لا شيء يعتم الرؤية ويُوقع في التيه الوجداني والضلال الفكري كالأسئلة المزيفة. الأسئلة المزيفة هي، كأسئلة الأطفال، أسئلة تطرح مشكلات مزيفة يعيشها الوعي على أنها مشكلات حقيقية، وخطورة السؤال المزيف تكمن في أنه يستدعي جوابًا مزيفًا يثير بدوره مشكلة أو مشكلات مزيفة. ذلك أنه ما من سؤال يطرح إلا ويحمل معه مشروع جواب. وعندما يطرح السؤال في صيغة زوج تقابلي مثل: "هل الإسلام دين أم دولة؟" فإنه يضع المسؤول، وبالتالي الفكر، أمام قسمة عقلية ثنائية محصورة، مما يفرض أحد أمرين، إما: "الإسلام دين لا دولة"، وإما: "الإسلام دين ودولة". أما الاحتمال الثالث، أي "الإسلام دولة لا دين"، فهو احتمال غير وارد، لأن الإسلام، بالتعريف دين والأسئلة المزيفة هي، في الغالب، أسئلة لا تستمد إشكاليتها من الواقع، بل هي تعبر عن إشكالية فكر حالم، أو فكر مجرد ميتافيزيقي، أو تطرح في مجال معين مشكلة تستقي مضمونها وتحديداتها من مجال آخر. والثنائية التي نحن بصددها، ثنائية "الدين والدولة"، في الفكر العربي الحديث، هي من هذا النوع الأخير من المشكلات. ذلك أن السؤال "هل الإسلام دين أم دولة؟"، سؤال لم يسبق أن طرح قط في الفكر الإسلامي منذ ظهور الإسلام وحتى أوائل القرن التاسع عشر، وإنما طرح ابتداءً من منتصف ذلك القرن بمضمون لا ينتمي إلى التراث الإسلامي، مضمون نهضوي يجد أصوله وفصوله في النموذج الحضاري الأوروبي الذي كان العرب وما يزالون يطمحون إلى تحقيقه في أوطانهم، وبالخصوص ما يتعلق منه بالتقدم والنهضة.
نعم، إن المشكلات لا تقبل النقل من مجال إلى مجال إلا إذا كان هناك في المجال المنقولة إليه ما يجعل عملية النقل تلك مبررة نوعًا من التبرير، بمعنى أن التأثيرات الخارجية لا يكون لها مفعول إلا مع وجود استعداد داخلي، مسبق. ومع ذلك فالمنقول، حتى في هذه الحالة، سيظل غريبًا شاذًا، يثير المشكلات ويتسبب في احتكاكات واصطدامات داخل المنقول إليه، ما لم تتم تبيئة هذا الأخير تبيِئة تامة ملائمة ناجحة. ومشكلة "العلاقة بين الدين والدولة" كما نقلت إلى فضاء الفكر العربي، في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، لم تتم بعد تبيئتها تبيئة ملائمة في الواقع العربي، الفكري والحضاري، كي تصبح معبرة بالفعل عن همومه وتطلعاته، وليس عن هموم وتطلعات الواقع الأوروبي الذي نقلت منه.
سنحاول إذن أن نعمل على التحرر من حبائل السؤال المزيف، وذلك بوضعه هو نفسه موضع السؤال، حتى إذا جردناه من عناصر التزييف أمكن طرحه حينئذ بالصيغة التي يكون بها معبرًا عن الواقع العربي: عن معطياته الخاصة الماضية والحاضرة، وعن مطامح الأمة العربية وتطلعاتها المستقبلية. ومن أجل هذا الغرض سنتناول الموضوع على أربع مراحل، نطرح في كل منها مستوى من مستويات المشكل، كما طرح ويطرح في الفكر العربي الحديث والمعاصر: سننظر أولًا في الكيفية التي يجب أن تطرح المسألة بها داخل المرجعية التراثية حتى يمكن أن يكون لها جواب مستمد من هذه المرجعية نفسها، ثم نعرض ثانيًا لتحليل العناصر التي يتحدد بها الجواب الذي تقدمه هذه المرجعية، ثم ننظر ثالثًا في الكيفية التي طرح بها المشكل في المرجعية النهضوية العربية الحديثة والمعاصرة، ثم نعرض رابعًا وأخيرًا لعلاقة المسألة بالواقع العربي الراهن وآفاق مستقبله.
