لعل أكثر الأمور حساسية في أية محاولة لتعديل الدستور أو تغييره هي مسألة العلاقة بين الدين والدولة، بل لعل هذه المسألة هي التي تدعو الكثيرين إلى معارضة البحث في تغيير الدستور، بصرف النظر عن الحاجة إلى ذلك، تحسبًا لما قد تثيره من خلاف وانقسام.
وينص الدستور الحالي*** على أن «الإسلام دين الدولة» (المادة 2)، كما ينص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» (المادة 2 بعد تعديلها عام 1980)، وينص أيضًا على أن «الأسرة.. قوامها الدين» (المادة 9)، وعلى أن «تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية» (المادة 11). كذلك ينص الدستور على أن على المجتمع «مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية» (المادة 19)[1].
وسوف تكون أية محاولة لإعادة النظر في الدستور مناسبة من جانب أصحاب الاتجاهات المختلفة لتغيير هذه الأحكام على النحو الذي يريدونه. فالذين يرفعون الشعارات الدينية سوف يحاولون بلا شك الإضافة إلى الأحكام القائمة بما يجعل الدستور دستورًا عقائديًا صرفًا على نحو الدستور الإيراني أو النظام الأساسي للحكم في السعودية[2]، مع حذف النصوص الأخرى التي تتنافى مع هذا الاتجاه العقائدي أو تتأسس على اتجاه عقائدي مغاير. والذين يرون أن الخلاص هو في بناء دولة عصرية حديثة تحترم الدين دون أن تجعل له دورًا في الحكم سوف يحاولون التخفيف من الأحكام القائمة أو حذفها ضمن محاولتهم تخليص الدستور من النصوص العقائدية المختلفة سواء ما كان منها دينيًا أو غير ديني. ولكل من هذين الاتجاهين أنصار كثيرون في المجتمع المصري على ما سبق وأوضحنا في الجزء الأول من هذا الكتاب، وإن كانت عوامل عديدة قد تضافرت في السنوات الأخيرة كما بينَّا لتجعل الكثيرين يتجهون إلى الاتجاه الأول[3].
والحقيقة أن الخلاف في هذا الأمر هو خلاف سياسي في أساسه، فالإسلام كما درسناه لا يتطلب شكلًا معينًا في الحكم، لكنه يمنع تأليه الحاكم أخذًا بالمبدأ الأساسي «لا إله إلا الله»، والقرآن الكريم لم يتعرض لمسألة الحكم، بمعنى إدارة شئون الجماعة إلا بالعبارات العامة بشأن الشورى في قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، وقوله جل شأنه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159) إلى جانب الآيات العامة الأخرى وسير الأنبياء التي تنهي عن الظلم والطغيان. وبالتالي فإن أي نظام يحقق المشاركة في اتخاذ القرارات ويسمح بتداول الرأي والسلطة هو نظام لا نراه يتعارض مع هذه المبادئ الإسلامية.
أما النصوص الواردة في الدستور المصري والسابق سردها، فإنها تثير الكثير من الأسئلة: فليس من الواضح ما هو الأثر القانوني لتعبير أن «الإسلام دين الدولة» ... ليس المقصود طبعًا أن الدولة، وهي شخص اعتباري وليست شخصًا طبيعيًا، يُنتظر منها أن تفعل ما يُنتظر من شخص طبيعي يدين بالإسلام من شهادة الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا؟ وإذا كان النص مجازيًا ويقصد به أن غالبية المصريين يدينون بالإسلام وأن مصر تعتبر بناء على ذلك دولة إسلامية تحترم القيم العليا للإسلام وتدافع عنها، فلماذا لا يأتي بهذه العبارات الواضحة بدلًا من النص على أن للدولة دينًا، وهو نص، فضلًا عن مجازيته، قد يثير اللبس أو يرتب نتائج قانونية غير متفق عليها.
