يتناول هذا البحث ظاهرة التفاعل الحضاري في التراث العربي السياسي من خلال دراسة منجز عبد الله بن المقفع كنموذج تطبيقي، ويدرس كيفية اقتباس وإعادة صياغة الأفكار السياسية الهندية والفارسية ضمن السياق العربي‑الإسلامي الناشئ، وتأثير ذلك على تكوين الوعي السياسي في الدولة العبّاسية. يبرز البحث أهمية هذا الموضوع ضمن أعمال المؤتمر العلمي الدولي الثاني «الحضارة الإنسانية في التراث العربي والإسلامي: أصالة الأثر–عالمية التأثير»، الذي انعقد في كلية البنات الإسلامية بجامعة الأزهر (فرع أسيوط)، في 8–9 فبراير 2025، حيث يُسلّط البحث الضوء على مساهمة ابن المقفع في نقل الحكمة السياسة القديمة وإثراء الفكر السياسي الإسلامي.

تبدأ الدراسة بمقدمة تتناول دوافع اختيار الموضوع، مبينة كيف أصبح التفاعل الحضاري عاملًا جوهريًا في نشأة الفكر السياسي العربي الإسلامي، خصوصًا في العصور الأولى للدولة العبّاسية. وتحدد هذه المقدمة إشكالية البحث، المتمثلة في قلة الدراسات المعمّقة التي تربط بين منابع الحكمة الهندية‑الفارسية وعناصر الخطاب السياسي عند ابن المقفع، رغم الأهمية الكبرى لهذه الظاهرة في مسار التطور السياسي الإسلامي.

يعتمد البحث منهجًا وصفيًّا–تحليليًّا يجمع بين استظهار الخلفية التاريخية والثقافية لنشأة ابن المقفع، ثم تحليل نصوصه السياسية الرئيسية من ناحية المصادر والتأثير، ومعاينة آليات الاستلال والتحويل الأدبي. ويستخدم في ذلك مصادر أولية (النص العربي لابن المقفع) وثانوية (ترجمات وقراءات ناقدة) لتكوين رؤية شاملة ومتوازنة عن التفاعل الحضاري في كتاباته.

 

ينقسم البحث إلى مبحثين رئيسيين:

المبحث الأول يركز على نشأة ابن المقفع الفكرية وأثر بيئته الفارسية‑الإسلامية في توجيه اهتمامه السياسي، مع إبراز العوامل الاجتماعية والثقافية التي صاغت رؤيته.

المبحث الثاني يعالج آليات التأثر والتأثير الحضاري في منجزه السياسي، مبينًا كيف نقل الأفكار (انتقاءً وصياغةً) من مصادر هندية وفارسية وصاغها ضمن إطار عربي، ثم قيّم أثر هذه الإضافات على الفكر السياسي اللاحق في الفضاء الإسلامي والأوروبي.

في الطور الختامي للبحث، تُعرض النتائج التي توصل إليها الباحث د. أحمد لطفي السيد، من أبرزها: وجاهة اعتبار ابن المقفع جسرًا حضاريًا فعالًا لصالح تطور الفكر السياسي الإسلامي، وفاعلية الأسلوب الرمزي في تجاوز ضوابط الرقابة السياسية آنذاك، وديمومة تأثير نصوصه في العصور الوسطى الأوروبية. كما يقترح البحث توصيات بضرورة توسيع نطاق الدراسة لتشمل شخصيات عربية‑إسلامية أخرى ونصب أبحاث مستقبلية على دراسة تداعيات هذه التراكمات الحضارية في الفكر السياسي الغربي.

ثم تختتم الدراسة بخاتمة تلخص أهم الأفكار وتعيد التأكيد على القيمة العلمية للبحث في إطار المؤتمر، وتدعو إلى تفعيل التعاون البحثي بين تخصصات التاريخ، والعلوم السياسية، والأدب المقارن، لضمان استمرارية استكشاف دقيق لآليات التفاعل الحضاري التي شكّلت عمق التراث السياسي العربي والإسلامي.

 

رابط تحميل ملف البحث

* دكتوراه في الفقه السياسي بكلية الحقوق، جامعة الزقازيق.

في ظل التطورات المستمرة التي يشهدها قطاع الوقف الإسلامي على مستوى العالم، تبرز الحاجة لمؤسسات وقفيةٍ قادرةٍ على الجمع بين الالتزام بالضوابط الشرعية ومتطلبات الحوكمة الحديثة. تهدف هذه الدراسة إلى تقييم دور الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت كنموذج عملي في حفظ الكليات المقاصدية الخمس -حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال– من خلال تحليل سياساتها ومشروعاتها الوقفية وبيان مدى مطابقتها لترتيب مراتب المقاصد (الضروري، والحاجي، والتحسيني). وقد حصل أصل هذه الرسالة على درجة الماجستير في تخصص الفقه وأصوله من قسم الفقه وأصوله بكلية الشّريعة والدراسات الإسلاميّة بجامعة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1442 ه/ 2021م.

اعتمدت الدراسة منهجًا استقرائيًا – وصفيًا؛ حيث استُخلصت قواعد المقاصد من مصادر الفقه الإسلامي، ثم وُضعَت موضوعةً على المحكّ بتطبيقها على بيانات الأمانة العامة للأوقاف (خططها، ومستنداتها، وتقاريرها)، مع رصد نقاط القوة ونواحي التطوير. وترتكز الدراسة على فرضية وجود ارتباط وثيق بين ضوابط الشريعة وأداء المؤسسات الوقفية، وترى أن حُسن تطبيق هذه الضوابط يرفع من كفاءة الوقف ويسهم في تحقيق أهدافه التنموية والاجتماعية.

تأتي أهمية البحث من كونه يجمع بين النظرية الفقهية والتطبيق العملي لمؤسسة وطنية رائدة تأسست عام 1993، ويقدّم جملة من التوصيات المبنية على معايير المقاصد الشرعية والحوكمة المعاصرة. وبهذا، يسدُّ البحث ثغرةً في الأدبيات الداعمة لتطوير التشريعات الوقفية -لا سيما قانون الشركات الوقفية المعاصرة- ويضع أسسًا واضحة لترتيب الأولويات في المشاريع الوقفية وفق مراتب المقاصد، معزّزًا بذلك الاستدامة المالية والاجتماعية للوقف.

انطلق بحث مريم عبد الله الشريف من قناعةٍ راسخة بأهمية الوقف الإسلامي كأحد أبرز أدوات التكافل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية في شتى عصور المسلمين. وقد حرصت الباحثة على رصد الإطار الفقهي الذي يحكم عمل المؤسسات الوقفية، ثم بيّنت كيف توظف الأمانة العامة للأوقاف في الكويت هذه الضوابط لتحقيق غايات الشريعة العليا. وتنبع أهمية الدراسة من كونها تربط بين الأصول الشرعية لوقف الأموال وبين متطلبات الاستدامة والحوكمة الحديثة، فتقف على النقاط التي يعالج فيها الوقف مشكلات المجتمع، وتعرض كيفية ترتيب الأولويات بين المشروعات وبما يضمن تحقيق «الضروري» ثم «الحاجي» فالـ«تحسيني» من مقاصد الشريعة الخمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.

 

إشكالية البحث ومنهجه:

طرحت الباحثة سؤالها الأساس حول مدى التناسق بين مقاصد الشريعة ومقررات الأمانة العامة للأوقاف في الكويت، مستقصية أثرها في تحقيق الصالح العام. انبنى منهج الدراسة على الاستقراء الوصفي: استقراء نصوص الفقه في تحديد مراتب المقاصد، ثم دراسة خطط وعقود ومشروعات الأمانة، وتقويمها أمام تلك المعايير الشرعية. وقد أوجد هذا المنهج ربطًا مباشرًا بين النظرية الفقهية والتطبيق الواقعي، مبيّنًا جوانب القوة والضعف في أداء الأمانة تجاه حفظ الأصول الخمسة للوقف.

 

أهداف الدراسة وأهميتها:

سعت الرسالة إلى صياغة «قواعد مقاصدية» تُقاس بها مشروعات الأمانة ووظائفها، وإبراز العلاقات البنيوية بين أدوار الوقف ومقاصد الشريعة الخمسة، لا سيما في إطار مؤسسة حكومية كبرى. ويكمن أهمّ مردوداتها في: أولًا، تعزيز الوعي المقاصدي لدى القائمين على الوقف؛ ثانيًا، بلورة صيغة مسوّدة لقانون «الشركات الوقفية المعاصرة» تتوافق مع خصوصيات الوقف وأحكامه؛ ثالثًا، تقديم خطة توصيات تنفيذية تعالج أوجه القصور في النظم واللجان والإدارات المختلفة، فتسهم في رفع مستوى الحوكمة والشفافية، وتزيد من مردود الوقف الاجتماعي والاقتصادي.

 

أهم نتائج الدراسة:

أوضحت الدراسة أن علماء الفقه قسموا مقاصد الشرع إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، وأن الوقف يخدم هذه المقاصد جميعًا؛ فهو يمنع الفقر (حفظ النفس)، وينشر العلوم والثقافة (حفظ العقل)، ويحفظ أصول المال وينميها (حفظ المال)، ويعزز التراحم والتكافل الاجتماعي (حفظ النسل)، ويبقى منبرًا لبث الوعي الديني (حفظ الدين). كما سلّطت الضوء على أن الأمانة العامة للأوقاف في الكويت، منذ تأسيسها عام 1993، أبدعت في تأسيس صناديق وقفية متعددة، وأطلقت مشروعات تنموية صحية وتعليمية وعلمية، لكنها أحيانًا تميل إلى التوزيع المتكافئ على جميع المصارف دون ترتيبها وفق مراتب المقاصد، مما قد يقلب ترتيب الأولويات. كذلك رصدت رسالتها أن الأمانة غفلت –في بعض الأحيان– من تفعيل دورها الإعلامي والتوثيقي والعلاقات الخارجية، الأمر الذي يحدّ من انتشار تجربتها وقواعدها المقاصدية على نطاق أوسع.

 

التوصيات العملية

في ضوء معالجاتها، دفعت الباحثة عدة توصيات من شأنها رفع فعالية الأمانة في الحفاظ على الكليات الخمس:

  • التعليم المقاصدي والتدريب الشرعي لجميع العاملين، عبر دورات ومحاضرات مستمرة لتعميق فهم مراتب المقاصد وكيفية ترتيب المشروعات.
  • اعتماد المقاصد معيارًا رئيسًا في قرارات اللجان الشرعية، بما يضمن ترجيح ما يخدم الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات.
  • ترتيب المشروعات الوقفية وفق أولويات المقاصد، فتُعطى أولوية -على سبيل المثال- لمشروعات الأمن الغذائي والصحي قبل التوسعات الزخرفية.
  • تفعيل الإدارة الإعلامية والرقمية بنشر منشورات ثنائية اللغات عبر موقع إلكتروني مخصص وصفحات تواصل اجتماعي، لتعريف المسلمين ودول العالم بتجربة الكويت الوقفية.
  • مراجعة التشريع الوقفي وإعداد مشروع قانون للشركات الوقفية المعاصرة يواكب خصوصية الوقف وآليات التمويل الإسلامي المعاصر.
  • تعزيز الصناديق الوقفية المتخصصة (كالدعوة والإغاثة، وتنمية القرآن الكريم) بربط ميزانياتها مباشرةً بالمقاصد الشرعية وقياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي عبر مؤشرات أداء محددة.

 

 وختامًا، فإن هذه الدراسة تشير إلى أن الوقف يشكل منظومة متكاملة ربانية تقودها مقاصد الشريعة في حفظ مقومات الحياة والكرامة الإنسانية. وإلى أن المؤسسات الوقفية الحكومية، وعلى رأسها الأمانة العامة للأوقاف في الكويت، تتحمل مسؤولية كبرى في صون هذه المقاصد وتفعيلها، بما يجمع بين الالتزام الشرعي ومتطلبات التنمية المعاصرة. ولئن حققت الكويت تجربتها الريادية منذ 1993، فإن الفرص لا تزال سانحة لمزيد من الإصلاح والتطوير، كي تصبح نموذجًا يُحتذى به في جميع الأقطار الإسلامية.

 

فهرس موضوعات الدراسة:

شكر وتقدير للأمانة العامة للأوقاف

تصدير الأمانة العامة للأوقاف

مقدمة البحث

الفصل الأول: التعريف بمصطلحات الدراسة

المبحث الأول: تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها

المبحث الثاني: تعريف الوقف الإسلامي وبيان مشروعيته وأهميته وأنواعه

المبحث الثالث: التعريف بالأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت

الفصل الثاني: مقاصد الشريعة الإسلامية الخاصة بالوقف

المبحث الأول: المقاصد المتعلقة بحفظ الدين

المبحث الثاني: المقاصد المتعلقة بحفظ النفس

المبحث الثالث: المقاصد المتعلقة بحفظ العقل

المبحث الرابع: المقاصد المتعلقة بحفظ المال

الفصل الثالث: جهود الأمانة العامة للأوقاف في حفظ المقاصد الشرعية الكلية دراسة وتحليل

المبحث الأول: دور بعض الإدارات التابعة لقطاع المصارف الوقفية في تحقيق مقاصد الشريعة

المبحث الثاني: دور بعض الإدارات التابعة لقطاع الإدارة والخدمات المساندة في تحقيق مقاصد الشريعة

المبحث الثالث: دور بعض الإدارات التابعة لقطاع تنمية الموارد والاستثمار في تحقيق مقاصد الشريعة

الخاتمة

الملاحق

قائمة المصادر والمراجع

 

لتحميل ملف الدراسة

 

* نشرت هذه الرسالة ضمن سلسلة الرسائل الجامعية بمشروع "مداد" الوقف، وهو أحد المشروعات العلمية التي تنفذها الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، الدسمة: الطبعة الأولى، 2023م.

** باحثة كويتية. حصلت على درجة الماجستير من كلية الشّريعة والدراسات الإسلاميّة بجامعة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1442ه/2021م. مدير مركز الاستماع، ورئيس قسم الخدمات الخيرية بالأمانة العامة للأوقاف- دولة الكويت.

حين نتأمل حال كثير من الأفكار في عالمنا الإسلامي نجدها تحولت -أو كادت- من مصدر للقوة والنهوض، إلى منبع للشقاق والجمود رغم أننا نمتلك أفكارًا تمثل المرجعية الهادية للبشرية وتُستمد منها، ولكن يبدو أن منهج تعاملنا مع هذه الأفكار يعاني من أزمات أدت إلى هذا التحول البغيض[1].

من أجل هذا بات من المهم أن نتأمل في أحوالنا الفكرية وننظر إليها نظرة شاملة نراجع فيها خطواتنا، ومناهجنا، عن طريق إلقاء الضوء على بعض المشكلات التي تعانيها في عالمنا الإسلامي، حيث نبدأ ببحث مشكلة فكرية حقيقية وهي مشكلة "الشخصنة": "شخصنة الفكرة"[2]، فما هي حقيقة تلك المشكلة، وما هي أهم مظاهرها في عالمنا الإسلامي؟ وما هي مساهمتها في تحول خلافاتنا الفكرية الموضوعية إلى معارك شخصية؟ وهل من ضرورة أو فائدة تعود علينا من وجود شخص تتجسد فيه أفكارنا أم أن هذا يؤدي إلى مخاطر تجعلنا نتمهل في قبول هذه المسألة؟ وما هو موقف المرجعية الإسلامية من شخصنة الأفكار؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى شخصنة الفكرة في بلادنا على الوجه الذي نلمسه جميعًا؟ وهل من سبيل لمعالجة حاسمة لتلك المشكلة؟

 

هذه بعض الأسئلة والإشكالات التي سنحاول أن نناقشها في هذا المقام.. آملين أن نسهم في تقديم ما يساعد على إثارة الانتباه وشحذ الجهود للتخلص من هذا الداء الذي نرى أنه يمثل تحديًا كبيرًا يواجه الوحدة الفكرية المنشودة بين أطياف الأمة المختلفة.  

 

أولًا: ماذا نقصد بشخصنة الفكرة؟

لم أجد تعريفًا محددًا لمسألة الشخصنة فيما اطلعت عليه من مصادر تتناول تلك الإشكالية أو تتعلق بموضوعها[3]، ولهذا اجتهدت في محاولة وضع تعريف مختصر أوضح فيه ما أعنيه بها على الوجه الآتي: شخصنة الفكرة: تحويلها من فكرة مجردة إلى فكرة مجسدة تتمحور في شخص معين، سواء سلبًا أو إيجابًا. وكذلك: ربطها بأمور شخصية خارجة عن موضوعها ومنهجيتها وأصولها وأدلتها، كالعواطف الإنسانية والمصالح الدنيوية والرؤى المذهبية.

وقد عرف المعجم الوسيط "الفكرة" بأنها: "الصورة الذهنية لأمر ما"[4]؛ فهي بطبيعتها أمر معنوي مجرد لا ترتبط بشخص (أو بشيء) خارجها إلا على النحو الذي يساعد على فهمها أو تفسيرها لا أكثر ولا أقل. فإذا اندمجت الفكرة بعالم الأشخاص (وكذلك بعالم الأشياء) فهي لا تنتج -في الغالب- حضارة حقيقية، إلا إذا ظلت منفصلة في الوعي عن الأشخاص، لا تموت بموتهم ولا تتقلب مع تقلباتهم، وتبقى هي الحكم عليهم والميزان الذي توزن به أعمالهم.

ومؤدى هذا أن تجسيد الفكرة في شخص ما لا يعني بالضرورة وجود خطورة على الفكرة وتجريدها بل قد يكون في تجسيدها إضافة قوية لها باعتبار أن حاملها يقوم مقام القدوة التي تؤكد على إمكانية تطبيق الفكرة وتحققها، إلا أن الخطورة تحدث حين يتم التبادل في ذهن الناس بين الفكرة المجردة والشخص الذي تجسدت فيه فتصبح الفكرة طوع تصرفات الإنسان، تُعرف به وتنتهي بتخليه عنها أو بموته، عندئذ تحدث المشكلة محل النقاش.

وشخصنة الفكرة قد تكون بربطها بشخص طبيعي (إنسان)، أو شخص معنوي (حركة، جماعة، حزب، مؤسسة، شعب، عِرق… إلخ)، ولا يُشترط أن يكون الشخص الطبيعي –الذي تتمحور حوله الفكرة- حيًا، أو أن يكون الشخص المعنوي موجودًا بل على العكس من ذلك؛ فقد يكون موت الإنسان (وبالذات استشهاده) سببًا في تقديس أفكاره وجعله معيارًا عليها، يعتبر المخالف لرأيه فيها أو لمنهجه بشأنها خارجًا على الفكر الصحيح نفسه وكارهًا بل ومحاربًا لهذا الإنسان[5]، أو عكس ذلك كله إذا كان صاحب الفكرة من المغضوب عليهم أو الضالين –في نظر المشخصين- فتُحتقَر أو تُبخَس أفكاره الغث منها والثمين[6]!