ولنبدأ بطرح المسألة على المستوى الأول، واضح أن هدفنا هنا ليس القيام بتحليل أكاديمي، وإنما هدفنا تأطير الموضوع تأطيرًا يسمح بتوفير حد أدنى من الفهم والتفهم والتفاهم، اقتناعًا منا بأن من أهم عوائق التواصل والتفاهم بين تيارات الفكر العربي المعاصر انغلاق كل منها داخل مرجعيته الخاصة وانشداده المطلق إليها ونفي كل ما عداها، إما بجهله أو تجاهله، وإما بتصنيفه تصنيفًا إيديولوجيا، بالمعنى الذي تكون فيه الإيديولوجيا هي "آراء خصمي".
المرجعية التراثية لموضوع "الدين والدولة" تتكون من التاريخ الإسلامي السياسي والفكري الرسمي منه بصفة خاصة، منذ ظهور الإسلام إلى أوائل القرن التاسع عشر. إنها الفترة التي كان الإسلام فيها يشكل عالمًا حضاريًا يكفي نفسه بنفسه لا يعرف من المشكلات إلا ما نشأ فيه ووجد حلولا من داخله.
هذا العالم "المغلق"، المستقل بنفسه المتسع لمشكلاته، هو الذي يفكر داخله وبواسطة معطياته قسم كبير جدًا من مثقفي الوطن العربي، ليس الشيوخ والعلماء منهم فحسب، بل الشبان والمثقفون أيضًا. والمبدأ المؤسس لهذه المرجعية والمتحكم في توجيهها هو أن كل ما يوضع في مقابل الإسلام فهو ليس من الإسلام. وبخصوص الثنائية التي تعنينا هنا، ثنائية الدين والدولة، فإنها إذا طرحت بمضمونها الأصلي، الأوروبي، الذي يفيد المطالبة بفصل الدين عن الدولة، إنها إذا طرحت بهذا المضمون في مرجعيتنا التراثية تلك، فإن هذا الطرح سيفهم حتما على أنه "اعتداء على الإسلام" ومحاولة مكشوفة لـ "القضاء" عليه!
لماذا؟
للجواب على هذا السؤال، جوابًا مثمرًا، يجب تجنب الاتهامات المجانية من قبيل الرمي بالتعصب وضيق الأفق إلخ، فضررها أكثر من نفعها، فضلًا عن كونها تنم عن عدم فهم، أو على الأقل عن عدم تفهم لمحددات تفكير من يصدر عن المرجعية التراثية. لننظر إذن إلى الكيفية التي تفهم بها عبارة "فصل الدين عن الدولة" داخل مرجعيتنا التراثية، المرجعية التي لا تحتمل هذه الثنائية (ثنائية دين/ دولة)، لأنه لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي بمجمله "دين" يميّز أو يقبل التمييز والفصل عن الدولة، كما لم يكن هناك قط "دولة" تقبل أن يفصل الدين عنها. فعلا كان هناك حكام اتهموا بالتساهل في أمر من أمور الدين كالجهاد أو مقاومة البدع إلخ، ولكن لا أحد من الحكام في التاريخ الإسلامي استغنى، أو كان في إمكانه أن يستغني، عن إعلان التمسك بالدين، لأنه لا أحد منهم كان يستطيع أن يلتمس الشرعية لحكمه خارج شرعية الإعلان عن خدمة الدين والرفع من شأنه وتطبيق أوامره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي، في أي عصر من عصوره، مؤسسة خاصة بالدين متميزة من الدولة: فلم يكن الفقهاء يشكلون مؤسسة، بل كانوا أفرادا يجتهدون في الدين ويفتون فيما يعرض عليهم من النوازل أو تفرزه تطورات المجتمع من مشكلات.
وهكذا، فعبارة "فصل الدين عن الدولة" أو فصل الدولة عن الدين ستعني بالضرورة، داخل المرجعية التراثية، أحد أمرين أو كليهما معًا: إما إنشاء دولة "ملحدة". غير إسلامية، وإما حرمان الإسلام من "السلطة" التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام. والحق أنك يمكن أن تنجح في إقناع من يفكر من داخل المرجعية التراثية وحدها بأن الأمر لا يتعلق قط بإنشاء دولة ملحدة ولا بنزع الصبغة الإسلامية عن المجتمع، ولكن اقتناعه لن يتجاوز "الصمت"! ويمكن أن تحلف له بأغلظ الأيمان بأن المقصود ليس هو هذا ولا ذاك، ولكنه سيكتفي في الغالب بالقول: "الله أعلم"، ويسكت! ولكنك لا تستطيع أبدًا أن تقنعه بأن "فصل الدين عن الدولة" ليس معناه حرمان الإسلام من "السلطة" التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام.
