطة الساسة؛ كما في قصة المحدِّث الزاهد أحمد بن محمد الباهلي البصري المعروف بغلام خليل (ت 275هـ/888م) وحملته على صوفية بغداد؛ فقد وصفه الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأنه كانت له "جلالة عظيمة ببغداد"، وكان "«شيخ العامة» بها وصالِحَهم ورأسَهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ضعفه [العلمي]..، وفيه حِدَّةٌ وتسرُّع"!!

وخلاصة هذه الواقعة -التي شغلت أهل العراق حينا من الدهر- أن غلام خليل استنكر "خوض الصوفية في دقائق الأحوال التي يذمها أهل الأثر (= المحدثون)..، فلم يزل.. يذكرهم في مجالسه ويحذّر منهم، ويُغْري بهم السلطان والعامة.. تحريضا عليهم..؛ فانتشر في أفواه العامة أن جماعة من أهل بغداد ذُكِر عنهم الزندقة"! ثم وظف الرجل علاقاته في بلاط الخليفة وأسرته حتى مالت إليه "الدولة والعوامّ لما هو عليه من الزهد والتقشف..، فطُلب القوم (= الصوفية) وفُرِّقَ الأعوان (= رجال الأمن) في طلبهم.. وكانوا نيفا وسبعين نفسا، فاختفى عامتهم"!!

 

مواقف جريئة

ويندرج في تلك الأنشطة مقاومة العامة لمظاهر الفرعونية السياسية؛ ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- من أنه في سنة 411هـ/1021م "استقرّ أن يُزاد في ألقاب جلال الدولة (= السلطان أبو طاهر السلجوقي ت 435هـ/1044م) شاهِنْشاه الأعظم: ملِك الملوك، فأمر الخليفةُ (= القائم بأمر الله العباسي ت 467هـ/1074م) بذلك فخُطب له به [في الجوامع]، فنَفَر العامةُ ورمَوْا الخطباءَ بالآجُرّ ووقعت فتنة"!!

وفي واقعة احتجاج شعبي أخرى؛ يقول ابن حجر -في ‘إنباء الغُمر‘- إنه في سنة 775هـ/1373م "لازم شخص من العوام الصياح تحت القلعة (= مقرّ السلطان): اقتلوا سلطانَكم تَرْخُص أسعارُكم، فأُخِذ وضُرب بالمقارع وشهر"!! وهذه الحادثة تدل أيضا على خشية القصر حينئذ من توسع وازدياد مثل تلك التحركات الفردية المناهضة، كما أنها مؤشر على شجاعة العامة وإقدامهم وتحريكهم للمياه الراكدة، حتى ولو تعرضت حياتهم للخطر ورزقهم للزوال.

وفي ترجمة عبد الرزاق الجركسي المؤيدي (ت 868هـ/1463م) يقول السخاوي -في ‘الضوء اللامع‘- إنه تولّى ولاية حلب بالشام "فلم يُحمْدَ فيها ورُجِم من أهلها فصُرِف (= عُزل)..، واستقر به [الأمر] في نيابة الشام (= دمشق) فلم تحمد سيرته أيضا لطمعه وشُحِّه وشَرَهه وإسرافه على نفسه إلى أن مات بها..، وسُرَّ أهل دمشق بموته كثيرا، ومَنَع العامةُ من دفنه فلم يُدفَن إلا بعد يومين"! فهنا نجد العامة يفرحون بموت الظالمين والمفسدين ويجهرون بذلك، وهذا نوع من الضغط الاجتماعي الذي يُرهِب كل من يعمل بالسنن السيئة في الشأن العام.

وفي حلب أيضًا تحرك العامة سنة 1184هـ/1772م لممارسة الضغط على السلطة؛ حيث "اجتمع جم غفير من العلماء والعوام ودخلوا المحكمة الشرعية وطلبوا رفع بعض بدع وأمور منحرفة عن الدين، فأجيبوا إلى ما طلبوا"؛ وفقا للمؤرخ كامل الغزي (ت 1351هـ/1933م) في ‘نهر الذهب في تاريخ حلب‘.

ومن المواقف النبيلة للعامّة في ضبط عدوان المحسوبين على رجال السلطة ما يخبرنا به الجبرتي من أنه بعدما قام بعض الجنود والأمراء بنهب بيوت الناس بأحد أحياء القاهرة سنة 1200هـ/1785م؛ تحركت جماهير العامة "وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول.. وبأيديهم نَبَابِيت (= جمع نَبُّوت: عصا)"، وذهبوا إلى الشيخ أحمد الدَّرْدِير المالكي (ت 1201هـ/1786م) "فوافقهم وساعدهم بالكلام".

وقد احتوى الشيخ الدَّرْدِير بذلك الكلام غضب جماهير المحتجين، ثم خاطبهم قائلا: "في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة، وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم"! وعندما أحس المسؤولون بالخطر "ذهبوا إلى الشيخ الدَّرْدِير وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال، وقالوا للشيخ: اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون"!

وهكذا نجد أن الزعامة الشعبية للعلماء لم تكن فقط بسبب المكون العلمي في شخصياتهم، وإنما لإسهامهم في رفع المظالم عن عامة الشعب، ولذلك فهي زعامات يخلقها الرأي العام لسد فراغات السلطة حين تنسحب من الميدان وتتخلى عن مسؤوليتها

_____________________

* دراسة منشورة حديثًا بموقع الجزيرة. نت، تحت عنوان: "رفعه الفقهاء لدرجة "العصمة" وأقام الأحزابَ والمذاهب وأجج الثورات لخلع السلاطين ... الرأي العام وأدواره في التاريخ الإسلامي"، يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط: https://2u.pw/2ix8vH9.

يروج الاحتلال الإسرائيلي، ومعه حلفاؤه الغربيين، على شيطنة المقاومة الفلسطينية، بالرغم من أن القانون الدولي يكفل هذه المقاومة، وهو ما يضع إسرائيل والغرب أمام إحراج قانوني، إذ يصمون آذانهم على جرائم الحرب التي يقوم بها الاحتلال.

منذ أول أيام عملية "طوفان الأقصى"، اتفقت الدول الغربية على الانحياز لجانب الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما عبرت عنه بالدعم العسكري الذي قدمته واشنطن لتل أبيب، كي تستمر في قصف المدنيين في غزة، وبالتوازي مع ذلك، سعى الخطاب الرسمي والإعلامي الغربي إلى نزع الشرعية عن عمل المقاومة الفلسطينية ووصفه بـ "الإرهاب".

وفي حين تكفل المواثيق الدولية والقرارات الأممية حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، بشتى الطرق، بما فيها المقاومة المسلحة، تضع هذه المواثيق الغرب في موقف محرج، إذ يتباهون بأنفسهم كحماة للقوانين، في حين ينكرون على الفلسطينيين حقهم الشرعي ويغضون الطرف عن جرائم الحرب التي تقوم بها إسرائيل.

المقاومة حق مكفول:

ما لبثت الفلسطينيون، قيادة وشعبًا، يؤكدون على شرعية دفاعهم عن أرضهم، بما في ذلك مقاومتهم المسلحة، ولهم الحق في ذلك، ليس فقط من المنطق الأخلاقي، بل من منطق القانون الدولي والقرارات الأممية.

يؤكد الصحفي والمؤرخ الفرنسي ألان غريش، بعد مسارعة الغرب لإدانة لعملية "طوفان الأقصى"، قائلاً: "في كل مرة ينتفض فيها الفلسطينيون، يستحضر الغرب الذي لا يتوانى عن تمجيد مقاومة الأوكرانيين للإرهاب، لكن ما تؤكده الأحداث الجارية، مرة أخرى، هو أن الاحتلال يطلق العنان دائمًا لمقاومة يتحمل المحتل وحده مسؤوليتها".

ويخلص غريش إلى أنه "كما ورد في المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26 أغسطس/ آب 1789، فإن "مقاومة القمع هي حق أساسي، وللفلسطينيين حق المطالبة به".

من ناحية أخرى يُعد حق تقرير المصير حقًا ثابتًا في القانون الدولي، ومبدأ أساسي في ميثاق الأمم المتحدة، والتي في قرارها رقم 1514 لـ "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة"، بتاريخ 14 ديسمبر/ كانون الأول 1960م، أكدت بصفة صريحة أنه "لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".

ويشمل هذا الحق القضية الفلسطينية، وهو ما يؤكده القرار الأممي 3236، بتاريخ 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974م، والذي نص على أن الأمم المتحدة "تعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقًا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه (...) وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه، وفقاً للميثاق".

وقبل هذا، وفي عام 1970م، أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 2649 بـ "إدانة إنكار حق تقرير المصير خصوصًا لشعوب جنوب أفريقيا وفلسطين"، والذي ينص بالحرف على أن الجمعية العامة "تؤكد شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية، والمعترف بحقها في تقرير المصير، لكي تستعيد ذلك الحق بأية وسيلة في متناولها".

كما أكدت الجمعية العامة على شرعية المقاومة المسلحة الفلسطينية، وربطتها وقتها بما كانت تعيشه ناميبيا وجنوب إفريقيا من أنظمة فصل عنصري، أيضًا في قرارها بتاريخ 4 ديسمبر/ كانون الأول 1986م، والذي ينص "على شرعية كفاح الشعوب من أجل استقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها الوطنية، والتحرر من السيطرة الاستعمارية والفصل العنصري والاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح".

وفي السياق نفسه، تؤكد كل من اتفاقية لاهاي واتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بحماية أسرى الحرب، على شرعية حمل السلاح لمقاومة المحتل، وأضفت اتفاقية جنيف صفة "أسرى الحرب" على أعضاء حركات المقاومة المنظمة "التي تعمل داخل أرضها أو خارجها وحتى لو كانت هذه الأرض واقعة تحت الاحتلال"، وذلك بشروط، أولها أن يكون لهم رئيس مسؤول، وأن يحملوا السلاح علنًا، أن يحملوا علامة مميزة ظاهرة، وأن يلتزموا في نضالهم بقوانين الحرب وأعرافها، وهي كلها شروط تنطبق على المقاومة الفلسطينية.

كيف يفضح القانون الدولي الحرب؟:

وفي وقت تتنكر الدول الغربية الداعمة لإسرائيل لشرعية القانون الدولي بخصوص المقاومة الفلسطينية، يفضحها هذا القانون ويضعها أمام ازدواجية معاييرها ونفاقها، عندما تتجاهله ثانيًا بصم آذانها عن جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل.

ومن الناحية القانونية، تُعد جريمة الحرب الخرق المثبت لأحد وعدد من بنود اتفاقيات جنيف المحددة لقوانين وأعراف الحرب، وتحمي الاتفاقيات الثلاث الأولى من اتفاقيات جنيف المقاتلين وأسرى الحرب، بينما تحمي الاتفاقية الرابعة التي تم تبنيها بعد الحرب العالمية الثانية، المدنيين في مناطق الحرب.

