أصدرت الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) في مطلع سبتمبر 2025 قرارًا رسميًا يقضي بأن سياسات وإجراءات إسرائيل في قطاع غزة «تتوافق مع التعريف القانوني للإبادة الجماعية» الوارد في المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. وقد جاء القرار عقب تصويت أعضاء الجمعية، ووصفت رئيستها هذه الخطوة بأنها «بيان حاسم من خبراء المجال» يربط بشكل صريح بين عدد من السياسات والعمليات العسكرية الجارية على الأرض وبين المقوّمات القانونية للجريمة المعروفة بـ "الإبادة الجماعية".

يدعو القرار، المؤلف من ثلاث صفحات، إسرائيل إلى «الوقف الفوري لجميع الأعمال التي تشكّل إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة». وتشمل هذه الأعمال: «الهجمات المتعمّدة على المدنيين وقتلهم، بما في ذلك الأطفال، والتجويع، ومنع دخول المساعدات الإنسانية والمياه والوقود وغيرها من المواد الأساسية لبقاء السكان، فضلًا عن العنف الجنسي والإنجابي، والتهجير القسري».

كما يوضّح القرار السلوكيات والأفعال التي اعتبرتها الجمعية متوافقة مع عناصر المادة الثانية، ومنها: قتل أفراد من الجماعة، إلحاق أذى جسيم أو اضطراب نفسي بهم، فرض ظروف معيشية تؤدي إلى الإبادة الجزئية أو الكاملة (بما في ذلك التجويع وحرمان المساعدات الأساسية)، اتخاذ إجراءات لمنع الولادات أو تعريض النساء للعنف الجنسي المرتبط بالتناسل، وأخيرًا التهجير القسري ونقل السكان. وقد أشار القرار بوضوح إلى ممارسات بعينها مثل: «قتل المدنيين بمن فيهم الأطفال»، و«التجويع والحرمان من المساعدات الإنسانية والمياه والوقود»، و«العنف الجنسي والاعتداءات على الخصوبة»، و«الترحيل القسري» باعتبارها عناصر تؤكد هذا التوصيف.

وتندرج هذه الأفعال ضمن الأركان الخمسة المكوِّنة لجريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، التي تعرّفها بأنها: «أي فعل من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية».

وتشمل الأفعال الخمسة المحددة في الاتفاقية:

أولًا: قتل أعضاء من الجماعة، ويتضمن هذا التعريف القتل المباشر لأفراد المجموعة المستهدفة بناءً على انتمائهم القومي أو العرقي أو الديني.

ثانيًا: إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأعضاء الجماعة، ويشمل هذا التعريف الإصابات الجسدية الخطيرة والصدمات النفسية والعقلية التي تُلحق بأفراد المجموعة المستهدفة.

ثالثًا: إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا، ويركز هذا التعريف على خلق ظروف حياتية قاسية ومدمرة بهدف القضاء على المجموعة.

رابعًا: فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، ويتعلق هذا التعريف بمنع التناسل والإنجاب داخل المجموعة المستهدفة.

خامسًا: نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى، ويشير هذا التعريف إلى النقل القسري للأطفال من مجموعتهم الأصلية إلى مجموعات أخرى.

 

الأدلة والوقائع الميدانية:

الحجج العملية والإحصائية التي استندت إليها الجمعية تضمنت الإشارة إلى حجم الخسائر البشرية، والدمار واسع النطاق في البنية التحتية، ونتائج مراقبة الجوع وغياب الإغاثة في أجزاء من القطاع. وهي عناصر وثقتها تقارير إعلامية ووكالات إنسانية عند تفسيرها لظروف المعيشة والقدرة على البقاء في غزة. وربطت الجمعية بين هذا السياق وتوافر القصد (intent) الجزئي أو الكلي لاستهداف مجموعة قومية/وطنية، وهو عنصر محوري في تعريف الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية 1948.

وفي معرض تطبيق التعريفات على الحالة الفلسطينية، أوضحت إميلي سامبل، عضوة المجلس التنفيذي للجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، أن ما تقوم به إسرائيل في غزة «يتماشى مع جميع المعايير المندرجة تحت تعريف الإبادة الجماعية»، مضيفة أن «الجمعية لا تركز على أحدها فقط». ويعني هذا التقييم أن الأفعال الإسرائيلية تندرج ضمن جميع الفئات الخمس المنصوص عليها في الاتفاقية.

كما شددت سامبل على أن «الفارق الجوهري في مفهوم الإبادة الجماعية هو النية الكامنة وراء استهداف مجموعة معينة»، مؤكدة أن «هذا ما يتحقق فيما نشهده، وهو يتجاوز بكثير ما يمكن أن يُعزى إلى الحرب أو الدفاع عن النفس». وهو ما يؤكد أن الأفعال المرتكبة تتخطى نطاق الأعمال العسكرية المشروعة، وتنطوي على نية مبيتة لاستهداف الشعب الفلسطيني.

أما الأدلة والوقائع الميدانية، فإن التقييم العلمي للجمعية يستند إلى ما وثقته مؤسسات مستقلة. ووفقًا للدكتور تيموثي ويليامز، نائب رئيس الجمعية، فإن الوضع في غزة «يستوفي بوضوح المعايير القانونية الدولية لتعريف الإبادة الجماعية». وتشمل الأدلة: مقتل أكثر من 59,000 شخص، وإصابة ما يزيد على 143 ألفًا جسديًا أو نفسيًا، والتدمير شبه الكامل للبنية التحتية بما في ذلك النظام الصحي والأراضي الزراعية والمستودعات، وتضرر نحو 90% من المباني السكنية. وهذه المعطيات تشير، بحسب ويليامز، إلى «نية واضحة لجعل الحياة مستحيلة في قطاع غزة".

ويبرز في هذا السياق استخدام التجويع كأداة للإبادة؛ إذ يركّز التقرير بشكل خاص على هذه الوسيلة. فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة ارتفاع حصيلة ضحايا «التجويع والحصار الإسرائيلي» إلى 348 شخصًا، بينهم 127 طفلًا، مع «وفاة 9 أشخاص بسبب سوء التغذية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية». ويُعدّ هذا الواقع تطبيقًا مباشرًا للتعريف الثالث للإبادة الجماعية المتعلق بإخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية مدمرة.

 

آلية اتخاذ القرار وردود الفعل:

من الناحية الشرعية ومنهجية العمل الجمعي داخل IAGS، أشار تقرير الجمعية إلى أن القرار حاز موافقة 86% من المصوّتين، من بين عضوية تقارب 500 عضو، وذلك مع مستوى محدّد من المشاركة في التصويت. وقد استُخدمت هذه النسبة المرتفعة بين المشاركين كدليل على اتفاق خبراء الحقل على هذا التقييم، رغم أن نسبة الإقبال على التصويت نفسها كانت محدودة نسبيًا قياسًا بإجمالي العضوية، وهو ما لفتت إليه بعض التقارير الصحفية عند تغطية تفاصيل عملية التصويت.

أما على المستوى السياسي، فقد ردّت إسرائيل برفض قاطع لوصف الأحداث بـ«الإبادة»، معتبرة البيان مسيّسًا ومبنيًّا على معلومات مغلوطة، في حين لا تزال هناك إجراءات قضائية دولية جارية (منها قضايا أمام محاكم دولية) تتعلق بتقديم تقييمات قانونية مستقلة لمزاعم الإبادة وجرائم الحرب.

 

أهمية القرار:

يحمل قرار الجمعية أثرين رئيسيين:

الأول، بُعد علمي وأكاديمي يُضاف إلى سلسلة مواقف صادرة عن منظمات حقوقية وضغوط دولية بشأن ما يجري في غزة؛

والثاني، أثر قانوني وسياسي محتمل، إذ يمكن أن تُستَخدم تصريحات خبراء الإبادة الجماعية لدعم مطالب دبلوماسية وقضائية، أو لمناشدات ترمي إلى منع تصدير الأسلحة ووقف أعمال يُعتقد أنها ما تزال تضرّ بالمدنيين.

وفي نص قراراتها، طالبت الجمعية إسرائيل بوقف جميع الأفعال التي تُشكّل إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية، كما شدّدت على مسؤولية الدول الموقّعة على اتفاقية الإبادة الجماعية في التدخّل لمنع ارتكاب هذه الجرائم أو المساعدة في وقفها.

 

السياق القانوني الدولي:

يأتي هذا التقييم في إطار قانوني دولي أوسع، إذ تواجه إسرائيل حاليًا دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي. وكانت جنوب أفريقيا قد رفعت في ديسمبر 2023 دعوى ضد إسرائيل متهمةً إياها بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وفي يناير 2024، أصدرت المحكمة أمرًا احترازيًا حثّت فيه إسرائيل على اتخاذ جميع التدابير الممكنة «لتفادي وقوع إبادة في عملياتها العسكرية بغزة، بما في ذلك توفير مساعدات إنسانية كافية لتجنب المجاعة».

ومن المهم عند قراءة هذا القرار التمييز بين التقييم الأكاديمي/المنهجي الذي يصدر عن خبراء الإبادة الجماعية، وبين مرحلة الإثبات القضائي أمام محكمة دولية مختصة. فالتقييم الأكاديمي يقدّم قراءة مبنية على مؤشرات تاريخية وقانونية وسلوكية، لكنه لا يُعدّ حكمًا قضائيًا نهائيًا. أما الفصل القانوني بشأن ثبوت جريمة الإبادة أو تحديد مسؤولية أشخاص بعينهم، فهو من اختصاص المحاكم المخوّلة التي تطبّق قواعد الإثبات والإجراءات القضائية.

مع ذلك، أضاف قرار الجمعية وزنًا معنويًا ودلاليًا كبيرًا إلى النقاش الدولي حول الوضع الإنساني في غزة وسبل الاستجابة العاجلة.

 

التأثير الأكاديمي والسياسي:

أشار سيرغي فاسيلييف، أستاذ القانون الدولي في الجامعة المفتوحة بهولندا، إلى أن القرار يعكس أنّ «هذا التقييم القانوني بات سائدًا في الأوساط الأكاديمية، ولا سيما في مجال دراسات الإبادة الجماعية». ويُعد هذا الإجماع الأكاديمي ذا أهمية بالغة في تشكيل الرأي العام الدولي وممارسة الضغط على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر حزمًا.

كما أكد الدكتور تيموثي ويليامز أن قرارات الجمعية يمكن أن تُستخدم كغطاء علمي وأساس أخلاقي من قبل البرلمانيين والأكاديميين والسياسيين الساعين إلى تحدي مواقف حكوماتهم، ولا سيما تلك التي تواصل دعم إسرائيل رغم تزايد التقارير الحقوقية.

 

المصادر:

  1. Stephanie van den Berg, Israel is committing genocide in Gaza, scholars' association says, Reuters, September 2, 2025, https://reut.rs/4mPENqS
  2. قرار بالإجماع من “الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية” بشأن غزة.. وحماس تعلق، الجزيرة مباشر، 1 أغسطس 2025، https://bit.ly/45PZigY
  3. جمعية علماء الإبادة: "إسرائيل" تنفذ جميع أشكال الإبادة الجماعية بغزة.. والاحتلال يرد، عربي 21، 2 سبتمبر 2025، https://bit.ly/4gcYsyy
  4. الدبابات الإسرائيلية تتوغل في غزة... وعلماء دوليون يؤكدون حصول «إبادة جماعية»، الشرق الأوسط، 1 سبتمبر 2025، https://bit.ly/4m3fnou
  5. أكبر جمعية دولية معنية بأبحاث الإبادة: إسرائيل استوفت المعايير القانونية لارتكاب إبادة جماعية في غزة، بي بي سي، 1 سبتمبر 2025، https://bbc.in/4ncx9Xb
  6. هذا ما قالته عضوة جمعية علماء "الإبادة الجماعية" لـCNN حول أفعال إسرائيل بغزة، سي إن إن العربية، 2 سبتمبر 2025، https://cnn.it/4gaVVVt

هذه الرسالة تقدّم دراسة علمية مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المدني الفرنسي، وتهدف إلى تحديد أوجه التلاقي والتأثير بين النظامين القانونيين، وبيان مدى انتقال أو تبادل الأفكار والقواعد بينهما عبر التاريخ وصولًا إلى العصر الحديث. وهي مقدَّمة لنيل درجة الدكتوراه في الحقوق من الباحث: أحمد عبد العزيز أحمد حسين.

تبدأ الدراسة بتسليط الضوء على أهمية القانون باعتباره مرآة للثقافة والهوية الوطنية، مؤكدة أن التشريع ليس مجرد تنظيم وإجراءات، بل هو تعبير عن شخصية الأمة وتوجّهاتها. ومن هذا المنطلق، يطرح الباحث سؤالًا محوريًا: هل تأثّر القانون المدني الفرنسي بالفقه الإسلامي؟ وإذا كان هناك تأثير، فكيف تجلّى؟. وقد سبق هذا الطرح تحديد إشكالية واضحة وصياغة منهجية علمية تقوم على المزج بين المنهج الوصفي والمنهج المقارن (الحواري)، مع العودة إلى أقدم الترجمات للنصوص الفرنسية لإبراز ملامح القانون عند لحظة صدوره.

خصِّص الجزء التاريخي من البحث لبيان مسارات التلاقي بين الحضارتين: استقرار الحكم الإسلامي في أجزاء من أوروبا لقرون، حركة التجارة والاتصال بين العالمين، الحملات الصليبية وما صاحبها من تبادل فكري، إضافة إلى أثر الاحتلال الحديث والتواصل المباشر بين فرنسا والبلاد الإسلامية. وهذه العوامل التاريخية شكّلت الأرضية التي سمحت بانتقال بعض القواعد والأفكار القانونية.

على مستوى المنهجية، اعتمد الباحث المقارنة النصية المنظّمة بين مواد القانون المدني الفرنسي (مع الرجوع إلى أقدم ترجماته) ونصوص الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، مع إدراج الاجتهادات المعاصرة ونقد المصادر السابقة، توسعةً لقاعدة المقارنة وتجنبًا للاقتصار على مذهب واحد.

 

جاءت الدراسة موزعة على أربعة أبواب رئيسية:

تناول الباب الأول الجذور التاريخية والأسباب التي أدّت إلى التلاقح بين الفقهين.

خُصِّص الباب الثاني لأثر الفقه الإسلامي في مسائل الملكية بالقانون المدني الفرنسي، من طرق اكتساب الملكية، وأحكام الهبة والوصية، ومدة الحيازة وأنواع الأملاك، والحقوق المترتبة على الملكية.

أما الباب الثالث فدرس أثر الفقه الإسلامي في العقود والالتزامات، متناولًا شروط صحة العقد وأركانه، وإنهاء الالتزامات وطرق الإثبات.

بينما ركّز الباب الرابع على التطبيقات العملية في عقود محددة (كالبيع، والإيجار، والشركة، والوديعة) وفي قضايا الأحوال الشخصية (البنوة، الغيبة، الميراث)، مع إبراز أوجه الاتفاق والاختلاف.

 

وتخلص الدراسة إلى أن الفقه الإسلامي كان ولا يزال نظامًا قانونيًا ذا عمق وقدرة تشريعية، وأن له أثرًا بارزًا في التشريعات الأوروبية، ومنها القانون المدني الفرنسي، نتيجة التفاعل الحضاري وفترات الحكم الإسلامي في بعض مناطق أوروبا، فضلًا عن التواصل التجاري والثقافي. كما أبرزت المقارنات وجود تشابهات وتقاطعات في مسائل الملكية والعقود والإثبات، وأظهرت أن الفقه الإسلامي سبق في كثير من المعالجات العملية، بينما تميز القانون المدني الفرنسي بصياغة نظريات قانونية موحدة وتقنينها في مواد مختصرة واضحة قابلة للتطبيق.

وتلفت الدراسة إلى جوانب قصور في استثمار الثروة الفقهية الإسلامية، نتيجة ركود بعض المدارس الفقهية وعدم تطويرها بالمنهج العلمي الحديث، مما أعاق الإفادة الكاملة من التراث الفقهي. وفي المقابل، تشير إلى أن تعديلات القانون المدني الفرنسي الحديثة (بما فيها تعديلات جوهرية في 10 فبراير 2014) قدّمت تطورات مهمة ينبغي أخذها في الاعتبار عند المقارنات الزمنية.

 

وتُختتم الرسالة بجملة من التوصيات العملية والبحثية، من أبرزها: إحياء الجهود النقدية في الفقه الإسلامي، تطوير نظريات فقهية معاصرة قابلة للتقنين والتطبيق، وتشجيع المزيد من الدراسات المقارنة التي تُبرز الإسهامات التاريخية المتبادلة بين الأنظمة القانونية. كما تدعو إلى إدراك قيمة المقارنة العلمية بعيدًا عن الانفعال، لتعزيز فهم دقيق ومتوازن لتاريخ التشريع وتطوّره. وتؤكد أن العلاقة بين الفقه الإسلامي والقانون المدني الفرنسي هي علاقة تداخل وتلاقٍ تاريخي ومعرفي، وليست علاقة أحادية المصدر، بما يحث الباحثين على استثمار هذه النتائج في إثراء الدراسات الفقهية والقانونية المستقبلية.