 

ثانيًا: من مظاهر الشخصنة

يتوجب علينا أولًا أن نؤكد على حقيقة بالغة الأهمية في الموضوع الذي نحن بصدده، ألا وهي أن مرض "شخصنة الفكرة" ليس مرتبطًا بحضارة أو بأمة دون أخرى، بل يعاني منه الناس في العالم أجمع ولكن بنسب متفاوتة؛ فالغرب –على سبيل المثال- يعاني من أنه يجعل من نفسه محور الكون ومركزه، وأن الحكمة متجسدة في الرجل الأبيض وحده، وأن أفكاره معيارية بالنسبة لما ينتجه العالم كله من أفكار، بل إن الآخر نفسه لا يعتبر موجودًا إلا إذا (اكتشفه) الغربيون[7]!

ومن نماذج الشخصنة كذلك ما يتعلق برؤية "اليهود" لأنفسهم على أنهم "شعب الله المختار"، وزعمهم أن الله سبحانه قد فضلهم على العالمين واختارهم ليكونوا أصفياءه من دون خلقه، لا لصفات موضوعية فيهم ولكن لذواتهم، ولهذا فلم يروا إلا أنفسهم وقالوا {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (سورة آل عمران: 75) فحرموا الظلم وسوء الخُلق بينهم فقط وأحلّوه مع غيرهم، فربطوا القيم بذواتهم ومصالحهم وكأنهم هم المعيار عليها[8]!

أما عن عالمنا الإسلامي فعلى الرغم من تميزه عما عداه فإنه يئن هو الآخر تحت وطأة الشخصنة؛ ونورد هنا بعض من المظاهر تمثل أبرز أعراض هذا الداء الدفين الذي لم يسلم منه كثير من المسلمين:

  • الجمود على الموجود وتسييد التقليد:

فالربط بين أخلاق الأولين وتقواهم وبين ما توصلوا إليه من أفكار أحد الأسباب وراء تهيب البعض من مخالفتهم في الأفكار التي انتهوا إليها حتى ولو كان الأولون أنفسهم قد بدلوا فيها في حياتهم ونهوا عن تقليدهم، ولو علم المقلدون والداعون إلى التقليد أن الأفكار ليست وليدة البر والتقوى وحدهما[9]، ولا التقارب الزمني من عصر النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل هي نتاج عوامل كثيرة تختلف باختلافها وتتأثر بوجودها، ومنها الظروف والأحوال والأشخاص والأزمنة والأمكنة… إلخ، ولو أدركوا أن الأولين على عظم قدرهم يخطئون ويصيبون لأنهم ليسوا معصومين، لعلموا أن في تقديس أفكارهم وشخصنتها ظلم لأنفسهم بل ولأصحابها لأنهم ما كانوا ليرضون أن توضع أفكارهم في غير الموضع الذي أرادوا، أو أن يتسبب التمحور حولها في فوات تحقيق مصالح المسلمين بعد أن كانوا ينشدون منها تحقيق تلك المصالح في الدنيا والآخرة فيما لا يخالف نصوص الشريعة ومقاصدها[10].

وكذلك الأمر بشأن "المفتونين" بالغرب في عالمنا الإسلامي؛ إذ حسبوا أن تقدم الغرب في -العلوم المادية بالأساس- يعني تقدمهم في كافة النواحي بما فيها العلوم الإنسانية والاجتماعية، فاعتبروا أن كل ما يأتي من الغرب معيارًا وحاكمًا على غيره، فاتبعوه شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخل في جحر ضب لدخلوه، ورضوا به مرجعًا وملاذا، وحرموا الاجتهاد في الأفكار الوافدة منه ودعوا إلى تقليده في كل شيء، ووصل الأمر إلى أنهم لا يقنعون بما وصلنا إليه أو ما اعتنقناه من مبادئ إلا إذا اعترف بها الغرب وأقروها، وقد عبر عن هذا أحد أساتذة القانون بقوله: "ومما يجدر ذكره أن بعض النظم التي سبق إليها فقهاء الشريعة عجزت عن إقناعنا بجدواها، فلما ارتدت زيًا غربيًا بهرتنا فاعتنقناها"[11]!

وهذه شخصنة للأفكار، وتقليد أسوأ من سابقه لأنه يعني الاستلاب، والانسلاخ من الذات والتخلي عنه لحساب الآخر {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ} (النور:39). فضلا عن أنهم يشخصنون أفكارًا بشرية -في الغالب- يرد عليها كافة ما يمكن أن يرد على الفكر البشري من نقص وقصور، على عكس المشخصنين على الجانب الآخر الذين يشخصنون أفكارًا في معظمها مستمدة من الوحي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين أيديه أو من خلفه.

  • تحويل خلافتنا الفكرية إلى معارك شخصية:

فجعل الفكرة مرتبطة بالأشخاص يُحيل الحوار الموضوعي حول الفكرة إلى سجال شخصي قد يتحول إلى معارك شخصية تستخدم فيه أسلحة التدمير الشامل لمعنويات المختلفين! وتكفي نظرة واحدة إلى عدد من البرامج الحوارية في بعض القنوات الفضائية لنعرف مدى ما وصلنا إليه من انحدار في كيفية إدارة الحوار حتى لا يكاد ينتهي الحوار الهادئ إلا وقد تعارك المتحاورون بالأيدي قبل الألسنة.

وقد حدث قريبًا أن اختلف بعض علماء المسلمين ومفكريهم بشكل علني (لأنهم غالبًا ما يختلفون في الأماكن المغلقة بشكل لا يؤثر على علاقاتهم الودية فيما بينهم)، وذلك حول قضية فكرية معينة، فما كان من بعض تلامذة وأتباع هؤلاء وأولئك إلا أن حولوا الاختلاف الفكري الموضوعي إلى خلاف شخصي وهاجم أتباع كل طرف الآخر وأخذ يشكك فيه وفي أغراضه وصوره على أنه عميل لهذه الدولة أو تلك، أو أنه من "المؤلفة قلوبهم"، متناسين أن أولئك العلماء والمفكرين المختلفين أصحاب تاريخ نقي شامخ قضوه في خدمة دينهم وأمتهم، وأنهم حتى لو أخطأوا في موقفهم في تلك القضية فهي زلة العالم أو كبوة الجواد[12]!

ولو ابتعد الناس عن الشخصنة وناقشوا القضية مناقشة هادئة تركز على موضوع الخلاف وإدارته بما يحقق مصلحة المسمين، لا بما يؤيد رأي هذا العالم أو ذاك المفكر، ما وصلوا إلى هذا الحال من الخصومة والشقاق والطعن في علماء الأمة ومفكريها؛ فهم في أشد الحاجة إلى جهودهم جميعًا في الذب عن دينهم والذود عن الإسلام وقيمه ومبادئه، وتوجيه المسلمين وإرشادهم إلى ما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة.

3) جعل الفكرة المشخصنة (لا الحكمة المجردة) وكأنها ضالة المؤمن:

فعلى الرغم من أن ديننا الحنيف أمرنا بأن نتبع الحكمة (المجردة) من أي مصدر جاءت: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها"[13]، فإننا شخصنَّا هذه الفكرة وجعلناها ضالتنا؛ ففكرة "الإصلاح" –على سبيل المثال- شخصنّاها، فبتنا ننتظر "المهدي (المنتظر)"، و"صلاح الدين الأيوبي"، و"مجدد القرن"، فانشغلنا بالأشخاص عن القيمة نفسها، وبالأماني عن العمل، وبالتقليد عن الإبداع، وبالقعود والانتظار عن الجهاد، وأصبح الإصلاح المشخصن ضالتنا!

والأمر نفسه بالنسبة "للفساد" فأصبح هو الآخر ينحصر في شخص الحاكم أيا كان، وظن البعض بأن طريق القضاء على الفساد يكمن في التخلص من الحاكم، فأصبح التخلص منه- أو استبداله- في ظنهم وكأنه ضالة المؤمن! وقد وقع بالفعل أن قام ثلة من هؤلاء باغتيال أحد الحكام للسبب نفسه –وهو الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ففوجئوا أن الفساد من بعده زاد واستشرى، وأن اختزال عوامل الفساد في شخص الحاكم -وحده- كان خطئًا كبيرًا.

 4) غيبة الفكر المؤسسي:

فشخصنة الفكر أودت بنا إلى فكر الشخصنة، فأصبحت الشخصنة سمة أساسية ليست في فكرنا وحده بل وفي حياتنا العملية كذلك، فغاب الفكر المؤسسي وتحققت مقولة مالك بن نبي: "إن المؤسسات التي لا تجد سندها في الأفكار تبدو محكومًا عليها بالفناء"[14]، وكادت تنعدم مؤسسة الفكر، فماتت أفكار مع موت أصحابها، وتبعثرت جهودنا العلمية والفكرية لعدم وجود مؤسسات تقوم بالرعاية والإشراف عليها، وإذا وجدت المؤسسات تشخصنت قيادتها، وتشخصنت معايير الالتحاق بها حتى بات المُعيَّنون فيها من أهل الثقة والقرابة لا من أهل القدرة والكفاءة والأمانة، وإذا تغير القائد أو المدير تغيرت كل السياسات والأفكار بل وتغير الأشخاص، حتى وصلنا إلى "شخصنة الدولة" نفسها، على حد تعبير أستاذنا المستشار الجليل طارق البشري.

والمؤلم أن الشخصنة طالت بعض المؤسسات الإسلامية، ولهذا قصر عمرها وذهب ريحها، وبات عمر الأفراد أطول من عمرها، مما جعل أحد مفكري الأمة، وهو أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، يعلق –متألمًا- على التهديد بغلق مؤسسة إعلامية إسلامية بأنه شهد حتى الآن بداية ونهاية عدد من المؤسسات الفكرية الإسلامية، مع أن الأصل في المؤسسة أن تكون أطول عمرًا من الأفراد!

 

ثالثًا: مخاطر الشخصنة

شخصنة الفكرة تضعف الفكرة نفسها وتعيق الوصول للحق والحقيقة، وتضعف المشُخِّصِين، وذلك على التفصيل الآتي:

1) بخصوص إضعاف الفكرة فلم يكن مالك بن نبي[15] مبالغًا حين ذكر -في كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة)- الفارق بين الفكرة "المجسدة" و"الفكرة المجردة" وأكد ضعف الأولى وهوانها إلى أن تتجرد، وقوة الثانية طالما لم "تتشخصن"، فأشار إلى أن الاستعمار [وشقيقه: الاستبداد] يسهل عليه القضاء على الفكرة المجسدة عن طريق استعمال القوة ضد صاحبها أو إغوائه، على عكس الفكرة المجردة التي يجد صعوبة هائلة في القضاء عليها، فيحاول شخصنتها من جديد حتى يتمكن من التخلص منها أو تشويهها.

والشخصنة تعوق إثراء الفكرة في جو طبيعي تتلاقح فيه الأفكار وتتبادل فيه الآراء، كما تحجب عنها الاجتهاد الموضوعي الذي يطرحها طرحًا يركز على المحتوى والمضمون، فتقع في أسر الشكلية والتقليد الذي يجمدها أو يبتعد بها عن مقاصدها أو قيمها مما يؤدي بها إلى أن تمسي أفكارًا "ميتة" لا حياة فيها، أو تبقى شعارًا تنطق به الألسنة دون أن تغوص في القلب أو تُصدَّق في الواقع، وإن غاصت أو صُدِّقَت فإنها تكون كالقطار الذي ينطلق بسرعة ولكن بعيدًا عن قضبانه أو عن هدفه الذي يرنو إليه فينطلق إلى حتفه.

كما أن تقديس الفكرة قد يخفي ما في بعض جوانبها من عوار يقتضي التعديل والإصلاح، وقد يؤدي بخسها حقها -المبني على شخصنتها- إلى قتلها في مهدها قبل أن تأخذ ما تستحق من الدراسة والتمحيص، فقد تكون فكرة طيبة كشجرة طيبة قد تؤتي أكلها كل حين لولا التسرع في هدمها لاعتبارات شخصية بحتة.

2) وأما بخصوص المشُخِّصِين فإنهم ينقسمون إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: وهم الذين تتجسد فيهم الفكرة وتتمحور حولهم، وهؤلاء بدورهم يختلف وضعهم بحسب ما كان التمحور حول الفكرة بالتقديس أم بالتبخيس:

أ. الشخصنة بالتقديس: فالذين تتمحور حولهم الفكرة قد ينخدعون ويظنون أنهم طالما أبدعوا الفكرة أو لفتوا النظر إليها باتوا أوصياء عليها فيصبح من يعبر عن رؤية أو وجهة نظر مخالفة معتديا طاعنا في كرامتهم متطاولا عليهم فينافحون ويفتخرون ويوجهون تلاميذهم فيحتشدون، فيظلمون المخالف الذي ما أراد إلا الوصول إلى الحق، ويظلمون تلاميذهم بجعلهم يجاهدون في المعركة الخطأ، ويظلمون أنفسهم بالكبر الخفي أو تضخيم الذات على حساب الموضوع، أو بالاستسلام للمدح والثناء على حساب تقبل النقد البناء!

ب. الشخصنة بالتبخيس: وعلى العكس ممن تجسدت فيهم الفكرة بالمدح والتقديس والثناء يكون حال من تم شخصنة الفكرة فيهم بالقدح والتبخيس، فقد تضعف ثقتهم بأنفسهم وبأفكارهم فيتخلوا عنها على الرغم من أنها قد تكون صحيحة نافعة فاعلة ناجعة، ولكن المقاومة الشديدة لأفكارهم والنقد الهدام لها يؤثر عليهم بالسلب. كما وأنهم قد لا يجرؤن -أصلًا- على الإعلان عن أفكارهم لكونها أفكارًا تجديدية قد يفقدهم الإفصاح عنها احترام الناس لهم، ويؤدي إلى التشكيك فيهم وفي دينهم! فيؤثرون السلامة –حسب ظنهم- ويكتفون بكتمانها في الصدور لتموت معهم، ويتناسون قوله تعالى {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب:37) والسياق الذي وردت فيه تلك الآية[16].

وأما الطائفة الثانية: فهم الذين يبتلون بتشخيص الفكرة المجردة فيخلطون في الحكم عليها بين الاعتبارات الموضوعية[17] المتعلقة بالفكرة، والمشاعر الشخصية تجاه قائلها، أو يحددون موقفهم منها بمدى تحقيقها مصالحهم الشخصية الدنيوية المادية منها والمعنوية، وهؤلاء من أكبر الخاسرين؛ لأنهم بذلك قد يتخلون عن أفكار صحيحة كانت كافية لتقدمهم لولا بغضهم لقائلها، وقد يتبنون فكرة خاطئة لمجرد أن صاحبها من المقربين.

وسواء كانت الشخصنة بالتقديس أو بالتبخيس فإنها تؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه "موت الإبداع"، بعد أن بات المعيار يتركز في القبول والإعجاب والعلاقات الشخصية، فينصرف المبدع، أو الذي ترشحه قدراته للإبداع، إلى محاولة بناء العلاقات على حساب تنمية قدراته ومهاراته الذاتية، أو ينزوي بعيدًا يملؤه الشعور بخيبة الأمل والإحباط، أو يهاجر فارًا بنفسه وعقله، ومن هنا نفهم حالة هجرة العقول التي يعاني منها العالم الإسلامي والنجاح المبهر لكثير منها في الخارج[18].

 

رابعًا: المرجعية الإسلامية وشخصنة الفكرة

يمكن القول باطمئنان أن المرجعية الإسلامية ترفض منذ بدئها شخصنة الفكرة، ولن نجد عناء في ذكر بعض النماذج الواضحة المؤكدة على ذلك من نصوص القرآن الكريم ومن السنة النبوية، ومن سنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ على النحو الآتي:

1) مبدأ التوحيد: فمن مقتضيات التوحيد رفض وجود واسطة بين الإنسان وربه أو وجود وصاية من أحد على المسلم؛ إذ إنه من المعلوم أنه لا كهنوت في الإسلام، وليس فيه واسطة بين العبد وربه يتجسد فيها الإسلام وتعطي صكوكًا للغفران، وقد أخذ القرآن على بني إسرائيل والنصارى أنهم: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ اللهِ} (التوبة:31)؛ ولهذا فلا يوجد في الإسلام طبقة تسمى بـ "رجال الدين" بل هناك "أهل ذكر" لا يفرقون عن غيرهم إلا في أنهم تفرغوا للعلم الديني ودرسوه وتخصصوا فيه وهو أمر متاح لمن سعى وأراد. وأهل الذكر ليسوا حكمًا على الدين بل الإسلام حكم عليهم بنصوصه ومقاصده وقيمه.

والكهنوتية في حقيقتها هي شخصنة للدين -نصوصه وقيمه ومبادئه المجردة- في أناس يحتكرونها من دون الناس ويقيمون أنفسهم حكمًا عليها وميزانًا توزن به.

2) التمييز بين الرسالة وشخص النبي صلى الله عليه وسلم: ونجد الأمثلة على ذلك كثيرة:

أ. فالرسالة لم يكن اسمها (المحمدية) -على نسق المسيحية مثلًا- بل سُميت باسم الفكرة ذاتها وهي (الإسلام)، فهذا فصل كامل بين العقيدة (الفكرة) وبين حامليها من الناس والرسل وغيرهما من "الأشخاص" على رفعة قدرهم ومقامهم عند الخالق سبحانه. ولهذا أطلق الدكتور محمد فتحي عثمان –رحمه الله- على الدولة الإسلامية مفهوم "دولة الفكرة" في كتابه الذي أسماه بالاسم ذاته: "دولة الفكرة"، واعتبرها هي الدولة الوحيدة في التاريخ التي قامت على الفكرة المجردة وحدها.

ب‌. ويرتبط بما سبق أن القرآن استنكر أن يرتبط إيمان المسلمين بالإسلام بوجود النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، فيرتدوا عن العقيدة بمجرد وفاته، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 144).

3) أن الإسلام ربط خيرية الأمة الإسلامية بتحقق شروط موضوعية، لا شخصانية عرقية، على عكس ما يعتقد اليهود على النحو الذي أشرنا إليه سلفًا. فالمسلمون خير أمة أخرجت للناس إذا ما توفرت فيهم الشروط التي أوجزتها هذه الآية الكريمة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران: 110).

4) تأكيد الإسلام على أن معيار الأفضلية بين المسلمين هو التقوى والعمل الصالح: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13)، "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"[19]. وإذا كان هذا الحديث يُستدل به على مبدأ المساواة بين الناس فإنه يصلح كذلك للاستدلال على أن الإسلام يرفض الشخصنة في تقويم الناس ومن باب أولى في تقدير أفكارهم؛ فلا يصح أن ترتبط الفكرة بشخص قائلها عربيا كان أو أعجميا أبيض أو أسود؛ فـ"الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إنما الفضل بالتقوى"[20].

5) كما نجد في أمر الإسلام بالإخلاص والتجرد في طلب الحق، نهيا عن شخصنة الحق (وهو فكرة مجردة)، {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: 88)، فينبغي أن يكون المسلم عينه دائمًا على الإصلاح، ولا يرنو إلا إلى غاية واحدة وهي الحصول على رضا الله تعالى، فلا يخلط سعيه وفكره بمآرب دنيوية أو مصالح شخصية زائلة أو مشاعر سلبية، أو حتى علاقات أخوية، فيمتنع عن الاعتراف بالحق لأنه يكره قائلَه، أو يسعى إلى تأييد الباطل لأنه في مصلحة حبيبه.