وتضاف إلى هذه الاتفاقيات، اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية، والتي تنص في مادتها الـ 25 على "حظر مهاجمة أو قصف المدن والقرى والأماكن السكنية أو المباني المجردة من وسائل الدفاع أيا كانت الوسيلة المستعملة"، وفي مادتها الـ 23 على "حظر استخدام الأسلحة والقذائف والموارد التي من شأنها إحداث إصابات وآلام لا مبرر لها". كما يؤكد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية "يشكل جريمة حرب".

وقامت إسرائيل بخرق عدد من هذه القوانين الدولية خلال عدوانها على غزة، وكآخر جريمة (وليست الأخيرة) كان قصفها للمستشفى الأهلي المعمداني، حيث كان يحتمي به المئات من النازحين العزل، إضافة إلى عدد من الطواقم الطبية والمسعفين، وأدت هذه المذبحة إلى سقوط أكثر من 500 شهيد، حسب حصيلة وزارة الصحة الفلسطينية.

وكانت هيومن رايتس ووتش، قد كشفت في تقرير لها استخدام جيش الاحتلال قنابل الفسفور الأبيض المحرمة دوليًا في قصف كل من غزة ولبنان، وقالت لما فقيه مديرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "كل مرة يُستخدم فيها في مناطق مدنية مكتظة يشكّل الفسفور الأبيض خطرًا كبيرًا يتمثّل بإحداث حروق مؤلمة ومعاناة مدى الحياة".

وفي آخر تقاريره أيضًا قال المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان بجنيف إن هجمات إسرائيل الجوية والمدفعية الدموية على قطاع غزة حولته إلى حفرة من الجحيم ينتشر فيها الموت والدمار في ظروف إنسانية بالغة التعقيد ومن دون أي خدمات أساسية للحياة.

ووثق المرصد أنه منذ الاندلاع الأحداث جرى قتل الفلسطينيين بمعدل 14 شخصًا كل ساعة، كما جرى تدمير 2650 مبنى سكنيًا وتضرر نحو 70 ألف وحدة سكنية بشكل بالغ وجزئي، فيما جرى تدمير 65 مقرًا حكوميًا وما لا يقل عن 71 مدرسة و145 منشأة صناعية و61 مقرًا إعلاميًا، فضلاً عن هدم 18 مسجدًا.


* نقلاً عن (TRT عربي) https://cutt.us/YD0Bw

يُنشر هذا الكتاب للمرة الأولي على الشبكة العنكبوتية (الانترنت) بشكل حصري لموقعنا حوارات الشريعة والقانون بتصريح من المؤلف شخصيًا

يعرض هذا الكتاب منهجًا أصيلًا شاملًا للفقه في الاسلام ينطلق من الوحي كتابًا وسنة، بعيدًا عن التصورات الخاطئة والمفاهيم المستحدثة للفقه والعلم والدين، وتصورًا للفقه يشمل كل أوجه النشاط الانساني علمًا وعملًا، في محاولة أن تسهم هذه النظرة الشمولية في إعادة صياغة المقاربة الإسلامية للأسئلة والقضايا المعاصرة في كل المجالات، بناء على رؤية كونية مستمدة من الوحي ومبنية على مقاصده المنهجية، وبالتالي تعتمد الدور الشامل للعلماء والفقهاء في دراسات الأصول، والدراسات التخصصية المعاصرة، ودراسات الظواهر، والدراسات المؤسسية بعيدة المدى.

ويرسم الدكتور جاسر عودة في هذا الكتاب ملامح خطة متكاملة ومركّبة لإحداث نقلة منهجية في الاجتهاد الإسلامي المعاصر في ضوء الكتاب والسنة وفي عدد من المستويات والمجالات. والإطار العام للمنهجية المقاصدية التي يطرحها الكتاب يأتي في سياق الاستفادة من محاولات التجديد التاريخية والمحاولات المعاصرة للتجديد الفقهي الإسلامي وقراءتها قراءة نقدية.

ومما جاء في مقدمة الكاتب:

للفقه في الإسلام معنى شامل ونظام مفتوح، وليس الفقه تخصصًا محدودًا في مقابل بقية التخصصات، ولا كتبًا بعينها ألفت في الماضي وأغلق مجال الإضافة عليها، وكثيرًا ما يستشيرني صفوة من شباب وشابات الأمة من مختلف البلاد في أن يتركوا العمل أو دراسة التخصص الذي يسمونه دنيويًا أو حياتيًا من أجل التفرغ لدراسة الفقه والعمل في خدمة الدين على حد قولهم، وقد يستدلوا بقول الله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) [التوبة: ١٢٢]، وردي عليهم دائمًا هو أننا كأمة نحتاج إلى العودة إلى المعاني الأصلية لا المستحدثة للفقه والعلم والدين، وهي معان شاملة جامعة، وهو ما يعني في حقهم أن يطبقوا منهجية إسلامية أصيلة على تخصصاتهم وأعمالهم نفسها كل في مجاله العلمي أو العملي، وأن يصنعوا بذلك فقهًا جديدًا لعالمنا المعاصر منطلقًا من علم أصيل بالوحي كتابًا وسنة، لا أن يدرسوا فقط تاريخ الفقه بالمعنى المذهبي الذي صنعته أمة مضت لعالم مضى، إلا ما كان من الجوانب التعبدية الثابتة بطبيعة الحال، وإذا أسهم هذا الفقه الجديد في قيادة البشرية نحو تحقيق مقاصد الخالق من الخلق في الواقع المعيش، فهذه هي الخدمة الحقيقية للدين أي نظام الحياة الإسلامي الشامل.

والحق أن سؤال الشباب هذا هو من أعراض الأزمة المنهجية التي يعيشها الفقه الإسلامي -بالمعنى الأصلي الشامل للفقه، والتي نحاول أن نتصدى لها بالمنهجية المقاصدية التي نؤصل لها ونشرح إطارها العام في هذا الكتاب. هذه الأزمة المنهجية تتمثل في الافتقار المقاربة إسلامية للعلم بمعناه الشامل، وشيوع تصور علماني للدين في ثقافات المسلمين حتى عند بعض النخب الإسلامية، فأدى ذلك إلى فصل غير سليم بين (علوم الدين) و(علوم الدنيا)، وبين التعليم الإسلامي) و(التعليم المدني)، وبين (البحث الفقهي) و (البحث التخصصي)، وهذه التقسيمات كلها ليست إسلامية.

وأدى القصور العلمي إلى قصور عملي في تفعيل معاني الإسلام في الواقع المعيش في شتی جوانبه، فاقتصر الدين في عموم ثقافات المسلمين على بعض العقائد المجردة، وبعض الشعائر التعبدية، وبعض أحكام الأحوال الشخصية والمعاملات المالية، وهو التصور العلماني للدين بامتياز. ولكن التصور الأصلي للدين بناء على الوحي – كتابًا وبيانه من السنة - يشمل كل أوجه النشاط الإنساني علمًا وعملًا، فيجتهد أهل الاجتهاد فيها جميعًا لتوجيهها نحو مقاصد الخالق تعالى من الخلق، والتصور الأصلي للدين يعتبر كل علم سليم القصد والمنهج علمًا نافعًا يوصل إلى فقه قلبي بمعرفة الله وخشيته، وإلى فقه عملي بالتطبيق والتفعيل في الواقع المعيش..

وفصول هذا الكتاب أصلها مذكرات محاضراتي التي صنعتها بغرض التدريب المنهجي للباحثين وطلبة الدراسات العليا الأعضاء في (شبكة المقاصد البحثية) و (برنامج الدراسات العليا في الفكر التطبيقي الإسلامي)، وهما مشروعان أساسيان من مشاريع معهد المقاصد، ذلك المعهد الذي يقوم على العمل فيه نخبة عجيبة من رجال ونساء هذه الأمة لا أرى إسهامهم في عمل المعهد وفي صياغة أفكار هذه المنهجية إلا نعمة خالصة من نعم المولى الكريم على أمتنا وعلي شخصيًا، وما عودني الله تعالى إلا حسنًا وما أسدى إلى إلا مننًا.

وقد اخترت في هذا الكتاب أن أبقي على صيغة المحاضرات، وليس صيغة البحوث العلمية المتعارف عليها من مناقشات تفصيلية اتفاقًا واختلافًا مع الآراء الموروثة والمعاصرة وهوامش مستوعبة وفهارس إلى آخره، إذ إن الموضوع متشعب جدًا، وحين شرعت في حصر الأبحاث والأفكار المقابلة لأفكاره الجزئية تكاثرت علي كظباء خراش لا يتسع ما يمكن أن أخصصه لهذا المشروع من وقت لاستيفاء ما تتطلبه من مناقشات اتفاقًا واختلافًا، فقررت أن أترك ذلك للمهتمين من الباحثين والنقاد جزاهم الله خيرًا، يتفقون معي فأستأنس بموافقاتهم، أو يختلفون ويصححون فندعو لمن أهدى إلينا عيوبنا. وعلى أي حال فإن همّي فيما يلي من العمر المحتوم - على قدر ما يتسع لذلك مما كتبه لي المولى الكريم من رزق - أن أوجه اهتمامي إلى تطبيق هذه المقاربة المنهجية تفصيلًا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وذلك للإسهام في الصياغة التفصيلية التطبيقية لذلك الفقه الجديد الذي ننادي به، والذي يحتاج إلى جهود مؤسسات فاعلة وجمهرة من الباحثين المتمكنين وليس هذا الباحث فقط على بضاعته المزجاة، وكل يعمل على شاكلته.

 

يتألف الكتاب من ستة فصول، يبدأ الفصل الأول منها بمقدمات حول المنطق التواصلي المقاصدي الذي تستنبطه المنهجية في ثناياها، ويناقش الفصل الثاني إشكالات المقاربات الاجتهادية المعاصرة؛ ومنها: تقليد التراث دون الرجوع للوحي، وتبرير الواقع دون نقد، وتناقض المصادر المعرفية، والتفكيك دون تفريق بين الوحي والثقافة. ويستعرض الفصل الثالث الأصول المعرفية وأصول الوعي وأصول الاجتهاد، والتي تعتبر مقدمات للبحث في المنهجية، كما أنها نتائج لهذا البحث الذي تم التوصل إليه عن طريق شبكات معاني الوحي التي تولدت عن مقاصده. بينما يتناول الفصل الرابع الخطوات المنهجية العامة للاجتهاد، أو ما أسماها "الخماسية المنهجية". ثم استعرض الكاتب في الفصل السادس ما أسماها "السباعية التصورية وطرق الكشف عنها"، مختتما فصول كتابه بالفصل السادس الذي طرح فيه صياغة جديدة مقترحة للدراسات الإسلامية.