 

الفهرس

مقدمة

اشكالية البحث

منهج البحث

مصطلحات البحث

الباب الأول: التقاء الفقه الإسلامي بالقانون المدني الفرنسي وأثره

تمهيد وتقسيم

الفصل الأول: الأصول والعوامل التاريخية لتأثير الفقه الإسلامي في القانون المدني الفرنسي والتشريعات الأوروبية

المبحث الأول: الفتح الإسلامي لأوروبا

المبحث الثاني: الأثر المترتب على التفوق الحضاري للمسلمين في أوروبا

الفصل الثاني: الفقه الإسلامي وعلماؤه يعلمون أوروبا ويؤثرون في تشريعاتها

المبحث الأول: أثر الفقه والفلسفة والعلوم الإسلامية على رجال الدين والقوانين الكنسية والساسة والملوك في أوروبا

المبحث الثاني: أوروبا تجحد أثر الفقه الإسلامي

 

الباب الثاني: أثر الفقه الإسلامي في الملكية في القانون المدني الفرنسي

مبحث تمهيدي

الفصل الأول: أثر الفقه الإسلامي في الملكية في القانون المدني الفرنسي

المبحث الأول: طرق كسب الملكية في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

المبحث الثاني: الهبة والوصية في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

المبحث الثالث: المدة الطويلة في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

 

الفصل الثاني: أنواع الأملاك في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

المبحث الأول: أنواع الأملاك في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

 

المبحث الثاني: التصرفات والحقوق المترتبة على تحقق الملك سواء كان عقارًا أو منقولا

الفصل الثالث: أثر الفقه الإسلامي في بعض الحقوق المتفرعة عن حق الملكية في القانون المدني الفرنسي

المبحث الأول

المبحث الثاني: انقضاء حق الانتفاع في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

المبحث الثالث: حق الاستعمال والسكنى في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

 

الباب الثالث: أثر الفقه الإسلامي في العقود والالتزامات في القانون المدني الفرنسي

الفصل الأول: أثر الفقه الإسلامي في العقود في القانون المدني الفرنسي

تمهيد وتقسيم

المبحث الأول: العقد وأركانه، وشروط صحته في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

المبحث الثاني: الآثار المترتبة على الالتزامات والعقود

 

الفصل الثاني: أثر الفقه الإسلامي في إنهاء الالتزامات في القانون المدني الفرنسي

المبحث الأول: إنهاء الالتزامات بالوفاء أو الحوالة في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

 

المبحث الثاني: إنهاء الالتزامات بالإبراء واتحاد الذمة والمقاصة في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

 

الفصل الثالث: أثر الفقه الإسلامي في إثبات العقود والالتزامات في القانون المدني الفرنسي

تمهيد وتقسيم

المبحث الأول: إثبات العقود والالتزامات بالسند الرسمي وصورته وبالشهادة

 

المبحث الثاني: إثبات العقود والالتزامات بالإقرار وغلبة الظن والقرائن واليمين في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

 

 

الباب الرابع: أثر الفقه الإسلامي في التطبيق على بعض العقود وفي الأحوال الشخصية في القانون المدني الفرنسي

الفصل الأول: أثر الفقه الإسلامي في التطبيق على بعض العقود في القانون المدني الفرنسي

تمهيد وتقسيم

المبحث الأول: أثر الفقه الإسلامي في البيع في القانون المدني الفرنسي

 

المبحث الثاني: أثر الفقه الإسلامي في الإيجار في القانون المدني الفرنسي.

 

المبحث الثالث: أثر الفقه الإسلامي في عقدي الشركة والوديعة في القانون المدني الفرنسي

 

الفصل الثاني: أثر الفقه الإسلامي في الأحوال الشخصية في القانون المدني الفرنسي

المبحث الأول: البنوة في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

المبحث الثاني: النهاية الحكمية للشخصية القانونية الغائب، والمفقود وما يتعلق بهما)

المبحث الثالث: المواريث في القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي

الخاتمة

 

لتحميل ملف الرسالة

 

* أحمد عبد العزيز أحمد حسين، أثر الفقه الإسلامي في القانون المدني الفرنسي، رسالة دكتوراه، قسم القانون المدني، كلية الحقوق، جامعة بني سويف، 2022.

يُعتبر مشروع تقنين الشريعة الإسلامية الذي أعدته لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب المصري واحدًا من أهم المحاولات المؤسسية في العصر الحديث لتحويل أحكام الفقه الإسلامي إلى مواد مقننة. بدأ هذا المشروع في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وتحديدًا في يوم 4 نوفمبر 1978، حين أعلن الدكتور صوفي أبو طالب[1] -في بيانه بعد انتخابه رئيسًا لمجلس الشعب مباشرة- أنه: "قد آن الأوان لإعمال نص المادة الثانية من الدستور التي تقضي بأن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، بحيث لا يقتصر الأمر على عدم إصدار تشريعات مخالفة لهذا النص، بل يتعداه إلى مراجعة كل قوانيننا السابقة على تاريخ العمل بالدستور وتعديلها بالاعتماد على الشريعة الغراء".

وفي 17 ديسمبر 1978، وافق مجلس الشعب على قرار تشكيل لجنة خاصة تتولى دراسة جميع الاقتراحات بمشروعات قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية. عُقد أول اجتماع للجنة في 20 ديسمبر 1978 برئاسة الدكتور صوفي أبو طالب. ضمت اللجنة صفوة من علماء الشريعة والقانون من الأزهر والجامعات المصرية والقضاء ورجال الدين المسيحي لضمان قبول التشريع من فئات المجتمع المختلفة.

وقد بدأت اللجنة، تيسيرًا للعمل ورغبة في الإسراع في إنجاز مهمتها، بتشكيل سبع لجان فرعية، هي لجان التقاضي، والقوانين الاجتماعية، والمعاملات المالية والاقتصادية، والقانون المدني، والعقوبات، والتجارة، والتجارة البحرية. وقررت اللجنة الخاصة عرض ما تنجزه اللجان أولا بأول على الأزهر الشريف وأساتذة كلية الحقوق، فبعثت إليها بهذه الأعمال لإبداء الرأي في شأنها، وقد روجعت بعض المشروعات المقترحة في ضوء ما انتهى إليه من رأي أو اقتراحات من تلك اللجان.

استمرت اللجان في عملها ما يقارب الأربع سنوات إلى أن عقد مجلس الشعب في أول يوليو 1982م جلسة تاريخية بمعنى الكلمة، أعلن فيها إنجاز تلك المشروعات، واستهلها رئيس المجلس أ. د. صوفي أبو طالب -رحمه الله- بأن ألقى بيانًا مهمًّا حول الملامح الأساسية للمشروعات التي تم إنجازها على مدى أربع سنوات، مع الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي بذلت في هذا الشأن مع الإشارة إلى متطلبات المرحلة المقبلة كي يتم إعداد المجتمع لتطبيق تلك القوانين بعد إصدارها، ثم طلب من رؤساء اللجان عرض الملامح الرئيسية لكل مشروع على حدة، ثم فتح الباب لبقية الأعضاء للحديث حول هذا الإنجاز، فتكلم بعضهم وأشادوا به إشادة كبيرة.

ومما جاء في بيان رئيس المجلس:

"وأهم الملامح الأساسية للتقنينات الجديدة تظهر فيما يأتي:

1) إن هذه التقنينات مأخوذة من الشريعة الإسلامية نصًّا أو مخرجة على حكم شرعي أو أصل من أصولها، وذلك دون التقيد بمذهب فقهي معين، ومن هنا استنبطت الأحكام من آراء الفقهاء التي تتفق وظروف المجتمع. ولست في حاجة إلى أن أذكر لحضراتكم أن الأحكام الشرعية تنقسم الى قسمين:

النوع الأول: أحكام قطعيةُ الثبوت والدلالة ولا مجال للاجتهاد فيها.

النوع الثاني: أحكام اجتهادية؛ إما لأنها ظنية الثبوت، وإما لكونها ظنية الدلالة، ومن المسلَّم بالنسبة للأحكام الاجتهادية أنها تتغير بتغيير الزمان والمكان، الأمر الذي أدى إلى تعدد المذاهب الإسلامية بل والآراء داخل المذهب الواحد وهو ما أعطى للفقه الإسلامي مرونة وحيوية أمكن معها القول بأن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان.

2) حرصت اللجان الفنية التي تولّت إعداد هذه التشريعات على بيان الأصل الشرعي لكل نص من النصوص أو الأصل أو المبدأ الذي خرجت الحكم عليه حتى يكون الرجوع في التفسير والتأويل إلى مراجع الفقه الإسلامي بدلًا من الالتجاء دائما إلى الفقه الأجنبي.

3) أما بالنسبة للعلاقات الاجتماعية والمعاملات المالية الجديدة التي استحدثت ولم يتطرق لها فقهاء الشريعة اجتهدت اللجان في استنباط الأحكام التي تتفق وظروف المجتمع وروح العصر بشرط مطابقتها لروح الشريعة الإسلامية وأصولها، ومن أمثلة ذلك معاملات البنوك والتأمينات وطرق استثمار المال... إلخ.

4) إنه في سبيل الحفاظ على التراث الفقهي المصري ومبادئ القضاء التي استقرت طوال القرن الماضي فقد حرصت اللجان على الأخذ بالمصطلحات القانونية المألوفة ولم تخرج عليها في الصياغة إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، أما المضمون والمعاني فهما مطابقان للفقه الإسلامي.

والتشريعات التي تم إنجازها هي:

1) مشروع قانون المعاملات المدنية ويقع في (1136 مادة).

2) مشروع قانون الإثبات ويقع في (181 مادة)، ومشروع قانون التقاضي ويقع في (513 مادة).

3) مشروع قانون العقوبات: القسم العام والحدود والتعزيرات ويقع في (630 مادة).

4) مشروع قانون التجارة البحرية ويقع في (443 مادة).

5) مشروع قانون التجارة ويقع في (772 مادة)".

وقد انتهت الجلسة بموافقة أعضاء مجلس الشعب بالإجماع على إحالة مقترحات مشروعات القوانين جميعها إلى اللجنة الدستورية والتشريعية تمهيدًا لاستكمال إجراءات إصدارها، إلا أن هذه المشروعات لم تصدر، بل جرى تجاهلها وكأنها لم تكن!

 

الأسباب وراء توقف المشروع:

رغم الإنجاز الكبير والموافقة البرلمانية، توقف المشروع عن التطبيق لأسباب متعددة أوضحها الدكتور صوفي أبو طالب في لقاءاته اللاحقة:

  1. التغيير السياسي: أو "الظروف السياسية" (كما عبر عنها الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب لاحقًا)، والتي كان أبرزها اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر 1981، حيث أدى ذلك إلى تغيير في التوجهات السياسية، فقد ترددت القيادة السياسية الجديدة، أو بالأحرى لم ترغب في إتمام إجراءات إصدار مشروعات القوانين.
  2. الثورة الإيرانية (1979)تهديدات إيران بتصدير الثورة خلق مخاوف من أن تطبيق الشريعة قد يحول مصر إلى إمارة إسلامية على النمط الإيراني.
  3. التجربة السودانية: تطبيق جعفر النميري للشريعة في السودان بطريقة متطرفة خلق أجواء من الحذر والخوف من مفهوم تطبيق الشريعة بشكل عام.

 

التأثير والاستفادة:

يُمثل مشروع قوانين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة الذي أعدته لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب المصري تحت قيادة الدكتور صوفي أبو طالب وبمشاركة علماء أجلاء، مثل الإمام الأكبر جاد الحق علي جاد الحق (شيخ الأزهر)، إنجازًا علميًا وفقهيًا متميزًا يشهد على إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحديث. رغم توقف تطبيق هذا المشروع لأسباب سياسية وإقليمية، فإنه يبقى مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بتقنين الشريعة، ونموذجًا يُحتذى به في الجمع بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة القانونية. يُعتبر هذا المشروع من أهم جهود تقنين الشريعة الإسلامية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين. يصنفه الباحثون مع مجلة الأحكام العدلية العثمانية ومجموعة محمد قدري باشا كأحد أبرز المحاولات التاريخية لتقنين الفقه الإسلامي. إن هذا المشروع، الذي استغرق إعداده حوالي أربع سنوات وأنتج أكثر من 3000 مادة قانونية موثقة ومدروسة، يُعتبر شاهدًا على "لحظة صدق للدولة المصرية مع نفسها ونزعتها الأصيلة كي تتطابق مع إرادة مجتمعها وتتصالح مع أصل أصول هويتها". ويبقى الأمل قائمًا في أن تأتي "أقرب فرصة: لتشهد تطبيق هذا الإرث العلمي الثمين الذي يجمع بين حكمة الشريعة الإسلامية ومتطلبات العصر الحديث".

وقد استفادت دول عربية وإسلامية أخرى من هذا العمل المصري. على سبيل المثال، أكد الدكتور خالد المذكور رئيس اللجنة العليا لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على استفادة اللجنة من تلك المشاريع حيث ذكر ما يأتي: "استفدنا كثيرًا من التجربة المصرية هذه لما كانت تتمتع به من ثراء وتنوع".

 

تقييم التجربة:

ذكر د. حازم علي ماهر في كتابه "تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية" العديد من الدلالات الإيجابية وغير الإيجابية لتك التجربة، وننقل عنه بعض ما أورده بشأن تلك الدلالات:

من الدلالات الإيجابية:

"1) إن الطابع الاحتفالي الذي شهدته المناقشات وترحيب جميع من تحدث من فيها بإنجاز مشروعات التقنين المستمدة من الشريعة الإسلامية، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، ينتمون إلى الحكومة أو إلى المعارضة... إلخ، هو أمر مهم يعطي مؤشرًا على مدى إجماع نواب مجلس الشعب -في تلك الجلسة- على استكمال قوانين الشريعة الإسلامية، وتفعيل المادة الثانية من الدستور، بغض النظر عن حقيقة بواعث هذا الإجماع.

2) إن تشكيل اللجان كان جامعًا لرجال الفقه الإسلامي والقانون الوضعي وهو أمر يدحض الطبيعة الصراعية بين المجالين، ويوضح أن المسافات بينهما ليست بعيدة كثيرًا كما يتصور البعض، وهو أمر ثبت من قبل كثيرًا؛ فإنه كلما ابتعدت الموانع والخلافات السياسية وعمل الفقهاء من الجانبين معًا في صمت لاستعادة مصدرية الشريعة للنظام القانوني كانت النتيجة مبهرة وناجحة.

3) من الملاحظ أن تكوين اللجان التي وضعت مشروعات التقنين لم يكن قائمًا على أساس سياسي أو أيديولوجي، بل كان فنيًّا يعتمد على كفاءة الأعضاء وخبراتهم من الناحية العلمية وإلى حد ما العملية، ويظهر ذلك بالاطلاع على أسماء المشاركين في تلك اللجان والتي سلف ذكرها من قبل، وهذا أفضل من الناحيتين العلمية والسياسية باعتبار أن العمل لن يكون منسوبًا لجهة ما أو جماعة سياسية معينة، بل منسوبًا للأمة ككل، وهو أمر يصب في إعادة الاعتبار للجانب الثقافي في قضية تطبيق الشريعة الإسلامية على حساب الجانب السياسي الذي تضخم كثيرًا وكان معيقًا للتطبيق أكثر منه ممهدًا له ومعاونًا.

4) من الواضح أن القائمين على أمر تلك المشروعات كانوا مدركين تمامًا لفكرة أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا تنحصر فقط في استبدال مواد مطابقة للشريعة بأخرى مخالفة لها، بل إن الأهم من ذلك هو أن تكون مرجعية التشريع (أو مصدريته) هي للشريعة الإسلامية، ويظهر ذلك -على سبيل المثال- مما جاء في بيان السيد رئيس مجلس الشعب من أن اللجان الفنية التي تولت إعداد هذه التشريعات حرصت على بيان الأصل الشرعي لكل نص من النصوص أو الأصل أو المبدأ الذي خرجت الحكم عليه حتى يكون الرجوع في التفسير والتأويل إلى مراجع الفقه الإسلامي بدلا من الالتجاء دائمًا إلى الفقه الأجنبي.

5) إن اللجان اعتمدت التفرقة بالنسبة للشريعة الإسلامية، بين نصوصها قطعية الثبوت والدلالة التي أقرت بأنها لا مجال للاجتهاد فيها واعتبرتها من النظام العام الذي لا يجوز الخروج عليه، وأحكامها الاجتهادية ظنية الثبوت أو الدلالة أو الاثنين معًا... وفي هذا إدراك جيد لطبيعة أحكام الشريعة الإسلامية التي تشتمل على أحكام قطعية لا يجوز الخروج عليها بأي حال من الأحوال، وتلك الأحكام الاجتهادية التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال وفق ضوابط الاجتهاد وبما يحقق مصالح العباد التي لا تتعارض مع ثوابت الشرع، غير أن هناك تحفظًا مهمًّا في قصْرها أحكام الشريعة القطعية على النصوص قطعية الورود والدلالة سنورده تفصيلًا عند نقد موقف المحكمة الدستورية العليا التي تبنت الرأي نفسه واستقرت عليه في أحكامها.

6) إن اللجان راعت كذلك الحفاظ على التراثين: الفقهي والقانوني، ومبادئ القضاء التي استقرت منذ إقصاء الشريعة الإسلامية عن التطبيق في نهايات القرن التاسع عشر، وراعت كذلك ألا تقوم بإلغاء تلك القوانين جملة واحدة كما كان يطالب البعض، بل حرصت فقط على تنقيتها مما يخالف الشريعة الإسلامية، وردها إلى الأصول الشرعية بالقدر المتاح، وهو اختيار موفق يمنع من اهتزاز النظام القانوني المستقر في الدولة منذ أكثر من قرن من الزمان.

