أحكام الرجوع في عقد الهبة

By لامية ركابي كانون1/ديسمبر 25, 2025 569 0

هذه دراسة أكاديمية تقدّمت بها الطالبة لامية ركابي عام 2021م لنيل شهادة الماجستير في الحقوق من كلية الحقوق والعلوم السياسية- جامعة محمد خيضر بسكرة- الجزائر، تحت إشراف الدكتور دبابش عبد الرؤوف، وجاءت بعنوان: «أحكام الرجوع في عقد الهبة».

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كون الهبة تصرّفًا قانونيًا ينقل الملكية بلا عوض حال الحياة، الأمر الذي يثير إشكاليات دقيقة ذات أبعاد قانونية وشرعية عند رغبة الواهب في الرجوع عمّا وهبه.

وتهدف الدراسة إلى تحليل ماهية عقد الهبة، وبيان شروط انعقاده وصحته، مع تركيز خاص على مسألة الرجوع في الهبة من حيث مفهومه، وحكمه الشرعي والقانوني – ولا سيما في التشريع الجزائري – مع الوقوف على الأعذار المبيحة للرجوع، والموانع التي تحول دونه، فضلًا عن الآثار القانونية والشرعية المترتبة عليه.

 

أولًا: ماهية عقد الهبة وتمييزه عن غيره

استهلت الباحثة الدراسة بتعريف عقد الهبة لغة واصطلاحًا، حيث استعرضت تعريفات المذاهب الفقهية الأربعة التي اتفقت في مجملها على أنها تمليك بلا عوض حال الحياة. وتناولت تعريف المشرع الجزائري في المادة 202 من قانون الأسرة الذي عرَّفَهَا بأنها "تمليك بلا عوض"، مع جواز اشتراط الواهب لالتزام معين. تميزت الهبة بخصائص محددة كونها عقدًا بين الأحياء، وتصرفًا بلا عوض (تبرعيًا)، ووجوب توافر نية التبرع بشقيها المادي والمعنوي، بالإضافة إلى كونها عقدًا شكليًا وعينيًا في بعض الحالات.

انتقلت الدراسة لتمييز عقد الهبة عن التصرفات القانونية المشابهة. فميزتها عن التصرفات الصادرة من جانب واحد كالوصية؛ إذ إن الهبة عقد بين أحياء وتنجز حال الحياة، بينما الوصية مضافة لما بعد الموت وتنعقد بإرادة منفردة. كما ميزتها عن الوقف الذي هو حبس للعين وتسبيل للمنفعة بخلاف الهبة التي هي تمليك للعين، وعن الإباحة التي هي مجرد إذن بالانتفاع. وفي سياق التصرفات الصادرة من جانبين، ميزت البحث بين الهبة والبيع الذي يشترط فيه المقابل المادي، وبين الهبة والعارية التي لا تنقل الملكية بل تبيح الانتفاع فقط.

 

ثانيًا: إنشاء عقد الهبة وشروط صحته

تطرقت الدراسة لأركان انعقاد الهبة، وهي التراضي (الإيجاب والقبول)، والمحل، والسبب، والشكل، والحيازة. ركز البحث على "الشكلية" في القانون الجزائري، حيث تُعد الهبة عقدًا شكليًا في العقارات تتطلب التوثيق الرسمي تحت طائلة البطلان، بينما في المنقولات تتطلب إجراءات خاصة أو الحيازة. واعتبرت الحيازة ركنًا جوهريًا يتم بوضع اليد والسيطرة المادية، وقد تغني الإجراءات التوثيقية والإدارية عن الحيازة المادية إذا كان الواهب وليًا للموهوب له أو زوجه أو كان المال مشاعًا.

فيما يخص شروط الصحة، ركزت الدراسة على الأهلية، حيث اشترط القانون في الواهب العقل وبلوغ 19 سنة وعدم الحجر، معتبرًا الهبة تصرفًا ضارًا ضررًا محضًا. كما أشارت إلى بطلان هبة المريض مرض الموت واعتبارها وصية. وتناولت عيوب التراضي من غلط، وتدليس، وإكراه، واستغلال، والتي تجعل العقد قابلًا للإبطال.

 

ثالثًا: مفهوم الرجوع في الهبة وحكمه

تناول البحث تعريف الرجوع في الهبة باعتباره عودة الواهب في هبته لاستردادها، وناقش طبيعته القانونية. خلصت الدراسة إلى أن الرجوع بالتقاضي يُعد فسخًا للعقد عند البعض، لكنه يختلف عن الفسخ لكونه حقًا شخصيًا للواهب وليس جزاءً لإخلال تعاقدي، كما لا يمكن تكييفه كإلغاء أو إقالة بشكل مطلق. يتم الرجوع إما بالتراضي بين الطرفين (بمثابة إقالة) أو بالتقاضي عند عدم الاتفاق.

