حول المقترحات البريطانية المعروضة على مصر بشأن الامتيازات الأجنبية

By أ. د. عبد الرزاق أحمد السنهوري كانون1/ديسمبر 16, 2023 944 0

يمثل هذا البحث مقدمة العلامة الفقيه د. عبد الرزاق السنهوري لكتاب "الامتيازات الأجنبية" للأستاذ محمد عبد الباري الصادر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، سلسلة المعارف العامة، مطبعة الاعتماد بمصر، 1348هـــ/ 1930م.

ومما جاء في مقدمة هذا البحث:

أحسنت لجنة التأليف والترجمة والنشر في أن تضم إلى مجموعتها القيمة كتابًا في الامتيازات الأجنبية، وأحسن مؤلف هذا الكتاب في معالجة موضوع من الموضوعات الحيوية التي تؤثر في حياة مصر الاجتماعية والاقتصادية، وأحسن كل من اللجنة والمؤلف في اختيار هذا الظرف لنشر هذا الكتاب القيّم. فحديث الامتيازات الأجنبية، جدير أن يشغل كل مفكر في هذا البلد لا سيما في الوقت الحاضر والمقترحات البريطانية معروضة على البرلمان المصري، وتعديل نظام الامتيازات الأجنبية مسألة من المسائل الأساسية في هذه المقترحات.

ولست أتردد في أن أقدم لجمهور القراء هذا الكتاب الجدير بالعناية، بعد أن بذل المؤلف في كتابته مجهودًا موفقًا، استطاع من ورائه أن يبسط لأبناء وطنه، بعبارة طلية شيقة، ما هي هذه الامتيازات التي يتمتع بها الأجانب في مصر من عهد قديم، وما نشأ عن هذه الامتيازات، أو بالأولى عن التعسف في استعمال هذه الامتيازات، والتوسع فيها توسعًا يتناقض مع المعاهدات والعرف الدولي، من الأضرار بمصالح مصر القضائية والاقتصادية، وما أدت إليه من انتقاص لسيادة الدولة المصرية، وإخلال بميزان المساواة بين المصريين والأجانب، فبعد أن كان الأصل أن صاحب البلد يمتاز على الأجنبي، انقلبت الآية في مصر، وأصبح الأجنبي هو الممتاز، والمصري هو الذي ينادي بوجوب المساواة بينه وبين الأجنبي.

وقد بيّن المؤلف بوضوح أن استناد الامتيازات الأجنبية إلى "العادات المرعية"، بجانب المعاهدات الدولية لا أساس له في القانون، وإنما هو كما يقول "نتيجة الأمر الواقع المبني على التحكم من جانب الغربيين، وعلى التفريط والإهمال من الجانب المصري".

وذكر بإسهاب جميع الأدوار التي مرت بها محاولات الخديوي إسماعيل ووزيره نوبار لتعديل نظام هذه الامتيازات تعديلاً يجعلها أقل إجحافًا بمصالح الدولة المصرية والرعايا المصريين حتى انتهت هذه المحاولات إلى إنشاء المحاكم المختلطة، وكان دقيقًا في بيان الاخطاء التي ارتكبتها مصر في فترة المفاوضات، وإن كنّا نرى أن هذه "الأخطاء" قد أُجبر عليها المتفاوضون المصريون من جراء تشدد الدول، لا سيما الدولة الفرنسية في التمسك بامتيازاتها، ولم يكن لدى مصر في ذلك الحين من القوة ما تستطيع به أن تلزم الدول الحجة، وتقنعها بعدالة مطالبها. وقد سلم المؤلف نفسه بأن الظروف ربما كانت لا تساعد على تجنب هذه الأخطاء فهي مهما كانت عظيمة "فإنها قضت على جزء عظيم من أسباب الفوضى القضائية بمصر، ووضعت أساسًا قويًا لعدالة محترمة كان لها فضل كبير في قيام صرح البلاد الاقتصادي ببعث الثقة في نفوس المتعاملين الأجانب قبل المصريين".

ثم أشار المؤلف إلى موقف إنجلترا إزاء الامتيازات الأجنبية بعد احتلالها للبلاد، فبيّن كيف أنها لم تقف في سبيل هذه الامتيازات، بل تركتها تقوى وتنمو، وذلك خشية أن تثير مخاوف الدول لا سيما فرنسا، وحتى تتجنب احتجاج هذه الدول على الاحتلال غير الشرعي، وذلك إلى أن وقعت الاتفاقية المشهورة بين إنجلترا وفرنسا سنة ١٩٠٤م. وهنا تعقب المؤلف المشروعات المتوالية التي حاولت إنجلترا أن تعدل بها نظام الامتيازات الأجنبية في مصر منذ ذلك الحين على أساس تركيز هذه الامتيازات في يدها وحدها دون غيرها من الدول.