ولذلك قال الإمام القرطبي تعليقًا على رفض قوم نوح الانتساب إلى دينه الذي اتبعه -بحسب زعمهم- الأرذلون بادي الرأي: "والحق لا يعرف بقائله، ولكن يعرف بنفسه، ويجب قبوله دون النظر إلى قائله"، وقال: "فالحق يجب قبوله، سواء أقاله الفاضل أم المفضول، الحق أعلى من كل شيء"[21].

6) وحث الإسلام على الاجتهاد ونبذ التقليد يُعد رفضًا كذلك لشخصنة الأفكار؛ لأن الاكتفاء بتقليد الأئمة لا يعدو كونه شخصنة للفكر يأباه العقل السليم، ولهذا فإن المنظومة الفقهية الإسلامية قائمة في الأساس على أنه "لا يقبل قول دون دليل"، لأن العبرة بالدليل لا بشخص القائل، وقد وجدنا تطبيقات هذا القول تمتد بامتداد التاريخ الفقهي الإسلامي، فليس في الإسلام مذهبًا وحيدًا فقط، اتبعه الناس واكتفوا به تقليدًا، بل هناك تعدد للمذاهب الفقهية لتصل إلى أربعة مذاهب مشهورة وأخرى لم تشتهر كمذهب الإمام الأوزاعي ومذهب الإمام الثوري وغيرهما، وفي داخل كل مذهب هناك تعدد كذلك للآراء؛ فكثير ما وجدنا أن في المذهب الواحد آراء متعددة تخالف صاحب المذهب في قليل أو كثير من اجتهاده. وقد نقلت أقوال كثيرة عن أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة تنهى عن اتباعهم بشكل أعمى، ومن ثم عن "شخصنة أفكارهم"؛ مثل قول الإمام أبى حنيفة: "إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله -تعالى- وخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاتركوا قولي"[22]، وقول الإمام مالك: " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"[23]، وقول الإمام الشافعي: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله فقولوا بسنة رسول الله ودعوا قولي"، وفي رواية "فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد"[24]، وقول الإمام أحمد ابن حنبل: "لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا"[25]، وكان شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل"[26].

 

خامسًا: من أسباب الشخصنة

تتنوع الأسباب المؤدية إلى شخصنة الفكرة وتختلط بحيث يصعب تصنيفها تحت عنوان واحد؛ فهي خليط من أسباب خُلُقية، وأسباب نفسية، وأسباب عقلية "فكرية"، وسنكتفي بالحديث عن بعض من هذه الأسباب:

1) الغيرة والحقد: فقد تؤدي غيرة الإنسان أو حسده أو حقده على صاحب الفكرة أو من طرحها إلى رفض فكرته والسخرية منها، على الرغم من أنه في داخله يعلم بأنها فكرة صحيحة وصالحة ولكن حقده يجعله يشخصنها ويهاجمها.

2) ضعف الثقة بالنفس: فإن الإنسان إذا ضعفت ثقته بنفسه سلم قياده لغيره وذاب في فكره، ومن هنا تأتي مشكلة القبول الشامل لفكر من يحوز ثقته ليعوض بها المشخصن القصور في إيمانه بقدرته العقلية على التمييز بين الأفكار الحسن منها والسيئ. وقد رأينا من نتائج ذلك -على سبيل المثال- أن أعرض البعض ممن حاز مرتبة الاجتهاد من ممارسته لعدم ثقتهم بأنفسهم فلجئوا إلى مجرد النقل والتقليد عن السابقين وعمل الحواشي على أعمالهم، ووقفوا مدافعين عن أفكارهم ضد من يخالفهم ممن حباه الله بالعلم والثقة بالذات وعلم أن الاتباع الحقيقي للسابقين في الأخذ من الدليل الذي أخذوا منه بعد امتلاك أدوات التعامل معه.

3) الإعجاب والافتتان: فالإنسان إذا أعجب بإنسان وافتتن به وقع في أسره فلا يرى فيه عيبًا ولا يتصور منه خطًا، وقد رأينا من يفتتن بعالم الفقه فيأخذ منه الحديث ويكذب المحدثين إذا خالفوه، ورأينا من يعتبر المفكر فقيهًا، والفقيه خبيرًا في علم الاقتصاد ويعرف فيه أكثر من أهله. ورأينا أسوأ من ذلك، وهو الاعتقاد بعصمة بعض الأشخاص من غير الرسل، وهذه هي أقبح صور الشخصنة على الإطلاق.

وقد يكون الإعجاب والافتتان بالذات وليس بالغير، فيصاب المفتتن بنفسه بداء شخصنة أفكاره واعتبار أنه بات وصيًا عليها ليس من حق أحدٍ أن يخالفه فيها أو حتى يناقشه، وإذا خالفه أحد في فكرة من أفكاره تجده يساجل وكأنه ينافح عن كرامته وعرضه، وإذا عجز عن مقاومة الحجة بالحجة يبدأ في الالتفات إلى شخصية مخالفه يبحث فيها عن عيوب سلوكية، أو سقطات أخلاقية عسى أن يلفت النظر إليها بعيدًا عن "فضيحته الكبرى" بعد أن استطاع مخالفه أن يكشف سوأته، ويجرح كبرياءه!

4) الجهل: فالجاهل لا يدرك حقيقة وخطورة تجسيد الفكرة أو محورتها حول إنسان يصيب ويخطئ ويعتريه النقص ولا تُؤمَن فتنته أو أن يضل وينسى، أو يخضع لهواه فيشقى.. فلو أدرك ذلك حقيقة لكان أشد حرصًا على التمييز بين الفكرة وبين مبدعها أو الداعي إليها من الناس، ولكنه –بجهله- يظن أنه بهذا أبعد عن الخطأ وأقرب إلى الصواب، وأحوط له من إعمال عقله القاصر، فيتبع الفكرة –مثلًا- لمجرد صدورها عن مؤسس جماعته جاهلا حقيقة أنه لا أحد من البشر يحتكر الصواب فكل بني آدم خطاء.

5) التعصب: فالمتعصب لا يرى إلا رأيه أو رأي من يحب، ويعتبره صوابًا لا يقبل الخطأ، ورأي غيره خطأ لا يقبل الصواب، ومن هنا تتشخصن عنده الأفكار فيقبل –مثلا- الفكرة التي تصدر من جماعته أو تياره أيا كانت ضحالتها، ويرفض ممن يخالف ولو كانت فكرته بالغة الصحة والأهمية. والعجيب أن الفكرة الواحدة إذا طرحت ممن يتعصب ضده رفضها، وإذا طرحت بعد ذلك ممن يتعصب له قبلها وقد يكيل لها المدح والثناء، وهذا أمر مشاهد وملحوظ في الواقع للأسف الشديد.

 

وإذا تلفتَّ يمينًا أو يسارًا، لاسيما في هذا الزمان، تجد أن العصبية هي العامل الأعظم وراء شخصنة الفكرة، ولهذا اختار لها نبي الله وصفًا لم يتكرر منه قط –فيما أعلم-، وقال: "دعوها فإنها منتنة"[27]، وإذا كان الصحابة استجابوا على الفور للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن بعض الناس في الواقع المعاصر، لم يستجيبوا لدعوة النبي وتراهم يتعصبون كما يأكلون ويشربون.

 

سادسًا: معالجة الشخصنة

قد يتوقع القارئ أن نطرح رؤية حاسمة في معالجة الشخصنة وأن نرسم له "خريطة طريق" إلى التخلص من هذا الداء، كما أنه قد ينتظر أن نعالج ما أوردناه من أسباب لها واحدًا تلو الآخر، ولكننا نعتذر له عن ذلك، ونقرر أننا لا نملك حلولا سحرية؛ إذ إن الشخصنة داء متأصل فينا، أسبابه عديدة، معقدة، متداخلة، ولذا لم نوردها جميعًا بل أشرنا إلى بعضها فقط آملين أن نتوسع فيها في موضع آخر، ولكننا سنشير هنا إلى بعض من السبل التي نعتقد أن الوعي بها والعمل على تفعيلها يمثل خطوات مهمة في سبيل القضاء على هذا الداء الخطير:

1) التربية على التمييز بين الأشخاص والأفكار:

يجب أن نربي أنفسنا على عدم تقديس الأشخاص، وأن يكون تركيزنا فقط على الفكرة ومدى صحتها، وأن نفصل بين الفكرة وقائلها فلا يجرمننا شنآن قوم على ألا نعدل، ولا يدفعنا حب أو ود أو مصلحة إلى عدم الأمانة في التعامل مع الفكرة والتنادي بصلاحيتها وعمقها على تفاهتها لمجرد أن صاحبها من أولي القربى. يجب أن نربي أنفسنا على أن قوله تعالى: {فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام: 152) ليس موجهًا فقط للحكم بين الناس بل هو شامل كذلك للحكم على أفكار الناس فلا نظلمهم بتقديس أو تبخيس في غير محلهما.

ومن الأمور المهمة في هذا المقام التنبيه إلى أن البعض يطبق دون أن يدري، قواعد علم "الجرح والتعديل" في حكمه على الأفكار، جاهلا أن هذا العلم وضع ليسهم في تبين مدى صدق الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن نعتبره معيارًا على فكر البشر، الذي لا حاجة لنا لمعرفة عدالة حامله من الناحية السلوكية، إلا على سبيل الاستئناس؛ إذ إن الفكرة إذا صرح بها صاحبها انفصلت عنه وخضعت للفحص والتمييز في ذاتها، على عكس الخبر والرواية التي توفي أصحابه ولا سبيل من تبين صحته إلا بالنظر أولًا في مدى عدالة ناقله أو مبلغه.

2) تنقية الصدور مما يوغرها:

يجب أن نغرس في أنفسنا سلامة الصدر فلا نحمل غيرة ولا حقدًا لأحد كان مسلمًا أو غير مسلم؛ لأن الأخلاق لا تتجزأ والمسلم مأمور بها في كل حال، ومع كل الناس المفسد منهم والمصلح؛ لأنه ليس "إمعة"؛ فهو يعامل الناس بأخلاقه لا بأخلاقهم، ويحسن إليهم ولو أساءوا إليه، فيفعل الخير في أهله وفي غير أهله لا يريد منهم جزاءً ولا شكورا، ومن فعله الخير أن ينصف في فهمهم ولا يحمل كلامهم على محامل شخصية بل موضوعية.

3) تدعيم الثقة في النفس:

يتعين علينا أن نثق بأنفسنا دون عجب أو افتتان، نثق في أنفسنا لأننا مكرمون من خالق الكون، حبانا بنعمة العقل وحملنا الأمانة لننظر ماذا سنفعل؛ فلا يجوز لنا بعد هذا أن نهدر نعمته ونستغني عن عقولنا ونسلمها لمخلوق آخر ليشكلها لنا كيفما شاء واهمين أنه امتلك الحق وحده، وكأن عقله مخلوق من مادة أصلح مما خلقت منها عقولنا، فنحن لم نعدم التمييز والإدراك ولا ينقصنا سوى بذل الجهد المعرفي المطلوب لتمحيص الأفكار وتبيان السقيم فيها من الصحيح والأولى بالترجيح، لا وفقًا لشخص قائلها ولكن وفقًا لعناصر الفكرة ومنهجها وفاعليتها.

4) التوعية بفقه الاختلاف وآدابه:

وهذا في الأساس موجه إلى الدعاة والعلماء والأعلام والإعلام؛ فهم الذين يشكلون الوعي ويبنون الوجدان فإنه يجب نشر ثقافة الاختلاف وآدابه بين الناس والتي من أهمها التركيز على الموضوع لا الأشخاص، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وأنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية، وأنه يجب الإعذار للمخالف وإحسان الظن به.

وينبغي على العلماء والخطباء أن يقدموا دائمًا القدوة الصالحة في رفض شخصنة الأفكار وتقديس الأشخاص، وبيان أنه لا عصمة لأحد من البشر أيا كان، وأن انتقاد فكرة لا يعني نقض منتقدها، حتى ولو كانت الفكرة المنتقدة لشيخ من شيوخ الإسلام طالما التزم المنتقد الأدب والمنهج العلمي الموضوعي ولم يحوّل نقده إلى غمز ولمز لصاحب الفكرة أو تقليل لشخصه وقيمته؛ فهناك فارق كبير بين مناقشة الفكرة باستقلالية والطعن في صاحبها والتقليل منه.

5- تجنب التعصب:

وهذا من أهم سبل علاج الشخصنة، وأصعبها، إذ يبدو أن التحيز والتعصب غريزة في الإنسان لا ينتصر عليها إلا قليل، ويبدو أن ذلك كان وراء استخدام النبي صلى الله عليه وسلم للمقولة الجاهلية في هذا الشأن "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فأبقى عليها بعدما هذبها وأصلح مقصدها، فقال بعدما تعجب صحابته رضوان الله عليه وسأله أحدهم: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال تحجزه -أو تمنعه- الظلم فإن ذلك نصره[28].  فإذا كنت متعصبًا لا محالة لأخيك فانهه عن ظلمه، لا أن تسانده فيه، وتبع من آخرتك لحساب دنياه!

وليس الدافع إلى التعصب مذمومًا في كل الأحوال، بل قد يكون نبيلا مثل مناصرة العالم المسلم ضد المفكر غير المسلم خشية افتتان العوام بالأخير فيحقرون من أفكاره كلها ولو صدق بعضها، ويعظمون أفكار العالم جميعها ولو لم تصح بعضها، وهكذا[29].

وليت هؤلاء يعلمون حقيقة المنهج الإسلامي في هذا الشأن، إذا لم تمنع المواجهة بين أهل الكتاب والمسلمين من أن ينصفهم ويقرر أنهم {لَيْسُوا سَوَاءً} (آل عمران: 113)، وأن منهم {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (آل عمران: 75)، وأن ينتصر لصاحب الحق اليهودي على خصمه المسلم بكلمة خالدة ليتنا نتأملها، ونتعامل بها مع الناس أجمعين: {وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (آل عمران، 105).

والإسلام قوي بذاته، لا يطلب منا أن نتعصب لرأي أحد والدفاع عنه، بل يعلمنا أن الأولى من ذلك أن نلتزم بأوامر الإسلام، وننتهي عما نهى عنه، أن نتحلى بقيمه ونَعِي مقاصده، أن نحيا به ونموت في سبيله، إذا فعلنا ذلك فلن يكون هناك ما يضطرنا إلى التعصب سوى للحق وحده مجردًا، وعندئذ نكون قد أطعنا ما أمرنا به في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة:8).

 

يجب على الجميع أن يحتشدوا لمنع شخصنة الأفكار وجعلها سببًا لإفساد ذات البين بدلا من أن تقوم بدورها المنشود من إصلاح بين الناس وإصلاح للناس.

الحمد لله

 

________________________

* نُشرت هذه الدراسة –مختصرة- بمجلة الوعي الإسلامي، عدد ربيع الأول 1430هـ - مارس 2009م. كما نشرت بمجلة المسلم المعاصر، في كلمة التحرير، العدد 153، https://bit.ly/3TC2eXC

** رئيس تحرير موقع "حوارات الشريعة والقانون": https://hewarat.org/.

[1] ناقش البعض مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي تحت عناوين مثل: "أزمة العقل المسلم"، أو "إعادة تشكيل العقل المسلم"، و"نقد العقل المسلم" وهذه التسمية قد تبدو غير صائبة –حسبما أعتقد- لأنها توحي بأن أزمة المسلمين في مرجعيتهم لا في منهجية تعاملهم مع تلك المرجعية، ولهذا من الأفضل أن نعبر عن هذه الأزمة بما عبر به المفكر مالك بن نبي: "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي".

[2] طلب مني أستاذنا الدكتور أحمد كمال أبو المجد -حين أخبرته بهذه الدراسة- أن أنقل عنه قوله بأن الشخصنة تعد من أخطر الأمراض التي تعاني منها بلادنا في الوقت الحالي.

[3] توجد تعريفات متعددة للفظ "شخص" في المعاجم اللغوية المختلفة ولكن لم يرد تعريف للشخصنة بالمعنى الذي أتحدث عنه هنا، وأقرب التعريفات لها ما ورد في المعجم الوسيط (مادة: شخص). من تعريف لـ "شخصي" وهو "أمر شخصي يخص إنسانًا بعينه" فتكون شخصنة الفكرة بهذا المعنى "جعلها أمر شخصي يخص إنسانًا بعينه".

[4] مادة "فكر".

[5] مثل موقف البعض ممن خالف أ. سيد قطب في بعض من أفكاره. راجع مذكرات الدكتور يوسف القرضاوي (الجزء الثالث، ص 443) حيث ذكر أن كثيرًا من الإسلاميين "كانوا يحسبون انتقاد سيد قطب، كأنما هو اتهام له في إيمانه، أو تشكيك في بطولته وشهادته رحمه الله وغفر له".

[6] من الأمثلة المعاصرة على ذلك –في ظني- الأستاذ جمال البنا، والذي رماه البعض بالعمالة، وتعاملوا معه على أنه محارب للدين، لمجرد أن الرجل يصدق في القول بما يعتقده سواء اختلفنا معه أو اتفقنا، فكان ينبغي أن يُمحص كلامه ويؤخذ منه ما قد ينفع، لا أن يُتهم في دينه أو وطنيته!

[7] لمن شاء أن يتوسع في الاطلاع على شخصنة الأفكار عند الغرب أن يراجع البحث المهم الذي أشرف عليه المفكر الموسوعي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري تحت عنوان "إشكالية التحيز رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد"، وكذلك كتابه: "العالم من منظور غربي".

[8] الأميين هم كل من ليسوا يهودًا، ويطلق اليهود عليهم لفظ "الأغيار" أو بالعبرية: "جوييم" (راجع تفسير مصطلح "الأغيار"، في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري).

[9] قد يدفع البعض بأن هذا قد يتعارض مع ما جاء في قوله تعالى: " وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ" (البقرة 282)، وقوله جل شأنه: "إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا" (الفرقان: 29)، غير أنني أوضحت في المتن أن التقوى تدخل ضمن العوامل التي قد تتوقف عليها صحة الفكرة، ولكنني آخذ بالتفرقة بين صحة الفكرة وصلاحيتها، فالفكرة قد تكون صحيحة وصالحة في عصرها وفي العصور التالية، ولكنها لم تعد صالحة للتطبيق في زماننا –رغم صحتها-  لتغير العوامل التي أشرنا إليها مثل تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال..إلخ. وهذا الأمر يسري كذلك على الأفكار المأخوذة عن الغرب؛ فهذا مثال كذلك على أن الأفكار قد تكون صحيحة وصالحة للتطبيق في بيئة، ولكنها مفسدة إذا ما أريد تطبيقها بحذافيرها في بيئة أخرى، وفي هذا الإطار ممكن أن نفهم تفرقة مالك بن نبي بين الأفكار الميتة والأفكار المميتة، فالأولى هي الأفكار الميتة التي أصبحت كذلك لاختلاف الأزمنة والأحوال والأشخاص (وتتولد عنها القابلية للاستعمار)، والثانية هي الأفكار المميتة للتباين الشاسع بين البيئة التي نشأت فيها والبيئة الآخذة عنها (ويتولد عنها الاستعمار) والأولى تستدعي الثانية عادة (راجع: مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، بيروت-لبنان: دار الفكر المعاصر، دمشق - سورية: دار الفكر، ط 1420هـ=2000م، ص 146-152).