وما معنى أن «مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع»؟ من الواضح أن هذا النص لا يعني أن مبادئ الشريعة هي المصدر "الوحيد" للتشريع. فمن الممكن أن تكون هناك مصادر أخرى؛ مثل القانون المقارن ومبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، بل إن معظم التشريعات الحديثة هي بحكم موضوعاتها مستمدة من الدراسات الاجتماعية والاقتصادية المستحدثة وما أخذت به تشريعات الدول الأخرى وخاصة الدول الأكثر تقدمًا، وهو أمر لا يتعارض مع مبادئ الشريعة في ذاته، ولكنه قد لا يتفق مع نص يقول: إن المصدر الرئيسي للتشريع هو مبادئ الشريعة، كما يقول بها مذهب فقهي أو آخر. ومن الواضح على أي حال أن النص لا يعني في ذاته أن إصدار تشريع يستمد مصدره من غير مبادئ الشريعة يجعل هذا التشريع غير دستوري؛ بل إن نص الدستور في ذاته قد لا يعني بالضرورة أن مثل هذا التشريع يكون غير دستوري إذا تعارض مع مبادئ الشريعة، لأن «المصدر الرئيسي» ليس معناه في اللغة «المصدر الذي يبطل ما عداه»، وإنما معناه المصدر الذي يغلب اللجوء إليه (وإن كانت المحكمة الدستورية العليا في مصر قد فسرته فيما يبدو على غير ذلك استنادًا إلى ما جاء في تقرير لجنة مجلس الشعب التي أعدت النص، وليس إلى النص نفسه، كما سيجيء). وإذا كان النص لا يعني لغة ما ذكرناه فما الذي يعنيه إذًا؟ وما هي قيمته الحقيقية إن كانت معظم التشريعات الجديدة تخاطب موضوعات مستحدثة تحتاج إلى معالجة مستحدثة أيضًا؟
لقد أوضحت المحكمة الدستورية العليا في عدد من أحكامها ما يعنيه نص المادة الثانية من الدستور وجاءت إيضاحاتها كما يلي (وإن كنت لا أستخدم ألفاظها دائمًا بغية تبسيط الشرح):
- النص الدستوري يخاطب المشرع وليس القاضي، أي أنه «يستهدف توجيه الشارع إلى استلهام قواعد التشريع من مبادئ الشريعة الغراء بصفة رئيسية»، لكنه لا يطلب من المحاكم أن تطبق مباشرة مبادئ الشريعة وتغفل ما لا يتفق معها من نصوص تشريعية قائمة، وبعبارة أخري فإن النص الدستوري هو «قيد استحدثه الدستور على سلطة المشرع في شأن المصادر التي يستقي منها أحكامه التشريعية»[4].
- إلزام الدستور المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرض فيه الإلزام (22 من مايو 1980) ... أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام بالنسبة لها لصدورها فعلًا من قبل، أي في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا واجب الإعمال[5].
- النعي بأن «عدم تعديل مادة (في تشريع قائم) لمخالفتها لمبادئ الشريعة بعد تعديل المادة الثانية من الدستور في 22 مايو سنة 1980 -التاريخ الذي فرض فيه الإلزام باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع- النعي عليها بمخالفة حكم هذه المادة في غير محله»[6].
- إن قصر الإلزام الدستوري على التشريعات اللاحقة لتعديل الدستور «لا يعني إعفاء المشرع من تبعة الإبقاء على التشريعات السابقة رغم ما قد يشوبها من تعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية وإنما يلقي على عاتقه من الناحية السياسية مسئولية المبادرة إلى تنقية هذه التشريعات من أية مخالفة دستورية للمبادئ سالفة الذكر، تحقيقًا للاتساق بينها وبين التشريعات اللاحقة في وجوب اتفاقها جميعًا مع هذه المبادئ وعدم الخروج عليها»[7].
- يجوز للسلطة التشريعية في تطبيق المادة الثانية من الدستور أن تختار بين المذاهب المختلفة في الفقه الإسلامي؛ لأن «تخير الشارع مذهبًا دون مذهب أو أرجح الأقوال في مذهب من المذاهب وإلزام القضاء التقيد به هو من المسائل التي يرخص فيها بسلطة تقديرية وفقًا لما يراه ملائمًا لظروف المجتمع بلا معقب عليه في تقديره»[8].
