تعَدّ هذه الدراسة أطروحةً علميةً رصينة، قُدِّمت لنيل درجة الدكتوراه في الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1971م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد السميع أحمد إمام (أستاذ الفقه المقارن بالكلية). واستهدفت الدراسة استجلاء الحكمة التشريعية والفلسفة الكامنة وراء النظام العقابي في الإسلام، مع مقارنته بالقوانين الوضعية الحديثة. وانطلق الباحث من إشكاليةٍ جوهرية تتمثل في انبهار بعض المسلمين، في عصور الضعف، بالقوانين الغربية، ساعيًا إلى إثبات أن الشريعة الإسلامية تمتلك نظامًا عقابيًا متكاملًا، يجمع بين الثبات والمرونة، وبين الردع والإصلاح.

 

أولًا: المقدمة والتمهيد

استهل الدكتور فكري أحمد عكاز أطروحته بتأسيس نظري عميق يكشف عن الدوافع الحقيقية وراء هذا البحث، حيث لم يكن الهدف مجرد سرد للأحكام الفقهية، بل كان استجابة لحالة الانبهار التي أصابت العالم الإسلامي بالقوانين الوضعية الغربية في فترات الضعف السياسي والحضاري. وضح الباحث في مقدمته أن الشريعة الإسلامية لم تشرع العقوبات عبثًا أو تسلطًا، وإنما جاءت كل عقوبة محملة بفلسفة "حكمية" تهدف إلى حماية المصالح الضرورية الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال). وشرح في هذا الجزء التأسيسي أن العقوبة في الإسلام تتميز عن القوانين الوضعية بكونها تجمع بين "الجزاء الدنيوي" و"الجزاء الأخروي"، مما يحيي ضمير الفرد المؤمن، بخلاف القانون الوضعي الذي يعتمد على الردع المادي فقط. كما أصّل المؤلف لمفهوم "الجريمة" باعتبارها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير، مبرزًا أن الفلسفة العامة للتشريع الجنائي الإسلامي تقوم على التوازن الدقيق بين مصلحة الجماعة في الأمن والاستقرار، ومصلحة الفرد في العدالة والإصلاح.

 

ثانيًا: فلسفة الحدود

انتقلت الدراسة في بابها الأول للحديث عن "الحدود"، وهي العقوبات المقدرة حقًا لله تعالى، ليعالج القضايا التي تمس كيان المجتمع بشكل مباشر؛ حيث ناقش الباحث باستفاضة فلسفة "الثبات" في هذه العقوبات، معتبرًا أن الجرائم التي تهدد "الضروريات" لا ينبغي أن تخضع للأهواء أو التغيير بتغير الزمان. وفي سياق حديثه عن جريمة "شرب الخمر"، خاض الباحث نقاشًا فقهيًا وقانونيًا موسعًا للرد على الآراء الحديثة التي حاولت تصنيف عقوبة الخمر ضمن "التعزيرات" القابلة للتغيير؛ حيث أثبت عبر استعراض الأدلة التاريخية وفقه الصحابة أن عقوبة الشرب هي "حد مقدر" (ثمانون جلدة وفقًا لإجماع الصحابة في عهد عمر بن الخطاب)، مبررًا ذلك بفلسفة حماية "العقل" الذي هو مناط التكليف، وأن التساهل في هذه العقوبة يفتح بابًا لشرور لا تحصى، مشددًا على أن الاختلاف الفقهي كان في مقدار الحد لا في أصله.

وفي الإطار ذاته، عالج المؤلف جرائم "الزنا" و"القذف" و"الحرابة"، موضحًا أن القسوة الظاهرة في بعض العقوبات (كالرجم أو القطع) هي في جوهرها "رحمة عامة" بالمجتمع؛ إذ تهدف إلى استئصال دابر الجريمة من جذورها ومنع التفكير فيها. كما تطرق إلى مسألة "التغريب" في حد الزنا، مناقشًا إياها من منظور مقاصدي، حيث رأى أن الهدف هو إبعاد الجاني عن بيئة الجريمة، وهو ما يمكن تحقيقه في العصر الحديث عبر وسائل ملائمة تحقق الغرض نفسه دون الإخلال بالنص، مؤكدًا أن الشريعة سدت الذرائع المؤدية للجريمة قبل أن تفرض العقوبة.

 

ثالثًا: فلسفة القصاص والدية

يخصص المؤلف الباب الثاني من الكتاب للحديث عن الجنايات على النفس وما دونها، مستعرضًا نظام "القصاص" لا باعتباره انتقامًا بدائيًا، بل كضمانة للحياة نفسها مصداقًا للآية الكريمة "ولكم في القصاص حياة". أسهب الباحث في شرح فلسفة المساواة التامة بين الناس في الدماء، وكيف أن القصاص يشفى غليل أولياء الدم ويمنع تسلسل الثأر الذي كان سائدًا في الجاهلية. ومن أهم القضايا التي عالجها في هذا الباب بأسلوب تحليلي دقيق هي مسألة "قتل الجماعة بالواحد"؛ حيث انتصر لرأي جمهور الفقهاء القائل بوجوب قتل الجماعة المشتركين في قتل فرد واحد، معللًا ذلك بتعليل أمني واجتماعي بالغ الأهمية؛ وهو أنه لو سقط القصاص بسبب الاشتراك في القتل، لصار ذلك ذريعة للمجرمين لارتكاب جرائمهم بشكل جماعي للإفلات من العقاب، مما يفرغ العقوبة من محتواها ويهدر دماء الأبرياء.

وبالتوازي مع القصاص، يشرح المؤلف نظام "الدية" و"العاقلة" في الفقه الإسلامي، مقدمًا إياه كنموذج فريد للتكافل الاجتماعي لا يوجد له نظير في القوانين الوضعية. يوضح المؤلف أن تحميل العاقلة (عصبة الجاني وقبيلته) مسؤولية دفع الدية في القتل الخطأ ليس ظلمًا، بل هو توزيع للمسؤولية يضمن حق المجني عليه في التعويض، ويشعر المجتمع بمسؤوليته تجاه تصرفات أفراده، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويحقق نوعًا من التأمين التعاوني ضد الحوادث والأخطاء.

 

رابعًا: فلسفة التعزير

توصّلت الدراسة في بابها الثالث إلى إبراز مفهوم "المرونة التشريعية" المتمثّل في نظام التعزير، حيث أبرز الباحث عبقرية الشريعة الإسلامية التي لم تجعل العقوبات كلَّها جامدة، بل تركت مساحةً واسعة لوليّ الأمر والقاضي لتقدير العقوبة المناسبة في الجرائم التي لا حدَّ مقدرًا لها. وقد أوضح الباحث أن فلسفة التعزير تقوم على مبدأ "تفريد العقاب"، أي مراعاة حال الجاني وظروفه وسوابقه، والنظر في كونه من أهل المروءات أو من أرباب السوابق؛ وهو المبدأ الذي تفخر به النظريات العقابية الحديثة وتظن أنه من مبتكراتها، في حين أنه أصلٌ راسخ في الفقه الإسلامي.

وفي فصل جريء ومهم ضمن هذا الباب، ناقش الباحث قضية "القتل تعزيرًا"، طارحًا تساؤلًا حول مدى صلاحية ولي الأمر في إيقاع عقوبة الإعدام في جرائم غير الحدود والقصاص؛ انتهى الباحث -بعد مناقشة الآراء المختلفة- إلى جواز ذلك في حالات الضرورة القصوى التي تهدد أمن الدولة والمجتمع، مثل قضية "الجاسوس" الذي يفشي أسرار الأمة للعدو، أو "الداعية المفرق للجماعة"، مؤكدًا أن هذه العقوبة الاستثنائية تستند إلى قاعدة "ارتكاب أخف الضررين" وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، بشرط ألا يتخذ ذلك ذريعة للتوسع في سفك الدماء، بل يظل مقيدًا بتحقيق الأمن العام ودرء الفتنة الكبرى.

 

خلاصة المقارنة والنتائج

اختتم الدكتور فكري عكاز أطروحته بفقرات جامعة تلخص رؤيته النهائية، حيث أكد أن النظام العقابي في الإسلام هو نظام "وسطي" ومتكامل، جمع بين محاسن المدارس العقابية المختلفة وتجنب عيوبها. وخلص إلى أن الشريعة سبقت القوانين الوضعية بقرون في تقرير مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، وأنها وازنت ببراعة بين "الزجر" الذي يحتاجه المجرمون قساة القلوب، وبين "الإصلاح والتهذيب" الذي يحتاجه من زلّت بهم القدم. وقرر الباحث أن صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان تكمن في هذا المزج الفريد بين ثبات النصوص في الكليات، ومرونة الاجتهاد في التفصيلات والتعزيرات، مما يجعلها النظام الأمثل لحفظ أمن المجتمعات والاحتفاظ برقيها الأخلاقي.

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

لعل أكثر الأمور حساسية في أية محاولة لتعديل الدستور أو تغييره هي مسألة العلاقة بين الدين والدولة، بل لعل هذه المسألة هي التي تدعو الكثيرين إلى معارضة البحث في تغيير الدستور، بصرف النظر عن الحاجة إلى ذلك، تحسبًا لما قد تثيره من خلاف وانقسام.

وينص الدستور الحالي*** على أن «الإسلام دين الدولة» (المادة 2)، كما ينص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» (المادة 2 بعد تعديلها عام 1980)، وينص أيضًا على أن «الأسرة.. قوامها الدين» (المادة 9)، وعلى أن «تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية» (المادة 11). كذلك ينص الدستور على أن على المجتمع «مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية» (المادة 19)[1].

وسوف تكون أية محاولة لإعادة النظر في الدستور مناسبة من جانب أصحاب الاتجاهات المختلفة لتغيير هذه الأحكام على النحو الذي يريدونه. فالذين يرفعون الشعارات الدينية سوف يحاولون بلا شك الإضافة إلى الأحكام القائمة بما يجعل الدستور دستورًا عقائديًا صرفًا على نحو الدستور الإيراني أو النظام الأساسي للحكم في السعودية[2]، مع حذف النصوص الأخرى التي تتنافى مع هذا الاتجاه العقائدي أو تتأسس على اتجاه عقائدي مغاير. والذين يرون أن الخلاص هو في بناء دولة عصرية حديثة تحترم الدين دون أن تجعل له دورًا في الحكم سوف يحاولون التخفيف من الأحكام القائمة أو حذفها ضمن محاولتهم تخليص الدستور من النصوص العقائدية المختلفة سواء ما كان منها دينيًا أو غير ديني. ولكل من هذين الاتجاهين أنصار كثيرون في المجتمع المصري على ما سبق وأوضحنا في الجزء الأول من هذا الكتاب، وإن كانت عوامل عديدة قد تضافرت في السنوات الأخيرة كما بينَّا لتجعل الكثيرين يتجهون إلى الاتجاه الأول[3].

والحقيقة أن الخلاف في هذا الأمر هو خلاف سياسي في أساسه، فالإسلام كما درسناه لا يتطلب شكلًا معينًا في الحكم، لكنه يمنع تأليه الحاكم أخذًا بالمبدأ الأساسي «لا إله إلا الله»، والقرآن الكريم لم يتعرض لمسألة الحكم، بمعنى إدارة شئون الجماعة إلا بالعبارات العامة بشأن الشورى في قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، وقوله جل شأنه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159) إلى جانب الآيات العامة الأخرى وسير الأنبياء التي تنهي عن الظلم والطغيان. وبالتالي فإن أي نظام يحقق المشاركة في اتخاذ القرارات ويسمح بتداول الرأي والسلطة هو نظام لا نراه يتعارض مع هذه المبادئ الإسلامية.

أما النصوص الواردة في الدستور المصري والسابق سردها، فإنها تثير الكثير من الأسئلة: فليس من الواضح ما هو الأثر القانوني لتعبير أن «الإسلام دين الدولة» ... ليس المقصود طبعًا أن الدولة، وهي شخص اعتباري وليست شخصًا طبيعيًا، يُنتظر منها أن تفعل ما يُنتظر من شخص طبيعي يدين بالإسلام من شهادة الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا؟ وإذا كان النص مجازيًا ويقصد به أن غالبية المصريين يدينون بالإسلام وأن مصر تعتبر بناء على ذلك دولة إسلامية تحترم القيم العليا للإسلام وتدافع عنها، فلماذا لا يأتي بهذه العبارات الواضحة بدلًا من النص على أن للدولة دينًا، وهو نص، فضلًا عن مجازيته، قد يثير اللبس أو يرتب نتائج قانونية غير متفق عليها.

وما معنى أن «مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع»؟ من الواضح أن هذا النص لا يعني أن مبادئ الشريعة هي المصدر "الوحيد" للتشريع. فمن الممكن أن تكون هناك مصادر أخرى؛ مثل القانون المقارن ومبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، بل إن معظم التشريعات الحديثة هي بحكم موضوعاتها مستمدة من الدراسات الاجتماعية والاقتصادية المستحدثة وما أخذت به تشريعات الدول الأخرى وخاصة الدول الأكثر تقدمًا، وهو أمر لا يتعارض مع مبادئ الشريعة في ذاته، ولكنه قد لا يتفق مع نص يقول: إن المصدر الرئيسي للتشريع هو مبادئ الشريعة، كما يقول بها مذهب فقهي أو آخر. ومن الواضح على أي حال أن النص لا يعني في ذاته أن إصدار تشريع يستمد مصدره من غير مبادئ الشريعة يجعل هذا التشريع غير دستوري؛ بل إن نص الدستور في ذاته قد لا يعني بالضرورة أن مثل هذا التشريع يكون غير دستوري إذا تعارض مع مبادئ الشريعة، لأن «المصدر الرئيسي» ليس معناه في اللغة «المصدر الذي يبطل ما عداه»، وإنما معناه المصدر الذي يغلب اللجوء إليه (وإن كانت المحكمة الدستورية العليا في مصر قد فسرته فيما يبدو على غير ذلك استنادًا إلى ما جاء في تقرير لجنة مجلس الشعب التي أعدت النص، وليس إلى النص نفسه، كما سيجيء). وإذا كان النص لا يعني لغة ما ذكرناه فما الذي يعنيه إذًا؟ وما هي قيمته الحقيقية إن كانت معظم التشريعات الجديدة تخاطب موضوعات مستحدثة تحتاج إلى معالجة مستحدثة أيضًا؟

لقد أوضحت المحكمة الدستورية العليا في عدد من أحكامها ما يعنيه نص المادة الثانية من الدستور وجاءت إيضاحاتها كما يلي (وإن كنت لا أستخدم ألفاظها دائمًا بغية تبسيط الشرح):

  • النص الدستوري يخاطب المشرع وليس القاضي، أي أنه «يستهدف توجيه الشارع إلى استلهام قواعد التشريع من مبادئ الشريعة الغراء بصفة رئيسية»، لكنه لا يطلب من المحاكم أن تطبق مباشرة مبادئ الشريعة وتغفل ما لا يتفق معها من نصوص تشريعية قائمة، وبعبارة أخري فإن النص الدستوري هو «قيد استحدثه الدستور على سلطة المشرع في شأن المصادر التي يستقي منها أحكامه التشريعية»[4].
  • إلزام الدستور المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرض فيه الإلزام (22 من مايو 1980) ... أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام بالنسبة لها لصدورها فعلًا من قبل، أي في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا واجب الإعمال[5].
  • النعي بأن «عدم تعديل مادة (في تشريع قائم) لمخالفتها لمبادئ الشريعة بعد تعديل المادة الثانية من الدستور في 22 مايو سنة 1980 -التاريخ الذي فرض فيه الإلزام باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع- النعي عليها بمخالفة حكم هذه المادة في غير محله»[6].
  • إن قصر الإلزام الدستوري على التشريعات اللاحقة لتعديل الدستور «لا يعني إعفاء المشرع من تبعة الإبقاء على التشريعات السابقة رغم ما قد يشوبها من تعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية وإنما يلقي على عاتقه من الناحية السياسية مسئولية المبادرة إلى تنقية هذه التشريعات من أية مخالفة دستورية للمبادئ سالفة الذكر، تحقيقًا للاتساق بينها وبين التشريعات اللاحقة في وجوب اتفاقها جميعًا مع هذه المبادئ وعدم الخروج عليها»[7].
  • يجوز للسلطة التشريعية في تطبيق المادة الثانية من الدستور أن تختار بين المذاهب المختلفة في الفقه الإسلامي؛ لأن «تخير الشارع مذهبًا دون مذهب أو أرجح الأقوال في مذهب من المذاهب وإلزام القضاء التقيد به هو من المسائل التي يرخص فيها بسلطة تقديرية وفقًا لما يراه ملائمًا لظروف المجتمع بلا معقب عليه في تقديره»[8].
  • «يسوغ للشارع، بما لديه من سلطة أن يجمع الناس على رأي واحد (في أحكام الشريعة) يرفع به الخلاف ويقيد به القاضي كي ينزل الجميع على حكمه ويأثم من يخالفه: لأن طاعة ولي الأمر واجبة فيما ليس فيه مخالفة للشرع ولا معصية، وأساس هذا الجمع هو تيسير تعريف القاضي والمتقاضي على السواء بما يحكم أعمال الناس من قواعد تحقيقًا لاستقرار المعاملات وثبات الأحكام وإرساء الحق والعدالة والمساواة»[9].
  • ليس هناك مانع شرعي من الأخذ بأقوال الفقهاء من غير المذاهب الأربعة إذا كان الأخذ بأقوالهم يؤدي إلى جلب صالح عام أو رفع ضرر عام[10].

وإذا كان هذا ما يعنيه نص الدستور، في حين أننا نعلم جميعًا أن أكثر التشريعات الجديدة تعالج مسائل معقدة تتعلق بالاستثمار والبنوك والتجارة والبيئة والأمن والانتخابات والتأمينات الاجتماعية وغيرها من المسائل التي تواجه أي دولة حديثة والتي تخاطبها مبادئ الشريعة -كما فُسرت حتى الآن- من حيث عمومياتها فقط، وليس من حيث التفاصيل التي ينبغي ابتداعها لتناسب الظروف الحالية، فهل من الواقعي أن نقول: إن مبادئ الشريعة هي المصدر «الرئيسي» للتشريع؟ وهو ما لا ينطبق حتى على تشريعات الدول التي تتسم دساتيرها بطابع إسلامي واضح؟ إن معظم القوانين الحديثة في دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية، مثلها مثل القوانين الحديثة في الدول الأخرى جميعًا، لا تستمد مصدرها من الكتاب والسنة مباشرة بقدر ما تستند إلى الدراسات الخاصة بمواجهة المشاكل العملية الجديدة والسياسات التي اتبعت في الدول المختلفة. والقول بغير ذلك هو قول سياسي قد يرضي الجماهير ولكنه لا يعبر عن الواقع.

ويدفعنا هذا إلى الاعتقاد بأن النص كما جاء في الدستور المصري كان مزايدة سياسية أكثر منه تقديرًا لما يمكن أن يحدث في الواقع مهما خلصت النوايا. وقد كان النص يخدم الغرض منه بصورة أوضح لو أنه طالب المشرع بأن «يستلهم في التشريعات التي يصدرها مبادئ الشريعة وقيمها العليا»، أو حتى إن ذهب إلى أبعد من ذلك وطالب بأن «لا يخالف التشريع مبادئ الشريعة وقيمها العليا»، دون التزيد بما لا يمكن أن يحدث عملًا.

والحقيقة أن القانون المدني المصري قد عالج هذه المسألة على نحو أفضل بعد أن كان المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وهو حجة في القانون والشريعة، قد توافر على بحثها سنوات طويلة ثم جاء بالحل الذي بحث تفصيلًا في مجلس الشيوخ من جانب أساتذة أجلاء والذي يتمثل في شقين: أولهما أن يأتي حكم القانون متفقًا مع حاجات العصر وغير مخالف لمبادئ الشريعة كما فهمها الفقهاء المتحررون، وثانيهما أن يحكم القاضي في المسائل التي لا يرد فيها نص في التشريع طبقًا لأحكام الفقه الإسلامي ومبادئ القانون الطبيعي والعدالة.