[10] اعتبر مالك بن نبي أن التقليد يشكل بالنسبة للفكرة الإسلامية "أول مظاهر استبدال الوثن بالفكرة"، واعتبر أن علاقة الفكرة بالشخص تنقلب عند التطرف إلى علاقة الفكرة بالوثن، وأنه في كل مرة تختفي فيها الفكرة يهيمن الوثن، وهو أمر صحيح عند التأمل فيه بعمق؛ فإن عبادة الأوثان في معظمها ناتجة عن شخصنة متطرفة للأفكار قد تؤدي إلى "الوثنية" أو إلى اعتقاد "العصمة" (انظر: المرجع السابق، ص96، 97، 101).

[11] د. عوض محمد عوض، دراسات في الفقه الجنائي الإسلامي، الكويت: دار البحوث العلمية، الطبعة الثانية، 1403هـ= 1983م، ص15-16.

[12] لم يقتصر التجرؤ على العلماء المجاهدين على ما حدث في هذه القضية وحدها، فهذه كانت مجرد "حالة نموذجية" تبين حجم المأساة التي يعانيها البعض في رؤيتهم للعلماء، حتى اعتبروا مجرد خطأ اجتهادي في مسألة ما فرصة للنيل منهم والنصح بعدم الثقة فيهم، ولن يعدموا ما يرمون به العالم استنادًا إلى ظن سيء فيهم، فأصبح الغزالي القديم -في زعمهم- منحرف العقيدة، والغزالي الحديث عدوًا للسنة، والشعراوي عقيدته منحرفة وعميل، والقرضاوي مبتدع لأنه يجيز الغناء،.. وإنا لله وإنا إليه راجعون!

[13] رواه الترمذي في سننه، كتاب: العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم 2611.

[14] مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص 155.

[15] أدرك أنني أستعين كثيرًا بمالك بن نبي، وقد يكون هذا مرجعه –إلى جانب عمق مشروعه الفكري وأنه أهم مفكر لفت الأنظار إلى مشكلة الأفكار في عالمنا الإسلامي- إلى أنه هو الآخر كان ضحية للشخصنة، فتم تجاهله حيًا وميتًا، كل هذا لأنه عاش مستقلًا لم ينضم إلى أيّة جماعة إسلامية تحمل أفكاره وتُمجد فكره.

[16] من هذا ما حكاه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في مذكراته (ج 3، ص 253- 256) عن العلامة الشيخ محمد أبو زهرة من إخفائه رأيه في مسألة رجم الزاني (المحصن) لمدة عشرين سنة كاملة، حتى لا يُتهم في دينه، وهذا يحدث في أمة يقول رسولها r، أن للمخطئ أجر واحد، فتحول الأجر إلى التهديد بالهدم معنوي، وإهالة التراب على تاريخ من الجهاد العلمي، لمجرد خطأ اجتهادي قد يثبت ثوابه فيما بعد!

[17] اقترح أستاذنا الدكتور سيف عبد الفتاح استعمال مفهوم "الاستقامة" بدلا من مفهوم "الموضوعية"، باعتبار أن مقولة الموضوعية "تستبطن في داخلها بمجموعة من القيم الغربية التي تؤمن بالمركزية الأوروبية والغربية"، بينما مفهوم الاستقامة أكثر صفاءً، ونقاء، ويجد أصوله ومعظم مميزاته في كتابات التربية الإسلامية وأدب العلم والعلماء، ويتضمن مجموعة من الضوابط العلمية الأخلاقية (الشعور بالمسئولية أمام الله- الأمانة العلمية- التواضع- العزة- العمل بمقتضى العلم والحق– الابتعاد عن الظن- التجرد من الهوى- تكامل المنهج من الأمانة- الصدق وتجنب الجدال- البيان والأداء) (راجع: بناء المفاهيم الإسلامية، القاهرة: نهضة مصر، ط 1، سنة 2003م، ص 13- 14).

[18] سمعت تعليقًا طريفًا من المفكر الموسوعي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري على فوز الدكتور أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء، حيث قال: "لو لم يهاجر زويل إلى أمريكا كان إلى الآن يقاتل للحصول على حقه في الترقية إلى وظيفة "أستاذ مساعد في كلية العلوم" وكان سيفشل في الحصول عليها بالتأكيد"! وهو الأمر الذي كاد أن يحدث فعلا مع المفكر جمال حمدان لولا أن أنقذ نفسه وإبداعه فقدم استقالته من الجامعة وتفرغ لعمله الفكري فارًا من الشخصنة والبيروقراطية القاتلة للإبداع.

[19] مسند أحمد، ج38، حديث رقم 23489

[20] فتح القدير، كتاب النكاح، باب الأولياء والأكفاء، الكفاءة.

[21] تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكام- (ج 1 / ص 336 – 337).

[22] ذكره الفلاني في "إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار" دار المعرفة، بيروت، 1398، ص 62.

[23] انظر ابن عبد البر في الجامع، ج 2، ص 32.

[24] المجموع، للإمام النووي، ص 63.

[25] انظر: الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين، ج2، ص 302.

[26] ذكره الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه "مفتاح السعادة"، ج 1، ص 83.

[27] جزء من الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله: "سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين"، حديث رقم: 4525. وكذلك في صحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالما أو مظلوما، حديث رقم 4682.

[28] صحيح البخاري، كتاب: المظالم والغصب، باب: أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، حديث رقم: 2263.

[29] والعكس صحيح بالطبع من الجانب غير المسلم، ولكن هذه الدراسة تناقش الشخصنة في الفكر إسلامي، ولذا تركز أكثر على جانب المسلمين دون غيرهم.

المقاومة هي التعبير الحيّ عن البقاء، والصنو المرادف للحياة، والحقيقة المساوية لجوهر الوجود، وما استمرارُ الإنسانِ ذاته إلا نتاجٌ لعوامل المقاومة والبقاء، داخله، ضد أسباب الفناء وعوامل الهلاك. إذ ما إن تنتهي منه سمات المقاومة وصفاتها، وإرادة الحياة وأدواتها حتى يحكم عليه بالموتِ والفناء، وكذلك الأمرُ بالنسبة للشعوب والأمم، والدول والجماعات[1].

وقد عَرَّفَ أستاذنا الدكتور محمد طلعت الغنيمي، في كتابه الوسيط في قانون السلام حركات التحرير الوطنية التي تقوم بالمقاومة الشعبية المسلَّحة بأنها «حركاتٌ تستند إلى حق الشعب في استعادة إقليمه المغتصب، وتستمدُّ كيانها من تأييد الجماهير الغاضبة على المغتصب، وتتخذ عادةً من أقاليم البلاد المحيطة حَرَمًا لها، تستمِدُّ منها تموينها وتقومُ عليه بتدريب قواتها.. ثم إنها بسبب ضعف إمكانياتها إنما تركز جهودها على تحدي الإرادة الغاصبة، لا على هزيمة جيوش الاحتلال في حربٍ منظمة»[2].

 

المركز القانوني الدولي لحركات مقاومة الاحتلال وأفرادها في ضوء اتفاقيات جنيف لعام 1949م:

نصت المادة (4) من الاتفاقية الثالثة، اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، على أن:

«أسرى الحرب بالمعنى المقصود في هذه الاتفاقية همُ الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو:

1 - ..................................

2 - أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليمُ محتلًا...».

وفي تحديد معنى نص هذه المادة يذهب الفقه الدولي إلى أن:

«المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، إذ تقدم تعدادًا حصريًا للأشخاص الذين يكون لهم الحق في التمتع بوصف أسرى الحرب، فإن ذلك يعنى ضمنيًا تعدادا للمقاتلين والمحاربين المحميين بموجب هذه الاتفاقية... ذلك لأنه إذا كان كل مقاتل أو محارب قانوني، يتمتع بوصف أسير حرب، فهذا يعنى أن كل أسير حرب يكون له قانونًا مباشرة الأعمال القتالية، ولذلك يعتبر مقاتلًا قانونيًا يتمتع بحماية هذه الاتفاقية..»[3].

وقد ذهب فقهاءُ القانون الدولي، بغير خلاف بينهم إلى أنه «يُستنتج من نصوص اتفاقيات جنيف أنها اشترطت ضمنًا أن تتخذ المقاومة في الإقليم المحتل شكل الحركة المنظمة والانتماء إلى أحد أطراف النزاع، ويعنى ذلك أن تتخذ حركة المقاومة في الإقليم المحتل أو خارجه شكل الحركة المنظمة ذات الهياكل التنظيمية والإدارية والعسكرية والأُطُرْ القيادية القادرة على تعبئة موارد حركة المقاومة، وحشد الرأي العام، وتوظيفها في سبيل استمرار المقاومة وكسب التأييد والشرعية لها.. بغية تحقيق الأهداف الوطنية في تحرير الوطن وطرد المحتل الغاصب.

أمَّا فيما يتعلق بانتماء أعضاء حركات المقاومة المنظمة إلى أحد أطراف النزاع، فلا يُشترط في هذا الانتماء أن يكون قائمًا على أساس رابطة قانونية (الجنسية) وإنما يُكتفي بإثبات قيام رابط-ة أو علاقة واقعية تكشفُ عن عملية التعاطف أو التضامن بين أفراد حركة المقاومة والقضية التي يُناضلون من أجلها»... «ووجود التنظيم الذي يضم المقاومين مسألة لاحقة على وجود المقاومة نفسها... وهي مسألة تتعلق بظروف الحال، فقد تنقلب المقاومة التلقائية إلى مقاومة منظمة، أو تكون مقدمة لها، وقد تكون المقاومة المنظمة بمثابة جهاز طليعي ينبثق عن الهبَّة التلقائية في وجه الغزو الأجنبي»[4].

وقد أُلحِقَتْ اتفاقيات جنيف المذكورة بملحقين -بروتوكولين- إضافيين، أضفَيا على حركات المقاومة، وأعضائها، مزيدًا من الحماية القانونية الدولية. فنصت المادة 44 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، في فقرتها الرابعة، على أنه:

«4- يُخِلُّ المقاتل الذي يقع في قبضة الخصم، دون أن يكون قد استوفى المتطلبات المنصوص عليها في الجملة الثانية من الفقرة الثالثة [أن يميزوا أنفسهم عن السكان المدنيين أثناء اشتباكهم في هجومٍ أو في عمليةٍ مسلحة تجهز للهجوم] بحقه في أن يُعدّ أسيرَ حرب، ولكنه يُمنح -رغم ذلك- حمايةً تماثِلُ من كافة النواحي تلك التي تضيفها الاتفاقية الثالثة وهذا الملحق، على أسرى الحرب. وتشملُ تلك الحماية ضماناتٍ مماثلةٍ لتلك التي تُضفيها الاتفاقية الثالثة على أسير الحرب عند محاكمة هذا الأسير أو معاقبته على جريمةٍ ارتكبها».

استنادًا إلى هذا النصّ، فإن «الحروب التي تخوضها قوات المقاومة الفلسطينية واللبنانية -والعربية عموما- ضد القوات الإسرائيلية، وانطلاقًا من كل الجبهات، إنما هي حروبٌ ذات طابعٍ دوليّ، تخضع لأحكام بروتوكول جنيف الإضافي الأول لعام 1977م. ويتمتع أفراد هذه القوات بصفة المحاربين القانونيين وما يترتب على ذلك من حصولهم على كافة أنواع الحماية والمزايا التي يحصل عليها هؤلاء المحاربين...»[5].

 

مشروعية استخدام القُوّة مِنْ قِبَل حَرَكَات المقاومة

بتاريخ 4/5/1948م أصدرت المحكمة الجنائية بلاهاي حكمًا بخصوص حركات المقاومة اليهودية السرية ضد الاحتلال النازي، اعتبرت فيه «أعمال المقاومة السرية التي جرت ضد الاحتلال النازي أعمالًا مشروعة في مواجهة الاحتلال الحربي الذي يتعارض مع القانون الدولي..»[6].

ومن المقرر فقهًا[7] في هذا الصدد، أنه إذا قُرِّرَ حق الدفاع الشرعي عن النفس للفرد في مواجهة أي خطر يتهدده، فإنه يجبُ تقرير ذلك -من بابٍ أولى- للشعب الذي تُستعمر بلاده أو تُحتل أراضيه وتُنتهك سيادته واستقلاله، وقد أكدت هذه الحقيقة الاتفاقيات الدولية، وميثاق الأمم المتحدة، والفقه، والعمل الدولي المطرد، والقضاء الدولي، وزاد هذه الحقيقة تأكيدًا ورسوخًا سلسلة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ذات الصلة بهذا الموضوع، وأهمها، مرتبة زمنيًا، هي:

 (1) أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 1514/ د15 بتاريخ 14/12/1960م، الخاص بمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة، القاضي بصريح العبارة بـــ «ضرورة وضع حد عاجل ومطلق للاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره». ولعل ذلك أصبح واقعًا دوليًا إلا في مناطق نادرة من العالم منها الأراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها إسرائيل.

(2) ثم القرار رقم 2105/ د20، بتاريخ 20/12/1965م، القاضي بـــ «شرعية النضال الذي تخوضه الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية من أجل ممارسة حقها في تقرير المصير والاستقلال، ودعوة الدول الأخرى لتقديم المساعدة المادية والمعنوية لحركات التحرير الوطني في الأراضي المستعمرة والمحتلة».

(3) ثم القرار رقم 2734/ د25، بتاريخ 26/12/1970م، المتعلق بالأمن الدولي، القاضي بأن «كفاح الشعوب المضطهدة ضد الاستعمار كفاحٌ مشروع».

(4) ثم القرار -بالغ الأهمية- رقم 2787/ د26، بتاريخ 6/12/1971م، الذي نصَّ على «شرعية نضال الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي، بما في ذلك شعب فلسطين».

(5) ثم القرار رقم 3070/ د28، بتاريخ 30/11/1973م، الذي أكد على «شرعية نضال الشعوب في سبيل التحرر من السيطرة الأجنبية والاستعباد الأجنبي، وأكد على حقها في اللجوء لكل الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف، ومن بينها الكفاح المسلح..».

(6) ثم القرار رق-م 3103/ د28، بتاريخ 12/12/1973م، (بعد حرب أكتوبر بشهرين فقط) الذي وضع مبادئَ في غاية الأهمية، تنص على:

(A) «أنَّ نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية، في سبيل تحقيق حقها في تقرير المصير والاستقلال، هو نضالٌ شرعيٌّ ويتفقُ مع مبادئ القانون الدولي».

(B) «أنَّ أي محاولة لقمع الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية هي مخالفةٌ لميثاق الأمم المتحدة ولإعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الدولية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإعلان الخاص بمنح البلاد والشعوب المستعمرة استقلالها، وتشكل خطرًا على السلام والأمن الدولي».

(7) القرار رقم 3236/ د29، بتاريخ 22/11/1974م، الذي يتضمنُ «إقرارا بحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والحق في الاستقلال والسيادة الوطنية ويعترف القرار بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكافة الوسائل الممكنة وفقًا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، ويناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تَمُدّ يدها لمساعدة ودعم الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقًا للميثاق».

وقد عنيت بهذا الأمر الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (1998) فقضت مادتها الثانية بأنه: «لا تعد حالات الكفاح بمختلف الوسائل جريمة، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرير وتقرير المصير وفقا لمبادئ القانون الدولي».

ونصت المادة 2/1 من معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب (1999) على أنه: «لا تعد حالات كفاح الشعوب جريمة إرهابية بما فيها الكفاح المسلح ضد الاحتلال والعدوان الأجنبيين والاستعمار والسيطرة الأجنبية من أجل التحرر أو تقرير المصير وفقا لمبادئ القانون الدولي».

ونصت المادة الثالثة من اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمنع الإرهاب ومكافحته على أنه: «مع مراعاة أحكام المادة (1) من هذه الاتفاقية (المادة 1 عرفت الإرهاب) لا تعتبر حالات الكفاح الذي تخوضه الشعوب من أجل التحرر أو تقرير المصير طبقا لمبادئ القانون الدولي أعمالا إرهابية، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاستعمار والعدوان والسيطرة الأجنبية».

وكانت مصر -على سبيل المثال- قد صدقت على هذه الاتفاقيات جميعًا، فأصبح ما تتضمنه من أحكام جزءًا من القانون الداخلي، واجب الإعمال من سلطات الدولة كافة، وفي مقدمتها السلطة القضائية المعنية - قبل غيرها- بإحسان تطبيق القانون.

***

وحاصل ما سلف ذكره، أنَّ مبادئ القانون الدولي العام المعاصر، وقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، وكذلك إجماع آراء الفقه والقضاء الدولي والممارسات الفعلية في الحياة الدولية قد سَلَّمَتْ جميعها بمشروعية نشوء حركات المقاومة، وحقها في اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة ضد أعدائها المستعمرين أو المحتلين، في سبيل تحقيق أهدافها الوطنية في تحرير أراضي الوطن وممارسة الحق في تقرير المصير ونيل الحرية والاستقلال.

وهذا التسليم فرع لأصلين مقررين في القانون الدولي المعاصر هما:

حق الدفاع الشرعي عن النفس ومقاومة العدوان؛

وحق الشعوب كافةً في تقرير مصيرها بنفسها.

وكل عمل يهدف إلى ممارسة أحد هذين الحقين، أو كليهما، يخرج، بحكم اللزوم القانوني، من دائرة الإرهاب، الذي هو مدار التهم كلها في هذه القضية.

وقد عبر عن ذلك أجلى تعبير كورت فولدهايم، الأمين العام للأمم المتحدة، في أثناء شغله منصبه في ديسمبر من عام 1972م، حين أعلن أنه:

«ليس للإرهاب الدولي صلة باستعمال القوة لأغراض مشروعة في الحياة الدولية، وميثاق الأمم المتحدة وسائر القرارات التي أصدرتها الجمعية العامة بخصوص حركات التحرير الوطني، لا يمكن المساس بها تحت غطاء الإرهاب الدولي.. وبناءً على ذلك لا يُعدّ الفعلُ إرهابًا، وبالتالي لا يعاقب عليه القانون الدولي، إذا كان الباعث عليه الدفاع عن الحقوق المقررة للأفراد -حقوق الإنسان- أو الشعوب -حق تقرير المصير- أو الحق في تحرير الأرض المحتلة ومقاومة الاحتلال، لأن هذه الأفعال تقابل حقوقًا يقررها القانون الدولي للأفراد والدول، حيث يكون الأمر هنا متعلقًا باستعمال مشروع للقوة طبقًا لأحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة...»[8].

وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3103/د28، بتاريخ 12/12/1973م، الذي نص على إقرار الدول الأعضاء:

بالحماية القانونية التي يجب إسباغها على مناضلي حركات التحرير الوطني والمقاومة ضد الأنظمة الاستعمارية والمحتلة والعنصرية. وأقرَّ بشرعية كفاحهم ضد هذه الأنظمة إعمالًا لحقهم في تقرير المصير والاستقلال. وأكدَّ على اعتبار كل محاولة لقمع هذا الكفاح بمثابة انتهاك لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، والإعلانات والقرارات الدولية ذات الصلة.

 

***

في هذا الإطار يمكن القول بأن الشعوب التي تقع فريسة للاحتلال الحربي أو السيطرة الأجنبية أو التفرقة العنصرية يثبت لها الحق في تقرير المصير بمجرد وقوع هذه الأفعال، لأنها تمثل أفعالًا دوليةً غير مشروعةٍ، وإنكارا لحق الشعوب في تقرير مصيرها، واعتداءً على حقوقها وسيادتها واستقلالها، وهو ما يعطي هذه الشعوب الحق في استخدام القوة المسلحة ضد هؤلاء المحتلين أو المستعمرين أو العنصريين، ويكتسي استعمالها للقوة في هذه الحالة بالطابع القانوني والشرعي، لأنه إعمالٌ لحقٍ مقرر لها في القانون الدولي[9]. وهذا ما أكدته عمليا قرارات الأمم المتحدة الصادرة بهذا الشأن، وما قررته لجنة القانون الدولي، المنبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار إعدادها لمشروع قانون المسؤولية الدولية، بقولها: «إن من صور السلوك غير المشروع دوليًا، والذي يعتبر جريمة دوليةً:

أ- ............... ب- الانتهاك الخطير لالتزامٍ دوليٍّ ذي أهميةٍ جوهريةٍ للحفاظ على حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، مثل تلك التي تُحرَّم استعمال القوة (أي تحرّم ذلك على الشعوب الخاضعة للاستعمار أو المهددة به) لإرساء السيطرة الاستعمارية أو لاستعادتها..».

وبالبناء على ما تقدم جميعه يكون من حق الشعوب العربية التي احتلت أراضيها من قِبَلِ إسرائيل (فلسطين - جنوب لبنان - سوريا) استخدام القوة المسلحة ضدها، إعمالًا لحق: الدفاع الشرعي عن النفس، وحق تقرير المصير. ويكون من حق حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية -والسورية عندما توجد- استخدام القوة المسلحة ضد العدوّ الصهيوني في كلِّ شبرٍ يبسطُ سيطرته عليه. بمعنى أن من حق أفراد المقاومة اللبنانية استهداف الإسرائيليين في فلسطين، والعكس صحيح بالنسبة للمقاومة الفلسطينية. أي إن لها أن تستهدف جنود الاحتلال الصهاينة في أرض لبنان المحتلة أو في أرض سوريا المحتلة.

 

 

* جزء مستل -بتصرف طفيف- من مرافعة د. محمد سليم العوا في القضية رقم 7629 لسنة 2009م جنايات عابدين

المقيدة برقم 795 لسنة 2009م كلي وسط القاهرة

المقيدة برقم 284 لسنة 2009م حصر أمن دولة عليا

المقيدة برقم 66 لسنة 2009م جنايات أمن الدولة العليا

المعروفة بقضية خلية حزب الله المحددة لنظرها جلسة 20/2/2010 لمرافعة الدفاع.

[1] دكتور هيثم موسى حسن، التفرقة بين الإرهاب الدولي ومقاومة الاحتلال في العلاقات الدولية، رسالة دكتوراه 1999 جامعة عين شمس، طبعة نقابة المحامين بالقاهرة، 1999 ص210.

[2] الوسيط في قانون السلام، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1982 ص 350.

[3] دكتور هيثم موسى، السابق ص 285 حيث ينقل عن الفقيه Draper

[4] دكتور عز الدين فودة، مجلة دراسات في القانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، 1969، ص 23؛ ودكتور صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي، دار الفكر العربي بالقاهرة، دون تاريخ ص 50.

[5] دكتور أحمد رفعت، الإرهاب الدولي في ضوء أحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، دار النهضة العربية بالقاهرة، دون تاريخ ص 128.

[6] دكتور هيثم موسى حسن، السابق ص 340 حيث يشير إلى دكتور عبد العزيز محمد سرحان، دور محكمة العدل الدولية في تسوية المنازعات الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة 1981 ص 285.

[7] دكتور هيثم موسى حسن، السابق ص 283.

[8] أورده الدكتور هيثم موسى حسن، السابق، ص 362 نقلا عن الدكتور شريف بسيوني في: حق تقرير المصير والقضية الفلسطينية، نيويورك 1971، ص 33.

[9] دكتور أحمد فتحي سرور، المواجهة القانونية للإرهاب، ط ثانية، القاهرة 2008 ص 103.

قبل عقدين من الزمان كتب عالم السياسة الأمريكي الراحل صمويل هنتنجتون دراسته الشهيرة عن الموجة الثالثة للديمقراطية، ثم نشرها كفصل في كتاب، ثم أفاض في شرح أطروحته في كتاب مستقل[1]. وتدور الأطروحة حول رؤية التحولات الديمقراطية التي حدثت بين عامي 1974 و1990، وشملت ما لا يقل عن ثلاثين دولة، كجزء من ثورة ديمقراطية عالمية مستمرة وآخذة في التوسع، وليست مجرد توسع محدود للديمقراطية يشمل في معظمه تلك الدول التي سبق لها أن عاشت تجربة ديمقراطية في الماضي.

ووفقًا لهنتنجتون، فإن الموجة الأولى الطويلة للتحول الديمقراطي بدأت في عشرينات القرن التاسع عشر مع توسيع حق الاقتراع ليشمل نسبة كبيرة من الذكور في الولايات المتحدة. واستمرت تلك الموجة طوال معظم القرن التاسع عشر وحتى عام 1926، وكانت محصلتها نحو 29 دولة ديمقراطية. وكان وصول موسيليني للسلطة في إيطاليا عام 1922 بداية الموجة الأولى للردة عن الديمقراطية، والتي قلصت عدد الدول الديمقراطية في العالم إلى 12 دولة فقط بحلول عام 1942. وبانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية انطلقت الموجة الثانية للتحول الديمقراطي، والتي بلغت ذروتها عام 1962 حين كانت 36 دولة تحكم ديمقراطيًا. ثم شهدت الفترة الواقعة بين عامي 1960 و1975 الموجة الثانية للردة عن الديمقراطية، والتي قلصت عدد الدول الديمقراطية في العالم إلى 30 دولة فقط. لكن بحلول عام 1990 تضاعف ذلك العدد نتيجة الموجة الثالثة للديمقراطية التي بدأت عام 1974.

ورأى هنتنجتون أن التحول الديمقراطي قد يطول البلاد العربية والإسلامية، وقد يدعمه ظهور عبد الناصر جديد على غرار جفرسون، يبشر بقومية عربية ذات محتوى ديمقراطي، لكنه عاد واعترف بأنه لا يتبادر إلى الذهن اسم أي قائد عربي أو زعيم إسلامي معروف بدفاعه عن الديمقراطية ودعمه لها وهو ما يزال في السلطة. فهل كان الدين –أو الإسلام تحديدًا– كقوة سياسية هو السبب في ذلك؟ أم يعود السبب لممارسات المسلمين أنفسهم؟ أحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه التساؤلات من وجهة نظر هنتنجتون أولًا، ثم بالنظر إلى الربيع العربي الذي بدأ منذ يناير 2011 ولاتزال تأثيراته مستمرة في البلاد العربية.

 

الدين والتحول الديمقراطي

لم ير هنتنجتون تعارضًا ضروريًا بين الديمقراطية والدين كقوة سياسية، بل رأى ارتباطًا تاريخيًا قويًا بين الديمقراطية والمسيحية الغربية، بروتستانتية كانت أم كاثوليكية. فمع بداية سبعينات القرن الماضي كانت معظم الدول البروتستانتية قد تحولت فعلًا إلى الديمقراطية. أما الموجة الثالثة للديمقراطية فكانت كاثوليكية بامتياز. فقد بدأت تلك الموجة بالبرتغال وإسبانيا، ثم اكتسحت ست دول في أمريكا الجنوبية، وثلاث دول في أمريكا الوسطى، ثم وصلت الفليبين، قبل أن تعود لأمريكا اللاتينية، وتحديدًا المكسيك وتشيلي، ثم طالت دولتين كاثوليكيتين في أوروبا الشرقية هما بولندا والمجر. وهكذا غلبت الكاثوليكية على ثلاثة أرباع الدول التي تحولت إلى الديمقراطية (أو الليبرالية كما في حالة المكسيك) بين عامي 1974 و1989. وبحلول عام 1990 كان زخم التحول الديمقراطي في البلاد الكاثوليكية قد بلغ مداه، ولم تعد الكاثوليكية قادرة على الدفع نحو مزيد من التحول الديمقراطي إلا في إفريقيا جنوب الصحراء بالدرجة الأولى. وباتت الكرة في ملعب الكنائس الأرثوذكسية لكي تؤثر بقوة باتجاه الديمقراطية في جنوب أوروبا ودول الاتحاد السوفيتي السابق.

أما الإسلام فكان دين أغلبية سكان السودان ونصف سكان نيجيريا، وهما أول دولتين عادتا للحكم التسلطي بعد تحولهما إلى الديمقراطية خلال موجتها الثالثة كما يرى هنتنجتون. كما كان الإسلام الدين الرئيسي في عدة دول عادت للحكم التسلطي بعد تحولها إلى الديمقراطية خلال موجتها الثانية، مثل أندونيسيا وباكستان وتركيا ونيجيريا. ورأى هنتنجتون أن أحد سيناريوهات الردة عن الموجة الديمقراطية الثالثة هو وصول الحركات الأصولية الدينية إلى السلطة خاصة في العالم الإسلامي، مثلما تسيطر في إيران. فالدول الإسلامية الممتدة من المغرب إلى إندونيسيا، باستثناء تركيا وربما باكستان، مثلت بالنسبة له إحدى الفئات الجيوثقافية الأربعة التي كانت تنتمي إليها الدول غير الديمقراطية عام 1990، وهي دول كانت تربو على المائة وتواجه عقبات سياسية وثقافية واقتصادية تعوق التحول الديمقراطي فيها.

 

هل الإسلام عقبة ثقافية أمام التحول الديمقراطي؟

يختلف هنتنجتون مع جورج كينان وغيره ممن أكد على أن الثقافة الغربية هي وحدها التي توفر القاعدة المناسبة لتطور المؤسسات الديمقراطية، وأن الديمقراطية لا تتلاءم مع المجتمعات غير الغربية. ولا شك أن هذا الرأي يتجاهل حالات ديمقراطية ناجحة لم تبن على الثقافة الغربية مثل الهند، وهي دولة متعددة الثقافات والديانات واللغات.

لكن هنتنجتون مال إلى وجود ثقافات غير غربية بعينها تعادي الديمقراطية. وبينما أكد على التناقض بين الديمقراطية والكنفوشية، فإنه لم ير تناقضًا واضحًا بين الديمقراطية والإسلام. فمن جهة، تتفق بعض القيم الإسلامية كالمساواة والعمل التطوعي مع القيم الديمقراطية. ومن جهة أخرى، يرفض الإسلام – كما يراه هنتنجتون – الفصل بين الجماعتين الدينية والسياسية، فلا يوازن بين قيصر والله، بل يربط بين المشاركة السياسية والانتماء الديني. ويشترط ما يسميه (الإسلام الأصولي) أن يكون حكام الدول المسلمة مسلمين، وأن تكون الشريعة هي القانون الأساسي، وأن يكون لعلماء الدين كلمة حاسمة في صناعة كافة السياسات الحكومية، أو على الأقل في مراجعتها والتصديق عليها. وهذه العقائد والممارسات تتناقض مع أبجديات الديمقراطية كما يراها هنتنجتون.

ومن الناحية العملية، فإن الدولة الإسلامية الوحيدة التي استمر فيها نظام ديمقراطي لفترة من الزمن هي تركيا، حيث رفض زعيمها أتاتورك المفاهيم الإسلامية عن المجتمع والسياسة، وأقام نظامًا قوميًا علمانيًا حداثيًا على الطريقة الغربية. أما باكستان، فلم تعمر أي من محاولاتها لتحقيق الديمقراطية فترة طويلة. والدولة العربية الوحيدة التي استمر فيها شكل من أشكال الديمقراطية هي لبنان، لكن ديمقراطيتها بلغت حد الأوليجاركية الطائفية، ثم انهارت بمجرد أن أصبح المسلمون أغلبية السكان وبدأوا في المطالبة بحقوقهم. أما على صعيد المعارضة السياسية، فظلت الحركات الداعية إلى الديمقراطية ضعيفة نسبيًا، بينما اصطبغت المعارضة الأقوى بالطابع الأصولي الإسلامي. فكانت الحركات الإسلامية الأصولية هي أكثر المستفيدين انتخابيًا من حالات الانفتاح النسبي في النظم التسلطية. وخلاصة القول في رأي هنتنجتون إنه سواء كان الإسلام والديمقراطية متطابقين نظريًا أم لا، فإن الممارسة تشير إلى أنهما نادرًا ما يجتمعان.

ورغم خطورة العقبات الثقافية أمام التحول الديمقراطي، شكك هنتنجتون في قدرة تلك العقبات على منع ذلك التحول لثلاثة أسباب. أولًا لم تتوقف مناقشات مشابهة في الماضي حين زعم بعض المفكرين أن الكاثوليكية كانت عقبة أمام الديمقراطية. وثانيًا، إن التعاليم الثقافية الكبرى مثل الإسلام هي أبنية فكرية مركبة. ففي أية ثقافة كبرى عناصر متطابقة مع الديمقراطية وأخرى غير متطابقة معها، والواجب هو البحث عن عناصر الإسلام التي تتطابق مع الديمقراطية، وكيفية إبطال عمل العناصر غير الديمقراطية فيه، والظروف التي تساعد على تحقيق ذلك. وثالثًا، تتميز الثقافات الكبرى بتغير مستمر، فهي ليست راكدة. وبينما تحافظ الثقافة السائدة في المجتمع على عناصر استمراريتها، فإنها قد تختلف جذريًا من جيل لآخر.

 

رؤية بديلة

استخدم هنتنجتون معيارًا شكليًا لإطلاق اسم "الموجة" على عمليات التحول الديمقراطي في فترات زمنية مختلفة. هذا المعيار هو عدد النظم المتحولة إلى الديمقراطية. وهذا المعيار يبرر إطلاق وصف الموجة على حالات التحول من التسلطية باتجاه الديمقراطية في بلاد الربيع العربي. فخلال أقل من عام واحد انزاحت أربعة نظم تسلطية في تونس ومصر وليبيا واليمن، وبدأ يجل محلها تدرجيًا نظم تقوم على الإرادة الشعبية. ويبدو أن هذه الموجة مرشحة للتواصل على الأقل في دولة عربية واحدة هي سوريا، فضلًا عن آثارها الملموسة في دول عربية أخرى لم تتغير نظمها وإنما تغيرت سياساتها نحو مزيد من الاستجابة للمطالب الشعبية المتطلعة نحو الديمقراطية. ومن هذه الدول المغرب والأردن والبحرين، وربما الجزائر والسودان وموريتانيا.

لكن هذا المعيار الشكلي لا يعكس مدى عمق التحول. فمن المشكوك فيه مثلًا أن تكون للدول التي تحولت إلى الديمقراطية خلال الموجة الثانية (أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أوائل ستينات القرن الماضي) أية علاقة بجوهر الديمقراطية، ليس فقط بدليل سرعة تحولها إلى نقيض الديمقراطية، أي التسلطية، بل أيضًا لأن نظمها "الديمقراطية" كانت من جملة ما ورثته عن مستعمريها. فسرعان ما تخلت هذه الدول حديثة الاستقلال –بل والنشأة أحيانًا– عن تلك النظم كراهية في الاستعمار، وتأكيدًا على قيمها الثقافية التقليدية، وتماشيًا مع المرحلة التاريخية التي كانت تمر بها. فضلًا عن أن ممارسة الديمقراطية في تلك البلاد غالبًا ما شابها كثير من الشوائب.

غير أن أخطر ما يهمنا في رؤية هنتنجتون هو تلك الصورة المشوهة للعلاقة بين الديمقراطية والإسلام فكرًا وممارسة، فهي رؤية يشوبها القصور لأنها مبنية على مفاهيم غير دقيقة لكل من الديمقراطية والإسلام، وقراءة غير منصفة لعلاقة كل منهما بالممارسة السياسية في البلاد الإسلامية. وتكشف الثورات العربية في العامين الأخيرين مدى تشوه هذه الرؤية، وتمهد الطريق لرؤية بديلة للديمقراطية والإسلام والممارسات السياسية في البلاد الإسلامية. وهذا المقال هو لبنة في بناء تلك الرؤية البديلة.

 

أولًا: ماهية الديمقراطية

هل الديمقراطية نظام حكم أم قيمة سياسية واجتماعية أم منهج حياة أم أنها كل ذلك أم أنها غير ذلك؟ وهل الديمقراطية الغربية صالحة للتطبيق مطلقًا بغض النظر عن الزمان والمكان والأشخاص والأحداث؟

يصعب تجاهل حقيقة أن مفهوم الديمقراطية نشأ وتطور ونضج في البيئة الحضارية الغربية قبل انتقاله إلى بيئات حضارية أخرى. وقد احتاج غرس الديمقراطية في بيئتها الحاضنة وتغيير القيم الاجتماعية بما يتناسب مع الديمقراطية إلى وقت طويل وتأثير تراكمي مطرد، حتى أصبحت الديمقراطية في تلك البيئة منهجًا للحياة يلقى الخارج عنه عقابًا اجتماعيًا أكثر منه سياسيًا. فباتت الديمقراطية قيمة عليا في مؤسسات المجتمع والدولة، سواء داخل الأسرة أو في المدرسة والجامعة والشركة والمصنع والنقابة والنادي ومن ثم الحكومات المحلية والقومية.

غير أن الموقف في المجتمعات التي تلقت مفهوم الديمقراطية من الخارج جد مختلف. فمن جهة، ظل هذا المفهوم غامضًا وملتبسًا ردحًا من الزمن. وزاد من غموضه والتباسه تلك الممارسات غير الديمقراطية لنظم ظلت تزعم أنها ديمقراطية، مما أثمر إدراكًا مشوهًا لهذا المفهوم عند بعض الناس، فتحددت مواقفهم من الديمقراطية بما يتناسب مع هذا الادراك. ومن جهة أخرى تمسك الليبراليون من دعاة الديمقراطية في العالم الإسلامي بنقل مفهومها الغربي حرفيًا، وهو نمط في النقل عن الغرب تكرر كثيرًا في البلاد الإسلامية منذ نحو قرنين من الزمان، وأعاق الاستفادة من بعض ما أنتجته الحضارة الغربية.