7) إن اللجان لم تقتصر فقط على عملية "أسلمة" القوانين -بالمعنى الضيق المنغلق- بل إنها سعت إلى هدف آخر يتمثل في إصلاح ما أثبته الواقع العملي من قصور في بعض نصوصها، حتى إن رئيس لجنة المعاملات المدنية -على سبيل المثال- ذكر أن اللجنة قد أخذت في الاعتبار بصفة عامة عند وضع نصوص المشروع "كل ما أبداه الفقه من ملاحظات على النصوص الحالية، وكل ما كشف عنه التطبيق العملي من نقص أو قصور في هذه النصوص، بحيث يعتبر هذا العمل في حد ذاته تنقيحًا للتقنين الحالي"، وهو أمر يؤكد مدى الاستيعاب لمفهوم الأسلمة نفسه، من حيث إنه يهدف إلى تحقيق مصالح الناس التي أقرها الشرع أو على الأقل لم يعارضها، وهو ما يتحقق بتطوير التشريعات التي يخضعون لها بما يراعي المستجدات في تعاملاتهم، وكذلك سد النقص في القوانين الذي كشف عنه تطبيقها في الواقع العملي.

8) إن اللجان الفنية قد برهنت على إدراكها لأهمية تضييق الفجوة بين القانون والأخلاق، وظهر ذلك من كلمة رئيس لجنة المعاملات المدنية كذلك حين أكد أن مشروع القانون رفع "العديد من الواجبات الخلقية الدينية إلى مستوى الواجبات القانونية، وذلك حرصًا على التضييق من مسافة الخلف بين القانون والأخلاق"، وهو أمر مهم يدل على وعي أعضاء تلك اللجان بالاختلاف بين خصائص الشريعة الإسلامية وخصائص القانون الوضعي، شرط عدم التوسع في الإلزام بالقواعد الخلقية عن طريق سلطة الدولة وتقنيناتها، حتى لا يكون عبئًا على حريات المواطنين وخياراتهم، مما قد يجعلهم يضيقون بتلك القواعد، وقد تؤدي إلى عكس مقصودها، بأن تشيع صفات سلبية بين الناس، كالنفاق، والرياء، وغيرهما، والأولى تركها للمجتمع، أو ما يسمى بآلية الضبط الاجتماعي.

9) إن فكرة الاستفادة من الفكر القانوني الإنساني المتقدم، والأخذ منه ما يتناسب مع مجتمعاتنا بما لا يخالف مبادئ شريعتنا، لم تكن غائبة كذلك عن اللجان التي وضعت تلك المشروعات، بل على العكس من ذلك، فإنهم تحدثوا صراحة عن ترحيبهم بذلك ومراعاته في مشروعات القوانين التي أنجزوها، ومنهم رئيس لجنة المعاملات المدنية كذلك، الذي قال في كلمته: "وروعي في ذلك [أي في عملية التقنين التي قامت بها اللجنة] ما خضع له علم القانون من تطور وما أصابه من تقدم، وذلك في ضوء تطور المجتمع الإسلامي وتقدم الفكر الإنساني"، وما أكده كذلك كل من رئيس لجنة قانون التجارة البحرية، ورئيس لجنة القانون التجاري من مواكبة أحدث الاتجاهات في مجال التشريعات التجارية، مع مراعاة المعاهدات والاتفاقات الدولية التي انضمت إليها مصر".

 

ومن الدلالات غير الإيجابية بحسب د. حازم:

  • تشكيل اللجان اقتصر -في أغلبه- على المختصين بالقانون والشريعة دون غيرهم من أهل الخبرة والاختصاص.
  • التقنينات المنتقاة خلت من القوانين المتعلقة بنظام الحكم وحماية حقوق الإنسان وحرياته.
  • المناقشات والتقنينات وقعت في الخلط بين مصطلح الفقه الإسلامي ومفهوم الشريعة الإسلامية.
  • لم تحدد التقنينات معيارًا لتحديد المخالفات الشرعية ومنهج التعامل معها.

 

ويجدر التنويه في الختام إلى أن النسخة المتداولة بين أيدينا هي طبعة صادرة سنة 2013م عن دار ابن رجب بالمنصورة ودار الفوائد بالقاهرة، بتقديم الشيخ وحيد عبد السلام بالي[2]. غير أنّ هذه الطبعة لا تشمل جميع مشروعات التقنين، إذ خلت من ملف مشروع قانون التجارة البحرية ومذكرته الإيضاحية، وقد قمنا بالحصول على نصوص هذا المشروع ومذكرته الإيضاحية وأتحناهما للتحميل على الشبكة لأول مرة -حصريًا- رفق الأجزاء الخمسة المطبوعة المحتوية على بقية المشروعات.

إن نشر كافة هذه المشروعات والتعريف بها يُعدّ استكمالًا لجهودنا الرامية إلى إبراز المحاولات المهمة التي جرت لتفعيل العلاقة بين الشريعة والقانون من منظور علمي وثقافي بعيدًا -إلى حد كبير- عن أي تحيزات أو إملاءات أو أيديولوجيات سياسية.

 

الجلسات التمهيدية

1) مشروع قانون المعاملات المدنية.

2) مشروع قانون الإثبات، ومشروع قانون التقاضي.

3) مشروع قانون العقوبات: القسم العام والحدود والتعزيرات.

4) مشروع قانون التجارة البحرية.

5) مشروع قانون التجارة.


____

المصادر:

  1. صوفي أبوطالب لـ «البيان»: ثورة إيران وتجربة السودان ساعدتنا بتأجيل تطبيق الشريعة، البيان، 1 يونيو 2002، https://www.albayan.ae/one-world/2002-06-02-1.1314366
  2. محمد شافعي مفتاح، تقنين الأحكام الفقهية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين: دراسة لثلاثة نماذج، دار المنظومة، https://search.mandumah.com/Record/1310238
  3. إبراهيم البيومي، ثورة 1919: جدليات الشريعة والهوية والاستقلال والحرية، إضاءات، 17 مارس 2019، https://www.ida2at.com/revolution-1919-arguments-sharia-identity-independence-freedom/
  4. حازم علي ماهر، تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية، دار النهضة العربية- القاهرة، ودار النهضة العلمية- الإمارات، عام 2018م.
  5. إسلام هلال، تقنين الشريعة الإسلامية بين الجهد العلمي والسلطة السياسية، سبل، 5 أكتوبر 2022، https://subulmagazine.com/?p=1325
  6. أسرار التجربة المصرية في تقنين وتطبيق الشريعة الإسلامية، الوطن الكويتية، 12 سبتمبر 2013، https://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?id=303844&yearquarter=20133
  7. جمال الدين عطية، تاريخ تقنين الشريعة الإسلامية، المسلم المعاصر، https://2u.pw/5YKb5.

 

[1] أ. د. صوفي حسن أبو طالب (27 يناير 1925 – 21 فبراير 2008) أستاذ قانون ومؤرخ قانون مصري من مركز طامية بمحافظة الفيوم؛ تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة وحصل على دراسات عليا من جامعات باريس وروما، وتدرّج أكاديميًا حتى شغل مناصب قيادية في جامعة القاهرة ثم انتقل إلى العمل البرلماني فانتُخب رئيسًا لمجلس الشعب (أواخر 1978–أواخر 1983)، وتولّى رئاسة الجمهورية مؤقتًا بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في الفترة 6–14 أكتوبر 1981؛ عرف عنه الجمع بين السيرة الأكاديمية والحياة العامة وتلقى عدة تكريمات وطنية ودولية قبل أن يتوفى عام 2008.

[2] لجنة تقنين الشريعة الإسلامية، مشروعات تقنين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، تحقيق وتقديم: وحيد عبد السلام بالي، دار ابن رجب بالمنصورة، ودار الفوائد بالقاهرة، 2013م.

أعلنت الأمم المتحدة رسميًا وقوع مجاعة في قطاع غزة، ووصفت الوضع القائم بأنّه «كارثة من صنع الإنسان»، محذِّرة من أنّ ما يقارب نصف مليون شخص يواجهون خطر الجوع الكارثي. ويكتسب هذا الإعلان أبعادًا قانونية وإنسانية وسياسية بالغة الأهمية؛ إذ يُذكّر صراحةً بالقاعدة المستقرة في القانون الدولي الإنساني التي تحظر استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، وتُلزم قوة الاحتلال بضمان توفير الإمدادات الأساسية والضرورية لسكان الأراضي المحتلة. وبذلك، فإن الإعلان لا يقتصر على كونه توصيفًا لحالة إنسانية حرجة، بل يُمثل كذلك مؤشرًا قانونيًا ومعياريًا يمكن أن يشكّل منطلقًا لتفعيل آليات المساءلة الدولية وإعادة توجيه الاهتمام السياسي والحقوقي نحو حماية المدنيين وإنقاذ حياتهم.

الوقائع والسياق:

يشير الإعلان الأممي عن المجاعة في قطاع غزة إلى وجود نقص حاد في الغذاء والمواد الأساسية، بما يهدّد بصورة مباشرة حياة المدنيين، مع تقديرات تفيد بأن ما يقارب نصف مليون شخص معرّضون لمرحلة جوع كارثي. وفي هذا الإطار، صرّح الأمين العام للأمم المتحدة واصفًا الوضع القائم بأنّه «كارثة من صنع الإنسان»، في إشارة واضحة إلى الطابع غير الطبيعي للأزمة وإلى مسؤولية بشرية في تفاقمها.

ومن منظور القانون الدولي، يرى عدد من الخبراء أنّ هذا الإعلان لا يقتصر على كونه توصيفًا لحالة إنسانية بالغة الخطورة، بل يرقى إلى مرتبة تُحوّل الأزمة من مجرد مأساة إنسانية إلى توصيف ذي آثار قانونية، يمكن أن يُفضي إلى مساءلة جنائية دولية. كما يُعدّ الإعلان مدخلًا لإطلاق إجراءات سياسية ودبلوماسية ضد الجهة أو الجهات المتورطة في عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما يضع أساسًا لإعمال قواعد القانون الدولي الإنساني وآلياته ذات الصلة بالمساءلة.

 

الإطار القانوني ذي الصلة

 

أ. مبادئ القانون الدولي الإنساني (IHL)

حظر التجويع كسلاح حرب: ينص القانون الدولي الإنساني على تحريم استخدام التجويع ضد السكان المدنيين أو عرقلة وصول الإمدادات الأساسية (البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977، المادة 54). كما أكدت اتفاقية جنيف الرابعة على أن تدمير المواد الضرورية لبقاء المدنيين أو منعها عنهم يشكل انتهاكًا جسيمًا (اتفاقية جنيف الرابعة 1949، المادة 33 وما بعدها).

التزامات القوة القائمة بالاحتلال: تفرض اتفاقية جنيف الرابعة على القوة المحتلة التزامًا بضمان توفير الغذاء والدواء للسكان، وتأمين مرور المساعدات الإنسانية دون عوائق (اتفاقية جنيف الرابعة 1949، المواد 55–59). والإخلال بهذه الالتزامات يُعد انتهاكًا جسيمًا يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب.

 

ب. القانون الجنائي الدولي (نظام روما الأساسي)

جرائم الحرب: نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن "استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة الإمدادات" يُعد جريمة حرب (نظام روما الأساسي 1998، المادة 8(2)(ب)(xxv)). ويُرتب ذلك مسؤولية جنائية مباشرة على القادة السياسيين والعسكريين متى ثبت توافر القصد أو الإهمال الجسيم.

 

ج. مبادئ مسؤولية الدول وحماية المجتمع الدولي

مسؤولية الحماية (R2P): اعتمد مؤتمر القمة العالمي للأمم المتحدة عام 2005 مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي يوجب على المجتمع الدولي التدخل (بالوسائل السلمية أولًا، ثم بوسائل أخرى إذا فشلت) عندما تفشل الدولة أو السلطة القائمة بالاحتلال في حماية السكان من الجرائم الفظيعة مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (وثيقة نتائج القمة العالمية 2005، الفقرة 138–139).

 

البُعد التقني لتعريف «المجاعة» ودلالته القانونية:

تَصدُر اعتبارات إعلان المجاعة عن مؤشرات فنية موحَّدة (مثل تصنيفات IPC والبيانات التغذوية ومعدلات الوفيات المرتبطة بسوء التغذية) التي تعتمدها وكالات الأمم المتحدة المتخصّصة. وعندما تُعلِن جهات أممية أن مؤشرات معيَّنة قد بلغت حدود المجاعة، تصبح تلك الوثائق دليلًا فنيًا مُعتَمدًا يُستخدم في تقييم مستوى الخطر الإنساني، كما تُعدّ مؤشرًا مرجعيًا أمام آليات المساءلة. ومن ثَمّ، فإن الأثر القانوني للإعلان لا يقتصر على مجرد وصف إعلامي، بل يمتد ليشكّل وثيقة تقنية مُؤسِّسة لمعايير تقدير الضرر ولبيان الامتناع عن توفير الإغاثة.

وتكمن قيمة الإعلان كأداة لتيسير المساءلة في أن توثيق الأمم المتحدة لحالة مجاعة يكتسب حجية إثباتية ويوفّر قاعدة مرجعية راسخة للتحقيقات، إذ تعتمد الجهات القضائية والتحقيقية على البيانات الميدانية والمقاييس التغذوية والتقارير المؤسسية لتحديد نطاق النتائج وربطها بالسياسات والإجراءات. وفي هذا السياق، تُنشئ المعلومة الأممية قرينة قانونية تقلّل من مساحة الجدل حول ثبوت النتيجة الكارثية، وتتيح للمحققين تركيز جهدهم على تحديد العلاقة السببية بين النتيجة وبين السياسات أو الإجراءات المسؤولة عنها.

أمّا عن مسارات المساءلة المتوفِّرة ضمن النظام الدولي، فتُشير مصادر أممية إلى أنّها قد تسلك مسارات متوازية:
(أ) تحقيقات جنائية أمام آليات مختصّة عند توفّر الاختصاص والأدلّة (وقد تفضي في بعض الحالات إلى ملاحقات جنائية دولية)،
(ب) دعاوى ومسارات للمسؤوليّة الدولية أمام محاكم أو محافل دولية لمعالجة خروقات الالتزامات المعاهدية،
(ج) آليات أممية مستقلّة للتحقيق والتوثيق تُهيّئ ملفات قابلة للاستخدام لاحقًا من قِبل جهات إنفاذ القانون أو آليات العدالة الانتقالية.

ويُعزِّز الإعلان الأممي عن المجاعة عمليًا إمكانيّة فتح تلك المسارات عبر توفير معطيات فنية وشرعية صالحة لانطلاق عملٍ تحقيقِي موثوق.

أمّا عن صعوبات الإثبات والقيود العملية التي تعترض التحرك القضائي، فعلى الرغم من قوة البعد التقني لإعلان المجاعة، تبقى مسائل الإثبات المتصلة بـ «العنصر المعنوي» (النية أو القصد) وتحديد المسؤولين عن السياسات أو الأوامر التي أفضت إلى النتيجة، عوامل حاسمة لنجاح أي ملاحقات جنائية. كما تُشير جهات أممية إلى تحدّيات ميدانية ملموسة، من أبرزها: صعوبة الوصول الآمن لجمع الأدلة، ضرورة حماية الشهود، وضمان الحفاظ على سلاسل حفظ الأدلة الطبية والإحصائية في مناطق النزاع. لذلك، فإنّ الإعلان الأممي يُعدّ خطوة تأسيسية مهمّة، غير أنّه لا يُغني عن عمل توثيقي منهجي ومعمّق يُشكّل أساسًا متينًا لإسناد دعاوى قانونية ناجعة.

 

الآثار القانونية المترتبة على إعلان المجاعة:

  1. تشكيل قاعدة أدلة رسمية: إعلان الأمم المتحدة له قيمة وثائقية قوية، يستخدمها المدّعون أو لجان التحقيق كعنصر إثباتي في إبراز خطورة الوضع وتوافر دلائل على نتائجه الكارثية.
  2. تحريك آليات المساءلة الدولية: الإعلان يمكن أن يدفع نحو:
  • إحالات أو ضغوط على محكمة الجنايات الدولية لفتح تحقيق أو توسيع نطاق تحقيق قائم.
  • تشكيل لجان تقصّي حقائق أممية أو تحقيقات دولية مستقلة لتوثيق الانتهاكات.
  1. مسؤولية القادة: إذا ثبت التعمّد أو الإهمال الجسيم في عرقلة وصول المساعدات أو استخدام التجويع كأداة ضغط، تقع المسؤولية الجنائية على صانعي القرار العسكريين والسياسيين وفق مبادئ القانون الجنائي الدولي.

 

يُعدّ إعلان الأمم المتحدة عن المجاعة في غزة نقطة تحوّل ذات دلالة قانونية ومعيارية عميقة، إذ لا يقتصر أثره على توصيف حالة الطوارئ الإنسانية، بل يتجاوز ذلك ليقدّم مرجعًا فنيًا معتمدًا يمكن الاستناد إليه في عمليات التوثيق، وفي تعزيز الضغوط الدولية باتجاه تحرّك إنساني وقانوني منسّق. غير أنّ القيمة القانونية للإعلان، وإن كانت راسخة في بعدها التوثيقي، تظل مشروطة بقدرة الفاعلين المعنيين على استكمالها بأدلة ميدانية رصينة تُثبت العلاقة السببية بين السياسات والممارسات من جهة، والنتائج الكارثية المترتبة من جهة أخرى، فضلًا عن ضرورة إظهار القصد الجنائي أو الإهمال الجسيم لدى صانعي القرار السياسي والعسكري. ومن ثمّ، فإن الإعلان يُوفّر أرضية صلبة للشروع في مسارات المساءلة، لكنه لا يغني عن بناء ملف إثباتي متكامل قائم على منهجية دقيقة في جمع البيانات، وحماية الشهادات، وصون سلاسل حفظ الأدلة. وفي ضوء ما تقدّم، فإن الأولوية العملية في المرحلة الراهنة تتمثّل في ضمان إنقاذ الأرواح عبر إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة وصون المرافق والخدمات الأساسية، على أن يُنظر إلى جهود التوثيق الممنهج باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا يمهّد لإمكان مساءلة قانونية عادلة وفعّالة في المستقبل.