ومن الممكن أن يأخذ الدستور الجديد بما أخذ به القانون المدني المصري في مادته الأولى، ويبعد هذه المسألة عن المزايدات السياسية، وإن كان الأفضل ترك هذا النص في مكانه الطبيعي وهو مطلع مجموعة القانون المدني. ولا يسع المرء أن يتساءل: إذا كانت هذه المسألة قد فصلها القانون المدني منذ فترة طويلة، بطريقة معقولة، فلماذا أثيرت في عام 1980 عند تعديل الدستور؟ ولماذا يثار كل هذا الضجيج حولها في الوقت الحاضر؟

إن أحدًا لا يجادل في أن الفقه الإسلامي هو مصدر عظيم يمكن أن تُستمد منه حلول قانونية لكثير من المشاكل. وإذا كان من الممكن أن نقول: إن القوانين المصرية في مجملها لا تخالف الشريعة، فإن من المبالغة حقًا أن نصف ما يحدث في الواقع بأنه وضع أصبحت فيه مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي لكل تشريع جديد. وإذا كان هذا هو الواقع، فلماذا نضع أحكامًا هي من قبيل المباهاة الكلامية بدلًا من الأحكام التي يمكن أن يستلهمها التشريع والقضاء دون عناء؟

لا شك عندي في أن المطالبة بتطبيق الشريعة قد أصبحت رمزًا لاتجاه سياسي. وهو رمز يعرف أصحاب هذا الاتجاه أن له وقعًا لدى الجماهير فيستغلونه لجلب التأييد السياسي، وليس لمجرد الاقتناع بجدواه أو واقعيته أو لأن نتائجه سوف تختلف كثيرًا عما هو كائن فعلًا. ولو كانت هذه المطالبة تصدر فقط عن خشية الله والإيمان به لكان الأجدى أن تذهب إلى أن يراعي المشرع فيما يصدره من تشريع المبادئ العامة والقيم الأساسية التي نص عليها القرآن وأكدتها السنة المتواترة، وأن يحكم القضاء فيما لا يرد فيه نص تشريعي بأحكام الشريعة التي تتفق مع الظروف المعاصرة، وهو ما أخذ به القانون المدني المصري منذ صدوره في عام 1949. ولم يجرؤ أحد على الادعاء بأن هذا القانون يخالف الشريعة إلا بما أثير حول المادة 226 منه التي تقرر فوائد تأخيرية على من يتخلفون عن أداء التزاماتهم المالية. إلا أن هذه المادة أبعد ما تكون عن الربا الذي نهى عنه القرآن، بل ولا تستقيم المعاملات في المجتمع الحديث بغيرها، لكن الذين يتخلفون عن أداء التزاماتهم مخالفين أمر الله بالوفاء بالعهد واحترام العقد لا يترددون في استخدام الدين لتبرير مخالفاتهم، مستغلين في ذلك جهل من لا يعلمون وخوف من يعلمون.

كذلك فإن قانون العقوبات المصري يجرّم جميع الأفعال التي وصفها القرآن الكريم بأنها «حدود الله» وإن كان يضع لها عقوبات وجدها تتفق مع ظروف العصر وإن اختلفت بعضها عن العقوبات (الحالّة الآنية) التي كانت تتفق مع الأوضاع عند نزول هذه الأحكام.

ولن يحسم هذا الأمر إلا إذا تصدى له العارفون بعلم القانون وفقه الشريعة بشجاعة وإخلاص، حتى يأتي الدستور الجديد حاميًا للحريات والحقوق العامة التي تنص عليها الدساتير الحديثة ولا يجوز حرمان المصريين منها، وحتى تأتي أحكام هذا الدستور متفقة مع الإطار الذي يسمح لمصر بالانطلاق إلى الأمام في كل المجالات ولا يثقلها بقيود لم يعد لها مبرر في العصر الحديث، خاصة وأن من الممكن أن يتم ذلك كله مع الاحترام الكامل لدين الله وصراطه المستقيم.

وقد آن الأوان لمن يمارسون السياسة أو يتطلعون إلى ممارستها لأن يتحملوا المسئولية الشخصية عن أقوالهم وأفعالهم، وعن منجزاتهم وأخطائهم، بدلًا من أن ينسبوا كل ذلك زورًا إلى الله جل شأنه، وبدلًا من أن يحاولوا سلب الناس حرياتهم باسم الدين. كما آن الأوان لهم أن يسموا السياسة باسمها ويقبلوا ما تحتمله من تقلبات، بدلًا من خلطها طوال الوقت بالدين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه.

وإنني إذ أعالج المسألة بهذه الصراحة، أعرف أنها قد تثير استياء من لا يفهمون ما كتبته على وجه صحيح، لكني أصدر في ذلك عن إيماني العميق بالإسلام الذي يدعوني إلى قول ما أعتقد أنه الصواب وليس إلى مسايرة التيار، كما أصدر في ذلك عن إيماني بضرورة الاستفادة من التقدم الإنساني في علم القانون وفي الحقوق والحريات الدستورية التي لا ينبغي التفريط فيها إرضاء لمن يولعون باستغلال الدين لأغراض سياسية أو شخصية.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* د. إبراهيم شحاتة، جزء مستل من كتابه: "وصيتي لبلادي (النص الكامل)"، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة مكتبة الأسرة)، 2001م، ص276- 283.

** يُعد الدكتور إبراهيم شحاتة (1937-2001) واحدًا من أبرز الفقهاء القانونيين والمفكرين العرب في جيله، حيث جمع ببراعة بين الخبرة القانونية والاقتصادية والموهبة الأدبية. وُلد في محافظة الدقهلية عام 1937، وتخرج في حقوق القاهرة عام 1957 وكان أول دفعته، ثم نال الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة هارفارد عام 1964. تقلد شحاتة مناصب دولية رفيعة، كان أبرزها توليه منصب النائب الأول لرئيس البنك الدولي للشؤون القانونية عام 1983، حيث لعب دورًا محوريًا في تأسيس "الوكالة الدولية لضمان الاستثمارات" (ميجا). وقبل ذلك، كان له فضل كبير في تفعيل "الصندوق الكويتي للتنمية"، كما شغل منصب مدير عام "صندوق الأوبك للتنمية" في فيينا. عُرف شحاتة بمواقفه الفكرية الصلبة المنحازة للديمقراطية، والحريات العامة، والإصلاح الإداري، ومحاربة الفساد الذي كان يراه عائقًا استراتيجيًا أمام نهضة مصر. وقد توج مسيرته الفكرية بكتابه الشهير "وصيتي لبلادي"، الذي طرح فيه مشروعًا شاملًا للإصلاح، محللًا الخيارات المتاحة أمام مصر (السير للخلف، أو الوقوف محلك سر، أو السير للأمام). وإلى جانب نبوغه المهني، كان يحمل في أعماقه روح شاعر، وله أعمال شعرية وموهبة في صياغة الصور البديعة، مما جعله شخصية نادرة المثال تجمع بين دقة القانوني ورقة الشاعر.

*** المقصود هنا هو دستور 1971م الذي أُلّفَ الكتابُ في ظله.

[1] يلاحظ أن الدستور المصري يتضمن أحكامًا أخرى تبدو فيها الدولة محايدة تمامًا في المسائل الدينية. فالمادة 40 تنص على أنه "المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب.. الدين.." والمادة 46 تنص على أن "تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية" دون أي قيد في الدستور.

[2] ينص دستور إيران على أن حكومة إيران «جمهورية إسلامية» ( المادة ١)، وأن الجمهورية الإسلامية نظام يقوم على أسس من بينها الإيمان بالله الواحد وسيادته المطلقة ، والواجب الإلهي ودوره الأساسي في وضع القوانين، والعودة إلى الله في اليوم الآخر وعدالة الله في الخلق والتشريع، و«الأمانة المستمرة والرشاد الدائم ودورهما في ضمان العمل المستمر لثورة الإسلام»، وكرامة الإنسان وحريته و مسئوليته أمام الله حيث تتحقق له العدالة والاستقلال والتضامن الاجتماعي عن طريق الاجتهاد المستمر للفقهاء الذين تتوافر فيهم المؤهلات والذي يمارس طبقا للقرآن و«سنة المعصومين عليهم السلام» (المادة ٢)، كما تنص المادة ٤ من هذا الدستور على أن «كل القوانين واللوائح الدينية والجنائية والمالية والاقتصادية والإدارية والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها يجب أن تتأسس على معايير إسلامية. ويطبق هذا المبدأ بصورة مطلقة وعامة على كل مواد الدستور وكل القوانين واللوائح ويعتبر فقهاء المجلس الوصائي حكما في هذا الأمر». وتعطي المادة ١٧٦ لقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي التي يقرّها الولي الفقيه سلطة واسعة في شئون السياسة والاستخبارات والشئون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تتعلق بالسياسات العامة للدفاع والأمن.

وتنص المادة ٥ على أنه «أثناء اختفاء والي العصر (أسرع الله في عودته) تؤول ولاية الأمة وقيادتها إلى الفقيه العادل المتقي الذي يلم إلماما كاملا بظروف عصره والذي يتمتع بالشجاعة والعلم والقدرة على الإدارة وتحمل مسئولياته طبقا للمادة ١٠٧»؛ ويتم اختيار هذا الولي الفقيه من جانب مجموعة صغيرة من الخبراء طبقا لهذه المادة»، وقد كان هذا الفقيه هو الإمام الخميني وخلفه الإمام خامنئي. وقد جاء في المادة ١٢ من هذا الدستور أن «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنى عشري في أصول الدين والفقه ويبقى هذا المبدأ إلى الأبد». كذلك ينص النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية على أن المملكة «دولة عربية إسلامية ذات سيادة عامة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ...»، وتنص المادة ٦ منه على أن «يبايع المواطنون الملك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره»، والمادة ٧ على أن « يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة»، والمادة ٨ على أن «يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية».

ويأتي النص على أن الإسلام دين الدولة في دساتير معظم الدول العربية ويضيف دستور المغرب (المادة ١٩) أن «الملك، أمير المؤمنين والممثل الأعلى للأمة ... يكفل تطبيق الإسلام». ويندر في دساتير الدول غير العربية أن نجد نصوصا ذات طابع ديني مماثل وإن كانت دساتير بعض الدول الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية تتضمن نصوصا بشأن «دعم الديانة الكاثوليكية» (دستور الأرجنتين، مادة ٢) أو الاعتراف بالكنيسة الكاثوليكية (دستور بيرو، المادة ٧/١). كما ينص دستور السويد الذي يتكون من عدد من القوانين الأساسية بدأت في عام ١٨٠٩ وكان آخر تعديلاتها في عام ١٩٨٩، على أن «مذهب لوثر هو الدين الرسمي للدولة».

وعلى العكس من ذلك نجد دساتير الديموقراطيات الغربية العتيقة تنفي أي طابع ديني للدولة، فينص الدستور الفرنسي (١٩٥٨) على أن فرنسا ... دولة علمانية (المادة ٢/٢) وينص الدستور الأمريكي على الفصل بين الدولة والكنيسة (التعديل الأول، ١٧٩١): «يمتنع على الكونجرس إصدار قانون فيما يتعلق بإنشاء دين (للدولة)». راجع أيضا دستور جمهورية التشيك (المادة ٢) «تتأسس الدولة على القيم الديموقراطية ولا يجوز ربطها بأيديولوجية خاصة أو بدين معين».

[3] راجع الجزء الأول من كتاب "وصيتي لبلادي"، الفصل الأول.

[4] الحكم الصادر بتاريخ ٤ مايو ١٩٨٥، في الدعوى رقم ٢٠ لسنة ١ ق دستورية، والحكم الصادر في ١٩ يونيو ١٩٨٨ في الدعوى رقم ٣٦ لسنة ٢ ق دستورية. وقد جاء في الحكم الأول «أن سلطة التشريع اعتبارًا من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور في ٢٢ مايو ١٩٨٠ أصبحت مقيدة فيما تسنه من تشريعات مستحدثة أو معدلة لتشريعات سابقة على هذا التاريخ، بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية وبحيث لا تخرج في الوقت ذاته عن الضوابط والقيود التي تفرضها النصوص الدستورية الأخرى على سلطة التشريع في صدد الممارسة التشريعية».

[5] الحكم الصادر في ١٩ يونية ١٩٨٨، المرجع السابق. وفي معرض قولها بأن نص المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها سنة ١٩٨٠ لا ينصرف سوي إلى التشريعات التي تصدر بعد تاريخ هذا التعديل، أضافت المحكمة الدستورية العليا أنه «إذا انطوى أي (من هذه التشريعات) على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية». وتعتبر هذه الإضافة، من الناحية القانونية الصرفة من قبيل ما يسمى باللاتينية Obiter dictum بمعنى أنها «عبارة عابرة» لم تكن لازمة في مجال الحكم الصادر بدستورية النصوص المطعون فيها، وهي على أي حال لا تستند مباشرة إلى ما جاء في نص الدستور، فهذا النص لا يتكلم عن «مخالفة دستورية» وإنما يقرر فقط أن مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع وليست «المصدر الوحيد» كما أوضحنا. وقد اعتمدت المحكمة في هذه النتيجة، كما فعلت من قبل في الحكم الصادر في ٤ مايو ١٩٨٥، على تفسير النص بحسب نية من كتبوه في لجنة مجلس الشعب وليس بناء على التفسير الموضوعي له أي المعنى العادي لألفاظه، وقد جاء تكرار لهذا «التفسير الشخصي» في تقرير اللجنة العامة لمجلس الشعب بتاريخ ١٥ سبتمبر ١٩٨١.

[6] المرجع السابق. (وكذلك الحكم الصادر في ٤ من أبريل ١٩٨٧ في الدعوى رقم ١٤١ لسنة ٤ ق دستورية، وفي ٦ من يونيو ١٩٨٧ في الدعوي رقم ١٢٥ لسنة ٦ ق دستورية، في ٢ أبريل ١٩٨٨ في الدعوى رقم ٤٥ لسنة ٣ ق دستورية، وفي ٤ من نوفمبر ١٩٨٩ في الدعوى رقم ٣٥ لسنة ١٠ ق دستورية، وفي ٣ من فبراير ١٩٩٠ في الدعوى رقم ١٧ لسنة ٨ ق دستورية، وفي ٥ من يناير ١٩٩١ في الدعوى رقم ٣٣ لسنة ١٠ ق دستورية.

[7] الحكم الصادر في ٤ من مايو ١٩٨٥، المشار إليه في هامش ١٧، ويلاحظ هنا أيضا التزيد من جانب المحكمة الذي سبق ملاحظته في الهامش رقم ١٨.

[8] الحكم الصادر في ٣ من أبريل ١٩٧٦ في الدعوى رقم ١٠ لسنة ٦ ق دستورية.

[9] المرجع السابق. ويلاحظ أن قول المحكمة «إن طاعة ولي الأمر واجبة فيما ليس فيه مخالفة للشرع (بمعنى الشريعة) ولا معصية» هو أيضا Obiter dictum لا تستند إلى نص المادة الثانية من الدستور في ذاتها، وقد يتعارض هذا القول على أي حال مع قول المحكمة بأن أحكام التشريعات السابقة على مايو ١٩٨٠ تظل واجبة الاتباع (ولو كانت مخالفة للشريعة). ويلاحظ أن العبارات العابرة ذات الطابع الديني قد انتشرت في أحكام القضاء المصري في السنوات الأخيرة وإنما نتيجة للتحول العام في العقلية المصرية وانتشار الفكر الذي يرفع الشعارات الدينية منذ عام ١٩٧١ واتجاه الكثيرين إلى إرضاء هذا التيار.

[10] المرجع السابق، مقتبسا من المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية.

 

مقدمة

يعرف المهتمون بأفريقيا الدكتور علي مزروعي مفكرًا وعالمًا بارزًا في مجالي السياسة والثقافة، ولكن القليل منهم يدرك إسهاماته في خدمة الإسلام والمسلمين في أفريقيا والعالم.[1] وقد يظن البعض أن أكبر إسهام يقوم به مسلم لخدمة دينه –لاسيما إن كان ابن كبير القضاة الشرعيين في بلده كمزروعي– هو دعوة غير المسلمين إلى الإسلام. وقد فعل مزروعي ذلك، حيث ذكر في إحدى مقالاته أن اثنين أو ثلاثة من أتباع الديانات الأفريقية المحلية أسلموا على يديه، وتسموا باسمه "علي" كأب روحي لهم، وظل على اتصال بهم إلى أن غادر أفريقيا للدراسة في بريطانيا.[2] وقد يظن آخرون أن أكبر إسهام يقوم به مسلم لخدمة أبناء دينه –لاسيما إن كان شخصية عامة مؤثرة كمزروعي– هو النضال السياسي دفاعًا عن حقوق أمته واجتهادًا في رفع الظلم عنها. وقد فعل مزروعي ذلك أيضًا؛ فمثلًا حين ألغت الحكومة الكينية محاضرة له في المركز الإسلامي عام 1992، أصدر بيانًا أطلق عليه "انتفاضة السود"، شرح فيه مخاوف مسلمي كينيا -خاصة في المنطقة الساحلية- وحث الحكومة على مزيد من الاهتمام بالمسلمين في الدولة، والاعتراف بالحزب السياسي الإسلامي كجزء من التزامها بالتحول الديمقراطي.[3]

لكن الإسلام بالنسبة لعلي مزروعي لم يكن فقط دين دعوة، بل دين معاملات وحضارة أيضًا. ولذلك جاءت أهم إسهاماته لخدمة هذا الدين في مجال تعريف الغرب بالإسلام وبحضارته تعريفًا صحيحًا، ومناقشة الأسباب التي تُوَتِّر العلاقة بين المسلمين والغرب، وبيان بعض أوجه استفادة الغرب من الإسلام الصحيح، وكذلك بعض أوجه استفادة المسلمين من الغرب. فكان بذلك حقًا سفيرًا للإسلام والمسلمين في الغرب.

 

أولًا: تعريف الغرب بالإسلام وبحضارته وبالمسلمين تعريفًا صحيحًا

ظلت كتابات الغرب عن الإسلام تقدمه مشوهًا نتيجة هيمنة رؤية متحيزة للغرب ودوره في التاريخ والحضارة. وقد ميَّز مزروعي بين خطيئتين يرتكبهما الغرب في هذا الصدد؛ هما الإنكار والبهتان؛ فخطيئة الإنكار تتعلق بغياب حقائق أساسية عن الإسلام عند تقديمه لشعوب الغرب مما يعيق بشدة فهم هذا الدين فهمًا صحيحًا؛ وخطيئة البهتان تتعلق بإلصاق تهم بعقيدة المسلمين وممارساتهم وتاريخهم مما يؤدي إلى معاداتهم والتعصب ضدهم.[4] فاجتهد مزروعي في تصحيح صورة الإسلام في الغرب ببيان مدى تأثيره في أديان الغرب (لاسيما الديانتين اليهودية والمسيحية)، ونظمه الاقتصادية (لاسيما النظامين الرأسمالي والتجاري)، وجذوره الحضارية (لاسيما التراثين اليوناني والروماني)، ورؤيته للعالم؛ مع تميز الإسلام عن كل ذلك.