إن وصف نظام بالديمقراطية يجب ألا يتوقف على احتذائه بالنموذج الديمقراطي الغربي، بل على التزامه بالمعايير والإجراءات التي تعتبر ضرورية للديمقراطية، وهي التحاكم إلى الشعب وفق آلية الانتخابات النزيهة، والمنافسة الحرة المتكافئة، والمشاركة المفتوحة أمام جميع القوى السياسية في المجتمع في جو من الحرية والمساواة.

وكما أن العقل البشري –على حد قول هنتنجتون– قادر على ابتكار أشكال جديدة من النظم التسلطية، فإنه كذلك قادر على ابتكار أشكال جديدة للنظم الديمقراطية لا تتطابق بالضرورة مع نموذجها الغربي. إن الزعم بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا وفقًا للنموذج الغربي يعني أن التغريب الثقافي شرط ضروري لها. وهذا الزعم لن يكون فقط منفرًا من الديمقراطية بالنسبة للشعوب التي تعتز بقيمها الحضارية، ومن بينها الشعوب الإسلامية التي استعصت حتى الآن على التغريب، بل إنه أيضًا انتهاك لحق الشعوب غير الغربية في ممارسة خصوصياتها الحضارية.

إن الارتقاء بالديمقراطية إلى مرتبة القيم العليا يجعلها في مصاف قيم الحرية والعدالة والمساواة التي يمكن لأي مجتمع أن يطبقها وفقًا لبيئته وظروفه وثقافته. أما إثقال الديمقراطية بكثير من المضامين والمؤشرات فيعني مزيدًا من الصعوبة والتعسف والتأجيل في تطبيقها في كثير من دول العالم. إن تطبيق الديمقراطية في البلاد التي لم ينشأ فيها هذا المفهوم يحتاج إلى مواءمة، وإن تكييف الديمقراطية مع خصوصيات تلك الدول والمجتمعات أنسب وأيسر من تكييف تلك الدول والمجتمعات مع المفهوم الغربي للديمقراطية.

 

ثانيًا: الإسلام والمسلمون والديمقراطية

تساءل هنتنجتون عن مدى العداء الكامن والظاهر بين القيم والعقائد الإسلامية من جهة والديمقراطية من جهة أخرى. كما تساءل إن كان الإسلام قد أعاق في الماضي وسيعيق في المستقبل التحول الديمقراطي في البلاد الإسلامية. فهو يقيم الإسلام بمدى اقترابه من المفهوم الغربي للديمقراطية أو ابتعاده عنه. ولأن هذا التقييم مبني على النموذج المعرفي الغربي، فإنه لا يؤدي فقط إلى سوء الفهم بل يمهد الطريق لرفض الآخر ومن ثم صدام الحضارات، وهي أطروحة أفرد لها هنتنجتون كتابًا آخر، وارتبطت باسمه بعد ذلك.

وقد ذكر هنتنجتون بعض أوجه الاتفاق بين الإسلام والديمقراطية، ونضيف إليها هنا التعددية في النموذج الإسلامي. فمع الاتفاق على أصول الدين –وهي تمثل النظام العام في المجتمع– يتعامل الفكر الإسلامي الوسطي مع التنوع في المجتمع بإيجابية، ويحترم ذلك التنوع، ويتيح صيغًا للتعبير عن ذلك التنوع، ويقبل ما يترتب عليه من خلاف، ويقدم آليات تحول دون تحول الخلاف إلى صراع يهدد تماسك المجتمع.

ويبدو أن هنتنجتون لم ينتبه إلى هذا التنوع داخل المجتمعات الإسلامية، فأهمل دراسة مواقف الاتجاهات السياسية الإسلامية من الديمقراطية، واكتفى بالنظر في الموقف الفكري للإسلام منها. ويمكن تعريف هذه الاتجاهات بأنها تلك التي تتخذ الإسلام مرجعية أساسية لها. وقد ساهمت عدة عوامل في تحديد مواقفها من قضية الديمقراطية، ومن هذه العوامل القيم الإسلامية التي تشدد على الشورى، وكذلك الواقع القائم في كل دولة، ومدى اعتراف الحكومات والقوى الدولية بتلك الاتجاهات السياسية الإسلامية.

وفي الواقع فإننا أمام اتجاهات وليس توجهًا واحدًا، تتفاوت في تسويغ رفض الديمقراطية أو التحفظ عليها أو قبولها قبولًا مشروطًا أو مطلقًا. فيجب التمييز بين مواقف الاتجاهات الإسلامية المتنوعة من الديمقراطية من أجل تجنب التعميم الخاطئ. فمن هذه الاتجاهات من يقبل الديمقراطية ولا يعتبرها مناقضة للإسلام، بل يعدها مرادفًا لفكرة الشورى. وهناك من يقبلها متحفظًا على بعض عناصرها أو ما يتصور أنه من مكوناتها. وفي المقابل نجد من بين الاتجاهات الإسلامية من يرفض الأساس الفلسفي للديمقراطية وينقدها وفق تصور يظنه ثابتًا وكامنًا في الفكرة الديمقراطية. فهناك مثلًا من يرفض الديمقراطية لارتباطها بفكرة العلمانية سيئة السمعة لدى كل الاتجاهات الإسلامية. ومن تلك الاتجاهات من يرى أن الشورى في الإسلام فكرة بديلة عن الديمقراطية. ومنها من يرفض الديمقراطية لاختلافه مع نماذجها التطبيقية لاسيما في الغرب، مثل الحزبية أو التمثيل النيابي أو الدعاية الانتخابية أو المعارضة. وهناك من يخلط بين الديمقراطية وبعض الممارسات المرتبطة بمفهوم الحرية في الغرب كالإباحية مثلًا. وهناك من يقدم شرعية النظام السياسي على ممارساته سواء كانت ديمقراطية أو غير ذلك. وهناك من يرفض الديمقراطية لأنها وصلت إلينا من الغرب المعادي لنا. وهناك من يرفض الديمقراطية لأنها الشعار الذي رفعته بعض الحكومات المستبدة في البلاد الإسلامية، حيث مارست بعض تلك الحكومات "ديمقراطية الخطوة خطوة" أو "ديمقراطية الاستثناءات" التي تستبعد "القوى المهددة للديمقراطية" من الحياة السياسية. فإحدى المشكلات الرئيسية التي واجهت القوى الإسلامية هي العبث بالديمقراطية من جانب الحكومات. فإذا كانت هناك ديمقراطية بأي معنى مقبول، لكان لزامًا التعامل مع القوى الإسلامية. فلا يمكن تصور العلاقة بين القوى الإسلامية وأي نظام "ديمقراطي" إذا كانت ديمقراطيته تبدأ بنفي تلك القوى الإسلامية واستبعادها.

وقد أخطأ هنتنجتون في تقييم العلاقة بين الإسلام والديمقراطية من خلال النظر في ممارسات نظم الحكم في البلاد العربية والإسلامية في وقت كانت معظم تلك النظم لا تمثل القيم السياسية والثقافية في الإسلام، ولا تمثل القيم السياسية والثقافية للديمقراطية. وغاية الأمر أنها تشهر سلاح الخصوصية الثقافية الإسلامية (فضلًا عن الظروف السياسية والاقتصادية) في وجه دعاة الديمقراطية، وترفع شعار حماية الديمقراطية (فضلًا عن الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية) في وجه الاتجاهات الإسلامية. إن تقييم العلاقة بين الإسلام والديمقراطية من خلال ممارسات تلك النظم –كما فعل هنتنجتون– هو تقييم جائر.

 

ثالثًا: من الموجة الثالثة إلى الموجة الرابعة للديمقراطية

عندما تفجرت الثورات الشعبية في أوروبا الشرقية في نهاية ثمانينات القرن الماضي لم يكن أمامها نموذج سياسي ناجح تقتلع به الشيوعية من دولها ومجتمعاتها سوى النموذج الديمقراطي الغربي. وفي مناخ ما بعد نهاية الحرب الباردة أصبح التحول الديمقراطي أحد الشعارات الكبرى التي رفعها "النظام العالمي الجديد"، تمامًا كحقوق الإنسان والحفاظ على البيئة. فلم يكن مستغربًا أن تركب بعض الأنظمة التسلطية الموجة لا لتصل إلى "بر الديمقراطية" بل لتصل إلى "بر الأمان". فالتظاهر بالتحول نحو الديمقراطية كان يحميها من غضب الداخل أو الخارج أو كليهما معًا إلى حين أن تتوقف أو تهدأ موجة المد الديمقراطي، ثم تعود تلك الأنظمة إلى ممارساتها التسلطية في شكل جديد أكثر ملاءمة للموقف العالمي. وللأسف كانت بلادنا العربية هي أوضح مثال على ذلك.

فبعد أن شهدت نهاية الثمانينات وبداية التسعينات تطورًا ملحوظًا باتجاه الديمقراطية في البلاد العربية نتيجة عوامل داخلية بالأساس، توقف هذا التطور، ثم ما لبث أن تراجع باتجاه أوضاع كان بعضها أسوأ من تلك التي سبقت بداية التحولات الديمقراطية. ولعب العامل الخارجي دورًا معوقًا للتطور الديمقراطي في البلاد العربية. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي – وهما أهم الفاعلين الدوليين الداعمين للتحول الديمقراطي من وجهة نظر هنتنجتون – استمرا في دعم بعض أشد النظم قمعًا في العالم كالنظامين المصري والتونسي، وتقديم المساعدات الاقتصادية السخية لها، والتغاضي عن تراجعها عن التحول الديمقراطي، بل والتصالح مع نظم ظلت معادية للديمقراطية مثل النظام الليبي. فالعبرة فقط بما يخدم المصلحة بمعناها الضيق والمادي والآني. لذا كانت ثورات الشعوب العربية مفاجأة لتلك القوى تمامًا كما كانت مفاجأة للأنظمة الحليفة لها في البلاد العربية.

ولعل ضعف العامل الخارجي في الثورات العربية هو خير لها. فتأثير العامل الخارجي لا يعني فقط انتهاك حق الشعوب في اختيار نظام الحكم الأمثل لها، وهذا من أبجديات الديمقراطية، بل يفسر أيضًا بعض حالات الردة عن الديمقراطية. فالشعوب قد تثور ضد أي نظام يفرض عليها من الخارج، حتى لو كان ديمقراطيًا.

 

 

* مقال نُشر في مجلة الديمقراطية، العدد 49، يناير 2013، ص 106-111.

**  أستاذ زائر وباحث أول، فسم الدراسات السياسية والدولية، جامعة رودس، جنوب أفريقيا.

[1] Huntington, Samuel P., 1993, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Norman, OK: The University of Oklahoma Press); 1993, “Democracy’s Third Wave,” in: Larry Diamond and Mare F. Plattner (eds.), The Global Resurgence of Democracy (Baltimore, MA: The Johns Hopkins University Press).

هذا العدد الخاص من دورية «نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية» بعنوان "المذاهب الفقهية؛ جذور النشأة المبكرة- بحوث منتخبة من أعمال الندوتين العلميتين الأولى والثانية ضمن سلسلة ندوات (المعارف الإسلامية: رؤية سياقية متعددة)" ثمرة تعاون أكاديمي بين مركز نماء للبحوث والدراسات وجامعة مونستر الألمانية، يربط بين مؤسسات عربية وأوروبية لتعميق دراسة التاريخ المبكر للفكر الفقهي الإسلامي.

يعتمد هذا الإصدار مقاربة تحليلية نقدية تتجاوز القراءة السلبية للتاريخ، من خلال دراسات تركز على البنى المنهجية والاجتهادية الداخلية التي أسست للمذاهب الفقهية في نشأتها، بالإضافة إلى استكشاف الأبعاد السياسية والاجتماعية المحيطة التي أثرت على تطورها.

تُثرِي بحوث هذا العدد المكتبةَ العربية الإسلامية بتنوع منهجي يجمع بين التاريخيّ والتحليليّ والنقديّ، ويغطي مدارس فقهية متعددة تُظهر طيف الاجتهاد الإسلامي في مراحله الأولى. كما تسعى الدراسات إلى استقصاء العوامل العلمية والاجتماعية والسياسية التي صاغت معالم كل مذهب، مما يعزز الحوار الأكاديمي المتخصص حول تطور الأفكار الفقهية ومنهجية الاجتهاد.

تولّت لجنة تنسيقية مكوّنة من الدكتور عبد الرحمن زعتري والدكتور محمد الريوش والدكتورة فاطمة خليل مهمة الإشراف على التنظيم العلمي والإداري لهذا العدد، فسهّلت التواصل بين الباحثين وضمنت جودة الأبحاث وتنسيق فعاليات الندوتين.

يمثّل هذا الإصدار نموذجًا للتعاون العلمي الدولي ويُسهم في تقديم فهم معمق لتشكّل المذاهب الفقهية الإسلامية في مراحلها المبكرة. ندعو الباحثين والمهتمين للمشاركة في الفعاليات القادمة ضمن برنامج «المعارف الإسلامية»، لتعميق البحث وإثراء المعرفة الإنسانية بتاريخ الفكر الإسلامي وتطوّره.

 

البحوث المنشورة في العدد

الاتجاهات المنهجية في المذهب المالكي

يقدم الدكتور سلمان الصمدي بحثًا مهمًا بعنوان "ابن القاسم وخصومه: نشأة الاتجاهات المنهجية داخل المذهب المالكي". يروم هذا البحث إعطاء صورة واضحة لأبرز الاتجاهات المنهجية التي ظهرت في المذهب المالكي في الفترة المبكرة، والإضاءة على عوامل نشأتها واختياراتها المنهجية ومظاهر تفاعلها وتدافعها لإثبات الوجود وما اكتنف ذلك من مظاهر الخصومة والعصبية. يستثمر البحث مصادر تاريخ المذهب المتنوعة، وفي مقدمتها نص من أقدم النصوص التي أشارت إلى هذا التنوع بشكل واضح، وهو كتاب "التسمية والحكايات لنظراء مالك وأصحابه وأصحاب أصحابه" للفقيه والمؤرخ الأندلسي أبي العباس الوليد بن بكر السرقسطي العمري (ت 392هـ). يُعد هذا الرصد ذا أهمية قصوى على مستوى التأريخ للدرس المالكي وتفسير قضاياه وظواهره اللاحقة ونقد كثير من التصورات العالقة به. خلص البحث إلى الوقوف بوضوح على الجذور الأولى التي أسهمت في تشكل منهج المدرسة المالكية العراقية والمدرسة المالكية المغربية بفروعها، وإلى رؤية أوضح عن تشكل مفهوم المذهب، والذي كان سابقًا عما يعتقده معظم الدارسين من تأخره إلى فترات لاحقة.

 

تطور مقاصد الشريعة في المدرسة الخراسانية

يسلط الدكتور حمزة مشوقة الضوء على موضوع "نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية". تهدف هذه الدراسة إلى دراسة الأسباب التي أدت إلى نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية، وقد تم تقسيمها إلى مقدمة وتمهيد ومبحثين يتناولان التعريف بالمدرسة الخراسانية الشافعية والبيئة العلمية التي نشأت فيها والمنهج العلمي للمدرسة الخراسانية. تجيب الدراسة عن عدة تساؤلات مهمة، منها: ما الأسباب التي أدت إلى نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية؟ وهل أثرت البيئة العلمية التي احتوت المدرسة الخراسانية الشافعية في نشأة مقاصد الشريعة؟ وهل كان للمنهج العلمي الذي تميزت به المدرسة الخراسانية الشافعية أثر في تأسيس مقاصد الشريعة؟ خلصت الدراسة إلى وجود عدد من المسببات منها: البيئة العلمية للمدرسة الخراسانية، والمنهج العلمي عند المدرسة، وأصول مذهب الإمام الشافعي الذي أخذ بالمصلحة المعتبرة في أصول الشرع؛ ولذلك اهتم علماء المذهب باستقراء الكليات الشرعية التي بُنيت عليها الأحكام الجزئية.

 

نقد الرؤى الحداثية لنشأة الفقه

يقدم الدكتور محمد عبيدة مراجعة نقدية لتفسير جورج طرابيشي لنشأة الفقه والسنة من خلال تحليل بعض النقاشات الفقهية المبكرة. تُعد كتابات جورج طرابيشي من الكتابات الحداثية العربية البارزة، وهو في تفسيره لنشأة الفقه ينطلق من أساس ماركسي، حيث يربط ظهور السنة بالتقاء مصالح الطبقة الحاكمة بسبب حركة الفتوحات ورغبتها في إدارة المجتمعات المفتوحة برغبة الطبقات المثقفة المنحدرة من الشعوب المفتوحة (الموالي). يهدف هذا البحث إلى تقديم نقد لهذا التصور في ضوء بعض مبادئ السوسيولوجيا التأويلية، وإبراز ضعف مقاربة طرابيشي التي تهمل أدوار الفاعلين الاجتماعيين وتركز على العوامل السياسية والإيديولوجية والطبقية في تحليل الظواهر الاجتماعية وتفسيرها. توصل البحث إلى أن تفسير طرابيشي لنشأة الفقه الإسلامي قد أغفل دور الصحابة، كما عجز عن تفسير الجهد الذي بذله المحدثون في جمع السنة ونقدها.

 

الفقه الجعفري وظروف التكوين

يتناول الدكتور حيدر حب الله موضوع "الفقه الإمامي الجعفري وظروف النشأة في القرن الثاني الهجري". يهدف هذا البحث إلى دراسة ظروف تكون ما يُعرف اليوم بالمدرسة الفقهية الإمامية أو المذهب الجعفري أو فقه أهل البيت بالمصطلح الإمامي للكلمة، ويركز على اللحظة الزمنية لولادة الفقه الإمامي (الجعفري). يسعى البحث للإجابة عن تساؤلات مهمة مثل: لماذا تكون هذا الفقه مع الإمامين الباقرين وليس قبلهما ولا بعدهما؟ وما ظروف الانفصال عن فقه الجمهور؟ وما ظاهرة الالتباس في مرحلة التكون، أو لماذا ولد هذا الفقه ملتبسًا بعض الشيء؟ بالإضافة إلى بحث علاقة الفقه الجعفري وموقفه من مدرستي الحديث والرأي، وأتباعه الأوائل بين النص والاجتهاد. خلص البحث إلى أنه لا يمكن فصل نشوء الفقه الجعفري عن ظهور الفقهاء والقضاة الأوائل، ثم نشوء المدارس الفقهية بعدهم، فقد خط هذا الفقه تاريخيًا مسيرة مدارس الفقه الإسلامي، فولد على شكل توجيهات وأفكار فقهية حملها نخبة من تلامذة الأئمة، ثم تحول بالتدريج إلى مدرسة متكاملة بمرور الوقت.

 

الفقه الزيدي في العصر الكلاسيكي

يقدم الدكتور محمد الحسيني بحثًا بعنوان "الفقه الزيدي وأصوله في العصر الكلاسيكي: ملاحظات تمهيدية". قدم البحث فيما سماه الباحث "ملاحظات تمهيدية" صورة لملامح الفقه الزيدي وأصوله، أسهمت في موضعته في سياقه من المعارف الإسلامية في الحقبة قيد البحث؛ إذ أجاب عن الأسئلة الرئيسة المتعلقة بهذين العلمين. سلك الباحث لبناء عرضه التاريخي مسلك الوصف والاستقراء والتحليل باستنطاق المصادر الزيدية وإظهار ما تفصح عنه بنحو مباشر وغير مباشر. تكون البحث من مقدمة وثمانية عناوين، ثلاثة منها رئيسة وخمسة فرعية، تناولت مرحلة النصوص المؤسسة ونشوء المدارس الفقهية في الحقبة التكوينية المتأخرة، ومرحلة النصوص المؤسسة الثانية وتطور العلاقات مع الآخر. خلص البحث إلى أن الفقه الزيدي وأصوله قد مرا، لعوامل تاريخية وسياسية وثقافية وجغرافية، بعدة أدوار تنوع المشهد فيها تبعًا لذلك، أفرزت العديد من مدونات الفقهاء والأصوليين في مجالي الفقه وأصول الفقه.

 

نقد منهج المستشرقين في دراسة الفقه المبكر

يُسهم الدكتور مروان الحبشي بدراسة نقدية لمنهج هارالد موتسكي في إثبات صحة الرواية الفقهية للمذهب المكي المبكر. يهدف هذا البحث إلى تغطية فترة مبكرة في تاريخ تطور المدرسة الفقهية المكية أغفل المستشرق الألماني هارالد موتسكي التطرق إليها في عمله الموسوم بـ "بدايات الفقه الإسلامي وتطوره في مكة حتى منتصف القرن الهجري الثاني/الميلادي الثامن". يعود البحث إلى الفترة التي نشط فيها مؤسس المدرسة عبد الله بن عباس ودراسة مجهوداته التي ساهمت في قيام المدرسة المكية. وقد تطرق البحث لعرض أسباب اختيار موتسكي مصنف عبد الرزاق نصًا لتطبيق منهجه، دراسة السند والمتن معًا عليه، وبيان المعايير التي استند عليها في الوصول إلى نتيجة أن روايتي ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح وعن عمرو بن دينار صحيحتان. توصل البحث إلى أن تغطية فترة ابن عباس تضع الباحث أمام البدايات الفعلية الأولى للمدرسة الفقهية المكية وكيف تشكل النقاش الفقهي آنذاك.

 

الفكر الفقهي للماوردي

يقدم الدكتور محمد المعلم من جامعة جورج تاون دراسة معمقة بعنوان "الفكر الفقهي للماوردي (ت 450هـ/1058م) في الإسلام الكلاسيكي: نظام متكامل وتفاعلي للاجتهاد والتقليد". تسعى هذه الدراسة إلى إعادة النظر في رواية الانحدار التي تصور نشوء المدارس القانونية كعامل أساسي في تراجع الفقه، خصوصًا في القرن الرابع/العاشر وما بعده، حيث هيمنت ثقافة التقليد (اتباع السلطة القانونية) على الاجتهاد (التفكير القانوني المستقل). تحلل الدراسة العلاقة بين مفاهيم الاجتهاد والتقليد وإجراءاتهما في مؤلفات الماوردي، الفقيه الشافعي البارز، مع التركيز على عمله "الحاوي الكبير". بدلًا من تقديم الاجتهاد والتقليد كمراحل تاريخية متعارضة أو متعاقبة. تؤكد الدراسة أن الفكر الفقهي للماوردي يدمج هذين الإجراءين كأدوات تكاملية تلبي متطلبات منهجية واجتماعية وسياسية متميزة. تُعاين الدراسة معاني الاجتهاد والتقليد ووظائفهما كما وردت في مؤلفات الماوردي، مبرزة كيف أسهم التقليد في تحقيق الاستقرار خلال فترات التشرذم السياسي، بينما عزز الاجتهاد استقلال القضاء وتحدى التأويلات الباطنية. إن هذا الدمج بين الاجتهاد والتقليد كعناصر مستدامة ومتفاعلة ضمن الفقه الإسلامي يفند التأويلات التي تضع الماوردي ضمن سردية الانحدار التبسيطية.

 

لتحميل عدد المجلة

 

* صدر هذا العدد الخاص من دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية في المجلد التاسع، العدد الثاني، المقرر صدوره في يونيو 2025. تحمل المجلة الرقم الدولي المعياري للنشر الإلكتروني (ISSN: 2785-9746) والرقم الدولي للنشر الورقي (ISSN: 2785-9738). تأسست المجلة عام 2016 وتصدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات، وهي مجلة علمية محكمة تنشر الأبحاث بالعربية والإنجليزية والفرنسية، وقد أفدنا من تقديم العدد ومن ملخصات الأبحاث في إعداد هذا التقرير.

يمثل بحثُ د. رمزي رشاد الشيخ الموسوم بـ«مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرًا للقانون المدني» جسرًا فكريًّا يجمع بين منظومتي الفقه الإسلامي والتشريع المدني، في إطار يهدف إلى إبراز الأبعاد الأصولية والمادية والتفسيرية لمبادئ الشريعة وأثرها في صناعة القاعدة القانونية المدنية. وقد اختار الباحث هذا الموضوع انطلاقًا من إدراكه لأهمية معرفة المصادر الحقيقية للقواعد القانونية، لا سيما تلك التي يلتجئ إليها القاضي حينما يخلو التشريع أو العرف من نصٍّ واضح، وبحثُه هذا يسد فجوةً بحثيةً لافتةً نجمت عن النقص في الدراسات المتخصصة في الجانبين الشرعي والمدني.

 

إشكالية البحث وأهميته

تنحصر الإشكالية الأساسية -بحسب الباحث- في غياب تعريف موحد ودقيق لمصطلح «مبادئ الشريعة الإسلامية» لدى القانونيين والفقهاء على حدّ سواء، بالإضافة إلى ندرة الدراسات التي تناولت هذا الجانب دراسة مستفيضة. ولقد أبرز الباحث أن الوصول إلى فهم واضح لهذا المصطلح ليس رفاهيةً نظريةً فحسب، بل ضرورةٌ عاجلةٌ في المحاكم المدنية التي تؤسس أحكامها على مواد القانون المدني وتنصّ على الرجوع إلى مصادر احتياطية عند انعدام النص التشريعي أو العرفي. ومن هذا المنطلق، يتحقق البعدُ العملي للبحث في تمكين القاضي من استخراج قاعدة قانونية متكاملة مستوحاة من مبادئ الشريعة، ترفع من مستوى العدالة وتحافظ على روح التشريع الأصلي.

 

الإطار النظري والاستعانة بالمصادر

اعتمد الباحث في مدخله النظري على تقسيم مصادر القانون إلى رسمية (التشريع، العرف، الدين، مبادئ الشريعة) ومادية (البيئة الاقتصادية والاجتماعية، العادات، المبادئ الأخلاقية)، مع التركيز على المصدر المنشئ للقواعد القانونية. وقد أوضح أن مبادئ الشريعة تحتل مرتبة المنظومة الاحتياطية الرسمية بعد العرف، تليها بقية المصادر الاحتياطية كالطبيعي والعدالة. ولتخطي صعوبات نقص الدراسات الوسيطة وغموض المصطلح، لجأ الباحث إلى العودة المباشرة للمؤلفات الأصولية والفقهية في أصول الفقه والفقه الإسلامي (ابن الصلاح، الشاطبي، ابن عاشور وغيرهم)، مستفيدًا من جهود التحقيق وطباعة المخطوطات القديمة وتوافرها عبر الإنترنت.

 

منهجية البحث وخطته التفصيلية

تَبعَ الباحث منهجًا وصفيًا-تحليليًا، انطلق في الفصل الأول من تحديد المفهوم في ضوء القراءات القضائية والدستورية والفقهية. إذ استعرض كيفية تعامل المحكمة الدستورية وقضاء النقض مع «مبادئ الشريعة الإسلامية»، ثم انتقل إلى دلالات المصطلح في الوثائق الدستورية المصرية (المادة الثانية من الدستور) والوقفات التأصيلية لدى مذاهب أهل السنة والجماعة، مع بيانه للأدلة الكلية (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) والقواعد الفقهية والأصولية (كالرسوخ والمعاملة بالمجاورة والمصالح المرسلة). وفي المبحث الثاني، عرض الباحث المفهوم الفقهيّ المتداول في كتب الأصول ومدى توافقه أو تباينه مع التعريف القانوني المختار.

 

أما الفصل الثاني، فخصَّصُه لدراسة دور مبادئ الشريعة الإسلامية في التشريع المدني وفق حالتين: الأولى حالةُ وجود نص تشريعي، فسلك في المطلب الأول إبرازها مصدرًا تاريخيًا ومعنويًا للنص، واستعرض في المطلب الثاني نماذجٍ توافقية تعكس انسجام التشريعات المدنية مع المبادئ الشرعية (كحُسن النية، والعدل، والمصلحة) وأخرى تعارضية تستدعي التنقيح أو الطعن (كأحكام بعض بنود الإبراءات أو النصوص المتعلقة بالملكية)، مع تقديم أمثلة فقهية وقضائية. وفي الحالة الثانية، وهي انعدامُ النص أو العرف، تناول آليات استنباط القاعدة القانونية من المبادئ الشرعية سواء عبر النقل المباشر للأحكام أو عبر الاجتهاد المقنن بضوابطه (التزام القاضي بان لا يخالف النصوص القطعية، ووجوب مراعاة المصلحة المعتبرة شرعًا)، ثم ناقش ضوابط الاستنباط في المطلب الثاني، مستفيدًا من نظرية المقاصد الشرعية وعلم أصول الفقه.

 

عرض بعض التطبيقات القضائية

استعرض البحث عدة أحكام صادرة عن محاكم مدنية واجهت قضايا تتعلق بعقود تمويل أو ضمان أو وصية لم تكن النصوص المدنية صريحة بشأنها، فاستدانت بقاعدة «الضرر يزال» و«الأمَانَة أمانةٌ» من مبادئ الشريعة. كمثال، قضت محكمة النقض في حكمها الصادر عام ٢٠١٨ بإلغاء شرطٍ مخالفٍ للعدالة في عقد تأمين، مستندةً إلى مبدأ التعويض الكامل عن الضرر الشرعي، وقررت المحكمة الدستورية العليا سنة ٢٠٢٠ أن لبعض المبادئ الشرعية دورًا تفسيريًا للنصوص الدستورية الخاصة بالأحوال الشخصية.

 

النتائج

أولى الباحث أهم النتائج التي توصل إليها، أولًا: أنّ مصطلح «مبادئ الشريعة الإسلامية» هو مصطلح قانوني فتحَّه الفقه المدني في ضوء حاجته إلى مصدرٍ احتياطي، ولم يكن مستخدمًا بذات الصيغة في النصوص الأصولية التقليدية، وإن كان المعنى العام للمبادئ الجزئية واردًا في أدبيات الفقه. ثانيًا: أكد الباحث أنّ من واجب القاضي والمشرع عدم تجاوز الأحكام القطعية الثابتة في الشريعة الإسلامية، وأن الاجتهاد فيما دون ذلك مقيد بضوابط التقييد الشرعي. ثالثًا: رصد الباحث توافقًا عامًا بين معظم الأحكام المدنية وأحكام الشريعة، بحيث لا تختلف في الغالب، لكنه لفت الانتباه إلى نصوص معدودة يتعارض فيها التشريع مع المبادئ الشرعية في الجملة، مما يتطلب مراجعة تنقيحية. رابعًا: وضّح أن مبادئ الشريعة ليست مصدرًا تشريعيًّا بالمعنى الحصري، لكنها مصدرٌ مادي يمد التشريع بالمضمون وروح المبادئ، كما تلعب دورًا تفسيريا في إزالة الإبهام عن النص. خامسًا: بيّن أن مبادئ الشريعة بوصفها المصدر الرسمي الاحتياطي تتيح للقاضي مساحةً لإعمال الاجتهاد عند خلوّ التشريع والعرف الصريحين.

 

التوصيات

انطلاقًا من النتائج السابقة، قدم البحث مجموعة توصيات عملية، أولها دعوة المشرع المصري (مجلسَي النواب والشيوخ) إلى مراجعة شاملة لنصوص القانون المدني تبعًا للمادة الثانية من الدستور، بما يضمن إلغاء البنود المخالفة للثوابت الشرعية، مع إبقاء ما لا يتعارض. ثانيًا، أوصى الباحث بأهمية تضمين العقود المدنية لشروط تبيّن صراحةً تقديم مبادئ الشريعة الإسلامية على أي حكم مدني غير آمرٍ، مما يثبت إرادة المتعاقدين ويجعل تطبيقها رهنًا بإرادتهم. ثالثًا، شدد على ضرورة استمرار الجهود العلمية لفقهاء الشريعة والأصوليين في شرح وتبسيط مبادئ الشريعة بلغة معاصرة مفهومة لغير المتخصصين من القضاة والمحامين والمتعاملين، ليتسنّى لهم توظيف هذه المبادئ بسهولة ودون قيود لغوية أو مفاهيمية.

 

لتحميل ملف الدراسة

 

* د. رمزي الشيخ، مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر للقانون المدني، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، العدد 1، المجلد 7، يونيو 2021.

** أستاذ القانون المدني المساعد، كلية الحقوق بجامعة طنطا.

يُعَدّ كتابُ "العقل والفقه في فهم الحديث النبوي"* للشيخ الدكتور مصطفى أحمد الزرقا** (1904–1999م) من الإسهامات الفكرية المهمة التي توازن بين النقل والعقل في التعامل مع النصوص النبوية، حيث يقدم رؤية متزنة تجمع بين احترام السند والمقاصد الشرعية والرجوع إلى المنطق السليم.

يهدف الكتاب إلى إعادة نظرٍ نقدي في بعض الاجتهادات الفقهية التي تبنّت مفاهيم شرعية دون التأكّد من صحة سندها في الحديث النبوي، مستعينًا بأمثلة متعددة يوضح فيها طبيعة تلك الإشكالات وسبل معالجتها. وانطلاقًا من هذه المعالجة، يؤكد المؤلّف اتساق الشريعة الإسلامية مع العقل والمنطق، وأنها تعزّز مكانة أهل العلم في خدمة النصّ وتأويله.

يعتمد الزرقا في منهجيته على قواعد فقهية وعقلية متينة؛ إذ يوازن بين النقل والتحليل، ويضع ضوابط منهجية لفهم الأحاديث بما يحقق مقاصد الشريعة ويراعي ظروف العصر ومستجداته. ويقدّم نماذج تطبيقية توضّح كيفية توظيف العقل في استنباط الأحكام واستخلاص المعاني بدقةٍ علمية، كما يؤكّد الزرقا على أن هذا المنهج يجسّد نموذجًا راقيًا للتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، جامعًا بين الأصالة والمعاصرة، ومقدِّمًا للباحثين والدارسين في علوم الحديث والفقه مرجعًا علميًا دقيقًا يُعِين على فهم النصوص النبوية وتطبيقها بما يحقق رفعة الدين وصلاح المجتمع.

 

الأدوات الثلاث لفهم الحديث النبوي

يؤكد الزرقا أن حسن فهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب يحتاج إلى ثلاث أدوات لا بد منها جميعًا:

الأداة الأولى: التعمق في اللغة العربية ومعرفة أساليبها البيانية، لأنها لغة الكتاب والسنة. فالنصوص النبوية نزلت بلسان عربي مبين، ولا يمكن الوصول إلى المعنى الصحيح دون إتقان اللغة وفهم دقائقها وبلاغتها.

الأداة الثانية: العقل الذي هو الميزان الذي ربط الله به التكليف، وعلى قدر سلامته يحاسب المكلفين. العقل أداة التمييز بين الصحيح والفاسد، وبه يوازن الإنسان بين الأمور ويتجنب التناقض في سلوكه وآرائه.

الأداة الثالثة: التمكن من فقه الشريعة الذي به يعرف العالم مقاصدها، ويقيس الأمور بأشباهها، ويعرف محامل النصوص، ويميز بين الوسائل والغايات في أحكام الشريعة، ويدرك فقه الأولويات.

 

التمييز بين ما يصادم العقل وما يخفى عليه

يوضح الزرقا في تمهيد الكتاب فرقًا مهمًا بين مفهومين متقاربين في ظاهر التعبير لكنهما متباينان في الحقيقة:

النوع الأول: ما يصادم العقل ويناقضه من العقائد والمفاهيم والأحكام والآراء، وهذا لا يمكن أن يأتي في دين إلهي سماوي أصلًا، وبخاصة في الإسلام.

النوع الثاني: ما تخفى على العقل حكمته وعلته فلا يستطيع العقل معرفة حكمته وتعليله، لكنه لا يصادم العقل، وهذا لا يخلو منه دين سماوي.

 

موضوعات الكتاب ومحتوياته

يتناول الكتاب عدة موضوعات فقهية هامة من خلال إعادة النظر في فهم بعض الأحاديث النبوية الصحيحة، ومن أبرز هذه الموضوعات:

 

  • رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام:

يقدم الزرقا فهمًا دقيقًا لحديث "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي". يرى الشيخ أن هذه الرؤيا المذكورة في الحديث خاصة بأصحاب النبي الذين رأوه في حياته رؤية حقيقية. فالحديث خاطب به الرسول صحابته الكرام الذين يعرفونه شخصيًا بقوله "من رآني"، إذ لا يستطيع أحد بعدهم أن يزعم أنه رأى الرسول بصورته الحقيقية وهو لم يعرفه.

 

  • دية المرأة:

يتطرق الكتاب إلى مسألة دية المرأة ومساواتها بالرجل أو استحقاقها نصف ديته، وهي من المسائل الفقهية المهمة التي تحتاج إلى نظر دقيق في النصوص ومقاصد الشريعة.

 

  • جواز إخراج صدقة الفطر بقيمتها من النقود:

يجيز الزرقا إخراج زكاة الفطر نقودًا، معتبرًا أن الأفضل والأيسر للفقير والمزكي إخراج القيمة نقودًا؛ لأن العلة من فرض الزكاة هو إغناء الفقراء في هذا اليوم، فمتى تحقق الإغناء كان ذلك هو الأولى. ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم في هذا اليوم"، معتبرًا أن أصل الإغناء يكون بالنقود التي تصلح لجلب جميع الحاجات من أغذية وغيرها.

 

  • إثبات الهلال بالحساب الفلكي:

يناقش الكتاب موضوع استخدام الحساب الفلكي في إثبات دخول الأشهر القمرية، وهي مسألة معاصرة تحتاج إلى موازنة بين النصوص الشرعية والتطورات العلمية.

 

  • ميقات الإحرام للقادم بالطائرة:

يعالج الزرقا مسألة مواقيت الإحرام للحجاج القادمين بالطائرة، وهي من النوازل الفقهية المستجدة التي تحتاج إلى اجتهاد معاصر. يوضح أن الميقات المكاني للإحرام عن طريق الطيران يكون بمحاذاة أحد المواقيت المعلومة، اجتهادًا في تطبيق القاعدة الشرعية على الوسائل المستحدثة.

 

  • أوقات الصلاة والصيام في البلاد القريبة من القطب:

يتناول الكتاب مسألة الصلاة والصيام في البلاد القطبية التي تطول فيها الفترات الضوئية أو المظلمة بشكل استثنائي. يقترح الزرقا حلولًا فقهية تراعي خصوصية هذه البلاد وتحقق مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج.

