تتناول هذه الدراسة، التي أعدها الدكتور إسماعيل البريشي** والدكتور معاوية النابلسي***، موضوعًا حيويًا في القضاء الشرعي الأردني، وهو "الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الشرعية". تهدف الدراسة إلى تأصيل مشروعية نقض الأحكام القضائية من المنظور الفقهي الإسلامي، وبيان الطبيعة القانونية للمحكمة العليا الشرعية التي استُحدثت حديثًا كأعلى هيئة قضائية في هذا المرفق. ويركز البحث على توضيح أن وظيفة هذه المحكمة تنحصر في تدقيق الأحكام الاستئنافية من حيث سلامة التطبيق القانوني دون الخوض في الوقائع إلا في استثناءات محددة، مما يرسخ مبدأ التقاضي على درجتين ويضمن توحيد الاجتهادات القضائية واستقرار الأحكام.

أولًا: مفهوم الطعن ونقض الأحكام (الإطار المفاهيمي)

استهلت الدراسة بضبط المصطلحات، حيث يُقصد بنقض الحكم في الفقه الإسلامي تبيّن حقيقته وإبطاله واعتباره كأن لم يكن إذا خالف أصوله المشروعة، وهو ما أكدته المذاهب الفقهية الأربعة؛ فالحنفية يرون رد الحكم إذا خالف النص المفسر أو الإجماع، والمالكية بفسخ الخطأ الصراح، والشافعية برد الحكم المبني على اجتهاد خاطئ خالف نصًا أو إجماعًا، والحنابلة بعدم نفاذه في الحالة ذاتها. أما قانونيًا، فالطعن هو الوسيلة الاختيارية التي يسلكها الخصم المتضرر للاعتراض على الحكم بقصد إلغائه أو تعديله.

وعرضت الدراسة طرق الطعن في قانون أصول المحاكمات الشرعية، مميزة بين الطرق العادية وغير العادية:

  • الاعتراض على الحكم الغيابي: وهو طريق عادي لتمكين المحكوم عليه غيابيًا من الدفاع عن نفسه أمام نفس المحكمة.
  • الاستئناف: وهو طريق عادي ينقل الدعوى لمحكمة الدرجة الثانية (الاستئناف) للنظر في موضوعها وفسخ الحكم أو تعديله.
  • إعادة المحاكمة: طريق غير عادي يُقدم لنفس المحكمة عند ظهور مسوغات قانونية محددة.
  • اعتراض الغير: طريق غير عادي لمن لم يكن طرفًا في الدعوى ومس الحكم حقوقه.
  • الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا: وهو محور الدراسة، ويُعد طريقًا غير عادي للطعن في الأحكام الاستئنافية القطعية لمحاكمتها من حيث سلامة التطبيق القانوني.

ثانيًا: مشروعية نقض الأحكام القضائية

ناقش البحث الأدلة الشرعية من المنقول والمعقول التي توجب نقض الحكم إذا خالف نصًا قاطعًا أو إجماعًا، مستدلًا بقوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، وبكتاب عمر بن الخطاب الشهير "مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل". وأكد الباحثان أن الحكم المبني على خطأ يعتبر باطلًا لمخالفته مقصود الشارع.

وقد فصَّلت الدراسة حكم النقض في الفقه إلى ثلاث حالات:

  1. حكم خالف نصًا قاطعًا أو إجماعًا: يجب نقضه بإجماع الفقهاء.
  2. حكم في محل الاجتهاد ووافق الأصول: لا يجوز نقضه ويكون نافذًا.
  3. حكم في محل الاجتهاد لم يخالف الأصول (تغير الاجتهاد): أجمع الفقهاء على أن الاجتهاد لا يُنقض بمثله، فلا ينقض قاضٍ حكم غيره لمجرد اختلاف الاجتهاد حفاظًا على استقرار الأحكام، وكذلك لا ينقض القاضي حكم نفسه عند الجمهور، مع وجود رأي للمالكية يجيز ذلك في غير الأموال.

ثالثًا: المحكمة العليا الشرعية (المفهوم والنشأة)

تعد المحكمة العليا محكمة قانون وليست درجة ثالثة للتقاضي -كأصل عام-، فمهمتها مراقبة صحة تطبيق القانون وحسن سير الإجراءات دون التدخل في الوقائع أو تقدير البينات. ومع ذلك، قد تنعقد كمحكمة موضوع استثناءً في حالتين: إذا كان موضوع الدعوى صالحًا للحكم واستنفدت المحكمة سبل البحث، أو عند إصرار محكمة الاستئناف على حكمها المنقوض.

وقد بينت الدراسة أن إنشاء هذه المحكمة عام 2016 جاء لضرورات ملحة، أهمها: توحيد الاجتهادات القضائية المتناقضة التي نتجت عن تعدد محاكم الاستئناف، وترسيخ درجات التقاضي، وضمان استقرار الأحكام القانونية، واستنباط المبادئ القضائية. وتتمتع قرارات هذه المحكمة بحجية مطلقة، فهي أحكام باتة وملزمة للكافة ولا يجوز الطعن فيها، إلا أنه يجوز للمحكمة ذاتها الرجوع عن قرارها الشكلي إذا تبين خطؤه، أو العدول عن مبدأ سابق من خلال هيئتها العامة.

رابعًا: الأحكام القابلة للطعن أمام المحكمة العليا

أوضحت الدراسة أن الطعن يُقبل فقط في الأحكام الفاصلة القطعية الصادرة بصفتها الاستئنافية. وقسم الباحثان هذه الأحكام إلى نوعين رئيسين:

  1. أحكام قابلة للطعن مباشرة: وهي أحكام حُددت بنص القانون لأهميتها القيمية أو النوعية، وتشمل:
  • الدعاوى التي تكون قيمة المطالبة فيها سبعة آلاف دينار فأكثر.
  • دعاوى النفقات (زوجة/عدة) إذا زادت عن 200 دينار، ونفقات الأولاد والأقارب إذا زادت عن 100 دينار.
  • الأحكام المتعلقة بالوقف (إنشاء، استبدال، نزاع).
  • أنواع محددة من التفريق بين الزوجين (الردة، إباء الإسلام، الفقد، فساد العقد، بطلان العقد).
  • دعاوى الهبة في مرض الموت والوصايا، ونفي النسب، وتصحيح التخارج وإبطاله، والحجر للسفه والغفلة.
  • الأحكام التي أُعيدت إلى الاستئناف منقوضة.
  1. أحكام قابلة للطعن بعد الحصول على إذن: في غير الحالات السابقة، يجب الحصول على إذن من رئيس المحكمة العليا، ويُمنح الإذن إذا تضمنت الدعوى نقطة قانونية مستحدثة، أو معقدة، أو ذات أهمية عامة.

وحددت الدراسة إجراءات الطعن بأن يقدم خلال 30 يومًا للأحكام القابلة للطعن مباشرة، وخلال 10 أيام لطلب الإذن. كما منحت النيابة العامة الشرعية حق الطعن لمصلحة القانون في الأحكام التي لا يجوز للخصوم الطعن فيها لتوحيد المبادئ القضائية.

خامسًا: الأسباب القانونية المسوغة للطعن

بينت الدراسة أن الطعن بالنقض طريق استثنائي، لذا يجب أن يؤسس حصرًا على واحد أو أكثر من الأسباب القانونية التالية:

  1. مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله: ويشمل ذلك مخالفة نص صريح، أو تطبيق قاعدة قانونية على واقعة لا تنطبق عليها (خطأ في التطبيق)، أو تفسير النص على غير معناه الصحيح (خطأ في التأويل).
  2. بطلان الحكم أو بطلان الإجراءات المؤثر فيه: مثل صدور الحكم من هيئة غير مكتملة النصاب أو قاضٍ ممنوع من النظر، أو وجود خلل في إجراءات التبليغ والخصومة مما يؤثر في صحة الحكم.
  3. تجاوز قوة القضية المقضية: وذلك بصدور حكم نهائي مناقض لحكم سابق صدر بين نفس الخصوم وفي نفس الموضوع والسبب.
  4. القصور في التسبيب (عدم البناء على أساس قانوني): ويتحقق عندما يخلو الحكم من العلل والأسباب والنصوص المستند إليها، أو يهمل الرد على الدفوع الجوهرية، مما يمنع المحكمة العليا من بسط رقابتها.
  5. مخالفة حدود الطلبات: كأن يغفل الحكم الفصل في أحد المطالب، أو يحكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه، باستثناء القضايا المتعلقة بحقوق الله والنظام العام ومصلحة المحضون.

 

الخاتمة

انتهت الدراسة إلى التأكيد على أن الطعن بالنقض حق مشروع لضمان العدالة، ولكنه مقيد بأسباب حصرية للحفاظ على استقرار الأحكام. وأوصى الباحثان بإخضاع بعض الأحكام الاستئنافية المهمة لرقابة المحكمة العليا وجوبيًا حتى لو لم يطعن بها الخصوم، والنص على قابلية الطعن في أي حكم يخالف مبادئ المحكمة العليا المستقرة.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* إسماعيل محمد البريشي، معاوية حسان النابلسي، الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الشرعية: دراسة فقهية قانونية. المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، 2021، المجلد 17، العدد 4، ص ص 387-417.

** أستاذ الفقه وأصوله- كلية الشريعة- الجامعة الأردنية.

*** قاضي شرعي لدى دائرة قاضي القضاة، دكتوراه في القضاء والسياسة الشرعية/الجامعة الأردنية.

كتاب "مقاصد القضاء في الإسلام للدكتور حاتم بن محمد بوسمة، صدر في جزأين ضمن سلسلة «كتاب الأمة» الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، ويُعَدّ إضافة نوعية إلى المكتبة الفقهية والقانونية المعاصرة.

وتنبع أهمية هذا العمل من كونه في أصله أطروحة علمية لنيل درجة الدكتوراه، سعت إلى نقل البحث في مجال القضاء من دائرة الفقه الجزئي المنصبّ على صور المسائل وشكلياتها، إلى أفق الفقه المقاصدي المعني باستكشاف غايات الأحكام وعللها. وفي هذا السياق، يقدم الكتاب قراءة علمية متماسكة للمنظومة القضائية الإسلامية من منظور يركز على تحقيق العدل بوصفه غاية عليا، متتبعًا سبل تكييف الوسائل والإجراءات القضائية بما يخدم هذه الغاية، ومعالجًا في الوقت ذاته إشكالية الجمود على الظواهر النصية حين تتحول -في بعض السياقات التاريخية المتأخرة- إلى عائق دون إنفاذ العدالة المنشودة.

تنبع أهمية الكتاب من معالجته المنهجية لإشكالية الجمود الفقهي في باب القضاء، حيث يذهب المؤلف إلى أن التمسك ببعض الوسائل الإجرائية التي كانت ملائمة في عصور السلف قد يفضي، في سياقات تاريخية لاحقة، إلى الإخلال بمقصد تحقيق العدل الذي يُعدّ الغاية العليا للشريعة. وانطلاقًا من ذلك، تتمحور الأطروحة المركزية للكتاب حول التمييز بين الغايات الثابتة والوسائل المتغيرة؛ فالعدل مقصدٌ شرعيٌّ أصيل لا يتبدل، في حين أن وسائل القضاء – كطرق الإثبات وشروط الشهادة – تظل آلياتٍ مرنة قابلة للاجتهاد والتطوير بحسب تغير الزمان والمكان، بما يضمن تحقيق الغاية المقصودة، دون أن تُنزَّل منزلة الغايات التعبدية التي قد تحول دون الوصول إلى الحق.

الجزء الأول "التنظيم القضائي"

الفصل الأول: مقاصد التنظيم ووجوب نصب القضاة

يستهل المؤلف الجزء الأول بتأصيل "مشروعية القضاء"، حيث لا ينظر إليه كوظيفة إدارية مجردة، بل يقرر أنه فريضة شرعية وضرورة بشرية وحضارية. ويشرح الكتاب باستفاضة أن "الوازع الديني" (ضمير الفرد) قد يضعف أمام الأهواء، وحينها يصبح "وازع السلطان" (القضاء) ضرورة حتمية لحفظ نظام الأمة ومنع التهارج والفوضى. وفي سياق الحديث عن "سياسة التعيين"، يتوسع الكتاب في مناقشة الجدلية الفقهية والواقعية بين "الأصلح" و"الأمثل"؛ فهو يقرر وجوب البحث عن القاضي الجامع لصفات العلم والقوة والأمانة، لكنه يعالج بواقعية شديدة حالات "خلو الزمان من المجتهدين"، مرجحًا العمل بـ "فقه الموازنات" الذي يجيز تولية "الأمثل فالأمثل" (أي الأقل كفاءة عند عدم وجود الأكمل)؛ لأن تعطيل القضاء أشد ضررًا من قصور صفات القاضي، وذلك إعمالًا للقاعدة المقاصدية "ما لا يدرك كله لا يترك كله".

الفصل الثاني: استقلال السلطة القضائية

ينتقل العرض بعد ذلك إلى ركن ركين في البناء القضائي وهو "الاستقلال"، حيث يفرد المؤلف مساحة واسعة لمناقشة ضرورة فصل القضاء عن تأثيرات السلطة التنفيذية (الولاة والحكام). ويستعرض الكتاب كيف أن المقصد الشرعي يقتضي أن يكون القاضي آمنًا في سربه، لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يخضع للتهديد أو العزل التعسفي. ويشير المؤلف إلى أن هذا الاستقلال هو الضمانة الحقيقية لأن يطبق القاضي حكم الشرع على القوي والضعيف بالسوية، فالقضاء في الإسلام ولاية لا سلطان عليها إلا سلطان الشرع، وأي تدخل خارجي يفسد جوهر العملية القضائية ويحيلها إلى أداة للظلم.

الفصل الثالث: نزاهة القضاء وضمانات الحكم

يختتم الجزء الأول بالحديث عن "النزاهة" بشقيها: نزاهة القاضي ونزاهة الحكم. يتناول المؤلف الجانب الأخلاقي والرقابي، مؤكدًا أن النزاهة ليست مجرد تعفف عن الرشوة فحسب، بل هي "حالة من التجرد التام" تمنع القاضي من الحكم وهو في حالات الغضب أو الجوع أو التأثر النفسي. كما يناقش الكتاب الضمانات الإجرائية مثل "علانية الجلسات" التي تتيح للأمة مراقبة سير العدالة، ومسألة "علم القاضي" وهل يجوز له أن يحكم بعلمه الشخصي أم يتقيد بالبينات الظاهرة، مرجحًا ما يحقق الطمأنينة وينفي التهمة، ليكون الحكم عنوانًا للحقيقة والعدالة في آن واحد.

الجزء الثاني (إحقاق الحق)

الفصل الأول: إظهار الحقوق (نظرية الإثبات وتوسيع البينات)

يبدأ الجزء الثاني ببحث جوهري حول "نظرية الإثبات"، حيث يقدم المؤلف طرحًا مقاصديًا متطورًا يتجاوز الحرفية في فهم وسائل الإثبات. يقرر الكتاب قاعدة "إطلاق وسائل الإثبات"، ومفادها أن الشارع لم يتعبدنا بوسيلة محددة (كالشاهدين فقط) وحصر الحق فيها، بل إن كل طريق يؤدي إلى كشف الحقيقة وإزهاق الباطل هو "بيِّنة" شرعية. وبناءً على ذلك، يدعو المؤلف بقوة إلى اعتماد "القرائن المعاصرة" والوسائل العلمية الحديثة (كالبصمة الوراثية، والتحاليل الطبية، والتسجيلات الموثقة) واعتبارها أدلة قاطعة قد تفوق في قوتها الشهادة اللفظية، لأن الغاية هي "تبيين الحق"، والوسائل تتبع المقاصد في أحكامها.

الفصل الثاني: أحوال الشهود ومرونة التعامل مع الواقع

يخصص المؤلف هذا الفصل لمعالجة قضية "الشهادة" في ضوء تغير أحوال الناس وفساد الذمم في العصور المتأخرة. يناقش الكتاب شروط العدالة في الشاهد، لكنه لا يقف عند التنظير المثالي، بل ينزل إلى فقه الواقع ليقرر جواز قبول شهادة "مستوري الحال" (من لم يظهر فسقهم) وشهادة "اللفيف" (جماعة من الناس يؤمن تواطؤهم على الكذب) في القضايا التي يعز فيها وجود الشهود العدول بالمفهوم القديم. ويرى المؤلف أن التشدد في رد الشهادات بدعوى عدم كمال العدالة يؤدي إلى ضياع حقوق الناس، وهو ما يتنافى مع مقصد الشريعة في حفظ الأموال والدماء والأعراض، مما يستوجب مرونة في قبول الشهادات لتحقيق العدل الممكن.

الفصل الثالث: تعيين الحقوق والتنفيذ الجبري

يختتم الكتاب مباحثه بمرحلة "جني الثمار"، وهي مرحلة الحكم والتنفيذ. يبحث المؤلف في "أسباب الاستحقاق" وقواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة لتعيين صاحب الحق. لكن الأهمية القصوى في هذا الفصل تكمن في التركيز على "التنفيذ الجبري"، حيث يوضح المؤلف أن القضاء ليس مجرد فتوى أو رأي، بل هو "إلزام" تدعمه قوة السلطة العامة. ويخلص إلى أن الحكم القضائي يظل حبرًا على ورق ما لم تكن هناك قوة تنفيذية تعيد الحق لمستحقه ولو جبرًا عن المحكوم عليه، وبذلك تكتمل الدورة القضائية: تبدأ بالتنظيم، وتمر بالإثبات، وتنتهي بالتنفيذ الذي هو ثمرة القضاء وغاية العدل المنشود.

 

لتحميل الجزء الأول من الكتاب (هنا)

لتحميل الجزء الثاني من الكتاب (هنا)

 

* حاتم بن محمد بوسمة، مقاصد القضاء في الإسلام، سلسلة كتاب الأمة، العددان: 149-150، الدوحة: الطبعة الأولي، 2012.