أما عن حكم الرجوع، فقد استعرضت الدراسة الخلاف الفقهي؛ حيث يرى الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) عدم جواز الرجوع في الهبة إلا للوالد فيما وهب لولده، استنادًا لأحاديث نبوية تشبه الراجع في هبته "كالكلب يعود في قيئه"، بينما يرى الحنفية جواز الرجوع (مع الكراهة) إلا لمانع. وقد تبنى المشرع الجزائري رأي الجمهور في المادة 211 من قانون الأسرة، قاصرًا حق الرجوع على الأبوين فقط، مما يعني منع الرجوع لغيرهما.

 

رابعًا: أعذار الرجوع في عقد الهبة

بحث الدراسة في مسألة اشتراط "العذر" لصحة الرجوع. فقهًا، انقسم الرأي بين من يشترط وجود مبرر (عذر) لرفع الكراهة عن الرجوع، ومن يرى أن الحق مطلق ما لم يوجد مانع. أما تشريعيًا، فقد سلك المشرع الجزائري مسلكًا مغايرًا للتشريعات المقارنة (كالمصري والفرنسي)؛ إذ لم يشترط على الأبوين تقديم أي عذر أو مبرر للرجوع في الهبة، مكتفيًا بانتفاء الموانع، وذلك لأن الأب لا يُتهم في شفقته على ابنه.

في المقابل، أوضحت الدراسة أن التشريعات الأخرى كالقانون المصري والفرنسي تشترط "أعذارًا مقبولة" لرجوع الواهب، مثل: جحود الموهوب له (الاعتداء على حياة الواهب أو إهانته)، أو عجز الواهب عن توفير أسباب المعيشة لنفسه، أو أن يرزق الواهب بولد بعد الهبة لم يكن موجودًا.

 

خامسًا: موانع الرجوع في عقد الهبة

خصصت الدراسة حيزًا لموانع الرجوع التي تسقط حق الواهب في استرداد الهبة. في الفقه الإسلامي، توسع الحنفية في الموانع (موت أحد الطرفين، هلاك الشيء، الزوجية، القرابة المحرمة، العوض، إلخ). أما المشرع الجزائري، فقد حصر موانع رجوع الأبوين في ثلاث حالات رئيسية وردت في المادة 211: (1) إذا كانت الهبة من أجل زواج الموهوب له، (2) إذا كانت لضمان قرض أو قضاء دين، (3) إذا تصرف الموهوب له في الشيء (بيع، تبرع) أو ضاع منه أو غير طبيعته.

قارنت الدراسة ذلك بالتشريع المصري الذي أورد ثمانية موانع، منها الزيادة المتصلة في الموهوب، موت أحد الطرفين، والزوجية وقت الهبة، وكون الهبة لذي رحم محرم، وهلاك الشيء الموهوب. وأوضحت الدراسة أن المشرع الجزائري أخذ بمذهب جمهور الفقهاء في تقييد الرجوع وحصره في الأبوين، ولكنه وضع موانع محددة تضمن استقرار المعاملات.

 

سادسًا: الآثار المترتبة على الرجوع

في القسم الأخير، ناقشت الدراسة الآثار الناتجة عن الرجوع. فيما بين المتعاقدين، يترتب على الرجوع اعتبار الهبة كأن لم تكن، ويلتزم الموهوب له برد العين الموهوبة إلى الواهب. إذا هلك الشيء بفعله وجب التعويض، أما الثمرات فلا يردها إلا من تاريخ الاتفاق أو رفع الدعوى. بالمقابل، يحق للموهوب له استرداد المصروفات الضرورية (للحفظ والصيانة) والنافعة (بقدر ما زاد في القيمة)، أما المصروفات الكمالية فلا يرجع بها.

وبالنسبة للغير، أكدت الدراسة أن الرجوع ليس له أثر رجعي يضر بحقوق الغير حسن النية. فإذا تصرف الموهوب له في الشيء تصرفًا نهائيًا (كالبيع)، يمتنع الرجوع أصلًا في القانون الجزائري. أما إذا رتب عليه حقًا عينيًا (كالرهن)، فإن القواعد العامة هي التي تطبق لعدم وجود نص صريح، حماية لاستقرار المعاملات.

 

خاتمة

خلص البحث إلى أن المشرع الجزائري اعتبر الهبة عقدًا ناقلًا للملكية، وضيّّق نطاق الرجوع فيها بجعله حقًا استثنائيًا للأبوين فقط دون غيرهما، ودون اشتراط عذر، ما دامت لم تتحقق إحدى موانع الرجوع المنصوص عليها قانونًا، وذلك توفيقًا بين أحكام الشريعة الإسلامية وضرورات استقرار المعاملات المالية.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 27 كانون1/ديسمبر 2025 12:48

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.