- «يسوغ للشارع، بما لديه من سلطة أن يجمع الناس على رأي واحد (في أحكام الشريعة) يرفع به الخلاف ويقيد به القاضي كي ينزل الجميع على حكمه ويأثم من يخالفه: لأن طاعة ولي الأمر واجبة فيما ليس فيه مخالفة للشرع ولا معصية، وأساس هذا الجمع هو تيسير تعريف القاضي والمتقاضي على السواء بما يحكم أعمال الناس من قواعد تحقيقًا لاستقرار المعاملات وثبات الأحكام وإرساء الحق والعدالة والمساواة»[9].
- ليس هناك مانع شرعي من الأخذ بأقوال الفقهاء من غير المذاهب الأربعة إذا كان الأخذ بأقوالهم يؤدي إلى جلب صالح عام أو رفع ضرر عام[10].
وإذا كان هذا ما يعنيه نص الدستور، في حين أننا نعلم جميعًا أن أكثر التشريعات الجديدة تعالج مسائل معقدة تتعلق بالاستثمار والبنوك والتجارة والبيئة والأمن والانتخابات والتأمينات الاجتماعية وغيرها من المسائل التي تواجه أي دولة حديثة والتي تخاطبها مبادئ الشريعة -كما فُسرت حتى الآن- من حيث عمومياتها فقط، وليس من حيث التفاصيل التي ينبغي ابتداعها لتناسب الظروف الحالية، فهل من الواقعي أن نقول: إن مبادئ الشريعة هي المصدر «الرئيسي» للتشريع؟ وهو ما لا ينطبق حتى على تشريعات الدول التي تتسم دساتيرها بطابع إسلامي واضح؟ إن معظم القوانين الحديثة في دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية، مثلها مثل القوانين الحديثة في الدول الأخرى جميعًا، لا تستمد مصدرها من الكتاب والسنة مباشرة بقدر ما تستند إلى الدراسات الخاصة بمواجهة المشاكل العملية الجديدة والسياسات التي اتبعت في الدول المختلفة. والقول بغير ذلك هو قول سياسي قد يرضي الجماهير ولكنه لا يعبر عن الواقع.
ويدفعنا هذا إلى الاعتقاد بأن النص كما جاء في الدستور المصري كان مزايدة سياسية أكثر منه تقديرًا لما يمكن أن يحدث في الواقع مهما خلصت النوايا. وقد كان النص يخدم الغرض منه بصورة أوضح لو أنه طالب المشرع بأن «يستلهم في التشريعات التي يصدرها مبادئ الشريعة وقيمها العليا»، أو حتى إن ذهب إلى أبعد من ذلك وطالب بأن «لا يخالف التشريع مبادئ الشريعة وقيمها العليا»، دون التزيد بما لا يمكن أن يحدث عملًا.
والحقيقة أن القانون المدني المصري قد عالج هذه المسألة على نحو أفضل بعد أن كان المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وهو حجة في القانون والشريعة، قد توافر على بحثها سنوات طويلة ثم جاء بالحل الذي بحث تفصيلًا في مجلس الشيوخ من جانب أساتذة أجلاء والذي يتمثل في شقين: أولهما أن يأتي حكم القانون متفقًا مع حاجات العصر وغير مخالف لمبادئ الشريعة كما فهمها الفقهاء المتحررون، وثانيهما أن يحكم القاضي في المسائل التي لا يرد فيها نص في التشريع طبقًا لأحكام الفقه الإسلامي ومبادئ القانون الطبيعي والعدالة.