_______

المصادر:

  1. Famine in Gaza: ‘A failure of humanity itself’, says UN chief, UN, 22 August 2025, https://bit.ly/4oOoYlL
  2. UN experts declare famine has spread throughout Gaza strip, UN, 09 July 2024, https://bit.ly/479v0a7
  3. UNRIC Library Backgrounder: Food Insecurity, UN, https://bit.ly/45RQki3
  4. ما هو مفهوم ومعايير المجاعة في القانون الدولي؟، مونت كالو الدولية، 4 مارس 2024، https://bit.ly/4fWJrRl
  5. "المجاعة في غزة" تُعلن رسمياً.. ماذا يعني ذلك بالقانون الدولي؟، 24 الإماراتية، 22 أغسطس 2025، https://bit.ly/3Jr0EpT
  6. خبراء يعددون لـ«العين الإخبارية» الآثار القانونية لإعلان المجاعة في غزة، العين الإخبارية، 22 أغسطس 2025، https://bit.ly/3HIjdW0

 

1 - التعريف بظاهرة التطور السياسي وموضع المرأة من العملية السياسية:

العالم العربي يعيش أزمة تطور سياسي، وهي أزمة متعددة الأبعاد، وليس مرد ذلك فقط إلى تعدد المشاكل التي يواجهها ذلك المجتمع وكيف أثبتت خلال فترة الثلاثين عامًا الماضية عدم قدرته على مواجهتها وتخطيها، الأمر الذي ترتب عليه تراكمات متنوعة، ولكن لأن هذا المجتمع أثبت أنه لا يزال لم يخلق بعد أداة التغيير القادرة على الإمساك بتلابيب التطور وقيادة عملية التغيير بأي معنى من معانيه. في مثل هذا الواقع لا بد من طرح التساؤل: ما هي المتغيرات الأصلية المتحكمة أو التي يجب أن تتحكم في عملية التطور خلال الأعوام القادمة؟

قبل أن تحاول الإجابة عن هذا التساؤل وعلى وجه التحديد إبراز موضع المرأة من هذا التطور المتوقع علينا أن نبين بعض الملاحظات:

أول ما يجب أن نتذكره أن كل واقع سياسي يملك منطقه. لقد تعود علماء الاجتماع بصفة عامة وببلاهة مؤلمة أن ينقلوا عن الخبرات الأخرى والمناهج الأخرى قوالب مصطنعة للإدراك وللتصور ويفرضوا على واقعنا أن يتشكل بتلك المناهج أو بتلك الخبرات. علينا أن نتذكر كيف أن كل خبرة تملك مذاقها الخاص بها. ومهما فرضت عملية التنظير مستلزماتها فإن ذلك المذاق يظل دائمًا يحمل الرحيق الذي يميز ويرفض التشبه. بطبيعة الحال هناك عناصر تخلق التقارب ولكن علينا ان نفهم أن ذلك التقارب ينطلق من نسبة معينة لا يمكن أن تلغي خصوصية كل ذاتية. كذلك فإن الواقع العربي يملك ذلك التميز الذي علينا ان نكتشفه، لا فقط بمعنى ابراز متغيراته وموضع كل من تلك المتغيرات، بل وكذلك وزن كل منها من حيث كونها متغيرًا أصيلًا أم تابعًا متحكم في التطور أو هو نتيجة للتطور.

ولعل أحد مظاهر التعبير عن هذه الذاتية مفهوم التخلف. لقد درجنا على أن نصف المجتمع العربي بأنه ينتمي إلى عالم المجتمعات النامية أو المتخلفة، ببساطة ودون أي تحديد أو تخصيص. وقد تصدّينا منذ عدة أعوام لمفهومين كلاهما أثار الكثير من الفوضى الفكرية في تقاليدنا العلمية؛ أولهما مفهوم "العالم الثالث"، وثانيهما مفهوم "التخلف السياسي". وقد استطعنا أن نثبت، من منطلق نظرية القيم، أن مفهوم العالم الثالث يرتبط برفض سيادة قيم العالم الغربي الكاثوليكي من جانب، وقيم الشيوعية الأوروبية من جانب آخر. ومن ثم فإن مفهوم العالم الثالث يقتصر على أغلب دول أفريقيا وآسيا. كذلك فإن مفهوم التخلف السياسي لا وجود له كمفهوم علمي؛ فهناك بُعد سياسي للتخلف الاقتصادي، ولكن الحديث عن تخلف سياسي لغوٌ لا معنى له. وهناك مجال للحديث عن الإصلاح السياسي بمعنى خلق التناسق بين الجسد الاجتماعي في خصائصه والواقع السياسي في تطوّره، بحيث يستطيع النظام السياسي استيعاب القوى الاجتماعية الجديدة دون عنف ودون اضطراب، ومن ثم دون اختلال، في درجة معينة من الاستقرار السياسي. وليس هناك نظام سياسي معين يمثل المثالية، ولكن المثالية تكون في أن ذلك النظام أصلح لذلك الواقع من عدمه. الفاعلية، من حيث التجاوب أو عدمه، هي وحدها محور المثالية.

الملاحظة الثانية التي يجب أن نطرحها منذ البداية تدور حول طبيعة التطور السياسي. الملاحظة السابقة تسمح بتعريف معنى التطور السياسي: هو التفاعل الذاتي الذي قد يترتب على الصدام المستمر، ولكنه دائمًا مرتبط بحقيقة التغير الاجتماعي والاقتصادي وما يتفرع عنه ويفرضه من تنقلات متتالية من وضع إلى وضع آخر، تعبيرًا عن قانون التوالد الذي هو طبيعة الوجود البشري.

هذا التعريف، برغم عموميته، يسمح بتحديد بعض الخصائص:

(أولًا) التطور قد يُفهم بمعنى التفاعل الديناميكي، ولكن قد يُفهم أيضًا بمعنى التنقل المرحلي. التفاعل الديناميكي هو التأثير والتأثر، أي علاقة الشد والجذب بالتأثير المتبادل بين عناصر الوجود السياسي. أما التنقل المرحلي فيعني الانتقال من وضع إلى وضع آخر، أو من صورة إلى صورة، أي من نظام إلى نظام. بهذا المعنى نستطيع أن نسوق نظرية الدساتير عند أفلاطون والتنقل من حكم الفرد إلى حكم الأقلية، ثم إلى حكم الجماعة. كذلك نستطيع أن نضيف فلسفة ابن خلدون وكيف يحدد إطارًا للمجتمع السياسي يبدأ من الطفولة وينتهي بالشيخوخة.

في هذا المفهوم للتطور كتنقل مرحلي نلمس بوضوح عوامل ثلاثة أساسية تكون الحلقة الفكرية لمفهوم التطور: من جانب عنصر الزمان، ثم من جانب آخر عنصر التتابع، ومن جانب ثالث عنصر الاستقلال الشكلي أو الهيكلي لكل من تلك النماذج المتتابعة.

أما التطور بمعنى التفاعل الديناميكي فيقدّم لنا إطارًا مختلفًا، حيث يُلغي عنصر الزمان، وتصير العملية السياسية تأثيرًا وتأثرًا بين المتغيرات، بمعنى الصدام والتعانق بين مختلف مقومات الوجود السياسي في موقف محدد وإزاء ذلك الموقف بقصد تصفيته والتخلص منه. وهكذا، فالتطور السياسي بهذا المعنى يفترض عناصر أخرى: موقفًا قد تحدد مكانًا وزمانًا، ثم مشكلة فرضت وجودها على ذلك الموقف، وأخيرًا سعيًا للتخلص من ذلك الموقف.

وبرغم ذلك، فالعلاقة بين التفاعل الديناميكي والتنقل المرحلي قائمة، لأن الأول لا بد أن يقود أو يفرض الثاني[1].

(ثانيًا) علينا، في كلا التطبيقين، أن نُميِّز بين عملية التطور ذاتها، أي تلك العملية السياسية التي تقود إلى ذلك التفاعل الذاتي وتفرضه، وأدوات التطور، أي تلك المركبات أو الوسائل التي تُجسِّد القوى الاجتماعية وتحمل على عاتقها تحقيق عملية التطور. وإذا كانت عملية التطور قد تتشابه من حيث جوهرها، فإنها تختلف في معظم الأحيان من حيث أدواتها، أو على الأقل فإن تمايزها يغدو أكثر وضوحًا ودلالتها أكثر بروزًا من خلال أدوات ذلك التطور.

(ثالثًا) ومن باب الإضافة، ينبغي التنبيه إلى أن التطور السياسي مستقل عن التطور الاجتماعي؛ فليس كل تطور اجتماعي بالضرورة يفرض تطورًا سياسيًا، ولا كل تطور سياسي يستلزم تطورًا اجتماعيًا. هناك علاقة بينهما، لكنها لا ترقى إلى مرتبة الحتمية أو اللزوم. فالتطور السياسي أوسع نطاقًا وأشد تقييدًا من التطور الاجتماعي، بينما الأخير أعمق وأشد تفصيلًا من التطور السياسي. ومع ذلك، ففي معظم الأحيان تقوم بينهما علاقة تأثير وتأثر، إذ إن أي تطور في أحد الجانبين لا بد أن يقابله رد فعل في الجانب الآخر. وينسحب الأمر نفسه على العلاقة بين التطور السياسي وتطور الشخصية الفردية في إطار المجتمع الكلي. والسبب في ذلك أن التطور السياسي حقيقة ميكروكوزمية، والتطور الاجتماعي وكذلك تطور الشخصية الفردية جميعها تطورات ميكروكوزمية تندرج، بشكل أو بآخر، في الإطار الماكروكوزمي.

أما الملاحظة الأخيرة، المرتبطة بموضع المرأة في التطور السياسي، فإنها تثير إشكالية أوسع، وهي دور المرأة بصفة عامة في ديناميات الوجود السياسي؛ موضوع أثار العديد من التساؤلات وطرح كثيرًا من الإجابات. غير أن الواقع يكشف أن الإجابة المقنعة تنبع من قناعة واحدة: لقد ظلت المرأة، عبر التاريخ البشري، عنصرًا سلبيًا، ومن ثم لم تمثل -سوى في تطبيقات محدودة- أحد عناصر ديناميات التطور. ولسنا هنا بصدد الخوض في الأسباب، لكن المؤكد أنه متى قُدِّر للمرأة أن تخرج من هذه السلبية فإنها فرضت نفسها كمتغير أساسي في عمليات التفاعل السياسي.

النماذج في التاريخ القديم قليلة، لكنها في التاريخ المعاصر أوضح وأكثر حضورًا ولا تحتاج إلى كثير برهان. وسواء كان مرد ذلك الاعتراف للمرأة بدور قيادي داخل الأسرة، أو الظروف التي مكنتها من ذلك بفعل الشلل الذي أصاب متغيرات التطور الأخرى، فإن النتيجة التي يجب التسليم بها هي أن المرأة قادت في بعض النماذج التاريخية عملية التطور السياسي، أو على الأقل أسهمت في فرض وجودها على متغيرات هذا التطور.

 

2- التطور السياسي في الوطن العربي ومتغيراته:

طرحنا في موضع آخر متغيرات التطور السياسي في الوطن العربي خلال الأعوام القادمة، وحصرنا في المتغيرات الخمس التالية مسالك وأدوات التطور من منطلق الواقع الداخلي:

(أولًا) القيادة.

 (ثانيًا) المرأة.

 (ثالثًا) عنصر الشباب.

 (رابعًا) عنصر التعليم.

 (خامسًا) المفاهيم الديمقراطية.

كل من هذه المتغيرات له موقعه من عملية التطور السياسي، وكل منها لا يستطيع -رغم ذلك- أن يمارس تأثيره منعزلًا عن المتغيرات الأخرى.

أول هذه العناصر وأخطرها من حيث وضوح نتائجها هو عنصر القيادة. والقيادة يجب أن تُفهم بأوسع معانيها، لا فقط كحكم وتوجيه، بل وكذلك كإدراك وإدارة وتكتيل للقدرات، وكمسالك لخلق الترابط بين الحاكم والمحكوم.

عنصر الشباب بدوره سوف يُقدَّر له أن يتحكم كمتغير أساس في تطور الوطن العربي. والسبب في ذلك يعود إلى التضخم الكمي الرهيب الذي سوف يعاصره هذا المجتمع في عنصر الشباب في الأعوام القادمة. خلال فترة الخمسة عشر عامًا التي تفصلنا عن نهاية القرن يتوقع الخبراء أن أكثر من ٥٠٪ من عدد سكان الوطن العربي سوف يكونون دون العشرين، وهذا يعني نتائج عديدة: من جانب اختلال الهرم الديموغرافي، ومن جانب آخر إمكانية الاشتغال في المجتمع بسرعة، وخصوصًا مع تضخم المدن الكبرى. والمتوقع أن أكثر من عشرين مدينة سوف يضم كل منها أكثر من عشرة ملايين نسمة. هذا التطور في دلالته الحقيقية يعني فرض عدم الاستقرار السياسي على المنطقة، أو في الأقل فإن احتمالاته سوف تكون قوية.

التخلص من نظام التعليم الحالي هو تغيير آخر يأتي فيكمل هذا الإطار العام. إنه التحدي الحقيقي الذي يجب على الأمة العربية أن تُعدّ نفسها لمواجهته. النظام الحالي، والذي فرضته مرحلة الاستعمار الطويل والتدهور المرتبط والسابق عليه، أساسه التلقين. نحن في حاجة إلى نظام جديد ينبع من واقعنا ولكنه يعمل على تنمية المدارك وخلق إطار يُهيّئ للشخصية الفردية أن تحقق إيقاعها الكامل. هذا التطور هو المقدمة الحقيقية لخلق المواطن الإيجابي صاحب الفاعلية في جميع أنواع الممارسات اليومية.

ويأتي يكمل ذلك التطور الديمقراطي. المفهوم الديمقراطي هو لغة العصر. ولو تركنا جانبًا الصياغات الفلسفية المعقدة، وتعاملنا مع هذه الظاهرة بلغة الواقع اليومي، لوجدناها تدور وتتمركز حول ثلاث حقائق: الأولى احترام كرامة الفرد، والثانية التسليم بحق المواطن في المشاركة السياسية، والثالثة تعزيز مسؤولية من يتولى السلطة. العنصر الأول هو المحور الحقيقي ونقطة البداية في الواقع العربي: هناك حد أدنى للكرامة الفردية يجب احترامه وتقديسه من جانب النظام السياسي. حق المشاركة السياسية بمعنى أن أي قرار على مستوى معين من الأهمية لا يملك فرد واحد أن يتخذه، ولا بد أن يكون حصيلة تفاعل بين القوى بشكل أو بآخر. ثم المسؤولية بجميع معانيها: كل ممارسة للسلطة تملك وجهين، حقوق من جانب والتزامات من جانب آخر.

المرأة ووظيفتها في المجتمع تُكمل هذا الإطار[2]. التسليم بحقوقٍ معينة للمرأة، الأمر الذي يتيح لها أن تؤدي دورًا أكثر فاعلية وقدرة على إثبات الذات، هو محور هذا التطور. بل إن المرأة لن تُمنَح هذه الحقوق فحسب، بل ستنتزعها وتفرض ذاتها ووظيفتها الإيجابية.

وقبل أن نحلل عناصر هذه الوظيفة ونتابع هذا التطور، ينبغي أن نتذكر وجود علاقة وثيقة بين جميع المتغيرات:

أ- عنصر القيادة سيفتح بابًا واسعًا أمام القيادات النسائية لتتصدّر عجلة التطور السياسي.

ب- عنصر الشباب سيجعل التعامل مع المرأة أكثر سلاسة وفاعلية، إذ إن الشباب بطبيعته أكثر تقبلًا للتجديد.

ج- كذلك فإن نظام التعليم، وفتح أبوابه على مصراعيه أمام العنصر النسائي، سيعزز من هذه الحقيقة. لا سيما أن الظاهرة التي سادت العالم المعاصر ستسود بدورها المجتمع العربي، وهي من جهة إقبال المرأة على التعليم العالي بجميع مجالاته، ومن جهة أخرى تفوقها الملحوظ على الرجل في معظم المراحل التعليمية، إن لم يكن في جميعها.

وليس هذا مقام تحليل هذه الظاهرة؛ هل مردّها النضج المبكر للفتاة؟ أم أن تضييق الحرية الاجتماعية عليها يجعلها تركز جهودها في مجال دراستها؟ على أي حال، فهي ظاهرة عالمية راسخة.

أما التطور الديمقراطي فقد دفع بهذا المسار دفعات قوية، سواء من خلال الاعتراف بالحقوق السياسية للمرأة، أو من خلال توجه القيادات الحزبية إلى استقطابها كقوة ناخبة ذات وزن عددي معتبر. والنماذج في هذا المجال واضحة في المجتمعات المتقدمة، ولا يوجد ما يمنع من توقّع تكرارها في المجتمعات العربية.

 

3- الواقع العربي وفاعلية المرأة في نماذج التعامل السياسي:

بقي السؤال الجوهري: أين موضع المرأة من التطور السياسي في الوطن العربي؟ الإجابة على هذا السؤال في حاجة إلى تحليل من منطلقين كلاهما يُكمِل الآخر: أحدهما مقارن ميداني، وثانيهما مستقبلي تاريخي. الأول يسمح بتحديد مختلف النماذج التي يعبِّر عنها الواقع العربي من حيث تحديد وظيفة المرأة في المجتمع العربي المعاصر، والثاني يحدد خصائص هذا التطور خلال العشرين عامًا الماضية، ويمد عناصر هذا التطور نحو المستقبل.

