مفهوم الفساد بين الشريعة والقانون

أولًا- الفساد في المنظور الشرعي:

  • دلالة "مصطلح الفساد" في القرآن الكريم:

ورد لفط الفساد ومشتقاته في القرآن الكريم في 50 موضعًا وكان مقرونًا بالإساءة والتدمير والتخريب والإتلاف في الأرض عامة، من ذلك مثلًا قول الله -تعالى- ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[البقرة: 25]. ومنها قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾[الإسراء: 4]. وقوله:﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[الأنبياء: 22]. وقوله:﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾[المؤمنون: 71].

    وباستقراء الآيات القرآنية التي جاءت على ذكر الفساد يلاحظ عِدِّة أمور، نجملها في النقاط الآتية:

  1. وجاء مصطلح الفساد في القرآن كمقابل لمصطلح الصلاح كما ورد: [الأعراف: 56، 142]، [الشعراء: 152].
  2. وجاء كذلك بمعنى قطيعة الأرحام والتدابر بين المسلمين وقطع كل ما أمر الله به أن يوصل، كما في: [البقرة: 11]، [الرعد: 25]، [محمد: 22].
  3. وأطلق كذلك على سفك الدماء وانتهاك الأعراض، في سياق التنديد بفعل فرعون وقومه [انظر: القصص، 4].
  4. كما ورد في سياق تهديد الحياة الآمنة وترويع الآمنين بقطع الطريق عليهم، وإزهاق أرواحهم، ونهب أموالهم [انظر: المائدة، 33].
  5. وتارة نجده معبرًا عن التحذير من عمل يؤدي إلى الفساد [الأنفال: 73].
  6. كما يستخدم المصطلح بمعنى أوسع ليشمل الفساد العقدي والسلوكي والأخلاقي والحكمي والأمني والمالي.
  7. كما يلاحظ أن القرآن لا يستخدم مصطلح الفساد في المعنى الشرعي الخاص فقط، بل قد ينقل ذلك حكاية على ألسنة الظالمين والعصاة في وصفهم لحركة الأنبياء والصالحين كوصف أتباع فرعون لدعوة موسى[الأعراف: 127].
  8. أشارت العديد من الآيات إلى جملة من المفاسد بعينها كالشرك وإتلاف الزروع والثمار وإهلاك النسل ونقض عهد الله ونهب الأموال وإلحاق الضرر بالبيئة والغش والثمار وإهلاك النسل ونقض عهد الله ونهب الأموال وإلحاق الضرر بالبيئة والغش في الكيل والميزان وبخس الناس أشاءهم.
  9. ثمة شبه تلازم بين مصطلح الفساد وكلمة الأرض. وقد ورد هذا التلازم في نحو أربعين آية، أي قرابة ثمانين بالمائة تقريبًا من مجموع الآيات. وتارة نجد مصطلح الفساد في القرآن معبرًا عن رأي السماء والشريعة في وصف الطغاة أو الخارجين عن الشريعة كما في: [القصص: 83].
  10. دلالة "مصطلح الفساد" في السنة النبوية:

إذا استعرضنا الأحاديث التي جاء فيها مصطلح الفساد لبيان مدلول الفساد ومعناه، وجدنا مصطلح الفساد جاء ليدل على المعاني التي دلَّ عليها القرآن، كما أضاف عدة دلالات أخرى منها:

  1. تلف الشيء وذهاب نفعه: وجاء من هذا قول الرسول- صلى الله عليه وسلم: (... ألا وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [صحيح البخاري: حديث رقم: 2996]. وجاء قوله -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: (إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه) [سنن ابن ماجة: حديث رقم: 1489]. ومن ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة: الصلاة، فإن صلحت، صلح منه سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله)[سنن النسائي: 1/ 234].
  2. ومنه اختلال الشيء وخروجه عن مألوفه: وفي هذا المعنى جاء حديث عائشة- رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لامرأة فسد حيضها وأهريقت دمًا لا تدري كيف قالت فأمرني رسول- صلى الله عليه وسلم- أن آمرها فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كل شهر، وحيضها مستقيم، فستعتد (وفي رواية فلتعتَدَّ) [سنن أبي داود: حديث رقم: 245]، وتقدر ذلك من الأيام والليالي، ثم تدع الصلاة فيهن. قدرهن، ثم لتغتسل وتحسن طهرها، ثم تستتثفر بثوب ثم تصلي) [سنن لنسائي: حديث رقم: 352]، فعبَّر عن اختلال طبيعة المرأة في الحيض بالفساد.
  3. كما جاء الفساد في السُّنَّة بمعنى البطلان وعدم الإجزاء: ومن هذا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: (لا يفسد الحج حتى يلتقي الختانان، فإذا التقى الختانان فسد الحج ووجب الغرم) [مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 130]. ومعنى فساد الحج هنا بطلانه شرعًا.
  4. أتى بمعنى تغير الحال إلى غير الصلاح: مثل حديثه -صلى الله عليه وسلم- الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (المستمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد) [المعجم الأوسط للطبراني: 5/ 315]. ففساد الأمة هو تغيرها إلى غير صلاح.
  5. كما جاء معبرًا عن فساد ذات البين: قال- صلى الله عليه وسلم: (شر الناس ثلاثة: متكبر على والديه، يحقرهما، ورجل سعى في فساد بين الناس بالكذب حتى يتباغضوا ويتباعدوا) [كنز العمال: حديث رقم: 43940].