 

  • إعادة النظر في الفهم الاجتهادي:

يؤكد الزرقا أن الإنسان غير معصوم في فهمه واجتهاده ولو كان في أعلى مقام من العلم بين أهل زمانه. هذا من سمات إنسانيته، ولا عبرة في ذلك لكونه سابقًا أو لاحقًا، ما دام يتمتع بالأدوات الثلاث لحسن الفهم وحظه متوافر من تقوى الله والإخلاص له.

 

  • المشكلة في الفهم وليس في النص:

يلفت الزرقا إلى أن المشكلات التي نشأت عن بعض الفهم الاجتهادي للأحاديث لم تكن في أصل النص، بل في الفهم الاجتهادي الذي فُهم به الحديث النبوي. ودلت نتائج التطبيق على أن ذلك الفهم لم يكن دقيقًا وصوابًا، وأن نص الحديث لو فُهم بصورة أخرى تتفق مع دقة تعبيره لانسجم مع مقاصد الشريعة وزال منه كل إشكال.

 

  • التوازن بين النقل والعقل:

يسير الكتاب على منهج التوازن بين النقل والعقل، مؤكدًا أنه لا يوجد في الإسلام ما يصادم العقل. بل إن الإسلام دعا الناس إلى استعمال عقولهم التي جعلها الله ميزانًا، وأن يحكموها فيما يدعوهم إليه من الإيمان والأسس التي ترتكز عليها عقيدته وشريعته.

 

لتحميل ملف الكتاب

 

* مصطفى الزرقا، العقل والفقه في فهم الحديث النبوي، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة الثانية، 2002م.

** الشيخ مصطفى أحمد الزرقا عالم سوري من أبرز علماء الفقه في العصر الحديث، نشأ في بيت علم وصلاح في حلب الشهباء عام 1904م. والده الشيخ أحمد الزرقا مؤلف "شرح القواعد الفقهية"، وجده الشيخ محمد الزرقا من كبار علماء الأحناف. تتلمذ الزرقا على يد محدثين وفقهاء أجلاء منهم بدر الدين الحسني ومحمد راغب الطباخ، وأصبح من علماء عصره المشهود لهم بالفقه والأصول. من مؤلفات الشيخ مصطفى الزرقا: "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد"، و"الاستصلاح والمصالح المرسلة في الفقه الإسلامي"، و"شرح القانون المدني السوري".

يُعَدّ كتاب أساسيات المعاملات المالية والمصرفية الإسلامية (مؤسسة «دراسات» القطرية، 2016، 234 صفحة) مرجعًا معاصرًا يجمع بين التأصيل الشرعي والممارسة العملية في معاملات البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية. شارك في تأليفه نخبة من العلماء: الدكتور عبد الستار أبو غدة (رئيس هيئة الرقابة الشرعية الموحدة لدلة البركة)، والدكتور وليد بن هادي (رئيس هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لعدد من المؤسسات المالية الإسلامية)، والدكتور سلطان الهاشمي (العميد المساعد للدراسات العليا والبحث العلمي في كلية الشريعة بجامعة قطر)، بإشراف الدكتور محمد أحمين (المراقب والمستشار الشرعي لبنك قطر الوطني).

ينفرد الكتاب بعدة خصائص ميزته عن سائر المؤلفات في فقه المعاملات المالية، أولها الاستيعاب الشامل للعقود المالية والمصرفية ضمن منظومات كبرى (المعاوضات، المشاركات، التبرعات، التوثيقات) من دون إغراق في التفاصيل الفقهية، مما يجعله قريب المأخذ لكل طالب أو عامل. وثانيها التعمق في خصائص كل منظومة وعقد على حدة، حيث يعرض الأحكام التفصيلية لكل فئة وعقد خاص–حتى القديمة منها–مع إبراز ما يميزها في ضوء المستجدات المالية. وثالثها الجمع بين النظرية والتطبيق العملي، إذ يقدم تأصيلًا فقهيًا لكل عقد مستجد، ثم يوضح تطبيقاته المصرفية من حيث ميزاته ومخاطره وكيفية تفاديها، وآلية تنفيذه والمستندات اللازمة، إلى جانب المعالجة المحاسبية ومتطلبات التوظيف. ورابعها سهولة العبارة ووضوح العرض، فقد اعتمد المؤلفون لغة مبسطة، مع ربط الأحكام بأماكنها عبر تكرار مقصود لتكتمل المنظومة لدى القارئ، مع توخي التيسير فتجنبوا توثيق كل قول فقهي بغرض جعل الكتاب في متناول عموم القراء.

يأتي هذا العمل في وقت احتضنت فيه المصارف الإسلامية فقه المعاملات وطرحت قضاياه في مؤتمرات وأبحاث متجددة، لم يكن لها مثيل قبل سبعينيات القرن الماضي، مما يجعل الحاجة ماسّة لإعداد كوادر علمية قادرة على مواكبة تطورات الصناعة المالية الإسلامية. ومن هذا المنطلق، يُعَدّ الكتاب مرجعًا مهمًا للطلاب والباحثين والعاملين في هذا الميدان، إذ يوفر لهم نظرة شاملة ومختصرة على المعاملات المالية المعاصرة، مع الاقتصار على المذهب الراجح وفق قرارات المجامع الفقهية، ويخدم بوضوح متطلبات ممارسي المصارف الإسلامية والمهتمين بفقه المعاملات على السواء.

 

مضامين وتقسيمات الكتاب:

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسية تغطي جوانب المعاملات المالية والمصرفية الإسلامية بشكل شامل ومنهجي:

الفصل الأول: أسباب النهي في المعاملات المالية

يتناول الفصل الأول أسباب النهي في المعاملات المالية، وقد تم تقسيمه إلى أربعة مباحث أساسية. المبحث الأول يركز على أسباب النهي المتعلقة بالربا، ويشمل ربا الديون، وربا البيوع، وبيع الكالئ بالكالئ [أي بيع الدَين بالدَين، أو بيع الأجل بالأجل]، وبيعتين في بيعة، وبيع العينة.

المبحث الثاني يتناول أسباب النهي المتعلقة بالميسر، ويشمل القمار، والغرر، وبيع ما ليس عندك، والبيع قبل القبض وبيع الثمار قبل بدو صلاحها. أما المبحث الثالث فيركز على أسباب النهي المتعلقة بالغش، مثل التدليس، والغبن، والنجش والبيع على بيع الغير والسوم على سوم الغير، وبيع المعيب مع إخفاء عيبه والجهالة والرشوة والمماطلة والتفليس الكيدي. ويختتم الفصل بالمبحث الرابع الذي يتناول أسباب نهي أخرى كبيع المحرمات ووسائلها، والاحتكار.

 

الفصل الثاني: خصائص العقود المالية في الفقه الإسلامي

يعالج الفصل الثاني خصائص العقود المالية في الفقه الإسلامي. يتضمن الفصل تمهيدًا في تعريف العقد وأحواله، ومبحثين رئيسيين. المبحث الأول يتناول خصائص العقود إجمالًا، أي باعتبارها منظومات فقهية، ويتم الحديث فيه عن خصائص التبرعات والتوثيقات، والشركات والمعاوضات.

المبحث الثاني يتناول خصائص العقود تفصيلًا، ويتضمن أربعة مطالب رئيسية. المطلب الأول يركز على خصائص عقود التبرعات، وهي: الوديعة بلا أجر، والوكالة بلا أجر، والهبة والإعارة، والوصية والوقف والإرصاد واللقطة، والقرض. المطلب الثاني يتناول خصائص عقود التوثيقات وهي: الرهن، والكتابة والإشهاد والكفالة، والحوالة.

المطلب الثالث يدرس خصائص عقود الشركات وهي: العنان، والمفاوضة والمزارعة، والمغارسة، والمساقاة والمضاربة، والوجوه، والأبدان. أما المطلب الرابع فيتناول خصائص عقود المعاوضات وهي: البيع، والصرف والسلم، والاستصناع، والإجارة والجعالة والمسابقة، والقسمة، والشفعة، والصلح، والغصب والحجر، وإحياء الموات.

 

الفصل الثالث: خصائص العقود المالية المستجدة

يبحث الفصل الثالث خصائص العقود المالية المستجدة، ويتضمن تمهيدًا في تعريف البنوك ونشأتها وأنواع أعمالها، وأربعة مباحث رئيسية.

المبحث الأول يتناول المعاوضات المستجدة وتخريجها وخصائصها. وقد تم تقسيم المعاوضات المستجدة إلى مطلبين: الأول في البيوع المستجدة، واشتمل على المرابحة المصرفية، والتورق المصرفي أو المنظم، والاستصناع والاستصناع الموازي والاستصناع المعكوس والسلم والسلم الموازي والتوريد والتمويل المجمع، والصرف الأجنبي والمتاجرة في العملات. والثاني في الإجارات المستجدة، واشتمل على الإجارة التشغيلية والإجارة المعينة المنتهية بالتمليك والإجارة الموصوفة في الذمة المنتهية بالتمليك، وإجارة الخدمات (الأشخاص)، والوكالة بالاستثمار، وعقد التمليك الزمني، وحق الانتفاع.

المبحث الثاني خُصص للمشاركات المستجدة، واشتمل على الشركات الحديثة والمشاركة المنتهية بالتمليك والمضاربة، وتمويل رأس المال العامل والصكوك والصناديق الاستثمارية، والتمويل المجمع والودائع الاستثمارية. أما المبحث الثالث فخُصص للتوثيقات المستجدة، واشتمل على خطاب الضمان، والاعتماد المستندي، والقبول المصرفي، والاعتماد البسيط والتأمين التكافلي، وحوالة الحق، والحوالة المصرفية. ويختتم الفصل بالمبحث الرابع الذي كان في التبرعات المستجدة واشتمل على الحسابات الجارية، والجوائز والاحتياطيات والمخصصات وبطاقة الائتمان والشرط الجزائي.

 

لتحميل ملف الكتاب

 

* محمد أحمين وآخرون، أساسيات المعاملات المالية والمصرفية الإسلامية، دار الأمان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الرباط، 2015.

يمثل كتاب "الحق والذمة وتأثير الموت فيهما وبحوث أخرى" للشيخ علي الخفيف مجموعة من البحوث التي ألقاها على طلبة الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) خلال عامي 1364–1365هـ (1945–1946م). نُشر الكتاب لأول مرة مجمعًا بعد أن كان "مشتتًا" -على حد تعبير أ. د. علي جمعة (مفتي الديار المصرية سابقًا) في تقديمه للكتاب- على ثلاثة أقسام: القسم الأول طُبع في كتاب بعنوان "الحق والذمة وتأثير الموت فيهما" عام 1945م، والجزء الثاني "تأثير الموت في حقوق الإنسان والتزاماته" نُشر على ثلاثة أجزاء في مجلة القانون والاقتصاد بأعداد ثلاث صدروا تباعًا عامي 1940، و1941م، والجزء الثالث "التركة والحقوق المتعلقة بها"، سبق أن نشر على عدة أجزاء في المجلة نفسها، في عامي 1942، 1944م، ثم طبعته مطبعة البرلمان بمصر في كتاب بعنوان "التركة والحقوق المتعلقة بها"، عام 1952م.

تتميّز بحوث الكتاب بمنهجها المقارن الذي لا يلتزم بمذهب فقهي واحد، بل يجمع آراء المذاهب الإسلامية ويوازن بينها، مع الإشارة إلى القوانين الوضعية ووجهات نظر علمائها. وبهذه المقارنة الفقهية والاجتهاد في القضايا المستجدة، يسعى الشيخ علي الخفيف إلى تجديد الفقه الإسلامي وصياغته بما يلبّي حاجات العصر دون الخروج عن الأصول الشرعية الراسخة. كما يحرص على تربية الروح الشرعية لدى الطلاب من خلال عرض المسائل من جميع جوانبها.

ويُعد هذا الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين في الفقه الإسلامي والقانون المقارن، إذ يقدم دراسة شاملة وعميقة لموضوعات الحق والذمة وتأثير الموت فيها. ويعكس رؤية فقيه مجدد سعى إلى إحياء التراث الفقهي وتقديمه بصورة علمية معاصرة.

 

محتويات الكتاب الأساسية:

يتضمن الكتاب عدة موضوعات رئيسية تشكل دراسة شاملة لموضوع الحق والذمة، وهي:

دراسة الحق والذمة:

يبدأ الكتاب بتمهيد يتناول التعريف بالفقه ونشأة علم الفقه، ثم يقدم موازنة عامة إجمالية بين الشرع الإسلامي والشرع الوضعي في نشأة كل منهما ووجهة كل من الشرعين ومصادرهما. ينتقل بعد ذلك إلى دراسة مفهوم الحق، فيتناول الاستعمال اللغوي والشرعي للحق، والثبوت والوجوب والواجب، ومنشأ الحقوق. كما يقدم تقسيمًا شاملًا لأنواع الحق بعدة اعتبارات: بالنظر إلى صلته بغير صاحبه، وبالنظر إلى ما يقتضيه، وبالنظر إلى وجوده، وبالنظر إلى استقلاله، وبالنظر إلى حمايته. يُفرد الكتاب مساحة خاصة للحق المعنوي ونظرة الفقه الإسلامي إلى هذه القسمة، مع دراسة تفصيلية لحق الملكية وحق الانتفاع وحق الارتفاق وحق التتبع وحق الأولوية في مختلف المجالات. أما بالنسبة للذمة، فيتناول الكتاب تعريف الذمة عند علماء القانون والذمة في الفقه الإسلامي، ومتى تنتهي الذمة، والشخص المعنوي.

 

قسمة الحق في الشريعة الإسلامية:

يستعرض هذا الجزء التقسيم الفقهي للحقوق بالنظر إلى صاحبها، فيميز بين حقوق الله الخالصة وحق الإنسان الخالص وما اجتمع فيه الحقان مع تغليب حق الله أو حق العبد، مع نقد هذه القسمة. كما يتناول قسمة الحق بالنظر إلى محله.

 

تأثير الموت في حقوق الإنسان والتزاماته:

هذا الجزء يشكل جوهر الكتاب، حيث يدرس أهلية الوجوب والذمة وتأثير الموت فيها. يحلل الفرق بين الملك والإباحة وبقاء الذمة بعد الوفاة بالنسبة لبعض الأحكام، وتأثير الموت في الإباحة ومصير الأعيان والأموال بعد الوفاة. يقدم فيه دراسة مفصلة لمصير الحقوق بعد الوفاة، مثل حق الحضانة والولاية على النفس والمال، وولاء العتاقة والموالاة، والوظائف، وحق التمتع بالزوجة، وحق المطالبة بحد القذف، والحقوق الملحقة بالحقوق الشخصية. كما يتناول الحقوق المالية وما في حكمها، مثل الديون وحق التعلي وحقوق الارتفاق والدية والأرش في الأطراف وحق الانتفاع بالأرض الخراجية وحق حبس الرهن وحقوق الاختصاص والاحتجار وقبول الوصية والشفعة والخيارات والقصاص والعفو عنه وحق الموقوف عليه في الوقف.

 

دراسة الالتزامات وأثر الموت فيها

يحلل هذا الجزء الالتزامات وأنواعها، مبتدئًا بالواجبات التكليفية والواجبات الناتجة عن تعاقد لازم، مثل الالتزام الناشئ عن السلم وأثر وفاة المدين فيما عليه من دين، والالتزام المترتب على الإجارة والمزارعة والمساقاة والكفالة والحوالة والرهن. يدرس كذلك المطلوبات المترتبة على التعاقد غير اللازم، مثل المطلوبات المترتبة على الهبة والإعارة والقرض والوكالة والشركة والمضاربة والجعالة والوصية والالتزام والوعد والنذر.

 

الحقوق المتعلقة بالتركة:

يختتم الكتاب بدراسة مدى تعلق الحقوق بالتركة، بداية من تعريف التركة ومعناها، ثم حق التعلي وحقوق الارتفاق وحق القصاص وحق الانتفاع بالأراضي الخراجية. وتتناول هذه الدراسة تعلق حقوق المتوفى بتركته وتعلق الديون بالتركة، مع بيان الآثار المترتبة على هذا التعلق، مثل نماء التركة ونفقات أعيان التركة واستحقاق الورثة الشفعة وتصرف الورثة في التركة. وتُفرد الدراسة مساحة كبيرة لأحكام قسمة التركة وحكم تصرف الورثة في التركة بغير قسمتها وفقًا لآراء المذاهب الأربعة (الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة). كما تدرس تعلق حق الموصي له بالتركة، شاملًا الوصية في وجوه البر والوصية للحمل والوصية لمن هو أهل للملك ومتى يتملك الموصى له وأثر وفاة الموصى له قبل القبول في الوصية وما يترتب على الوصية من حق، سواء كانت الوصية للوارث أو للأجنبي.

 

ملف تحميل الكتاب

 

* على الخفيف، الحق والذمة وتأثير الموت فيهما وبحوث أخرى، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، القاهرة، 2010.

** يُعد الشيخ علي محمد الخفيف (1309هـ/ 1891م - 1398هـ/ 1978م) أحد أبرز الفقهاء المجددين في العصر الحديث، والذين تركوا بصمة واضحة في تطوير الفقه الإسلامي. ولد في قرية الشهداء بمحافظة المنوفية بمصر، ونشأ في أسرة كريمة محافظة وجهته منذ صغره لحفظ القرآن الكريم. أمضى الشيخ علي الخفيف مراحل تعليمية متميزة، فالتحق بالأزهر الشريف في القاهرة ثم بمعهد الإسكندرية الديني، وأخيرًا بمدرسة القضاء الشرعي التي تخرج منها عام 1915م. عين مدرسًا في المدرسة ذاتها فور تخرجه، ثم عمل قاضيًا في المحاكم الشرعية لثماني سنوات، ومحاميًا شرعيًا بوزارة الأوقاف، ومديرًا للمساجد، قبل أن يصبح أستاذًا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939م. تبوأ الشيخ علي الخفيف مناصب علمية رفيعة، فكان عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، وعضوًا في المجلس الأعلى للأزهر، وعضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأستاذًا بمعهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية. تميز الشيخ علي الخفيف بشخصية علمية متميزة امتلكت الملكة الفقهية الراسخة، فكان أصوليًا محققًا ذا رأي صائب ونظر دقيق، وفقيهًا متمكنًا يقرب الأحكام للأفهام ويجتهد في القضايا المعاصرة، ولغويًا مدققًا صاحب لسان بليغ. كان يدعو إلى تجديد الفقه الإسلامي قولًا وعملًا، وهو ما انعكس على منهجه في التدريس والتأليف. عرف الشيخ بأخلاقه الحميدة وسمت العلماء، فكان طويل الصمت، جهير الصوت، عفّ اللسان، سمح الخلق، كريم المحتد، هادئ الطبع، لا يدخل في معارك مع مخالفيه. وقد اعترف له تلاميذه من ثلاثة أجيال من القضاة ورجال القانون والمحامين وأساتذة الجامعات بالأستاذية والمقام العلمي الرفيع. من مؤلفاته: "الضمان في الفقه الإسلامي"، و"أحكام المعاملات الشرعية"، و"أسباب اختلاف الفقهاء"... كما له دراسات في فقه المعاملات المالية المعاصرة.