رابط مباشر لتحميل الكتاب

_____________________________________________

* رئيس معهد المقاصد، وأستاذ كرسي الإمام الشاطبي في دراسات المقاصد بجامعة السلام العالمي بجنوب أفريقيا، ورئيس تحرير دورية دراسات مقاصدية معاصرة، وعضو مؤسس بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو بالمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، وعضو بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ورئيس مؤسس للمجلس الفقهي الكندي، وزميل بمجمع الفقه الإسلامي بالهند. كتب خمسة وعشرين كتابًا بالعربية والإنجليزية ترجم بعضها إلى خمس وعشرين لغة، منها: مقاصد الشريعة كفلسفة للتشريع الإسلامي، والاجتهاد المقاصدي، وفقه المقاصد، والمرأة والمسجد، ورحلة مع الحكم العطائية في ضوء السنن الإلهية، وخلاصة بداية المجتهد لابن رشد.

صرح الأستاذ الدكتور أحمد محمد رفعت، رئيس الجمعية المصرية للقانون الدولي، وأستاذ القانون الدولي ورئيس جامعة بني سويف السابق، وسفير مصر السابق لدى منظمة اليونسكو بباريس، بأن حركات المقاومة الفلسطينية ليست منظمات إرهابية.

حيث انتقد سيادته ما صرح به "بايدن" رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والمحللين الإسرائيليين من أنه يحق لإسرائيل أن تدافع عن نفسها، فضلاً عن أنهم اعتبروا الفصائل الفلسطينية منظمة إرهابية، وحسبما قال دكتور أحمد رفعت أن هذا يُعد خطأً كبيرًا.

واسترسل رفعت، خلال مداخلته الهاتفية على قناة "دي إم سي" المصرية: اعتبروا الفصائل والمقاومة الفلسطينية منظمات إرهابية، ونسوا أن أصحاب الأرض هم الفلسطينيين،  متابعًا: تقرير المصير ورد مرتين في الميثاق الدولي، والذي يقضي بالاستقرار والرفاهية لقيام علاقات سلمية وودية بين الدول.

كما شدد سيادته على أن حماس ليست منظمة إرهابية، بل هي مقاومة تدافع عن أرضها، منوهًا بأن الشعوب من حقها أن تختار مصيرها دون تدخل أجنبي في اختيار نظم الحكم المناسبة لها، وهو مبدأ معترف به دوليًا، وشرط أساسي لكل الحقوق الأخرى.


* نقلاً عن: قناة دي إم سي على الفيس بوك: https://www.facebook.com/dmctv/videos/974968374150386/

لا شيء يعتم الرؤية ويُوقع في التيه الوجداني والضلال الفكري كالأسئلة المزيفة. الأسئلة المزيفة هي، كأسئلة الأطفال، أسئلة تطرح مشكلات مزيفة يعيشها الوعي على أنها مشكلات حقيقية، وخطورة السؤال المزيف تكمن في أنه يستدعي جوابًا مزيفًا يثير بدوره مشكلة أو مشكلات مزيفة. ذلك أنه ما من سؤال يطرح إلا ويحمل معه مشروع جواب. وعندما يطرح السؤال في صيغة زوج تقابلي مثل: "هل الإسلام دين أم دولة؟" فإنه يضع المسؤول، وبالتالي الفكر، أمام قسمة عقلية ثنائية محصورة، مما يفرض أحد أمرين، إما: "الإسلام دين لا دولة"، وإما: "الإسلام دين ودولة". أما الاحتمال الثالث، أي "الإسلام دولة لا دين"، فهو احتمال غير وارد، لأن الإسلام، بالتعريف دين والأسئلة المزيفة هي، في الغالب، أسئلة لا تستمد إشكاليتها من الواقع، بل هي تعبر عن إشكالية فكر حالم، أو فكر مجرد ميتافيزيقي، أو تطرح في مجال معين مشكلة تستقي مضمونها وتحديداتها من مجال آخر. والثنائية التي نحن بصددها، ثنائية "الدين والدولة"، في الفكر العربي الحديث، هي من هذا النوع الأخير من المشكلات. ذلك أن السؤال "هل الإسلام دين أم دولة؟"، سؤال لم يسبق أن طرح قط في الفكر الإسلامي منذ ظهور الإسلام وحتى أوائل القرن التاسع عشر، وإنما طرح ابتداءً من منتصف ذلك القرن بمضمون لا ينتمي إلى التراث الإسلامي، مضمون نهضوي يجد أصوله وفصوله في النموذج الحضاري الأوروبي الذي كان العرب وما يزالون يطمحون إلى تحقيقه في أوطانهم، وبالخصوص ما يتعلق منه بالتقدم والنهضة.

نعم، إن المشكلات لا تقبل النقل من مجال إلى مجال إلا إذا كان هناك في المجال المنقولة إليه ما يجعل عملية النقل تلك مبررة نوعًا من التبرير، بمعنى أن التأثيرات الخارجية لا يكون لها مفعول إلا مع وجود استعداد داخلي، مسبق. ومع ذلك فالمنقول، حتى في هذه الحالة، سيظل غريبًا شاذًا، يثير المشكلات ويتسبب في احتكاكات واصطدامات داخل المنقول إليه، ما لم تتم تبيئة هذا الأخير تبيِئة تامة ملائمة ناجحة. ومشكلة "العلاقة بين الدين والدولة" كما نقلت إلى فضاء الفكر العربي، في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، لم تتم بعد تبيئتها تبيئة ملائمة في الواقع العربي، الفكري والحضاري، كي تصبح معبرة بالفعل عن همومه وتطلعاته، وليس عن هموم وتطلعات الواقع الأوروبي الذي نقلت منه.

سنحاول إذن أن نعمل على التحرر من حبائل السؤال المزيف، وذلك بوضعه هو نفسه موضع السؤال، حتى إذا جردناه من عناصر التزييف أمكن طرحه حينئذ بالصيغة التي يكون بها معبرًا عن الواقع العربي: عن معطياته الخاصة الماضية والحاضرة، وعن مطامح الأمة العربية وتطلعاتها المستقبلية. ومن أجل هذا الغرض سنتناول الموضوع على أربع مراحل، نطرح في كل منها مستوى من مستويات المشكل، كما طرح ويطرح في الفكر العربي الحديث والمعاصر: سننظر أولًا في الكيفية التي يجب أن تطرح المسألة بها داخل المرجعية التراثية حتى يمكن أن يكون لها جواب مستمد من هذه المرجعية نفسها، ثم نعرض ثانيًا لتحليل العناصر التي يتحدد بها الجواب الذي تقدمه هذه المرجعية، ثم ننظر ثالثًا في الكيفية التي طرح بها المشكل في المرجعية النهضوية العربية الحديثة والمعاصرة، ثم نعرض رابعًا وأخيرًا لعلاقة المسألة بالواقع العربي الراهن وآفاق مستقبله.

ولنبدأ بطرح المسألة على المستوى الأول، واضح أن هدفنا هنا ليس القيام بتحليل أكاديمي، وإنما هدفنا تأطير الموضوع تأطيرًا يسمح بتوفير حد أدنى من الفهم والتفهم والتفاهم، اقتناعًا منا بأن من أهم عوائق التواصل والتفاهم بين تيارات الفكر العربي المعاصر انغلاق كل منها داخل مرجعيته الخاصة وانشداده المطلق إليها ونفي كل ما عداها، إما بجهله أو تجاهله، وإما بتصنيفه تصنيفًا إيديولوجيا، بالمعنى الذي تكون فيه الإيديولوجيا هي "آراء خصمي".

المرجعية التراثية لموضوع "الدين والدولة" تتكون من التاريخ الإسلامي السياسي والفكري الرسمي منه بصفة خاصة، منذ ظهور الإسلام إلى أوائل القرن التاسع عشر. إنها الفترة التي كان الإسلام فيها يشكل عالمًا حضاريًا يكفي نفسه بنفسه لا يعرف من المشكلات إلا ما نشأ فيه ووجد حلولا من داخله.

هذا العالم "المغلق"، المستقل بنفسه المتسع لمشكلاته، هو الذي يفكر داخله وبواسطة معطياته قسم كبير جدًا من مثقفي الوطن العربي، ليس الشيوخ والعلماء منهم فحسب، بل الشبان والمثقفون أيضًا. والمبدأ المؤسس لهذه المرجعية والمتحكم في توجيهها هو أن كل ما يوضع في مقابل الإسلام فهو ليس من الإسلام. وبخصوص الثنائية التي تعنينا هنا، ثنائية الدين والدولة، فإنها إذا طرحت بمضمونها الأصلي، الأوروبي، الذي يفيد المطالبة بفصل الدين عن الدولة، إنها إذا طرحت بهذا المضمون في مرجعيتنا التراثية تلك، فإن هذا الطرح سيفهم حتما على أنه "اعتداء على الإسلام" ومحاولة مكشوفة لـ "القضاء" عليه!

لماذا؟

للجواب على هذا السؤال، جوابًا مثمرًا، يجب تجنب الاتهامات المجانية من قبيل الرمي بالتعصب وضيق الأفق إلخ، فضررها أكثر من نفعها، فضلًا عن كونها تنم عن عدم فهم، أو على الأقل عن عدم تفهم لمحددات تفكير من يصدر عن المرجعية التراثية. لننظر إذن إلى الكيفية التي تفهم بها عبارة "فصل الدين عن الدولة" داخل مرجعيتنا التراثية، المرجعية التي لا تحتمل هذه الثنائية (ثنائية دين/ دولة)، لأنه لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي بمجمله "دين" يميّز أو يقبل التمييز والفصل عن الدولة، كما لم يكن هناك قط "دولة" تقبل أن يفصل الدين عنها. فعلا كان هناك حكام اتهموا بالتساهل في أمر من أمور الدين كالجهاد أو مقاومة البدع إلخ، ولكن لا أحد من الحكام في التاريخ الإسلامي استغنى، أو كان في إمكانه أن يستغني، عن إعلان التمسك بالدين، لأنه لا أحد منهم كان يستطيع أن يلتمس الشرعية لحكمه خارج شرعية الإعلان عن خدمة الدين والرفع من شأنه وتطبيق أوامره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي، في أي عصر من عصوره، مؤسسة خاصة بالدين متميزة من الدولة: فلم يكن الفقهاء يشكلون مؤسسة، بل كانوا أفرادا يجتهدون في الدين ويفتون فيما يعرض عليهم من النوازل أو تفرزه تطورات المجتمع من مشكلات.

وهكذا، فعبارة "فصل الدين عن الدولة" أو فصل الدولة عن الدين ستعني بالضرورة، داخل المرجعية التراثية، أحد أمرين أو كليهما معًا: إما إنشاء دولة "ملحدة". غير إسلامية، وإما حرمان الإسلام من "السلطة" التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام. والحق أنك يمكن أن تنجح في إقناع من يفكر من داخل المرجعية التراثية وحدها بأن الأمر لا يتعلق قط بإنشاء دولة ملحدة ولا بنزع الصبغة الإسلامية عن المجتمع، ولكن اقتناعه لن يتجاوز "الصمت"! ويمكن أن تحلف له بأغلظ الأيمان بأن المقصود ليس هو هذا ولا ذاك، ولكنه سيكتفي في الغالب بالقول: "الله أعلم"، ويسكت! ولكنك لا تستطيع أبدًا أن تقنعه بأن "فصل الدين عن الدولة" ليس معناه حرمان الإسلام من "السلطة" التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام.