وتأسيسًا على نصوص الكتاب والسنة يمكن أن نضع تعريفًا معبرًا عن مفهوم الفساد في الشرع الإسلامي ألا وهو: "الانحراف عن الطريق المستقيم الذي حددها الله، ومبادئ الأخلاق السوية".

ثانيًا- الفساد في المنظور القانوني:

  • دلالة مفهوم "الفساد" وفقًا لتعريفات بعض المنظمات الدولية له:

تعددت تعريفات المنظمات الدولية لمصطلح الفساد، فقد عرفته كل مؤسسة بما يتوافق مع نشاطها الأساسي، ولكن يمكن حصر هذه التعريفات في اتجاهين أساسيين:

الاتجاه الأول: سلط أصحابه الضوء على الفساد المالي والأقتصادي: فنجد من ذلك على سبيل المثال تعريف المنظمة العربية لمكافحة الفساد فقد عرفت بالفساد بأنه: " كل ما يتصل بالاكتساب غير المشروع". 

الاتجاه الثاني: سلط أصحابه الضوء على الفساد الإداري والوظيفي: ومن ذلك على سبيل المثال تعريف منظمة الشفايفة الدولية للفساد، فقد عرفت الفساد بأنه: "إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص بشكل مباشر أوغير مباشر لتحقيق أغراض شخضية مستندة إلى المحسوبة". ويأتي في هذا الصدد تعريف ميثاق الأمم المتحدة، فقد عُرِّف فيه الميثاق بأنه "التماس موظف عمومي أو قبوله بشكل مباشر أو غير مباشر منفعة غير مستحقة، سواء لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر، لكي يقوم ذلك الموظف بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما لدي أدائه واجباته الرسمية". كما سار البنك الدولي على النسق نفسه، فقد عرف الفساد بأنه:" إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص".

ب- دلالة مفهوم " الفساد " وفقًا لتعريفات القانونيين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع:

  1. تعريف الدكتور/ السيد علي شتا-عالم الاجتماع الشهير-: " استخدام السلطة العامة من أجل كسب أو ربح شخصي أو من أجل تحقيق هيبة أو مكانة اجتماعية، أو من أجل تحقيق منفعة لجماعة أو طبقة ما بالطريقة التي يترتب عليها خرق القانون أو مخالفة التشريع ومعايير السلوك الأخلاق".[ السيد علي شتا: الفساد الإداري ومجتمع المستقبل، ص17].
  2. تعريف الدكتورة إنعام الشهابي: "استغلال السلطة للحصول على ربح أو منفعة أو فائدة لصالح شخص أو جماعة، بطريقة تشكل انتهاكًا للقانون أو للمعايير السلوك الأخلاقي الراقي".[ العوامل المؤثرة في الفساد الإداري، المجلة العربية للإدارة، مج20، العدد2].
  3. تعريف الدكتورة/ منال جابر -أستاذة الاقتصاد بكلية التجارة جامعة سوهاج-:" سوء استخدام الوظيفة أو المنصب لتحقيق غايات شخصية ومنافع خاصة سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام، حيث يخل الموظف بواجبات وظيفته أو يقوم بأعمال محرمة عليه عن قصد رغم علمه بتعليمات عمله".[أسباب الفساد في مصر: المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، ص651].

      وتأسيسًا على هذه التعريفات السالفة يمكن القول: إن مفهوم الفساد عند علماء القانون والاقتصاد قد انصب في المقام الأول على الجانب الإداري والوظيفي، وهو ما لم يختلف كثيرًا عن تعريفات المؤسسات الدولية المفهوم الفاسد.

      وبناء على مجمل ما سبق، يمكن القول: إن مدلول الفساد في المنظور الشرعي، أوسع وأشمل نطاقًا، فهو تقريبًا: " كل عمل خالف الطريق المستقيم والأخلاق الحميدة ". سواء كان عملًا إداريًا أو ماليًا أو اجتماعيًا أو حتى في علاقته مع الحيوانات والنباتات والجمادات. ولا غرابة في هذا فإن الأديان جاءت في المُقام الأول لتنظم علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقة الإنسان بكل شيء في الوجود، بينما تنصب مهمة القوانين الأساسية على تنظيم علاقة الناس بعضهم ببعض. 

 

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأربعاء, 03 كانون1/ديسمبر 2025 05:11

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.