** دكتور حاتم بن محمد بوسمة هو باحث وأكاديمي تونسي متخصص في العلوم الإسلامية. يشغل منصب أستاذ بالمعهد العالي لأصول الدين في تونس، وهو عضو وباحث في "وحدة فقهاء تونس" بجامعة الزيتونة. شارك الدكتور بوسمة في مشاريع علمية كبرى مثل "موسوعة أعلام علماء العرب والمسلمين" التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو). له عدد من الكتب والأبحاث المنشورة، منها:

- الوسطية في المنهج النبوي.

- الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية.

- دور فقهاء القيروان في الحياة العامة في القرن الخامس هجري.

- قاعدة التقديرات الشرعية.

 

حكم باسم الشعب

محكمة أبو تشت الجزئية

جلسة الجنح والمخالفات المنعقدة علنًا بسراي المحكمة يوم الأربعاء الموافق ١٧ / ١٢ / ٢٠٢٥

برئاسة السيد الأستاذ / إسلام محمود أبو ناجي ... رئيس المحكمة

وبحضور السيد الأستاذ / كريم هارون ... وكيل النيابة

وحضور السيد / عصام النمر ... أمين السر

 

في قضية النيابة العامة رقم ٢٢٤٢٧ لسنة ٢٠٢٥ جنح أبو تشت

ضد

●●● 

 

المحكمة وبعد سماع المرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق،،،

وحيث إن النيابة العامة أسندت للمتهم أنه في تاريخ سابق على تحرير المحضر بدائرة مركز أبو تشت

أقام مباني على أرض زراعية على النحو المبين بالأوراق.

 

وطلبت عقابه بالمواد ١٥١ / ٢، ١٥٢، ١٥٥، ١٥٦ من القانون رقم ٥٣ لسنة ١٩٦٦ المعدل بالقانونين رقمي ١١٦ لسنة ١٩٨٣، ٢ لسنة ١٩٨٥.

وحيث أعلن المتهم قانونًا بالجلسة المحددة وحضر بوكيل عنه (محام).

وحيث إنه لدى تداول الدعوى بالجلسات قررت المحكمة تعديل القيد والوصف واسم المتهم على النحو المبين بعاليه، وبجلسة سابقة مثُل المتهم بوكيل عنه (محام) وقدم حافظة مستندات طالعتها المحكمة وألَّمت بها، وطلب البراءة لشيوع الاتهام لكون العين محل الاتهام هي عبارة عن مسجد وقائم بإنشائه جميع أهل القرية، وأرجأت المحكمة نظر الدعوى لمناقشة محرر المحضر، وبجلسة اليوم حضر محرر المحضر وبمناقشته قرر بأن عين الاتهام بالفعل مسجد وأن جميع أهالي المنطقة قد شاركوا في بنائه، ووقع على تلك الأقوال بمحضر الجلسة، كما مثل وكيل المتهم وصمم على طلب البراءة متمسكًا بدفاعه السابق، فقررت المحكمة إصدار حكمها بجلسة اليوم.

وحيث إن المحكمة تمهد لقضائها بالمقرر بقضاء النقض من أنه "لم تشترط المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية أن يتضمن الحكم بالبراءة أمورًا أو بيانات أسوة بأحكام الإدانة، وأنه يكفي لسلامة الحكم بالبراءة أن تتشكك المحكمة في صحة إسناد التهمة إلى المتهم، وأن يتضمن ما يدل على عدم اقتناعها بالإدانة، وهي غير ملزمة بأن ترد على كل دليل من أدلة الاتهام لأن في إغفال التحدث عنه ما يفيد ضمنًا أنها طرحتها ولم تر فيها ما تطمئن معه إلى الحكم بالإدانة" (الطعن رقم ٩٠ لسنة ٣٩ ق جلسة ٥/٥/١٩٦٩).

وهديًا بما تقدم، وكانت الواقعة المنسوبة للمتهم قد خيَّمت عليها ظلال كثيرة من الشك، حيث إن دليل الاتهام فيها هو فقط أقوال محرر المحضر، والتي جاءت مرسلة وظنية ولا يعضدها أي دليل آخر، وحيث اطمأنت المحكمة لما قرره دفاع المتهم وأيدته معاينة محرر المحضر وأقواله والتي أفادت بأن عين الاتهام عبارة عن مسجد تقام فيه الصلوات وجميع أهل المنطقة شاركوا في بنائه، ومن ثم المحكمة تطمئن إلى قولة وكيل المتهم ودفاعه بشيوع الاتهام لكون المبنى جميع أهل المنطقة قد شاركوا في إنشائه، ومن ثم يتعذر تحديد شخص مرتكب الواقعة لإدانته، فضلًا عن ذلك فالمحكمة تستند إلى أن الله سبحانه وتعالى قال في محكم التنزيل في الآية رقم ٣٦ بسورة النور بعد بسم الله الرحمن الرحيم (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) صدق الله العظيم، وكذلك في الآية رقم ١٨ بسورة التوبة بعد بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، وكذا بالآية رقم ٢٠ من ذات السورة بعد بسم الله الرحمن الرحيم (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) صدق الله العظيم.

فإذا كان ذلك وكان الله تعالى قد أذن من فوق سبع سماوات بإنشاء تلك العين محل الاتهام وهي بيت من بيوته ويذكر فيها اسمه وتقام فيه الشعائر والصلوات والعبادات، كما أن مرتكب الواقعة عند ربه من الفائزين وله ثواب عظيم في الدنيا والآخرة، فكيف بالمحكمة أن تقضي بعقاب وإدانة من أذن الله له بالبناء للعين لتقام فيها الشعائر والعبادات وجزاه عن ذلك خير الجزاء، وبالتالي فالأحرى بالمحكمة أن تبرّأ المتهم لا أن تدينه، وتقضي ببراءته عملًا بنص المادة ٣٠٤ /١ من قانون الإجراءات الجنائية على نحو ما سيرد بالمنطوق.

فلهذه الأسباب،،،

حكمت المحكمة حضوريًا بتوكيل/ ببراءة المتهم مما نسب إليه من اتهام.

 

أمين السر (توقيع)                                     رئيس المحكمة (توقيع)

 

لتحميل ملف حكم المحكمة (هنا)

يُعد هذا الكتاب دراسة قانونية وفلسفية معمقة تتناول واحدة من أدق المشكلات في القانون الجنائي، وهي "المسئولية الجنائية". وأكد على هذا الأمر الأستاذ الدكتور عوض محمد عوض؛ إذ كتب في تصديره لهذا الكتاب يقول: "والبحث في المسئولية عامة وفي أساسها خاصة من أدق البحوث القانونية وأشقها لأن المسئولية ليست مشكلة قانونية بقدر ما هي مشكلة إنسانية . وهي مشكلة عامة في الزمان وفي المكان وعلى صعيد الفكر الإنساني بكل صوره وألوانه . فالبحث فيها ليس وليد عصر ولا شعب ولا دين ولا فكر بعينه ، وانما البحث فيها كان - ولا يزال - شغل الإنسان منذ كان الإنسان وأيا ما كان فرع تخصصه ، بل أيا ما كان قدر ثقافته . ومن هنا تكمن الصعوبة في تناول الموضوع".

ويهدف د. كمال إمام -من خلال كتابه هذا- إلى تأصيل فكرة المسئولية، ليس فقط بالوقوف عند النصوص القانونية الجامدة، بل بالغوص في جذورها الفلسفية والتاريخية والاجتماعية. يناقش الكتاب الصراع الأزلي بين مدرسة "حرية الإرادة" (الاختيار) ومدرسة "الحتمية" (الجبر)، وكيف أثر هذا الصراع على صياغة القوانين العقابية. كما يتميز الكتاب بمنهجه المقارن الذي يجمع بين الفكر القانوني الوضعي (الغربي) والفكر الإسلامي (الفقهي والكلامي)، محاولًا إثبات أن أساس المسئولية الجنائية السليم يقوم على حرية الاختيار والإدراك، وهو ما يتفق مع المنطق القانوني السليم والشريعة الإسلامية.

 

القسم الأول: المسئولية الجنائية وتطورها عبر التاريخ

يستهل د. محمد كمال إمام كتابه برحلة تاريخية لاستقصاء جذور المسئولية الجنائية في العالم القديم. يوضح أن المسئولية بدأت في المجتمعات البدائية كفكرة "مادية" و"جماعية"، حيث كان العقاب يطال الفرد وجماعته، وأحيانًا الحيوان والجماد، دون اعتبار كبير للرُكن المعنوي (النيَّة)، ثم ينتقل لدراسة الشرق الأدنى القديم، مبرزًا تميز مصر الفرعونية التي عرفت تطورًا قانونيًا مذهلًا سبق عصرها، حيث أسس الفراعنة المسئولية على "الإرادة" و"الإدراك" وعرفوا مبدأ "شخصية العقوبة" (كل إنسان مسئول عن فعله) ومبدأ "المساواة أمام القانون"، بخلاف ما كان سائدًا في حضارات أخرى مثل بابل وآشور (شريعة حمورابي) التي ورغم تنظيمها، إلا أنها احتفظت بآثار المسئولية الجماعية والمادية (مثل معاقبة الابن بجريرة الأب).

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى اليونان والرومان، موضحًا أن الفكر اليوناني رغم عمقه الفلسفي (سقراط، أفلاطون، أرسطو)، إلا أن تطبيقاته القانونية ظلت متأثرة بالأفكار البدائية أحيانًا، مثل محاكمة الحيوانات والجمادات في أثينا. أما القانون الروماني، فرغم شهرته ودقته الصياغية، فقد ظل لفترات طويلة يعتد بالجانب المادي للجريمة (الضرر) أكثر من الجانب النفسي (الإرادة)، كما اتسمت عقوباته بالقسوة وعدم المساواة الطبقية. ويختتم هذا القسم باستعراض المسئولية في العهدين القديم والجديد، وكيف أثرت فكرة "الخطيئة" والمسئولية الموروثة في الفكر الديني وتطورها لاحقًا في الفكر الكنسي.

 

القسم الثاني: أساس المسئولية الجنائية في القانون الوضعي

يخصص د. كمال إمام هذا القسم لمناقشة المعركة الفكرية الكبرى في القانون الجنائي الحديث بين أنصار "حرية الإرادة" وأنصار "الحتمية". يبدأ بعرض المسئولية الاجتماعية التي نادت بها المدرسة الوضعية (لومبروزو ومن سار على نهجه)، والتي ترى أن الإنسان مسير لا مخير، خاضع لحتميات بيولوجية واجتماعية تدفعه للجريمة. وبناءً على ذلك، يرى هؤلاء أن أساس المسئولية ليس "الخطأ الأخلاقي" بل "الخطورة الإجرامية"، وأن الهدف من الجزاء هو "الدفاع الاجتماعي" وليس العقاب الأخلاقي. كما قام د. كمال إمام بنقد هذا الاتجاه الوضعي نقدًا علميًا وفلسفيًا، مفندًا مزاعم الحتمية المطلقة، وموضحًا خطورة هذا المذهب الذي يهدر آدمية الإنسان ويحوله إلى مجرد آلة أو شيء، كما أنه يفتح الباب للتحكم والاستبداد بإهدار مبدأ "شرعية العقوبة" وضمانات الحرية الفردية. وينتصر د. كمال إمام في هذا القسم لمذهب المسئولية الأدبية (الأخلاقية) الذي يتبناه المذهب التقليدي (الكلاسيكي)، والذي يقوم على أساس أن الإنسان كائن عاقل مختار، وأن المسئولية لا تقوم إلا بتوافر "الإدراك" و"حرية الاختيار"، وبذلك يكون "الخطأ" (العمد أو الإهمال) هو أساس المسئولية، وهو ما يتوافق مع الكرامة الإنسانية والعدالة.

 

القسم الثالث: أساس المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية

في هذا الجزء (وفقًا لمنهجية الكتاب الموضحة في المقدمة والخاتمة)، يتناول د. كمال إمام موقف الشريعة الإسلامية الذي يصفه بأنه أكثر إمتاعًا وجدَّة. ويستعرض الجدل بين الفلاسفة والمتكلمين المسلمين (المعتزلة والأشاعرة وغيرهم) حول قضية "الجبر والاختيار". ويخلص د. كمال إمام من خلال استقراء النصوص الشرعية (الكتاب والسنة) وآراء الفقهاء إلى أن الشريعة الإسلامية تؤسس المسئولية الجنائية على حرية الاختيار بشكل واضح.

ويؤكد د. كمال إمام أن الشريعة سبقت القوانين الوضعية في تقرير مبدأ "شخصية العقوبة" (ألا تزر وازرة وزر أخرى) وفي اشتراط "الإدراك" (العقل والبلوغ) و"الاختيار" (انتفاء الإكراه) لقيام المسئولية. كما يوضح كيف عالج الفقه الإسلامي عوارض الأهلية (كالجنون، الصغر، الإكراه) بتفصيل دقيق يؤكد احترام الشريعة لإرادة الإنسان وعقله كأساس للمحاسبة الدنيوية والأخروية، منتهيًا إلى أن الإسلام يقيم توازًا دقيقًا بين حماية المجتمع وحفظ حقوق الفرد من خلال ربط الجزاء بالمسئولية الأخلاقية القائمة على الاختيار الحر.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* د. محمد كمال إمام، المسئولية الجنائية: أساسها وتطورها - دراسة مقارنة في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، تصدير: د. عوض محمد عوض، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1411ه/1991م.

** فقيه قانوني ومفكر إسلامي مصري، جمع ببراعة بين التخصص في الشريعة والقانون الوضعي، شغل منصب أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، عُرف بمنهجه التجديدي القائم على مقاصد الشريعة، وترك إرثًا علميًا ثريًا.

في ظل التحولات المعاصرة، تجدد الاهتمام العالمي بالوقف باعتباره الصيغة الإسلامية للعمل الخيري والتطوعي، وأفضل القوالب الشرعية والقانونية لتحقيق المشاركة الشعبية في التنمية. من هذا المنطلق، برزت الحاجة الماسة إلى إطار قانوني موحد وحديث ينظم شؤون الوقف ويحفظ مكانته. واستجابة لهذه الحاجة، تضافرت جهود الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت، بصفتها "الدولة المنسقة لجهود الدول الإسلامية في مجال الوقف"، مع البنك الإسلامي للتنمية، ممثلًا بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، حيث قاما بتشكيل فريق عمل من ذوي الخبرة القانونية والشرعية والاقتصادية لصياغة مشروع قانون الوقف الموحد للدول الإسلامية، أطلقوا عليه مسمى "القانون الاسترشادي للوقف". ويهدف هذا المشروع الطموح إلى تقديم نموذج تشريعي متكامل يمكن للدول الإسلامية أن تهتدي به في تطوير تشريعاتها الوقفية، بما يراعي التعدد المذهبي ويتجاوب مع معطيات العصر.

وأصدرت الأمانة العامة للأوقاف بالفعل نسخة تجريبية من هذا القانون في الثاني عشر من نوفمبر لسنة 2014؛ بالإضافة إلى مذكرته التفسيرية ولائحته التنفيذية؛ ثلاث وثائق لكل منها دور محدد يكمل الآخر؛ لتشكل بذلك علاقة أشبه ما تكون بالبناء الذي يقوم على أساس تشريعي متين (نص القانون)، يستند إلى شرح فلسفي وشرعي عميق (المذكرة التفسيرية)، وتُفصّله قواعد إجرائية دقيقة تضمن حسن تطبيقه (اللائحة التنفيذية).

  1. الوثيقة الأولى: نص القانون الاسترشادي للوقف (التشريع الأساسي)

هذه الوثيقة هي النص التشريعي الأساسي الذي يضع المبادئ والقواعد العامة التي تحكم الوقف، ويتكون القانون من 86 مادة موزعة على 12 فصلًا، تغطي كافة جوانب الوقف من التأسيس إلى الإدارة والاستثمار والانتهاء، مما يجعله هذا القانون الاسترشادي إطارًا شاملًا ومنظمًا.

ويوضح هيكل القانون التغطية الواسعة التي يقدمها:

الفصل الأول: تعريف الوقف وأنواعه

الفصل الثاني: أركان الوقف وشروط صحته ونفاذه

الفصل الثالث: الشروط في الوقف

الفصل الرابع: إجراءات إنشاء الوقف وإثباته

الفصل الخامس: آثار الوقف

الفصل السادس: إدارة الوقف

الفصل السابع: استثمار الأموال الموقوفة

الفصل الثامن: الاستحقاق في الوقف

الفصل التاسع: النظام القانوني للأموال الموقوفة

الفصل العاشر: انتهاء الوقف

الفصل الحادي عشر: أحكام خاصة لبعض أنواع الأوقاف

الفصل الثاني عشر: أحكام عامة وانتقالية

 

  1. الوثيقة الثانية: المذكرة التفسيرية (الأساس الفلسفي والشرعي)

تمثل هذه الوثيقة الأساس الفلسفي والشرعي والتأصيلي لمواد القانون. دورها لا يقتصر على الشرح، بل يتعداه إلى بيان الحكمة التشريعية من كل مادة، واستعراض الآراء الفقهية المتعددة في المذاهب الإسلامية المختلفة التي استند إليها المشرّع في صياغة النص، وهذا العمق الفقهي يجعل المذكرة مرجعًا لا غنى عنه للقضاة والمشرّعين والباحثين لفهم مقاصد القانون وأبعاده الشرعية. يتبع هيكل المذكرة هيكل القانون، حيث يخصص قسمًا لكل فصل من فصوله لشرحه وتفسيره.

  1. الوثيقة الثالثة: اللائحة التنفيذية (الدليل الإجرائي والتطبيقي)

تعتبر هذه الوثيقة الدليل الإجرائي المفصّل لتطبيق أحكام "نص القانون الاسترشادي". فهي تحوّل المبادئ العامة والقواعد الكلية الواردة في القانون إلى خطوات وإجراءات عملية واضحة ومفصلة. وقد جاءت في 360 مادة، تتضمن تفصيلًا دقيقًا لكل الجوانب العملية، بدءًا من إجراءات توثيق حجة الوقف، مرورًا بقواعد إدارة واستثمار أمواله، وانتهاءً بتنظيم أحكامه العامة والانتقالية. ويأتي هيكلها موازيًا لهيكل القانون، حيث تفصّل كل فصل من فصوله الاثني عشر بمواد إجرائية دقيقة تضمن التطبيق العملي السليم لأحكامه. هذه البنية الثلاثية لا تمثل مجرد تسلسل هرمي، بل هي آلية متكاملة تسعى إلى ترجمة المقاصد الشرعية إلى قواعد قانونية، ثم إلى إجراءات تنفيذية دقيقة، وهو ما سيتضح جليًا عند تحليل المبادئ الموضوعية التي تحكم المنظومة.