مما لا شك فيه أن الفصل بين تطور المرأة نحو اكتساب حقوقها في مجتمع سادته خلال قرون عديدة نظرة متميزة ضد المرأة من جانب، وتطور المرأة كعضو في المجتمع من جانب آخر، بمعنى الفصل بين التحرر الذاتي للمرأة والتحرر القومي للمواطن العربي، أمر قد يبدو طبيعيًا، إلا أن هذا يعكس نقصًا في الإدراك بحقيقة التطور. إن متابعة مجموعة معينة من الأحداث تثبت أن المرأة في كثير من الأحيان نسيت قضيتها الذاتية لتؤكد قضيتها القومية. على أنه من حيث الواقع فإن كلا القضيتين مترابطتان: فلا يمكن تصوّر مواطنة حرة في مجتمع من العبيد، ولا يمكن تقبّل مجتمع حر ونصفه طبقة من المحرومين من حقوقهم السياسية. الحرية حقيقة واحدة ومسالكها متعددة، وقنواتها لا حصر لها، وهي تكاد تذكرنا بالأواني المستطرقة حيث كل بُعد منها يقود إلى الأبعاد الأخرى.

أهم ما يعنينا بهذا الخصوص ويؤكد عليه هو أن المجتمع العربي قد فقد أدوات التطور التقليدية. هذه الأدوات، والتي تنبع أساسًا من الرجل الناضج القادر على أن يحمل راية الثورة ويفرض على الأحداث رؤيته، قد تقلصت. قد يُسمى هذا الرجل بالطبقة المثقفة، وقد يوصف بأنه الطبقة العاملة، وقد يُحدَّد بأنه الطبقة الوسطى الصناعية. لا يعنينا موقعه، ولكنه يعكس فئة معينة تتولى قيادة التطور والتصدي لمخاطره. الذي حدث في المجتمع العربي المعاصر هو أن هذه الطبقة أو الفئة قد أصابها التيبّس، حتى الجيش قد تقوقع حول مصالحه الفئوية. لم تعد هذه الطبقات أو الفئات الذكورية قادرة على حمل راية التطور. والتطور حقيقة أزلية، وهو لا بد وأن يخلق أدواته، ومن ثم كان من الطبيعي أن تتقدم المرأة لتحمل راية هذا التطور. قد يبدو ذلك غير واضح، ولكن الدراسة العميقة تُبرزه لنا ملموسًا فاعلًا. ومن الطبيعي، والمرأة إمكانياتها محدودة وقدراتها نسبية، والمجتمع يأبى عليها -أو لا يزال يأبى عليها- إلا ذلك، فإن التطور لا بد وأن يعكس هذا الواقع. التطور الذي يعيشه المجتمع العربي تطور "مخنَّث"، لأنه يعكس ذلك الواقع بكل نقائصه، ومحوره اختفاء الرجولة السياسية في دفع عجلة النهضة نحو الأمام.

مما لا شك فيه أن هذا الواقع يملك قيوده وخصائصه:

أ- فهو واضح في مجتمعات الهجرة الكثيفة، وهي أغلب المجتمعات الشابة ذات الكثافة السكانية: مصر والجزائر والمغرب تقدم بهذا الخصوص نماذج واضحة. في هذه المجتمعات، وكنتيجة طبيعية لهجرة الزوج ورب الأسرة بحثًا عن لقمة العيش في أرض الذهب الأسود وترك الأسرة في الموطن الأصيل، تقودها المرأة وتتحمل مسؤوليتها من حيث الإشراف الواقعي، إذ أضحت المرأة هي ربة الأسرة والمسؤولة عنها، ومن ثم تبلورت ظاهرة "تأنيث الأسرة" التي كان لا بد وأن تعكس نتائجها في الواقع السياسي. ورغم أهمية هذا المتغير إلا أن علينا أن نضيف إليه متغيرات أخرى جديدة جانبية كان لها وزنها الخطير في هذا التطور العام الذي لا نزال نعيش أوائل نتائجه:

(أولًا) اهتزاز الصورة التقليدية للرجل الشرقي. إن الهزائم المتتالية، وما ارتبط بها من إذلال حقيقي للرجل في جميع النظم السياسية للبلاد العربية، أثبتت أن الرجل العربي لم يعد قادرًا على أن يدافع عن حقوقه. والحقوق السياسية تُنتزع ولا تُوهب، وتُفرض ولا تُمنح. لقد برز على حقيقته في الواقع المعاصر: جبان أمام القوى، غير قادر على أن يمارس سطوته إلا أمام الضعيف. فهل هذه هي الرجولة؟ وهل هذه هي صفات الرجولة والشهامة التي عرفناها عن الرجل العربي في تاريخه الطويل من الأنفة والكبرياء؟ اهتزاز هذه الصورة كان لا بد وأن يفرض ثورة على هذا الواقع، وهي ثورة حاقدة قادتها المرأة المتعلمة والمثقفة.

(ثانيًا) الأحداث بدورها ساهمت بدرجات مختلفة في هذا التطور. لقد وجد الرجل العربي نفسه مضطرًا لأن يعتمد على المرأة في مواقف تعوّد ألّا يعتمد فيها إلا على نفسه، وهي مواقف أثبتت قدرة المرأة على المخاطرة بالذات وتحمل مسؤولية الرفض العنيف. برز ذلك واضحًا في ثورة الجزائر ثم في أحداث مصر العديدة، ورغم أنها لم تكن سوى تعبير عن رفض داخلي، بل ووصل ذلك التطور إلى أبعاد أخرى، وهي ظاهرة تتكرر أمام أعيننا كل يوم في أحداث لبنان، ومُتوقَّع قبل ذلك باسم الثورة الفلسطينية. إنها الطليعة الثورية القادمة، التي لا نزال غير واعين بمدى عمقها وتغلغلها في أعماق التطور السياسي في الوطن العربي.

(ثالثًا) ولا يجوز لنا أن ننسى كيف أن نظام القيم التقليدية قد اهتز لدى المرأة بطريقة أكثر عنفًا مما حدث لدى الرجل، بل ويمكن القول دون مبالغة إن اهتزازًا حقيقيًا لنظام القيم التقليدية لدى الرجل لم يحدث بعد، ولكنه لدى المرأة قد حدث وفي صميم وجدانها. ليس فقط بمعنى أنها رأت الرجل على حقيقته وهو يتصف بالجبن والأنانية وتصنّع الشهامة التي لا يملكها، بل لأنه أثبت في الحياة العملية -وبنماذج واضحة تتكرر أمام المرأة في كل لحظة يقدَّر فيها الاحتكاك الحقيقي بالمجتمع- أنه لم يعد يملك أي قيم حقيقية. إنه كذاب، منافق، وصولي، على استعداد لأن يبيع كل شيء في سبيل أتفه المكتسبات. وعلينا أن نتذكر أن الاحترام هيبة يفرضها السلوك، ومتى اختفت الهيبة اختفى الاحترام، أو على الأقل بُذرت حوله عناصر الشك.

ورغم أن المرأة في غالبيتها العظمى غير متعلمة، إلا أنها تملك القدرة على التقييم. وليس عليها سوى أن تعود إلى نظام القيم الذي عاشت وتربّت عليه لتحكم على هذا الرجل الذي يتعين عليها احترامه أبًا كان أم زوجًا، فتكتشف أنه قد فرض عليها احترام أشخاص لا يملكون العناصر الأساسية اللازمة لفرض الاحترام. وأقل ما يمكن أن يقود إليه مثل هذا الواقع تمزقه بين الحب والاحترام، بين العطف والتقدير، وهو تمزق لا بد وأن يقود إلى ثورة على هذا الواقع أو رفض له ولو بأساليب ملتوية.

(رابعًا) مستلزمات الحياة المادية تضيف بُعدًا آخر إلى هذا الاضطراب النفسي الذي تعيشه المرأة. فالرجل كثيرًا ما يضطر إلى الاعتماد على المرأة في تسيير حياته الأسرية، وهو بهذا لا يقتصر على أن يعلن عدم قدرته على تحمل مسؤولياته التقليدية بما يعنيه من ضرورة إعادة تشكيل نظام القيم التقليدية، بل يُسلم كذلك بتبعيته -من حيث الواقع- للمرأة، وهي بذكائها وفطرتها قادرة على أن تفهم ذلك. وللمرأة ميول واقعية، وهي لذلك لا بد وأن تستغل هذا الواقع بأساليب متعددة ومتنوعة.

ب- في دول الذهب الأسود -أي الدول البترولية- أحدثت الظاهرة آثارها بطريقة أخرى ومن خلال نموذج مختلف من حيث التطور الاجتماعي. ومما لا شك فيه أن المعلومات التي نملكها عن المرأة وواقعها الاجتماعي في الدول البترولية، ورغم كثرة ما تم من أبحاث بهذا الخصوص، محدودة، لا تُشبع ولا يمكن الاعتماد عليها. الثروة الفجائية -والتي بلا حساب- أدت رغم ذلك إلى نتائج بعيدة المدى تكاد أن تنتهي بأن تتفق مع تلك النتائج التي سبق أن لمسناها في الواقع العربي بالنسبة للدول العُمالية، ولو في الأمد البعيد، والتي تنبع من محور أساس وهو فقد الرجل لوظيفته القيادية، وبدء عملية إحلال نحو تسلّل المرأة للمساهمة المباشرة في عملية التأثير والتوجيه لعملية التطور السياسي.

الرجل الخليجي الذي يعيش في رفاهية مطلقة مصطنعة، والذي يُذكّرنا بغنى الحرب، وقد سقطت عليه القدرة الاقتصادية والوفرة المالية والنقدية دون أي جهد حقيقي، يعيش -من حيث الواقع- في ملذاته بعيدًا عن زوجته ولو بشكل نسبي. ومن ثم فهو لا بد وأن يتنازل عن جزء من امتيازاته إزاء صمتها، وهي لا بد وأن تحتقره في صمت حتى ولو لم تشاركه في بعض خصائص سلوكياته. نظام القيم التقليدية لا بد وأن يصيبه إخلال في جميع مقوماته: أول مظاهر هذا الاختلال فقد الزوج لسيطرته الحقيقية على الزوجة، ويبرز ذلك واضحًا عندما يُقدَّر لتلك الزوجة أن ترحل بعيدًا عن وطنها في فترات الصيف أو الاستجمام.

هذا التحلل الداخلي في العلاقة الزوجية منح المرأة قدرة -من حيث لا تتوقع- على التحدي والتصدي. وقد ارتبط ذلك بالنسبة للجيل الجديد برغبة وإرادة واضحتين في التعليم والتعلم، وهي رغبة تختلف -من حيث عمقها- عن الشاب الخليجي الذي يدخل الجامعة ويخرج منها وهو على نفس المستوى من النقص الفكري والإدراكي. جميع هذه الحقائق التي يلمسها الجميع ويتغاضى عنها الجميع كان لا بد وأن تقود إلى اهتزاز خفي في العلاقة بين الرجل والمرأة لصالح هذه الأخيرة ولو بطريقة غير واضحة[3].

ومن الطبيعي أن هذا التطور لم تبرز بعد نتائجه، فهو لا يزال في بدايته، وهو لا يُحدث آثاره إلا في دائرة ضيقة، لأن هذه التقلبات ترتبط بشريحة محدودة من المجتمع الكلي. وهو يحدث في مجتمع جامد لم يخضع بعد لهزات عنيفة تتيح لهذه القوى الباطنة أن تبرز على السطح. ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن المرأة لم تعد تقف من الرجل موقف التبعية المطلقة التي عوّدَتنا عليها التقاليد السابقة وحتى وقت قريب.

ج - والخلاصة أنه علينا أن نعترف بأن صورة الرجل التقليدية في المجتمع العربي قد اهتزت وهذا الاهتزاز قد ارتبطت به إرادة ثابتة من المرأة في اكتساب وضع معين في داخل المجتمع يعكس حقوقًا ثابتة ووضعًا اجتماعيًا معينًا ووظائف جديدة. هذا التطور ساهمت فيه أيضًا متغيرات عديدة:

(أولًا) التطور العام الذي تعيشه الانسانية من تحرير الإنسان أيا كانت صورة التحرير: العبد إزاء السيد، والعامل إزاء مالك أدوات الإنتاج، ثم المرأة في مواجهة الرجل. ولا يستطيع المجتمع العربي أن يعيش بمعزل عن التطور الذي يسود الأسرة الدولية.

    (ثانيا) تخلي الرجل الشرقي عن التزاماته داخل الأسرة وما تفرضه من تضحيات ونظرته إلى المرأة على أنها أداة مشاركة تسمح له بتحقيق قسط معين من: الالتزامات. وليست هناك التزامات دون حقوق.

(ثالثًا) انتشار أدوات الاعلام الجماهيري ودخولها في كل منزل وفي كل بيئة دون أن تترك القرية أو الصحراء بما في ذلك الأدوات الاتصالية التي تتضمن قسطًا من الإباحية. إن الحديث عن حقوق جنسية للمرأة وتقديم أفلام أضحت منتشرة في أقصى القرية الريفية بفضل الفيديو كان لا بد من أن توقظ في المرأة أحاسيس معينة. وهي جميعها تعني نوعًا من المساواة بين الرجل والمرأة أو في الأقل التطلع إلى الرجل بقسط من عدم الخوف والرهبة الذي تعودته المرأة.

(رابعًا) تملق الحكام وبصفة خاصة في المجتمعات التي قبلت المفهوم الديمقراطي فصوت المرأة يمثل كما مهمًا، وجميع النظم الثورية خاطبت الشباب بلغة مختلفة بما في ذلك النساء وهو أمر كان لا بد وأن يحدث نتائجه في الأمد البعيد.

وقد برز ذلك أيضا في تشريعات مبالغة في التملق للمرأة كما حدث بخصوص حق المرأة في طلب الانفصال عن زوجها في حالة الزواج من امرأة اخرى وبالرغم من أن هذا أمر مستقل عن موضوع فاعلية المرأة في التطور السياسي إلا أنه يملك دلالته الواضحة[4].

 

4- التطورات المستقبلية والنتائج المتوقعة: افتراضات وتوقعات:

السؤال الذي لا بد أن يطرحه مثل هذا التطور، وهو المرتبط بتدخل المرأة بطريقة مباشرة في عملية التطور السياسي[5]، يدور حول الاستفهام التالي: ما نتائج مثل ذلك المتغير على خصائص التطور المتوقع في الوطن العربي؟

نستطيع أن نميز بين ستة نتائج، بغض النظر عن موضع كل منها من مراحل التطور المستقبلي:

 (أولًا) الاعتدال في التطور.

 (ثانيًا) برجوازية التطور.

 (ثالثًا) التمويه في السلوك السياسي.

 (رابعًا) بروز الدور السياسي في القيادة القومية للمرأة.

 (خامسًا) انتهاء أو تقلص النظم الدكتاتورية.

 (سادسًا) إعادة بناء التراث الفقهي الإسلامي.

المرأة بطبيعتها تميل إلى عدم التطرف، وازدياد موقع المرأة من الفاعلية في التطور السياسي لا بد أن يفرض زيادة في الاعتدال. والمرأة واقعية بطبيعتها، تفضل الحلول الوسطى وتسعى دائمًا إلى التوفيق، وهذا لا بد أن يبرز في التطور السياسي. وهي لذلك تميل إلى الحياة البرجوازية، أي حياة الرفاهية التي لا تعرف التضحيات ولا تقبل المغامرات، وبخاصة كلما ابتعدت عن سن الشباب. إنها لا تقبل المثاليات، وإنما تعيش نمط المصلحة في اعتدال، وهي لذلك بطبيعتها خُلِقَت لتنتمي إلى الطبقة البرجوازية، وهذا بدوره سوف يفرض وجوده على التطور السياسي.

التحدي الحقيقي، والأيديولوجية الثائرة، والسعي نحو تحطيم القائم بعنفوان الإيمان، ليست من خصائص المرأة. وتواجد المرأة في المجتمعات والتجمعات السياسية والنيابية سوف يقود إلى أن يفرض على الرجل الكثير من الحذر؛ فسوف يتأنق في ملبسه، وفي كلماته، وفي تعبيراته، ولن يصير مجاهدًا وإنما يصير رجل الصالونات. سيطرة المرأة على الحياة السياسية بدرجة أو بأخرى سوف ترفعها إلى مستوى القيادات القومية، وهذه سوف تقود إلى نتائج بعضها طيب، ولكن بعضها الآخر يمثل كارثة حقيقية. ومن حسنات هذا الواقع اختفاء النظم الدكتاتورية؛ إذ إن هذه النظم بمفهومها التقليدي تتعارض مع الاعتراف للمرأة بوظيفة سياسية مستقلة وحاسمة. ولكن، من جانب آخر، فإن هذا التطور لا بد أن يفرض إعادة كتابة الفقه الإسلامي بما يتضمن من أحكام لا تتفق مع مثل هذا الواقع الجديد.

فهل جميع هذه النتائج والتوقعات تنقلنا إلى عالم الخيال؟ ولكن، هل التنبؤ السياسي سوى نوع من الخيال؟

بقي أن نسجل ملاحظة أخيرة: علينا أن نؤكد أن فاعلية المرأة في التطور السياسي لا صلة لها بموضوع المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الاجتماعية، موضحين أن كُلًّا منهما يملك استقلاله الفكري بالرغم من التسليم بأن بينهما علاقة تأثير وتأثر.