ومن الممكن أن يأخذ الدستور الجديد بما أخذ به القانون المدني المصري في مادته الأولى، ويبعد هذه المسألة عن المزايدات السياسية، وإن كان الأفضل ترك هذا النص في مكانه الطبيعي وهو مطلع مجموعة القانون المدني. ولا يسع المرء أن يتساءل: إذا كانت هذه المسألة قد فصلها القانون المدني منذ فترة طويلة، بطريقة معقولة، فلماذا أثيرت في عام 1980 عند تعديل الدستور؟ ولماذا يثار كل هذا الضجيج حولها في الوقت الحاضر؟
إن أحدًا لا يجادل في أن الفقه الإسلامي هو مصدر عظيم يمكن أن تُستمد منه حلول قانونية لكثير من المشاكل. وإذا كان من الممكن أن نقول: إن القوانين المصرية في مجملها لا تخالف الشريعة، فإن من المبالغة حقًا أن نصف ما يحدث في الواقع بأنه وضع أصبحت فيه مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي لكل تشريع جديد. وإذا كان هذا هو الواقع، فلماذا نضع أحكامًا هي من قبيل المباهاة الكلامية بدلًا من الأحكام التي يمكن أن يستلهمها التشريع والقضاء دون عناء؟
لا شك عندي في أن المطالبة بتطبيق الشريعة قد أصبحت رمزًا لاتجاه سياسي. وهو رمز يعرف أصحاب هذا الاتجاه أن له وقعًا لدى الجماهير فيستغلونه لجلب التأييد السياسي، وليس لمجرد الاقتناع بجدواه أو واقعيته أو لأن نتائجه سوف تختلف كثيرًا عما هو كائن فعلًا. ولو كانت هذه المطالبة تصدر فقط عن خشية الله والإيمان به لكان الأجدى أن تذهب إلى أن يراعي المشرع فيما يصدره من تشريع المبادئ العامة والقيم الأساسية التي نص عليها القرآن وأكدتها السنة المتواترة، وأن يحكم القضاء فيما لا يرد فيه نص تشريعي بأحكام الشريعة التي تتفق مع الظروف المعاصرة، وهو ما أخذ به القانون المدني المصري منذ صدوره في عام 1949. ولم يجرؤ أحد على الادعاء بأن هذا القانون يخالف الشريعة إلا بما أثير حول المادة 226 منه التي تقرر فوائد تأخيرية على من يتخلفون عن أداء التزاماتهم المالية. إلا أن هذه المادة أبعد ما تكون عن الربا الذي نهى عنه القرآن، بل ولا تستقيم المعاملات في المجتمع الحديث بغيرها، لكن الذين يتخلفون عن أداء التزاماتهم مخالفين أمر الله بالوفاء بالعهد واحترام العقد لا يترددون في استخدام الدين لتبرير مخالفاتهم، مستغلين في ذلك جهل من لا يعلمون وخوف من يعلمون.
كذلك فإن قانون العقوبات المصري يجرّم جميع الأفعال التي وصفها القرآن الكريم بأنها «حدود الله» وإن كان يضع لها عقوبات وجدها تتفق مع ظروف العصر وإن اختلفت بعضها عن العقوبات (الحالّة الآنية) التي كانت تتفق مع الأوضاع عند نزول هذه الأحكام.
ولن يحسم هذا الأمر إلا إذا تصدى له العارفون بعلم القانون وفقه الشريعة بشجاعة وإخلاص، حتى يأتي الدستور الجديد حاميًا للحريات والحقوق العامة التي تنص عليها الدساتير الحديثة ولا يجوز حرمان المصريين منها، وحتى تأتي أحكام هذا الدستور متفقة مع الإطار الذي يسمح لمصر بالانطلاق إلى الأمام في كل المجالات ولا يثقلها بقيود لم يعد لها مبرر في العصر الحديث، خاصة وأن من الممكن أن يتم ذلك كله مع الاحترام الكامل لدين الله وصراطه المستقيم.