المبادئ الأساسية والأحكام الجوهرية في القانون الاسترشادي للوقف

يستمد هذا القسم جوهره من تجميع وتحليل الأحكام الموضوعية الرئيسية التي تشكل صلب منظومة القانون الاسترشادي، حيث تتكامل نصوص القانون مع شروحات المذكرة التفسيرية وتفصيلات اللائحة التنفيذية لتقديم رؤية متكاملة للمبادئ التي تحكم الوقف.

تعريف الوقف وأركانه وشروطه

يعتمد القانون التعريف الفقهي الموجز للوقف بأنه "حبس الأصل وتسبيل المنفعة"، وهو ما يعني إخراج المال الموقوف من دائرة التصرفات الناقلة للملكية وتخصيص منفعته أو ريعه للأغراض التي حددها الواقف. ويقسم القانون الوقف إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

  • الوقف الخيري: الذي تُجعل منفعته لجهة برّ ابتداءً وانتهاءً.
  • الوقف الأهلي (الذري): الذي تُخصص منافعه لأفراد معينين، ويُشترط لصحته أن يكون لجهة برّ انتهاءً.
  • الوقف المشترك: الذي يجمع في منفعته بين جهات البر والأفراد المعينين معًا.

ولكي ينعقد الوقف صحيحًا، لا بد من توافر أركانه الأربعة: الواقف، والمال الموقوف، والموقوف عليه، والصيغة. وقد وضعت اللائحة التنفيذية شروطًا دقيقة لكل ركن، من أهمها أن يكون الواقف أهلًا للتبرع ومالكًا للمال، وأن يكون المال الموقوف متقوّمًا ومباحًا شرعًا، وأن تكون جهة الوقف مشروعة وفيها قربة إلى الله تعالى.

إدارة الوقف وحوكمته

يولي القانون أهمية قصوى لحوكمة الوقف لضمان استمراريته وتحقيق أهدافه. ويتمحور نظام الإدارة حول "ناظر الوقف"، الذي وصفه القانون بأنه الممثل القانوني للوقف والأمين على أمواله والوكيل عن المستحقين. وتتلخص مسؤولياته الرئيسية في حفظ أموال الوقف، واستثمارها، وتوزيع ريعها، وتقديم تقارير سنوية. ولمعالجة التحديات التاريخية المرتبطة بالإدارة الفردية وما قد يصاحبها من مخاطر، أرسى القانون مبدأ الحوكمة المؤسسية، حيث أوجب إنشاء "مجلس نظارة" للأوقاف الكبيرة التي تزيد قيمة أموالها عن مبلغ تحدده اللائحة. وهو ما يمثل نقلة نوعية نحو ضمان الشفافية والمساءلة والاستدامة، ويمنع القرارات الفردية ويحقق مزيدًا من الرقابة والشفافية.

استثمار الأموال الموقوفة وتنميتها

إدراكًا بأن استدامة الوقف وتحقيق مقاصده عبر الأجيال يعتمد على تنمية أصوله، أولى القانون أهمية قصوى لاستثمار أموال الوقف وتنميتها. وتقوم فلسفة الاستثمار التي تؤصل لها المذكرة التفسيرية على عدة مبادئ أساسية تضمنتها اللائحة التنفيذية، أهمها:

  • المشروعية: حيث لا يجوز استثمار أموال الوقف إلا في أوجه جائزة شرعًا.
  • الأمان: يجب تجنب تعريض أموال الوقف لدرجة عالية من المخاطر.
  • تحقيق عائد مجزٍ: لضمان نمو الوقف وقدرته على الوفاء بالتزاماته.

كما أتاح القانون آلية "الإبدال والاستبدال"، وهي جواز بيع العين الموقوفة وشراء عين أخرى بديلة عنها إذا كان ذلك يحقق مصلحة راجحة للوقف، كأن تكون العين قد خربت أو قلّ ريعها، وذلك وفق شروط وإجراءات دقيقة نصت عليها اللائحة التنفيذية.

الاستحقاق في الوقف وتوزيع الريع

المبدأ الجوهري الذي يحكم الاستحقاق في الوقف هو "شرط الواقف كنص الشارع"، مما يعني وجوب الالتزام التام بما حدده الواقف في حجة وقفه من مستحقين وأنصبة. وقد أكد القانون أن حقوق المستحقين تتعلق بريع الوقف ومنفعته، وليس بأصل العين الموقوفة التي تبقى محبوسة. ورغم هذا الالتزام الصارم بإرادة الواقف، فقد أوجد القانون استثناءات قضائية محددة تقتضيها المصلحة العامة أو الضرورة، حيث أجاز بحكم قضائي الصرف لأقارب الواقف المحتاجين حتى لو لم ينص على ذلك في حجة الوقف، وكذلك الإنفاق من ريع الوقف الخيري للتخفيف من آثار الكوارث العامة، وذلك ضمن ضوابط محددة تضمن عدم الإخلال بالغرض الأساسي للوقف.

انتهاء الوقف وآثاره

خلافًا للمفهوم التقليدي الذي يميل إلى تأبيد الوقف ولزومه، يقدم القانون الاسترشادي رؤية معاصرة توازن بين استدامة الوقف ومرونة إنشائه. فإلى جانب الأسباب التقليدية لانتهاء الوقف كانتهاء مدته (إن كان مؤقتًا)، أو انقراض الموقوف عليهم، أو هلاك العين الموقوفة، أقر القانون آلية "الرجوع عن الوقف" من قبل الواقف في الحالات التي يجيزها القانون. ويعد هذا المبدأ تطورًا تشريعيًا مهمًا يعالج أحد أبرز التحديات التي كانت تعيق المبادرات الوقفية، وهو الخوف من عدم القدرة على التراجع، مما يوفر بيئة مشجعة وآمنة للواقفين المحتملين. ولضمان حماية الوقف من أي عبث، أكد القانون أن انتهاء الوقف أو بطلانه لا يتم إلا بحكم قضائي. ويترتب على انتهاء الوقف أثر قانوني واضح، وهو عودة ملكية الأموال الموقوفة إلى الواقف إن كان حيًا، أو إلى ورثته بعد وفاته، لتزول عنها صفة الوقفية. وتشكل هذه المبادئ والأحكام إطارًا قانونيًا متينًا يوازن بين احترام إرادة الواقف، ومتطلبات الحوكمة الرشيدة، وضرورة تحقيق المصلحة العامة، مما يمهد الطريق لنهضة وقفية معاصرة.

الأثر المأمول للقانون الاسترشادي

في الختام، تمثل منظومة القانون الاسترشادي للوقف، بوثائقها الثلاث المتكاملة، إنجازًا تشريعيًا رائدًا يهدف إلى إعادة تفعيل دور الوقف كمؤسسة حضارية فاعلة في العالم الإسلامي. إن هذا الإطار القانوني الشامل، الذي يجمع بين النص التشريعي والمذكرة التفسيرية واللائحة التنفيذية، يوفر البنية القانونية اللازمة من وضوح ومرونة وضمانات طالما افتقرت إليها العديد من البيئات التشريعية الوقفية. يعمل هذا القانون على تشجيع المبادرات الوقفية الجديدة من خلال توفير بيئة قانونية آمنة وموثوقة، كما يعزز من كفاءة إدارة الأوقاف القائمة وحوكمتها، مما يضمن استدامتها ونموها. وبذلك، يعيد القانون الاسترشادي للوقف الاعتبار لهذه السنة النبوية الشريفة، ويمهد الطريق أمامها لتستعيد دورها المحوري كمحرك أساسي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في الدول الإسلامية.

 

لتحميل نص القانون الاسترشادي للوقف (هنا)

لتحميل المذكرة التفسيرية للقانون الاسترشادي للوقف (هنا)

لتحميل اللائحة التنفيذية للقانون الاسترشادي للوقف (هنا)

 

 

يُعدّ القرن العشرون الفترة الأكثر دموية في التاريخ البشريّ المُسجَّل، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى عمليات القتل الجماعي المنظَّمة التي ارتكبتها الأنظمة الاستبدادية ضد مواطنيها. تشير التقديرات الموثوقة إلى أن العنف الإبادي وسياسات الإبادة التي فرضتها الأنظمة الديكتاتورية أسفرت عن مقتل ما يقرب من 262 مليون شخص، وهو رقم يفوق بكثير عدد القتلى العسكريين والمدنيين من جميع الصراعات المسلحة في القرن العشرين.

شهد هذا العصر صعود شخصيات قاتلة مثل جوزيف ستالين، وأدولف هتلر، وماو تسي تونغ، وبول بوت، وعيدي أمين، ورافائيل تروخيو، وصدام حسين، وهم أفراد استغلوا آليات الدولة والأيديولوجية المتطورة لارتكاب الفظائع.

يتطلّب التحليل الشامل لهؤلاء القادة الاستبداديين والعنف الجماعي الذي دبّروا أعماله تجاوز التفسيرات التبسيطية التي تصف الجناة بأنهم مجرد مجانين أو أشرار بطبيعتهم. وبدلًا من ذلك، فإن فهم دور هؤلاء الدكتاتوريين في الإبادة الجماعية يتضمّن تجميع ثلاثة عوامل متفاعلة: (1) الخصائص النفسية المحددة والطموح القاسي للقادة أنفسهم، (2) الدور الحاسم للأيديولوجيات السياسية المتطرفة، وخاصة في تأطير التهديدات الأمنية، و(3) السياقات التاريخية الشاملة للأزمات السياسية والحرب وديناميكيات قوة الدولة التي مكّنت هؤلاء الأفراد من تنفيذ القتل الجماعي.

 

أولًا: الخصائص النفسية: عبادة الهيمنة

في التصور الشعبي غالبًا ما يتم تقديم مرتكبي جرائم القتل الجماعي على أنهم مرضى نفسيون أو ساديون. ومع ذلك، تشير خمسة عقود من الدراسات إلى أن المرض العقلي أو الغضب الأعمى بين مرتكبي العنف المنظَّم أمر نادر؛ بل إن الأشخاص العاديين هم الذين يرتكبون الإبادة والقتل الجماعي، مدفوعين بدوافع معقّدة وغالبًا ما تكون عادية. ومع ذلك، فإن النخب السياسية العليا التي تبدأ وتنظّم عمليات القتل الجماعي غالبًا ما تظهر سمات شخصية محددة ومدمّرة، وغالبًا ما تتضخّم بسبب التأثيرات المُسكِرة للسلطة المطلقة.

دور النرجسية الخبيثة والصدمة الشخصية

يشترك العديد من الطغاة المتورطين في الإبادة الجماعية في الأعراض الكلاسيكية للنرجسية الخبيثة. يتسمون بأنهم متلاعبون للغاية، ومعادون للمجتمع، ومصابون بجنون العظمة، وغالبًا ما يخفون انعدام الأمن العميق وراء صورة ذاتية عظيمة، ويُظهرون عدم القدرة على التعاطف مع الآخرين. وهذا المرض يدفعهم إلى التعبير عن العدوان بطرق قاسية وسادية ضد أي شخص يمتنع عن الخضوع لإرادتهم.

يشير علماء النفس والمؤرخون إلى جذور محتملة لهذا السلوك في أحداث الطفولة المنحرفة أو الصدمات العميقة الجذور، مما يعزّز الاستهتار القاسي بالحياة البشرية والحاجة الشرهة والبدائية تقريبًا للسيطرة الكاملة.

أظهر جوزيف ستالين شخصية مشوّهة ربما ساهمت في استخفافه القاسي بالحياة البشرية، والذي تم الكشف عنه في تعليماته المكتوبة للسجّانين "بالضرب والضرب والضرب مرة أخرى". اتسم حكمه بالقسوة و"النظرة الوحشية"، حتى إنه كان مدفوعًا بخوف غريب، واعترف ذات مرة قائلًا: "أنا خائف من ظلي".

لم يكن أدولف هتلر ألمانيًا بل نمساويًا، ويُستشهد بتجارب طفولته المبكرة في عائلة غير متكيفة -إلى جانب شائعات الانحراف في حياته الخاصة وغضبه الشديد- باعتبارها عوامل ساهمت في تشكيل آرائه حول الجنس والعرق.

كانت حياة رافائيل تروخيو -ديكتاتور الدومينيكان الذي حكم البلاد من 1930 حتى اغتياله 1961- السياسية مدفوعة بمشاعر عميقة من النقص، ربما بسبب بنيته الجسدية المحدودة ونسبه الهايتي المزعوم. وقد ترجَم هذا إلى رغبة دائمة ونهمة للسيطرة المطلقة في السياسة والأعمال، واعتداءاته الجنسية المتسلسلة على الشابات، وهو تعبير بشع عن طغيانه المعروف باسم الإباحية السياسية.

عانى عيدي أمين، وهو أميّ ومُسلم في دولة ذات أغلبية مسيحية، من الاغتراب النفسي الذي يمكن القول إنه كان أساس سياسات الإبادة القبلية التي انتهجها ضد قبائل الأتشولي واللانجي.

غالبًا ما تُعزى سادية صدام حسين إلى رفض والدته له عندما كان رضيعًا، وربما تعرّضه للضرب على يد زوج أمه العنيف. كان يخشى المؤامرات، ونادرًا ما كان ينام في المكان نفسه مرتين، مما عزّز جنونه.

اتسمت شخصية بول بوت بانعدام الأمن، الأمر الذي أطلق العنان لدافع قاتل ضد أولئك الذين اشتبه في معارضتهم لرؤيته الطوباوية لنقاء الخمير ونهضتهم.

التأثير المُسكِر للسلطة المطلقة

إن تركيز السلطة المطلق بحد ذاته عامل حاسم في فهم أقصى درجات القسوة التي وصل إليها هؤلاء الطغاة. إن مقولة اللورد أكتون الشهيرة بأن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة" مدعومة بأدلة تشير إلى أن التغيرات الكيميائية في أدمغة الأفراد الذين يتبوؤون مناصب نافذة يمكن أن تشوّه عمليات التفكير، مما يدفع هذا التشويه العقلي اللاواعي نحو الخلل.

يُنشئ الدكتاتوريون حكمًا شخصيًا من خلال الإرهاب الواسع النطاق، ويطالبون بالحق المطلق في الحياة والموت. وبمجرد أن تصبح وسائل الإكراه مركزية وبعيدة عن المنافسة تصبح قادرة على تحقيق "نتائج غير مسبوقة".

لقد مكّنت هذه السلطة غير المقيّدة ستالين من ممارسة درجة مخيفة من السيطرة على الشعب الروسي، حيث كان الشك وحده كافيًا للاعتقال أو التعذيب أو الإعدام. وبالمثل، ربما مارس الخمير الحمر بقيادة بول بوت "سلطةً على مواطنيهم تفوق أي دولة أخرى في تاريخ العالم". إن هذه السيطرة المطلقة، الخالية من الضوابط الاجتماعية والقانونية الفعّالة، سمحت للقادة بالتصرف دون قيود القواعد الأخلاقية أو القانونية التقليدية.

 

ثانيًا: الأسس الأيديولوجية: سياسات أمنية متطرفة

ورغم أهمية الأمراض الشخصية للقادة، إلا أنها لا تكفي لتفسير النطاق المنهجي والهائل للإبادة الجماعية. إن الدافع الأساسي الذي يحوّل الطموح الفردي إلى سياسة قتل جماعي هو الأيديولوجية، وتحديدًا الأيديولوجيات التي تُستغل كسلاح في عقائد أمنية متشددة.

إن النظرة التقليدية -التي ركّزت على الطوباوية الثورية والكراهية المفرطة أو الانقلاب الأيديولوجي للمعايير الأخلاقية (نموذج "المؤمن الصادق" أو الوطني الحق)- تتعرض الآن للتحدي. يفشل هذا النموذج لأن معظم عمليات القتل الجماعي تبدو مدفوعة بمخاوف جوهرية تتعلق بالأمن والحرب والنظام السياسي أكثر من كونها مدفوعة بأهداف طوباوية.

السرديات التبريرية:

تستغل الأسس الأيديولوجية الأساسية للقتل الجماعي الأفكار الاستراتيجية والأخلاقية التقليدية، وخاصة تلك المرتبطة بالأمن والحرب والنظام السياسي. في فترات الأزمات تُقدِّم الأيديولوجيات سرديات تبريرية قادرة على ربط تحالفات الجناة المتنوعة (النخب والوكلاء والجمهور) معًا.

تعمل هذه الأيديولوجيات المتشددة على تعزيز مفهوم واسع النطاق لانعدام الأمن، حيث تنظر إلى العالم على أنه يشكّل تهديدًا كبيرًا، وتربط هذه التهديدات بالمجموعات المدنية التي يجب التعامل معها باستخدام القوة بلا هوادة.

تعتمد الروايات التبريرية التي تظهر باستمرار على ست آليات متكررة لجعل القتل الجماعي يبدو ضروريًا ومسموحًا به أخلاقيًا للجناة:

1) بناء التهديد: تصوير الضحايا كتهديد وشيك ووجودي، وتبرير العنف باعتباره دفاعًا عن النفس ضروريًا، حتى لو كان هذا الاعتقاد قائمًا على ادعاءات خيالية. على سبيل المثال، تخيّل النازيون مؤامرة عالمية بقيادة اليهود، في حين كانت الدولة العثمانية تخشى الجماعات القومية الأرمنية التي تقف إلى جانب روسيا خلال الحرب الأولى (1914–1918).

2) نسب الذنب: اتهام الضحايا بارتكاب جرائم سابقة أو حالية، وبالتالي اعتبارهم أهدافًا مشروعة للعنف والانتقام.

3) نزع الصفة الإنسانية: إنكار أو قمع الهوية المشتركة بين الجناة والضحايا، مما يجعل الضحايا غرباء أدنى مرتبة لا تهمّ رفاهيتهم.

4) التثمين: تأطير العنف نفسه كفعل جدير بالإعجاب والتمجيد والمستحق للثناء، مناشدًا الفضائل التقليدية مثل الوطنية والواجب والولاء، وخاصة في البيئات العسكرية.

5) الانحياز للمستقبل: التأكيد على أن الأضرار الحالية تفوق الفوائد المستقبلية الهائلة طويلة الأجل، مثل تأمين سلامة النظام السياسي في المستقبل أو منع انتشار "السموم" إلى الجيل التالي. على سبيل المثال، استهدف الجنود الغواتيماليون الأطفال الذكور معتقدين أنهم "سيأتون يومًا ما ويؤذوننا"، وهكذا فعل الجيش الإسرائيلي في غزة؛ قدّرت منظمة "أنقذوا الأطفال" (Save the Children) في أحد تقاريرها أن عدد الأطفال القتلى في غزة تجاوز 20,000 طفل.

6) تدمير البدائل: تصوير القتل الجماعي باعتباره الخيار الوحيد القابل للتطبيق أو الذي لا مفر منه، وبالتالي تحييد شعور الجاني بالمسؤولية الأخلاقية.

يُنظر إلى القمع الستاليني في كثير من الأحيان على أنه حالة شمولية كلاسيكية، يمكن فهمه بشكل أفضل باعتباره شكلًا من أشكال السياسة الأمنية المتشددة للغاية. لم يكن الإرهاب الأعظم مدفوعًا في المقام الأول بأهداف شيوعية مثالية، بل بهوس بأمن الدولة وسرد خيالي عن انعدام الأمن الداخلي.

لقد أدّت أيديولوجية ستالين إلى إثارة تأكيدات مبالغ فيها حول التهديد والمؤامرات الإجرامية التي تتعارض تمامًا مع هيمنة النظام. شمل ذلك تصفية الكولاك (الفلاحين الأثرياء)، والاعتقالات الجماعية خلال عمليات التطهير، وإبادة الأقليات القومية… وكلها كانت وفقًا لاعتقاده دفاعات ضرورية ضد التهديدات المضادة للثورة والعملاء الأجانب. لقد زعم ستالين باستمرار أن نمو الأعداء الداخليين والخارجيين كان نتيجة حتمية لاقتراب الاتحاد السوفييتي من تحقيق الاشتراكية، وبالتالي برّر العنف الشديد.

 

ثالثًا: السياق التاريخي والدوافع النظامية

إن وجود قيادة أيديولوجية متشددة لا يكفي للإبادة الجماعية؛ بل يتطلّب تفاعل هذه الأيديولوجية مع ظروف سياقية معينة، وخاصة الأزمات السياسية الحادة والحرب والخصائص المؤسسية للدول الاستبدادية.

الأزمة السياسية والاضطرابات

تنشأ الإبادة الجماعية عمومًا استجابة لظروف الأزمة السياسية أو الحرب أو عدم الاستقرار السياسي أو التهديد المتصوَّر بالتحدي المحلي. هذه الأزمات حاسمة، لأنها تخلق سياقًا استراتيجيًا يمكن أن يبدو فيه العنف الجماعي مفيدًا بشكل محتمل، ويكثّف الاحتياجات النفسية التي تفضّل الأفكار المتشددة، ويزعزع استقرار المعايير الراسخة للسياسة اللاعنفية.

إن التحول من الحكم الإمبراطوري (مثل الإمبراطورية العثمانية بعد عام 1908) أو الاضطرابات الثورية (مثل الاتحاد السوفييتي بعد عام 1917، أو كمبوديا بعد عام 1975)، أو الانقلابات العسكرية (كما في إفريقيا) يخلق فرصًا للنخب لإعادة تعريف المجتمع الوطني بمصطلحات إقصائية. على سبيل المثال، كانت الإبادة الجماعية العثمانية للأرمن مدفوعة بجهود جمعية الاتحاد والترقي لتحويل الإمبراطورية إلى دولة "قومية" حديثة خلال أزمة الحرب الأولى.

الحرب حاضرة باستمرار في سياق القتل الجماعي. تسارعت وتيرة الهولوكوست بشكل كبير خلال الحرب الثانية بسبب غزو الاتحاد السوفييتي. وقعت الإبادة الجماعية في رواندا خلال أزمة الحرب الأهلية بين نظام الهوتو والجبهة الوطنية الرواندية (RPF).

توفر الحرب غطاءً لأفعال غير مشروعة، وتضفي الشرعية على استخدام القوة المفرطة، وتقسم العالم إلى معسكرات واضحة للأصدقاء والأعداء. إن الأخلاقيات العسكرية للحرب الشاملة تسمح للجنرالات بالنظر إلى المدنيين كأهداف مشروعة.

الدولة الاستبدادية والقدرة المؤسسية:

كانت الغالبية العظمى من عمليات القتل الجماعي في القرن العشرين من تدبير الحكومات. تُظهر الأنظمة الاستبدادية والشمولية مثل تلك التي قادها هتلر وستالين وماو ميلًا خاصًا للعنف الإبادي، وذلك بسبب:

1) السلطة غير المقيّدة: الأنظمة الاستبدادية غير مقيدة إلى حد كبير بالمعارضة السياسية أو الضوابط المؤسسية، مما يمنح السلطة التنفيذية حرية التصرف في القضاء على التهديدات المزعومة.

2) احتكار العنف: إن الدولة التي تُعرف بمطالبتها بالسيطرة على الاستخدام المشروع للقوة تتمتع بوضع فريد يسمح لها بتنفيذ العنف على نطاق واسع.

3) البيروقراطية والتكنولوجيا: يوفر المجتمع الصناعي الحديث للدول الوسائل التنظيمية (البيروقراطية، الاتصالات) والتكنولوجية (الإنتاج الضخم للذخائر، النقل، المراقبة) اللازمة للذبح المنظم. إن الطبيعة المنهجية والمجزّأة للبيروقراطية الحديثة سمحت للجناة الأفراد بإبعاد أنفسهم نفسيًا عن عواقب مهامهم المتخصصة (على سبيل المثال، إدارة عمليات الترحيل وتصميم شاحنات الغاز).

 

رابعًا: آليات التنفيذ: من سياسة النخبة إلى العمل الجماهيري

لا تتحول النية الدكتاتورية إلى حقيقة إبادة جماعية إلا من خلال حشد تحالفات متنوعة من الجناة، التي تتألف من النخب السياسية والنخب الوسيطة (الضباط من الرتب المتوسطة والإداريين) والوكلاء العاديين، والتي تربطها بنية تحتية أيديولوجية.

النخب السياسية عادة ما تبدأ وتنظّم عمليات القتل الجماعي، وغالبًا ما تمتلك التزامًا أيديولوجيًا قويًا بالرواية المتشددة. ومع ذلك، تلعب النخب الوسيطة ذات الرتب الأدنى -مثل البيروقراطيين من الرتب المتوسطة والقادة العسكريين والمسؤولين المحليين- دورًا حاسمًا في تشكيل كيفية تطور الإبادة الجماعية محليًا.

إن التوجه الأيديولوجي للنخب الوسيطة يؤثر بشكل كبير على شدة العنف. القادة المتشددون يدفعون العنف إلى الأمام بحماس، بينما قد ينفّذ غير المتشددين الأوامر بفتور أو حتى يعرقلون سياسات الإبادة الجماعية. على سبيل المثال، في "الحرب القذرة" في الأرجنتين (1976–1983) ساهمت معتقدات الضباط بشكل مباشر في تشكيل شدة القمع المحلي.

وبالنسبة للعديد من النخب، أصبحت الدوافع الأنانية والبيروقراطية متشابكة مع الأيديولوجية. إن تأييد التبريرات المتشددة يسمح للوسطاء بالسعي إلى الترقي المهني من خلال العنف، ولا يرون تناقضًا كبيرًا بين السعي المهني وكونهم "مؤمنين حقيقيين".

يتم تنفيذ عملية القتل الفعلية من قبل عملاء عاديين، نادرًا ما يكونون متعصبين أيديولوجيًا، ولكن دوافعهم هي مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك الإكراه، والتوافق، والانتهازية.

في حالات القتل الجماعي تكون الضغوط النفسية والاجتماعية العميقة -بما في ذلك الرغبة الشديدة في التوافق مع توقعات الأقران والخوف من الإقصاء الاجتماعي أو الانتقام الجسدي- محركات قوية في كتائب الأمن. قد يكون الدافع وراء ذلك في كثير من الأحيان هو الرغبة في تجنب التعرّض للعار بسبب "الجبن" أمام الرفاق. في رواندا، فرضت الميليشيات المحلية المشاركة في القتل الجماعي، وكان التهديد بالقتل بسبب العصيان في كثير من الأحيان أمرًا معقولًا.

توفر الإبادة الجماعية فرصًا واسعة لتحقيق مكاسب شخصية، مما يوفر غطاءً للدوافع الأنانية. يتراوح هذا من نهب ممتلكات الضحايا (وهو أمر شائع في رواندا ومحرقة الهولوكوست)، إلى تسوية الخلافات الشخصية تحت ستار اليقظة الثورية (كما حدث في كمبوديا ورواندا).

وبغضّ النظر عن دوافعهم الأساسية، فإن معظم الجناة يقبلون داخليًا الرواية المتشددة حتى لو كان ذلك بشكل انتقائي أو بنصف قلب. تعمل التبريرات الأيديولوجية في المقام الأول على إضفاء الشرعية على العنف وتحييد القيود الأخلاقية الداخلية، والسماح للأفراد العاديين برؤية مشاركتهم على أنها مقبولة أو واجبة. نزع الصفة الإنسانية من خلال اللغة السياسية والدعاية يسهّل المسافة النفسية اللازمة لإلحاق العنف الشديد بالأشخاص الذين هم في كثير من الأحيان جيرانهم.

في الختام، استغلّ دكتاتوريو القرن العشرين القتلة سلطتهم السياسية التي غالبًا ما كانت مدفوعة باضطرابات شخصية وطموحات جامحة لإضفاء طابع مؤسسي على سياسات الإبادة الجماعية. وقد أصبحت هذه السياسات مقبولة وقابلة للتنفيذ من خلال وضعها ضمن أيديولوجيات أمنية متشددة أعادت تعريف الاهتمامات التقليدية (الأمن والواجب والقضاء على التهديد) لتبرير القتل الجماعي.

في النهاية، نتجت الإبادة الجماعية عن تآزر معقد ومدمر: تفاعلت الإرادة الأيديولوجية للنخبة مع الأزمة السياسية والديناميكيات الاجتماعية لتحالف الجناة، مما مكّن الأفراد العاديين من ارتكاب شرور خارقة من خلال شبكة من الدوافع القاتلة.

إن حقيقة أن القتل الجماعي يمكن أن يبدو عقلانيًا استراتيجيًا ضمن إطار أيديولوجي محدد- ويمكن الدفاع عنه أخلاقيًا لأولئك المنغمسين في هذا الهيكل- تظل الدرس المركزي المرعب للعنف الاستبدادي في القرن العشرين.

 

* غزة وصناعة التوحش (٣): العنف الاستبدادي وعبادة الهيمنة، مصر 360، 18 نوفمبر 2025، https://bit.ly/3XhbqTb

** هشام جعفر صحفي وباحث مصري من مواليد 11 مايو 1964 بمحافظة الدقهلية، تخرّج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1985 وحصل على ماجستير في العلوم السياسية، عمل في مراكز بحثية وإعلامية، وتولى مناصب تحريرية، وساهم في تأسيس مواقع ومؤسسات إعلامية؛ مثل: "إسلام أونلاين" و"مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية"، ويشتهر بمواقفه الداعية إلى الوسطية والانفتاح والحوار والمواطنة وحقوق الإنسان، مع تركيز على قضايا الحركات الإسلامية ودور الإعلام وقضايا المرأة.

خلال الحرب الإسرائيلية المستعرة على قطاع غزة، تتقاطع قضايا التحرر، والقومية، والاستعمار الاستيطاني بشكل متزايد، ومقلق للغاية، مع مسائل الأخلاق والحق بالحياة والعدالة التاريخية. في هذا التوقيت بالتحديد، فإن نشر النقاشات النقدية يصبح أمرًا مهمًا، والنص التالي يأتي في هذا السياق. أدناه ترجمة لمقابلة أجراها فرانسيس واد (Francis Wade) مع المفكر والمنظر الأوغندي محمود ممداني في مطلع العام 2024، بالتزامن مع اشتداد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وانعقاد جلسة المحكمة العدل الدولية لبحث اتهامات بارتكاب إسرائيل لجريمة إبادة جماعية.

تتعلق المقابلة بالآثار العميقة لمفهوم الدولة القومية من خال شرح الادعاء الذي يسوقه ممداني في إحدى كتاباته والقائلة بأن نشأة الدول القومية كانت مصاحبة بشكل عضوي لأعمال الإبادة الجماعية والتطهر العرقي. وبالتالي، تسلط المقابلة الضوء على العنف المتأصل في مشاريع بناء الأمة، وتلقي الضوء على التداعيات المعاصرة لهذه العمليات في سياق الاستعمار الاستيطاني. هذا التحليل مهم حيث يقدم فهمًا دقيقًا للديناميكيات المؤثرة في العلاقات بين المستوطنين والسكان الأصلين والاعتبارات الأخلاقية المحيطة بمفاهيم الوطن والسيادة. يتماشى نشر هذا المقال مع التزام مجلة (قضايا إسرائيلية) بتعزيز المشاركة في المسائل الفكرية الملحة. فالنص التالي لا يثري فهمنا الجماعي فحسب، بل يعمل أيضًا كمحفز للمناقشات العلمية والمجتمعية حول سبل تحقيق السلام والعدالة في السياق الفلسطيني الذي لا يزال يتشكل، وبطريقة دامية، من خال هياكل الهيمنة، والاستعمار، والعنف المنظم، والإبادة.

 

نص المقابلة المنشورة في مجلة The Nation:

حوار مع المنظر السياسي محمود ممداني حول العنف المتأصل في قلب مشروع بناء الأمة، والحرب في غزة، والمعنى المتغر للوطن.

مقدمة فرانسيس واد

محمود ممداني، الذي يعمل الآن أستاذًا للأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا، قام بتأليف أكثر من اثني عشر كتابًا، تناول الكثير منها أسئلة متعلقة بالعنف السياسي والاستعمار (colonization) وتفكيك الاستعمار (decolonization) والعلاقات بين الأغلبية والأقليات في دول ما بعد الاستعمار. أحدث كتاب له كان بعنوان "لا مستوطن ولا أصلاني: صنع أقليات دائمة وتفكيكها"، الذي نُشر في العام 2020. في هذا الكتاب، يجادل ممداني بأن الدولة الاستعمارية والدولة القومية لم يتم تشكيلهما بشكل منفصل، لكنهما ظهرا إلى حيز الوجود في وقت واحد في نهاية القرن 15 من خلال حملتين واسعتي النطاق للتطهر العرقي والاستيطان: الإبادة الجماعية للأميركيين الأصلين من قبل الأوروبيين، وطرد المسلمين واليهود من أيبيريا من قبل المملكة القشتالية. وقال ممداني إن هذه الأعمال شكلت محطة أولى لسلسلة مستقبلية من الفتوحات الاستعمارية التي حصلت في أماكن أخرى من العالم، فضلًا عن تدشينها لأعمال العنف السياسي الشديد التي ارتُكبت لإنشاء دول متجانسة عرقيًا، من بينها الهولوكوست، والحرب العرقية في السودان، وتأسيس دولة إسرائيل.

 

فرانسيس واد: أنت يا ممداني لطالما اقترحت على القراء أن يتعرفوا على العنف المتأصل في الدولة القومية، ليس فقط في مرحلتها التأسيسية -أي الاستعمار والاستيطان- لكن أيضًا بعد ذلك حيث تسعى الدولة إلى الحفاظ على نسخة معينة عن نفسها. يمكن أن يكون هذا النوع الثاني من العنف أكثر شراسة عندما تعتقد جماعة معينة بأنها هي الدولة. دعنا نبدأ بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني: ماذا يعني هذا الأمر، وكيف يمكن للعنف الموجود حاليًا (يقصد الحرب الإسرائيلية على غزة) أن يبين هذه الفكرة؟

محمود ممداني: تصل الأمور إلى نقطة الغليان عندما تعتقد جماعة ما أن لها الحق الحصري في دولة خاصة بها، حيث لا يمكن التعايش مع مجتمع آخر. أو إذا كان التعايش ممكنًا، فليس على أساس السيادة المشتركة، إنما على أساس التبعية السياسية التي نَظَّر لها جون لوك تحت عنوان "التسامح". هناك فرق كبير بين السيادة والتسامح. في الحالة الإسرائيلية، بمجرد أن حولت البلاد تعريفها لنفسها على أنها دولة يهودية بشكل حصري، فإنها وضعت جانبًا افتراض التسامح. بالتالي أصبح فيها التطهير العرقي أمرًا ممكنًا.

 

فرانسيس واد: هل فوجئت بشراسة الهجوم الإسرائيلي على غزة، والدعم الإسرائيلي الداخلي له؟

محمود ممداني: لست مندهشًا من العنف، لأن العنف بين إسرائيل وفلسطين[1] مستمر منذ 75 عامًا -كل ما في الأمر أنه كان في العادة عنفًا أحادي الجانب. بمعنى، منذ الانتخابات التي أتت بحماس إلى السلطة في العام 2006، كانت إسرائيل تقوم كل عامين بـ "جز العشب"[2] بشكل هادئ يشبه هدوء القوى الغربية. فإن الدعم الحالي لنتنياهو -أو الدعم الحالي للانتقام- ليس مفاجئًا، على الرغم من أنني أرى إشارات مختلطة هنا. هناك عدم تصديق تام بأن الدولة الإسرائيلية، التي كان مبررها الأساسي -أو الوحيد- هو حماية الشعب اليهودي، لم تستطع توقع أو صد هجوم حماس في 7 أكتوبر. يبدو أن هذه لحظة تحطيم للوهم. وفي الوقت نفسه، لا يكفي العنف أبدًا لضمان الأمن. هل يمكن للمرء أن يتعايش مع الآخر على أساس العنف؟ في غياب أي طريقة للتعايش، سيكون الاستنتاج المنطقي هو إبادة الآخر.

 

فرانسيس واد: أنت تتحدث معي من جامعة كولومبيا، حيث كانت هناك احتجاجات من قبل الجماعات المؤيدة لإسرائيل وكذلك الجماعات المؤيدة لفلسطين، غالبًا بسبب اللغة المستخدمة لوصف وفهم تصرفات حماس أو دولة إسرائيل. كيف يمكن فهم مكانة هذا التوتر ضمن الجدال الأميركي الأوسع المتعلق بكيفية التعامل مع القضية الإسرائيلية - الفلسطينية؟

محمود ممداني: في الثقافة السياسية الأميركية يمكنك انتقاد الولايات المتحدة كما تريد، لكن لا يمكنك حقًا انتقاد إسرائيل. الفرق لافت للنظر. ويجري الآن خرق هذه المعادلة. المزيد والمزيد من الشباب ينتقدون إسرائيل بمصطلحات علمانية- بمصطلحات تنطبق على أي دولة قومية. هؤلاء الشباب ليسوا مجرد منتقدين وصلوا في وقت متأخر، وإنما هم أفراد يساهمون في صياغة الرأي العام وقيادته، بما في ذلك بين اليهود أنفسهم. الرد على حركة الاحتجاج المناصرة للفلسطينيين كان من خلال اتهامها بأنها ليست مجرد حركة ناقدة لإسرائيل، وإنما هي معادية للسامية- أي إنها ليست فقط معادية للصهيونية، بل أيضًا معادية للسامية. إن الخلط بين نقد الدولة ونقد الشعب يشكل تحديًا للثقافة الديمقراطية، وكلما ألبست الدول أفعالها برداء كيان ديني أو ثقافي أو عرقي، كلما اقتربنا من نهاية الديمقراطية. لم يعد لدينا إمكانية أو مجال لتقديم نقد علماني للدولة.

 

فرانسيس واد: أريد الدخول في واحدة من الحجج المركزية لكتابك الأخير، "لا مستوطن ولا مواطن". في ذلك النص، أنت لا ترى بأن تأسيس الدولة-الأمة بالمفهوم الحديث كان مع توقيع معاهدة ويستفاليا في العام 1648... تذهب إلى ما هو أبعد من هذا التاريخ، إلى الوراء، إلى فترة التحول القسري نحو المسيحية، أو التطهير العرقي لليهود والمسلمين من شبه جزيرة أيبيريا. ما هو التأثير الذي كنت تنوي أن تحدثه من خلال هذه المحاججة؟

محمود ممداني: حسنًا، كان لدي دوافع عدة. الأول هو تحدي الأطروحة القائلة بأن القومية والاستعمار شيئان منفصلان. أما أنا فأقول بأنهما وجهان لعملة واحدة: القومية هي الوجه الجيد، والاستعمار هو الوجه السيء. وبالتالي، قد لا يكون هناك داع لمعرفة ما إذا كانت القومية جاءت أولًا، ثم الاستعمار في وقت لاحق، أو العكس. بمعنى أنني أردت أن أظهر أنهما توأمان ملتصقان منذ مرحلة الولادة بشكل لا يمكن فصله.

وأردت أيضًا أن أظهر أنه منذ البداية، لا يمكن تحقيق مشروع الدولة القومية دون تطهير عرقي وعنف شديد. يمكن ملاحظة ذلك في طرد اليهود والمسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية، وسرعان ما أدى ذلك إلى صراع بين الدول، لأن كل دولة كان لها أغلبية رسمية -الأمة التي تدعي أنها تمثلها- وأقلية أو أقليات.

كان هدفي الثاني هو إظهار أن حلها، الذي نظَّر له جون لوك في كتابه "رسالة بشأن التسامح"، هو اللا-حل بعينه. إنه اللا-حل لأنه يفترض أن كل أقلية لديها دولة خاصة بها في مكان آخر. لكن، "واعجباه"، لم يكن للجميع دول في أوروبا، كان المثال الأبرز هو الأقلية اليهودية- لم تكن لها دولة في أي مكان آخر. وما زلنا ندفع ثمن ذلك.

 

فرانسيس واد: لقد كتبت في بداية الكتاب أن "تحديد هوية الجناة وحسب، بهذا الشكل التبسيطي، لا يخلخل بتاتًا منطق المؤسسات [أي الدولة]، وهو المنطق الذي يجعل من العنف المرتبط ببناء الأمة أمرًا ممكنًا وشأنًا يمكن التفكر به". هل يمكنك توضيح هذه الفكرة؟

محمود ممداني: يركز نموذج حقوق الإنسان على مرتكبي العنف. في هذا النموذج، يجب تحديد مرتكبي العنف بشكل فردي حتى نتمكن من محاسبتهم بشكل فردي. لكن النموذج لا يبحث عن المستفيدين من ذلك العنف. والمستفيدون ليسوا بالضرورة جناة أو مرتكبين مباشرين للعنف. لكشف المستفيدين، نحتاج إلى تحديد القضايا التي يتم حشد العنف حولها. كلمة "مستفيد" ليست موجودة حتى في مفردات حركات حقوق الإنسان- لديهم فقط الجناة والضحايا. عليك أن تسأل نفسك: هل ستختفي المشكلة إذا حددت الجناة وحملتهم المسؤولية؟ لا- من وجهة نظري، لا على الإطلاق.

يمكنك ملء عدد غير محدود من السجون بالجناة، لكن ذلك لن يأتي بحل للمشكلة ما لم تعترف بأن المشكلة سياسية أكثر منها إجرامية، وأنه عندما يتعلق الأمر بالصراعات السياسية والعنف السياسي، فإن طرفي الخصام يتفاعلون حول قضايا سياسية معينة. المشكلة السياسية تحتاج إلى حل سياسي.

كان هذا هو درس جنوب أفريقيا. لم تكن نهاية الفصل العنصري محاكمة قضائية تحدد الجناة الأفراد وتعاقبهم أو تعفو عنهم. كان الحل سياسيًا: لقد تم إصلاح الدولة، وتحويلها من نظام فصل عنصري إلى دولة ديمقراطية.

 

فرانسيس واد: تم طرد اليهود، وكذلك المسلمين، من أيبيريا في القرن 15 بهدف إنشاء دولة أيبيرية متجانسة [أي اسبانيا]. لقد كان سياسيًا، وبمعنى ما، كان من بين الأعمال الأولى التي صاغت العالم السياسي الحديث. بعد خمسة قرون وعدد لا يحصى من المذابح المعادية للسامية، أجبرت الهولوكوست على إنشاء وطن آمن لليهود. ومع ذلك، فإنك تنتقد الافتراض القائل بأن هذا الوطن كان يجب أن يكون دولة- عرقية لليهود.

محمود ممداني: قبل الصهيونية بوقت طويل، كان العديد من اليهود مقتنعين بأنهم في مرحلة ما يريدون الذهاب إلى الوطن- إسرائيل. لكن منذ بداية الحركة الصهيونية، كان هناك يهود يعارضون الفكرة الصهيونية. الذهاب إلى الوطن [أو أرض إسرائيل] لا يعني أنه يجب أن يكون هذا الوطن حصريًا لليهود، أو أن السيطرة الحصرية عليه لليهود، وهو ما يعنيه مشروع الدولة. يمكن أن يكون وطنًا لليهود، ويمكن أن يكون وطنًا للفلسطينيين. وتوصل الكثير من العلماء اليهود، من أينشتاين إلى فرويد، إلى هذا الاستنتاج. لم يكن لدى المهاجرين اليهود إلى إسرائيل [في أواخر القرن 19] مشروع سياسي. كان مشروع المهاجرين يقتصر على إيجاد مساحة في المجتمع القائم، للعيش تحت المظلة السياسية القائمة، مهما كانت. في مقابل هذا الأمر، يتم تعريف المستوطن من خلال المشروع السياسي الذي يأتي به، والذي في جوهره إقامة دولة مستوطنين. كان هذا المشروع السياسي هو الذي أشعل العنف السياسي، لأنه تُرجم على الأرض من خلال إخراج الفلسطينيين من تلك الأرض. إذا أنشأت نقابة عمالية، فلا يمكن أن يكون لديك فلسطيني فيها. إذا أنشأت جمعية تعاونية، فلن يكون لديك فلسطيني فيها. لقد كان، منذ البداية، مشروعًا إقصائيًا لا يسمح بإمكانية التفكر من حيث التعايش المتبادل والسلمي.

أعتقد أنه من الأهمية بمكان التمييز بين الوطن اليهودي والدولة اليهودية. كانت فكرة أن الأرض يجب أن تصبح ملكية يهودية حصرية فكرة صهيونية. لم يعبر أحد آخر عن ذلك. وكانت بحاجة إلى الدعم الخارجي من القوى الإمبريالية، التي كانت لها مصالحها الخاصة، ولا تزال بحاجة إلى هذا الدعم.

بعد [الحرب الحالية]، عندما يكون لدى الناس الوقت للتنفس والتفكر في الغد، سيتعين عليهم أن يسألوا أنفسهم: أين هي المجموعات اليهودية الكبرى الأكثر أمانًا في نيويورك أم في إسرائيل؟ هل نحن مع أو بدون دولة يهودية حصرية؟

 

اقتباس:

كان الشرقيون عربًا في ثقافتهم ويهودًا فقط في دينهم. وعندما وصلوا [من شمال أفريقيا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط]، أصيب الأشكناز في نخبة السلطة الإسرائيلية بالرعب. لقد رأوا هؤلاء الناس ثقافيًا كعرب، واعتقد الكثيرون  -بمن فيهم حنة أرندت- أنهم متخلفون حضاريًا. كان المشروع الأشكنازي هو نزع عروبتهم.

 

فرانسيس واد: كيف لعبت تجربتك دورًا في تشكيل اهتمامك بالعنف، وبناء الدولة (state-building)، والهجرة والمواطنة؟

محمود ممداني: جاءت عائلتي من طرف والدتي إلى ساحل أفريقيا في أواخر القرن 19 ومن جانب والدي في أوائل القرن 20. انتقلنا من تنجانيقا [تنزانيا الآن] إلى أوغندا في خمسينيات القرن العشرين. إن المسألة الهندية في شرق أفريقيا هي جزء من نموذج المستوطنين – الأصليين (settler-native paradigm)، الذي من خلاله قام البريطانيون بالاستفادة من شعوب المنطقة.

لم يكن هناك مكان لمهاجرين جدد بداخل ثنائية المستوطن-الأصلي. كان "الأصلي" هو فقط من أعضاء السكان الأصلين بالنسبة للعديد ("native was indigenous"). ومن القوميين الذين لم ينظروا إلى القومية من خلال النموذج الاستعماري، فإن الاستقلال الحقيقي يعني أنه على كل المهاجرين المغادرة بحيث تتحول الأرض في النهاية إلى مكان حر للسكان الأصليين وحسب.

أنا ابن عائلة مهاجرة إلى أفريقيا. ويجب علينا التمييز بين المهاجر (immigrant) والمستوطن (settler). المهاجر الهندي مثلًا (Indian dukawallah) صاحب المتجر الهندي الصغير [الذي هاجر إلى أفريقيا في وقت الاستعمار الاستيطاني] لم يحمل سلاحًا أبدًا. مستحيل. لكن لا أستطيع أن أتخيل مستوطنًا أبيض لم يحمل بندقية.

الأمر مختلف تمامًا. لا يمكن للمهاجر أن يشعر بالأمان إلا من خلال تطوير علاقات أخذ وعطاء إيجابية مع جيرانه. لا يمكن للمستوطن أن يشعر بالأمان إلا من خلال امتلاك الأسلحة التي تهدد حياة جيرانه. الاثنان مشروعان متعاكسان تمامًا.

 

فرانسيس واد: لقد جادلت بأن دولة واحدة ثنائية القومية من الإسرائيليين والفلسطينيين واليهود والعرب -وهي فكرة روج لها مفكرون يهود في أوائل القرن 20 مثل يهوذا ماغنيس (Judah Magnes) وفي تسعينيات القرن العشرين من قبل أمثال إدوارد سعيد، لكن اليوم يتم النظر إلى هذه الفكرة على أنها غير واقعية- كانت يمكن أن تعني شيئًا فقط عندما تترافق مع [مشروع] "نزع الصهيونية" عن إسرائيل.

محمود ممداني: لم يكن يهوذا ماغنيس وحده. كان هناك الكثير من الناس، مثل حنة أرندت (Hannah Arendt) وآخرون، الذين عندما فكروا في المستقبل من خال منظور دولة يهودية، لم يتمكنوا من رؤية أي شيء سوى الكارثة. لقد استثمروا طاقاتهم وخيالهم في التفكر في البدائل. كان اجتثاث الصهيونية مشروعًا توصل إليه الطلاب اليهود في ماتسبين [منظمة اشتراكية ثورية تأسست عام 1962] في ستينيات القرن العشرين. أعني بـ"اجتثاث الصهيونية" أن يجري هناك تمييز واضح بين الدولة والمجتمع. إذا حددنا الدولة على أسس أحادية الثقافة وأحادية الدين، فستجعل التسامح مع التنوع في المجتمع أمرًا صعبًا للغاية. أعتقد أنه يمكنك رؤية ذلك من تجربة اليهود العرب [في إسرائيل]، أي الشرقيين. كان الشرقيون عربًا في ثقافتهم ويهودًا فقط في دينهم. وعندما وصلوا [من شمال أفريقيا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط]، أصيب الأشكناز في نخبة السلطة الإسرائيلية بالرعب. لقد رأوا هؤلاء الناس ثقافيًا كعرب، واعتقد الكثيرون -بمن فيهم حنة أرندت- أنهم متخلفون حضاريًا.

كان المشروع الأشكنازي هو نزع عروبتهم. ومن أجل الحفاظ على الدولة الصهيونية، أرادوا نزع عروبة المجتمع وعروبة الشرقيين وإجبارهم على التخلي عن اللغة العربية، التي كانت لغتهم، الوسيلة الثقافية التي كتبوا بها. أرادوا التأكد من أن هؤلاء الناس ليسوا عربًا. حسنًا، لقد رد الشرقيون الضربة للأشكناز، لأنهم أصبحوا العمود الفقري للأحزاب الدينية اليمينية. اليوم، هم سلاح المشاة في هذا الجيش؛ هم الجزء الأكبر من المستوطنين. منذ وقت الثورة الفرنسية، كان طموح الدولة القومية هو السيطرة على جميع المؤسسات التي تعني بالتنشئة الاجتماعية، مثل المدارس، التي أصبحت المكان الذي يُخلق فيه المواطن والجيش. هذا ما كان الشرقيون يحتاجون له. وفي الوقت نفسه، يمكن تحويل السمات المزراحية التي تعتبر "متخلفة" لصالح المشروع الصهيوني. وبما أنهم يتحدثون العربية، فقد أصبحوا عملاء للمخابرات في الأراضي المحتلة. في كل نقطة اتصال مع الفلسطينيين، سواء أكانوا عسكريين أم غير عسكريين، كان الشرقيون في خط المواجهة.

 

فرانسيس واد: دعونا نتحدث مرة أخرى عن "الأوطان"- وهي فكرة تولد الكثير من المشاعر والكثير من العنف. أنت أوغندي من أصل هندي وكنت ذات يوم "قوميًا أفريقيًا مقتنعًا". لقد عشت أيضًا في الولايات المتحدة معظم العقود الأربعة الماضية. لديك تاريخ معقد. ماذا يعني "الوطن" بالنسبة لك؟

محمود ممداني: الشيء المهم هو أنه لا يجب أن يكون لديك وطن واحد وحسب.. يمكن أن يكون لديك أوطان عدة. ليس عليك أن تطمس وطنًا لكي تحصل على الوطن الثاني. يستثمر الناس عاطفة كبيرة في فكرة الوطن، لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نقنع أنفسنا بأن الوطن يجب أن يكون لنا حصريًا، وبالتالي دولة-أمة نقوم باستبعاد الأخرين منها.

لا نريد أن نكون بلا مأوى، لكننا أيضًا لا نريد عالمًا نكون فيه محبوسين على أنفسنا. في الفترة التي سبقت الحداثة، كان المعيار هو العيش في خضم التنوع. كان إنشاء أوطان عرقية منفصلة مشروعًا حديثًا، بما في ذلك في العالم الاستعماري.

أعتقد أنه يتعن علينا أن نستعيد من الماضي ما قبل الحديث هذا الجزء من الحكمة -كيف نعيش في التنوع، ونتعايش- قبل أن نشرع ببناء المكان.

 

لتحميل ملف الحوار (هنا)

 

* ترجمة عن النص الأصلي:

Francis Wade, The Idea of the Nation-State Is Synonymous With Genocide, published on 9 January 2024. See: https://www.thenation.com/article/culture/mahmood-mamdani-nation-state-interview/

** نُشرت في مجلة قضايا إسرائيلية، العدد 93.

[1] يستخدم ممداني كلمة "فلسطين" بدل "الفلسطينيين" دون أن يقصد أن الفلسطينيين لديهم دولة متحاربة مع إسرائيل.

[2] وهو أيضا مصطلح مستخدم من قبل إسرائيل، وتحديدا جهاز مخابراتها. والمقصود بــ "جز العشب"، هو ذلك التكنيك المتبع من قبل قوات الجيش الإسرائيلي لضرب المقاومة بشكل دوري ومستمر. وكلما نمت مجموعات جديدة يتم ضربها أو تفكيكها. و"جز العشب"، لا يعني تماما منعه من النمو مجددا (مثلا، اقتلاع العشب- وهي أيضا لفظة مستخدمة من قبل إسرائيل).

 

هذه الدراسة هي أطروحة قُدمت لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة الجزائر (كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية- قسم التنظيم السياسي والإداري، عام 1436/1437هـ-2015/2016م) من الطالب عبد الجبار جبار، بإشراف أ. د. سرير عبد الله رابح. تُعد تلك الأطروحة عملًا بحثيًا مهما يعالج إحدى الإشكاليات المحورية في بنية الأنظمة السياسية العربية المعاصرة: "التداول على السلطة". تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا البحث في قدرته على تشريح وفهم الديناميكيات العميقة التي تحكم استمرارية النخب الحاكمَة، وتكشف عن المعوقات البنيوية التي تحول دون تحقيق انتقال سلمي ومنظم للسلطة، وهو ما يجعل منها مرجعًا مهمًا لفهم الواقع السياسي الراهن وتحدياته المستقبلية في المنطقة العربية.