(أ) فتعدد الزوجات هو مشكلة متعلقة بحقيقة النظرة إلى الأسرة وطبيعة تكوينها، وليست فقط مترتبة على علاقة الرجل بالمرأة. فهل الأسرة يجب ألا تتكون إلا من زوجة واحدة؟ أم من المقبول أن تتكون من عدة زوجات؟ ولا يعني هذا انتقاصًا من الحقوق السياسية للمرأة بأي معنى من المعاني، وإنما يعني فقط نظامًا اجتماعيًا معينًا. فمن الممكن أن يقتصر هذا النظام الاجتماعي على زوجة واحدة دون أن تملك هذه الزوجة أي حقوق سياسية مساوية للرجل، ومن الممكن أن تكون هناك عدة زوجات، ولكن مع وجود حقوق سياسية مساوية للرجل، بل ومع وجود حقوق اجتماعية تسمح بوضع ضمانات للزوجة الأولى في مواجهة الثانية، ولهذه في مواجهة الأولى[6].

(ب) كذلك فإن كون الرجل له ضعف حظ المرأة في الإرث لا يعني انتقاصًا من الحقوق أو تمييزًا أو إجحافًا بالمرأة، وإنما ينبع من الواقع الاجتماعي المرتبط بنظام الإرث. وكما أن الإرث يختلف تبعًا لمدى علاقة الوارث الدموية بمصدر الإرث، فكذلك يمكن أن يتصور تبعًا لجنس الوارث الذي يحدد حقوقه والتزاماته في المجتمع. إنه بُعد آخر لمبدأ التخصص في العمل داخل الواقع الاجتماعي.

هذه جميعها عناصر تنبع من تقاليد الموقع الاجتماعي، وهي مستقلة استقلالًا كاملًا عن البعد السياسي المتطور. ومما لا شك فيه أن القول بأن الرجل لا يملك أن تكون له أكثر من زوجة واحدة يسمح بتضخيم هيبة الزوجة، ومن ثم هيبة المرأة في مواجهة الرجل. كما أن المساواة المطلقة الكمية بين الرجل والمرأة في الإرث تضيف إلى تضخيم تلك الهيبة، وهو ما لا بد أن تكون له آثار سياسية من حيث علاقة المرأة بالرجل في المجتمع الكلي. ولكن هذا لا يعني أن هذه هي الأدوات الوحيدة لتحقيق هذا الهدف، كما أنه ليس بالضرورة ما يفرض فاعلية المرأة في التطور السياسي[7].  

 

لتحميل ملف المقال

 

* حامد عبد الله ربيع، المرأة والتطور السياسي في الوطن العربي بين الواقع الحاضر وآفاق المستقبل، مجلة المرأة العربية، الاتحاد النسائي العربي العام، العدد الثاني، بغداد: 1985.

** الدكتور حامد عبد الله ربيع (1925–1989) مفكر وأكاديمي مصري بارز، يُعد من رواد الفكر السياسي والدراسات الإسرائيلية في العالم العربي. جمع بين التعمق في العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بحصوله على خمس شهادات دكتوراه من جامعات أوروبية مرموقة، وتولى التدريس في جامعات مصرية وعربية وغربية. أسس مراكز بحثية وأكاديمية مهمة وأسهم في إدخال الدراسات الصهيونية إلى الجامعات المصرية. عُرف بتمسكه بالهوية الحضارية الإسلامية مع انفتاحه على دراسة الغرب نقديًا، وترك عشرات المؤلفات في الفكر السياسي، الأمن القومي، والصراع العربي الإسرائيلي. توفي في القاهرة عام 1989 في ظروف وُصفت بالغامضة.

[1] نحيل القارئ في ما يتعلق بالتعريفات إلى مؤلفاتنا في النظرية السياسية، وبصفة خاصة: حامد ربيع، نظرية التطور السياسي، محاضرات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1972.

[2] لا يزال علم الاجتماع العربي عاجزًا عن الارتقاء إلى مستوى التنظير؛ إذ يعيش على فتات العلم بمعناه الحقيقي ويكتفي بالشكليات. وفي بعض الأحيان تتحول وظيفته إلى دعائية، فإذا اجتمع الأمران كانت النتيجة كارثية. انظر نموذجًا لذلك في: سعد الدين إبراهيم، النظام الاجتماعي العربي الجديد، 1982، حيث لم يجد تعبيرًا عن هذا النظام الجديد بالنسبة للمرأة سوى ما أسماه «طالبة الطب المحجبة»، ص 39 وما بعدها.

[3] قارن حول الموضوع:

Farida Allaghi, Aisha Almana, Survey of Research on Women in the Arab Gulf Region, in Unesco, Women in the Arab World, 1984, pp. 14–40.

[4] قائمة المراجع حول المرأة والتغير السياسي يجدها الباحث كاملة في:

Aneo, Gli strumenti della ricerca, vol. II, Il Mondo Contemporaneo, tom. II, 1983, pp. 1464–1469.

[5] انظر حول التطور التاريخي لمكانة المرأة في الواقع العربي:

Naoual El-Saadaoui, La face cachée d’Eve, 1982, p. 22.

[6] قارن: حامد ربيع، سلوك المالك في تدبير الممالك، لابن أبي الربيع، الجزء الأول، القاهرة 1980، ص 59 وما بعدها.

[7] انظر: حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، 1984، ص 182 وما بعدها.

كتاب "حالة الاستثناء- الإنسان الحرام"* للدكتور جورجو أغامبين** يعد مرجعًا مهما لطلاب القانون والسياسة والعاملين في الحقل القانوني، فهو يقدم إطارًا نظريًا معمقًا لفهم كيف تؤثر حالات الطوارئ في شكل الدولة ومبدأ سيادة القانون. وهذا الكتاب هو الجزء الأول من الكتاب الثاني في رباعية "الإنسان الحرام" للفيلسوف الإيطالي "جورجو أغامبين". يناقش الكتاب سؤال السيادة في الدولة الحديثة بعبارة مركزية: "لمن السيادة وما هو مصدر الشرعية؟ هل هي للسلطة التشريعية ممثلة بشعب منتخب، أم للسلطة التنفيذية القادرة على تعليق القانون في الظروف الطارئة؟" تبدو هذه الإشكالية مُلخص الموضوع الرئيس للكتاب، حيث يستعرض أغامبين كيفية تعليق العمل بالقانون في حالات الطوارئ ووسيلة ذلك للحفاظ على النظام العام.

وقد كشف المؤلف عن هدفه من الدراسة، حين قرر الآتي: «ونظرًا للحاجة الملحة التي تفرضها علينا حالة الاستثناء التي بتنا نعيش في ظلها، فإن الهدف التي تسعي إليه دراسة هذا الكتاب يتمثل في تسليط الضوء على الحيلة التي تحكُم أسرار سلطة زماننا هذا بامتياز. أعني أن ما يقبع في تابوت السلطة هو حالة الاستثناء غير أنها حيز خاوٍ، حيث ثمة فعل إنساني لا علاقة له بالقانون يواجه قاعدة لا علاقة لها بالحياة، إلا أن هذا لا يعني أن الآلة بمركزها الخاوي ذاك لا تعمل بكفاءة؛ بل على العكس، فما قصدنا إثباته بالضبط هو أن هذه الآلة قد واصلت عملها دون انقطاع منذ عقود وحتى يومنا هذا. بهذه الطريقة أصبح بوسع العنف الحكومي محو السمة المعيارية للقانون أو مخالفتها دون مُساءلة أو عقاب مُتجاهلًا بذلك القانون الدولي على المستوى الخارجي، ومنتجًا في الداخل حالة استثناء دائمة، ولا ينفك مع هذا بزعم قيامه بتطبيق القانون. فلا يتعلق الأمر بإعادة حالة الاستثناء إلى حدودها الزمنية والمكانية المُحددة كي نؤكد على أولوية القاعدة والحقوق التي في نهاية الأمر نشأت وتأسست من حالة الاستثناء. فلا سبيل للخروج من حالة الاستثناء الفعلية التي نعيش في ظلها والعودة إلى حالة القانون، لأن الأمر بات يتعلق الآن بمفهوم الدولة والقانون نفسيهما. ولكن إن كانت محاولة إيقاف الآلة، والكشف عن الحيلة المركزية القابعة داخلها أمرًا ممكنًا، فهذا لأنه ليس ثمة ارتباط جوهري بين العنف والقانون، وبين الحياة والقاعدة».

كتاب "حالة الاستثناء" يطرح موضوعات محورية ترتبط بالعلاقة بين القانون والسلطة في الظروف الاستثنائية، ومن أبرزها:

  • مشكلة السيادة والشرعية: يتساءل أغامبين في الكتاب "لمن السيادة" في الدولة الحديثة، وهل تكمن في إرادة الشعب الممثلة بالبرلمان أم في سلطة الحاكم التنفيذي الذي يعلق القانون عند الضرورة.
  • طبيعة حالة الاستثناء: يعرف أغامبين حالة الاستثناء بأنها فضاء قانوني مشوه، يُعلق فيه العمل بالقانون والدستور تحت مبرر الضرورة، فتتحول مؤسسات الدولة إلى فراغ قانوني ودولة استثناء. ويصفها بأنها "فضاء بلا قانون" يميزها التعليق الكلي أو الجزئي للنظام القانوني، مما يحول الديمقراطية إلى حكم استبدادي مؤقت.
  • العلاقة بين القانون والاستثناء: يبحث الكتاب في إمكانية "دسترة" حالة الاستثناء أو تقنينها ضمن المنظومة الليبرالية، وفي مدى حدود انصياع الأجهزة القضائية والتشريعية في الظروف الطارئة. يستعرض أغامبين كيف أن "حالة الطوارئ" قد تُستغل كقاعدة للحكم، وهو ما يلغي مبدأ سيادة القانون وسيادة الشعب في التشريع.
  • الحياة العارية والإنسان الحرام: يرتبط موضوع الكتاب بمفهوم "الإنسان الحرام" أو Homo Sacer، وهو الفرد الذي يٌستبعد من الحماية القانونية في ظل الاستثناء. يشير الكتاب إلى أن الإنسان المستباح يُحرم من حقوقه ويحيا حياة عارية (bare life)، أي حياة معرضة لإلغاء القانون عليه. تبرز الحياة العارية كقاعدة تتحول معها حالة الاستثناء إلى قانون دائم في المجتمعات المعاصرة.
  • مراجعة تاريخية وسياسية: يتتبع أغامبين الأصول التاريخية لمفهوم الاستثناء بدءًا من القانون الروماني والكنيسة الوسطى، وصولًا إلى تجارب القرن العشرين (الفاشية والنازية) والدول الديمقراطية الغربية (انجلترا، فرنسا، سويسرا، أمريكا). كما يتناول أفكار كبار الفلاسفة والقانونيين مثل كارل شميت ووالتر بنيامين، مشيرًا إلى تضاد مواقفهم من حالة الاستثناء، ويستعين بأفكار ميشيل فوكو عن "السياسة الحيوية" لشرح كيف تحكم الدولة حياة الأفراد العارية.
  • التطبيقات المعاصرة: يجري الكتاب ربطًا ضمنيًا لأفكاره بسياقات اليوم، مثل توظيف الأزمات (الإرهاب، الأوبئة، الحروب) لتعليق الحريات والقانون. ويفتح الباب لدراسة حالات إقليمية وعربية -على سبيل المثال- كيفية تطبيق أدوات الاستثناء في الحكم كالحالة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة أو أنظمة الاستثناء بعد الاستقلال في الدول العربية.

يختتم أغامبين كتابه بالتأكيد على الطابع الدائم لحالة الاستثناء في العصر الحديث، حيث لم تعد المؤقتة بل صارت قاعدة قانونية قائمة بذاتها في كثير من الأنظمة السياسية. ويوضح أن العنف السلطوي المستند إلى حالة الطوارئ يمكنه محو الطابع المعياري للقانون بدون مساءلة أو عقاب. من ثم، يدعو التحليل إلى إعادة التفكير في العلاقة بين القانون والسيادة والعنف، لما يميز الحكم الاستثنائي من خلل في فصل السلطات والمساءلة. إن قراءة أغامبين لهذا الواقع تلقي ضوءًا جديدًا على العلاقة الخفية بين القانون والعنف في الحياة السياسية.

 

لتحميل ملف الكتاب

 

* صدرت الترجمة العربية لأول مرة على يد الدكتور ناصر إسماعيل عن دار مدارات للأبحاث والنشر (الطبعة الأولى، 1436ه/2015م).

** جورجو أغامبين (مواليد 1942) هو فيلسوف إيطالي معاصر بارز، معروف بأبحاثه حول مفاهيم السيادة وحالة الاستثناء والسياسة الحيوية. درس القانون والفلسفة في جامعة روما "سابينزا"، وحصل على الدكتوراه في الفكر السياسي (أطروحة حول سيمون فيل). يُعد أغامبين من روّاد الفكر الفلسفي والسياسي الإيطالي التجديدي، وأحد أبرز منظري نظرية الإنسان الحرام (Homo Sacer). من أشهر أعماله: كتاب "رجل بلا محتوى" و"رباعية الإنسان الحرام" التي ينتمي إليها كتابنا، بالإضافة إلى اللغة والموت و"وسائل بلا نهاية". اهتم أغامبين بتحليل العلاقة بين القانون والعنف، وترجمة النصوص الفلسفية الكلاسيكية؛ وقد عُرِف بمواجهته لتجارب القرن العشرين الكبرى (النازية والفاشية مثلًا) من خلال منظور نقدي لقضايا السيادة والاستثناء.

 

يقدم الكتاب نظرة مركّزة لأهم المفكرين الذين أثّروا في الفكر المعاصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. ويعمل ليشته في كل فصل من الفصول الخمسين على تبسيط الأفكار المعقدة ورصد المراجع والمصادر ذات الصلة، بحيث يصبح الكتاب مرجعًا حيويًا لفهم مسار الفكر في نصف القرن الأخير.

يُشير ليشته في مقدمة الكتاب إلى أن ما بعد البنيوية "ترفض جميع الافتراضات الفكرية التي تقف عليها البنيوية" وتؤكد على النسبية وعدم الثبات في المعاني. في جانب السيميائية (علم الدلالة)، يذكر الكتاب باختصار أسماء مثل رولان بارت (مؤسس السيميولوجيا البنيوية) وكلود ليفي-ستروس (مؤسس الأنثروبولوجيا البنيوية)، مبينا كيف فهمت العلامات الثقافية واللغوية كأنظمة مكونة من عناصر مترابطة.

يتناول الكتاب أولًا التيار البنيوي (Structuralism) الذي أسسه فرديناند دو سوسير في علم اللغة، ويركز على فكرة أن الثقافة واللغة تتشكل وفق أنظمة بنيوية خفية. ثم ينتقل إلى مراحل ما بعد البنيوية (Post-Structuralism)، التي تضم مجموعة مفكرين فرنسيين في الستينيات والسبعينيات نقدوا الثوابت البنيوية. من أبرز هؤلاء ميشيل فوكو وجاك دريدا، حيث ركز فوكو على علاقة السلطة والمعرفة في المؤسسات، وجاك دريدا على مفهوم التفكيكية وأساليب تفتيت النصوص والمفاهيم الراسخة.

 كما يشمل الكتاب فصولًا عن مفكرين آخرين في هذا الميدان مثل جيل دولوز وجوليا كريستيفا، ويعرض بإيجاز حياة وأفكار هؤلاء وما يربطهم بالبنية والمعنى.

في القسم الخاص بالحداثة وما بعدها، يعرّج الكتاب على التحولات الفكرية التي أطلقت عليها تسمية ما بعد الحداثة. فكما عرّف جان-فرانسوا ليوتار هذا المصطلح بأنه «التشكك في السرديات الكبرى»، يشرح ليشته كيف شككت تيارات ما بعد الحداثة في الافتراضات الكبرى للعقل والهوية والتاريخ. يدعو هذا التيار إلى نقد الفرضيات المطلقة في العلوم والفلسفة، إذ يرى أن الحقيقة والمعرفة نسبيتان ومشروطتان بالسياق الاجتماعي والتاريخي.

ومن بين مفكري ما بعد الحداثة الذين يوردهم الكتاب كلا من جان بودريار (الذي درس أثر المحاكاة والتصوير في الثقافة) وجاك دريدا (الذي ينظر إلى كل واقع بأنه ذو بنية خاصة). وبشكل عام، يغطي الكتاب أيضًا مواضيع مثل الحداثة، ما بعد الحداثة، وما بعد الإنسانية من خلال عرض لسير ومؤلفات هؤلاء المفكرين وأهم أفكارهم.

ختاما؛ يعد هذا الكتاب مرجعًا مهما للقراء المتخصصين وغير المتخصصين على حد سواء. فهو يقدم عرضًا شاملًا لتاريخ الأفكار في خمسين سنة الأخيرة ويتيح للقارئ فهم التحولات المعقدة في الفكر من البنيوية إلى ما بعد الحداثة. بهذا المعنى، وبين كتب الدراسات الفكرية المعاصرة يقدم باعتباره دليلًا معرفيًا فريدًا ومصدرًا مركزيًا لمن يريد استيعاب منطلقات التيارات الفكرية الكبرى في العصر الحديث.

ولا تخفى أهمية الكتاب في دراسة السياقين الثقافي والاجتماعي المؤثرين في القانون الوضعي وفي فلسفته وفي بيئته، وفي شرح الفكر الحضاري الغربي وتطوراته في النصف قرن الآخير، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي تفسير ما بعد الحداثة، وفي بيان أهم مقولات المفكرين الرئيسيين المؤسسين للأفكار السائدة في الحضارة الغربية المعاصرة بما لها -شئنا أم أبينا- من تأثير فعال في عالمنا العربي والإسلامي!

 

لتحميل ملف الكتاب

 

* جون ليشته، ترجمة فاتن البستاني، خمسون مفكرًا أساسيًا معاصرًا: من البنيوية إلى ما بعد الحداثة، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولي: بيروت، 2008.

