ينشر موقعنا هذا الكتاب حصريًا لأول مرة على الشبكة العنكبوتية، ويُعد أحد أهم مؤلفات الفقيه الدستوري الكبير أ. د. أحمد كمال أبو المجد، وصدرت هذه الطبعة من الكتاب عن "دار النهضة العربية" بالقاهرة عام 1991م.
ومما جاء في مقدمة الكتاب ما يلي:
1- إذا كان من العسير تعريف علم من العلوم قبل إلقاء الضوء الكافي على مباحثه ومشتملاته، وإذا كان من الضروري مع ذلك استهلال ذكر دراسة العلم بتقديم تعريف له يحدد طبيعته وموضوعاته، فإننا نستطيع أن نوفق بين هذين الأمرين بوصف القانون الدستوري بأنه: «ذلك العلم الذي يدرس المشاكل السياسية لمجتمع معين في اطارها القانوني» أو أنه «ذلك العلم الذى يضم القواعد القانونية المنظمة لظاهرة السلطة السياسية في الجماعة».
وتوضيحًا لهذا التعريف الأولي تسجل الملاحظات التالية:
(أ) أن المشاكل السياسية الداخلية لكل مجتمع هي المشاكل المترتبة على انقسام الناس فيه إلى حكام ومحكومين، أو هي - بعبارة أخرى - المشاكل المتصلة بظاهرة السلطة السياسية في الجماعة، وبذلك يكون العنصر الأول من عناصر موضوع القانون الدستوري هو ارتباطه بظاهرة الحكم أو السلطة العامة في الجماعة.
(ب) أما العنصر الثاني في التعريف فيتلخص في أن القانون الدستوري يدرس هذه المشكلة السياسية من زاويتها القانونية، ولا يكون للمشكلة السياسية في الجماعة جانبها القانوني إلا إذا تحولت السلطة من مجرد قوة مادية يتمتع بها الحكام كحق شخصي لهؤلاء الحكام إلى مجموعة من الاختصاصات التي يحكمها إطار قانوني معلوم، وهو ما يعرف في الفقه الدستوري والعلم السياسي بظاهرة تأسيس السلطة instition lisation du pouvoir.
وتفريعًا على هذا الأصل، نستطيع أن تقرر أن «القانون الدستوري» لا يكون له موضع في ظل النظم السياسية التي تمنح الحكام سلطات مطلقة، حيث يتولى الحكم فرد أو مجموعة أفراد تمتزج الدولة بأشخاصهم، إذ يتولى أولئك الأفراد مباشرة مظاهر السلطة والحكم طبقًا لما تمليه عليهم أهواؤهم الشخصية الخاصة.
وفي هذا العنصر الثاني يكمن الفارق الذي يميز الدراسات الدستورية عن دراسات النظم والعلوم السياسية، فموضوع هذه الأخيرة هو التحليل النفسي لمشاكل السلطة في الجماعة من الناحية السياسية، وهو تحليل يبقى معه باب البحث مفتوحًا أمام الباحث للاختيار والتفضيل، ومزج الاعتبارات القانونية بغيرها من عناصر التقدير والملاءمة التي تتمثل في إصدار أحكام تقويمية شخصية value Jedgenta على النظم المختلفة، أما القانون الدستوري فموضوعه دراسة القواعد القانونية الوضعية التي تعالج ظاهرة السلطة وتنظمها في جماعة معينة في وقت معين، ومن هذا العنصر الثاني تبرز كذلك سمة أساسية من سمات القانون الدستوري باعتباره علمًا له منهجه الموضوعي السليم، ونعني بذلك ما يسميه الفقه حياد القانون الدستوري، أي عدم تقيده بمضمون معين مستمد من دراسة نظام سياسي معين، وذلك أن لكل نظام سياسي إطاره القانوني، ودراسة هذا الإطار هي موضوع القانون الدستوري، وأن يكون تعريف القانون الدستوري جامعًا إلا إذا صدق على موضوعه في ظل النظم السياسية المختلفة.
غير أن جانبًا من الفقه التقليدي لم يتبع – للأسف – هذا الحياد العلمي الواجب، وكان من نتيجة ذلك أن ارتبط تعريف القانون الدستوري وتحددت الموضوعات الأساسية التي يتناولها بالدراسة في تحليل المبادئ القانونية العامة لنظام سياسي معين هو نظام الحكومة الديمقراطية الحرة، أي النظام الذي يقوم على مبدأ السيادة الشعبية من جهة، والذي يقرر حقوق الأفراد بمدلولها التقليدى المستمد من تعاليم المذهب الفردي الحر من ناحية أخرى، وقد سادت هذه النزعة في تحديد موضوع القانون الدستوري في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا في الفترة التي أعقبت الثورتين الفرنسية والأمريكية، وهو أمر مفهوم من الناحية التاريخية، إذ إن وضع الدساتير خلال تلك المرحلة قد عاصر ذيوع المبدأ الديمقراطي، فارتبط مفهومه بنظريات السيادة الشعبية ومبدأ الفصل بين السلطات. والواقع أن وثائق الثورتين الفرنسية والأمريكية قد عبرت عن هذا الارتباط المفترض بين وجود الدستور وأتباع المذهب الفردي الحر، فنص إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام ١٧٨٩ في مادته السادسة عشرة على أنه «حيث لا تكفل الضمانات اللازمة للحقوق، أو لا يتقرر الفصل بين السلطات، لا يوجد دستور[1]، كذلك تابع الفقه الأمريكي هذا المنهج في الربط بين فكرة الدستور، ومبادئ النظام الفردي الحر، بل أن كثيرًا من الفقهاء الأمريكيين قد وصلوا إلى الربط بين فكرة الدستور وبين خصائص النظام السياسي السائد في الولايات المتحدة، وعلى رأسها مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ حماية الحقوق والحريات.
2- "وتوضيحًا" للطابع القانوني للقواعد الدستورية، يحتاج الأمر إلى تحديد المقصود بالقاعدة القانونية، وإلى بيان مدى انطباق هذا التحديد على القواعد الدستورية.
تقسيمات الدراسة:
مقدمات أساسية
الفصل الأول: مصادر القاعدة الدستورية.
الفصل الثاني: سمو الدستور.
- المبحث الأول: التمييز بين القوانين العادية والقوانين الدستورية.
- المبحث الثاني: الرقابة على دستورية القوانين.
رابط مباشر لتحميل الكتاب
..............................................................................................................................
[1] انظر مزيدًا من التفصيلات حول هذا الأمر في مؤلف الدكتور ثروت بدوى، القانون الدستور وتطور الأنظمة الدستورية في مصر، دار النهضة العربية، ۱۹۷۱م؛ ومؤلف الدكتور رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، دار النبضة العربية، القاهرة، ۱۹۸۳م، ص ۳۸ وما بعدها.