تتمحور الإشكالية الرئيسية التي تطرحها الدراسة حول التساؤل الجوهري التالي: "ما المحددات التي تحول دون إمكانية التداول على السلطة في الدول العربية بالرغم من توفر متطلباته؟ وكيف يمكن تجاوز أزمة التداول على السلطة في المنطقة العربية؟". يسعى الباحث من خلال هذا التساؤل إلى تجاوز التحليل السطحي للظواهر السياسية، والتعمق في الجذور التاريخية، والقانونية، والاقتصادية، والثقافية التي تُكرّس واقعًا سلطويًا يصعب تفكيكه.

تنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن التداول السلمي على السلطة سيبقى خيارًا مؤجلًا في الدول العربية طالما افتقر إلى عاملين أساسيين: أرضية مجتمعية داعمة من جهة، وإرادة سياسية جادة من جهة أخرى. وتؤكد الفرضية أن كل محاولات الإصلاح السطحية مآلها الفشل ما لم تعالج القضايا الاجتماعية والاقتصادية الجوهرية، وما لم تتحقق ضرورة تعزيز الاستقلال الذاتي عبر عدم الرضوخ القسري للإملاءات الخارجية التي تخدم مصالح القوى الدولية على حساب التطور الديمقراطي الداخلي.

ولبناء حجتها، تستند الدراسة إلى إطار نظري متين يهدف إلى تفكيك المفاهيم الأساسية للسلطة وآليات انتقالها، وهو ما سيتم استعراضه في الفصل الأول.

 

الفصل الأول: المرجعية النظرية للدراسة

يؤسس الباحث في هذا الفصل لإطار نظري متكامل يشكل الأساس التحليلي للدراسة بأكملها. يهدف هذا الفصل إلى تفكيك المفاهيم الأساسية المتعلقة بالسلطة وانتقالها وتداولها، وربطها بسياقها التاريخي في الديمقراطيات الغربية لفهم أصولها ومتطلباتها، مما يمكّن من قياس الفجوة بين النموذج النظري والواقع العربي.

في المبحث الأول، تحلل الدراسة مفهوم "السلطة السياسية" بدءًا من أصله اللغوي المرتبط بالقهر والتسلط، ثم تنتقل إلى استعراض النظريات المفسرة لنشأتها، والتي تشمل النظريات الثيوقراطية (الحق الإلهي المباشر وغير المباشر)، والنظريات العقدية (هوبز، لوك، روسو)، والنظريات الفلسفية (الماركسية ونظرية القوة). كما تصنف الدراسة طرق ممارسة السلطة إلى ثلاثة أنماط رئيسية: القسرية القائمة على العنف، والتعويضية القائمة على المكافآت، والتلاؤمية القائمة على الإقناع.

أما المبحث الثاني فيتناول عملية "انتقال السلطة" كظاهرة أعم من التداول، حيث تميز الدراسة بين الأنماط السلمية التي تشمل النمط الوراثي التقليدي والأنماط الحديثة كالتعيين، والأنماط العنفية التي تتمثل في الثورة والانقلاب. وفي هذا السياق، تقدم الدراسة تحليلًا للتجربة الإسلامية في انتقال السلطة، بدءًا من مرحلة الشورى في عهد الخلفاء الراشدين وصولًا إلى تكريس الوراثة في العهدين الأموي والعباسي.

ويحلل المبحث الثالث مفهوم "التداول على السلطة" باعتباره آلية ديمقراطية متقدمة تتجاوز مجرد انتقال الحكم. وتُعرّفه الدراسة اصطلاحًا بأنه تناوب سلمي ودوري على السلطة بين اتجاهات سياسية مختلفة عبر آلية الاقتراع. وتحدد الدراسة خمسة متطلبات أساسية لا يمكن قيام التداول بدونها مجتمعة: المشروعية السياسية (الدستور والقضاء المستقل)، والتعددية السياسية، والسيادة الشعبية (حكم الأغلبية وحماية الأقلية)، والانتخابات الحرة والنزيهة، والدورية (تحديد مدة الولايات).

وأخيرًا، يربط المبحث الرابع بين نشأة مفهوم التداول على السلطة وتطوره في سياق التجارب الديمقراطية الغربية. يستعرض الباحث كيف تبلور المفهوم في النماذج الأنجلوسكسونية (بريطانيا والولايات المتحدة) القائمة على الثنائية الحزبية، والنماذج الأوروبية التي شهدت تطبيق المفهوم في ظل تعددية حزبية أوسع.

 

الفصل الثاني: السلطة السياسية في الأنظمة السياسية العربية

بعد إرساء هذه الأسس النظرية، تنتقل الدراسة لتطبيقها على الواقع العملي للأنظمة السياسية العربية:

ينتقل هذا الفصل من التنظير إلى التشخيص، حيث يقدم تحليلًا عميقًا لبنية الدولة العربية المعاصرة وطبيعة السلطة فيها، بهدف فهم الجذور التاريخية والبنيوية للظاهرة التسلطية التي أصبحت السمة الغالبة على معظم أنظمة الحكم في المنطقة.

في المبحث الأول، تُرجع الدراسة أصول السلطوية في العالم العربي إلى النشأة "الهجينة" و"الخارجية" للدولة العربية الحديثة. يوضح الباحث كيف أدى العامل الاستعماري إلى فرض نموذج الدولة القومية بشكل لا يتوافق مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمنطقة، مما خلق كيانات تفتقر إلى الشرعية العضوية وتعتمد على القوة لفرض وجودها.

ويقوم المبحث الثاني بـتفكيك البنية التسلطية للدولة العربية، حيث يسلط الضوء على عدة عناصر أساسية تُكرس طبيعتها التسلطية، من أبرزها: غياب مبدأ الفصل بين السلطات وهيمنة السلطة التنفيذية، واستمرارية النظام الأبوي الرعوي الذي يحول المواطنين إلى رعايا، وهيمنة سلطة البيروقراطية كأداة لخدمة النخبة الحاكمة وليس المصلحة العامة.

بعد ذلك، يحلل المبحث الثالث مصادر الشرعية التي تستند إليها الأنظمة العربية لترسيخ حكمها، والتي غالبًا ما تكون بعيدة عن الشرعية الديمقراطية القائمة على الإرادة الشعبية. وتصنفها الدراسة إلى ثلاثة أنواع رئيسية: شرعية التأسيس (المستمدة من دورها في تحقيق الاستقلال)، وشرعية الوجود (القائمة على الأمر الواقع)، وشرعية الاستمرار (المستمدة من الإنجاز أو مواجهة الأخطار الخارجية).

أما المبحث الرابع فيقارن بين أنماط انتقال السلطة السائدة في الأنظمة العربية. ففي الأنظمة الملكية، يسود النمط الوراثي بشكل شبه مطلق. أما في الأنظمة الجمهورية، فعلى الرغم من وجود انتخابات شكلية، إلا أن الواقع يكشف عن هيمنة أنماط غير ديمقراطية. وتبرز الدراسة أن الأنماط العنفية كالانقلابات العسكرية والاحتجاجات الشعبية أصبحت من الآليات الرئيسية للتغيير، مما يعكس غياب القنوات السلمية المؤسسية لانتقال السلطة.

 

الفصل الثالث: محددات التداول على السلطة في الأنظمة السياسية العربية:

بعد تشخيص هذا الواقع السلطوي، تتعمق الدراسة في هذا الفصل لتحليل المحددات التي تكرس هذه البنية وتعيق التحول نحو التداول السلمي على السلطة.

ويمثل هذا الفصل جوهر التحليل في الرسالة، حيث يقدم فحصًا دقيقًا وشاملًا للعوامل المتعددة والمتشابكة التي تعيق عملية التداول السلمي على السلطة، مما يخلق حالة من الانسداد السياسي في معظم دول المنطقة العربية.

يحلل المبحث الأول المحددات السياسية التي تكرس الواقع السلطوي. على المستوى الداخلي، تركز الدراسة على شخصنة الأحزاب وارتباطها بزعمائها، وتفشي الانشقاقات داخلها، وهيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية. كما تشير إلى هشاشة المجتمع المدني الذي غالبًا ما يخضع لنموذج "الوصاية" من قبل الدولة، مما يمنع نشوء قوى سياسية مدنية قادرة على المنافسة. وعلى المستوى الخارجي، تشير الدراسة إلى أن التأثير الجيوسياسي والمبادرات الدولية للإصلاح غالبًا ما تخدم مصالح القوى الكبرى بدلًا من دعم تحول ديمقراطي حقيقي.

ويقيّم المبحث الثاني كيف أن البنية القانونية في معظم الدول العربية مصممة لخدمة استمرارية النخب الحاكمة. فالعديد من الدساتير تمنح صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية. كما أن النظم الانتخابية غالبًا ما يتم التلاعب بها لضمان نتائج محددة سلفًا، مما يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها ويحولها إلى مجرد إجراء شكلي.

ويتناول المبحث الثالث المحددات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يحلل كيف تساهم البنية الاقتصادية والاجتماعية في خلق بيئة غير مواتية للديمقراطية. ويشير الباحث إلى أن الاقتصاد الريعي، الذي يعتمد على عوائد الموارد الطبيعية بدلًا من الضرائب، يحرر الدولة من المساءلة الشعبية. كما أن التزاوج بين السلطة والثروة، وضعف الطبقة الوسطى، وهشاشة التركيبة الاجتماعية القائمة على الولاءات التقليدية (القبلية والطائفية)، كلها عوامل تعيق نشوء مواطنة فاعلة وتكرس العلاقات الزبائنية.

أما المبحث الرابع فيلخص دور المحددات الثقافية في تكريس الواقع السلطوي. تناقش الدراسة كيف أن بعض التأويلات للموروث الديني والثقافي قد تعزز من ثقافة الخضوع والطاعة. كما أن أزمة الهوية، والصراع بين التيارات الفكرية المختلفة، ودور الإعلام الموجه الذي يخدم السلطة، كلها عوامل تساهم في تكريس ثقافة سياسية تقبل بالواقع القائم وتعيق نضج متطلبات الديمقراطية والتداول على السلطة.

 

الفصل الرابع: آفاق التداول على السلطة في الأنظمة السياسية العربية

تنتقل الدراسة في فصلها الأخير لمناقشة آفاق المستقبل واستشراف مسارات التغيير الممكنة.

ينتقل هذا الفصل الأخير من التشخيص إلى استشراف المستقبل، حيث يحلل الاستراتيجيات التي تتبعها الأنظمة السلطوية للبقاء، ويفسر أسباب فشلها المحتمل، ثم يبحث في آفاق التغيير الممكنة، مركزًا على ضرورة تفعيل إصلاح ذاتي حقيقي كسبيل للخروج من الأزمة.

يلخص المبحث الأول الآليات التي تستخدمها الأنظمة السلطوية لضمان استمرارها، والتي تتجاوز القمع المباشر. وتشمل هذه الاستراتيجيات: التحديث الصوري (إصلاحات شكلية لا تمس جوهر السلطة)، وافتعال الأزمات (الداخلية والخارجية) لحشد الدعم وتبرير القمع، وتأسيس الدولة كـ"حالة حصارية" تهيمن فيها الأجهزة الأمنية، واستغلال الواقع الاقتصادي لشراء الولاءات وتثبيط الحراك الشعبي.

ويحلل المبحث الثاني كيف أن استراتيجيات البقاء هذه تحمل في طياتها بذور فشلها. فإخفاق هذه الأنظمة في بناء دولة حقيقية قادرة على التنمية يؤدي إلى تآكل شرعيتها بشكل مستمر. كما أن العوامل الديموغرافية (التكتل الشباني) والثورة الاتصالية (الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي) تخلق وعيًا جديدًا وتكسر احتكار السلطة للمعلومة، مما يؤدي إلى تنامي الاستقطاب الاجتماعي ويفضح فشل هذه الاستراتيجيات في النهاية.

ويناقش المبحث الثالث إشكالية التدخل الأجنبي للتغير كآلية للتغيير، مستعرضًا نماذج مثل العراق وليبيا وسوريا. تبرز الدراسة كيف أن هذا التدخل غالبًا ما يكون محكومًا بمصالح القوى الكبرى ويتسم بازدواجية المعايير، مما يؤدي إلى نتائج كارثية تفوق في كثير من الأحيان مساوئ الأنظمة التي يتم تغييرها، وينتهي إلى تفكيك الدولة بدلًا من إصلاحها.

أما المبحث الرابع فيقدم رؤية الباحث للخروج من الأزمة، والتي تتمثل في ضرورة تفعيل إصلاح ذاتي حقيقي وسلمي وتدريجي. يرى الباحث أن هذا هو السبيل الوحيد لتجنب سيناريوهات العنف والفوضى، وهو يتطلب إرادة سياسية جادة تقوم على آليات قيمية (ترسيخ المواطنة والثقة)، ومؤسساتية (تفعيل الفصل بين السلطات)، وتشريعية (إصلاح القوانين والدساتير) تضمن انتقالًا آمنًا نحو نظام أكثر ديمقراطية.

 

الخاتمة: الخلاصات والاستنتاجات

تقدم خاتمة الدراسة عصارة البحث ونتائجه النهائية، حيث تجيب بشكل مباشر ومنهجي على الإشكالية الرئيسية التي انطلقت منها، وتقدم رؤية استشرافية لمستقبل التداول على السلطة في المنطقة العربية.

تؤكد أهم الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة على أن غياب التداول على السلطة في الدول العربية ليس ناتجًا عن عامل واحد، بل هو محصلة لتشابك معقد من المحددات التاريخية، السياسية، القانونية، الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية. هذه المحددات مجتمعة كرست بنية سلطوية عميقة، تبدأ من النشأة "الهجينة" للدولة الحديثة، مرورًا بهيمنة المؤسسة العسكرية وضعف القوى المدنية، وصولًا إلى الاقتصادات الريعية والثقافات السياسية التقليدية. وقد أثبتت هذه البنية قدرة فائقة على التكيف والبقاء من خلال استراتيجيات تحصين ذكية، مما يجعل تفكيكها عبر إصلاحات شكلية أو تدخلات خارجية أمرًا شبه مستحيل.

في فقرتها الختامية، تطرح الدراسة رؤية مستقبلية تؤكد على أن المخرج الوحيد من هذا الانسداد التاريخي يكمن في تبني خيار الإصلاح الجاد والتدرجي النابع من الداخل. هذا الإصلاح لا بد أن يكون شاملًا، يستهدف إعادة بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويعمل على تعزيز المواطنة الفاعلة، ويفسح المجال أمام مشاركة حقيقية للقوى المجتمعية، باعتبار ذلك هو الضمانة الوحيدة لتحقيق انتقال سلمي وآمن نحو أنظمة سياسية أكثر استقرارًا وعدالة.

 

فهرس موضوعات الدراسة:

الفصل الأول: المرجعية النظرية للدراسة

المبحث الأول: مفهوم السلطة السياسية

  1. تعريف السلطة السياسية
  2. أصل السلطة السياسية
  3. حدود السلطة السياسية وطرق ممارستها

 المبحث الثاني: انتقال السلطة السياسية

  1. أطروحات انتقال السلطة السياسية
  2. الأنماط السلمية لانتقال السلطة
  3. الأنماط العنفية لانتقال السلطة
  4. انتقال السلطة وفق التجربة السالمية

 المبحث الثالث: مفهوم التداول على السلطة

  1. تعريف التداول على السلطة
  2. متطلبات التداول على السلطة
  3. أنماط التداول على السلطة وأهميته

 المبحث الرابع: سياق التداول على السلطة في إطار الديمقراطية الغربية

  1. ماهية الديمقراطية
  2. التداول على السلطة في التجارب الديمقراطية الغربية

 

الفصل الثاني: السلطة السياسية في الأنظمة السياسية العربية

 المبحث الأول: نشأة الظاهرة السلطوية في الأنظمة السياسية العربية

  1. النشأة الخارجية للدولة العربية
  2. هجينية الدولة العربية
  3. شخصنة الشأن العام
  4. الاستعمار الحديث وتبعية الدول العربية

 المبحث الثاني: تفكيك البنية التسلطية للدولة العربية

  1. السياق التاريخي للتسلط في الأنظمة العربية
  2. غياب مبدأ الفصل بين السلطات في الدول العربية
  3. النظام الأبوي الرعوي
  4. السلطة البيروقراطية

 المبحث الثالث: أنماط شرعية السلطة في الأنظمة السياسية العربية

  1. ُمستويات الشرعية في الأنظمة العربية
  2. شرعنة السلطة العربية وتداعياتها

 المبحث الرابع: أنماط انتقال السلطة في الأنظمة السياسية العربية

  1. الأنماط السلمية الانتقال السلطة في الأنظمة العربية
  2. الأنماط العنفية الانتقال السلطة في الأنظمة العربية

 

الفصل الثالث: محددات التداول على السلطة في الأنظمة السياسية العربية

 المبحث الأول: المحددات والأطر السياسية

  1. المحددات الداخلية
  2. المحددات الخارجية

 المبحث الثاني: المحددات القانونية

  1. أزمة الدساتير في الدول العربية – إضعاف الدساتير العربية
  2. النظم الانتخابية ودورها في التأثير على التداول على السلطة

 المبحث الثالث: المحددات الاقتصادية والاجتماعية

  1. المحددات الاقتصادية
  2. المحددات الاجتماعية

 المبحث الرابع: المحددات الثقافية

  1. الموروث الديني
  2. الموروث الثقافي العربي
  3. أزمة الهوية في الدول العربية
  4. وسائل الاتصال والعالم

 

الفصل الرابع: آفاق تداول السلطة في الأنظمة السياسية العربية

 المبحث الأول: السلطة العربية واستراتيجية البقاء والإبقاء

  1. تعتيم المجال السياسي
  2. التحديث الصوري للمجال السياسي
  3. تأسيس الدولة كحالة حصارية
  4. افتعال الأزمات
  5. استغلال الواقع الاقتصادي

 المبحث الثاني: فشل استراتيجية التحصين والديمومة في الأنظمة العربية

  1. إخفاق عمليات بناء الدولة
  2. إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية
  3. دور العامل الديموغرافي والتكتل الشباني
  4. تنامي حدة الاستقطاب الاجتماعي

 المبحث الثالث: التدخل الأجنبي للتغير في المنطقة العربية

  1. إشكالية التدخل الأجنبي... مشروعيته
  2. نماذج للتدخل الأجنبي لتغيير النخب الحاكمة في المنطقة العربية
  3. قراءة في استراتيجيات التدخل الأجنبي للتغيير في المنطقة العربية

 المبحث الرابع: ضرورة تفعيل الإصلاح الذاتي لتكريس التداول على السلطة

  1. مبررات الخيار الإصلاحي
  2. آليات الإصلاح المقترحة
  3. خصوصية الأنموذج الإصلاحي الملائم في المنطقة العربية

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا

إن العلاقة بين الدولة والعنف الجماعي متجذرة بعمق في التاريخ الحديث، وتتميز بالقدرة الفريدة للدولة على تنظيم وتبرير وإدامة القتل على نطاق واسع. فمنذ بداية القرن الواحد والعشرين وطوال القرن العشرين، أدت عمليات القتل الجماعي -التي تُعرف بأنها حملات منسقة واسعة النطاق من العنف المميت تستهدف المدنيين بشكل منهجي- إلى مقتل الملايين. إن هذه الفظائع، التي تتراوح بين الإبادة الجماعية والقتل السياسي إلى القصف الجوي والقمع الحكومي، تُرتكب في الغالب من قبل الدول، والتي من خلال الهياكل التنظيمية المعقدة والإطار الأيديولوجي للتهديدات وتطور تكنولوجيات السلاح… تُحوّل الصراعات الداخلية والحروب الخارجية إلى مبررات للتدمير الشامل.