فمن جهة أولى، أبرز مزروعي العلاقة الخاصة التي تربط الإسلام بالتراث اليهودي-المسيحي الذي يعتبره الغرب من أسس حضارته الحديثة؛ فعقيدة هذه الأديان الثلاثة واحدة، وهي التوحيد، ومؤسسوها ينتمون إلى العنصر السامي، والسلالة الإبراهيمية تحديدًا؛ فكان مزروعي يدرك مدى اهتمام الثقافات الغربية بالأبعاد العنصرية. ولأن الإسلام أكمل رسالة الديانتين اليهودية والمسيحية وحافظ على عقيدتهما الأصلية؛ فهو "ثلاثة أديان في دين واحد" على حد وصفه، ولا يمكن اعتباره مناقضًا لهاتين الديانتين.[5] بل كان الإسلام "أول ثورة بروتستانتية" على حد وصفه أيضًا، بمعنى أن رسول الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- سبق رجلي الدين المسيحي مارتن لوثر وكالفن في الجهر بتحريف الديانتين المسيحية واليهودية، ودعا إلى إصلاحهما بالعودة إلى أصليهما الصحيح.[6] وقد اتفق المذهب البروتستانتي مع الإسلام في عدة مبادئ وممارسات؛ فكلاهما يرفضان كل أشكال الوساطة بين العبد وربه وطبقية الكنيسة وفسادها. ويذهب الإسلام خطوة أبعد من البروتستانتية في رفض تأليه المسيح، رغم توقيره كواحد من أشرف رسل الله.[7] فهل كان الإسلام سببًا في ظهور المذهب البروتستانتي في الغرب؟ لا يتطرق مزروعي لهذا السؤال بشكل مباشر، لكن مفكرين آخرين أجابوا عنه بالإيجاب.

ومن جهة ثانية، أبرز مزروعي العلاقة الخاصة التي تربط الإسلام بالنظامين التجاري والرأسمالي الّلذيْن سادا في الغرب على التوالي منذ بداية العصر الحديث. فكما أنتجت الأخلاق البروتستانتية النظام الرأسمالي وفقًا لعالم الاجتماع الغربي الشهير ماكس فيبر، يرى مزروعي أن الأخلاق الإسلامية أفرزت نوعًا من الرأسمالية بمعنى تشجيع الفرد على العمل وعدم الاحتجاج بالقدر في ترك العمل. "فالنبي يدعو المؤمنين للعمل وكأنهم سيعيشون أبدًا، وكأنهم سيموتون غدًا".[8]

"يعتقد النبي محمد أن الاقتصاد يجب أن يقوم على التجارة الحرة، أي تفاعل السلع ورؤوس الأموال دون قيود في سوق حر. فعارض تسعير السلع بكل أشكاله، إذ يبدو أنه كان واثقًا في أن عمل قوى العرض والطلب هو المعيار الوحيد الذي يتحدد على أساسه السعر الصحيح. وأنكر الدعاية للسلع وكل صور المضاربة في أثمانها، خاصة فيما يتعلق بالسلع الغذائية، وكذلك بيع السلع التي ليس لها قيمة سوقية".[9]

لكن رأسمالية الإسلام تختلف عن رأسمالية الغرب. فمن جهة، يفرض الإسلام للفقراء زكاةً من مال الأغنياء كي يمنع توحش الرأسمالية. "والزكاة من أقدم صور الضرائب الفردية المنظمة في تاريخ البشر، وهي ضريبة متواضعة باعتبار نسبتها من المال".[10] ومن جهة أخري، يذهب الإسلام خطوة أبعد من البروتستانتية في تنظيم التوزيع والتبادل وليس الإنتاج والاستهلاك فقط. فالنظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على قواعد أخلاقية للاستهلاك والتوزيع وليس فقط على قوانين الإنتاج.[11]

وكما أنتج الإسلام نسخته الخاصة من الرأسمالية، فقد أنتج أيضًا نسخة متميزة من النظام التجاري تسمو على نسخته الأوروبية التي سادت قبل ظهور الرأسمالية. فكان النظام التجاري السائد في بداية انتشار الإسلام نظامًا يحكمه "حس أخلاقي مرهف تجاه حاجات المعذبين في الأرض، وكان نظام الرفاه الإسلامي في تلك الفترة المبكرة نوعًا من الإرهاصات الأولى لدولة الرفاه"؛ فرغم ممارسة النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجته السيدة خديجة لحرفة التجارة، وثنائه على التجار الصادقين، فإنه كان يذم التجار المستغلين لحاجة الفقراء ذمًا شديدًا، ويميز بوضوح بين الربح الحلال والفائدة الحرام. لكن المسلمين  -كما يرى مزروعي- حادوا عن هذا الطريق، حيث تحول الاقتصاد في تاريخ المسلمين إلى نوع من "نمط الإنتاج الآسيوي" كما سماه كارل ماركس فيما بعد، وإن لم يؤثر ذلك سلبًا في ازدهار الحضارة الإسلامية.[12] ولعل أبرز أنماط الإنتاج الأوربية التي لم يعرفها المسلمون أبدًا هو النظام الإقطاعي، لأن شريعة الإسلام في الميراث جعلت من الصعب -إن لم يكن المستحيل- أن تستمر الملكيات الأرستقراطية الكبيرة دون توزيع لفترة طويلة من الزمن.[13]

ومن جهة ثالثة، أبرز مزروعي العلاقة الخاصة التي تربط الإسلام بالتراث اليوناني-الروماني الذي يعتبره الغربيون أساسًا آخر لحضارتهم الحديثة؛ فلو لم يحفظ المسلمون هذا التراث في العصور الأوروبية الوسطى، لما عرفته أوروبا الحديثة أبدًا، ولما ظهرت الحداثة الغربية ذاتها. وما كان المسلمون مجرد نقلة لتراث اليونان والرومان، بل كانت لهم إسهاماتهم العلمية والفلسفية المستقلة عن ذلك التراث؛ فأنشأوا بدين الله حضارة اختلفت عن حضارة شعب الأنجلوساكسون التي ظهرت لاحقًا بهدف جمع المال والثروة.[14] واستمرت إسهامات المسلمين الحضارية حتى القرن السابع عشر الميلادي تقريبًا.

"فالإسلام ليس مجرد دين، وهو بالقطع ليس مجرد حركة سياسية أصولية. إنه حضارة ومنهج حياة قد يختلف من بلد مسلم لآخر لكن روحًا مشتركة تحركه، وهي أكثر إنسانية بكثير مما يتصوره الغربيون... كما أن بعض جوانب الثقافة الإسلامية التي يراها الغربيون تنتمي للعصور الوسطى ظلت سائدة في ثقافتهم الغربية حتى وقت قريب جدًا".[15]

فيرى مزروعي -على سبيل المثال- أن تقسيم الغرب للعالم يشبه إلى حد كبير تقسيم المسلمين له في زمن ازدهار الحضارة الإسلامية، وهذه هي الجهة الرابعة لاجتهاده في بيان تأثر الغرب بالإسلام. فقد صنف المسلمون العالم إلى ثلاثة أقسام: دار الإسلام (أو البلاد المبايعة لخليفة المسلمين)، ودار الصلح أو العهد (أو البلاد المسالمة للمسلمين)، ودار الحرب (أو البلاد الأخرى غير المبايعة أو المعاهدة). وبغير قصد تمامًا، تبنى الغرب صيغة معدلة لهذا التقسيم الثلاثي في النصف الثاني من القرن العشرين. فخلال معظم الحرب الباردة قسم الغرب العالم إلى ثلاثة أقسام: دار الغرب (التي حلت محل دار الإسلام)، ودار الحرب (أو الدول الشيوعية)، ودار الصلح أو العهد (أو دول العالم الثالث التي قبلت التعايش السلمي)؛ وبدل الجزية التي كانت دول الصلح تدفعها للحكام المسلمين في العصور الوسطى، ظل العالم الثالث يدفع الجزية للغرب في صورة أعباء الديون وغيرها من أشكال الاستغلال الاقتصادي.[16]

ورغم تأثر الغرب بالإسلام دينًا وحضارة لاتزال علاقته بالمسلمين يشوبها التوتر. وقد اجتهد مزروعي في تفسير أسباب ذلك التوتر في العصر الحديث.

 

ثانيًا: أسباب توتر العلاقة بين المسلمين والغرب في العصر الحديث

رأى مزروعي أن التوتر الراهن بين المسلمين والغرب ليس حتميًا، بل تصور -في السبعينات- أن نظامًا اقتصاديًا عالميًا جديدًا بدأ يتشكل أساسًا بالتبادل التجاري بين المسلمين والغرب: فالمسلمون ينتجون النفط ويستهلكون التقنية، والغرب ينتج التقنية ويستهلك النفط.[17] لكن هذه الرؤية كانت شديدة التفاؤل؛ إذ تجاهلت العوامل الثقافية والسياسية التي ظلت لفترة طويلة تغذي التوتر بين المسلمين والغرب، والتي ناقشها مزروعي فيما بعد.

فمن الناحية الثقافية، يتزايد شعور كثير من المسلمين بالضغط لإقناعهم بالتخلي عن قيمهم والتحول لقيم الغرب، أو إجبارهم على ذلك. فكثيرًا ما يجد مسلمو الغرب أنفسهم أمام اختيار بين قيم غربية وقيم إسلامية، وغالبًا ما يكون الاختيار صعبًا حيث تختلط قيم غربية وإسلامية في مواجهة قيم غربية وإسلامية أخرى. ومن الأمثلة البارزة على ذلك هو حيرة المسلمين في الاختيار بين القيم التي يمثلها الحزب الديمقراطي وتلك التي يمثلها الحزب الجمهوري في الانتخابات الأمريكية.

"فبينما يسعد المسلمون بالعلمانية الأمريكية (أي فصل الكنيسة عن الدولة)، فإنهم يشقون بالتحررية الأمريكية (كالجدل الذي ثار مؤخرًا حول الاعتراف القانوني بزواج المثليين في كل الولايات كما هو الحال في ولاية هاواي). فالحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة أكثر إصرارًا على فصل الكنيسة عن الدولة، بما في ذلك معارضة الصلاة في المدارس. وهذا يجذب بعض الآباء المسلمين للحزب الديمقراطي، فهم لا يرغبون أن يشعر أبناءهم بضغط أقرانهم لحضور الصلوات المسيحية. ومن ناحية أخرى، فإن الجمهوريين أقوى في دعم قيم العائلة التقليدية ومعارضة التحررية الجنسية؛ وهذا يجذب كثيرًا من المسلمين (خاصة من المهاجرين الآسيويين) للحزب الجمهوري".[18]

وقد تأمل مزروعي في المواقف الغربية والمسلمة من رواية (آيات شيطانية) لمؤلفها سلمان رشدي كمثال آخر بارز على تناقض القيم الغربية والقيم الإسلامية. فبينما احتفى الغرب بالرواية باسم حرية التعبير والإبداع، احتج عليها المسلمون -وبعنف أحيانًا- في بلاد الغرب وخارجها، فكانت هذه حالة مثلى لحوار الطرشان بين المسلمين والغرب من وجهة نظر مزروعي؛ فبينما اندهش الغرب من شدة غضب المسلمين، استغرب المسلمون من عدم حساسية الغرب لمشاعر المسلمين.[19] فالدين هو أقدس ما لدى المسلمين، بينما الحرية السياسية هي أقدس ما لدى الغرب. لكن هذه الحادثة كانت أيضًا مثالًا على تخلي الغرب عن قيمه حين يتعلق الأمر بالإسلام. فدفاع الغرب عن حرية التعبير واحتجاجه على حظر الرواية في كثير من البلاد المسلمة يتعارض مع ممارسة الغرب لحظر النشر حتى وقت قريب.

"اعتبر مفكرون غربيون أن رشدي فنان له حق مقدس في أن يجنح بخياله في كتاباته حيث شاء، بل إن ذلك واجب عليه. لكن رواية (عشيق السيدة تشاترلي) ظلت حتى ستينات القرن العشرين مرفوضة أخلاقيًا ومحظورة وفق القانون البريطاني لتجرؤها على تصوير علاقة غرامية بين سيدة نبيلة متزوجة وأحد عمالها في الضيعة".[20]

بل إن مزروعي نفسه عانى من حظر النشر في الغرب، وتحديدًا في الولايات المتحدة، عندما وصف كارل ماركس وصفًا مجازيًا في سلسلته التلفزيونية "الأفريقي" عام 1986 بأنه "آخر الأنبياء اليهود العظام".

ويتجلى تخلي الغرب عن مبادئه -من وجهة نظر مزروعي- في إصراره على تغريب العالم. فيرى مزروعي أن مجتمعات الغرب فشلت في الالتزام بأساطيرها الليبرالية التي تدعو إلى احترام التعددية والتنوع. فثقافات العالم تضعف -بل يموت بعضها عمليًا- بفعل هيمنة ثقافة الغرب عليها.[21] ومن ثم وجد المسلمين ثقافاتهم ضحية للغرب، سواء في زمن الاستعمار أو زمن العولمة الحالي، حيث يسعى الغرب لتنميط ثقافات العالم والهيمنة عليه.

"إن إحدى نتائج العولمة هي أننا بدأنا نتشابه بدرجة أكبر بكثير من تشابهنا في أي زمن مضى، بغض النظر عن المسافات. فالتنميط يعني زيادة التشابه. والصفة الثانية المصاحبة للعولمة هي الهيمنة التي أعنى بها ذلك التركيز العجيب للقوة في بلد واحد أو حضارة واحدة".[22]

وهكذا انتقل إلى البلاد المسلمة نموذج الدولة القومية الأوربي، وتزايد استخدامها للغات والتقنية الأوروبية التي تحمل القيم الغربية، وحلت نظم التعليم الغربية محل مدارس المسلمين التقليدية، وزاد تأثير وسائل الإعلام الغربية في نشر الأخبار والمعلومات والترفيه زيادة هائلة، وأصبح استعمال التقويم المسيحي وزي الرجال الغربي شائعًا جدًا في العالم الإسلامي.[23]     

ولا يستسلم المسلمون دائمًا لقوى التغريب بل يقاومونها أحيانًا. فمثلًا، يرى مزورعي أن ميل المسلمين لزيادة الإنجاب يعبر في جانب منه عن رفض للثقافة الغربية وتدخل الغرب في حياة المسلمين الخاصة.[24] وبصفة عامة، يشجع مزروعي المسلمين على مقاومة قوى التغريب، ووضع حد لقيام الغرب بتدمير التعددية والتنوع في الوقت الذي يتغنى بهما.

"تقع على أكتاف الإسلام مسؤولية ثقيلة باعتباره الثقافة التي تنتج متمردين على الهيمنة الغربية ... إنه الطليعة في مواجهة الهيمنة الثقافية الغربية. فعندما نشتكي من المسلمين الأصوليين، علينا أن نتذكر أن هذا المصطلح يصف حالة من التمرد ضد الانسحاق في ثقافة الأغلبية في العالم".[25]

لكن الغرب ليس مستعدًا دائمًا للاستماع إلى صرخات المسلمين في وجه استعماره الثقافي، تمامًا كما لم يكن مستعدًا للاستماع إلى صرخات الفقراء في وجه استعماره الاقتصادي. ولذلك ينفجر غضب المسلمين بعنف أحيانًا، وهذا أحد تفسيرات الثورة الإيرانية التي صدمت الغرب الأطرش.[26]

ولم يكن استعمار الغرب للمسلمين ثقافيًا فقط، بل سياسيًا وعسكريًا أيضًا. فوفقًا لمزروعي، وقع أكثر من ثلثي العالم الإسلامي في براثن "إمبراطورية الغرب الجماعية" رسميًا في النصف الأول من القرن العشرين ثم خضع معظم العالم الإسلامي لتلك الإمبراطورية بشكل غير رسمي في النصف الثاني من القرن ذاته.[27] ولم يتوقف عدوان الغرب العسكري على المسلمين خلال تلك الفترة. فكان الفلسطينيون واللبنانيون والليبيون والعراقيون من بين مئات الآلاف الذين قتلوا على يد الغرب أو بإشارة منه. فعدد القتلى المسلمين بين حربي السويس عام 1956 والخليج عام 1991 فاق بكثير عدد قتلى حلف وارسو. أما النظام العالمي الجديد الذي ظهر بعد حرب الخليج، فكان المسلمون أكبر ضحايا حملاته العسكرية.[28] ولا يبرئ مزروعي الغرب من الدم العربي الذي تسفكه إسرائيل، بل يعتبره مظهرًا لعدوان الغرب غير المباشر على المسلمين. فبريطانيا هي التي قسمت فلسطين وأنشأت دولة إسرائيل، وفرنسا كانت أول من ساعدها في برنامجها النووي،[29] أما الولايات المتحدة فلا تزال تمدها بكل أشكال الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية يستخدم الغرب الأمم التحدة أداة لإضفاء الشرعية على إمبراطوريته الجماعية غير الرسمية. وقد أوضح مزروعي مدى هيمنة الغرب على تلك المنظمة الدولية.

"فالأمم المتحدة -التي يفترض أنها مؤسسة عالمية- تمثل الدول والمناطق، لكنها لا تسعى لتمثيل الحضارات. فستةُ من أمنائها العامِّين السبعة السابقين [قبل عام 1998] ينتمون إلى تقاليد مسيحية، رغم أن العالم المسيحي يضم خُمس سكان العالم فقط ... وكان جميع مؤسسي الأمم المتحدة -وهم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية- ينتمون إلى حضارة ونصف. فبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا والشطر الأوروبي في الاتحاد السوفيتي ينتمون جميعًا للحضارة الغربية ... وظهر في الأمم المتحدة نوع من النظام التشريعي ذي المجلسين: فمجلس الأمن هو الهيئة الأعلى الأكثر سلطة والأقل تمثيلًا، والجمعية العامة هي الهيئة الأدنى الأقل سلطة والأكثر تمثيلًا. وكان أصل هذا النظام الثنائي غربيًا تمامًا ... وكانت إحدى أكبر وظائف الأمم المتحدة هي المساعدة في حفظ السلام وفقًا لمبادئ القانون الدولي الذي كان في حد ذاته وليد التاريخ الدبلوماسي الأوروبي والسياسة الأوروبية، وكان يسمى سابقًا قانون الأمم المسيحية".[30]

وكما يقاوم المسلمون هيمنة الغرب الثقافية أحيانًا، فإنهم يقاومون هيمنته السياسية والعسكرية أحيانًا. وازدادت هذه المقاومة في النصف الثاني من القرن العشرين. ويضرب مزروعي عدة أمثلة على ذلك. فحربا التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962) والأفغانية ضد الاحتلال السوفيتي (1979-1989) كانتا محاولة من المسلمين للمشاركة في صناعة التاريخ. فالحرب الأولى ساهمت في تغيير النظام الدستوري في فرنسا ومن ثم التاريخ الأوروبي، والحرب الثانية أدت إلى انهيار الإمبراطورية السوفيتية وبعدها الاتحاد السوفيتي ذاته ومن ثم النظام العالمي.[31] وبعد استقلال دولهم، ظهر المسلمون تدريجيًا كحراس لأمن العالم الثالث، وقادته في المنظمات الدولية منذ السبعينيات.[32] وتحاول بعض دولهم استخدام الطاقة النووية، بما يؤثر ليس فقط في أمن العالم النامي بل توازن القوى بينه وبين الدول الصناعية في الشمال أيضًا.[33]

 

ثالثًا: استفادة الغرب من الإسلام الصحيح واستفادة المسلمين من الغرب

رغم التوتر في بعض جوانب العلاقة بين المسلمين والغرب، يدعو مزروعي المجتمعات الغربية للاستفادة من تعاليم الإسلام في إصلاح بعض مفاسدها. وليس المقصود أن تتحول تلك المجتمعات إلى الإسلام بل تطبيق قيمه التي قد تنقذها من أزماتها الأخلاقية والاجتماعية؛ فعلى سبيل المثال، تعاني تلك المجتمعات من الآثار المدمرة لتغليب القيم الفردية على القيم الجماعية. فمن الصعب جدًا أن تتدخل الحكومات في حرية الفرد حتى وإن عرّضته أو عرّضت آخرين للخطر. وينعكس ذلك في تفاقم مشكلات إدمان الكحول وتعاطي المخدرات، بما يؤدي لانتشار الفوضى والاضطراب والخروج المتعمد على القوانين والأعراف الاجتماعية. وهنا يمكن أن يستفيد الغرب من دعوة الإسلام للتحكم في النفس وضبط إشباع الشهوات.[34]

وهذه الدعوة لا تخص الأفراد فقط، بل تستفيد منها الجماعات والدول أيضًا. فهي قادرة على حماية الغرب من بعض ممارساته غير الأخلاقية؛ فيمكن لقيم الإسلام أن تساعد الغرب على كبح عنفه ووحشيته ضد الغير التي تجلت في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي؛ فمبدأ التوحيد يحفظ المؤمنين به من الانحطاط لأسفل دركات الشر والفساد.

"فكثيرًا ما يُنتقد المسلمون لأنهم لا ينتجون الأفضل، لكنهم نادرًا ما يشكرون على معايير السلوك التي تحميهم من ارتكاب الأسوأ. فلم يعرف المسلمون في الواقع ما يشبه معسكرات الإبادة الجماعية الممنهجة النازية، ولا فتوحات للبلدان بالتطهير العرقي على غرار ما فعل الأوروبيون في الأمريكتين وأستراليا، ولا ما يشبه الفصل العنصري الذي أقرته الكنيسة الهولندية الإصلاحية في جنوب أفريقيا، ولا عنصرية اليابان الدموية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا حقول القتل في كمبوديا تحت حكم بولبوت، ولا ثقافة القتل العنصرية في ولايات الجنوب الأمريكية قديمًا، ولا إرهاب ستالين باسم خطط السنوات الخمس، ولا يمكن أن يلام الإسلام على أي من الحربين العالميتين الوحيدتين في التاريخ البشري".[35]

وفي المقابل، يدعو مزروعي المسلمين للاستفادة من خبرة الغرب السياسية، لاسيما في مجال الحكم الديمقراطي. وهو يعرف الديمقراطية كنقيض للثيوقراطية. فالأولى نظام يتمركز حول الشعب، والثانية نظام يتمركز حول الرب. ويفسر مزروعي صعوبة التحولات الديمقراطية في المجتمعات المسلمة بالمغزى السياسي لمبدأي التوحيد والأمة كما فهمه المسلمون طوال تاريخهم. فقد فهم المسلمون المغزى السياسي لمبدأ التوحيد فهمًا صارمًا بمعنى السعي الدائم لتوحيد صف المسلمين والابتعاد عن كل ما يشق ذلك الصف. كما فهموه بمعنى الربط التام بين الدين والدولة. وفهم المسلمون مبدأ الأمة بمعنى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ أي ما يزيد اليوم عن مليار نسمة. ويرى مزروعي أن على المسلمين إعادة النظر في فهمهم لهذين المبدأين والاستفادة من الغرب في ذلك. فمن جهة، تشير الخبرة التاريخية الإنجليزية مثلًا إلى إمكانية تحقق التحول الديمقراطي عند تقوية النزعة الديمقراطية في المجتمع أولًا ثم إضعاف النزعة الثيوقراطية في الدولة لاحقًا.[36] ومن جهة أخرى، يمكن أن تخضع حكومات الدول المسلمة لمحاسبة الأمة إذا تحول هذا المفهوم إلى مفهوم محلي، بمعنى من لهم حق التصويت في الدوائر الانتخابية، بمن فيهم النساء بالطبع.[37] فكان مزروعي بذلك يمارس نوعًا من الاجتهاد، مقتديًا بمفكرين مسلمين أعجب بدورهم التنويري في العصر الحديث مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال.[38] وإذا لم يقتنع المسلمون بضرورة الاجتهاد الآن، فإنهم -كما يرى مزروعي- سيجبرون على ذلك تحت ضغط الثورة الصناعية الثالثة وتكنولوجيا الشبكة العنكبوتية التي قد تفرز مذهبًا جديدًا في الفقه الإسلامي.[39]

ولعل الحضور الإسلامي المتزايد في الغرب يساعد على استفادته من الإسلام وعلى نقل خبرته للعالم الإسلامي. ويرى مزروعي أن الغرب تنبه متأخرًا إلى ازدياد ذلك الحضور. فقد لاحظ مزروعي في تسعينات القرن الماضي أن الإسلام بات أسرع الأديان انتشارًا في أمريكا الشمالية، وتنبأ -وصدقت نبوءته- بأن عدد المسلمين في الولايات المتحدة سيزيد عن عدد اليهود فيها. كما أصبح الإسلام ثاني أكبر الأديان في فرنسا بعد المسيحية الكاثوليكية. وبدأ مسلمو بريطانيا يطالبون الحكومة بدعم مدارسهم الدينية. وتنبه الألمان إلى أن تشجيع العمال الأتراك على الهجرة إلى بلادهم في السبعينيات كان أيضًا دعوة لإقامة المساجد ورفع الأذان في المدن الألمانية. واكتشفت أستراليا أنها تجاور أكبر بلد في العالم من حيث عدد المسلمين.[40]

ولعل المسلمين في الغرب يشاركون في تعريف مجتمعاتهم بقيم الإسلام، فهم أقرب من غيرهم لواقعها وأدرى بشعابها، خاصة وأن شهية كثير من أبناء هذه المجتمعات للتعرف على الإسلام تزيد ولا تقل مع كثرة الإساءات المنسوبة إليه. ويستطيع المسلمون بناء جسور مع المؤسسات الأهلية في الغرب، ليس فقط للتحاور معها حول القيم الحضارية وإنما لتقديم حلول عملية لمشاكل المجتمعات الغربية أيضًا. وهذا النوع من الحوار بين أطراف المجتمع المدني أجدى بكثير من الحوارات الرسمية التي تغلّب الاعتبارات السياسية والدبلوماسية.

رحم الله علي مزروعي، وأعان المسلمين على إكمال مشواره الفكري والعملي.

لتحميل ملف المقال (هنا)

 

 * دراسة نشرت في مجلة قراءات أفريقية، العدد 27، يناير 2016، ص ص 104-113.

**  أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد (الإمارات العربية المتحدة) ورودس (جنوب أفريقيا).

[1]  لمزيد من التفاصيل عن إسهامات علي مزروعي الواردة في هذا المقال انظر:

Ahmed Ali Salem, “The Islamic Heritage of Mazruiana,“ in: Parviz Morewedge (ed.), The Scholar between Thought and Experience: A Bibliographical Festschrift in Honor of Ali Mazrui (Binghamton, NY: Institute of Global Cultural Studies, 2001) pp.63-101

وهذا الفصل هو المصدر الأساسي للمعلومات في هذا المقال.

[2] Ali A. Mazrui, “Religion and Political Culture in Africa“, Journal of the American Academy of Religion, vol. 53, no. 3, 1985, p.830.

[3] Abdul Samed Bemath, The Mazruiana Collection: A Comprehensive Annotated Bibliography of the Published Works of Ali A. Mazrui, 1962-1997 (New Delhi: Sterling Publishers Private Limited, 1998) p.99.

[4] Ali A. Mazrui, “Islam and Islamophobia: Conflicting Images in a Eurocentric World“, in: Masudul A. Choudhury, Abdad M. Z. and Muhammad S. Salleh (eds.), Islamic Political Economy in Capitalistic-globalization: an agenda for change (Kula Lumpur: Utusan Publications and Penang: International Project on Islamic Political Economy, Universiti Sains Malaysia, 1997) p 92.

[5] Ibid, pp 92-95; Ali A. Mazrui, “Islam and the End of History“, American Journal of Islamic and Social Sciences, vol. 10, no. 4, winter 1993, pp 513-514.

[6] Ali A. Mazrui, “Islam and Islamophobia“, op. cit., pp 92-93.

[7] Ibid, pp 94-98; Ali A. Mazrui, “Muhammad, Marx and Market Forces“, in: Ali A. Mazrui, Cultural Forces in World Politics (London: James Currey; Portsmouth, NH: Heinemann; Nairobi, Kenya: Heinemann, 1990) pp 73-76.

[8] Ali A. Mazrui, “Muhammad, Marx and Market Forces“, op. cit., pp 75-77; Ali A. Mazrui, “Islam and Islamophobia“, op. cit., pp 96-97.

[9] Ali A. Mazrui, “Islam and Islamophobia“, op. cit., pp 97-98.

[10] Ali A. Mazrui, “Muhammad, Marx and the Market Forces“, op. cit., pp 78-79.

[11] Ibid, pp 67-69; Ali A. Mazrui, “Islam and Islamophobia“, op. cit., pp 96-97.

[12] Ali A. Mazrui, “Muhammad, Marx and Market Forces“, op. cit., pp 76-77, p 81.

[13] Ibid, p 68.

[14] Ali A. Mazrui, “Hegemony: From Semites to Anglo-Saxons“, in: Ali A. Mazrui, Cultural Forces in World Politics, op. cit. An early version was published in: Alternatives, vol. 11, no. 1, January 1986.

[15] Ali A. Mazrui, “Islamic and Western Values“, Foreign Affairs, vol. 76, no. 5, September-October 1997, p 120.

[16] Ali A. Mazrui, “Globalization, Islam, and the West: Between Homogenization and Hegemonization“, American Journal of Islamic and Social Sciences, vol. 15, no. 3, fall 1998, pp 6-7.

[17] Ali A. Mazrui, “Christian Power and Muslim Challenge in Africa’s Experience“, Indian Journal of Politics, vol. 12, no. 3, December 1978, p 145.

[18] Ali A. Mazrui, “Between the Crescent and the Star-Spangled Banner: American Muslims and US Foreign Policy“, International Affairs (London), vol. 72, no. 3, July 1996, p 498; Ali A. Mazrui, “Islam in a More Conservative Western World“, American Journal of Islamic and Social Sciences, vol. 13, no. 2, summer 1996, pp 246-247.

[19] Ali A. Mazrui, “Cultural Treason and Comparative Censorship: The Satanic Verses“, in: Ali A. Mazrui, Cultural Forces and World Politics, op. cit., p 83.

[20] Ali A. Mazrui, “Islamic and Western Values“, op. cit., p 123.

[21] Ibid, p 120; Ali A. Mazrui, “The World of Islam: A Political Overview“, Journal Institute of Muslim Minority Affairs, vol. 3, no. 2, July 1990, p 219.

[22] Ali A. Mazrui, Cultural Forces and World Politics, op. cit., pp 2-3.

[23] Ibid, pp 3-4; Ali A. Mazrui, “The Imperial Culture of North-South Relations“, in: Ali A. Mazrui, Qadayah Fikriyyah: Afriqya wal-Islam wal-Gharb [in Arabic], translated by Subhi Qunsuwa and others (Cairo: the Center of African Future Studies, 1998) pp 84-86.

[24] Ali A. Mazrui, “Islamic Doctrine and the Politics of Induced Fertility Change: An African Perspective“, in: Jason L. Finkle and C. Alison McIntosh, The New Politics of Population: Conflict and Consensus in Family Planning (New York: The Population Council, 1994) pp 125-126.

[25] Ali A. Mazrui, “The World of Islam: A Political Overview“, op. cit., pp 224-225.

[26] Ali A. Mazrui, “America and the Third World: A Dialogue of the Deaf“, in: Ali A. Mazrui, Cultural Forces in World Politics, op. cit., pp 116, 126-128.

[27] Ali A. Mazrui, “The Imperial Culture of North-South Relation“, op. cit., p 55.

[28] Ali A. Mazrui, “Global Aratheid? Race and Religion in the New World Order“, in: T. Y. and J. S. Ismael (eds.), The Gulf War and the New World Order: International Relations of the Middle East (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1994) p 531.

[29] Ali A. Mazrui, “The Nuclear Option and International Justice: Islamic Perspectives“, in: Nimat H. Barazangi, M. Raquibuz Zaman and Omar Afzal (eds.), Islamic Identity and the Struggle for Justice (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1996) pp 95-99.

[30] Ali A. Mazrui, “Globalization, Islam, and the West“, op. cit., pp 7-8.

[31] Ali A. Mazrui, Islam and the End of History, op. cit., pp 527-531.

[32] Ali A. Mazrui, “Changing the Guards from Hindu to Muslims“, in: Ali A. Mazrui, Cultural Forces in World Politics. An early version was published in: International Affairs (London), vol. 57, no. 1, winter 1980-81.

[33] Ali A. Mazrui, “The Nuclear Option and International Justice“, op. cit.

[34] Ali A. Mazrui, “Islam and the End of History“, op. cit., p 533.

[35] Ali A. Mazrui, Islam, Western Democracy and the Third Industrial Revolution: Conflict or Convergence (Abu Dhabi, UAE: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, Emirates Lecture no. 17, 1998) pp 8-9.

[36] Ibid, pp23-25, 35-36.

[37] Ali A. Mazrui, Islam and the End of History, op. cit., p 531.

[38] Ibid, pp 516-518.

[39] Ali A. Mazrui, Islam , Western Democracy and the Third Industrial Revolution, op. cit., p 17.

[40] Ali A. Mazrui, “North American Muslims: Rising to the Challenge of a Dual Identity“, Islamic Studies (Pakistan), vol. 3, no. 4, winter 1995, p 451.

صدر عن المعهد الدولي للوقف الإسلامي «الملخص التنفيذي للتقرير الاستراتيجي للأوقاف 2024–2025م»، وهو الإصدار الثالث من سلسلة التقارير الاستراتيجية التي يصدرها المعهد، ويهدف إلى رصد وقياس الأداء المؤسسي للمؤسسات الوقفية العامة في العالم الإسلامي والمجتمعات المسلمة.

ومن أبرز ما ورد بهذا الملخص التنفيذي:

أولًا: منهجية الرصد ونطاق التقرير

يستند التقرير الاستراتيجي في نسخته الثالثة إلى تغطية جغرافية واسعة شملت 76 دولة ومجتمعًا مسلمًا موزعة عبر عشرة أقاليم جغرافية في ست قارات حول العالم. وقد اعتمدت الدراسة بشكل جوهري على "معيار الأداء الوقفي المؤسسي" (BWIP) كأداة قياس رئيسية، حيث يتم تقييم المؤسسات الوقفية من خلال نحو 40 متغيرًا مؤثرًا في الأداء. ومن خلال استطلاعات الرأي التي أجراها المعهد مع الخبراء، تبين أن هناك تفاوتًا في أهمية هذه المتغيرات، حيث تصدرت كفاءة الموارد البشرية القائمة بنسبة 76.9%، تلاها الاستقرار في الدولة بنسبة 73.1%، ثم حجم الأصول الوقفية والحوكمة، مما يعكس شمولية المنهجية المتبعة في رصد الواقع الوقفي العالمي.

 

ثانيًا: مؤشرات الأداء المؤسسي والتميز الدولي

أظهرت نتائج التقرير تباينًا واضحًا في أداء الدول بناءً على معايير الحوكمة والبيئة التشريعية والموارد، ففي جانب الحوكمة والشفافية، برزت دول مثل: (تركيا، إندونيسيا، الأردن، ماليزيا، والسعودية) بصفتها نموذجًا يحتذى، من خلال التزامها بإصدار تقارير سنوية تفصيلية. وفيما يخص كفاءة الموارد البشرية، التي تُعد ركيزة أساسية، تصدرت: (الكويت وسنغافورة والإمارات) قائمة الدول المهتمة بتطوير الكادر البشري الوقفي. كما أوضح الرصد أن ملاءمة القوانين والتشريعات لعبت دورًا حاسمًا في تميز دول مثل: (السعودية والمغرب وتركيا). ومن الجدير بالذكر أن معالجة مشكلة حصر وتسجيل الأوقاف كانت عاملًا فارقًا في تحسين الأداء المؤسسي لدول مثل: (تركيا والإمارات وقطر)، في حين لا تزال دول أخرى تعاني من ضعف التوثيق.

 

ثالثًا: خارطة التصنيف العالمي للأوقاف

بناءً على مخرجات معيار (BWIP)، تم تصنيف الدول إلى ثلاث فئات رئيسة تعكس مستوى نضجها المؤسسي؛ ضمت الفئة الأولى 17 دولة تمكنت من تجاوز 7 نقاط في التقييم؛ وشملت دولًا رائدة مثل: السعودية، الكويت، قطر، ماليزيا، تركيا، وإندونيسيا، مما يشير إلى قوة منظومتها الوقفية. أما الفئة الثانية، فقد كانت الأكثر اتساعًا بضمها 34 دولة تراوح أداؤها بين 4 إلى 7 نقاط، وضمت دولًا متنوعة مثل فلسطين، العراق، روسيا، وكندا. في حين وقعت 25 دولة في الفئة الثالثة بحصولها على أقل من 4 نقاط. وعلى الصعيد الإقليمي، تصدرت دول شبه الجزيرة العربية المشهد بنسبة أداء بلغت 79.42%، تلاها إقليم جنوب شرق آسيا بنسبة 63.33%.

 

رابعًا: التحولات الاستراتيجية والابتكار في القطاع

يشهد القطاع الوقفي تحولات جذرية متأثرة بتطور الصناعة المالية الإسلامية التي تجاوزت أصولها 5.4 تريليون دولار؛ حيث تستفيد الدول المتقدمة وقفيًا من هذا النمو لدمج أدوات التمويل الإسلامي كالصكوك في استثماراتها. وفي سياق الابتكار الاجتماعي، رصد التقرير عودة قوية للأوقاف الجامعية، مستدلًا بتجربة ماليزيا التي تمتلك فيها 17 جامعة حكومية صناديق وقفية لدعم التعليم والبحث العلمي. كما برز التوجه نحو الأوقاف الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي، كما هو الحال في مزارع الزيتون الوقفية بتركيا والأوقاف الزراعية في إندونيسيا وغرب إفريقيا. تقنيًا، بدأت تقنيات التمويل (FinTech) والذكاء الاصطناعي تأخذ حيزًا في إدارة الأوقاف، لا سيما في السعودية والإمارات، مما يعزز الكفاءة والإنتاجية.

 

خامسًا: واقع المعرفة الوقفية والنشر العلمي

أكد التقرير على تنامي الاهتمام المعرفي والأكاديمي بمجال الوقف، حيث لا تزال الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت تتصدر المشهد في النشر العلمي الورقي عبر "مجلة أوقاف" المتخصصة. كما ظهرت مبادرات نوعية من القطاع الخاص، مثل مؤسسة "ساعي" السعودية التي نشرت أكثر من 92 كتابًا متخصصًا. وعلى صعيد الفعاليات، تم رصد انعقاد مؤتمرات دولية تناقش قضايا معاصرة دقيقة، مثل مؤتمرات حول الذكاء الاصطناعي في العمل الإنساني واستراتيجيات الابتكار في الوقف، مما يعكس تطور الخطاب المعرفي الوقفي.

 

سادسًا: خارطة المخاطر والفرص المستقبلية

يواجه القطاع الوقفي جملة من المخاطر والتحديات، أبرزها الصراعات المسلحة التي كبدت أوقاف قطاع غزة خسائر تجاوزت 500 مليون دولار، بالإضافة إلى مخاطر الركود الاقتصادي والكوارث الطبيعية والاختراقات السيبرانية. وفي المقابل، تلوح في الأفق فرص واعدة للمؤسسات التي تتبنى التحول الرقمي وتوظف الذكاء الاصطناعي. كما يُعد الاستثمار في الأوقاف الزراعية فرصة استراتيجية، خاصة أن الدول الإسلامية تمتلك ثلث الأراضي الزراعية في العالم، إلى جانب فرص الاستثمار في الرعاية الصحية والطاقة البديلة وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص.

 

خاتمة: تطلعات المستقبل وآفاق الريادة الوقفية

يُختتم التقرير الاستراتيجي الثالث للأوقاف برؤية استشرافية تؤكد أن القطاع الوقفي يمر بمرحلة تحول مفصلية، حيث لم يعد مجرد نشاط تقليدي، بل بات صناعة استراتيجية تتطلب أدوات قياس دقيقة. وقد سلط التقرير الضوء على 16 تجربة وقفية رائدة عبر عشرة أقاليم متنوعة، بهدف استخلاص النماذج الناجحة التي يمكن تعميمها في العالم الإسلامي، مع التركيز على مؤشرات التحول نحو الاستثمار المبتكر، وتقنيات التمويل الحديثة، والابتكار في المصارف الوقفية لتلبية الاحتياجات المجتمعية المتجددة.

وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن التكنولوجيا ستكون العامل الحاسم في تشكيل المشهد الوقفي القادم؛ فالمؤسسات التي ستنجح في استكمال عمليات التحول الرقمي وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرات كوادرها البشرية، هي التي ستتمكن من تحقيق الاستدامة المالية والاستقلال عن التمويل الحكومي. ومن المرجح أن تتصدر المؤسسات التي تستثمر في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات المشهد الوقفي، خاصة في دول شبه الجزيرة العربية وجنوب شرق آسيا، شريطة أن تنجز أتمتة مهامها التنظيمية وتعزز أنظمة إدارة المخاطر والامتثال.

جغرافيًا، سيظل إقليم شبه الجزيرة العربية حاضنة وقفية رئيسية ومركزًا للثقل الاقتصادي الوقفي، بالتزامن مع صعود ملحوظ لدول في أقاليم جنوب شرق آسيا وشمال إفريقيا وبلاد الشام، التي بدأت تطور نظمها المحلية معتمدة على بناء القدرات الذاتية. كما يرصد التقرير توجهًا متناميًا نحو الأوقاف العائلية وانتقال الأصول الوقفية بين الأفراد ذوي الثروات، مما يستدعي وجود تشريعات قانونية مرنة وبيئات استثمارية جاذبة ومعفية من الضرائب لاستقطاب هذه الأصول وتنميتها.

 

بين الأداء المؤسسي والمقاصد الشرعية: نحو تقويم حضاري للوقف:

يمثل إصدار تقرير سنوي استراتيجي للأوقاف إضافة نوعية مهمة لرسم خريطة واضحة -إلى حد كبير- لأداء المؤسسات الوقفية ومسارات تطورها، لا سيما حين يصدر عن معهد متخصص ومستقل؛ فالمعهد الدولي للوقف الإسلامي، بوصفه مؤسسة دولية مستقلة غير ربحية تأسست في ماليزيا عام 2008م، يتمحور عمله حول تطوير المعرفة الوقفية وبناء القدرات والاستشارات، ويوفّر إطارًا مؤسسيًا يمنح تقاريره قدرًا معتبرًا من المصداقية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من شمول هذا التقرير لجملة واسعة من المؤشرات، فإنه لا يزال قابلًا لمزيد من التطوير ليكون أكثر قدرة على تمثيل الواقع الوقفي المركّب. فمعيار (BWIP)، رغم أهميته في المقارنات الدولية، يبقى محدودًا في التقاط الأبعاد النوعية العميقة، مثل مستوى الشفافية الفعلية، واستقلال الرقابة، وجودة الإفصاح المالي، وهي عناصر لا تختزلها التقارير الشكلية ولا المؤشرات الرقمية المجردة.

كما أن تحسّن مؤشرات الحوكمة والكفاءة في عدد من الدول يثير سؤالًا جوهريًا لا تزال الأدوات الكمية عاجزة عن الإجابة عنه: إلى أي مدى تُدار هذه الأوقاف بروح الوقف الشرعية بوصفه مالًا محبوسًا لمصالح الأمة، لا بوصفه محفظة استثمارية سيادية؟ فالتوسع في الصكوك والأدوات المالية، وإن عزز العوائد، يطرح تحديات مقاصدية حول خطر تغليب المنطق الربحي على الوظيفة الاجتماعية والحضارية للوقف.

وتكشف خريطة التصنيف كذلك أن التفوق الوقفي يرتبط قبل كل شيء بوجود تشريعات واضحة، وسجلات مميكنة، وهيئات مستقلة، وهو ما يؤكد أن أزمة الوقف في العالم الإسلامي ليست في ندرة الأموال، بل في هشاشة البنية القانونية والمؤسسية التي تحكمها. فالوقف لا ينهض بالتقنية وحدها، بل باستقلال إداري، ونظم مساءلة، وقضاء وقفي يحمي الأصول من التسييس والاستيلاء.

ومن ثم فإن التقرير الاستراتيجي للأوقاف سيكون أكثر دقة وإحاطة إذا أضاف إلى مؤشراته البُعدين الحضاري والمقاصدي في تقويم الأداء؛ بحيث يُقاس الوقف بقدرته على معالجة اختلالات الأمة الكبرى: من الفقر والتفاوت الطبقي، إلى التخلف العلمي، والتفكك الاجتماعي، وتهميش الإنسان المسلم، وصولًا إلى تغوّل الاستبداد الذي صادر كثيرًا من أموال الوقف وحوّلها من رافعة للتحرر إلى مورد للسلطة.

 

ويمكن تحميل هذا الملخص من (هنا)

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم الشعب

مجلس الدولة

المحكمة الإدارية العليا

الدائرة الرابعة – موضوع

بالجلسة المنعقدة برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فوزي عبد راضي سليمان أحمد

نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / هلال صابر محمد العطار               (نائب رئيس مجلس الدولة)

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / حلمي محمد إبراهيم عامر           (نائب رئيس مجلس الدولة)

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / شعبان عبد العزيز عبد الوهاب       (نائب رئيس مجلس الدولة)

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / بهاء سعيد عواد سليم                 (نائب رئيس مجلس الدولة)

وبحضور السيد الأستاذ المستشار / وائل شماطه                                             (مفوض الدولة)

وسكرتارية السيد / سيد أمين راضي                                                       (سكرتير المحكمة)

أصدرت الحكم بالآتي

في الطعن رقم ٧٤٠١٩ لسنة ٦٩ ق. عليا

المقام من:

...

...

ضـــــــــــــد:

رئيس جامعة جنوب الوادي بصفته

في القرار الصادر من مجلس تأديب العاملين من غير أعضاء هيئة التدريس

بجامعة جنوب الوادي بجلسة ١١/ ١٢/ ٢٠٢٢ في الدعوى رقم ١٢ لسنة ٢٠٢٢

 

الإجراءات

بتاريخ ٣١/ ١/ ٢٠٢٣ أودع وكيل الطاعن قلم كتاب هذه المحكمة تقرير الطعن الماثل فيما قضى به قرار مجلس التأديب للعاملين من غير أعضاء هيئة التدريس بجامعة جنوب الوادي بجلسة ١١/ ١٢/ ٢٠٢٢ في الدعوى رقم ١٢ لسنة ٢٠٢٢ بمجازاة/.. بخصم ثلاثة أيام من أجره.

 

وطلب الطاعن -للأسباب الواردة بتقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا ببراءته مما هو منسوب إليه.

وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا مسببًا بالرأي القانوني في الطعن.

وتداول نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة بجلساتها على النحو الثابت بمحاضرها والتي قررت بجلسة ٢٤/٢/٢٠٢٤ إحالته إلى هذه المحكمة- دائرة الموضوع – لنظره بجلسة ٦/٤/٢٠٢٤ والتي نظرته بجلساتها على النحو الثابت بمحاضر وبجلسة ٢٨/٨ ٢٠٢٤ قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة ٢٦/١٠/٢٠٢٤ وفيها قررت المحكمة إعادة الطعن للمرافعة لجلسة ١٦/١١/٢٠٢٤ لتغيير التشكيل وبهذه الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

 

المحكمـــــــــــــــــة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة قانونًا.

من حيث إن الطعن أقيم خلال الميعاد القانوني المقرر ومستوفيًا أوضاعه الشكلية والإجرائية المتطلبة قانونًا فإنه يكون مقبولًا شكلًا.

ومن حيث إن وقائع الطعن تخلص- حسبما يبين من الأوراق- في أنه بتاريخ ١٠/ ٣/ ٢٠٢٢ صدر قرار رئيس جامعة جنوب الوادي رقم ٢٧٧ لسنة ٢٠٢٢ بإحالة كل من:

  • ... مسئول رقابة عهد بالمستشفى الجامعي بجنوب الوادي.
  • ... مدير عام الشئون المالية والإدارية بالمستشفى الجامعي بجنوب الوادي.
  • ... مدير مالي وإداري بمستشفى المعبر التابعة لمستشفى قنا الجامعي بجامعة جنوب الوادي.

إلى مجلس تأديب العاملين من غير أعضاء هيئة التدريس بجامعة جنوب الوادي حيث قيدت ضدهم الدعوى رقم ١٢ لسنة ٢٠٢٢ لمحاكمتهم تأديبيًا عما نسب إليهم من أنهم في غضون عام ٢٠٢٠ وبوصفهم الوظيفي السابق وبدائرة عملهم المشار إليها سلفًا خالفوا القواعد والأحكام المنصوص عليها في القوانين واللوائح المعمول بها ولم يؤدوا العمل المنوط بهم بدقة وخرجوا على مقتضى الواجب الوظيفي بأن:

الأولى: .. فني التمريض بمستشفى قنا الجامعي بالتوقيع على الإقرار السنوي المتضمن وجود عهدة لديها بقسم حضانة الأطفال بمستشفى قنا الجامعي ومكنتها من التوقيع على ذلك الإقرار بتاريخ ٣٠/٦/٢٠٢٠ رغم عدم استلامها العمل فعليًا في ذلك التوقيت بالقسم واستلامها العمل في ٢٤/٨/٢٠٢٠ وذلك على النحو الموضح تفصيلًا بالأوراق.

الثاني: قام بنقل ...  الممرضة بمستشفى قنا الجامعي من مستشفى المعبر إلى مستشفى الطوارئ والإصابات وذلك بالبدل مع ... الممرضة بمستشفى الطوارئ وذلك بتاريخ ١٣/١٢/٢٠٢٠ وذلك بالمخالفة للتعليمات ودون عرض أمر النقل على لجنة الموارد البشرية بالمستشفى ودون إخلاء طرفها من الوحدة المنقولة منها وذلك على النحو الموضح تفصيلًا بالأوراق.

الثالث: وافق على نقل ... - بمستشفى قنا الجامعي من مستشفى المعبر إلى مستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بالبدل مع ... الممرضة بمستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بتاريخ ١٩/١٢/٢٠٢٠ وذلك دون إخلاء طرف ... من الوحدة المنقولة منها ورغم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر وذلك على النحو الموضح تفصيلًا بالأوراق بالمخالفة للتعليمات.

وطلب رئيس جامعة الوادي الجديد محاكمتهم تأديبيًا طبقًا للمواد القانونية الواردة بتقرير الإحالة.

ونظر مجلس التأديب الدعوى التأديبية بجلساته على النحو الثابت بمحاضرها وبجلسة ١١/١٢/٢٠٢٢ صدر قرار مجلس التأديب المطعون فيه وأقام قضاؤه بمجازاة المحال الثالث بخصم ثلاثة أيام من أجره -بعد استعراض نصوص المواد ٥٧ و٥٨ و٥٩ و٦١ من قانون الخدمة المدنية رقم ٨١ لسنة ٢٠١٦- تأسيسًا على ثبوت المخالفة المنسوبة إليه من واقع ما شهد به/ ... مدير التوجيه المالي والإداري بمستشفى قنا الجامعي والذي تولى فحص الموضوع تبين أن نقل الممرضة... من مستشفى المعبر إلى مستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بالبدل مع ... الممرضة بمستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بتاريخ ١٨/١٢/٢٠٢٠ وذلك دون إخلاء طرف .... من الوحدة المنقولة منها وبرغم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر إذ كان يتعين صدور قرار إخلاء طرف للمذكورة قبل تنفيذ قرار النقل والمسئول عن ذلك المخالف الثالث بصفته الوظيفية إذ كان يتعين عليه عدم إخلاء طرف المذكورة إلا بعد التأكد من عدم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر، لا سيما وأنه كان يعلم بوجود عهدة لدى المذكورة وفقًا لتوقيعه على كتابات وارد بها ذلك، وأنه لم يترتب على تلك المخالفات أي ضرر وتم إلغاء نقل المذكورة بناءً على قرار رئيس الجامعة. الأمر الذي تغدو معه المخالفة المنسوبة إليه ثابتة في حقه بما يشكل في حقه ذنبًا إداريًا يستوجب مجازاته تأديبيًا.

من حيث إن مبنى الطعن الماثل يقوم على أسباب حاصلها فساد التحقيقات في الاستدلال لاستنادها على شهادة شاهد واحد فقط هو/ ... مدير إدارة التوجيه المالي والإداري بالمستشفى الجامعي والتي لا تستند إلى أي دليل من الواقع أو المعقول لوجود خصومة بينه وبين الطاعن وأن نقل أي ممرضة أو موظف من مستشفى إلى أخرى ليس من اختصاصه وإنما هو من اختصاص المدير التنفيذي للمستشفيات الجامعية أو السلطة المختصة بالجامعة وهي لرئيس الجامعة وأن دوره ينحصر في رفع الطلب من الشاكية إلى المختصين بالإدارة العليا وأن المستشفيات الجامعية بقنا وحدة واحدة ومن ثم لا يتم عمل إخلاء طرف للمنقول من إحدى هذه المستشفيات إلى أخرى فضلًا عن بطلان التحقيقات الواردة من الشئون القانونية والنيابة الإدارية وبطلان القيد والوصف والمخالفة في تطبيق القانون وكذا مخالفة قرار الإحالة للقانون إذ لم يتم الاستناد إلى نص قانوني موضوعي يجرِّم المخالفة في قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والتناقض والخطأ في الإسناد ومخالفة الثابت بالأوراق والإخلال بحق الدفاع الجوهري على نحو ما ورد تفصيلًا بتقرير الطعن.

ومن حيث إنه عن موضوع الطعن فإنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه حتى يتبين ثبوت الاتهام في حق المخالف يجب أن تثبت المخالفات يقينًا في مواجهته بأن تكون الوقائع ظاهرة الدلالة على ارتكابه المخالفة المنسوبة إليه وأنه لا يجوز الأخذ بشهادة من يظهر من الأوراق أن له مصلحة في إدانة المخالف؛ سواء كانت مصلحة مادية أو أدبية أو بينه وبين المخالف خصومة، كما أنه من المقرر أنه لا يجوز التعويل على الأخطاء البسيطة التي يرتكبها العامل بسبب ضغط العمل أو زلات القلم أو الخطأ الحسابي مادام قد تم تداركه وتصحيحه من قبل السلطات الأعلى وكان العامل حسن النية في ارتكابه لهذا الخطأ البسيط فالأصل أن الاستغراق في العمل يمكن أن يولد أخطاءً بسيطة تستلزمها طبيعة العمل من ناحية والطبيعة البشرية من ناحية أخرى، وقد تكفل الشارع الكريم في الحديث النبوي الشريف برفع الخطأ والنسيان من نطاق المحاسبة ومن الأجدر أن يطبق هذا المبدأ في نطاق التأديب حتى تستقيم الحياة الوظيفية للعامل ولا تكون بمثابة عبء جسيم على أعصابه وعقله وخشية ارتكاب خطأ ولو يسير بما يتأبَّى مع طبائع الأمور في الواقع العملي مادامت هذه الأخطاء غير جسيمة من ناحية وتمليها اعتبارات حسن النية وأمكن تداركها من ناحية أخرى، فهذا لا يجوز مساءلته عنها بوصف أن هذا القدر من الخطأ لا يعد خروجًا على واجبات وظيفية تستلزم توقيع الجزاء التأديبي عليه.

ومن حيث إنه ترتيبًا على ما تقدم ولما كان الثابت من الأوراق أن المخالفة المنسوبة إلى الطاعن المتمثلة في موافقته على نقل .. الممرضة بمستشفى قنا الجامعي من مستشفى المعبر إلى مستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بالبدل مع .. الممرضة بمستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بتاريخ ١٩/١٢/٢٠٢٠ وذلك دون إخلاء طرف .... من الوحدة المنقولة منها ورغم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر؛ ولئن كان ثابتًا في حقه صدور تلك الموافقة منه إلا أنه أنكر بالتحقيقات علمه بوجود عهدة لديها حتى يتم إخلاء طرفها منها قبل نقلها ولم تؤكد التحقيقات وجود عهدة طرف الممرضة .... إذ لم تبين ماهية هذه العهدة وأنواعها وطبيعتها كما أن التحقيقات لم تجزم بعلم الطاعن بوجود عهدة طرف المذكورة فهو علم مفترض لم يقم عليه دليل يقيني من الأوراق والتحقيقات. وفضلًا عن ذلك؛ فإن التحقيقات خلصت إلى عدم تحقق ثَمّ ضرر لحق بجهة العمل جراء ذلك؛ ثم إنه تم إلغاء أمر نقل الممرضة المذكورة بموجب قرار من رئيس الجامعة، ومن ثم فإن هذه الموافقة لم تنتج أثرًا قانوني يذكر واعتبرت كأن لم تكن؛ وبالتالي فإن هذه المخالفة البسيطة في حق الطاعن تعد من قبيل الأخطاء البسيطة التي قد ترتكب بسبب ضغط العمل وكان حسن النية في ارتكابها، وقد تم تداركها وتصحيحها، ومن ثم فلا يجوز مساءلته عنها بوصف أن هذا القدر البسيط من الخطأ لا يعد خروجًا على واجبات وظيفته بما يستلزم توقيع الجزاء التأديبي عليه؛ وهو ما يكون معه قرار مجلس التأديب المطعون فيه غير قائم على سبب صحيح يبرره قانونًا مما يكون معه جديرًا بالإلغاء.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا وفى الموضوع بإلغاء قرار مجلس التأديب المطعون فيه فيما قضى به من مجازاة الطاعن بخصم ثلاثة أيام من أجره مع ما يترتب على ذلك من آثار.

صدر هذا الحكم وتُلي علنًا بالجلسة المُنعقدة يوم السبت ٢٧ من جمادى الآخرة سنة ١٤٤٦ هجرية، الموافق ٢٨ من ديسمبر ٢٠٢٤ ميلادية بالهيئة المُبينة بصدره.

سكرتير المحكمة                                                                                   رئيس المحكمة

 

رحل الدكتور علي مزروعي عن دنيانا عام 2014 وترك لنا علمًا ينتفع به.[1] مئات المؤلفات كتبها عالم السياسة المسلم الأفريقي الذي عمل أستاذًا في جامعات عدة، كان آخرها جامعة نيويورك بمدينة بنجهامتن، حيث أسس معهد الدراسات الثقافية العالمية وظل مديرًا له حتى قبل وفاته بستة أسابيع.[2]

ولد علي الأمين مزروعي في 24 فبراير 1933 في مدينة ممباسا الكينية لأسرة ذات أصول عربية عُمانية استقرت في ساحل أفريقيا الشرقي وحكمت كبرى مدنه -ممباسا- لأكثر من قرن من الزمان قبل الاستعمار البريطاني. كان والده الشيخ الأمين مزروعي قاضي قضاة كينيا، فنشأ على حب العلم، وكانت له دراية باللغة العربية، فضلًا عن لغة قومه السواحلية، واللغة الإنجليزية التي هيمنت على التعليم في المدارس في فترة الاستعمار البريطاني. انتقل مزروعي إلى الغرب لمواصلة تعليمه العالي، حيث حصل على الدرجة الجامعية الأولى من جامعة مانشستر بإنجلترا عام 1960، ثم درجة التخصص (الماجستير) من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة عام 1961، ثم درجة العالمية (الدكتوراه) من جامعة أكسفورد بإنجلترا عام 1966. وخلال فترة دراسته العليا أثبت مزروعي قدراته العلمية بالنشر في دوريات العلوم السياسية الكبرى، مثل مجلة (مراجعة العلوم السياسية الأمريكية) ومجلة (الدراسات السياسية) البريطانية.

عاد مزروعي إلى أفريقيا حيث تولى تدريس العلوم السياسية في جامعة مكريري بأوغندا لنحو عقد من الزمن، وأصبح فيها رئيسًا لقسم العلوم السياسية، وعميدًا لكلية العلوم الاجتماعية، وعميدًا لكلية الحقوق. وبدأ حياته المهنية بقوة حين نشر عام 1967 ثلاثة كتب دفعة واحدة، وهي (نحو سلام أفريقي: دراسة في الأيديولوجية والطموح)، و(عن الأبطال وعبادة الحرية: مقالات عن أفريقيا المستقلة)، و(الكومنولث الإنجليزي-الأفريقي: الانقسام السياسي والتداخل الثقافي). ولم يغادر مزروعي موقعه إلا عندما أصبحت حياته مهددة خلال حكم عيدي أمين؛ إذ أصر مزروعي على الصدع بالحق في وجه ذلك الحاكم المستبد. فعندما طرد أمين سكان أوغندا ذوي الأصول الآسيوية؛ نشر مزروعي مقالًا ذاع صيته انتقد فيه الأسبان لطردهم المسلمين واليهود. ثم ألقى عدة محاضرات عامة انتقد فيها أمين وسابقه ميلتون أوبوتي لانتهاكاتهما في مجال حقوق الإنسان وحكم القانون.

في الولايات المتحدة عمل مزروعي أستاذًا زائرًا في جامعة ستانفورد بين عامي 1972 و1974؛ ثم أستاذًا في قسم العلوم السياسية بجامعة ميتشجن لسبعة عشرة عامًا؛ أي حتى عام 1991. وفي تلك الجامعة شغل مزروعي منصب مدير مركز الدراسات الأفروأمريكية والأفريقية بين عامي 1978 و1981. كما بدأ العمل أستاذًا غير متفرغ في جامعة كورنيل. ولما قبل مزروعي منصب أستاذ كرسي ألبرت شويتزر في الدراسات الإنسانية في جامعة ولاية نيويورك بمدينة بنجهامتن عام 1991، برر هذا الانتقال لأبنائه وتلامذته بالقول: إنني بذلك أواصل العمل بقاعدة أرسيتها منذ زمن بعيد، وهي الانتقال من موطن قوة إلى موطن قوة آخر.

وقد عمل مزروعي أستاذًا زائرًا في اثنتين وعشرين جامعة في قارات العالم الستة، ومنها في العالمين العربي والأفريقي جامعات القاهرة وبغداد ونيروبي. كما حصل على العديد من شهادات الدكتواره الفخرية، وتولى قيادة عدة منظمات في فترات مختلفة، إذ ترأس جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين في أمريكا الشمالية، وجمعية الدراسات الأفريقية في الولايات المتحدة، ومجلس أمناء مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، وعمل مستشارًا خاصًا في البنك الدولي. وساهم مزروعي في العديد من مشروعات الأمم المتحدة؛ ومن أهمها تحرير المجلد الثامن من (التاريخ العام لأفريقيا) الذي أصدرته اليونيسكو عام 1993.

وظهرت شجاعة مزروعي في قول الحق في الولايات المتحدة كما ظهرت في أوغندا؛ فقد كان نقادًا لسوء استخدام القوة والسلطة؛ سواء على يد دول الاستعمار أو الإمبريالية (ومنها الولايات المتحدة)، أو قادة الدول النامية ومنها الدول الأفريقية؛ فعارض فتوى الخوميني بقتل سلمان رشدي جزاءً على روايته (آيات شيطانية) التي انتقدها مزروعي كذلك. وغامر بسمعته، بل وبحياته، لإصراره على موقفه المعارض لإسرائيل بسبب سوء معاملتها للفلسطينيين؛ فلم يكترث بمحاولات إلصاق تهمة معاداة السامية به، بل والمطالبة بإنهاء عقده مع الجامعة. ودعا صراحة إلى الانتشار النووي بحيث يمكن لجميع الدول الحصول على السلاح النووي كوسيلة لإقناع أعضاء النادي النووي الحاليين بالتوقف عن تسلحهم النووي. وبينما انتقده بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي لعدائه للغرب على حد وصفهم، منعت حكومة بلده كينيا بعض أعماله البارزة لعدائه لأفريقيا على حد زعمها. ويبدو أن الجدل حول أعماله كان يسعده أكثر مما يؤلمه، إذ كان يرى أن حياته كلها عبارة عن جدال طويل. وقد أُعيد نشر بعض محاوراته مع مخالفيه في سلسلة من ثلاثة مجلدات نشرت بين عامي 2003 و2013.

 

الإسلام في أجندة علي مزروعي الأفريقية

اشتهر مزروعي بكتاباته عن السياسة والثقافة لاسيما في أفريقيا،[3] حتى طغت هذه السمعة على إسهاماته في مجالات أخرى، خاصة كتاباته عن قضايا الإسلام والمسلمين، رغم غزارة مؤلفاته فيها والتي ترجمت إلى عدة لغات؛ منها العربية.[4] فقبل خمسة عشرة عامًا أَحصيتُ سبعين من مؤلفاته التي ناقش فيها قضايا إسلامية متنوعة.[5] ورغم ازدياد اهتمامه بهذه القضايا منذ بداية التسعينات، إلا أن هذا الاهتمام يعود إلى منتصف الستينات، حيث ارتبط بدراسته لأحوال أفريقيا بعد الاستقلال. وجاءت أولى كتاباته المنشورة في هذا المجال في إطار تحليله لموقع أفريقيا في سياسة مصر الخارجية.[6]

وقد ناقش مزروعي قضايا الإسلام والمسلمين في أمريكا الشمالية وجزر الكاريبي وأفريقيا عامة وفي عدة دول وأقاليم أفريقية كالسودان وأوغندا وكينيا والصومال وجنوب أفريقيا وشرق أفريقيا وغربها. فلأكثر من عقد من الزمن ظل مزروعي يبرز إمكانية الاستفادة من قيم الإسلام في تحسين ظروف المجتمعات الأفريقية، بإقامة ديمقراطية مستقرة في السودان،[7] وتحقيق توازن ثقافي في أوغندا،[8] على سبيل المثال. كما رأى الإسلام حليفًا للقوى الثورية في صراعها ضد الاستعمار، فهو قادر على إفراز قادة متمردين وأتباع طائعين في الوقت نفسه. واعتبر الإسلام حافزًا للتحول إلى نظم اقتصادية بديلة عن الرأسمالية نظرًا لما يتسم به من روح مجتمعية غير فردية.[9] ودعا دول شرق أفريقيا تحديدًا للاستفادة من طابع الإسلام المحافظ اجتماعيًا من جهة والثوري سياسيًا من جهة أخرى،[10] مبينًا كيف حافظ مسلمو شرق أفريقيا على لغتهم السواحلية في وجه انتشار اللغة الإنجليزية،[11] رغم تراجع ارتباطها بالإسلام كديانة.[12] وشملت أجندته البحثية أيضًا دراسة دور الإسلام في تشكيل الثقافة السياسية الأفريقية،[13] وأثر المهاجرين العرب المسلمين الأوائل في أفريقيا السمراء،[14] والتعليم الإسلامي كمخلص لشرق أفريقيا من الاستعمار.[15]

وبدأ مزروعي في دراسة ظاهرة الإحياء الإسلامي عامة وفي أفريقيا خاصة بعد اشتداد المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، ثم حرب رمضان عام 1973 وما أعقبها من حظر البترول العربي عن الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل.[16] فدعا العرب لانتهاز فرصة الوفرة المالية للاقتراب من الأفارقة وتحقيق المصالح المشتركة للعرب والأفارقة، خاصة في نظام ما بعد الحرب الباردة الذي رأى مزروعي أن العرب هم ضحاياه عسكريًا، والأفارقة هم ضحاياه اقتصاديًا. وبعد الثورة الإيرانية عام 1979 ناقش آراء المفكر الإيراني علي شريعتي في التبعية الثقافية، والصراعات الثقافية، والأساس الثقافي الغربي لنظرية كارل ماركس في الشيوعية. وفي السياق الإفريقي، ناقش مزروعي ظاهرة الإحياء الإسلامي كتحد من جانب المسلمين لهيمنة القوى المسيحية على الحياة العامة. ورغم تقديره أن هذا التحدي لم يبلغ بعد حد حصار المسيحية كديانة، إلا أنه رأى أن المسيحية مازالت تدفع ثمن استفادتها من هيمنة الأوروبيين واستعمارهم في القارة.[17]

ولعل أبرز أعمال مزروعي هي سلسلة الأفلام الوثائقية التي تحمل عنوان "الأفارقة: ميراث ثلاثي"، والتي صدرت عام 1986.[18] ويجمع الميراث الثلاثي بين الثقافات التقليدية والإسلام والغرب؛ حيث كان لكل منها دور في تشكيل الواقع الأفريقي. وقد نجح مزروعي في بناء تقاليد مدرسة جديدة في الدراسات الأفريقية تقوم على فكرة هذا الميراث الثلاثي، واستمر في الإسهام فيها، حيث كتب عن هذا أثر هذا الميراث في كل جوانب الواقع الأفريقي، بما فيه الدين[19] والفلسفة[20] واللغة[21] والفن[22] واللعب[23] وبنية الدولة،[24] وحتى تجارة الرقيق[25] ومعدلات الإنجاب،[26] بل وعلى المستوى الشخصي أيضًا.[27]

وكما سلط مزروعي الضوء على الجانب الإسلامي في أفريقيا،[28] فإنه أبرز أيضًا الجانب الأفريقي للإسلام الذي كثيرًا ما يغيب عن الأذهان؛ فرغم أن الإسلام دين آسيوي-أفريقي، فإنه دين غالبية السكان في قارة واحدة في العالم هي أفريقيا، مذكرًا بأن عدد المسلمين في نيجيريا يزيد على عددهم في أكبر دولة عربية وهي مصر.[29]

وكان -رحمه الله- يبشر بمستقبل واعد للإسلام في عالم الأفارقة؛ سواء على أرض القارة أو في المهجر. فهو ينتشر جنوب الصحراء الكبرى أكثر من أي دين آخر، خاصة أن المسيحية مازالت تدفع ثمن ارتباطها في أذهان الأفارقة بالماضي الاستعماري.[30] ويقترح مزروعي أن يستفيد المسلمون من دينهم للقيام بأدوار هامة في حياة الأفارقة، كحمايتهم من مرض الإيدز،[31] وتمكين السود في جمهورية جنوب أفريقيا بعد زوال الحكم العنصري،[32] وتحقيق الاستقرار في الصومال،[33] والديمقراطية في كينيا،[34] والاندماج الإقليمي عبر الحدود السياسية والثقافية في شرق أفريقيا،[35] بل وعبر البحر الأحمر الذي فصل القارة عن امتدادها الطبيعي في الجزيرة العربية فأفقد العرب المشارقة الهوية الأفريقية.[36]

كذلك رأى مزروعي الإسلام حاضرًا بين ذوي الأصول الأفريقية في أمريكا الشمالية وجزر الكاريبي، وإن بدرجات متفاوتة. فهو عنصر هام في مجتمعات الأمريكيين الأفارقة ومنظماتهم ذات التأثير في السياستين الداخلية والخارجية، مثل جماعة أمة الإسلام.[37] كما أن الإسلام هو الدين المفضل للأمريكيين الأفارقة الساعين لإبراز انتمائهم الأفريقي، فيه تتكامل حركتا العودة إلى الإسلام والعودة إلى الجذور الأفريقية في العالم الجديد.[38]

غير أن ما لا يدركه كثير من قراء مزروعي ومحبيه هو أن الإسلام لم يكن في أجندة علي مزروعي الأفريقية فقط، وإنما تطور تدريجيًا ليصبح عنده اهتمامًا بحثيًا وحياتيًا مستقلًا. وقد أرفقت بهذه الدراسة قائمة بأهم أعماله ذات الصلة بالإسلام وقضاياه، ولعلني أُفصِّل في هذا الأمر في دراسة لاحقة إن شاء الله.

 

ميراث علي مزروعي وكاتب المقال

لقد ذكر علي مزروعي أن والده الشيخ الأمين مزروعي كان يتمنى أن يدرس ابنه الإسلام في جامعة الأزهر ليصبح عالمًا في الشريعة، لكن الابن انتقل من المعهد الديني المحلي إلى الغرب حيث درس علم السياسة، فأفاد أمته فكرًا ونشاطًا. ورغم أنه لم يتول حكمًا كأجداده، ولا إفتاءً كأبيه، فإنه تربع على عرش مدرسة فكرية كان لها من التأثير في عالمي أفريقيا والمسلمين ما لم يحلم به أي حاكم أو مفتي محلي في أفريقيا. وكنت ممن أنعم الله عليهم بالتتلمذ على يديه في مرحلة التخصص (الماجستير) في جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية (جامعة قرطبة حاليًا) في الولايات المتحدة بين عامي 1997 و1999. واستمرت العلاقة بيننا بعد ذلك، سواء في المؤتمرات العديدة التي حضرتها معه، أو المراسلات التي لم تنقطع. وقد اعتاد الدكتور علي مزروعي على كتابة نشرة سنوية عن إنجازاته وإخفاقاته، وأفراحه وأتراحه، وأفكاره ومشاعره، وكنت لفترة ليست بالقصيرة من القلائل الذين يواظب على إرسال هذه النشرة إليهم مطلع كل عام.

رحم الله علي مزروعي وأعان تلامذته على الوفاء لميراثه وإكمال رسالته.

 لتحميل ملف المقال (هنا)

 

ملحق: قائمة بأهم أعمال الدكتور علي مزروعي ذات الصلة بالإسلام وقضاياه

الكتب:

  1. Cultural Forces in World Politics (London: James Currey; Portsmouth, NH: Heinemann; Nairobi, Kenya: Heinemann, 1990)

 

  1. Ali Mazrui and Alamin M. Mazrui, The Power of Babel: Language and Governance in the African Experience (Oxford, U.K.: James Currey; Nairobi, Kenya: East African Educational Publishers; Kampala, Uganda: Fountain Publishers; Cape Town, South Africa: David Philip Publishers; Chicago, U.S.A.: the University of Chicago Press, 1998)

 

الكتيبات:

  1. Islam, Western Democracy and the Third Industrial Revolution (Abu Dhabi, United Arab Emirates: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, Emirates Lecture no. 17, 1998)

 

  1. Islam and Afrocentricity: The Triple Heritage School (Binghamton, New York: Institute of Global Cultural Studies, State University of New York at Binghamton, 1995).

 

التسجيلات المصورة:

  1. New Conflicts/Search for Stability (Chicago, IL: Films Incorporated, 1986). Publication Type: Audiovisual. Format: 1 Videocassette.

 

  1. A Garden of Eden in Decay?/ a Clash of Cultures (Chicago, IL: Film Incorporated, 1986). Publication Type: Audiovisual. Format: 1 Videocassette.

 

  1. The Africans; a co-production of WETA-TV and BBC-TV (Santa Barbara, CA: the Annenberg/CPB Projects, 1986). Publication Type: Audiovisual. Format: 9 Videocassette.

 

  1. Ali A. Mazrui on ‘The Africans: A Triple Heritage’ (Ann Arbor: Ann Arbor Public Library, 1987). Publication Type: Audiovisual. Format: 1 Videocassette.

 

  1. The Moving Frontiers of World Culture, Keynote address at The Wits Spring Festival, held at the University of the Witwatersrand, September 1991 (Lenasia, South Africa: Trans Media, 1991). Publication Type: Audiovisual. Format: 1 videocassette.

 

المجلات العلمية:

  1. Religion and Democracy in the First Republic of the Sudan, Makerere Journal (Kampala), no.11, December 1965.

 

  1. Islam, Political Leadership and Economic Radicalism in Africa, Comparative Studies in Society and History (The Hague), vol.9, no.3, April 1967.

 

  1. Islam and the English Language in East and West Africa, in: W. H. Whilteley (ed.), Language Use and Social Change: Problems of Multilingualism with Special Reference to Eastern Africa (London: Oxford University Press, 1971).

 

  1. The Sacred and the Secular in East African Politics, Cahiers D’Etudes Africaines, vol.13, no.4, 1973.

 

  1. Oil Power, Palestine and the Political Resurrection of Islam, Paper presented at the 18th Annual Meeting of the African Studies Association, San Francisco, October 29-November 1, 1975.

 

  1. Religious Strangers in Uganda: from Emin Pasha to Amin Dada, African Affairs (London), vol.76, no.302, 1977.

 

  1. Christian Power and Muslim Challenge in Africa’s Experience, Indian Journal of Politics, vol.12, no.3, December 1978.

 

  1. Oil Power and the Steady Rise of Islam, Sunday Nation (Nairobi), April 23, 1978.

 

  1. Changing the Guards from Hindus to Muslims: Collective Third World Security in a Cultural Perspective, International Affairs (London), vol.57, no.1, Winter 1980-81.

 

  1. Entre La Partition et Le Petrole: Les Facteurs Energetiques et Territoiaux de la Renaissance de L’Islam (Between Partition and Petroleum: energy-related factors in the Emergence of Islam), Revue Etudes Internationales, vol.12, no.2, June 1981.

 

  1. The Moving Cultural Frontier of World Order: from Monotheism to North-South Relations, Alternatives, no.7, 1981.

 

  1. The Semitic Impact on Black Africa: Arab and Jewish Cultural Influences, Issue, vol.13, 1984.

 

  1. Religion and Political Culture in Africa, Journal of the American Academy of Religion, vol.53, no.4, 1985.

 

  1. Towards Decolonising Modernity: Education and Culture Conflict in Eastern Africa (co-author: Teshome Wagaw), The Educational Process and Historiography in Africa (Paris: UNESCO, 1985).

 

  1. New Nuclear Weapon States and Their Impact on Third World Regional Conflicts, in: Sadruddin Aga Khan (ed.), Nuclear Proliferation and Their Consequences (Oxford: Clarendon Press, 1986).

 

  1. From the Semites to the Anglo-Saxons: Culture and Civilisation in Changing Comunication, Alternatives, vol.11, no.1, January 1986.

 

  1. Human Rights and the Moving Frontier of World Culture, Philosophical Foundations of Human Rights (Paris: UNESCO, 1986).

 

  1. The Triple Heritage of the State in Africa, in: Ali Kazancigil (ed.), The State in Global Perspective (Aldershot, UK: Gower, 1986).

 

  1. Africa’s Triple Heritage and I, Africa Events (London), vol.2, no.7-8, July-August 1986.

 

  1. Ideological Encounters of the Third World, Third World Book Review (London), vol.1, no.6, 1986.

 

  1. The Split Soul of a Continent, Michigan Alumnus (Ann Arbor, MI), September-October 1986.

 

  1. Africa’s Triple Heritage of Play: Reflections on the Gender Gap, in: W. J. Baker and J. A. Mangan (eds.), Sport in Africa: Essays in Social History (New York and London: Africana Publishing Company, 1987).

 

  1. African Islam and Competitive Religion: Between Revivalism and Expansion, Third World Quarterly, vol.10, no., April 1988.

 

  1. OAU: Identity in Search of Unity, Africa Events (London), June-July 1988.

 

  1. Poetic Hatred – is The Satanic Verses a Racial Novel?, West Africa (London), no.3741, 1-7 May 1989.

 

  1. Witness for the Prosecution: A Cross-Examination on The Satanic Verses, Third Text (London) (Special Issue), no.11, summer 1990.

 

  1. Satanic Verses or a Satanic Novel?: Moral Dilemmas of the Rushdie Affairs, Third World Quarterly, vol.12, no.1, January 1990.

 

  1. The Secularisation of an Afro-Islamic Language: Church, State, and Marketplace in the spread of Kiswahili (co-author: Pio Zirimu), Journal of Islamic Studies (Oxford), vol.1, no.1, 1990.

 

  1. Religious Alternatives in the Black Diaspora: from Malcolm X to the Rastafari, Caribbean Affairs, vol.3, no. 1, January-March 1990.

 

  1. The World of Islam: A Political Overview, Journal Institute of Muslim Minority Affairs, vol.11, no. 2, July 1990.

 

  1. Comparative Slavery and Africa’s Triple Heritage: Indigenous, Islamic and Western Systems, Keynote address at the World Conference on ‘Slavery and Society in History’, Kaduna, Nigeria, March 26, 1990.

 

  1. Afrabia: Africa and the Arabs in the New World Order, Ufahamu (Los Angeles), vol.20, no.3, 1992.

 

  1. Language in a Multi-Cultural Context: The African Experience (co-author: Alamin M. Mazrui), An International Journal (special issue on Language and Education), vol.6, no.2-4, 1992.

 

  1. The Black Intifada?: Religion and Rage at the Kenya Coast, Journal of Asian and African Studies, vol.4, no.2, 1993.

 

  1. Islam and the End of History, The American Journal of Islamic and Social Sciences, vol.10, no.4, winter 1993.

 

  1. African Factor in the U.S. (Part One), Africa Events (London), vol.9, no.7, July 1993.

 

  1. Islam at War and Communism in Retreat: What is the Connection?, in: T. Y. and J. S. Ismael (eds.), The Gulf War and the New World Order: International Relations of the Middle East (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1994).

 

  1. Global Apartheid?: Race and Religion in the New World Order, in: T. Y. and J. S. Ismael (eds.), The Gulf War and the New World Order: International Relations of the Middle East (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1994).

 

  1. Islamic Doctrine and the Politics of induced Fertility Change: An African Perspective, in: Jason L. Finkle and C. Alison McIntosh (eds.), The New Politics of Population: Conflict and Consensus in Family Planning (New York: The Population Council, 1994).

 

  1. Towards Re-Africanising South Africa: an Islamic Perspective, Extracts from a presentation made at the international conference entitled: ‘Islam and Civil Society in South Africa’, sponsored by the University of South Africa and the United States Institute of Peace, held in Pretoria, South Africa, August 1994.

 

  1. The Bondage of Boundaries, Boundary and Security Bulletin (Durham University, UK), vol.2, no.1, April 1994.

 

  1. Islam and African Art: Stimulus or Stumbling Block?, African Arts, vol.27, no.1, January 1994.

 

  1. Africa and Other Civilisations: Conquest and Counterconquest, in: John W. Harbeson and Donald Rothchild (eds.), Africa in World Politics; Post-Cold War Challenges (Boulder, CO: Westview Press, 1995).

 

  1. Islam in Sub-Saharan Africa, The Oxford Encyclopedia of the Modern Islamic World, vol.2 9New York and Oxford: Oxford University Press, 1995).

 

  1. Global Africa in Flux: the Dialectic of Diversity in Black World, in: Carlos Moore, Tanya R. Saunders and Shawna Moore (eds.), African Presence in the Americas (Trenton, New Jersey: Africa World Press, 1995).

 

  1. North American Muslims: Rising to the Challenge of a Dual Identity, Islamic Studies (Pakistan), vol.34, no.4, winter 1995.

 

  1. Islam in a More Conservative Western World, The American Journal of Islamic Social Sciences, vol.13, no.2, summer 1996.

 

  1. Between the Crescent and the Star-Spangled Banner: American Muslims and US Foreign Policy, International Affairs (London), vol.72, no.3, July 1996.

 

  1. Africa in the Twenty-First Century: Problems and Prospects, Text of lecture at the First Distinguished Lecture of the Institute of Governance and Social Research (IGSR), Jos, Nigeria, held at the State House Assembly, July 17, 1996 (Jos, Nigeria: the Institute of Governance and Social Research, Annual Distinguished Lecture Series, 1996).

 

  1. Christianity and Islam in Africa’s Political Experience: Piety, Passion and Power (Washington, D.C.: Georgetown University, Center for Muslim-Christian Understanding, Occasional Paper Series: History and International Affairs, 1996).

 

  1. The Nuclear Option and International Justice: Islamic Perspective, in: Nimat Hafez Barazangi, M. Raquibuz Zaman and Omar Afzal (eds.), Islamic Identity and the Struggle for Justice (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1996).

 

  1. The Imperial Culture of North-South Relations, in: Bruce Parrott and Karen Dawisha (eds.), The End of Empire?: The Transformation of the USSR in Comparative Perspective, The International Politics of Eurasia, vol.9 (New York: M.E.Sharpe, 1996).

 

  1. The Day I Stopped Rajat Neogy from becoming a Muslim, Transition, Issue 69, New Series, vol.6, no.1, Spring 1996.

 

  1. Islam and the West: the Tensions of Cultural Globalisation, Current Affairs Bulletin (Australia), vol.72, no. 5, February-March 1996.

 

  1. Crisis in Somalia: from Tyranny to Anarchy, in: Hussein M. Adam and Richard Ford (eds.), Mending Rips in the Sky: Options for Somali Communities in the 21st Century (Lawrenceville, NJ, USA, and Asmara, Eritrea: The Red Sea Press, 1997.

 

  1. Islam and Islamophobia: Conflicting Images in a Eurocentric World, in Masudul A. Choudhury, Abdad M. Z. and Muhammad S. Salleh (eds.), Islamic Political Economy in Capitalist-globalisation: An Agenda for Change (Kuala Lumpur, Malaysia: Utusan Publications and Penang: International Project on Islamic Political Economy (IPIPE), Universiti Sains Malaysia, 1997).

 

  1. The Legacy of Life and Death: Africa’s Triple Heritage in a Personal Context, Africa Notes (Cornell University), February 1997.

 

  1. Are there Seeds of Harmony in Diana’s Death? Press and Sun-Bulletin, 7 September 1997.

 

  1. Paradise is the Supreme Classless Society, says Dr. Ali Mazrui, The Minaret (Los Angeles), vol.9, no.5, May 1997, Muharram 1418.

 

  1. Islamic and Western Values, Foreign Affairs, vol.76, no.5, September-October 1997.

 

  1. Globalization, Islam, and the West: Between Homogenization and Hegemonization, The American Journal of Islamic and Social Sciences, vol.15, no.3, fall 1998.

 

 

 * دراسة نشرت في مجلة قراءات أفريقية، العدد 23، يناير 2015، ص ص 110-121.

**  أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد (الإمارات العربية المتحدة) ورودس (جنوب أفريقيا).

[1]  انظر مسحًا شاملًا بمؤلفات الدكتور علي مزروعي حتى عام 1997 في:

Abdul Samed Bemath, The Mazruiana Collection; A Comprehensive Annotated Bibliography of the Published Works of Ali A. Mazrui, 1962-1997 (New Delhi: Sterling Publishers Private Limited, 1998)

[2]  انظر سيرته في النعي المطول الذي كتبته عائلته على صفحته على موقع فيسبوك:

https://www.facebook.com/pages/Dr-Ali-Mazrui/28889396430

[3]  انظر مثلًا إحدى الدراسات التي تصور علي مزروعي أساسًا كعالم في الدراسات الأفريقية في:

Omari H. Kokole (ed.), The Global African: A Portrait of Ali A. Mazrui (Trenton, NJ and Asmara, Eritrea: Africa World Press, Inc., 1988)

[4]  انظر على سبيل المثال مجموعة من دراساته المترجمة إلى اللغة العربية في:

قضايا فكرية: أفريقيا والإسلام والغرب، تقديم إبراهيم نصر الدين، ترجمة صبحي قنصوة ومحمد عبد الحميد، محمد عاشور وأحمد علي سالم (القاهرة: مركز دراسات المستقبل الأفريقي، 1998)

[5] Ahmed Ali Salem, “The Islamic Heritage of Mazruiana,” in: Parviz Morewedge (ed.), The Scholar between Thought and Experience: A Bibliographical Festschrift in Honor of Ali Mazrui (Binghamton, NY: Institute of Global Cultural Studies, 2001) pp.63-101

هذا الفصل هو المصدر الأساسي للمعلومات والمصادر في هذه الدراسة.

[6] Ali Mazrui, 1964, “Africa and the Egyptian’s four circles,” quoted in: Ahmed Ali Salem, Ibid.

[7] Ali Mazrui, “Religion and Democracy in the First Republic of the Sudan,” Makerere Journal (Kampala), no. 11, December 1965.

[8] Ali Mazrui, “Religious Strangers in Uganda: from Emin Pasha to Amin Dada,” African Affairs (London), vol.76, no. 302, 1977.

[9] Ali Mazrui, “Islam, Political Leadership and Economic Radicalism in Africa,” Comparative Studies in Society and History (The Hague), vol. 9, no. 3, April 1967.

[10] Ali Mazrui, “The Sacred and the Secular in East African Politics,” Cahiers D’Etudes Africaines, vol. 13, no. 4, 1973.

[11] Ali Mazrui, “Islam and the English Language in East and West Africa,” in: W. H. Whilteley (ed.), Language Use and Social Change: Problems of Multilingualism with Special Reference to Eastern Africa (London: Oxford University Press, 1971).

[12] Ali Mazrui and Pio Zirimu, “The Secularisation of an Afro-Islamic Language: Church, State, and Marketplace in the spread of Kiswahili,” Journal of Islamic Studies (Oxford), vol. 1, no. 1, 1990.

[13] Ali Mazrui, “Religion and Political Culture in Africa,” Journal of the American Academy of Religion, vol. 53, no. 4, 1985.

[14] Ali Mazrui, “The Semitic Impact on Black Africa: Arab and Jewish Cultural Influences,” Issue, vol. 13, 1984.

[15] Ali Mazrui and Teshome Wagaw, “Towards Decolonising Modernity: Education and Culture Conflict in Eastern Africa,” in: The Educational Process and Historiography in Africa (Paris: UNESCO, 1985).

[16] Ali Mazrui, “Oil Power, Palestine and the Political Resurrection of Islam,” Paper presented at the 18th Annual Meeting of the African Studies Association, San Francisco, 29 October – 1 November, 1975; Ali Mazrui, “Oil Power and the Steady Rise of Islam,” Sunday Nation (Nairobi), April 23, 1978.

[17] Ali Mazrui, “Christian Power and Muslim Challenge in Africa’s Experience,” Indian Journal of Politics, vol. 12, no. 3, December 1978.

[18] Ali Mazrui, The Africans: A Triple Heritage, a co-production of WETA-TV and BBC-TV (Santa Barbara, CA: the Annenberg/CPB Projects, 1986). Publication Type: Audiovisual. Format: 9 Videocassettes.

وقد صدر في العام التالي ملخصًا لهذا العمل:

Ali A. Mazrui on ‘The Africans: A Triple Heritage’ (Ann Arbor: Ann Arbor Public Library, 1987). Publication Type: Audiovisual. Format: 1 Videocassette.

[19] Ali Mazrui, “The Split Soul of a Continent,” Michigan Alumnus (Ann Arbor, MI), September-October 1986.

[20]

[21] Ali Mazrui and Alamin M. Mazrui, “Language in a Multi-Cultural Context: The African Experience,” An International Journal (special issue on Language and Education), vol. 6, no. 2-4, 1992

[22] Ali Mazrui, “Islam and African Art: Stimulus or Stumbling Block?,” African Arts, vol. 27, no. 1, January 1994

[23] Ali Mazrui, “Africa’s Triple Heritage of Play: Reflections on the Gender Gap,” in: W. J. Baker and J. A. Mangan (eds.), Sport in Africa: Essays in Social History (New York and London: Africana Publishing Company, 1987)

[24] Ali Mazrui, “The Triple Heritage of the State in Africa,” in: Ali Kazancigil (ed.), The State in Global Perspective (Aldershot, UK: Gower, 1986)

[25] Ali Mazrui, “Comparative Slavery and Africa’s Triple Heritage: Indigenous, Islamic and Western Systems,” Keynote address at the World Conference on ‘Slavery and Society in History’, Kaduna, Nigeria, March 26, 1990

[26] Ali Mazrui, “Islamic Doctrine and the Politics of induced Fertility Change: An African Perspective,” in: Jason L. Finkle and C. Alison McIntosh (eds.), The New Politics of Population: Conflict and Consensus in Family Planning (New York: The Population Council, 1994)

[27]  Ali Mazrui, “Africa’s Triple Heritage and I,” Africa Events (London), vol. 2, no. 7-8, July-August 1986; Ali Mazrui, “The Legacy of Life and Death: Africa’s Triple Heritage in a Personal Context,” Africa Notes (Cornell University), February 1997.

[28] Ali Mazrui, “Islam in Sub-Saharan Africa,” The Oxford Encyclopedia of the Modern Islamic World, vol. 2 (New York and Oxford: Oxford University Press, 1995).

[29] Ali Mazrui, “The World of Islam: A Political Overview,” Journal Institute of Muslim Minority Affairs, vol. 11, no. 2, July 1990.

[30] Ali Mazrui, “African Islam and Competitive Religion: Between Revivalism and Expansion,” Third World Quarterly, vol. 10, April 1988.

[31] Ali Mazrui, Christianity and Islam in Africa’s Political Experience: Piety, Passion and Power (Washington, D.C.: Georgetown University, Center for Muslim-Christian Understanding, Occasional Paper Series: History and International Affairs, 1996).

[32] Ali Mazrui, “Towards Re-Africanising South Africa: an Islamic Perspective,” Extracts from a presentation made at the international conference entitled: ‘Islam and Civil Society in South Africa’, sponsored by the University of South Africa and the United States Institute of Peace, held in Pretoria, South Africa, August 1994.

[33] Ali Mazrui, “Crisis in Somalia: from Tyranny to Anarchy,” in: Hussein M. Adam and Richard Ford (eds.), Mending Rips in the Sky: Options for Somali Communities in the 21st Century (Lawrenceville, NJ, USA, and Asmara, Eritrea: The Red Sea Press, 1997.

[34] Ali Mazrui, “The Black Intifada?: Religion and Rage at the Kenya Coast,” Journal of Asian and African Studies, vol. 4, no. 2, 1993.

[35] Ali Mazrui and Alamin M. Mazrui, The Power of Babel: Language and Governance in the African Experience (Oxford, U.K.: James Currey; Nairobi, Kenya: East African Educational Publishers; Kampala, Uganda: Fountain Publishers; Cape Town, South Africa: David Philip Publishers; Chicago, U.S.A.: the University of Chicago Press, 1998).

[36] Ali Mazrui, “Afrabia: Africa and the Arabs in the New World Order," Ufahamu (Los Angeles), vol. 20, no. 3, 1992.

[37] Ali Mazrui, “African Factor in the U.S. (Part One),” Africa Events (London), vol. 9, no. 7, July 1993; Ali Mazrui, “North American Muslims: Rising to the Challenge of a Dual Identity,” Islamic Studies (Pakistan), vol. 34, no. 4, winter 1995; Ali Mazrui, “Between the Crescent and the Star-Spangled Banner: American Muslims and US Foreign Policy,” International Affairs (London), vol.72, no.3, July 1996.

[38] Ali Mazrui, “Religious Alternatives in Black Diaspora: from Malcolm X to the Rastafari,” Caribbean Affairs, vol. 3, no. 1, January-March 1990; Ali Mazrui, “Global Africa in Flux: the Dialectic of Diversity in Black World,” in: Carlos Moore, Tanya R. Saunders and Shawna Moore (eds.), African Presence in the Americas (Trenton, New Jersey: Africa World Press, 1995).

أصدرت مجلة «أوقاف»، الصادرة عن الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، عددها التاسع والأربعين (السنة الخامسة والعشرون، رجب 1447هـ/ديسمبر 2025م). وقد ركّز هذا العدد في مجمله على قضايا «استشراف المستقبل» و«الحوكمة» و«المعايير المقاصدية» في إنشاء الأوقاف الحديثة.

الافتتاحية:

جاءت افتتاحية العدد حاملة شعار «بين الأوقاف والكراسي… قصة حضارة»، رابطة بين الإرث الحضاري للوقف وآليات تطبيقه المعاصرة؛ حيث سلطت الضوء على العلاقة التاريخية والوثيقة بين الوقف والنهضة العلمية من خلال "الكراسي العلمية". أوضحت الافتتاحية أن الكراسي الوقفية لم تكن مجرد مقاعد للدرس، بل كانت مؤسسات تضمن استقلال العلماء المالي والفكري، وتوفر البنية التحتية للبحث في مختلف العلوم الشرعية والكونية. ودعت الافتتاحية إلى إعادة استلهام هذا النموذج في الجامعات المعاصرة، ليس فقط بزيادة عدد الكراسي، بل بتفعيل دورها الحضاري والبحثي لتعزيز مكانة العالم الإسلامي في خريطة الإنتاج المعرفي العالمي.

 

الأبحاث والدراسات (القسم العربي): تضمن العدد ثلاثة أبحاث رئيسة باللغة العربية، تناولت جوانب استراتيجية وإدارية وفقهية حديثة:

- الاستشراف المستقبلي للأوقاف: قدم الدكتور سامي محمد الصلاحات بحثًا بعنوان "نمو الأوقاف الإسلامية في نطاق عابر: قراءة استشرافية في ضوء التقرير الإستراتيجي للأوقاف". ركز الباحث على أهمية "الدراسات المستقبلية" في تطوير القطاع الوقفي، مشيرًا إلى ضعف ثقافة الاستشراف حاليًا في المؤسسات الوقفية. وقد حلل الباحث السيناريوهات المحتملة لنمو الأوقاف عالميًا، وقسمها إلى ثلاثة سيناريوهات: سيناريو التقليد والبطء، وسيناريو التموضع والتطوير المتدرج، وسيناريو التوسع وزيادة التأثير. وخلصت الدراسة إلى ضرورة تبني المؤسسات الوقفية لأدوات التخطيط المستقبلي والتحليل الإحصائي لضمان استدامتها وتنافسيتها.

- حوكمة الوقف واستدامته: ناقش الدكتور محمد أحمد عزب في بحثه "الحوكمة وضرورتها لاستدامة الوقف والعمل الأهلي التطوعي وتحقيق أهدافهما"، دور الحوكمة كنظام إداري ضابط يضمن الشفافية والمساءلة والعدالة. أكدت الدراسة أن تطبيق مبادئ الحوكمة ليس ترفًا إداريًا بل ضرورة شرعية وإدارية لضمان استمرار العطاء الخيري وكسب ثقة الواقفين والمانحين. وأوصى البحث بضرورة نشر ثقافة الحوكمة وتوضيح عدم تعارضها مع قيم "إسرار الصدقة"، بل هي مكملة لها بحفظ الأمانة وتوثيقها.

- معيار المصلحة في الأوقاف الحديثة: تناول الأستاذ الدكتور عابد فايد عبد الفتاح فايد موضوع "معيار المصلحة في إنشاء الأوقاف في المجالات الحديثة". بحثت الدراسة في كيفية استخدام "المصلحة العامة" كضابط شرعي لتوجيه الأوقاف نحو مجالات جديدة تتجاوز الأشكال التقليدية. استعرض الباحث تطبيقات حديثة مثل "صناديق الوقف الاستثمارية"، و"الأوقاف المؤقتة"، ووقف "حقوق الملكية الفكرية". وخلص إلى أن الوقف تحول من عمل فردي بحت إلى مؤسسة ذات نفع جماعي، مما يستدعي مرونة في التشريعات تسمح بتطوير صيغ وقفية تلبي حاجات المجتمع المتغيرة، مثل التأمين التعاوني الوقفي ودعم البحث العلمي.

 

المقالات:

قدم الدكتور الزبير مهداد مقالًا بعنوان "فضل الوقف العلمي على النهضة التعليمية في مصر"، استعرض فيه الدور المحوري الذي لعبته الأوقاف في العصرين الأيوبي والمملوكي في توفير التعليم المجاني، والسكن، والتغذية، والرعاية الصحية للطلاب والعلماء. وأوضح الكاتب كيف أن "الوقف العلمي" كان الرافعة الأساسية التي مكنت مصر من أن تكون قبلة لطلاب العلم، وكيف وفرت المدارس الوقفية بيئة متكاملة (مكتبات، مساكن، رواتب) ضمنت تفرغ العلماء للإبداع.

 

القسم الأجنبي (الفرنسي)

تضمن العدد ترجمة لبحث باللغة الفرنسية للدكتورة وداد العيدوني بعنوان "حماية القاصرين في نظم الوقف ببلاد المغرب والأندلس". تتبع البحث الدور الاجتماعي للوقف في حماية الفئات المستضعفة، وتحديدًا القاصرين، مبرزًا كيف أسهمت الأوقاف تاريخيًا في الغرب الإسلامي في ترسيخ منظومة حماية اجتماعية لهذه الشريحة.

 

عروض الكتب وكلمة الرثاء:

- عرض كتاب: تضمن العدد عرضًا لكتاب "الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر الحديثة: إضافات جديدة في ضوء حجج وقف أحمد باشا المنشاوي"، تأليف أ.د. تفيدة محمد عبد الجواد، ويستعرض الكتاب الأثر الاجتماعي الضخم لأوقاف "المنشاوي باشا" في الدلتا ومصر، من مساجد ومدارس ومستشفيات، مسلطًا الضوء على وثائق وحجج وقفية نادرة.

- كلمة وفاء: خصصت المجلة كلمة رثاء للراحل عبد المحسن محمد العثمان، الأمين العام المؤسس للأمانة العامة للأوقاف بالكويت، مستذكرة دوره الريادي في تحويل العمل الوقفي من الإطار التقليدي إلى العمل المؤسسي المنظم، وجهوده في تأسيس البنية التشريعية والاستراتيجية للأمانة.

 

في الختام؛ يُقدم هذا العدد رؤية متكاملة تجمع بين التأصيل الشرعي (بحث المصلحة)، والتطوير الإداري (الحوكمة والاستشراف)، والعمق التاريخي (الوقف التعليمي وحماية القاصرين)، مما يجعله مرجعًا مهمًا للباحثين في سُبل تطوير القطاع الوقفي ليلائم تحديات العصر. والجدير بالذكر أن مجلة أوقاف هي مجلة علمية نصف سنوية مُحَكَّمة تُعنى بشؤون الوقف والعمل الخيري، تصدر منذ ربع قرن تقريبًا (العدد التجريبي صدر عام 1421ه/2000م)، وهي تصدر باللغات الثلاث (العربية والإنجليزية والفرنسية)، مستهدفةً إحياء ثقافة الوقف، وتكثيف النقاش حول إمكاناته العلمية والحضارية في مجتمعاتنا المعاصرة، والإسهام في تحقيق الربط المنشود بين الفكر النظري والتطبيق العملي لسُنَّةِ الوقف.

 

لتحميل جميع أعداد المجلة السابقة، انقر (هنا)

صدر العدد الجديد من مجلة دعوة الحق، والتي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية بالمملكة المغربية (السنة الثامنة والستون، العدد: 452، محرم 1447ه/ يونيو 2025م). خصص هذا العدد ملفًا لموضوع محوري؛ وهو "أهمية الوقف في التشريع الإسلامي"، منطلقًا من الرؤية الإسلامية التي تحث على الإنفاق والبذل لنيل البر، ومعتبرًا الوقف (أو التحبيس) إحدى أهم صور الصدقة الجارية التي تضمن استمرار الثواب للواقف ونفع المجتمع عبر الأجيال.

يركز العدد بشكل خاص على التجربة الوقفية المغربية الأصيلة، مبرزًا كيف انخرط المغاربة عبر تاريخهم -سلاطين وعلماء وعامة الناس- في سُنَّة الوقف، حتى أصبح جزءًا من هويتهم وثوابت خصوصيتهم. ولم يقتصر هذا الاهتمام على الجانب التعبدي المحض كبناء المساجد، بل شملت الأوقاف مجالات حيوية متعددة تخدم الإنسان والعمران، مثل التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وحتى الرفق بالحيوان والحفاظ على البيئة.

يهدف هذا العدد، من خلال مساهمات ثلة من العلماء والباحثين، إلى إبراز دور الوقف بوصفه منظومة متكاملة للتضامن الاجتماعي والتكافل الإنساني، ويناقش الملف قضايا متنوعة تتراوح بين التأصيل الشرعي للوقف في القرآن والسنة، وبين الاجتهادات الفقهية (خاصة في المذهب المالكي) التي تتيح تطوير هذه المؤسسة وتنميتها اقتصاديًا لتواكب تحديات العصر، بما في ذلك قضايا استبدال الوقف وبيعه للمصلحة، ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

1. الإطار العام والمفاهيم التأسيسية للاقتصاد الوقفي

يستهلّ العدد أبحاثه بدراسةٍ للدكتور عبد الحميد عشّاق، بعنوان: «مؤسسة الوقف في الإسلام: من أجل مقاربة اقتصادية مندمجة»، يتناول فيها تأصيلًا نظريًا لمفهوم «الاقتصاد الوقفي» بوصفه نموذجًا اقتصاديًا مندمجًا، لا يقدّم الوقف باعتباره عملًا خيريًا عابرًا، بل باعتباره مؤسسةً اقتصاديةً فاعلةً تسهم في إعادة توزيع الثروة، وحماية الطبقتين الوسطى والفقيرة. ويتميّز الوقف بكونه «إحسانًا مستدامًا» يقوم على حبس الأصل وتسبيل المنفعة، بما يخرجه من دائرة الاستهلاك المباشر إلى دائرة الإنتاج والاستثمار الدائم.

ويربط البحث بين الوقف ومفهوم «الاقتصاد الاجتماعي التضامني» الحديث، من حيث التلاقي في مبادئ الاستقلالية والمشاركة، وتغليب المنفعة الاجتماعية على الربح المادي. وتبرز الحاجة اليوم إلى هذا الاقتصاد الوقفي لكونه اقتصادًا مستقلًا، لا يتأثر بتقلبات ميزانية الدولة، وقادرًا على خلق مناصب الشغل، والحد من التفاوتات الطبقية والمجالية. كما يقترح البحث آلياتٍ عصريةً لتنزيل هذا النموذج الاقتصادي، من قبيل «صناديق القرض الحسن»، و«الأوقاف التأمينية» (التأمين التكافلي)، و«الصكوك الوقفية»، بما يتيح تمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة.

 

2. الوقف العلمي ومقاصده الشرعية

ويتضمّن الملف بعد ذلك دراسةً للدكتور المصطفى مالكي، بعنوان »الوقف الطلبي ومقاصده الشرعية«، يُسلّط فيها الضوء على »الوقف العلمي «بوصفه إحدى أبرز صور الوقف العام وأكثرها اتصالًا ببناء الإنسان والعمران. ويُعرِّف الباحث الوقفَ العلمي بأنه تحبيسُ الأصول وتسبيلُ منافعها في خدمة العلم ونشره، سواء أكان ذلك عبر وقف الكتب، أو إنشاء المدارس، أو كفالة طلاب العلم، مستمدًّا مشروعيته من النصوص الشرعية التي تحث على «العلم الذي يُنتفع به» بوصفه صدقةً جارية.

ويركّز البحث على المقاصد الشرعية الكبرى التي يخدمها الوقف العلمي، ويُبرز أثره في تحقيقها، ولا سيما:

  • حفظ الدين: من خلال بناء المساجد، والكتاتيب القرآنية، وطباعة المصاحف وكتب الشريعة.
  • حفظ العقل: عبر إنشاء مراكز البحث العلمي، ورعاية الموهوبين، وتأسيس المكتبات المتخصصة.
  • حفظ النفس: بوقف المستشفيات وكليات الطب، وتوفير الأدوية.
  • حفظ النسل والمال: من خلال تأهيل المقبلين على الزواج، وتوفير سبل العيش الكريم للطلبة والعلماء.

 

3. التجربة المغربية: التشريع والبناء الاجتماعي

ويتضمّن الملف بعد ذلك دراسةً للدكتور عبد الكريم بنّاني، بعنوان: «نظام الوقف بالمغرب بين التشريح وتحقيقه للبناء الاجتماعي»، يفرد فيها حيّزًا واسعًا لاستعراض التجربة المغربية العريقة في مجال الأوقاف، مؤكّدًا دورها المحوري في «البناء الاجتماعي» و«تحصين المقدّسات». ويُبرز البحث كيف أسهم الوقف، تاريخيًا، في تشييد المساجد الكبرى، مثل جامع القرويين وجامع الأندلس، وفي دعم الزوايا التي أدّت أدوارًا مركزيّة في الإيواء والتعليم والتكافل الاجتماعي.

وعلى الصعيد التشريعي، يسلّط البحث الضوء على أهمية «مدوّنة الأوقاف» بوصفها إطارًا قانونيًا يهدف إلى حماية الأصول الوقفية وضمان حسن تدبيرها واستدامة منافعها. كما يستعرض عددًا من المؤسسات الحديثة التي نشأت بفضل الوقف أو تحظى بدعمه، من بينها:

  • مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف: المعنيّة بطباعة المصحف الشريف ونشره برواية ورش.
  • معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية: المتخصّص في تكوين العلماء والباحثين في علوم القرآن.
  • معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين: الهادف إلى ضمان التأطير الديني الوسطي الرشيد.

وعلى المستوى الاجتماعي، يورد البحث نماذج مشرقة من الأوقاف المغربية التي تجسّد البعد الإنساني والحضاري للمؤسسة الوقفية، من قبيل أوقاف «كسوة الشتاء للمؤذّن»، وأوقاف «مؤنس المرضى» التي خُصّصت للتخفيف عن المرضى ليلًا، فضلًا عن الأوقاف الصحية، ولا سيما البيمارستانات (المستشفيات النفسية)، مثل بيمارستان سيدي فرج بفاس، بما يعكس عمق التجربة الوقفية المغربية واتساع مجالاتها.

 

4. الوقف في الفقه المالكي: بين التأصيل والمرونة الاقتصادية

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور ياسين بن روان، بعنوان: «الوقف في الفقه المالكي ودوره في ترسيخ التكافل الاجتماعي»، يتناول فيها الجانب الفقهي من خلال المذهب المالكي، حيث يُعرف الوقف بـ«الحبس». ويتميّز المذهب المالكي بنقاش فقهي معمّق حول مسألة «تأبيد الوقف» أو توقيته، إذ يرى المشهور في المذهب التأبيد، بينما أجاز بعض المتأخرين توقيته. ويطرح البحث قضايا جوهرية، من بينها «بيع العقار الموقوف» (المعاوضة أو الاستبدال) وأثرها في التنمية الاقتصادية.

المواقف الفقهية:

  • الموقف المتشدد: يرى المالكية الأوائل، ومن بينهم الإمام مالك والمتقدمون، منع بيع الوقف أو استبداله حتى ولو خرب، حفاظًا على عين الوقف واحترامًا لإرادة الواقف.
  • الموقف المرن (الاجتهادي): ذهب بعض متأخري المالكية، مثل ابن عرفة والونشريسي، إلى جواز بيع العقار الموقوف إذا تعطلت منافعه كليًا أو صار خرابًا لا يُرجى إصلاحه، على أن يُستبدل بما هو أنفع منه.

ويخلص البحث إلى أن الأخذ برأي الجواز عند الضرورة والمصلحة الراجحة يخدم التنمية الاقتصادية المعاصرة، إذ يسمح بتحريك الأموال الجامدة، والمساهمة في التداول المالي، وإقامة مشاريع استثمارية حديثة (عقارية، صناعية، سياحية)، بما يضمن استدامة نفع الوقف وتحقيق أهدافه الاجتماعية.

 

5. الحماية القانونية للتراث الثقافي الوقفي

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور الإدريسي البوزيدي بدر، بعنوان: «الوقف بالمغرب وأثره في الحياة الثقافية ودور التشريع الوقفي في حمايته»، يركّز فيها على الحماية التشريعية للأوقاف ذات الطابع الثقافي والتاريخي في المغرب. ويبرز البحث الدور الكبير للمكتبات الوقفية العريقة، مثل خزانة القرويين ومكتبة الجامع الأعظم بتازة، والتي تضم نفائس المخطوطات القيمة، مؤكّدًا على أهمية الحفاظ على هذه المعالم الثقافية.

وتخضع هذه المعالم لحماية مزدوجة:

  • مدوّنة الأوقاف: تؤكّد على حماية الوقف وتنميته، وضمان استقلاليته واستدامة منفعته.
  • قانون المحافظة على المباني التاريخية: يمنع هدم أو تغيير معالم العقارات المصنَّفة كآثار تاريخية، بما يضمن الحفاظ على الهوية المعمارية والثقافية للأوقاف المغربية.

 

6. حكم بيع العقار الموقوف عند المالكية وأثره في تحقيق التنمية الاقتصادية:

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور محمد البخاري، بعنوان: «حكم بيع العقار الموقوف عند المالكية وأثره في تحقيق التنمية الاقتصادية»، يتناول فيها إشكالية التوفيق بين الطبيعة التعبدية للوقف القائمة على التأبيد ومتطلبات التنمية الاقتصادية. ويستعرض الباحث الموقف الفقهي المالكي الذي ينقسم إلى اتجاهين:

  • الاتجاه الأصلي: يمنع بيع العقار الموقوف أو معاوضته، حتى ولو خرب، حفاظًا على عين الوقف، وتراكم رأس المال، ودعم السياحة التراثية، والأمن الغذائي.
  • الاتجاه المرن: تبناه بعض المتأخرين، ويجيز البيع أو المعاوضة عند الضرورة وتعطل المنافع، شريطة تحقق «الغبطة» واعتبارات المصلحة الراجحة.

ويخلص البحث إلى أن الأخذ برأي الجواز عند الضرورة يمثل مدخلًا فعّالًا للتنمية الاقتصادية المعاصرة، من خلال تحريك الأموال المجمدة وإدخالها في الدورة الاقتصادية، واستثمار أثمان العقارات المستبدلة في مشاريع ذات مردودية عالية، باستخدام صيغ تمويلية حديثة، مثل الاستصناع والمشاركة المتناقصة وصكوك المقارضة.

 

7. وحدة الذمة المالية للوقف ودورها في استثمار الأموال الوقفية:

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور عبد الحق الصبوني، بعنوان: «وحدة الذمة المالية للوقف ودورها في استثمار الأموال الوقفية»، يناقش فيها تحولًا جوهريًا في إدارة الأوقاف من استقلال الذمة المالية لكل وقف على حدة إلى مفهوم «وحدة الذمة المالية».

السياق التقليدي: كان الفقهاء يرون أن كل وقف يتمتع بشخصية مستقلة، فلا يجوز خلط ريع وقف بآخر، ولا تغطية عجز وقف من فائض غيره، حفاظًا على شرط الواقف. إلا أن هذا التوجه أدى إلى تعطل العديد من الأوقاف الصغيرة أو التي اندثرت أعيانها لعدم قدرتها الذاتية على الترميم أو الاستثمار.

التوجه المعاصر: يقترح الباحث اعتماد مبدأ «وحدة الذمة المالية» كضرورة استثمارية، بحيث تُعتبر الأوقاف العامة شخصًا معنويًا واحدًا له ذمة مالية موحدة. يتيح هذا تجميع الفوائض المالية من الأوقاف الغنية لاستثمارها في مشاريع كبرى، أو لترميم الأوقاف المتعطلة. وقد كرّست مدوّنة الأوقاف المغربية هذا التوجه في المادة 63، التي أجازت لإدارة الأوقاف - بصفة استثنائية - استعمال الأموال المتأتية من وقف عام لإصلاح أو إنقاذ وقف عام آخر، بما يعزز مبدأ التكافل بين الأوقاف ويحقق المقصد الشرعي في استدامة النفع.

 

8. أعراف وعادات الوقف بمنطقة سجلماسة: دراسة لنازلة "حكم بيع أنقاض الحبس"

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور بلغيت البلغيتي، بعنوان: «أعراف وعادات الوقف بمنطقة سجلماسة: دراسة النازلة حكم بيع أنقاض الحبس وحصر المسجد» للفقيه إبراهيم بن هلال السجلماسي (ت 903هـ)، يسلّط فيها الضوء على دور العرف المحلي في توجيه الأحكام الفقهية المتعلقة بالوقف، متخذًا من منطقة سجلماسة (تافيلالت) نموذجًا، ومن فتوى الفقيه ابن هلال السجلماسي منطلقًا.

وما يثيره البحث هو النازلة المتعلقة بمسجد تهدمت أركانه، فهل يجوز بيع أخشابه وأنقاضه لإنفاق ثمنها على بناء مسجد جديد أو سداد ديونه؟ بينما يرى المشهور في المذهب المالكي منع بيع أنقاض المسجد أو الوقف خشية أن يشتريها من لا يحترم حرمتها، دافع الفقيه ابن هلال عن جواز ذلك استنادًا إلى «العرف السجلماسي».

جادل ابن هلال بأن العرف في منطقته جرى على بيع حصر المسجد القديمة وأخشابه المتهالكة لصرفها في مصالحه، معتبرًا أن «العرف كالشرط»، وأن القصد هو عمارة المسجد لا تجميد موارده. ويخلص البحث إلى أن العرف المحلي لعب دورًا حاسمًا في تليين جمود النصوص الفقهية وتكييفها مع الواقع الاجتماعي، بما يضمن استمرار المؤسسة الوقفية واستدامة نفعها.

 

9. استفادة غير المسلمين من الأوقاف الإسلامية

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور إبراهيم يرحولين، بعنوان: «استفادة غير المسلمين من الأوقاف الإسلامية»، يتناول فيها البُعد الإنساني العالمي للوقف الإسلامي، مبينًا أنه نظام لا يقتصر نفعه على المسلمين فحسب. ويؤكد الباحث أن الشريعة الإسلامية، انطلاقًا من تكريم الإنسان، أجازت الوقف على غير المسلمين (أهل الذمة) ما لم يكن الوقف على «معصية» أو على «حربي» يقاتل المسلمين، مستندًا إلى وقائع تاريخية، مثل صدقة صفية بنت حيي رضي الله عنها على إخوتها من اليهود.

ويناقش البحث أيضًا الصورة العكسية؛ وهي «وقف غير المسلم»، مؤكّدًا صحته إذا توفرت شروط الملكية والأهلية، وكان الغرض منه مباحًا؛ مثل وقف أرض لبناء مدرسة أو مستشفى. أما إذا وقف ذمي مالًا لبناء كنيسة أو لمعونة على محرم، فالوقف يُعتبر باطلًا.

ويخلص الباحث إلى أن الوقف يمثل أداة للتعايش السلمي والتواصل الحضاري؛ إذ يساهم في سد حاجات المجتمع بكافة أطيافه دون تمييز ديني، مادام الهدف هو البر والإحسان العام.

 

10. يُتم الأبناء: هل يمنع الأم من الاعتصار؟

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور محمد عالي أحمد الفاروق، بعنوان: «يُتم الأبناء: هل يمنع الأم من الاعتصار؟»، يتناول فيها مسألة فقهية دقيقة تتعلق بـ«الاعتصار» (الرجوع في الهبة) في علاقة الأم بأبنائها اليتامى. ويبيّن البحث أن الأصل في المذهب المالكي يتيح للوالدين حق استرجاع ما وهبوه لأولادهم، سواء تأديبًا أو لحاجة، لكن هذا الحق مقيد بشروط معينة.

ويركّز البحث على الشرط المتعلق بالأم: هل يحق لها استرجاع هبتها لابنها إذا مات الأب، أي صار الطفل يتيمًا؟ ويقرر الباحث، استنادًا إلى المدونة ومختصر خليل، أن للأم حق الاعتصار ما دام الأب حيًا، أما بعد وفاة الأب، فإن حقها في الرجوع على الهبة يسقط.

وعلة هذا الحكم تتعلق بأمرين رئيسيين:

الأول: الهبة في حالة اليتم تُعدّ جبرًا لخاطر اليتيم ومواساة له عن فقد أبيه، والرجوع فيها يمثل كسرًا لقلبه.

الثاني: بعد وفاة الأب، تصبح الأم وصية على مال الطفل (حاضنة وناظرة)، ولا يجوز للولي أخذ أي جزء من المال لنفسه.

ويعكس هذا الحكم حرص التشريع الإسلامي والوقف، باعتبار الهبة نوعًا من التبرع، على المصلحة الفضلى للطفل اليتيم وحماية ذمته المالية واستدامة نفع الوقف.

 

إجمالًا، يقدم ملف العدد 452 من مجلة «دعوة الحق» رؤية متكاملة حول الوقف، باعتباره نظامًا يجمع بين البعد الديني، والتكافل الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، والحفاظ على التراث الثقافي، مؤكدًا على قدرة الفقه الإسلامي، وخصوصًا المالكي، على التفاعل مع المستجدات بما يسهم في استدامة نفع الوقف وخدمة الصالح العام.

 

لتحميل ملف المجلة (هنا)