** جون ليشته (John Lechte) هو عالم اجتماع أسترالي متخصص في النظرية الاجتماعية والثقافة المعاصرة. يشغل حاليًا منصب أستاذ في قسم علم الاجتماع بجامعة ماكواري الأسترالية، وله خبرة طويلة في البحث والنشر حول الفكر الحديث والثقافة المعاصرة. وقد كان ليشته من تلامذة الفيلسوفة جوليا كريستيفا، وهو يولي اهتمامًا خاصًا للتحليل النفسي والبنيوية والسيميائية في أبحاثه. وبناءً على ذلك، يجمع كتابه بين منظور معمّق لكل مفكر وأسلوب عرضه في التاريخ الفكري الحديث.

يمثل هذا الكتاب دراسة منهجية تحليلية لمدى صلاحية الفقه الإسلامي ومكانته في أنظمة التشريع الحديثة، ويتضمن الكتاب إيضاحًا للمفاهيم الأساسية للشريعة والفقه، كما يستعرض التيارات المختلفة في شأن تطبيق التشريع الإسلامي، وكذلك يشتمل على دراسة تجارب عملية في تقنين الأحكام في بعض الدول، وطرح سبل تهيئة المجتمع لقبول وإعمال التشريع الإسلامي، مع مراعاة الأدلة الشرعية ومنهجية فقهية نقدية. ويمكن اعتبار الكتاب جسرًا بين المرجعية الشرعية والبحث عن آليات تطبيقية قابلة للتقنين والتطبيق العملي، ويخاطب الباحثين وصانعي القرار والمهتمين بالعلاقة بين الشريعة والقانون.

يبدأ الكتاب بتقديم واضح لأهدافه، حيث يؤكد الباحث أن الفقه الإسلامي قادر على أن يكون إطارًا متكاملًا للتشريع في المجتمع العربي والإسلامي إذا أعيد إليه دوره عبر تصور علمي واضح يحدد العلاج والحدود وآليات التطبيق. وفي تقديمه للكتاب أشار الأستاذ الدكتور عبد الغفار إبراهيم صالح إلى أن البحث وضع "الإطار، والتصور، والعلاج، والحدود، والمستقبل" لتطبيق الفقه الإسلامي في مناحي الحياة المختلفة بحيث يمكن تخليص المجتمع من صور الانحراف والتخلف وتحضير الأمة لاستقبال الألفية الثالثة على طريق الأصالة والتقدم.

تتجلى في مقدمة المؤلف للكتاب رؤيتان محوريتان: الأولى التشديد على حق تقرير المصير للشعوب المسلمة، الذي يشمل قدرة الدولة على وضع تشريعات تتلاءم مع عاداتها وقيمها وترتيباتها الاقتصادية والاجتماعية، والثانية نقد مرحلة الاستقلال السياسي التي غاب فيها استعادة البعد التشريعي الحقيقي للشعوب الإسلامية بسبب استمرار تأثير القوانين الأجنبية وثقافاتها في بنى التشريع المحلية. يعرض المؤلف كيف أن قضايا فصل الدين عن الدولة وفصل الفقه عن الحياة الاجتماعية والسياسية كانت من أهم العوامل التي أبعدت أحكام الشريعة عن الممارسة التشريعية الحقيقية، وما أدت إليه من تهميش لدور الفقه ومجتمعاتها في مواجهة أفكار وقيم مخالفة.

كما تتناول المقدمة مشكلات التبادل الثقافي والاستعمار وتأثيراته في تشريد الوعي القانوني الإسلامي، مع إشارات إلى قضايا المرأة ومعالجة بعض الشبهات التي استخدمت أحيانًا كذريعة لفصل أحكام الشريعة أو لتبرير تغييبها. ويؤكد النص أن الشريعة ليست خاصة بقوم أو زمن، بل جاءت للناس كافة وأحكامها صالحة لتنظيم العلاقات داخل الدول الإسلامية وحل مشكلاتها، شريطة أن يعمل الفقه رؤيةً متكاملة ومتجانسة.

تتوزع محتويات الكتاب على أربعة فصول:

الفصل الأول يعرف المقصود بالتشريع الإسلامي ويستعرض مفاهيم الشريعة والفقه، والأدلة على وجوب تحكيم التشريع الإسلامي، ومبادئ الفقه في القرآن الكريم والأحاديث النبوية.

الفصل الثاني يعالج الاتجاهات المختلفة حول كيفية إعمال التشريع الإسلامي، فهناك من يقول بضرورة تطوير التشريع الإسلامي (من منطلقات مثل نظرية النسخ والنظر إلى تاريخية بعض النصوص)، وهناك من يقول بتطبيق بعض الأحكام دون بعضها الآخر، وهناك من ينكر صلاحية التشريع الإسلامي كمصدر للقانون، وأخيرًا يبين المؤلف موقفه من التطبيق الكامل للتشريع وسبل تحقيقه عبر التقنين.

الفصل الثالث مخصص لدراسة تجارب تقنين التشريع الإسلامي في بعض البلاد الإسلامية، مع معالجة تطور دور التشريع الإسلامي في مصر ومحاولات التقنين في الكويت كمادة وصفية وتحليلية لمشروعات وتجارب عملية.

أما الفصل الرابع فيركز على محاور تهيئة المجتمع لتطبيق التشريع الإسلامي، ويعرض أدوار الأسرة والتعليم في مراحله الأولى، ومسئولية الإعلام، ودور كليات الحقوق والشريعة في إعداد الكوادر اللازمة لاستقبال تطبيق تشريعي سليم.

 

يمكن القول إن هذا الكتاب يمثل محاولة منهجية للرد على التيارات الفكرية التي سعت إلى تهميش الفقه الإسلامي، وهو يدعو إلى إعادة الفقه إلى مكانته الطبيعية ضمن منظومة التشريع، مع توفير شروط اجتماعية وثقافية وقانونية تساعد على هذا الإعمال. ويظل هذا الكتاب مرجعًا مفيدًا للباحثين والطلاب وصانعي القرار الذين يهتمون بمسألة العلاقة بين الشريعة والتشريع الحديث، خصوصًا في السياقين المصري والكويتي اللذين خصهما المؤلف بدراسة تطبيقية.

 

لتحميل ملف الكتاب

 

* محمد عبد الظاهر حسين، "الفقه الإسلامي: المصدر الرئيسي للتشريع"، صدر عن دار النهضة العربية بالقاهرة عام 1420ه/1999م.

** الدكتور محمد عبد الظاهر حسين أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق بجامعة بني سويف، تقلَّد سابقًا منصب رئيس قسم القانون المدني. كما أسهم بفعالية في الحياة الأكاديمية والتدريبية، فكان مشرفًا على دورات متخصصة في مجالات مثل التحكيم القانوني، كما نُقل عنه تعليقات وأراء قانونية في الإعلام المصري. وإلى جانب ذلك، يمتلك العديد من المؤلفات القانونية المعتمدة، منها دراسات فقهية في القانون المدني مثل "الجوانب القانونية للمرحلة السابقة على التعاقد"، و"المسؤولية التقصيرية للمتعاقد" وغيرها.

يتناول كتاب "علم الاجتماع القانوني والضبط الاجتماعي"* للدكتور إبراهيم أبو الغار** العلاقة بين البنية الاجتماعية والأنساق القانونية بأسلوب علمي ومنهج تحليلي. ويمثل هذا الكتاب جهدًا تأسيسيًا في التعريف بعلم الاجتماع القانوني، الذي يُعد فرعًا حديثًا في منظومة العلوم الاجتماعية. وهو العلم الذي يدرس الظاهرة القانونية باعتبارها نتاجًا اجتماعيًا، تختلف زاويته عن تلك التي ينطلق منها فقه القانون التقليدي. ففي حين ينظر الفقه القانوني إلى القاعدة القانونية باعتبارها قاعدة مجردة، ينظر إليها علم الاجتماع القانوني كنتاج للواقع الاجتماعي، من حيث ظروف نشأتها، والآثار التي تترتب على تطبيقها، ودورها في الضبط الاجتماعي.

ينطلق المؤلف في مقدمة الكتاب من إشكالية طالما أرّقت هذا الحقل المعرفي: النزاع بين أهل القانون ورجال الاجتماع حول مشروعية علم الاجتماع القانوني، إلا أن المؤلف يذهب إلى أن علم الاجتماع القانوني لا يناقض القانون، بل يعمّق فهمه ويجعل منه أداة أكثر اقترابًا من الواقع وأكثر تحقيقًا للعدالة، حينما يواكب نبض الجماهير ويتصل بالبنية الاجتماعية التي ينبثق منها.

ويطرح الكتاب تصورًا نقديًا حول القوانين الوضعية، معتبرًا أنها رغم كثرتها لا تحقق دائمًا الطمأنينة الاجتماعية ولا تحدّ من الجريمة، ما لم تكن منبثقة من الواقع الاجتماعي ومرتبطة بالمصادر العليا للقيم كالشريعة الإسلامية، التي يرى المؤلف أن لها أولوية في التشريع، تنفيذًا لنص المادة الثانية من الدستور المصري، وطلبًا لأحكام أكثر عدلاً وردعًا.

يتوزع محتوى الكتاب على تسعة فصول، يبدأ الفصل الأول منها بتحديد موقع القانون بين فقهاء القانون وعلماء الاجتماع، مع شرح التمييز بين المذهب الفردي والاجتماعي، وتحديد طبيعة العلاقة بين القانون والأنساق القيمية الأخرى، مثل الدين والعرف والأخلاق. كما يناقش العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، مؤكدًا دور الشريعة كمصدر أصيل للتشريع.

في الفصل الثاني، يتناول المؤلف المذاهب المختلفة التي فسّرت نشأة القانون، ويقسمها إلى مذاهب شكلية تهتم بالنصوص والصياغة، وأخرى اجتماعية تتناول القانون كوسيلة لضبط الواقع وتوجيهه، بما في ذلك النظريات الفلسفية مثل القانون الطبيعي والتطور التاريخي، والمناهج الواقعية التي تستند إلى دراسة الواقع الاجتماعي القائم.

أما الفصل الثالث، فيستعرض الاتجاهات الفكرية التأسيسية التي مهدت لظهور علم الاجتماع القانوني، متوقفًا عند إسهامات أفلاطون، وأرسطو، وابن خلدون، ومونتسكيو، وفلاسفة العقد الاجتماعي، إلى جانب مفكرين في القانون الجنائي، وتاريخ القانون، والأنثروبولوجيا.

في الفصل الرابع، ينتقل المؤلف إلى دراسة المساهمات الحديثة في هذا العلم، متتبعًا الجهود التي قدّمها علماء الاجتماع وفقهاء القانون في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وكيف أسهمت هذه المدارس في ترسيخ موقع علم الاجتماع القانوني كمجال مستقل.

ويُفرد المؤلف الفصل الخامس لموضوع الضبط والتنظيم الاجتماعي، فيتناول مظاهر هذا التنظيم، وأهمية العادات والأعراف والرأي العام في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، مستعينًا بنظريات القوة الاجتماعية كما طوّرها كبار علماء الاجتماع.

أما الفصول من السادس إلى التاسع، فهي تحليل لنظريات السلطة في عدد من السياقات الفكرية والمدارس الاجتماعية، بدءًا من الفلسفات القديمة مثل أفلاطون وأرسطو، ثم مرورًا بالمدارس الفرنسية (كونت ودوركايم)، والألمانية (تونيز، مانهايم، زيمل)، والأمريكية، حيث يعرض نماذج السلطة كما تصوّرها المجتمع الصناعي المعاصر.

 

يمثل هذا الكتاب مرجعًا هامًا لفهم الديناميات التي تحكم العلاقة بين القانون والمجتمع، ويُعد بمثابة دعوة مفتوحة للمشرعين كي لا يصوغوا القانون في معزل عن الواقع الاجتماعي والثقافي، بل يتّحدوا مع علماء الاجتماع وعلماء الدين لبناء منظومة قانونية تستمد قوتها من الواقع ومن المرجعية القيمية العليا.

 

لتحميل ملف الكتاب

 

 

* كتاب صادر عن مكتبة نهضة الشرق- جامعة القاهرة، 1985م.

** أكاديمي مصري.

تزدهر حاليًا في حقل العلاقات الدولية في الجامعات الأمريكية نظرية تقول: إن النظم الديمقراطية لا يحارب بعضها البعض وإن اختلفت مصالحها وتباينت سياساتها. بل ويذهب بعض دعاة هذه النظرية إلى حد الزعم بأن هذه النظم أقل نزعة للحرب عمومًا من النظم غير الديمقراطية. ويستدل هؤلاء وأولئك بنماذج من العلاقات بين المدن الإغريقية، والمجتمعات غير الصناعية، والنظم الديمقراطية في العصر الحديث، وذلك لإثبات صلاحية النظرية في كل زمان ومكان. وهم يرون أن سبب عدم وضوح ظاهرة السلام الديمقراطي حتى وقت قريب هو قلة عدد النظم الديمقراطية قبل منتصف القرن العشرين. ووفقًا لهذه النظرية فإن قيام نظامين ديمقراطيين أو أكثر يؤدي تلقائيًا إلى إنشاء منطقة سلام دولي في عالم تسوده الحروب ولا تخضع دوله لسلطة سياسية عليا واحدة[1]. وتشبه هذه النظرية إلى حد كبير ذلك التمييز بين داري الإسلام والحرب الذي كان سائدًا في الفكر السياسي الإسلامي في زمن قوة الدول والممالك الإسلامية.

 

السلام والديمقراطية: مفاهيم غير منضبطة

إن فكرة السلام الديمقراطي كما يطرحها القائلون بها تفتقد التحليل التاريخي وضبط مفهومي السلام والديمقراطية وهما المفهومان المحوريان في هذه النظرية. إذ تغيب عن أدبيات هذه النظرية أية مناقشة جادة لمعنى السلام وماهية الديمقراطية ومعاييرها. فالسلام عند هؤلاء المنظرين هو مجرد غياب حالة الحرب بين دولتين، أو بالأحرى امتناع دولتين عن استخدام القوة العسكرية بشكل صريح في علاقاتهما تجاه بعضهما البعض. وبالنظر إلى ثنائية تصنيف العلاقات بين الدول إلى حالتي السلم والحرب، فإن جميع الأعمال العدائية بين الدول التي لا تأخذ صورة الحرب المسلحة تندرج ضمنيًا تحت مفهوم السلام عند دعاة السلام الديمقراطي. وهكذا يمكن أن تفرض دولة عقوبات اقتصادية صارمة على دولة أخرى دون أن تعتبر في حالة حرب معها.

أما مفهوم الديمقراطية في هذه الأدبيات فهو أقل وضوحًا وانضباطًا من مفهوم السلام، وذلك لعدة أسباب:

فأولًا يصنف معظم منظري السلام الديمقراطي نظم الحكم تصنيفًا ثنائيًا باعتبارها إما ديمقراطية أو غير ديمقراطية، في الوقت الذي يصفون فيه الديمقراطية بأنها مجموعة من القيم والمؤسسات والسلوكيات والإجراءات، وهو ما يتطلب تصنيف نظم الحكم تصنيفًا غير ثنائي باعتبارها تقترب من أو تبتعد عن النموذج الديمقراطي[2].

وثانيًا، ليست الديمقراطية التي يتحدث عنها منظرو السلام الديمقراطي سوى ديمقراطية إجرائية تتجاهل جوهر ما في الديمقراطية من قيم وسلوكيات، فهم يعتبرون ضمنيًا أن قواعد الديمقراطية وإجراءاتها أهم من مضمونها ومخرجاتها. فعلى سبيل المثال، بدلًا من التأكيد على محورية قيمة محاسبة الحكام باعتبارها شرطًا ضروريًا في أي نظام ديمقراطي، يختزل هؤلاء المنظرون تلك القيمة -بحجة ضرورة تعريفها إجرائيًا- إلى عملية إجراء انتخابات دورية ونزيهة. وهكذا فإنهم لا يعترفون بتجارب أمم أخرى نجحت في تطبيق قيمة المحاسبة دون اللجوء إلى إجراء انتخابات دورية ونزيهة، ويغضون الطرف عن أوجه قصور هذا الأسلوب في إخضاع الحكام للمحاسبة. ولعل أخطر ما في هذا الاختزال هو الرفض الضمني لتعدد تطبيقات الديمقراطية وتنميطها وفقًا للنموذج الذي تطور في الغرب في العصر الحديث.

وبسبب الإفراط في الاهتمام بقواعد اللعبة الديمقراطية دون مضمونها يصنف منظرو السلام الديمقراطي بعض نظم الحكم التي تنتهك قيمًا ديمقراطية أساسية -لكن دون انتهاك قواعدها الإجرائية- على أنها نظم ديمقراطية. ولعل المثال الصارخ على ذلك هو الادعاء بأن نظام الحكم العنصري الاستعماري في إسرائيل نظام ديمقراطي. ويتجاهل هؤلاء المنظرون وضع الأقلية العربية التي تمثل ما بين 15 و20 في المائة من عدد السكان والتي خضعت للأحكام العرفية لفترة طويلة من الزمن، ولا يزال أفرادها يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية ويحرمون من كثير من الحقوق السياسية والخدمات الاجتماعية كنتيجة مباشرة لإصرار المؤسسة الحاكمة على تعريف إسرائيل بأنها دولة الشعب اليهودي[3]. ويبلغ التحيز لإسرائيل في هذه الأدبيات مداه في تبرير بعض الباحثين قولهم إن الحرب السورية - الإسرائيلية عام 1948 التي كانت جزءًا من حرب فلسطين لا تمثل خروجًا عن نظرية السلام الديمقراطي لأن الديمقراطية في سوريا لم تكن قد استقرت بعد، ويتجاهلون أن إسرائيل في ذلك الوقت لم يكن لديها أية مؤسسة ديمقراطية على الإطلاق، على الأقل بسبب حداثة نشأتها[4].

وثالثًا، يصنف منظرو السلام الديمقراطي نظم الحكم بأثر رجعي، فيطلقون صفة الديمقراطية على نظم لم تكن في بادئ عهدها كذلك ولكنها أصبحت ديمقراطية فيما بعد. فمثلًا يعتبر معظمهم نظام الحكم في دولة جنوب إفريقيا ديمقراطيًا منذ نشأته، علمًا بأن أول انتخابات متعددة الأعراق أجريت عام 1994. ولعل ذلك مرتبط بما ذكرناه من الإفراط في الاهتمام بقواعد اللعبة الديمقراطية دون مضمونها، إذ شهدت جنوب إفريقيا قبل ذلك العام انتخابات دورية ونزيهة ولكنها كانت قاصرة على الأقلية البيضاء. ولكن ذلك يعني أيضًا أن الديمقراطية في نموذجها الغربي تقبل ازدواج المعايير وتجمع بين قيم متناقضة، ولعل تعامل هذه الأدبيات مع النموذج الأمريكي في الحكم هو أوضح مثال على ذلك. فلا يختلف اثنان من منظري السلام الديمقراطي على أن نظام الحكم في الولايات المتحدة كان ولا يزال نظامًا ديمقراطيًا، دون اعتبار لحرب الإبادة الجماعية التي شنها المستوطنون البيض ضد سكان البلاد الأصليين حتى نهايات القرن التاسع عشر، وتجارة الرقيق وخضوع السود للعبودية في فترة ما بين حرب الاستقلال والحرب الأهلية، وحرمان النساء من حقوقهن السياسية وكثير من حقوقهن الاجتماعية حتى ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتمييز العنصري ضد السود وغيرهم من الأقليات في كافة مناحي الحياة حتى صدور قانون الحقوق المدنية في منتصف ستينيات القرن العشرين. ولم يكن حال كثير من "الديمقراطيات" في أوروبا والعالم الجديد بأفضل من حال نظام الحكم الأمريكي، بل إن كثيرًا من الدول الأوروبية تكالبت على استعمار شعوب أخرى واستغلال ثروات بلادها في وقت كانت توصف نظم حكمها بالديمقراطية. أي إن منظري السلام الديمقراطي يرون أن انغماس نظام الحكم الديمقراطي في ممارسات تنتهك أبسط مبادئ الديمقراطية لا ينفي عنها تلك الصفة ما التزمت بقواعد الديمقراطية وإجراءاتها. ولكن يبدو أن هذا التناقض مقبول فقط من "الديمقراطيات" الغربية وحلفائها مثل إسرائيل وتركيا، بينما يرفض منظرو السلام الديمقراطي إدراج نظم أخرى تراعي إلى حد كبير القواعد الإجرائية للديمقراطية على قائمة النظم الديمقراطية. ومثال ذلك نظام الحكم الحالي في إيران الذي يحرص على إجراء انتخابات دورية نزيهة، ويوازن بين السلطات، ويمنع رئيس الجمهورية من الاستمرار في الحكم لأكثر من فترتين مدة كل منهما أربع سنوات، ولكنه لا يصنف في تلك الأدبيات كنظام ديمقراطي.

وبإيجاز، فإن أقصى ما يعنيه السلام الديمقراطي هو أن نظم الحكم التي أصبحت في فترة متأخرة من تطورها السياسي تلتزم بالقواعد الإجرائية للديمقراطية كما تتحدد في النموذج الغربي تمتنع عن استخدام القوة العسكرية بشكل صريح في علاقاتها تجاه بعضها البعض.

 

تفسيرات بديلة لظاهرة السلام الديمقراطي

يرى دعاة نظرية السلام الديمقراطي أن سبب هذه الظاهرة هو القيم الأصيلة في الديمقراطية أو قيودها المؤسسية أو كلاهما معًا. ولا ينظرون بعين الاعتبار إلى العوامل الأخرى التي قد تكون وراء هذه الظاهرة من قبيل التقارب الثقافي والجغرافي بين كثير من الدول الديمقراطية، واشتراكها في عضوية كثير من المنظمات الدولية، وميل هذه الدول للتحالف مع بعضها البعض، وتمتعها بوفرة اقتصادية واستقرار سياسي نسبيين. وسنركز هنا على عاملين نرى أن لهما دورًا بارزًا في إفراز تحقيق السلام بين الدول، وهما التشابه الأيديولوجي بين النظم، ونزعة نظم بعينها للحفاظ على الوضع القائم في النظام الدولي.

 

السلام بين النظم ذات الأيديولوجيات المتشابهة:

إن ظاهرة السلام الديمقراطي هي جزء من ظاهرة أكبر هي ظاهرة السلام الأيديولوجي. فالديمقراطيات لا يحارب بعضها البعض لأن النظم ذات الأيديولوجيات المتشابهة لا تستخدم القوة المسلحة بشكل صريح في التعامل مع بعضها البعض. ولا يقبل كثير من منظري السلام الديمقراطي هذا القول لزعمهم أن عزوف النظم المتشابهة عن استخدام القوة المسلحة في تعاملها مع بعضها البعض هو من خصائص الديمقراطية دون غيرها من الأيديولوجيات. ويدللون على هذا الرأي بالاشتباكات المسلحة عام 1969 بين أكبر دولتين شيوعيتين -الاتحاد السوفيتي والصين- والغزو الفيتنامي لكمبوديا، وكلاهما دولتان شيوعيتان أيضًا[5]. إلا أن دارسي النظامين السوفيتي والصيني يدركون مدى الاختلاف بينهما في تطبيق الأيديولوجية الشيوعية الماركسية إلى الحد الذي يمكن الحديث معه عن شيوعية سوفيتية وأخرى صينية. وقد تبنى النظام الفيتنامي الشيوعية السوفيتية بينما تبنى النظام الكمبودي الشيوعية الصينية حتى قبل تحالف الأول مع الاتحاد السوفيتي والثاني مع الصين. أي أن الاشتباكات المسلحة بين الاتحاد السوفيتي والصين لم تقع بين نظامين متشابهين أيديولوجيًا -رغم اتفاقهما في التسمية والمصادر الأولى للعقيدة السياسي - وكذلك الحال بالنسبة للغزو الفيتنامي لكمبوديا. بل إن الأدعى للملاحظة هو أن الاشتباكات المسلحة بين الاتحاد السوفيتي والصين تمثل الاستثناء وليس القاعدة في العلاقات بينهما برغم ما كان بينهما من عداء شديد.

ولعل ظاهرة السلام بين النظم ذات الأيديولوجيات المتشابهة تتضح أكثر بالنظر إلى عالمنا العربي والإسلامي الذي لا يرى المتشائمون فيه إلا بؤرة للصراع والتوتر. فحسب بيانات مراكز دراسات الحروب، لم تستخدم القوة المسلحة بشكل صريح في العلاقة بين نظامين قوميين عربيين أو نظامين إسلاميين بعد استقلال الدول العربية والإسلامية[6]. فحتى حين بلغ التنافس والعداء بين النظم القومية العربية في مصر وسوريا والعراق ذروته في الستينات لم يحدث أن اندلع قتال بينها. بل إن العدوين البعثيين اللدودين -العراق وسوريا- لم يشتبكا في قتال مسلح برغم تحالف سوريا مع إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية ودعم العراق للمليشيات اللبنانية التي كانت تحارب سوريا خاصة في المراحل الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية. ولا شك أن هذه الأعمال العدائية بين النظامين كانت تجسيدًا للصراع المرير بينهما، إلا أنها من وجهة نظر دعاة السلام الديمقراطي لا تمثل خروجًا عن حالة السلم بين الدولتين، وذلك بخلاف اشتراك سوريا في حرب تحرير الكويت عام 1991 الذي يمثل تحديًا حقيقيًا لنظرية السلام بين النظم ذات الأيديولوجيات المتشابهة. لقد حاربت القوات السورية بالفعل القوات العراقية في الكويت، ولكن مساهمة سوريا المتواضعة في هذه الحرب التي اشتركت فيها عشرات الدول تشبه إلى حد كبير مشاركة النظام الديمقراطي الفنلندي في الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا النازية ضد دول الحلفاء التي كانت في معظمها دولًا ديمقراطية، وهو ما يشكل تحديًا مماثلًا لنظرية السلام الديمقراطي. وعادة ما يواجه منظرو السلام الديمقراطي هذا التحدي بالتقليل من شأن مساهمة فنلندا في هذه الحرب ومدى استقلالها عن ألمانيا، وهي حجج قد تنطبق إلى حد كبير على مشاركة سوريا في حرب الخليج الثانية.

وبالمثل، فإن النظم التي يمثل الإسلام أساس توجهها الأيديولوجي لم تستخدم القوة المسلحة بشكل صريح ضد بعضها البعض رغم اختلاف مصالحها وتباين سياساتها. وفي الواقع لا يتجاوز عدد هذه النظم في فترة ما بعد الاستقلال أصابع اليد الواحدة، إذ تشمل المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران ونظامي حكم المجاهدين وطالبان في أفغانستان في الفترة ما بين سقوط الحكومة الشيوعية عام 1992 والتدخل الغربي في أفغانستان عام 2001. ولعل مما يدعم نظرية السلام الأيديولوجي هو رفض إيران القاطع للمشاركة في الحملة الدولية لإسقاط نظام طالبان رغم ما كان بينهما من عداء وتنافر. فالعلاقة بين النظامين لم تكن جيدة أبدًا، فإيران كانت السند الرئيس لحزب الوحدة الذي كان عضوًا في التحالف الشمالي الذي كان يسعى دائمًا لإسقاط حكم طالبان. كما أنها كانت على وشك غزو أفغانستان عام 1998 حين اغتيل سفيرها هناك على يد بعض الموالين الحكومة طالبان، إلا أنها عادت وتراجعت عن ذلك، وهو مؤشر آخر على صحة نظرية السلام الأيديولوجي.

 

السلام بين النظم التي تسعى للحفاظ على الوضع القائم في النظام الدولي:

إن امتناع النظم الديمقراطية عن استخدام القوة المسلحة بشكل صريح ضد بعضها البعض يرجع إلى ميل غالبيتها الساحقة إلى الحفاظ على الأوضاع الدولية القائمة أو قبولها بالقواعد القانونية والسياسية في النظام الدولي أو كليهما معا. فجميع حالات الحروب التي تعجز نظرية السلام الديمقراطي عن تفسيرها -بما في ذلك حالات استخدام القوة المسلحة بشكل غير صريح أو مباشر بين نظامين ديمقراطيين، مثل دعم الولايات المتحدة للجماعات التي كانت تقاتل حكومة نيكاراجوا اليسارية المنتخبة ديمقراطيًا خلال عقد الثمانينات- ترجع إلى رغبة أحد طرفي النزاع في إحداث تغيير سياسي ما في النظام الدولي أو في دولة أخرى دون مراعاة للقواعد السياسية في النظام الدولي.

ولكن لماذا تميل معظم النظم الديمقراطية -خاصة تلك التي تحولت إلى الديمقراطية خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أو ما يطلق عليه هنتنجتون الموجة الأولى للديمقراطية[7]- إلى الحفاظ على الأوضاع الدولية القائمة وقبول القواعد القانونية والسياسية في النظام الدولي؟ هناك إجابتان متكاملتان على هذا التساؤل. فمن جانب، فإن الدول التي تصنف حاليًا على أنها كبرى الديمقراطيات في العالم هي التي أرست القواعد السائدة في النظام الدولي. فالقانون الدولي والأعراف المرعية في المنظمات الدولية ومبادئها الأساسية وقواعد اتخاذ القرارات فيها هي جميعًا من وضع الدول المنتصرة في الحروب الكبرى -خاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية- والتي كان معظمها يراعي القواعد الإجرائية للديمقراطية في نظمها السياسية الداخلية. وبالطبع فإن البحث في العلاقة بين تطبيق القواعد الإجرائية للديمقراطية في النظم السياسية والانتصار في الحروب الكبرى أمر يخرج عن نطاق هذه الدراسة ولم يتطرق إليه منظرو السلام الديمقراطي. وهكذا فإن النزاعات بين هذه الدول الديمقراطية تجد طريقها إلى الحل بسهولة نسبيًا وفقًا للقواعد السائدة في النظام الدولي وفي إطار المنظمات الدولية المختصة مثل الأمم المتحدة. أما الدول التي تأخرت عضويتها في المجتمع الدولي -إما لتأخر استقلالها أو امتناع دول كبرى عن الاعتراف بنظامها السياسي أو غير ذلك- فقد حرمت من التأثير الفعال في صياغة قواعد النظام الدولي وبالتالي فهي ترى أن بعض تلك القواعد مجحفًا لها ولا تجد غضاضة في تحديها وذلك في سعيها لتغيير الأوضاع الدولية القائمة التي ترى أنها غير عادلة. فحين تعجز قواعد النظام الدولي عن أن تكون أداة في يد المظلوم لرفع الظلم عنه، يميل المظلوم إلى استخدام القوة لإقامة العدل.

ومن جانب آخر، فإن الدول التي تصنف حاليًا على أنها كبرى الديمقراطيات في العالم هي المستفيد الأول من الوضع القائم في النظام الدولي. فمعروف أن تلك الدول كانت أيضًا كبرى الدول الاستعمارية في العالم التي سعت للاستئثار بخيراته واستغلال الشعوب الأخرى لتحقيق ذلك الهدف، وحين نفضت تلك الشعوب عن كاهلها إفك الاستعمار وجدت نظامًا دوليًا جاهزًا عليها قبوله أو انتظار العواقب، فلم يكن هناك مجال لإعادة تقسيم الغنائم حتى مع الشعوب التي اختارت طريق الديمقراطية. وهكذا تحول كثير منها يأسًا وإحباطًا إلى الحكم العسكري أو الشمولي أو التسلطي، ثم ما لبث بعضها أن انهار إما لأسباب داخلية وإما نتيجة تدخل دول أجنبية من بينها ديمقراطيات كبرى ادعت محاربة تلك النظم باسم القيم الديمقراطية.

 

* مقال نُشر في مجلة الديمقراطية، العدد 54، أبريل 2014، ص 151-154، ونشرت نسخة أولى منه في مجلة رؤى، العدد 15، 2002، ص 85-88.

** أستاذ زائر وباحث أول، قسم الدراسات السياسية والدولية، جامعة رودس، جنوب أفريقيا.

[1] المزيد من التفاصيل عن نظرية السلام الديمقراطي انظر:

Rudolph Rummel, "Libertarian Propositions on Violence Between and Within Nations," Journal of Conflict Resolution, 29, 3 (1985): 419-455; Bruce Russett, Grasping the Democratic Peace (Princeton: Princeton University Press, 1993); James Lee Ray, Democracy and International Conflict (Columbia: University of South Carolina Press, 1995); Michael Brown, Sean Lynn-Jones, and Steven Miller (eds.), Debating the Democratic Peace (Cambridge: MIT Press, 1996); James Lee Ray, "Democracy: on the Level(s), Does Democracy Correlate with Peace?" in John Vasquez (ed.), What Do We Know About War? (Lanham, MD: Rowman and Littlefield, 2000); Bruce Russett and Harvey Starr, "From Democratic Peace to Kantian Peace: Democracy and Conflict in the International System" in Manus Midlarsky (ed.), Handbook of War Studies II (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2000).

[2] لعل أسلوب تناول راست لمفهوم الديمقراطية في كتابه Grasping the Democratic Peace نموذج لاضطراب هذا المفهوم عند منظري السلام الديمقراطي، فهو يتبنى التصنيف الثنائي لنظم الحكم في الفصل الأول، ثم يصنفها في الفصل الثاني تصنيفًا غير ثنائي باعتبارها تقترب من أو تبتعد عن النموذج الديمقراطي، ثم يصنفها في الفصل الرابع تصنيفًا ثلاثيًا. والخلل المنهجي في هذا التناول واضح، فالكاتب يرصد ظاهرة ويفسر أخرى ويختبر نظريته في ظاهرة ثالثة. ولا ريب أن غياب الاتساق المنهجي في تناول مفهوم الديمقراطية يضع ظلالًا من الشك على مدى صحة وصلاحية نظريته عن السلام الديمقراطي.

[3] المزيد من التفاصيل عن تطبيق إسرائيل لما يسميه مؤيدوها بالديمقراطية العرقية انظر:

Yoav Peled, "Ethnic Democracy and Legal Construction of Citizenship: Arab Citizens of the Jewish State," American Political Science Review, 86, 2 (June 1992).

[4] انظر مناقشة هذه الحالة في:

Nils Peter Gleditsch and Havard Hegre, "Peace and Democracy: Three Levels of Analysis," Journal of Conflict Resolution, 41, 2 (April 1997): 283-310.

[5] انظر تعليق راست على هاتين الحالتين في:

Bruce Russett, Grasping the Democratic Peace, op.cit.

[6] انظر أحدث بيانات مشروع (Correlates of War (COW في:

Meredith Reid Sarkees, "The Correlates of War Data on War: An Update to 1997," Conflict Management and Peace Science, 18, 1 (2000): 123-144.

[7] المزيد من التفاصيل حول نظرية موجات التحول الديمقراطي انظر:

Samuel Huntington, "Democracy's Third Wave," in The Global Resurgence of Democracy, edited by Larry Diamond and Mare F. Plattner (Baltimore and London: The John Hopkins University Press, 1993); The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Norman, OK: University of Oklahoma Press, 1991).