ستشرح هذه المقالة آلية إنتاج الدولة للعنف الجماعي، مُفصّلةً التفاعل الحاسم بين ديناميكيات الدولة وسيكولوجية الأفراد في تمكين الإبادة الجماعية. ثم تُحلل كيف استغلت الأنظمة الشمولية تاريخيًا السيطرة الأيديولوجية، ومأسسة العنف، والمراقبة الجماعية، ونزع الصفة الإنسانية لتنفيذ حملات إرهابية واسعة النطاق، مستخدمةً أمثلةً مثل الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين وألمانيا النازية. وأخيرًا، ستُطبّق هذه الأنماط النظرية والتاريخية على الأحداث الجارية في غزة، مُبيّنةً الطبيعة الدائمة للعنف الجماعي الذي ترعاه الدولة في العالم الحديث.

 

أولًا: كيف تُنتج الدولة العنف الجماعي؟

تُعرَّف الدولة من خلال عملها المستمر بأنها: منظمة سياسية إلزامية، حيث يدعم طاقمها الإداري بنجاح المطالبة باحتكار الاستخدام المشروع للقوة المسلحة داخل إقليم معين. هذا الاحتكار يمنح الدولة بطبيعتها القدرة الأكبر على القتل الجماعي المنظم. إن تنظيم العنف من خلال سلطة الدولة يتم الحفاظ عليه في نهاية المطاف من خلال قدرتها على إظهار قوة تفوق قوة أي منافسين، مما يعني أن القتل الجماعي هو أمر أساسي لما تفعله الدول لتحقيق النصر في الصراعات حول القضايا والأراضي.

إن عمليات القتل الجماعي ليست أفعالًا عشوائية ناتجة عن غضب فردي، بل هي «فظائع سياسية»: حملات جماعية منظمة ينفذها أشخاص في السلطة عمدًا. وفي حين أن التحليلات التقليدية غالبًا ما تحاول تفسير القتل الجماعي من خلال النظريات العقلانية البحتة (الحسابات الاستراتيجية للاحتفاظ بالسلطة أو الفوز بالحروب) أو النظريات الوضعية (الضغوط الاجتماعية والطاعة)، فإن هذه الأساليب تفشل في تفسير سبب تبني مثل هذه السياسات، حتى عندما تكون كارثية من الناحية الاستراتيجية أو متطرفة من الناحية الأخلاقية.

تنتج الدولة العنف الجماعي من خلال سياسات أمنية متطرفة أيديولوجيًا، ونادرًا ما يكون القتل الجماعي تخليًا عن المخاوف التقليدية، بل هو «إعادة تفسير جذرية» للأفكار الاستراتيجية والأخلاقية المألوفة، مثل الأمن القومي والضرورة الوطنية والحفاظ على الدولة… إلخ، والتي يتم تضمينها في السرديات الأيديولوجية المتطرفة. يفترض هذا المنظور أن الدول المعرضة للقتل الجماعي تسترشد بمبادئ أمنية أيديولوجية «متشددة».

إن قرار اللجوء إلى القتل الجماعي عادةً ما يأتي عندما تواجه النخب السياسية أزمة سياسية (مثل الحرب أو عدم الاستقرار السياسي أو الركود الاقتصادي أو الانقلابات العسكرية). في هذه اللحظات، تُشكّل الأيديولوجيات المتشددة تصورات النخبة بطرق حاسمة:

1. بناء التهديد: تبالغ الأيديولوجيات المتشددة في تقدير المخاطر الحقيقية أو المتصورة، وتصوّر السكان المدنيين المستهدفين على أنهم تهديدات وجودية أساسية أو متآمرون إجراميون. على سبيل المثال، كان القتل الجماعي في غواتيمالا محددًا إلى حد كبير من خلال المفاهيم الأيديولوجية المسبقة للنخبة العسكرية عن السكان الأصليين للمايا باعتبارهم تخريبيين بطبيعتهم.

2. الأساس الاستراتيجي: تؤثر الأيديولوجية على تقييم السياسات المناسبة والفعالة لتحييد هذه التهديدات. فغالبًا ما تظهر السياسات التي تبدو كارثية من منظور خارجي «مفيدة استراتيجيًا وقابلة للدفاع عنها أخلاقيًا» للجناة الذين يعملون ضمن إطارهم الأيديولوجي.

3. تدمير البدائل: تُقيّد الأيديولوجيا المتشددة «مجال الاحتمالات»، فتُقصي الخيارات السياسية الأقل تطرفًا وتجعل القتل الجماعي يبدو أمرًا لا مفر منه أو ضروريًا استراتيجيًا.

وتؤدي هذه العملية إلى تحويل أجهزة الأمن التابعة للدولة (الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات) إلى الأداة الأساسية لارتكاب العنف الجماعي، بالاعتماد على المعايير والقدرات التنظيمية المتأصلة في مثل هذه المؤسسات.

إن العنف منهجي بطبيعته، مما يؤدي إلى إنشاء تحالف قوي من الجناة ضروري لبدء وتنفيذ ودعم القتل.

 

ثانيًا: ديناميكيات الدولة وكيفية توريط الأفراد في الإبادة الجماعية

الإبادة الجماعية: هي عملية معقدة تنطوي على مشاركة واسعة النطاق عبر مستويات متعددة من المجتمع- من النخب السياسية التي تبدأ العنف، إلى العملاء العاديين الذين ينفذونها، والدوائر العامة الأوسع التي تدعمها أو توافق عليها. يتطلب هذا البناء التفاعل بين ديناميكيات الدولة (البنية التحتية الأيديولوجية، الإكراه) وعلم النفس الفردي (الدوافع، المطابقة، حيث تكون المطابقة هي الدافع القوي لدى الفرد لتعديل سلوكه وآرائه أو معتقداته لكي تتوافق أو تتلاءم مع معايير أو توقعات مجموعة اجتماعية معينة).

غالبًا ما تفترض التفسيرات الأيديولوجية الشعبية والتقليدية أن عمليات القتل الجماعي مدفوعة بـ«المؤمنين الحقيقيين» أو «المواطنين الشرفاء» المتحمسين أيديولوجيًا، والذين يمتلكون قناعات عميقة في الأهداف المتطرفة أو الكراهية. ومع ذلك، فإن عقودًا من الدراسات العلمية تدحض هذا، حيث وجدت أن مرتكبي العنف المنظم هم عمومًا «أشخاص عاديون»، وأن المرض العقلي أو الغضب الأعمى نادر في وسطهم.

وبدلًا من ذلك، يؤكد المنظور الإيديولوجي الجديد أن الأيديولوجية تربط تحالفات متنوعة من الجناة من خلال آليات سببية متعددة. العامل الرئيسي هو إنشاء بنية تحتية أيديولوجية -مزيج متبادل من تعزيز الأفكار المتشددة المقبولة بصدق إلى جانب المعايير والمؤسسات المتشددة التي تولد ضغوطًا اجتماعية وبنيوية شديدة- وتستغل هذه البنية التحتية دوافع عادية يتشاركها الناس العاديون مثل:

1. الطاعة للسلطة: يزدهر الإرهاب الذي ترعاه الدولة على أساس الطبيعة البيروقراطية والهرمية للدولة، حيث يقمع الأفراد المخاوف الأخلاقية ويحددون واجبهم باتباع الأوامر. يتم تسهيل هذا الخضوع من خلال تصور أن السلطة (على سبيل المثال، الفوهرر، الحزب، العمدة المحلي) شرعية، ونقل المسؤولية من الفاعل الفردي إلى شخصية السلطة. في رواندا، أُعيد تفسير الممارسات الراسخة للعمل المجتمعي (أوموغاندا)، واستُخدمت من قِبَل السلطات المحلية، مما جعل أمر قتل التوتسي يكتسب «طابعًا قانونيًا» من خلال هياكل السلطة القائمة.

2. التوافق والضغط من جانب الأقران: داخل المجموعات، فإن الرغبة في التوافق إلى جانب الضغط من جانب الأقران والخوف من الإقصاء الاجتماعي أو وصفهم بالخيانة، تجبر الأفراد على المشاركة حتى لو كانوا يفتقرون إلى القناعة الأيديولوجية. إن التأثير النفسي للجماعة يسهل انتشار المسؤولية ونزوحها، مما يخفف من القيود الأخلاقية.

3. الدوافع الانتهازية: تخلق الدولة في الإبادة الجماعية فرصًا واسعة للأفراد لمتابعة المصالح الذاتية، مثل المكاسب المادية (النهب والمصادرة)، والتقدم الوظيفي، وتسوية الخلافات الشخصية تحت ستار سياسة الدولة. في رواندا، استغلّ الفاعلون المحليون الإبادة الجماعية لكسب السيطرة السياسية، والقضاء على المنافسين، والاستيلاء على الأراضي.

4. الإكراه: إن التهديدات بالقتل أو السجن لعدم الامتثال تعتبر ذات مصداقية في ظل الدول الشمولية أو الإبادة الجماعية. في حين تحذر الدراسات القضائية من المبالغة في تقدير نطاق الإكراه، فإن التهديد المتصور بالعقاب على عدم المشاركة يمثل دافعًا قويًا، لا سيما في سياقات مثل الخمير الحمر في كمبوديا، حيث كان الخوف من وصفهم بـ«العدو الداخلي» متفشيًا.

تستخدم ديناميكيات الدولة بشكل منهجي آليات نفسية للتغلب على الموانع البشرية العميقة الجذور ضد القتل.

إن نزع الصفة الإنسانية عن الفئات المستهدفة أمر بالغ الأهمية، لأنه يجرد الضحايا من وضعهم كبشر ويستبعدهم من «عالم الالتزام»، ويشرعن العنف أخلاقيًا. يتم تشجيع الجناة على اعتبار الضحايا «مخلوقات دون البشر»، وغالبًا ما يتم تصنيفهم على أنهم آفات أو حشرات أو حيوانات خطرة. على سبيل المثال، أشارت الدعاية النازية إلى اليهود على أنهم «حشرات» و«قمل». بينما أطلق متطرفو الهوتو على التوتسي اسم «الصراصير» (inyenzi)، واعتبر بعض الساسة الإسرائيليين الفلسطينيين حيوانات بشرية. تسمح هذه المسافة النفسية بارتكاب أعمال القسوة دون التسبب في الضيق الأخلاقي أو النفسي المرتبط عادةً بقتل نفس النوع.

علاوة على ذلك، فإن المسافة الجسدية والاجتماعية تسهل الانفصال الأخلاقي. إن تكنولوجيا الحرب الحديثة، وخاصة القصف الجوي والطائرات المسيرة والروبوتات القاتلة، تخلق مسافة بين الجاني والضحية، مما يجعل فعل القتل وظيفة مجردة أو واجبًا فنيًا، وفي أحيانٍ يتم تفويضه للآلة كما في إبادة الخوارزميات.

في حملات القتل الجماعي، يُبعد تقسيم العمل الذي يتم بين عدد كبير من المتورطين في القتل الجناة الأفراد عن واقع القتل الفوضوي، ويُقلص مهمتهم إلى جزء من عملية بيروقراطية أكبر (مثل تنظيم لوجستيات النقل أو حراسة السجون).

 

ثالثًا: الأنظمة الشمولية وإرهاب الدولة

تمثل الأنظمة الشمولية أقصى تعبير عن قدرة الدولة على ممارسة العنف، من خلال تنفيذ الإرهاب على نطاق واسع عبر الاستخدام الشامل للسيطرة الأيديولوجية والمؤسسات والمراقبة وإزالة الطابع الإنساني عن الناس.

فالأيديولوجية الشمولية بمثابة «سرد رئيسي» يرسم حدود المجتمع السياسي ويحدد صراحة الأعداء الداخليين والخارجيين، الذين يعتبر القضاء عليهم ضروريًا من أجل التطهير الاجتماعي أو الخلاص الوطني.

كان النظام الستاليني متجذرًا في عقيدة أمنية متشددة للغاية؛ كانت عمليات القتل الجماعي مدفوعة بهوس متطرف غالبًا ما كان جنونيًا بأمن الدولة والقضاء على «الأعداء الداخليين». أدى هذا الخوف إلى استهداف فئات أيديولوجية غامضة التعريف مثل «العناصر الضارة اجتماعيًا» و«المؤامرات التروتسكية» وطبقة «الكولاك» كبار الملاك الزراعيين. قامت الدولة بتأسيس الإرهاب من خلال مفهوم «اليقظة الثورية»، مطالبة المواطنين بإدانة الخونة المزعومين، وضرورة أن يتجاوز المسؤولون حصص الإعدام. تم تجريد الضحايا من إنسانيتهم واعتبارهم «كائنات فضائية» و«كلابًا» و«زواحف» و«حشرات ضارة». كان نطاق عمليات التطهير، مثل الإرهاب الأعظم في عامي 1937 و1938، غير منطقي من الناحية الاستراتيجية، مما أدى إلى شل الجيش الأحمر والإنتاج الاقتصادي، ومع ذلك فقد تم اعتباره ضروريًا وعقلانيًا ضمن إطار الأمن الأيديولوجي الشامل.

وفي ألمانيا، رفعت النازية الأيديولوجية العنصرية إلى مستوى التبجيل الديني تقريبًا، بهدف التطهير العرقي وإنشاء مجتمع مثالي. كانت حملة الدولة متجذرة في العنصرية شبه العلمية التي عرّفت اليهود والغجر والمثليين جنسيًا والمعاقين ذهنيًا على أنهم أقل من البشر وتهديدات وجودية للعرق الآري. تم نشر هذه الأيديولوجية من خلال دعاية شاملة، بما في ذلك صور ولغة تصور الضحايا على أنهم وحوش وشيطانيون ويحتاجون إلى التطهير مثل «الأعشاب الضارة» أو «الحشرات الضارة». لقد وفرت الأيديولوجية المعادية للسامية الشرعية اللازمة للإقصاء والتمييز وتنفيذ «الحل النهائي» في نهاية المطاف.

وفي كمبوديا، أنشأ الخمير الحمر، تحت قيادة بول بوت، نظامًا شموليًا فريدًا من نوعه. كان العنف مدفوعًا بأيديولوجية معادية تهدف إلى التطهير الوطني، بهدف خلق مجتمع خمير متماسك بلا طبقات. تم تعريف الأعداء في المقام الأول وفقًا لمعايير سياسية وأيديولوجية، وتم تصنيفهم على أنهم «أجساد خميرية بعقول فيتنامية» أو «ميكروبات» و«آفات». تم الحفاظ على هذه الأيديولوجية من خلال المراقبة المستمرة وجلسات النقد الذاتي الإلزامية، حيث أُجبر الأفراد على الامتثال أو المخاطرة بأن يُدانوا خونة.

 

إضفاء الطابع المؤسسي على العنف

استغلت الأنظمة الشمولية التنظيم البيروقراطي الحديث والتكنولوجيا لتنفيذ جرائم القتل بشكل منهجي وفعّال.

إن الهولوكوست هو المثال النموذجي للعنف الإبادي الذي تم تنفيذه من خلال وسائل عقلانية وبيروقراطية. اعتمد العنف على التقسيم المتخصص للعمل والتنظيم الفعال المتأصل في هياكل الدولة الحديثة، مما أدى إلى تحويل القتل إلى عملية تقنية خالية من التدخل الأخلاقي. ركز المسؤولون فقط على مهامهم المقسمة (على سبيل المثال، جداول السكك الحديدية، والمحاسبة، وإنتاج الغاز). وقد أدى هذا التقسيم الوظيفي للعمل إلى تعظيم المسافة النفسية، حيث انفصل الأفراد عن النتيجة النهائية لمهمتهم.

في عهد ستالين، تم إصدار أهداف وحصص عشوائية للمنظمات المحلية للحزب والشرطة (GPU/NKVD). غالبًا ما تجاوز المرؤوسون المتحمسون هذه الحصص لإظهار الحماس الثوري أو تجنب الشكوك بأنفسهم. أدى هذا إلى خلق ديناميكية قاتلة ومستمرة استبدلت التعليم الأيديولوجي الواضح بعمل عشوائي.