وقد آن الأوان لمن يمارسون السياسة أو يتطلعون إلى ممارستها لأن يتحملوا المسئولية الشخصية عن أقوالهم وأفعالهم، وعن منجزاتهم وأخطائهم، بدلًا من أن ينسبوا كل ذلك زورًا إلى الله جل شأنه، وبدلًا من أن يحاولوا سلب الناس حرياتهم باسم الدين. كما آن الأوان لهم أن يسموا السياسة باسمها ويقبلوا ما تحتمله من تقلبات، بدلًا من خلطها طوال الوقت بالدين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه.
وإنني إذ أعالج المسألة بهذه الصراحة، أعرف أنها قد تثير استياء من لا يفهمون ما كتبته على وجه صحيح، لكني أصدر في ذلك عن إيماني العميق بالإسلام الذي يدعوني إلى قول ما أعتقد أنه الصواب وليس إلى مسايرة التيار، كما أصدر في ذلك عن إيماني بضرورة الاستفادة من التقدم الإنساني في علم القانون وفي الحقوق والحريات الدستورية التي لا ينبغي التفريط فيها إرضاء لمن يولعون باستغلال الدين لأغراض سياسية أو شخصية.
لتحميل ملف الدراسة (هنا)
* د. إبراهيم شحاتة، جزء مستل من كتابه: "وصيتي لبلادي (النص الكامل)"، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة مكتبة الأسرة)، 2001م، ص276- 283.
** يُعد الدكتور إبراهيم شحاتة (1937-2001) واحدًا من أبرز الفقهاء القانونيين والمفكرين العرب في جيله، حيث جمع ببراعة بين الخبرة القانونية والاقتصادية والموهبة الأدبية. وُلد في محافظة الدقهلية عام 1937، وتخرج في حقوق القاهرة عام 1957 وكان أول دفعته، ثم نال الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة هارفارد عام 1964. تقلد شحاتة مناصب دولية رفيعة، كان أبرزها توليه منصب النائب الأول لرئيس البنك الدولي للشؤون القانونية عام 1983، حيث لعب دورًا محوريًا في تأسيس "الوكالة الدولية لضمان الاستثمارات" (ميجا). وقبل ذلك، كان له فضل كبير في تفعيل "الصندوق الكويتي للتنمية"، كما شغل منصب مدير عام "صندوق الأوبك للتنمية" في فيينا. عُرف شحاتة بمواقفه الفكرية الصلبة المنحازة للديمقراطية، والحريات العامة، والإصلاح الإداري، ومحاربة الفساد الذي كان يراه عائقًا استراتيجيًا أمام نهضة مصر. وقد توج مسيرته الفكرية بكتابه الشهير "وصيتي لبلادي"، الذي طرح فيه مشروعًا شاملًا للإصلاح، محللًا الخيارات المتاحة أمام مصر (السير للخلف، أو الوقوف محلك سر، أو السير للأمام). وإلى جانب نبوغه المهني، كان يحمل في أعماقه روح شاعر، وله أعمال شعرية وموهبة في صياغة الصور البديعة، مما جعله شخصية نادرة المثال تجمع بين دقة القانوني ورقة الشاعر.
*** المقصود هنا هو دستور 1971م الذي أُلّفَ الكتابُ في ظله.
[1] يلاحظ أن الدستور المصري يتضمن أحكامًا أخرى تبدو فيها الدولة محايدة تمامًا في المسائل الدينية. فالمادة 40 تنص على أنه "المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب.. الدين.." والمادة 46 تنص على أن "تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية" دون أي قيد في الدستور.