ذلك لأن معنى "الدولة" المستقر في ذهنه هو السلطة التي عليها أن تتولى تطبيق الشريعة. وهذا شيء يختلف تمام الاختلاف عن مفهوم الدولة في الفكر الأوروبي الحديث الذي يشكل مرجعية للفكر النهضوي/ الليبرالي العربي في الفكر الأوروبي: الدين مسألة شخصية، والكنيسة ليس من مهمتها أن تطبق شريعة، لأن الدين المسيحي لا يتضمن أحكامًا شرعية كالأحكام الشرعية في الإسلام. أما دور الكنيسة فهو أن تضع قانون الإيمان"، وهذا دور أعطته لنفسها يوم أن قامت بعد قرون من وفاة السيد المسيح، فاستبدت بهذا الأمر وأغلقت باب الاجتهاد" في الدين إلى الأبد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى شتان ما بين "قانون الإيمان" الذي شاغله المركزي هو قضية "التثليث" (كيف يفهم المؤمن المسيحي أن الله ثالث ثلاثة، أو ثلاثة في واحد!) وبين شرع يفصل بين الواجب والممنوع وبين المستحب والمكروه والمباح، ويدرج كل وقائع الحياة الروحية والمادية تحت هذه الأحكام الخمسة. الدولة في المسيحية وجدت قبل مجيء الدين، فوضعت هي نفسها القوانين التي تحافظ على وجودها وعلى نظام معين للحياة في المجتمع. ولما اقتضت مصلحتها اعتناق الدين (المسيحية) فعلت ذلك، فأدمجته في جسمها. أما في التجربة الحضارية العربية الإسلامية فالدين كان أولًا، وقد تطور إلى دولة. والدين في الإسلام أعطي أولًا "قانون الإيمان" (أي العقيدة وهي موضوع "علم التوحيد")، وهذا حدث في مكة خاصة. وأعطى ثانيًا "قانون المجتمع" أي الشريعة، وهذا حصل في المدينة مساوقًا لتطور الدعوة إلى مجتمع ودولة. ومن أجل مساوقة التطور الذي هو سنة الحياة، أبقى الإسلام باب الاجتهاد مشرعًا على مصراعيه: الاجتهاد في العقيدة (علم الكلام) والاجتهاد في الشريعة (علم الفقه).
تلك حقائق يجب ألا يهملها أو يهرب منها، لا الليبرالي ولا النهضوي ولا القومي ولا الماركسي، بل يجب أن يكون لكل منهم اجتهاده فيها كما للسلفي رأيه فيها. ولا معنى لأي اجتهاد فيها ما لم يكن يتحرك داخل الإسلام والمحور المركزي الذي يدور حوله، داخل الإسلام، كل ما يتعلق بهذه القضية، قضية الدين والدولة، هو ما عبرنا عنه من قبل بالقول: إن الدين الإسلامي يشتمل على أحكام يجب أن تنفذ، وأن الدولة هي "السلطة" التي يجب أن تتولى التنفيذ.
لقد شرحنا في المقالات الأخيرة مسألة الأحكام في الإسلام: الأحكام والأخلاق، الحدود وشروط تطبيقها إلخ. ويبقى من الضروري البدء هنا بالتمييز بين السلطة المنفذة للأحكام الشرعية وبين الهيئة الاجتماعيــة المسماة: الدولـــــــــــــــــــــــــــة.
وإذن فالسؤال الذي انطلقنا منه، سؤال "هل الإسلام دين ودولة" والذي يكرس ثنائية مزيفة تطرح جوابًا مزيفًا، يجب أن نعيد صياغته لكي يتحول إلى سؤال صحيح يفتح أمام الفكر إمكانيات للإدلاء بأجوبة إيجابية من داخل التجربة الحضارية الإسلامية. والصياغة التي تقترحها تضع كلمة "أحكام" مكان كلمة "دين"، وكلمة "سلطة" مكان كلمة "دولة"، هكذا: "هل الإسلام أحكام شرعية أم سلطة مكلفة بتنفيذها؟".
فكيف ينبغي أن نفهم هذه الصيغة الجديدة لهذا السؤال؟