اعتمدت الدول الشمولية على المراقبة الجماعية الشاملة لضمان الامتثال وتحديد الأعداء. على سبيل المثال، استخدمت جمهورية الدومينيكان في عهد تروخيو جهاز الاستخبارات العسكرية (SIM) وشبكة واسعة من الجواسيس لفرض الخضوع المطلق، مما جعل العنف غير المبرر والتعذيب والاختفاء أساليب شائعة وفعالة للإرهاب النفسي. وبالمثل، أنشأت كوريا الشمالية في عهد آل كيم دولة بوليسية هائلة ونظام تصنيف «عدائي» لستة ملايين مواطن، يخضعون للمراقبة المستمرة والتهديد بالإعدام أو السجن في نظام غولاغ، ويفرضون «سيطرة كاملة على عقولهم».

 

رابعًا: الدولة والعنف الجماعي وغزة

يقدم العنف والإبادة المعاصرة في غزة، الذي لم يبدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل كان مكونًا أساسيًا من تاريخ المشروع الصهيوني، دراسة حالة حديثة رفيعة المستوى توضح ارتكاب دولة حديثة للعنف الجماعي مبررة بروايات التهديد والدفاع عن النفس وإزالة الإنسانية.

تميزت الحملة العسكرية الإسرائيلية بالعنف النشط وحجم الدمار الذي يفوق بشكل متناسب قصف الحلفاء لألمانيا في الحرب الثانية. وقد صاحب ذلك خطاب صريح من القادة الإسرائيليين ينزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين. على سبيل المثال، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي العدو بـ«الحيوانات البشرية». هذه آلية صريحة لنزع الصفة الإنسانية، لا تعمل كبيان للاعتقاد البيولوجي، بل كـ«إذن» سياسي لممارسة العنف خارج القيود الأخلاقية والقانونية الطبيعية.

يتم تبرير العنف باعتباره دفاعًا ضروريًا عن النفس ضد التهديد الوجودي المتصور. ويتم استغلال هذا الخوف لتبرير التدابير المتطرفة، بالاعتماد على منطق يؤكد ضرورة العنف غير المحدود في مقابل الخوف من العنف. تتوافق هذه الاستراتيجية مع النتيجة الأساسية التي مفادها أن القتل الجماعي غالبًا ما ينشأ من البناء الأيديولوجي للتهديد لتبرير تدابير الإبادة.

إن تنفيذ العنف في غزة يستغل البنية التحتية للدولة الحديثة، بما في ذلك الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، مما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية المدنية (المدارس والمستشفيات والجامعات). هذا الاعتماد على أساليب القتل «الشريرة غير الشخصية»، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي والأسلحة المتطورة، يخلق مسافة بين الجاني والضحية، مما يخفف من القيود الأخلاقية.

إن رد الفعل الدولي على الأحداث في غزة يسلط الضوء على التناقضات الدائمة بين سلطة الدولة وبين العنف الجماعي في النظام العالمي من قبيل:

1. سيادة الدولة والإفلات من العقاب: على الرغم من القواعد القانونية والتوثيق الواسع للقتل الجماعي، فشل النظام الدولي باستمرار في فرض المساءلة على الدول القوية. إن الدولة المرتكبة للجرائم غالبًا ما تدّعي الحق في ارتكاب المجازر ضد رعاياها.

2. الالتباس الأخلاقي: انخرطت النخب السياسية الغربية في الإنكار والتعتيم واستخدام لغة معقمة («الأضرار الجانبية») لإبعاد أنفسهم عن الفظائع، مما يوضح كيف يتم تحريف لغة السياسة الأمنية للسماح بالعنف الشديد.

3. الضحية والأيديولوجيا: يتضمن الصراع صدامًا بين سرديات الذاكرة، حيث يستخدم بعض القادة السرد التأسيسي لإسرائيل عن الضحية (المحرقة) لتبرير تدمير الفلسطينيين، وبالتالي تحويل ضحية الأمس إلى جلاد اليوم.

إن الأحداث في غزة تعكس نمطًا تفرض فيه الدولة المسلحة بأيديولوجيا متطرفة وأنظمة بيروقراطية وتكنولوجيا متقدمة عنفًا كارثيًا يبرره نزع الصفة الإنسانية عن المجموعة المستهدفة وتأطيرها أيديولوجيًا باعتبارها عدوًا لا يمكن التوفيق بينه وبينها.

 

خاتمة

الدولة لا غنى عنها في تخطيط وتنفيذ العنف الجماعي، وهو اتجاه ازداد قوةً بشكل كبير في عصر العسكرة والبيروقراطية الحديثين. سلطة الدولة تُنتج القتل الجماعي ليس كتشويه للتاريخ، بل من خلال عملية سياسية مدروسة متجذرة في عقائد أمنية متطرفة أيديولوجيًا، تُعامل الفئات المستهدفة معاملةً مرضية وتُجرّدها من إنسانيتها، لا سيما في أوقات الأزمات والحروب.

كما رأينا في حملات القتل الجماعي الشاملة مثل عمليات التطهير التي شنها ستالين (والتي كانت مدفوعة بالجنون السياسي) ومحرقة النازية (والتي كانت مدفوعة بالتطهير العنصري والكفاءة البيروقراطية)، والإبادة في غزة (التي كانت مدفوعة بأيديولوجيا متطرفة وتكنولوجيا حرب متقدمة)… يعتمد تنفيذ إرهاب الدولة على الهياكل المؤسسية والآليات النفسية التي تستغل الدوافع «العادية» للمواطنين العاديين -الطاعة، والتوافق، والمصلحة الذاتية- لتحويلهم إلى موظفين في القتل.

إن المأساة المستمرة في غزة تؤكد بشكل مأساوي أن الدولة الحديثة تحتفظ بالقدرة على إحداث مثل هذا التدمير، باستخدام الخطاب اللاإنساني والبنية التحتية العسكرية لمتابعة سياسات الإبادة، بينما تستفيد من الشلل الأخلاقي والسياسي للنظام العالمي. إن فهم هذه العلاقة المعقدة بين سلطة الدولة والأيديولوجيا والقدرة الطبيعية على القتل المنظم أمر ضروري لمواجهة التحدي الأخلاقي الأعمق في عصرنا.

 

* غزة وصناعة التوحش (٢): الدولة وإنتاج العنف الجماعي، مصر 360، 11 نوفمبر 2025، https://bit.ly/3M3JUWK

** هشام جعفر صحفي وباحث مصري من مواليد 11 مايو 1964 بمحافظة الدقهلية، تخرّج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1985 وحصل على ماجستير في العلوم السياسية، عمل في مراكز بحثية وإعلامية وتولى مناصب تحريرية وساهم في تأسيس مواقع ومؤسسات إعلامية مثل "إسلام أونلاين" و"مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية"، ويشتهر بمواقفه الداعية إلى الوسطية والانفتاح والحوار والمواطنة وحقوق الإنسان، مع تركيز على قضايا الحركات الإسلامية ودور الإعلام وقضايا المرأة.

211- ردُّ السهام ذات السُّمّ علىٰ فؤاد شاني إيضاح الحُكم: ابن العطَّار = محمد بن محمد الحسيني- الابن- (كان حيًّا في القرن الثالث عشر الهجري):

الوصف: نسخة ضمن مجموع به آثارُ رطوبة وخروم.    من الورقة (99ب - 174ب).

المكان: مكتبة مخطوطات مسجد أبي العباس المرسي/ رقم: 394/أصول فقه.

تبصِراتٌ: رسالةٌ شرَح فيها المؤلف وعلَّق علىٰ رسالة أبيه المعروفة برسالة «إيضاح الحُكم في دفع القاضي دعوىٰ الظلم»، وأحكامُها علىٰ الفقه الحنفي.

212- ردُّ القول الخائب في القضاء علىٰ الغائب: قاسم بن قُطْلُوبُغا:

الوصف: نسخة ضمن مجموع في التوحيد طبع حجر.

المكان: دار الكتب المصرية/ رقم: 231.

تبصِراتٌ: أولًا: رسالة في إصدار الحُكم علىٰ الغائب، وهذه من المسائل التي كثُرت في عهد المؤلِّف، وقد ذَكر أنه تدخَّل فيها لحسمها؛ نظرًا لاضطراب الأقوال الفقهيَّة فيها، وهي علىٰ المذهب الحنفي. ثانيًا: الرسالة حقَّقها: الدكتور أحمد راشد سعود المحيلبي، ونُشرت بمجلَّة كلِّية الدراسات الإسلامية بنين بأسوان، ولم أقف عليها في مجموع رسائل ابن قُطْلوبُغا. ثالثًا: ورد ذكره في: كشف الظنون: 1/837. هدية العارفين: 1/830.

213- رسالة في بيان بعض الهفوات الصادرة عن بعض القضاة: مجهول المؤلف:

الوصف: نسخة ضمن مجموع.  3 ورقات.

المكان: دار الكتب المصرية/ تيمور مجاميع/ رقم: 299.  

214- الرسالة الشريفة والفوائد المَنِيفة:  التِّمرتاشي = صالح بن محمد بن عبد الله بن أحمد (ت: 1055هـ=1645م).

الوصف: نسخة ضمن مجموع. من الورقة(250ب-254أ).

المكان: مكتبة المسجد الأقصىٰ/ رقم: 447 أصول فقه 2/189.

تبصِراتٌ: أولًا: رسالةٌ موجَّهة إلىٰ القضاة طرَح فيها المؤلفُ مجموعةً من الأسئلة المتعلقة بعمل القُضاة دون الإجابة عليها، وهي رسالةٌ علىٰ المذهب الحنفي. ثانيًا: ورد ذكره في الأعلام: 3/ 195.

215- رسالة القاضي والحاكم: ابنُ بَهرام= أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن بحر الوزير المغربي (ت: 418هـ=1027م)

تبصِراتٌ: أولًا: رسالة في علم القضاء في الفقه الإسماعيلي الإمامي. ثانيًا: ورد ذكره في: هدية العارفين: 1/ 308.

216- رسالة القذف بالشروط:  مجهول المؤلف:

الوصف: نسخة جيدة ضمن مجموع.  من الورقة:(1-5ب).

المكان: مكتبة المسجد الأقصىٰ/ رقم: 477 أصول فقه 1/793.

تبصِراتٌ: رسالةٌ تعالج قضايا الشهود في جرائم القذف، وهي علىٰ الفقه الحنفي.

217- الرسالة المُرتضاة في العهد إلىٰ القضاة: المنصور= عبد الله بن حمزة بن سليمان (ت: 614هـ=1217م).

المكان: دارُ المخطوطات اليمنيَّة/ رقم: مجموع 39، 45. نقلًا عن: خزانة التراث 77/425، الرقم التسلسلي: 78488.

الملاحظات: أولًا: المؤلِّفُ أحدُ أئمَّة المذهب الزَّيدي، بويعَ له سنة 593هـ = 1196م، وقد حكَم اليمن زمنًا. ثانيًا: للإمام المتوكِّل علىٰ الله = إسماعيل بن القاسم بن محمد (ت: 1087هـ=1676م) رسالة بعنوان «الرسائلُ المرتضاةُ فيما يعتمده القضاة» وهي رسالةٌ في علم القضاء علىٰ الفقه الزَّيدي أيضًا. ثالثًا: ورد ذكره في: الأعلام: 4/83. معجم المؤلفين: 6/50.

218- رسالة دعوىٰ: مجهول المؤلف:

الوصف: نسخة ضمن مجموع جيد.  من الورقة:(1أ - 12ب).

المكان: مكتبة المسجد الأقصىٰ/ رقم: 466 أصول الفقه 1/319.

تبصِراتٌ: رسالةٌ في أصول القضاء، عرَض فيها المؤلف قضايا مختلفة، وبيَّن الأُسسَ التي تُحَلُّ بها، وهي علىٰ المذهب الحنفي.

219- رسالة في أحكام القضاء: مجهول المؤلف:

المكان: المكتبة المركزية بالرياض/ رقم: 2667. نقلًا عن: خزانة التراث 60/435، الرقم التسلسلي: 60601.

220- رسالة في أدب القاضي: مجهول المؤلف:

الوصف: نسخة ضمن مجموع.  من الورقة:(47ب - 62ب).

المكان: ضمن مجموعة يهودا بجامعة برنستون/ رقم: 1190. رمز الحفظ: 817.

تبصِراتٌ: رسالةٌ فيما يجب أن يتحلَّىٰ به القاضي في عمله ومعيشتِه من أخلاق، أحكامُها علىٰ الفقه الحنفي.

221- رسالة في أسباب الشهادة: الأجهوري = عليُّ بن محمد بن عبد الرحمٰن (ت: 1066هـ=1656م).

المكان: المكتبة المركزية بجامعة الملك فيصل - مكتبة الشيخ محمد بن عبد الله آل عبد القادر - الإحساء/ رقم: 2/1/100. نقلًا عن: خزانة التراث 104/340 الرقم التسلسلي: 104798.

تبصِراتٌ: أولًا: رسالةٌ في أحكام الشهادة علىٰ المذهب المالكي. ثانيًا: ورد ذكره في: الأعلام: 5/13. معجم المؤلفين: 7/207.

222- رسالة في إقامة التعزير علىٰ المُفسد من غير توقُّف علىٰ مُدَّعٍ: ابن نُجَيم الحنفي = زين الدين بن إبراهيم بن محمد (ت: 970هـ=1563م).

الوصف: نسخة جيدة، ضمن مجموع. من الورقة(25-29).

المكان: المكتبة الظاهرية/ رقم: 8252 فقه حنفي.

تبصِراتٌ: أولًا: رسالة في تعزير مَن يقوم بتزوير مستند، بمجرّد علم القاضي دون حاجة إلىٰ إقامة دعوىٰ ضد المُزوِّر، وهي علىٰ معتمد متأخِّري المذهب الحنفي. ثانيًا: الرسالة مطبوعة ضمن رسائله التي نُشرت بعنوان «رسائلُ ابن نُجيم الاقتصادية».

223- رسالة في الأحكام: مجهول المؤلف:

الموضوع: رسالةٌ في علم القضاء.

المكان: المكتبة المركزية بالرياض/ رقم: 341. نقلًا عن: خزانة التراث 70/857، الرقم التسلسلي: 71700.

224- رسالة في الاستخلاف علىٰ القاضي والخطيب: ابن كمال باشا= أحمد بن سليمان بن كمال باشا (ت: 940هـ=1534م).

الوصف: نسخة في مجموع مجلد يوجد في أوَّله فهرس في صفحة.  من الورقة:(19ب  - 20ب). 

المكان: المكتبة السُّليمانية/ [2014] الرقم الـحَميدي: 1051/5.

ومنه نسختان: بمركز الملك فيصل للبحوث للرياض/ رقما: 04159-3، 12274-14. نقلًا عن: خزانة التراث 6/75، 54/980، رقما التسلسلي:5107، 54116.

تبصِراتٌ: أولًا: رسالة يقرِّر فيها منْعَ الاستخلاف في القضاء دون إذن الوالي، وهي علىٰ المذهب الحنفي. ثانيًا: طُبعت ضمن مجموعة رسائل ابن كمال باشا. ثالثًا: ورد ذكره في: معجم المؤلفين: 1/238.

225- رسالة في الإقرار: ابن تيمية:

المكان: المكتبة الظاهرية/ رقم: 2825/8. نقلًا عن: خزانة التراث 82/504 الرقم التسلسلي: 83675.

تبصِراتٌ: رسالةٌ في أحكام الإقرار، علَّق فيها علىٰ باب الإقرار من كتاب «الكواكب الدَّراري»

226- رسالة في البيِّنات: ابن حينو= أحمد بن حينو(ت: ؟):

المكان: مجموعة بريل– أكاديميّة ليدن بهولندا/ رقم: 156.

تبصِراتٌ:  رسالةٌ في ثبوت البيِّنات في الفقه الحنفي.

227- رسالة في البيِّنات: الونقولي= محمد بن مصطفىٰ الرومي الواني (ت: 1000هـ=1592م).

الوصف: 7ق. 

المكان: مكتبة الأوقاف العامة في بغداد/ رقم: [2/3792] مجاميع.

تبصِراتٌ: أولًا: رسالة في الأدلَّة والبيِّنات التي يبني عليها القاضي حُكمه. أحكامُها علىٰ المذهب الحنفي. ثانيًا: كشف الظنون: 1/398. هدية العارفين، 2/260.

228- رسالة في التعليق في العقود والإيقاعات: مجهولُ المؤلف:

الوصف: نسخة جيدة.  13ق.

المكان: مؤسسة كاشف الغطاء العامة/ رقم: 6151.

تبصِراتٌ: رسالةٌ في طُرق صياغة العقود للاحتجاج بها أمام القضاء حالَ الخلاف بين المتعاقدين في الفقه الإمامي.

229- رسالة في التناقض في الدعوىٰ: ابن نُجيم الحنفي:

الوصف: نسخة جيدة، ضمن المجموع.    من الورقة:(86-88).

المكان: المكتبة الظاهرية/ الرقم 8252 فقه حنفي.

تبصِراتٌ: رسالة في حُكم القاضي حالَ تناقُض الدعاوَىٰ، وهي علىٰ معتمد متأخِّري المذهب الحنفي.

232- رسالة في التوثيق: مجهول المؤلف:  

الوصف: نسخة مبتورةُ الأولِ والآخِر.  27ورقة.

المكان: المكتبة الوطنية التونسية/ رقم: 2573.

تبصِراتٌ: رسالةٌ في توثيق العقود للاحتجاج بها أمام القضاء حالَ الخلاف بين أطرافها، وأحكامُها علىٰ المذهب المالكي.

231- رسالة في التوثيق: العش= محمد صالح بن يوسف (ت: 1290هـ=1873م).

المكان: دار الكتب الوطنية بتونس/ رقم التسلسل: 1203.

ومنه نسخة أخرىٰ: بذات الدار/ رقم: 2315.

تبصِراتٌ: أولًا: رسالةٌ في توثيق العقود والأحكام، أحكامُها علىٰ الفقه العام. ثانيًا:  ورد ذكره في: معجم المؤلفين:10/183.

 

لتحميل ملف الجزء التاسع | هنا

مصادر التراث القضائي | الجزء الأول

مصادر التراث القضائي | الجزء الثاني

مصادر التراث القضائي | الجزء الثالث

مصادر التراث القضائي | الجزء الرابع

مصادر التراث القضائي | الجزء الخامس

مصادر التراث القضائي | الجزء السادس

 مصادر التراث القضائي | الجزء السابع

  مصادر التراث القضائي | الجزء الثامن