ذلك لأن معنى "الدولة" المستقر في ذهنه هو السلطة التي عليها أن تتولى تطبيق الشريعة. وهذا شيء يختلف تمام الاختلاف عن مفهوم الدولة في الفكر الأوروبي الحديث الذي يشكل مرجعية للفكر النهضوي/ الليبرالي العربي في الفكر الأوروبي: الدين مسألة شخصية، والكنيسة ليس من مهمتها أن تطبق شريعة، لأن الدين المسيحي لا يتضمن أحكامًا شرعية كالأحكام الشرعية في الإسلام. أما دور الكنيسة فهو أن تضع قانون الإيمان"، وهذا دور أعطته لنفسها يوم أن قامت بعد قرون من وفاة السيد المسيح، فاستبدت بهذا الأمر وأغلقت باب الاجتهاد" في الدين إلى الأبد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى شتان ما بين "قانون الإيمان" الذي شاغله المركزي هو قضية "التثليث" (كيف يفهم المؤمن المسيحي أن الله ثالث ثلاثة، أو ثلاثة في واحد!) وبين شرع يفصل بين الواجب والممنوع وبين المستحب والمكروه والمباح، ويدرج كل وقائع الحياة الروحية والمادية تحت هذه الأحكام الخمسة. الدولة في المسيحية وجدت قبل مجيء الدين، فوضعت هي نفسها القوانين التي تحافظ على وجودها وعلى نظام معين للحياة في المجتمع. ولما اقتضت مصلحتها اعتناق الدين (المسيحية) فعلت ذلك، فأدمجته في جسمها. أما في التجربة الحضارية العربية الإسلامية فالدين كان أولًا، وقد تطور إلى دولة. والدين في الإسلام أعطي أولًا "قانون الإيمان" (أي العقيدة وهي موضوع "علم التوحيد")، وهذا حدث في مكة خاصة. وأعطى ثانيًا "قانون المجتمع" أي الشريعة، وهذا حصل في المدينة مساوقًا لتطور الدعوة إلى مجتمع ودولة. ومن أجل مساوقة التطور الذي هو سنة الحياة، أبقى الإسلام باب الاجتهاد مشرعًا على مصراعيه: الاجتهاد في العقيدة (علم الكلام) والاجتهاد في الشريعة (علم الفقه).

تلك حقائق يجب ألا يهملها أو يهرب منها، لا الليبرالي ولا النهضوي ولا القومي ولا الماركسي، بل يجب أن يكون لكل منهم اجتهاده فيها كما للسلفي رأيه فيها. ولا معنى لأي اجتهاد فيها ما لم يكن يتحرك داخل الإسلام والمحور المركزي الذي يدور حوله، داخل الإسلام، كل ما يتعلق بهذه القضية، قضية الدين والدولة، هو ما عبرنا عنه من قبل بالقول: إن الدين الإسلامي يشتمل على أحكام يجب أن تنفذ، وأن الدولة هي "السلطة" التي يجب أن تتولى التنفيذ.

لقد شرحنا في المقالات الأخيرة مسألة الأحكام في الإسلام: الأحكام والأخلاق، الحدود وشروط تطبيقها إلخ. ويبقى من الضروري البدء هنا بالتمييز بين السلطة المنفذة للأحكام الشرعية وبين الهيئة الاجتماعيــة المسماة: الدولـــــــــــــــــــــــــــة.

وإذن فالسؤال الذي انطلقنا منه، سؤال "هل الإسلام دين ودولة" والذي يكرس ثنائية مزيفة تطرح جوابًا مزيفًا، يجب أن نعيد صياغته لكي يتحول إلى سؤال صحيح يفتح أمام الفكر إمكانيات للإدلاء بأجوبة إيجابية من داخل التجربة الحضارية الإسلامية. والصياغة التي تقترحها تضع كلمة "أحكام" مكان كلمة "دين"، وكلمة "سلطة" مكان كلمة "دولة"، هكذا: "هل الإسلام أحكام شرعية أم سلطة مكلفة بتنفيذها؟".

فكيف ينبغي أن نفهم هذه الصيغة الجديدة لهذا السؤال؟

بداية أوضح أمرًا مهمًا، لست هنا اليوم لأسرد ما يقوله القانون الدولي بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة وإنما ما سأقوله لا يعدو كونه رءوس أقلام كل منها موضوع بذاته يحتاج إلى محاضرات، وإنما نحن بصدد إجلاء بعض ما قد يكون غامضًا من مداخل القانون الدولي بشأن أزمة العدوان على غزة.

وعلى قدر ما كانت سعادة الإنسان بالغة بهذا التقدم التكنولوجي والمعلوماتي على قدر ما أصابته خيبة أمل من هذا الذي وجدناه على شاشات بعض الفضائيات من تشويه للحقائق من غير متخصصين يقولون بما لا يعرفون ويهرفون بما لا يفهمون، وأنا في هذا لا ألومهم، ولكني ألوم من أتى بهم.

كثر الكلام عن الأبعاد القانونية للعدوان على غزة، فهناك من قالوا إن إسرائيل بعدوانها على غزة إنما تدافع عن نفسها ضد حركات إرهابية تطلق صواريخها على المدنيين الإسرائيليين إما ترديدًا للمقولات الأمريكية، وإما قولا على غير فهم. والحقيقة القانونية هي أن مبادى الدفاع الشرعي في القانون الدولي المعاصر لا تكون إلا في مواجهة عدوان، وليس "دفاعًا ضد دفاع".

وإذا فرضنا جدلًا أن إسرائيل تدافع عن نفسها، فالدفاع هنا أيضا لابد أن يكون متناسبًا مع حجم العدوان، فلا يجوز أن تقول إسرائيل إن حماس قتلت خمسة عشر مدنيًا إسرائيليًا فتأتي هي وتدمر مدينة كاملة وتقتل وتجرح الآلاف، فلابد أن يكون هناك تناسب بين فعل الدفاع وفعل العدوان.

أيضا من شروط الدفاع الشرعي أن يكون موجهًا لمصدر العدوان، فلو افترضنا جدلًا أن مطلقي الصواريخ معتدون، فهذا يعني أن توجه إسرائيل دفاعها إلى مطلقي الصواريخ وليس الشعب بمدنييه ونسائه وأطفاله.

إذا انتقلنا من هذه المقدمة وبدأنا في تحديد المعتدي والمعتدى عليه في عرف القانون الدولي سنجد ما يأتي..

إسرائيل انسحبت من قطاع غزة، وهي بذلك تزعم أنها ليست دولة احتلال، وهذا قانونا غير صحيح، فالاحتلال يعرف بأحد نوعين: إما أن تكون هناك قوات للدولة القائمة بالاحتلال بالفعل على الأرض مثلما كان الحال من قبل في قطاع غزة، أو أن تتحكم دولة الاحتلال تحكما كاملًا في الداخل والخارج من وإلى هذا الإقليم: بمعنى آخر أن تمارس هذه الدولة "حصارًا شاملًا" على الإقليم المحتل، فإسرائيل بالنسبة لنا وبعيدًا عن العواطف وبتعريف القانون الدولي دولة احتلال: لأنها تمارس حصارًا بريًا وجويًا وبحريًا على قطاع غزة، وكما قال أستاذ لنا في القانون "إسرائيل تحتل قطاع غزة بالريموت كنترول".

فإسرائيل بهذا "دولة احتلال" والاحتلال بمعنييه بعد عدوانًا مستمرًا بإجماع من فقهاء القانون الدولي، وإذا كان العدوان كعدوان مبررًا لدفاع، فمن باب أولى العدوان المستمر، فإذا كنا هنا بصدد عدوان مستمر تمارسه إسرائيل على قطاع غزة، إذن فمن حق الشعب الفلسطيني في غزة وبموجب القانون الدولي الدفاع عن نفسه، ومن وسائل الدفاع: الدفاع بالسلاح. فما من منظمة دولية واحدة بدءًا بالأمم المتحدة مرورًا بكل المنظمات الإقليمية المعنية إلا وقد أقرت الحق لكل حركات التحرر والمقاومة الشعبية بحمل السلاح، كما أن هذه المنظمات منحت حركات التحرر الوطني الحق في الحصول على الدعم والتأييد من الدول الأعضاء في هذه المنظمات فالأمم المتحدة عبر جمعيتها العمومية ومجلس أمنها وبنصوص صريحة قد أوجبت على الدول الأعضاء فيها تقديم السلاح والدعم لحركات المقاومة، وأكثر من ذلك أنه في عام 1970 قال المندوب اليوغسلافي في الجمعية العامة للأمم المتحدة "أن المقاومة بالإرهاب لیست إرهابًا".

أيضا هناك ما أقرته المحكمة الجنائية الدولية من أن إقامة مستوطنات على أراض محتلة تعد جريمة حرب وجريمة الحرب حسب القانون الدولي تبرر بداية ودون الحاجة إلى عدوان مستمر أو احتلال بالريموت كنترول تبرر، الدفاع الشرعي بالسلاح.

هذا هو القانون الدولي أما ما شاهدناه من تواطئ أمريكي وأوروبي، بالإضافة إلى حلف شمال الأطلسي في الحصار على قطاع غزة ومنع وصول السلاح لأصحاب الحق، فهذا ليس من القانون في شئ، وإنما نبحث له عن تفسير في مكان آخر.

وفي هذا السياق، وجب هنا أن نذكر أن القانون الدولي يلزم دولة الاحتلال بتقديم جميع الخدمات الواجبة للمدنيين على حكوماتهم الأصلية؛ أي أن دولة الاحتلال يجب عليها أن تقوم بما تقوم به الحكومة السوية فيما عدا الجانب العسكري، وإذا لم تلتزم دولة الاحتلال بهذا، وجب على المجتمع الدولي أن يقدم لهؤلاء، ما يقيم أودهم ويسيّر أمور حياتهم، وبالأحرى وجب هذا على المجاورين، وكل لبيب بالإشارة يفهم.

إذا اكتفينا من الغنيمة بالإياب وانتقلنا إلى قرار مجلس الأمن 186 سنجد أن معظم من تحدثوا عما إذا كان ملزمًا أم غير ملزم وهل ينتمي إلى الفصل السادس أم السابع، وتناسي الجميع أن القرار لا يحتوي على آليات تنفيذه. فإذا لم يكن مشتملًا  على آليات تنفيذه فلا قيمة له سواء كان منتميًا إلي الفصل السادس أو السابع.