[2] ينص دستور إيران على أن حكومة إيران «جمهورية إسلامية» ( المادة ١)، وأن الجمهورية الإسلامية نظام يقوم على أسس من بينها الإيمان بالله الواحد وسيادته المطلقة ، والواجب الإلهي ودوره الأساسي في وضع القوانين، والعودة إلى الله في اليوم الآخر وعدالة الله في الخلق والتشريع، و«الأمانة المستمرة والرشاد الدائم ودورهما في ضمان العمل المستمر لثورة الإسلام»، وكرامة الإنسان وحريته و مسئوليته أمام الله حيث تتحقق له العدالة والاستقلال والتضامن الاجتماعي عن طريق الاجتهاد المستمر للفقهاء الذين تتوافر فيهم المؤهلات والذي يمارس طبقا للقرآن و«سنة المعصومين عليهم السلام» (المادة ٢)، كما تنص المادة ٤ من هذا الدستور على أن «كل القوانين واللوائح الدينية والجنائية والمالية والاقتصادية والإدارية والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها يجب أن تتأسس على معايير إسلامية. ويطبق هذا المبدأ بصورة مطلقة وعامة على كل مواد الدستور وكل القوانين واللوائح ويعتبر فقهاء المجلس الوصائي حكما في هذا الأمر». وتعطي المادة ١٧٦ لقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي التي يقرّها الولي الفقيه سلطة واسعة في شئون السياسة والاستخبارات والشئون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تتعلق بالسياسات العامة للدفاع والأمن.
وتنص المادة ٥ على أنه «أثناء اختفاء والي العصر (أسرع الله في عودته) تؤول ولاية الأمة وقيادتها إلى الفقيه العادل المتقي الذي يلم إلماما كاملا بظروف عصره والذي يتمتع بالشجاعة والعلم والقدرة على الإدارة وتحمل مسئولياته طبقا للمادة ١٠٧»؛ ويتم اختيار هذا الولي الفقيه من جانب مجموعة صغيرة من الخبراء طبقا لهذه المادة»، وقد كان هذا الفقيه هو الإمام الخميني وخلفه الإمام خامنئي. وقد جاء في المادة ١٢ من هذا الدستور أن «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنى عشري في أصول الدين والفقه ويبقى هذا المبدأ إلى الأبد». كذلك ينص النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية على أن المملكة «دولة عربية إسلامية ذات سيادة عامة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ...»، وتنص المادة ٦ منه على أن «يبايع المواطنون الملك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره»، والمادة ٧ على أن « يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة»، والمادة ٨ على أن «يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية».
ويأتي النص على أن الإسلام دين الدولة في دساتير معظم الدول العربية ويضيف دستور المغرب (المادة ١٩) أن «الملك، أمير المؤمنين والممثل الأعلى للأمة ... يكفل تطبيق الإسلام». ويندر في دساتير الدول غير العربية أن نجد نصوصا ذات طابع ديني مماثل وإن كانت دساتير بعض الدول الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية تتضمن نصوصا بشأن «دعم الديانة الكاثوليكية» (دستور الأرجنتين، مادة ٢) أو الاعتراف بالكنيسة الكاثوليكية (دستور بيرو، المادة ٧/١). كما ينص دستور السويد الذي يتكون من عدد من القوانين الأساسية بدأت في عام ١٨٠٩ وكان آخر تعديلاتها في عام ١٩٨٩، على أن «مذهب لوثر هو الدين الرسمي للدولة».
وعلى العكس من ذلك نجد دساتير الديموقراطيات الغربية العتيقة تنفي أي طابع ديني للدولة، فينص الدستور الفرنسي (١٩٥٨) على أن فرنسا ... دولة علمانية (المادة ٢/٢) وينص الدستور الأمريكي على الفصل بين الدولة والكنيسة (التعديل الأول، ١٧٩١): «يمتنع على الكونجرس إصدار قانون فيما يتعلق بإنشاء دين (للدولة)». راجع أيضا دستور جمهورية التشيك (المادة ٢) «تتأسس الدولة على القيم الديموقراطية ولا يجوز ربطها بأيديولوجية خاصة أو بدين معين».
[3] راجع الجزء الأول من كتاب "وصيتي لبلادي"، الفصل الأول.