فبدأ ببسط آراء اللورد كرومر، وهي تتلخص في إنشاء هيئة مختلطة قليلة العدد من المصريين والأجانب، تعرض عليها القوانين المراد بها أن تسري على الأجانب، ولا تكون قرارات هذه الهيئة نافذة إلا بعد تصديق الحكومتين المصرية والإنجليزية، ثم أشار إشارة موجزة إلى مشروع السير برونيات، وكنا نود لو ألمّ بهذا المشروع بعض الإلمام، كما فعل في المشروعات الأخرى حتى يكون الكتاب وافيًا من هذه الناحية.

وتناول بعد ذلك مشروع سير سسل هرست، ولاحظ أن هذا المشروع قد ربط مسألة تعديل الامتيازات الأجنبية بمسألة تسوية العلاقات بين مصر وإنجلترا، والمؤلف لا يوافق على ربط المسألتين إحداهما بالأخرى، ويرى في ذلك تعطيلاً لحل مسألة الامتيازات، ووسيلة تتذرع بها إنجلترا لحصر ما تًوزَع بين الدول في يدها، ثم نظر بعد ذلك في محتويات المشروع، ويخيل إلينا أنه لم يرجع في ذلك إلى النصوص الأصلية، بل اعتمد على المحاضرة القيمة التي ألقاها الأستاذ عبد العزيز فهمى باشا في نقد المشروع وبيان عيوبه، وسنشير إلى هذه المحاضرة فيما يلي.

وأشار بعد ذلك إلى النصوص المتعلقة بالامتيازات الأجنبية في مشروع اللورد كرزون، وانتقل منها إلى مشروع ثروت – شامبرلان، وقد أفاض في ذكر ما ورد في هذا المشروع خاصًا بالامتيازات، ونقل ذلك عن مصادره الأصلية، وحسنًا فعل، فإن هذا المشروع يعتبر بحق الأساس الذي بنيت عليه المقترحات الحالية، وقد أشار المؤلف إلى هذه المقترحات كآخر حلقة من السلسلة، وعلق عليها تعليقًا موجزًا، ومن رأيه أنها إذا نفذت كان ذلك من شأنه أن يزيد النفوذ البريطاني فيما يتعلق بالقضاء والتشريع بمصر.

وقبل أن نكمل متابعة المؤلف، نوجه نظر القارئ إلى أهمية المقترحات الحالية في الظروف الحاضرة ومصر على باب المفاوضة مع إنجلترا لتسوية العلاقات بين البلدين، وقد رأينا أن ننتهز هذه الفرصة لبحث هذه المقترحات في الجزء الخاص منها بالامتيازات، فخصصنا لذلك القسم الثاني من المقدمة، ونزعنا في التحليل والنقد نزعة تختلف بعض الشيء عن نزعة الكتاب، فاقتصرنا على الناحية القانونية حتى نضم بذلك مجهودنا إلى مجهود المؤلف، وتوخينا أن نشير بشيء من التفصيل إلى العيوب التي رأينا أن نوجه إليها نظر المفاوض المصري، حتى يعمل على إصلاحها، في مفاوضته مع إنجلترا أولاً ثم في مفاوضته مع الدول ذوات الامتيازات ثانيًا، ورجونا من وراء ذلك أن نستحث رجال القانون على بحث هذا الموضوع الخطير في دوره الحاضر بحثًا فنيًا عمليًا يساعد المفاوض المصري على أداء مهمته الشاقة في مرحلتيها.

وقد ختم المؤلف الكتاب بفصل عقده لبيان ما يحيق بمصر من الأضرار من جراء نظام الامتيازات، فوصف إلى أي حد يقف هذا النظام عقبة في سبيل الاصلاح المالي والاجتماعي في هذه البلاد، بسبب جمود نظام الضرائب.

 

رابط مباشر لتحميل بحث د. عبد الرزاق السنهوري

 

رابط مباشر لتحميل كتاب "الامتيازات الأجنبية"

 

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 08 آذار/مارس 2025 03:48

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.