والدليل على هذا أن إسرائيل ضربت به عُرض الحائط، ولم تلتزم به حتى من قبيل تجميل الوجه، ثم إن توقيت القرار يعد كارثة، حيث وجدنا مجلس الأمن ينتظر ما يقرب أسبوعين من اندلاع الحرب، مع أنه وبموجب القانون يكون المجلس في حالة انعقاد دائم إذا وجدت مشكلة تهدد السلم والأمن الدوليين، لكن فيما يبدو أن القائمين على مجلس الأمن لم يروا فيما يحدث في قطاع غزة ما يهدد السلم والأمن الدولين فانتظروا أسبوعين حتي اجتمعوا فوجدنا الجبل يتمخض عن فأر بهذا القرار الذي أصدره مجلس الأمن.

الحقيقة القانونية هي أن مبادئ الدفاع الشرعي في القانون الدولي المعاصر لا تكون إلا في مواجهة عدوان وليس دفاعا ضد دفاع

وهنا تبرز إشكالية أن القانون هو سلاح الضعفاء، لكن سلاح الضعفاء إذا لم يكن قويًا ومشحوذًا فلا قيمة له، وقديمًا قال فقهاء القانون الروماني "إن القوة تخلق الحق وتحميه". ونحن لم نصل معهم إلى تلك الدرجة، فالقوة هنا لم تخلق الحق لكنها بالضرورة حامية له؛ بدليل أن قضية كالعدوان على غرة على ما فيها من وضوح من عدوان على شعب أعزل لم ير فيها المجتمع الدولي خطرًا يوجب انعقاد مجلس الأمن وحينما أراد وفاق من سباته واتخذ قرارًا اتخذه على نحو مانع، فلم يجعل له آلية لتنفيذه.

إذن،  كيف نتعامل من الناحية القانونية مع ما حدث؟

 أمامنا أحد بدائل عدة:

البديل الأول: وهم الذي كثر الحديث عنه بغير علم، هو أن نذهب إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهذا غير ممكن؛ لأن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في الجرائم التي ارتكبت على أراضي الدول الأعضاء في النظام الأساسي وليست أي من الدول العربية عضوًا في النظام الأساسي فيما عدا الأردن وجزر القمر ومصر وقعت فقط لكنه لم يتم التصديق عليها، فهذا بديل برأيي غير ممكن لأن العدوان لم يقع على أراضي الأردن أو جزر القمر.

البديل الثاني: أن يكون القائمون بهذا الانتهاك والعدوان أطرافًا في النظام الأساسي للمحكمة الدولية، وإسرائيل ليست طرفًا في النظام الأساسي للمحكمة.

البديل الثالث: وهذا خاضع لتقدير مجلس الأمن، حيث إن مجلس الأمن إذا رأي أن ما يحدث في إقليم دولة ليست طرفًا في النظام الأساسي بهدد الأمن والسلم الدوليين فمن حقه هنا أن يحيل الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية لتتدارسه، كما هو الحال حاليا مع الرئيس السوداني البشير.

البديل الأخير: وفي تقديري هو الحل الأيسر والمتاح، وهو أن نلجأ مباشرة إلى محاكم الدول التي تقبل الاختصاص العالمي فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وهناك العديد من الدول التي يسمح قانونها الداخلي بالنظر في جرائم

ارتكبت خارج حدود أراضيها، بشرط أن تكون من قبيل جرائم الحرب والإبادة الجماعية وحقوق الإنسان، وهذه الدول كثيرة، منها: فرنسا وإسبانيا وبلجيكا.

وهذه أسهل البدائل وإن شابها بعض صعوبة ستكون في طول الإجراءات والتكلفة المادية العالية، لكنه وفي ظل التعدد الشديد في منظمات المجتمع المدني والثروات العربية يبدو هذا ممكنا.

وما أحب أن أطمئنكم بشأنه هو أنه من الممكن ألا يري جيلنا وجيل أساتذتي هذا الحلم يتحقق لكن الجيل الحالي

يمكنه أن يرى ذلك.

ومن المفيد جدا هنا أن ندرك أن القضايا الخاصة بالانتهاكات الإنسانية "لا تسقط بالتقادم"؛ بمعني أنه ما حيينا وما حيوا سيظلون دومًا في تهديد إمكانية أن نحاصرهم بالقانون، طالما نحن غير قادرين على المحاصرة بغيره.

______________________________________

المصدر: حولية أمتي في العالم، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، العدد 9، 2009، ص: 65- 67. يمكن تنزيل نسخة (pdf) من المقال عبر هذا الرابط: https://2u.pw/pVkaFRk.

ينشر موقعنا هذا التقرير حصريًا، فلم ينشر من قبل، سواء ورقيًا أم إلكترونيًا، حيث لا تنشر عادة تقارير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا باعتبار أنها أساسًا تأتي ضمن تحضير الدعوى التي ستنظر أمام المحكمة، ويكون رأي الهيئة موجهًا للمحكمة، وهو رأي استشاري قد تأخذ به وقد لا تعتمده وتأخذ برأي مخالف.

وقد أعد هذا التقرير المستشار محمد كمال محفوظ (مفوض المحكمة) في الدعوى الدستورية رقم ۲۰ لسنة ا ق دستورية عليا ( ورقم 7 لسنة ١ ق عليا) المرفوعة من: جامعة الأزهـر ضد كل من:

١- السيد / رئيس الجمهوري                                   بصفته

٢- السيد / رئيس مجلس الوزراء                               بصفته

3- السيد / رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب              بصفته

4- السيد / عاطف فواد جودة             بصفته وارثًا للمرحوم فواد جودة

وترجع وقائع هذه الدعوى إلى قيام جامعة الأزهر برفع الدعوى الدستورية الراهنة بعريضة أُودعت قلم كتاب المحكمة العليا بتاريخ ٣١ من مايو سنة ۱۹۷۸، أبانت فيها أنه بجلسة ٢٨ من مارس سنة ١٩٧٦ أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا في الدعوى رقم 465 لسنة ٢٤ ق يقضي بإلزام المدعي عليهم فيها (وهم وزير الأوقاف ومدير جامعة الأزهر وعميد كلية طب الأزهر بصفاتهم) بأن يدفعوا للمدعي فؤاد جودة مبلغ 592.112 والفوائد القانونية عن هذا المبلغ بواقع ٤٪ سنويًا من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 24/2/ 1969 حتى تمام السداد مع إلزامهم بالمصروفات، تأسيسًا على أن المبلخ المحكوم به هو باقي المستحق للمدعي من قيمة آلات جراحية قام بتوريدها لكلية طب جامعة الأزهر.

وقد طعنت إدارة قضايا الحكومة نيابة عن جامعة الأزهر في هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا بالطعن رقم ٤٦١ لسنة ٢٢ ق، وأثناء نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون، دفعت جامعة الأزهر بعدم دستورية الفوائد الربوية، فأمرت الدائرة بجلسة ٣ من أبريل سنة ١٩٧٨ بوقف الفصل في الطعن حتى تفصل المحكمة العليا في هذا الدفع الدستورى وحددت ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا.

واستطردت الجامعة تقول أن المادة ٢٢٦ من القانون المدنى تنص على أنه إذا كان محل الالتزام مبلغًا من النقود وكان معلوم المقدار وقت الطلب وتأخر المدين في الوفاء به، كان ملزمًا بأن يدفع للدائن على سبيل التعويض عن التأخير فوائد قدرها ٤% في السائل المدنية و٥% فى المسائل التجارية، وتسرى هذه الفوائد من تاريخ المطالبة القضائية بها"، وهذه المادة تعتبر غير دستورية. وتؤسس الجامعة الدفع بعدم دستوريتها على عدد من الأسباب، والتي تم سردها في التقرير.

ومما جاء في التقرير أنه في جلسة ١٥ مارس سنة ١٩٧٩م قدم الحاضر عن جامعة الأزهر كتابًا موقعًا من رئيس لجنة الفتوى بالأزهـر (مؤرخًا 7/1/1979) " بشأن الحكم الشرعي عن فوائد التأخير في السائل المدنية التي تقدر فوائدها ٤% وفى المسائل التجارية بفائدة قدرها ٥%، وقد تضمن هذا الكتاب بأن الفتوى أجابت" بأن الفوائد على التأخير لها حكم الربا وهو محوم شرعًا والله تعالى أعلم".

كما قدم كتابًا موقعًا من فضيلة الأستاذ الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بتاريخ 13/3/1979م بشأن استطلاع رأى لجنة الفتوى بالأزهر عن مدى صحة استشهاد السيد محامى الحكومة بالرأي القائل بأنه "من القواعد المقررة في الشريعة تغيير الأحكام بتغيير الزمان، ومثال ذلك الآية الكريمة "أحل الله البيع وحرم الربا"، وقد تضمن هذا الكتاب بأن لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أفادت بأن "هذا الاستشهاد بالآية الكريمة "أحل الله البيع وحرم الربا" على تغيير الأحكام بتغيير الزمان غير صحيح لأنه لم يطرأ على حل البيع حرمة ولا على حرمة الربا حل، والقاعدة نفسها بإطلاقها غير سديدة لأن الأحكام المأخوذة من النصوص الواضحة لا تغيير فيها بتغيير الزمان".

وقد ناقشت هيئة المفوضين في تقريرها الدفوع المختلفة، شكلية وموضوعية، وأصلت لرأيها فأحسنت في ذلك إلى الحد الذي يمكن اعتبار تقريرها مرجعًا علميًا وأكاديميًا للقضاة وللباحثين والمهتمين بالعلاقة بين الشريعة والقانون، لاسيما من المنظورين الشرعي والدستوري.

وعلى الرغم من أن التقرير قد خلص إلى:

  • رفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى وبنظرها.
  • رفض الدفع بعدم قبول الدعوى وبقبولها.
  • قبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بعدم دستورية نص المادة 226 من القانون المدني.
  • إلزام الحكومة بالمصروفات.

إلا أن حكم المحكمة الدستورية العليا (في القضية رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية") قد جاء مخالفًا لما انتهى إليه التقرير وحكم بدستورية نص المادة (226) من القانون المدني بشأن الفوائد القانونية، باعتباره كان قد صدر قبل التعديل الدستوري سنة 1980 وليس بعده!

رابط مباشر لتحميل التقرير

رابط مباشر لحكم المحكمة الدستورية العليا في موقعنا

 

الموضوع الذي أمامنا اليوم هو موضوع غزة، وهذا الموضوع عايشناه جميعا يومًا بيوم وأصبحت معلوماتنا عنه متساوية، فليس منا من لديه معلومات أكثر من الآخر. إذن نحن نتحدث عن موضوع سبق العلم به، وتساوينا تقريبا في المعارف الخاصة بوقائعه، وبقدر كبير من التحليلات الخاصة به، ولذا تصورت أن الحديث فيه سيكون في ثلاث أو أربع نقاط، وذلك لإعادة ترتيب الوقائع بشكل أو بآخر حتى نستطيع فهمها والحوار حولها.

- النقطة الأولي: تتعلق بأهمية أرض الشام لمصر وللتاريخ المصري.

- النقطة الثانية: تتعلق بقدر الحروب التي دخلنا فيها وهذه الحرب الأخيرة في سياق الحروب الممتدة في التاريخ المعيش المعاصر.

- النقطة الثالثة: الحروب النظامية والمقاومة الشعبية.

- النقطة الرابعة: النقطة الرابعة تتعلق بالمقاومة في فلسطين بين أهل الداخل وأهل الخارج

 

فيما يتعلق بأهمية فلسطين أو أرض الشام عامة بالنسبة لمصر، خاض صلاح الدين الأيوبي معركة حطين في أرض الشام، وكان وهو يحكم مصر يقوم بالدفاع عن المنطقة كلها، كان هذا في عام 1187. والمظفر قطز عندما أراد مواجهة التتار كان ذلك في موقعة عين جالوت في أرض الشام أيضا عام 1260. إذن من يحاول الدفاع عن هذه المنطقة لا يدافع عنها من داخل مصر، ولكنه يخرج إلى أرض الشام. إذن حين حاربنا الصليبيين القادمين من الغرب وحين حاربنا التتار القادمين من الشرق ومع كليهما كانت أرض الشام هي مجال المعركة، وكلتاهما كانت معركة الحسم أيضا.

 وبعد ذلك جاء السلطان سليم الأول عندما أراد توحيد المنطقة الإسلامية قبل أن يصل إلى مصر كان قد فرض سيطرته على الشام؛ فى1516 سيطر على الشام وفى عام 1517 سيطر على مصر. ثم استقل علي بك الكبير بمصر عام 1759 وأرسل أحد الولاة ليسيطر على الشام فلم يستطع، وتلاشي حكمه لمصر بعد عدد من السنوات، فلم يستطع أن يحتفظ بولايته على مصر مستقلا عن الدولة العثمانية مادامت أرض الشام بعيدة عنه. وعندما قام نابليون بغزو مصر كان ذلك في شهر يونيو سنة 1798، وفي يناير1799 ذهب إلى عكا وحاصرها ولم يمكنه أحمد باشا الجزار من اقتحامها وفشلت الحملة وعاد إلى مصر، وانتهت الحملة الفرنسية على مصر بعدها بعامين.

 إذن لننظر إلى مدى إمكانية استقلال واستقرار لحكم ثابت في مصر دون أن يكون محميًا من أرض الشام. وعندما أراد محمد علي السيطرة على مصر وكان واليا عثمانيا، وعندما بدأ ينازع الدولة العثمانية سلطاتها كان أمامه طريق الشام وسيطر عليه، وبعد ذلك في عام 1840 جاءت معاهدة لندن التي أخرجت محمد علي من الشام وجعلته محصورا في مصر، وبقيت أرض الشام في يد الدولة العثمانية. من هذا التاريخ تقريبا نستطيع أن نحدد أن كلا المنطقتين فقد استقلاله وظل تحت الهيمنة الأوربية. معاهدة لندن عام 1840 جعلت مصر أو الشام تحت الهيمنة الأوربية، بوجود كل منهما منفصلا عن الآخر، ولذلك بقيت أسرة محمد علي تحكم مصر، ولكن تحت الحماية الأوربية التي بدأت حسبما نعرف من التاريخ المصري في عهد سعيد، ومن بعده احتلت انجلترا مصر عام 1882، لكن مصر كانت تحت الهيمنة الأوروبية عامة منذ عام 1840، والإنجليز احتلوها ليستخلصوها من أي نفوذ أوروبي آخر.

ومع ضعف الدولة العثمانية بقيت المنطقة كلها تحت التأثير الأوروبي والهيمنة الأوروبية عليها، في الوقت الذي بدأ الإنجليز فيه الانفراد بمصر وفرض الحماية عليها رسميا كان ذلك عام 1914، أعلنت الحماية على مصر 1914، وفي 1917 صدر وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ووقتها قال الساسة الإنجليز أن هذا الأمر مقصود به حماية قناة السويس، بمعني حماية نفوذهم وسيطرتهم على قناة السويس. وأوجدوا هذا الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وُضَعت فلسطين رسميا تحت الحماية الإنجليزية سنة 1922 بمعاهدة السلام وجاءوا لها بمندوب سامي يهودي هو هربرت صامويل لينفذ المشروع الإسرائيلي، وفي نفس الوقت اعترفوا باستقلال مصر، كان ذلك بعد ثورة 1919.

 وبعد الاعتراف باستقلال مصر، وضعت فلسطين تحت إطار تنفيذ المشروع الصهيوني، في نفس الوقت الذي فُرضت فيه الحماية علي مصر وصدر وعد بلفور، عُقدت اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم أرض الشام، ولا أقصد بأرض الشام دمشق كما يقال ولكنني أقصد ما نقوله نحن في مصر بر الشام ونعني به سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، في أيام الحرب العالمية الثانية والإنجليز يحتلون مصر فأصبحت منطقة لابد من الدفاع عنها ضد الغزو الألماني الذي كان قادما عن طريق شمال إفريقيا ووصل عن طريق تونس وليبيا إلي العلمين بالساحل الغربي لمصر، وكلنا نعرف المعركة التي دارت هناك، وقتها أنشأ الإنجليز مركز تموين الشرق الأوسط لأنهم أحسوا أنه لكى يمكن الدفاع عن مصر لابد أن تكون مصر والشام معا، ويكونان نوعًا من أنواع التكامل الاقتصادي أثناء الحرب، وأيضا نوع من أنواع الدفاع المشترك.

 إذن لكي تدافع عن مصر حتى وأنت أجنبي لابد أن تضمن أين أرض الشام بالنسبة لك، فالوزير البريطاني اللورد موين -الذي كان مقيمًا في مصر وقتها- أرسل الصهاينة فردين لقتله، لأنه نظرًا للتوازنات اللازمة أثناء الحرب بدأ يأخذ سياسة لا تحقق الطموح الصهيوني كاملا فقتلوه في الزمالك بالقاهرة. إذن ارتباط مصر بهذه المنطقة ارتباط تاريخي ويستحيل التقليل من أهميته، وفيما عدا الحملة الفرنسية لم يتم احتلال مصر إلا عن طريق بوابتها الشرقية، حتى عندما حاول الإنجليز احتلال مصر عام 1882جاءوا عن طريق الإسكندرية ولم يستطيعوا فغيروا طريقهم ودخلوا عن طريق قناة السويس، بمعني إنهم جاءوا أيضا من الشرق.

مصر حقيقة هي متجانسة بل لديها قدر كبير من التجانس من أسوان حتى الإسكندرية، فلا يوجد فيها قبائل أو تكوينات طائفية أو إقليمية تتحدي هذا التجانس، وهذه ميزة في مصر ولكن بها عيب واحد هو أن أمعائها خارج جسمها، بمعني أن أمنها القومي كله خارج حدودها، فمصر لا تستطيع العيش إلا من خلال ضمان السودان وضمان حدودها الشمالية الشرقية، فهي تُحتل وتُغتصب ولا تستطيع أن تكون لها إرادة سياسية وطنية صادرة عن مصالح هذا الشعب إذا لم تكن مؤمنة من جانب حدوها الشمالية الشرقية وجانب السودان.

 وقد فهم الإنجليز ذلك وهم يحتلون مصر، ولكن السياسي الماهر -ويبدو أن السياسيين الاستعماريين كانوا مهرة بالفعل- فأحيانًا يفكر السياسي المحتل في ماذا لو اضطررت لإخراج قواتي منها؟ فكانوا يفكرون في كيفية احتلال مصر من خارج حدودها، ومصر بها هذه الخاصية فهي يمكن احتلالها عسكريا من خارج حدودها، وهي داخل حدودها لا يجوز احتلالها عسكريا، ولكن متى تُحتل عسكريا من الخارج؟ إذا وجدت قوة عسكرية استعمارية مناوئة لها أو تحت سيطرة أجنبية في السودان أو قوة عسكرية مناوئة واستعمارية في أرض الشام، فإن مصر تعاني من الضغوط على إرادتها الوطنية، مما يجعل من الصعب عليها أن تقيم هذه الإرادة صدورًا عن الصالح الوطني العام، ونحن عندما يكون هناك احتلال على الفور نطالب بإزاحته ونطالب بالجلاء، ولكن عندما يبدو هذا الجلاء قائمًا او يتحقق تبدأ على الفور الإملاءات الخاصة بالاعتبارات الأمنية المتعلقة بضمان هذا الاستقلال من خارج حدودها. ويقال لابد أن تكون لها سياسة خارجية ونحن نسميها خارجية لأنها خارج القطر المصري وهي متعلقة بتأمين هذا الوضع المتعلق بالشام أو المتعلق بالسودان.

وعندما قامت ثورة 23 يوليو 1952، وجدت أن موضوع السودان مشكلة فأرادت حله بشكل ما، وقد كانت هناك مشكلة في مصر والسودان، فقد كانت هناك إثارة لموضوع وحدة مصر والسودان ولكن القوة الوطنية الحاكمة أيامها لم تكن لديها سعة أفق بحيث تجعل تنظيماتها مصرية سودانية في نفس الوقت، فعندما تشكل الحزب الوطني تشكل من المصريين فقط دون السودانيين، وعندما تشكل حزب الوفد تشكل من المصريين دون السودانيين، وعندما تشكل جهاز الدولة كان دائمًا من المصريين فقط، فبأي حق يطلب المصريون الوحدة مع السودان والتكوينات المؤسسية الرسمية والأهلية لا تعكس هذا؟! ولقد كانت طموحات الحركة الوطنية المصرية أكثر من إمكانياتها المؤسسية وهى بتشكيلها المصري القح حكمت بانفصال مصر عن السودان.  

جهود ثورة 23 يوليو الحقيقة أنها حاولت أن تضمن باتفاقية السودان سنة 1953 ألا يكون السودان تابعا للإنجليز ويخير فقط بين الاستقلال الوطني أو الوحدة مع مصر، وبالطبع اختار الاستقلال الوطني، وعلي الفور بدأ الحكم الوطني هناك، وفي نفس الوقت نشأ السد العالي ليكفل لمصر القدرة علي حماية مياه النيل لعدة سنوات إذا حدث شيء يتعلق بهذه المياه، لأن قبل ذلك لم يكن لدينا السد العالي وكان لدينا خزان أسوان فقط، وخزان أسوان كان ينظم الري لمدة سنة زراعية فقط فلم يكن يحتمل تخزين مياه أكثر من ذلك، وكان هناك عدة خزانات في السودان، وبذلك كانت الخزانات السودانية تستطيع أن تتحكم في المياه المصرية زرعة بزرعة، فإذا لم يعطني حجم المياه المطلوبة في شهر يونية مثلا لزراعة الأرز لن أستطيع زراعته، فالوضع كان يشبه وجود صنبور يستطيع إغلاق المياه في أي وقت، ولذلك نجد أن مفتشين الري المصريين دائمي الوجود في السودان وقتها، فالسد العالي كفل لمصر الحماية فيما يتعلق بالمياه لعدد من السنوات القليلة، تستطيع إدارة أمورها ويطول به نفسها حتى تستطيع تدارك أمرها في هذا الشأن، كان هذا بالنسبة للسودان.

 بالنسبة للوضع الثاني، كانت هناك فلسطين وظهور الدولة الصهيونية بها، ولذلك أول اتفاقية تمت لثورة 23 يوليو كانت اتفاقية دفاع مشترك الخاصة بجامعة الدول العربية. كانت هناك اتفاقية تمت في سنة 1951، ولكن تمت اتفاقية أخري سنة 53 للدفاع المشترك بين سوريا ومصر والسعودية أيام الملك عبد العزيز، وبحس عسكري لابد أن يكون لديك دفاع مشترك ليس فقط من أجل الوحدة الوطنية والقومية العربية، ولكن لأنه لابد أن يكون هناك خط دفاع موجود بالنسبة لهذه البلاد وخاصة مصر والشام، ومن هذا الوقت وحتى اليوم لم يحدث قط أن اتفقت السياسة المصرية مع السياسة السورية والسعودية أبدًا، فدائما تأتي مصر مع سوريا فتفلت السعودية، وإذا جاءت مصر مع السعودية تفلت سوريا، وكل هذا يؤدي إلي استمرار التبعية والخضوع والهيمنة ومن أجل ذلك نتكلم عن فلسطين.

 وأنا أري أنه من العيب أن نقول مصر أولاً، فهذا الكلام غير منطقي فالأمن أهم من الطعام، وليجرب كل منا يخاف أم يجوع؟ فالخوف أشد وطأة على الإنسان من الجوع، الإنسان يفقد قدرته وإنسانيته عند الخوف وليس عند الجوع، فمع الجوع يستطيع المقاومة ويستطيع تدبير نفسه أما مع الخوف فلا، إذن هذه الأمور تتعلق بالأمن وليست متعلقة حتى بالرخاء.

 

النقطة الثانية المتعلقة بالحرب الأخيرة في غزة، أنها الحرب الثانية عشرة في سلسلة من الحروب المتواصلة من 1948- 2008 أي علي مدار ستين سنة، و أنا أقوم بحساب الحروب الأمريكية مع الحروب الإسرائيلية علي أساس أنهم كتلة واحدة، فليس هناك سياسة في العالم توحدت بين دولتين مثل هذا التوحد اللصيق الذي لا ينفصم أبدا كما توحدت السياسة الأمريكية والإسرائيلية، وسنجد أن السياسة الأمريكية علي مدي هذه السنوات الطويلة قد تغيرت، مع الاتحاد السوفيتي وبعد ذلك مع مجيء روسيا تغيرت أيضا، وتغيرت أيضا مع الصين من عدم الاعتراف بها ثم الاعتراف بها ثم قيام علاقات مع سلام بارد، وتغيرت أيضا مع الهند وباكستان كما تغيرت أيضا مع دول كثيرة في أمريكا الجنوبية، يتم إذن تعديل السياسة حسب الظروف والأحوال فيما عدا هذه العلاقة المتعلقة بالأمريكان والصهاينة فلم تتغير أبدًا، فهذه سياسة ثابتة مستقرة علي مدي هذه السنين لم يحد سياسي أمريكي عنها، لا جمهوري ولا ديموقراطي، لا أيزنهاور ولا كلينتون ولا أوباما ولا غيرهم. إذن من حقنا أن نعتبر أن حروبهم واحدة، خصوصًا أننا نجد أن المصلحة ليست مشتركة فقط ولكنها متحدة بين إسرائيل وبين السياسة الأمريكية الثابتة المستقرة، وعندما نضع هذا في اعتبارنا سنجد أنها 12 حرب بالفعل، وهي كالآتي:

  • حرب 1948.
  • حرب 1956.
  • حرب 1967.
  • حرب الاستنزاف التي تمت بين مصر وإسرائيل بين الحربين السابقة واللاحقة.
  • حرب 1973.

وهذه الحروب الخمسة كانت مصر مشاركة فيها بل كانت المقاتل الرئيسي فيها، وانتهت بحرب 73 فلم تعد مصر تحارب.

وجاءت بعد ذلك سبعة حروب هي:

  • حرب 1982اجتياح لبنان.
  • انتفاضة 1987 الفلسطينية في أرض فلسطين.
  • حرب الأمريكان في الكويت والعراق سنة 1991.
  • انتفاضة عام 2000 الفلسطينية في أرض فلسطين.
  • حرب العراق سنة 2003.
  • حرب لبنان 2006.
  • حرب غزة 2008.

إذن هناك 12 حرب علي مدي ستين سنة، أي بمتوسط حرب كل خمس سنوات. إذن هي حرب واحدة ووقائع متسلسلة، هي حرب واحدة ومستمرة ولذلك هناك عدو إستراتيجي أمامنا، إذا نظرنا لمعاركه سنجدها تتنقل: مصر ثم لبنان ثم تنتقل إلى العراق والكويت، وغرب سوريا مازال محتلا حتى الآن. إذن العدو هنا يوحدنا ونحن لا نتعظ ولا نتوحد، ولذا من حقنا أن نعتبر أن هذه الحرب هي مواجهة إستراتيجية على مدي طويل، ونحن أحيانا نجد بعض المسئولين يقول أن العلاقة بيننا وبين أمريكا هي علاقة تحالف إستراتيجي!! والحقيقة أنني أجد هذا الكلام غريبا جدًا فهل من الممكن أن تقيم تحالف إستراتيجي مع عدو إستراتيجي؟!!

 إذن هناك 12 حرب علي مدي ستين سنة، أي بمتوسط حرب كل خمس سنوات. إذن هي حرب واحدة ووقائع متسلسلة، هي حرب واحدة ومستمرة ولذلك هناك عدو إستراتيجي أمامنا، إذا نظرنا لمعاركه سنجدها تتنقل: مصر ثم لبنان ثم تنتقل إلى العراق والكويت، وغرب سوريا مازال محتلا حتى الآن. إذن العدو هنا يوحدنا ونحن لا نتعظ ولا نتوحد، ولذا من حقنا أن نعتبر أن هذه الحرب هي مواجهة إستراتيجية على مدي طويل، ونحن أحيانا نجد بعض المسئولين يقول أن العلاقة بيننا وبين أمريكا هي علاقة تحالف إستراتيجي!! والحقيقة أنني أجد هذا الكلام غريبا جدًا فهل من الممكن أن تقيم تحالف إستراتيجي مع عدو إستراتيجي؟!!

 النقطة الثالثة وهي الحروب النظامية والمقاومة الشعبية، هل إسرائيل تشكل احتلالاً للإرادة المصرية من خارج الحدود المصرية؟ حروبنا مع إسرائيل دائما حروب تحرير، وبمعني آخر أن العدوان علينا دائما من إسرائيل، ففي حرب 48 العدوان علي فلسطين، وفي 56 العدوان علينا في مصر، وفي 67 العدوان علينا أيضا، وفي 73 وقبلها حرب الاستنزاف حروب تحرير الأرض المصرية، وفي هذه الحرب يدخل الشأن المصري بشكل أكبر، إسرائيل لديها مدد سلاح وتنظيم وعلوم وتكنولوجيا من أمريكا والغرب لا ينقطع، وأيضا إمكانيات اقتصادية ضخمة. المقاومة ضد أي احتلال عسكري من دولة كبري بجيش نظامي محكوم عليه بالفشل، هذه نقطة محسومة حتى لو نظرنا إليها من أيام محاربة أحمد عرابي للاحتلال الإنجليزي وفشله.

 الحروب النظامية تكون بين دول متعادلة من ناحية القوة العسكرية، الوسيلة الأساسية لمقاومة الاحتلال العسكري من دولة كبري هي المقاومة الشعبية، والمقاومة الشعبية لا تعتمد على القوة الخاصة بالجيوش ونظمها والأسلحة التي لديها وقوتها النظامية والاقتصادية. يدافع المحتل عن مصلحة والمقاومة تدافع عن وجود وعن حرية، المصلحة أقصر نفسًا من الوجود وأقل ضرورة منه، وهذا يجعل المقاوم أطول نفسًا؛ لأنه لن يتوقف فهو يدافع عن وجوده، الذي يدافع عن مصلحته إذا جعلته يشعر أنه لا يحققها وإذا جعلته يشعر أنها تؤدي به إلى الخسارة وليس إلى النفع انتهت آماله، ولذا نجد أن الفيتناميين –رغم صغر حجم ومساحة فيتنام- غلبوا الولايات المتحدة، ونجد أن الصين بالرغم من إنها كانت فقيرة جدا غلبت الاحتلال الياباني، الجزائريون أيضا غلبوا الفرنسيين.

 ما قامت حرب تحرير شعبية إلا وانتهت بالنصر علي المعتدي، وقديما كانوا يقولون حين تسقط العاصمة تسقط البلد، ذلك في التاريخ الوسيط، واستمرت هذه القاعدة موجودة حتى اليوم ليس عن طريق العاصمة ولكن عن طريق الجيش النظامي، إذا غلب أحد الجيشين الآخر في معركة نظامية حاسمة تسقط الدولة. أول شرط في المقاومة الشعبية هو تفادي المعارك الحاسمة، حتى في الكتب الخاصة بحرب العصابات يقولون إذا تابعك العدو تجري وتهرب، وإذا تقدم تقهقر، وإذا توقف ناوشه، وإذا استقر فاضربه، وتفادي المعارك الحاسمة، وبهذا الشكل لن يستطيع هو أن يدخل معك في معركة حاسمة، وهذه الحروب تحتاج إلي تضحيات ولذلك نجد أن أعداد الخسائر البشرية في المقاومة الشعبية كثيرة جدا. إذن المقاومة الشعبية تعتمد علي تقديم تضحيات بشرية ضخمة وتتفادى المعارك الحاسمة وتجعل العدو دائما قلقًا وغير مستقر.

 وسنضرب مثلا علي ذلك بالحركة الشعبية في مصر سنة 1951 عندما قويت جدا فقرروا إلغاء المعاهدة مع الإنجليز والتي تمكنهم من الوجود العسكري المشروع في مصر، وجاء مصطفي النحاس وأعلن إلغاء المعاهدة، فأصبح الوجود الإنجليزي في مصر غير مشروع، وراحت الناس تتنادي لعمل مقاومة شعبية، وأخذت الأحزاب تعمل علي ذلك قدر طاقتها، وكنا طلبة في ذلك الوقت، وكان هناك معسكر داخل الجامعة –بعلم وموافقة عبد الوهاب مورو رئيس الجامعة وتحت نافذة مكتبه- لتعليم الطلاب استخدام السلاح وكيفية إلقاء القنابل اليدوية والرماية، وكان يقوم بذلك أفراد يرتدون اللون الكاكي، وكانت هناك معسكرات مثل هذه في كثير من الأماكن، وشعر الإنجليز أن ذلك سوف يتزايد وينمو أكثر مع الوقت ويكتسب خبرات وما إلي ذلك، فقاموا بعمل مذبحة البوليس في الإسماعيلية لكي يستدرجوا الدولة وتكون معركة حاسمة وينتهي الأمر، ولكن طالما المسألة بين الشعب والمحتل فلن يستطيع التصرف، أما عندما تكون مع الدولة، يستطيع الضرب وإنهاء الموضوع. كان ذلك يوم 25 يناير وبالفعل قتلوا الكثير من أفراد البوليس المصري في المقر الخاص بهم في الإسماعيلية، وقامت بعد ذلك ثورة 23 يوليو وألغت الأحزاب وأصبحت الدولة فقط، والإنجليز محتلين غير معترف بهم، فهل سيستمر الدفاع الشعبي والتدريب العسكري في الجامعات بالطبع لا، والجيش النظامي لن يستطيع، ولكن حكومة الثورة حكومة وطنية وتريد إخراج الإنجليز بالفعل فماذا تفعل؟ فخلع لابسي الكاكي زيهم وارتدوا الملابس العادية وقاموا بعمل مقاومة شعبية وظلوا مرتبطين بالجيش في نفس الوقت.

ونجد من قاموا بتشكيل أجهزة الأمن بعد ذلك ينتمون إلى نفس العناصر مثل كمال رفعت، وبذلك تكون المقاومة الشعبية تكونت من ناس مرتبطين بجهاز الدولة دون أن يكونوا من جهاز الدولة، وكسبت هذه المقاومة وحدثت اتفاقية 1954 وما حدث في التاريخ بعد ذلك، وبدأ التفكير في تطبيق هذه الخطة فيما يتعلق بفلسطين، وجري تنفيذ ذلك عن طريق غزة والتي كانت تحت الإدارة المصرية وبالفعل كان الأفراد يخلعون الكاكي ويرتدون الملابس المدنية ويقومون بتدريب الناس علي استخدام الأسلحة، تنبهت إسرائيل إلي ذلك فقامت بتوجيه ضربات مؤلمة للجيش المصري في سيناء لكى تستدرج الدولة وجيشها النظامي، ومع كون الحكم في مصر حكم عسكري فضرب الجيش لا يجوز ويعتبر إهانة، وبذلك نجحت إسرائيل في إجبار مصر علي الدخول في حروب نظامية في صراعها مع إسرائيل، فبوجود حكم عسكري يعتمد علي الدولة لا يمكن أن يتم ضرب الجيش ويتعامل مع الموقف عن طريق المقاومة الشعبية.

 ومنذ ذلك الوقت بدأت الحروب النظامية ضد إسرائيل. ومن الانصاف القول أنه كان محكوما عليها أن تكون كما حدثت بالضبط، فأنت بالفعل تحارب أمريكا؛ أقوى قوة عسكرية منظمة في العالم بكل ما فيها من أسلحة وتكنولوجيا وكل ما فيها من علوم ومخترعات حديثة. إذن الحروب النظامية هنا لن تصلح، ولذلك الشيء الإيجابي الوحيد الذي تم من أيام الرئيس السادات قوله أن حرب 73 هي آخر الحروب بالرغم من إنه كان يقصد أن بعد ذلك سيكون هناك سلام، بالطبع السلام لم يتحقق ولن يتحقق طالما أن هناك إسرائيل توسعية بهذا الشكل الذي نراه، ولكن وجه الصواب في هذه المقولة هو أن حرب أكتوبر 73 ستكون آخر الحروب النظامية؛ لأن بعدها سيتجه الأمر إلي الكفاح الشعبي والمقاومة الشعبية، وتمثل ذلك في الدول التي ليس بها سلطة مركزية قوية، لأن السلطة المركزية القوية لا تقبل أن تكون لديها مقاومة شعبية قوية خارجة عن سيطرتها، ولذلك نشأت المقاومة الشعبية في لبنان حيث الدولة ضعيفة وفي فلسطين حيث لا دولة، وفي الصومال أيضًا. فكلما كانت الدولة ضعيفة كلما كانت المقاومة قادرة على الوجود المستقل وقادرة على التنفس، وهذه معضلة لن نستطيع حلها قريبًا.

 

النقطة الرابعة تتعلق بالمقاومة في فلسطين، وفلسطين كانت مجتمعًا بشريًا مثل كل المجتمعات التي خلقها الله في العالم، بمعني مجتمع مستقر وضعه، فيه طوائف وطبقات ودولة وفئات مختلفة وأيضا قبائل وأسر وقري وحواضر، وبدخول الصهاينة ومع التشتيت والتهجير والضرب والتقتيل تمزقت البنية الاجتماعية داخل فلسطين، فلم تعد الأسر متجانسة ومترابطة، ولم تعد هناك علاقة بين الطبقات فأصبح المجتمع مهلهلاً، وبذلك أصبح المجتمع ركام يعيش أهله في الملاجئ والمخيمات وتوزعوا علي البلاد العربية، وبعضهم ذهب إلى أمريكا وباقي دول العالم. وبظهور فتح احتاج المجتمع إلي عشرات السنين لكي يتجمع مرة أخري ويظهر ويكون له تكوين سياسي، وكان ذلك أساسا في المهجر، إذ بدأت التركيبات الضخمة للفلسطينيين في المهجر في التجمع مع بعضهم البعض وكان يجب أن يمر وقتٌ طويل حتى يتجمّع المجتمع من جديد ويستقر.

وفي ذلك الوقت كانت منظّمة التحرير الفلسطينيّة تمثّل للفلسطينيّين رمز الوطن، ورمز الانتماء للوطن، أي أنّها كانت بمثابة وطن تصوّري، أنت لست في بيتك أنت في بلد عربي، وبحكم تنقّلها بين عدّة أقطار عربيّة أخذت المنظمة طابع الدولة التي تتخذها مقرًا لها، لم تكن المنظمة مستقلة في سياساتها ولكن من حسن الحظ كان لدينا حكومات وطنية مثل مصر وسوريا، ولم يكن متاح للمنظمة  إلا أن تخضع لتوازنات البلاد العربية وتعمل في إطار هذه التوازنات، حتى إنه يمكن قراءة ملامح السياسة للأقطار العربية ذات التوجّه الاستقلالي من خلال المنظمة، ولم يكن للمنظمة إلا ذلك فلم يكن لها استقلال، ولما انهارت هذه الحكومات الوطنية بدأ الاستقلال يقع وبدأت سياسات أخرى تظهر، فوقعت أحداث أيلول الأسود في الأردن.

 وقد تنبّه لهذا الأمر ياسر عرفات فكان يخشى على المنظمة من أن تُستوعب في الدولة التي تقيم فيها، ومن هنا كان دائمًا يرفع شعار: منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وعندما اختفى التوجه الاستقلالي للبلاد العربية بدأت الحركة الفلسطينيّة تنتقل من الخارج إلى الداخل؛ أي إلى داخل أرض فلسطين المحتلة، وبدأت منظمة التحرير الفلسطينيّة تتحول من "وطن" إلى "تنظيم"؛ لأن الوطن قد صار متحققًا في الأرض المحتلة ذاتها.

 

 وبدأت تظهر قوة الداخل الفلسطيني، وفوجئنا في عام 1987 بظهور أطفال الحجارة، حين قام أطفال لا تزيد أعمارهم على 15 و16 سنة بحمل الحجارة ورميها على الإسرائيليين.

 وهنا بدأ الداخل الفلسطيني يتحرك، وبدأ مركز الحركة الفلسطينية ينتقل من الخارج إلي الداخل ويعمل وهذا ما أدركه ياسر عرفات، ففي البداية كان يخشي من الأردن وكان يقول أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في مواجهة ألا يتم استيعابها من الأردن، وعندما بدأت حركة الداخل أصبح هذا الشعار في مواجهة الداخل، حتى لا يكون الداخل هو الممثل لأن الداخل أصبح أكثر كفاءة وأكثر قدرة علي الاستقلالية من ضغوط الخارج عليه، كما أصبح أكثر قوة علي إنقاذ نفسه من التوازنات الخاصة بالحكومات العربية وبالمنطقة العربية وإخراج نفسه منها، وأيضا يستطيع فرض سياسة خاصة به في حدود إمكانياته، كل ذلك لا يقدر عليه عرفات وهو بالخارج، فأصبحت مشكلته مع الداخل، بعدما كان الخطر أن تقضي عليه دول أخري، أصبح الخطر أن بقضي علية الداخل، وبذلك تتحول المنظمة من ممثل وطن إلي تنظيم، ولذلك بدأ يأخذ سياساته في مواجهة الداخل الفلسطيني. كارل ماركس له كلمة في سياق النظرية الماركسية فهو يقول: أن الطبقة البرجوازية تظل وطنية حتى تجد الطبقة العاملة قد أخذت تنمو وتكبر واستشعرت خطرها فلا تبقي الطبقة البرجوازية وطنية.

 وإذا استبدلنا طرفي نظرية كارل ماركس بالداخل والخارج سنجد الصورة كالآتي: أن أهل الخارج كانوا وطنيين حتى بدأ أهل الداخل منازعتهم الأمر فبدؤوا في تأكيد علاقتهم بالخارج ضد الداخل وهنا المشكلة. ونحن نري أن كل قوي المقاومة، سواء كانت حماس أو الجهاد أو الجبهة الشعبية، تعتمد أساسا علي المواطنين داخل فلسطين في الضفة وغزة، وعمومًا هذه المشكلة سنجدها عندما نتحدث في أي موضوع يتعلق بتنظيمات سياسية وانشقاقات عن هذه التنظيمات، فحيثما توجد تنظيمات سياسية بها من يحمل السلاح وبها أيضا السلميين سوف يدب نوع من أنواع الصراع بين الاتجاهين، وحيثما يوجد أهل داخل وأهل خارج سوف يدب الصراع بين هؤلاء وأولئك، وذلك لأن الرؤية مختلفة والأوضاع مختلفة والإمكانيات مختلفة والأدوات التي يستخدمونها أيضًا مختلفة، وبالطبع كل ذلك يؤدي إلي اختلافات في السياسات المقترحة.

__________________________

المصدر: طارق البشري، العدوان على غزة ... الحرب الثانية عشر، افتتاحية حولية أمتي في العالم، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، العدد 9، 2009، ص: 7- 13نص تفريغ محاضرة المستشار طارق البشرى " العدوان على غزة" التي عقدت في مركز الحضارة للدراسات السياسية بالقاهرة في 4 فبراير 2009، https://2u.pw/dWegmrV