[4] الحكم الصادر بتاريخ ٤ مايو ١٩٨٥، في الدعوى رقم ٢٠ لسنة ١ ق دستورية، والحكم الصادر في ١٩ يونيو ١٩٨٨ في الدعوى رقم ٣٦ لسنة ٢ ق دستورية. وقد جاء في الحكم الأول «أن سلطة التشريع اعتبارًا من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور في ٢٢ مايو ١٩٨٠ أصبحت مقيدة فيما تسنه من تشريعات مستحدثة أو معدلة لتشريعات سابقة على هذا التاريخ، بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية وبحيث لا تخرج في الوقت ذاته عن الضوابط والقيود التي تفرضها النصوص الدستورية الأخرى على سلطة التشريع في صدد الممارسة التشريعية».
[5] الحكم الصادر في ١٩ يونية ١٩٨٨، المرجع السابق. وفي معرض قولها بأن نص المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها سنة ١٩٨٠ لا ينصرف سوي إلى التشريعات التي تصدر بعد تاريخ هذا التعديل، أضافت المحكمة الدستورية العليا أنه «إذا انطوى أي (من هذه التشريعات) على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية». وتعتبر هذه الإضافة، من الناحية القانونية الصرفة من قبيل ما يسمى باللاتينية Obiter dictum بمعنى أنها «عبارة عابرة» لم تكن لازمة في مجال الحكم الصادر بدستورية النصوص المطعون فيها، وهي على أي حال لا تستند مباشرة إلى ما جاء في نص الدستور، فهذا النص لا يتكلم عن «مخالفة دستورية» وإنما يقرر فقط أن مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع وليست «المصدر الوحيد» كما أوضحنا. وقد اعتمدت المحكمة في هذه النتيجة، كما فعلت من قبل في الحكم الصادر في ٤ مايو ١٩٨٥، على تفسير النص بحسب نية من كتبوه في لجنة مجلس الشعب وليس بناء على التفسير الموضوعي له أي المعنى العادي لألفاظه، وقد جاء تكرار لهذا «التفسير الشخصي» في تقرير اللجنة العامة لمجلس الشعب بتاريخ ١٥ سبتمبر ١٩٨١.
[6] المرجع السابق. (وكذلك الحكم الصادر في ٤ من أبريل ١٩٨٧ في الدعوى رقم ١٤١ لسنة ٤ ق دستورية، وفي ٦ من يونيو ١٩٨٧ في الدعوي رقم ١٢٥ لسنة ٦ ق دستورية، في ٢ أبريل ١٩٨٨ في الدعوى رقم ٤٥ لسنة ٣ ق دستورية، وفي ٤ من نوفمبر ١٩٨٩ في الدعوى رقم ٣٥ لسنة ١٠ ق دستورية، وفي ٣ من فبراير ١٩٩٠ في الدعوى رقم ١٧ لسنة ٨ ق دستورية، وفي ٥ من يناير ١٩٩١ في الدعوى رقم ٣٣ لسنة ١٠ ق دستورية.
[7] الحكم الصادر في ٤ من مايو ١٩٨٥، المشار إليه في هامش ١٧، ويلاحظ هنا أيضا التزيد من جانب المحكمة الذي سبق ملاحظته في الهامش رقم ١٨.
[8] الحكم الصادر في ٣ من أبريل ١٩٧٦ في الدعوى رقم ١٠ لسنة ٦ ق دستورية.
[9] المرجع السابق. ويلاحظ أن قول المحكمة «إن طاعة ولي الأمر واجبة فيما ليس فيه مخالفة للشرع (بمعنى الشريعة) ولا معصية» هو أيضا Obiter dictum لا تستند إلى نص المادة الثانية من الدستور في ذاتها، وقد يتعارض هذا القول على أي حال مع قول المحكمة بأن أحكام التشريعات السابقة على مايو ١٩٨٠ تظل واجبة الاتباع (ولو كانت مخالفة للشريعة). ويلاحظ أن العبارات العابرة ذات الطابع الديني قد انتشرت في أحكام القضاء المصري في السنوات الأخيرة وإنما نتيجة للتحول العام في العقلية المصرية وانتشار الفكر الذي يرفع الشعارات الدينية منذ عام ١٩٧١ واتجاه الكثيرين إلى إرضاء هذا التيار.
[10] المرجع السابق، مقتبسا من المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية.