موقع حوارات

موقع حوارات

يسعد  حوارات الشريعة والقانون  أن يقدم للقراء الأعزاء وثيقة نادرة تنشر للمرة الأولى على الشبكة الدولية وهي الأمر العالي بإلغاء أقلام بيت المال وترتيب المجالس الحسبية، ويليها لائحة المجالس الحسبية وملحقتها (1916)، وهذا الأمر يمثل نهاية مؤسسة (بيت المال) التي استمرت طوال التاريخ الإسلامي.

بيت المال مؤسسة إسلامية، تعد من أوائل المؤسسات الإدارية الإسلامية، وهو حجر الزاوية في النظام المالي للدولة الإسلامية؛ فهو المسؤول عن جمع الصدقات والفيء والأموال المستحقة وما في حكمها وحفظها وإحصائها وصرفها في حاجات ومتطلبات الأمة كتجهيز الجيوش وغيرها. كان تأسيسه في عهد عمر بن الخطاب استجابة لتوسع الفتوحات وتعقد إدارة الموارد للدولة المترامية الأطراف. وبهذا المعنى كان هو اللبنة الرئيسة في النظام المالي والإداري الإسلامي.

استمرت مؤسسة بيت المال تضطلع بوظائفها المالية طيلة العصور الإسلامية، إلا أن مهامها أخذت في التقلص منذ عصر الحداثة؛ إذ شهد القرن التاسع عشر تراجعا في مهام هذه المؤسسة؛ حيث اقتصرت على مهمة الإشراف على تركات اليتامى ولم يكن لهم وارث أو تحفظ بها أموال الغائبين، وقد صدرت في مصر بضع تشريعات تنظم عمل هذه المؤسسة أهمها لائحة بيت المال (1267ه/1860م)، وبعض القرارات التالية لها حتى إلغائها بالكلية عام (1916)، وسبقتها إلى ذلك الدولة العثمانية في عام (1904) لتحل محلها مؤسسات بديلة مثل: المجالس الحسبية.

 

لتحميل ملف الوثيقة (هنا)

يمثّل الدكتور محمد يوسف موسى (1899–1963م) قامة فكرية استثنائية في مشهد التجديد الفقهي والإصلاح الفلسفي الحديث؛ إذ جمع في تكوينه المعرفي بين التأسيس الأزهري الأصيل والتعمق المنهجي في الفلسفة الأخلاقية والقانونية بجامعة السوربون. وتتجلّى الأهمية الأكاديمية لمسيرته ومشرُوعه في انتمائه إلى جيل المجددين الذين تجاوزوا آثار الصدمة الحضارية نحو تنظيرٍ أصيل يُرسخ للاستقلال المنهجي للشريعة الإسلامية، ويرفض الانبهار التبعي بالغرب. فقد قامت رؤية د. موسى التجديدية على الوصل المباشر بين الفلسفة والواقع، وتجديد الفقه الإسلامي عبر استلهام منهج الصحابة والتابعين في إرعاء المصالح والمقاصد، وتدشين الاجتهاد الجماعي عبر المجامع الفقهية، وإبراز أثر الفقه الإسلامي في الفكر القانوني العالمي. وتأتي هذه السيرة التوثيقية والبيبليوغرافية لتقدم مسار حياته العلمية ونتاجه الخالد في الفقه والأخلاق والفلسفة، بوصفه أنموذجًا فذًا للفقيه المجدد والفيلسوف المفكر.

 

السيرة الذاتية والمسيرة المهنية:

ولد محمد يوسف موسى في يونيو (1899م) في مدينة الزقازيق المصرية. درس أبوه في الأزهر لكنه عاد إلى بلدته واشتغل بالزراعة، وتوفي ولم يكد ابنه يتم عامه الأول، وكافحت الأم لئلا يشتغل أبنائها بالزراعة ويتفرغوا للتعليم وساعدها على ذلك انتمائها لأسرة علمية كان منها الشيخ حسين والي سكرتير مجلس الأزهر الأعلى.

حفظ يوسف موسى القرآن وهو في سن صغير؛ إذ كان سريع الحفظ وآية في الذكاء، يحفظ لوحه بمجرد كتابته، والتحق بالأزهر عام (1912) وكان طالبا مجدًا مخلصًا في طلب العلم متفرغًا له، لا يقضي وقته في اللهو، وفي عام (1925) نال شهادة العالمية بتفوق ثم عين بمعهد الزقازيق ودرس فيه ثلاث سنوات إلى أن أُقيل منه بعد توقيع الكشف الطبي عليه لضعف بصره.

وكما كان ضعف بصره سببا في إقالته من وظيفته كان حائلا دون انضمامه إلى (قسم التخصص) بالأزهر لمواصلة دراسته، ولكن الشيخ عبد المجيد سليم -مفتي الديار المصرية ثم شيخ الأزهر الأسبق- اقترح أن ينتسب للقسم من الخارج، فأحرز نجاحا باهرا في الثلاث سنوات وهي مدة الدراسة، وكان ترتيبه الأول فيها، ورغم هذا رفض الأزهر تعيينه مدرسًا ولم يشفع له تفوقه، ولما يئس من التعيين انكب على تعلم اللغة الفرنسية لتكون سبيلا لدراسة الحقوق والاشتغال بالمحاماة.

في عام (1932) أفلح موسى في الاشتغال كمحام شرعي بمكتب أحد المحامين البارزين، وأحرز نجاحا فلما توفي صاحب المكتب تحولت قضاياه إلى المحامي الشاب، ولكنه لم يلبث أن هجر المحاماة مع تعيين الشيخ مصطفى المراغي شيخًا للأزهر للمرة الثانية (1936)؛ إذ طلب منه أن يشتغل مدرسا بالأزهر فآثر الاشتغال بالعلم وترك المحاماة، حيث عين مدرسا للفلسفة بكلية أصول الدين.

سافر إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة (1938) وهناك التقى المستشرق الفرنسي ماسينيون واختاره مشرفا له، لكنه لم يلبث أن غادرها لنشوب الحرب العالمية الثانية ثم عاد بعد انتهائها ونال درجة الدكتوراه عام (1948) عن الدين والفلسفة في رأي ابن رشد بدرجة مشرف جدا، وهي الدرجة التي لم ينالها من بعده إلا الدكتور محمد عبد الله دراز.

أثناء دراسته في فرنسا اختير موسى خبيرا في لجنة الميتافيزيقا بالمجمع اللغوي بالقاهرة، رشحه لها أستاذه ماسينيون، وظل بعد عودته من فرنسا يشارك في أعمال هذه اللجنة - التي سميت بعد ذلك لجنة الفلسفة حتى آخر حياته.

بعد حصوله على الدكتوراه انتدبه الأزهر لقضاء شهرين في رحلة علمية بإسبانيا وبلاد المغرب العربي طلبا لنفائس التراث الإسلامي في الفلسفة والعلوم الإسلامية المختلفة.

انتقل يوسف موسى إلى الجامعة المصرية -إثر خلاف في الرأي- مع الشيوخ الأزهريين حول كيفية تطوير الدراسة بالأزهر، حيث عين أستاذا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق، ومنها انتقل لجامعة عين شمس الوليدة حيث عين أستاذا للشريعة وظل بها إلى أن أحيل على المعاش عام (1959)[1].

 

مشروعه الإصلاحي:

يُنسب موسى إلى إحدى الموجات المتأخرة ضمن مشروع الإصلاح الإسلامي الذي بدأ في القرن التاسع عشر، وموقفها من الآخر يختلف اختلافا بينًا عن الموجة الأولى التي جسدها الطهطاوي وخير الدين التونسي الذين وقعوا تحت تأثير الصدمة الحضارية حين شاهدوا للمرة الأولى الهوة التي تفصل عالم الإسلام عن عالم الغرب، أما أبناء الموجة المتأخرة فقد تجاوزا تأثير الصدمة وكانوا أكثر اعتدالا في رؤيتهم وفي تقييمهم للآخر، وهو ما نلمسه في كتابات يوسف موسى التي لا نجد فيها أثرًا لذلك الانبهار المتعجل بالغرب أو التسليم بتفوق الفكر الغربي وانحطاط الفكر الإسلامي، وهو من أوائل من فطنوا إلى خطورة توطين الأفكار الغربية وإكسابها مسوحا إسلامية، وفي هذا يقول "ولسنا نحاول أن ندخل في الإسلام كل تفكير نراه طيبا وكل علاج نراه عادلا لبعض ما نحس من مشكلات كأن نقول مع القائلين بأن الإسلام دين اشتراكي وديمقراطي وما إلى ذلك، إن الإسلام اسمى من هذا كله إنه دين أصيل له أسسه الخاصة وطابعه الخاص"[2].

ويتألف مشروع يوسف موسى الإصلاحي من ثلاث دعائم،

الأولى: الوصل بين الفلسفة والواقع وبينها وبين الدين، فليست الفلسفة كما يُظنُ تنظيرات وتصورات مفارقة للواقع بل إن فيها ما يسهم في حل مشكلات الواقع. كما أن الفلسفة ليست ضربًا من التفكير المضاد للدين، وإنما يعملان سوية على فهم العالم ومبدئه وتبصير الفرد والمجتمع بما هو خير وحق.

والثانية: إصلاح السياسة التعليمية الأزهرية، ومن مقترحاته في ذلك وجوب تلقي جميع الطلاب المصريين في المراحل الأولية تعليم واحد له أسسه الإسلامية دون تخصيص الأزهر بمناهج معينة، وحجته أن ذلك يقضي على ثنائية الديني والمدني.

والثالثة: دعوته إلى تطوير الفقه الإسلامي، وهو يقترح لذلك منهجا مكونا من ثلاث خطوات:

أولها: اقتفاء أثر فقهاء الصحابة والتابعين في الوصول إلى الأحكام. ويتلخص منهجهم في: عدم اللجوء إلى الاجتهاد بالرأي إلا إذا لم يجدوا في النصوص الشرعية حكمًا شرعيًا للواقعة التي يبحثون عن حكمها، والتيقن من أن الأحكام إنما شرعت لعلل ومصالح معينة والبحث عنها، وترك العمل بالنصوص حين يظهر لهم أن العمل بها ينافي المصلحة الحقيقية.

وثانيها: بذل العناية في نشر كتب التراث الفقهي نشرًا علميا صحيحًا بعد فهرستها وتصنيفها موضوعيا ليسهل استخراج المسائل منها.

وثالثها: إنشاء مجمع للفقه الإسلامي -لم تكن الفكرة مطبقة آنذاك- لتنظيم عملية الاجتهاد ولبحث النوازل والمسائل المستجدة وإبداء رأي شرعي فيها يلتزم به المسلمون في أقطار المعمورة[3].

 

مؤلفاته:

تنوعت كتابات موسى ومؤلفاته ما بين الأخلاق والشريعة وعلم الكلام والمؤلفات الإسلامية العامة، عدا ترجماته، وهي كالتالي:

مؤلفاته في الفقه:

  • أحكام الأحوال الشخصية في الفقه الإسلامي.
  • الأموال ونظرية العقد في الفقه الإسلامي مع مدخل لدراسة الفقه وفلسفته.
  • التركة والميراث في الإسلام مع مدخل في الميراث عند العرب واليهود والرومان (وهي محاضرات ألقاها في معهد الدراسات العربية).
  • التشريع الإسلامي وأثره في الفقه الغربي.
  • الفقه الإسلامي (جزآن)
  • الفقه في عصر نشأة المذاهب.
  • المدخل لدراسة الفقه الإسلامي وهو صورة من المدخل في كتابه الأول الفقه الإسلامي.
  • تاريخ الفقه الإسلامي، وفيه جمع الدكتور محمد يوسف موسى بين كتابين هما فقه الصحابة والتابعين والفقه في عصر نشأة المذاهب. وزاد عليهما بعض الصفحات.
  • دروس في فقه الكتاب والسنة: البيوع منهج وتطبيق.
  • فقه الصحابة والتابعين.

مؤلفاته في الأخلاق

  • الأخلاق في الإسلام.
  • تاريخ الأخلاق.
  • فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية.
  • مباحث في فلسفة الأخلاق.

مؤلفاته في الفلسفة:

-الدين والفلسفة معناهما ونشأتهما وعوامل التفرقة بينهما.

- القرآن والفلسفة.

- بين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد.

- بين رجال الدين والفلسفة.

- فلاسفة العصور الوسطى.

مؤلفاته في التراجم:

  • ابن تيمية.
  • ابن رشد الفيلسوف.
  • ابن سينا والأزهر.
  • أبو حنيفة والقيم الإنسانية في مذهبه.

 

مؤلفاته في الثقافة الإسلامية العامة:

  • الإسلام والحكم.
  • الإسلام والحياة.
  • الإسلام وحاجة الإنسانية إليه.
  • الإسلام ومشكلاته المعاصرة.

يضاف لهذه المؤلفات سلسلة طويلة من المقالات والدراسات التي كتبها في مجلات: الأزهر والرسالة والمقتطف والكاتب المصري والثقافة وتراث الإنسانية ورسالة الإسلام وغيرها.

 

وفاته

توفي العلامة الدكتور محمد يوسف موسى في 8 أغسطس 1963 بعد حياة علمية حافلة أمضاها في البحث والتصنيف والتدريس.

 _________________

[1] محمد الدسوقي، محمد يوسف موسى (1317- 1383 ه/ 1899-1963 م) الفقيه الفيلسوف والمصلح المجدد، دمشق: دار القلم، 2003، ص 15-24.

[2] محمد يوسف موسى، ابن سينا ومشكلات العصر (3)، القاهرة: مجلة الأزهر، مج 22، ص 709.

[3] فاطمة حافظ، محمد يوسف موسى ودعوته لتطوير الفقه الإسلامي، https://n9.cl/0raw4m.

 

تُجسّد هذه المذكرة القضائية الصادرة عن محكمة عموم السودان الشرعية (1903م) رؤيةً مقاصدية عميقة في معالجة إحدى أكثر القضايا الأسرية حساسية؛ وهي مسألة انتقال الزوجة مع زوجها وسفرها معه. فقد تجاوز الحكم الجمود المذهبي والظاهرية الحرفية للنصوص، ليصوغ منهجًا معتدلًا يوفق ببراعة بين حق الزوج ورعاية حقوق الزوجة، وذلك عبر جعل «المصلحة الراجحة للأسرة» هي العلة الحاكمة بديلًا عن إطلاق أحكام الإجبار أو المنع المجردة.

وتتجلى مراعاة الحكم المستنيرة لمصلحة الأسرة والاعتدال في معالجة النقلة في وضعه ضوابط موضوعية حاسمة تضمن الاستقرار والتكافل الأسرِيّ؛ حيث اشترط لإجبار الزوجة تحقق مصلحة حقيقية يعضدها أمن الطريق والمقصد، والقدرة المالية، والملاءمة الصحية والمناخية، مع النص الصريح على صيانة كرامة المرأة ودفع أي ضرر مادي أو أدبي يلحق بها. وبذلك قدم القضاء الشرعي أنموذجًا حضاريًا يُعلي من قدر الإنسان ويكفل حماية الأسرة ورعايتها.

 

محكمة عموم السودان الشرعية

مذكرة قضائية

صدرت بتاريخ ١٨ يوليه سنة ١٩٠٣، موافق ٢٢ ربيع الثاني سنة ١٣٢١ نمرة ١٢٠ مذكرات، عن الحكم الصادر من محكمة مديرية دنقله في القضية نمرة ١٣٢ سنة ١٩٠٣.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لما طلب الرجل زوجته للانتقال معه إلى البلدة التي يريد إقامتها بها وامتنعت، فبمجرد هذا الامتناع أصدرت المحكمة حكمها عليه برفض طلبه اعتمادًا على أن الشريعة الإسلامية لا تقضي بإجبار المرأة على النقلة من بلدها إلى بلد أخرى. وهذا على إطلاقه يختلف كثيرًا عما ذهب إليه محققو الحنفية، فإن المسألة خلافية. ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الرجل إذا أوفى زوجته مهرها كان له نقلها إلى حيث شاء من بلاد الله تعالى؛ النقل من المِصْر إلى القرية، ومن القرية إلى المِصْر، ومسافة السفر ودونها في ذلك سواء، وبه أخذ القاضي ظهير الدين المرغيناني.

وقال الفقيه أبو القاسم الصفار: "هذا في زمانهم، أما في زماننا فلا يملك الزوج أن يسافر بها ولو أوفاها مهرها لفساد الزمان ولأن الغربة مظنة الإيذاء، إلا أنه لو أخرجها من المِصْر إلى القرية أو من القرية إلى المِصْر فيما دون مسافة السفر فله ذلك، لأن النقل إلى ما دون السفر لا يعد غربة". ووافقه على ذلك الفقيه أبو الليث السمرقندي، وكلا القولين صحيح وعليه الفتوى. وبعض المتأخرين فَصَّل في مسألة السفر فقال: إن كان مأمونًا عليها تُجبر وإلا لا؛ لكن في (البحر) الأحسن الإفتاء بقول الفقيهين من غير تفصيل، ونقل عن (أنفع الوسائل) أن عمل القضاة عليه في زمانهم.

وعمل المحاكم الشرعية الآن على أنها لا تجبر في مسافة السفر مطلقًا، وفي دونه تجبر إن كان مأمونًا عليها، لكن هذا يخالف ما تقدم إلا بحمل قول الفقيهين على حالة الأمن عليها. والذي اعتمده المحققون هو ما جزم به صاحب البزازية من التفويض إلى رأي القاضي في الأخذ بأحد القولين بحسب ما يراه من المصلحة: لا فرق في ذلك بين مسافة السفر وما دونها والمِصْر والقرية، فإن رأى المصلحة في النقلة ولو فيما زاد عن مسافة السفر قضى بما ذهب إليه القاضي ظهير الدين، وإن رآها في عدم النقلة ولو من محلة إلى محلة أخرى في البلدة بعيدة عن أهلها قضى بقول الفقيهين.

وهو توفيق حسن لا أرى خيرًا منه إذا كان القاضي حكيمًا في عمله، ففي كثير من الظروف يكون إجبار المرأة على النقلة ولو في مسافة السفر ضروريًا، وهو المصلحة للزوجين كما يعرض لبعض الموظفين وذوي الصناعات والمتاجر التي تقتضي ضربًا في البلاد ونزوحًا عن الأوطان.

ولما كانت مصلحة الزوجين من النقلة وعدمها لا تتحدد ولا تنضبط أطلقوها من غير بيان وجهها اعتمادًا على فطنة القاضي وعدالته وحكمته، فإن من البَيِّن أن مجرد كون الزوج في شخصه مأمونًا على زوجته لا يكفي لتحقق المصلحة في الإجبار على النقلة، بل لا بد من مراعاة أحوال أخرى ترجع إلى الزوج وإلى الزوجة وإلى البلدان المنقول منها والمنتقل إليها:

  • كأن يكون الباعث على الانتقال مصلحة يعتد بها قلما يمكن الحصول عليها بدون الاغتراب.
  • وكأن يكون الزوج قادرًا على نفقات ارتحالها كأمثالها وفي يده فضل يغلب على الظن أنه لو اتَّجر فيه مثلًا لربح ما يعدل نفقته ونفقة عياله أو صناعة فنية تقوم بمعاشه ومعاشهم.
  • وكأن يكون الطريق بين البلدين مأمونًا على النفس والعرض والمال.
  • وكأن تكون الزوجة بحيث تقوى على احتمال مشقة السفر من بلدها إلى المكان الذي يريد نقلها إليه.
  • وكأن يكون الموضع الذي يريد نقلها إليه لا يقل في الأمن عن الموضع الذي يريد نقلها منه.
  • وكأن لا يكون المحل الذي يريد نقلها إليه طبيعته منبعًا للحميات والأمراض.
  • وكأن لا يكون الاختلاف بين البلدين في الحرارة والبرودة مثلًا مما لا تحمله الأمزجة والطباع.
  • وكأن تكون كرامة الزوجة في موضع نقلها محفوظة ككرامتها في محلها الأصلي.
  • وكأن لا يلحقها بسبب الانتقال ضرر مادي أو أدبي.

إلى كثير من الاعتبارات التي يلزم ملاحظتها في مثل هذه الظروف وتختلف باختلاف الأشخاص والمواطن ولا تخفى على القاضي الفطن. وإنما ذكرت ما تقدم ليكون كمثال ينسج على منواله ودليل يسترشد به القاضي في استنباط المصلحة من حال الزوجين في أنفسهما وفيما يؤول إليه أمرهما، ليقضي بما تقتضيه المصلحة من الإجبار وعدمه، مستندًا في حكمه إلى ما ثبت لديه من هذه الاعتبارات التي تشتمل عليها محاضر الدعوى.

فلو أن المحكمة تمهلت في الحكم حتى تتبين المصلحة من حال الزوجين لتحكم بما توجبه، لأحسنت كل الإحسان.

تأتي أهمية هذا الحكم التاريخي الصادر عن محكمة الإسكندرية الكلية الأهلية (11 يوليو 1933م) من كونه نموذجًا تطبيقيًا رفيعًا يُبرز كيف رسّخ القضاء المدني المصري استقلاله المنهجي عن الشراح الأجانب والنقل الآلي عن القانون الفرنسي (المادة 1384 مدني فرنسي)، ليعود رأسًا إلى الفقه الإسلامي بوصفه المرجعية الحاكمة في استكمال الأطر القانونية وتنظيم أحكام الولاية والمسؤولية.

وتجلت العبقرية الفقهية والقانونية للهيئة الموقرة في إعمال التمييز الدقيق بين «الولاية على المال» التي اختصت بها قوانين المجالس الحسبية وحددت سن الرشد فيها بـ (21 سنة)، وبين «الولاية على النفس» التي بقيت محكومة بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء لعدم تعرض القوانين الوضعية لها. واستنادًا إلى ترجيح رأي الصاحبين (أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني) في الفقه الحنفي بتحديد سن البلوغ بخمس عشرة سنة، رتب الحكم زوال ولاية الأب على نفس ولده ببلوغه هذا السن؛ ومن ثم رفع التبعة المدنية عن الأب في المسؤولية عن أفعال ولده الصادرة بعد هذه السن.

ويسر موقع «حوارات الشريعة والقانون» أن يضع بين أيدي الباحثين والمتخصصين النص الكامل لهذا الحكم التاريخي، مصحوبًا بمبادئه القانونية؛ ليكون وثيقة قضائية تجسد التلاقي الخلاق بين النصوص المدنية والأصول الفقهية المقارنة.

 

قضاء المحاكم الكلية

الحكم رقم (219)

محكمة إسكندرية الكلية الأهلية

11 يوليه سنة 1933

  1. مسئولية: مسئولون عن أعمال الغير. يدخل من بينهم الأب.
  2. مسئولية: ولاية الأب. زوال الولاية. زوال المسئولية معها. المعول عليه الولاية على النفس في المسئولية.
  3. ولاية: ولاية النفس غير خاضعة لأحكام المجالس الحسبية. وجوب الرجوع في تحديد الولاية على النفس لأحكام الشريعة.
  4. ولاية: زوال الولاية على النفس لظهور الرشد وحسن التصرف. زوال مسئولية الأب معها.

 

المبادئ القانونية:

1- إنه وإن لم تذكر المادة 151 مدني على سبيل الحصر الأشخاص الذين يلزمون بضرر الغير الناشئ عن إهمال من هم تحت رعايته، إلا إنه مما لا شك فيه وما أجمعت عليه أحكام المحاكم أن الأب ممن عينتهم هذه المادة بما له من رعاية على الصغير حسب النص الفرنسي للمادة المذكورة المستمدة من حق الولاية المخول له شرعًا على نفس الصغير.

2- يجب الرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية الغراء فيما يختص بولاية الأب، لأن حفظ الصغير ورعايته منوطان بالأب بحكم ولايته الشرعية. فلا رعاية ولا حفظ إذا ما زالت الولاية عن الصغير. والولاية عن الابن تشمل ولاية النفس والمال، ورعاية الصغير والمحافظة عليه تدخلان في باب الولاية على النفس ولا شأن لها في الولاية على المال.

3- لم تتعرض قوانين المجالس الحسبية إلا للولاية على المال محددة سن بلوغ الرشد بإحدى وعشرين سنة، أما الولاية على النفس فلم تشملها هذه القوانين. وقد نصت المادة 29 من قانون المجالس الحسبية على أن الولاية على المال تنتهي متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية، وهذا صريح في إن الولاية على النفس غير خاضعة لأحكام هذه المادة ومن مقتضى هذا وجوب الرجوع لحكم الشريعة الإسلامية والأخذ بأحكامها بخصوص البلوغ شرعًا.

4- تنص المادة 296 من كتاب الأحوال الشخصية على زوال ولاية الأب على نفس الصغير بالبلوغ وعدم زوالها على المال إلا بظهور الرشد وحسن التصرف، مما يدل صراحة على إن الولايتين غير متلازمتين، فيحصل أن يكون للصغير مطلق التصرف في شئون نفسه بدون أن يكون له حق التصرف في ماله. وعلى ذلك فلا يكون تحت رعاية الأب متى تجاوز الخامسة عشرة من عمره أخذًا برأي الصاحبين، ويكون مسئولًا وحده عن كل أعماله المتعلقة بنفسه والتي لا علاقة لها بأمواله، فيسأل عن عدم احتياطه وإهماله كما إنه ابتداءً من هذا السن أيضًا مسئول عن جرائمه كما تقضي بذلك المادة 66 عقوبات. وعلى ذلك كان من الخطأ القول بمسئولية الأب حتى بلوغ الابن سن الرشد القانوني أي سن الحادية والعشرين.

 

المحكمة

حيث إن المستأنف عليه رفع بالجلسة استئنافًا وقد دفع المستأنف بعدم جوازه للأسباب التي ذكرها بمحضر الجلسة.

وحيث إن للمستأنف عليه ما دامت المرافعة قائمة أن يستأنف فرعيًا وتفنيد الحكم مع فرض حصوله لا يسلبه حق الاستئناف فرعيًا لأن قبوله الحكم كان معلقًا على قبول المستأنف وعليه يكون الاستئناف الفرعي جائزًا ويتعين قبوله شكلًا.

وحيث إن المستأنف دفع بعدم قبول دعوى المستأنف عليه لسابقة الفصل فيها من محكمة الجنايات.

وحيث إنه وإن كانت صحيفة الطلب معلنة من المستأنف عليه للمستأنف بصفته وليًا على ابنه زكي أحمد المعاون إلا إنه ثابت من الاطلاع على محاضر جلسات المحكمة الجزئية وعلى أقوال الطرفين أن النزاع كان منصبًا على مسئولية الأب الشخصية وكان مفهومًا من أقوال الطرفين أنه مطلوب الحكم على المستأنف بصفته الشخصية، فالعبرة إذن بأقوال الطرفين عند المرافعة أي بالطلبات الختامية وعليه يكون الدفع في غير محله وتكون الدعوى مقبولة.

 

عن الموضوع

وحيث إن المادة «151» مدني تنص في فقرتها الأخيرة على أنه «يلزم الإنسان بضرر الغير الناشئ عن إهمال من هم تحت رعايته أو عدم الانتباه منهم أو عدم ملاحظته إياهم».

وحيث إن هذه المادة وإن كانت لم تذكر على سبيل الحصر أشخاصًا معينين إلا أنه مما لا شك فيه وما أجمعت عليه أحكام المحاكم أن الأب ممن عينتهم هذه المادة بما له من الرعاية على الصغير هذه الرعاية أو «الحفظ» حسب النص الفرنسي للمادة المذكورة المستمدة من حق الولاية المخول له شرعًا على نفس الصغير.

وحيث إنه متى تقرر أن حق رعاية الأب للصغير مستمدة مما له شرعًا من الولاية على النفس والمال، يجب البحث في المدة التي يكون فيها الصغير تحت رعاية أبيه، وبعبارة أخرى مدة ولاية الأب على نفس ولده. ولهذا يجب الرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية الغراء فيما يختص بولاية الأب، لأن حفظ الصغير ورعايته منوطان بالأب بحكم ولايته الشرعية فلا رعاية ولا حفظ إذا ما زالت الولاية عن الصغير.

وحيث إن الولاية على الابن قسمان: ولاية على نفس وولاية على المال. ولا شك في أن رعاية الصغير والمحافظة عليه تدخلان في باب الولاية على النفس ولا شأن لهما في الولاية على المال.

وحيث إن قوانين المجالس الحسبية لم تتعرض إلا للولاية على المال محددة سن بلوغ الرشد بثمانية عشر سنة أولًا ثم أخيرًا بإحدى وعشرين سنة. أما الولاية على النفس فلم تشملها هذه القوانين وقد نصت المادة «29» من قانون المجالس الحسبية الصادر في سنة 1931 على أن الولاية على المال تنتهي متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية. وهذا صريح في أن الولاية على النفس غير خاضعة لنص هذه المادة وأنه إمام عدم التعرض لها يجب الرجوع حتمًا لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

وحيث إن المادة «495» من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا نصت على أن بلوغ الغلام بالاحتلام والإنزال وبلوغ البنت بالحيض والحبل، فإن لم تظهر هذه العلامات يُحكم ببلوغهم إذا بلغا من السن خمس عشر سنة «وهذا على رأي الصاحبين. أما رأي الإمام أبو حنيفة فثمان عشر سنة والمعول عليه هو رأي الصاحبين».

وحيث إن المادة «296» من الكتاب المذكور تنص أيضًا على زوال ولاية الأب على نفس الصغير بالبلوغ وعدم زوالها على المال إلا بظهور الرشد وحسن التصرف، مما يدل صراحة على أن الولايتين غير متلازمتين فيحصل أن يكون الصغير مطلق التصرف في شئون نفسه بدون أن يكون له حق التصرف في ماله.

وحيث إنه من كل ما تقدم يتضح جليًا أن الصغير لا يكون تحت رعاية الأب متى تجاوز الخامسة عشر من عمره «على رأي الصاحبين وهو المعول عليه كما تقدم» فيعتبر والحالة هذه مسؤولًا وحده عن كل أعماله المتعلقة بنفسه والتي لا علاقة لها بأمواله فهو مسئول وحده عن إهماله وعدم احتياطه، كما أنه ابتداء من هذا السن أيضًا مسئول عن الجرائم التي يرتكبها وعما يمكن أن يترتب عليها من أضرار للناس.

وحيث إن قانون العقوبات الأهلي قد جعل الشخص الصغير مسئولًا عن جرائمه متى بلغ الخامسة عشر شأنه شأن الكبير، بحيث يجوز الحكم عليه بالعقوبة التي يحكم بها على الكبير إلا ما استثنى بحكم المادة «66» عقوبات فمثل هذا الشخص الذي جعله الشارع في المسئولية الجنائية كالكبير الذي يزيد سنه على 21 سنه لا يمكن أن يقال عنه بأنه تحت رعاية والده أو تحت حفظه وهو الذي يعتبره القانون مقدرًا لأعماله عالمًا بنتائجها لدرجة جواز الحكم عليه بالإعدام متى بلغ السابعة عشر مثله مثل ابن الأربعين مثلًا.

وحيث إنه مما تقدم يكون في غير محله الرأي القائل بمسئولية الأب حتى بلوغ ابنه سن الرشد «21 سنة الآن و 18 سنة فيما مضى كما ذهب إليه الأستاذ دي هلس عندما بحث في المسئولية في «الجزء الرابع من مؤلفه». والظاهر أنه أراد أن يطبق في مصر ما هو مقرر في فرنسا غير أن اختلاف نص المادة «151» مدني مصري عن المادة «1384» مدني فرنسي التي تنص صراحة على مسئولية الأب ما دام الابن قاصرًا، لا تدع محلًا للأخذ بما هو متبع ومطبق في فرنسا.

وحيث إنه ثابت من التحقيقات المضمومة أن سن زكي أحمد المعاون تسعة عشر سنة فيكون الوالد غير مسئول عن أعماله ويتعين إلغاء الحكم المستأنف عليه.

(قضية أحمد المعاون بصفته وحضر عنه الأستاذ علي الحلواني ضد علي إبراهيم الكومي وحضر عنه الأستاذ نصيف عبد النور رقم 343 سنة 1933 رئاسة حضرة صاحب العزة محمود بك فؤاد رئيس المحكمة وعضوية حضرتي القاضيين مصطفى عبد المجيد وأحمد رشيد).

يُعدّ جون إسبوزيتو أحد أبرز المتخصصين في العلاقات الإسلامية - الغربية في العالم، ورائدًا من رواد الدراسات الإسلامية المعاصرة في الأكاديمية الغربية؛ إذ استطاع عبر مؤلفاته المرجعية وإدارته لمركز "الفهم الإسلامي - المسيحي" بجامعة "جورجتاون" أن يطرح رؤية نقدية متوازنة تعيد تشكيل الوعي المعاصر بالقيم الإسلامية وتناهض أدبيات الصدام الحضاري. وفي إطار رسالة موقعنا «حوارات الشريعة والقانون» الساعية إلى تجسير الفجوات المعرفية ومدّ جسور الحوار بين الفكر الإسلامي والأنساق القانونية والحضارية المعاصرة. يسعدنا أن نضع بين أيديكم هذه الترجمة المختصرة لسيرته العلمية، متضمنة إطلالة على أبرز إسهاماته الفكرية وقائمة بأبرز مؤلفاته؛ لتقريب إنتاجه الثري للأوساط البحثية، وإتاحة نافذة مرجعية تعكس مسارات دراسة الشريعة ومستجداتها في سياقها الإنساني والمقارن.

 

السيرة الذاتية:

ولد جون إسبوزيتو في نيويورك عام 1940، لأسرة إيطالية كاثوليكية متديّنة، وقضى في صباه عشر سنوات في أحد أديرة الرهبان الفرنسيسكان لتهيئته ليصبح قسيسًا، ولكنه تحول بعدها إلى الدراسة المدنية، والتحق بجامعة سانت جون حيث حصل على درجة البكالوريوس في اللاهوت.

التحق بجامعة تمبل لاستكمال دراسته العليا، وتعرف من خلالها على الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي -وهو أحد مشرفيه- وقد نصحه أن يدرس مقرّرًا في الإسلام ضمن دراساته للدكتوراه، وبعد تردد درس المقرر فكان هذا اكتشافًا محوريًا في حياته، إذ وجد الإسلام يعترف بأنبياء العهد القديم، وبالمسيح، ووجد سورة مخصّصة للسيدة مريم في القرآن، وهو ما لم يوجد في الإنجيل، وهذا ما جعله يضع قضية التفاهم بين الإسلام والغرب على رأس أولوياته.

يذكر إسبوزيتو أنه عندما أنهى دراسته في مطالع السبعينيات، لم تكن هناك وظائف في مجال الدراسات الإسلامية،  وقد تقدم بطلبات إلى العديد من الجامعات المرموقة لوظائف مختلفة، ولكن لم تتح له إلا وظيفة في كلية الصليب المقدس في ماساتشوستس، ولم يكن  هناك أي ناشر أمريكي مهتمًا بنشر أوراقه البحثية أو مقترحات كتبه عن الإسلام،  ولكن كل شيء تغير مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، التي جعلت الغرب راغبًا في التعرف على الإسلام، وفي هذا السياق صار إسبوزيتو واحدًا من الخبراء المعدودين في الشأن الإسلامي؛ إذ سمح له بالسفر إلى إيران ومقابلة آية الله الخميني، وعقب عودته طلب منه تثقيف الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كانوا عاجزين عن فهم دواعي عودة الإسلام كنظام للحكم.

 

مسيرته المهنية:

عمل إسبوزيتو أستاذا في كلية الصليب المقدس طيلة عقدين كاملين واستطاع أن يؤسس أول برنامج للدراسات الإسلامية المهمة في الجامعات الأميركية. وفي عام 1993 انتقل إلى جامعة جورجتاون وكانت إسهاماته فيها غير مسبوقة وعظيمة؛ فقد كان له دورٌ محوري في تأسيس كرسي ماليزيا لدراسة الإسلام في جنوب شرق آسيا، وصندوق حسيب صباغ لدراسة العالم الإسلامي. كما حصل إسبوزيتو على منحةٍ سخية من مؤسسة الوليد لتمويل مركز التفاهم الإسلامي المسيحي الذي تحول عام 2005 إلى "مركز الوليد بن طلال للحوار الإسلامي المسيحي"، حيث شغل منصب المدير المؤسس، وأطلق أيضًا "مبادرة الجسر"، وهي عبارة عن مشروع لرصد وتوثيق ومكافحة الإسلاموفوبيا على مستوى العالم.

ارتبط اسم إسبوزيتو بعدد من المشاريع البحثية الوثيقة الصلة بالإسلام، فقد شغل منصب رئيس تحرير موقع "أكسفورد للدراسات الإسلامية على الإنترنت"، ومحرر سلسلة "مكتبة أكسفورد للدراسات الإسلامية"، ورئيس تحرير موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي، وموسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث، وقاموس أكسفورد للإسلام.

 

آراؤه الفكرية:

كان إسبوزيتو باحثًا شجاعًا، تحدّى التصورات الاستشراقية الخاطئة عن الإسلام والمسلمين، ورفض النظر إلى الإسلام على أنه "الآخر" بل نظر إلى التراث الإسلامي على أنه تجربة ضمن تجارب الجهود البشرية الرامية إلى بناء عالم عادل وأخلاقي.

حاول في مؤلفاته أن يفهم ويفسر السياسة الدينية لا من منظور الغرب الإمبراطوري، كما يفعل جل الدارسين العربيين، بل من منظور المظلومين والمحتلين والمضطهدين، وجعله هذا متعاطفا مع القضايا الإسلامية. وقيل في تفسير هذا التعاطف إنه نبع من خلفيته الكاثوليكية التي تسعى -كما الإسلام- للتوفيق بين جذورها التاريخية ومبادئها الأخلاقية ومتطلبات الحداثة. كما أظهر تعاطفًا مع معاناة شعوب الجنوب العالمي، وخاصة في العالم العربي والإسلامي، حيث أظهر تأييده للقضية الفلسطينية، ولهذا ركزت واحدة من أهم لوبيات إسرائيل في القطاع الأكاديمي، وهي مجموعة "مراقبة الجامعات" هجماتها عليه منذ إنشائها في 2002 حتى قبل وفاته بفترة وجيزة؛ إذ احتجت على إعادة دار جامعة أوكسفورد نشر كتابه "الإسلام: الصراط المستقيم".

 

مؤلفاته:

كان إنتاج إسبوزيتو الفكري غزيرًا للغاية. فقد نشر أكثر من 55 كتابًا، معظمها مع مطبعة جامعة أكسفورد. تُرجمت هذه الكتب إلى عشرات اللغات، من بينها العربية والتركية والفارسية والإندونيسية والأردية واللغات الأوروبية واليابانية والصينية، وبعضها كان ضمن المقررات الدراسية الأساسية في الجامعات والكليات حول العالم.

من بين مؤلفاته:

  • "مستقبل الإسلام".
  • "الإسلاموفوبيا".
  • "تحدي التعددية في القرن الحادي والعشرين".
  • "من يتحدث باسم الإسلام؟".
  • "ما يفكر فيه مليار مسلم حقًا".
  • "حرب غير مقدسة: الإرهاب باسم الإسلام".
  • "التهديد الإسلامي: خرافة أم حقيقة؟".
  • "الإسلام والسياسة".
  • "صناع الإسلام المعاصر".
  • "الإسلام والديمقراطية".

 

الجوائز

تقديرًا لإسهاماته المتميزة في البحث العلمي والحياة الفكرية والعامة، مُنح إسبوزيتو سبع شهادات دكتوراه فخرية. وحصل على جائزة مارتن إي. مارتي من الأكاديمية الأمريكية للدين للفهم العام للدين، وجائزة قائد أعظم من باكستان للإسهامات المتميزة في الدراسات الإسلامية، وجائزة الأستاذ المتميز من كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون، بالإضافة إلى جائزة الإنجاز البحثي الوظيفي من جامعة جورجتاون.

 

وفاته:

توفي مؤخرا متأثرا بمضاعفات جراحة قلبية أجريت له، وذلك في منتصف يوليو تموز عام 2026.

 

 

يسر موقعنا »حوارات الشريعة والقانون« أن يقدم لقرائه الأفاضل هذا النص التفريغي المحرَّر والموجز لمحاضرة الفقيه الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام** (رحمه الله)، والتي تناول فيها إحدى أكثر القضايا محورية في الفكر الفقهي والقانوني المعاصر: »السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة«.  وتكمن أهمية هذه المحاضرة في تقديمها لرؤية ضابطة تجمع بين جلال النظر المقاصدي ومتطلبات الإدارة العمرانية والتطبيق القانوني السليم، مؤكدًا على التمييز الدقيق بين التكليف التعبدي والتنظيم الاجتماعي الدنيوي.

نضع بين أيديكم هذا التفريغ مقسَّمًا إلى محاوره وعناوينه الرئيسية؛ ليكون مدخلاً مركزًا يستجلي الضوابط المنهجية للتعامل مع النصوص والوقائع، ويكشف عن التكامل بين عمل الفقيه وأهل الاختصاص في تشخيص الواقع، فضلاً عن تأصيل قيود السلطة ومبدأ الفصل بين الوظائف في التجربة الإسلامية. نأمل أن يشكل هذا النص مادة علمية تُمكّن الباحثين وتُثري النقاش المعاصر حول تجسير الفجوة بين النص والتطبيق.

 

مقدمة وتمهيد:

«بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد نبي العالمين. شكرًا لحكومة الشارقة وللقائمين على هذا المنتدى الإسلامي الرفيع المستوى فكرًا وحضورًا وأداءً. إن الموضوع الذي أُنِيطَ بي أن يكون موضوعًا لهذه المحاضرة هو استكمال وامتداد لما عرضه شيخي وأستاذي المستشار طارق البشري؛ فموضوع المحاضرة عن "السياسة الشرعية والمقاصد الشرعية"، والأمر يحتاج إلى ضبط بعض الموضوعات التي أرى أن في ضبطها ما يضيء الطريق، ويحدد الموضوع، ويبلور المنهج ويجعله واضحًا.»

المحور الأول: الضوابط الأربعة لتأسيس العلاقة بين المقاصد والسياسة الشرعية

تحدد المحاضرة أربعة ضوابط منهجية رئيسية لضبط العلاقة بين المنظومتين:

١. المنظور الدنيوي الاجتماعي للسياسة الشرعية

حينما نتحدث عن السياسة الشرعية، فإننا ننظر إليها من المنظور الدنيوي الاجتماعي؛ أي في إطار المجتمع والتنظيم الإنساني، ولا ننظر إليها في إطار علاقة الإنسان الفردية بربه (التعبد المحض)، ولا في إطار موضوع الآخرة؛ لأن القران الكريم قد حدد أن الإنسان يعود إلى خالقه فردًا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرَدًّا﴾.

٢. البعد التشريعي للمقاصد وتمايز القانون عن الأخلاق

إن النظر إلى المقاصد الشرعية هنا يكون في بعدها التشريعي القانوني وليس باعتبارها مجرد جزء من منظومة القيم الأخلاقية الوجدانية؛ فالقانون أضيق نطاقًا من الأخلاق:

  • الأخلاق: عنصر الإلزام فيها يتمثل في الضمير الفردي.
  • القانون: عنصر الإجبار فيه يتعلق بالسلطة العامة وقدرتها على الإكراه وتطبيق الأحكام.

٣. تدرج دوائر التعامل مع النص الشرعي

إن دوائر التعامل مع النص الشرعي في ضوء السياسة الشرعية ليست متساوقة بل تتدرج في الاتساع:

  • دائرة استنباط الأحكام: وتضيق فيها مساحة السياسة الشرعية لخضوعها لقاعدة «لا اجتهاد مع النص».
  • دائرة تقنين الأحكام: وتتسع نطاقًا لأن الأمر فيها يتعلق برعاية مصالح العباد.
  • دائرة التطبيق والتنزيل: وتصل فيها السياسة الشرعية إلى أقصى درجات الاتساع لأنها تتعلق بـ أحوال الأفراد وواقعهم الزماني والمكاني المعين.

٤. التفرقة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي (المعنى الأصولي vs المعنى الفقهي)

ينطلق الحكم الشرعي هنا من نوعيه (التكليفي والوضعي):

  • الحكم التكليفي: يتحرك في مجال الخطاب المجرد والطلب.
  • الحكم الوضعي: يتحرك في الواقع المحدد والمعين (توافر الأسباب، وجود الشروط، وانتفاء الموانع).
  • التغير بتغير الأحوال: نظرية تغير الأحكام لا تنطبق على الحكم بالمعنى الأصولي (خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين خارج الزمن)، وإنما تنطبق على الحكم بالمعنى الفقهي التطبيقي الذي يتعامل مع الواقع والزمن.

 

المحور الثاني: مفهوما السياسة الشرعية ودور أهل الاختصاص

  1. دوائر مفهوم السياسة الشرعية

تتحرك السياسة الشرعية بين دائرتين:

الدائرة الأولى (المفهوم العام): تشمل أوامر الحكام وقواعد الفقه الإسلامي؛ فهي علم تدبير المجتمع في كافة شؤونه.

الدائرة الثانية (المفهوم الخاص): سلطة ولي الأمر في ملء "المساحات الشاغرة" والتنظيم عند عدم وجود نصوص مباشرة.

  1. مراحل العملية القضائية وتوصيف الواقع

يقوم القاضي أو المشرع بعمليتين أساسيتين:

توصيف الواقعة: ليست عملية فقهية بالدرجة الأولى، بل هي مهمة أهل الاختصاص (من أطباء، واقتصاديين، وعلماء نفس واجتماع)، إعمالاً لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

إدراج الواقعة تحت الحكم: وهذه هي المهمة الأصيلة للفقيه والقاضي والمفتي.

  1. الشرعية والمشروعية (قصة الخديوي إسماعيل وعلماء الأزهر)

السياسة الشرعية في جوهرها هي صناعة المجتمع على عين أحكام الشريعة.

واقعة تاريخية:

أورد المحاضر ما ذكره الشيخ محمد سليمان في كتاب «من أخلاق العلماء»؛ أنه إبان هزيمة جيوش الخديوي إسماعيل في السودان، طلب من علماء الأزهر (برئاسة الشيخ العروسي) الدعاء بالنصر، فدعوا ليل نهار ولم يتغير الحال. فلما سألهم الخديوي عن السبب، سكت العلماء إلا عالمًا شابًا برز وقال له: "هذا منك أنت يا إسماعيل! روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليُسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم... أليس الربا جائزًا بقانون؟ أليس الزنا بتراخيص؟ أليست الخمور مباحة؟".

المغزى: السياسة لا تكون «شرعية» إلا إذا كانت غايتها صياغة المجتمع ومؤسساته وفق مقاصد الشريعة ورعايتها.

 

المحور الثالث: السياسة الشرعية وتدعيم الإيمان (الدين كمقصد)

تتقاطع السياسة الشرعية مع المقاصد عبر «نظرية الحفظ» (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال)، حيث تفتح المقاصد أمام السياسة الشرعية طريقين رئيسيين لتدعيم الدين:

١. فتح باب الاجتهاد واستيعاب المتغيرات

  • مناقشة مقولة (النصوص متناهية والوقائع غير متناهية): ويرى المحاضر أن العكس هو الصحيح عقلاً؛ فالنصوص (خطاب الله) غير متناهية لكونها خارج الزمن، بينما الوقائع متناهية لأنها حادثة داخل الزمن المحصور. وقد بين الإمام الآمدي أن مراد العلماء بالتناهي هو "قابليتها للعد والحصر".
  • مناهج العلماء في تعليل المصالح:
    • اتجاه العز بن عبد السلام وابن قيم الجوزية: يجعل للعقل دورًا استقلاليًا في درك مصالح الدنيا ومفاسدها بالضرورات والتجارب.
    • اتجاه الشاطبي والقرافي: يجعل الأدلة العقلية خادمة ومبنية على الأدلة السمعية ومحققة لمناطها.
  • إبطال دعاوى العلمانية: استشهد المحاضر بتحليل المفكر فهمي جدعان بأن دخول «حفظ الدين» في الكليات الخمس يحول دون قيام ما يسمى "علمانية إسلامية"؛ لأن الشريعة تشمل الدين والدولة وتطبيق الأحكام.

٢. إغلاق باب التعصب المذهبي وتفعيل أدب الخلاف

  • التعصب المذهبي يؤدي إلى إغلاق النصوص وجمود التقليد، وهو عدوان على مقاصد حفظ الدين والعقل.
  • استحضار علم الخلاف بنوعيه:
    • الخلاف النازل: الخلاف الفقهي داخل المدرسة الواحدة (كأبي حنيفة وصاحبيه، أو مالك وابن القاسم).
    • الخلاف العالي: الخلاف بين المذاهب الإسلامية المتعددة، ثم بين العائلة القانونية الإسلامية والعائلات القانونية العالمية (كاللاتينية والأنجلوسكسونية كما أقر مؤتمر باريس للقانون المقارن 1936م).

 

المحور الرابع: السياسة الشرعية وتنظيم العمران

استنادًا إلى القاعدة الخلدونية الشهيرة «الظلم مؤذن بخراب العمران»، تعمل السياسة الشرعية في المجال العام لتنظيم العمران عبر مسارين:

١. دفع التهرج والفساد

عن طريق إيجاد أطر مؤسسية وتنظيمية:

  • نظام الحسبة: نظام إسلامي مبتكر للرقابة والمحافظة على النظام العام والمقاصد في السوق والمجتمع (مقارنةً بنظام "الإيديل" عند البيزنطيين والرومان).
  • النظام القضائي: استحدثت الشريعة القضاء وأطر الإثبات وكفالة نظام المشورة (المشاور القضائي) لحفظ الحقوق وتطبيق العدالة.

٢. منع الظلم والاستبداد

وضعت الشريعة قيودًا ضابطة على سلطة أولياء الأمور، ومن ضمنها مبدأ الفصل بين السلطات؛ حيث أكد المحاضر أن التاريخ الإسلامي مارس الفصل بين السلطات عمليًا (ممارسةً لا نصًا تشريعيًا مجردًا)، حيث كان استقلال القاضي والمفتي تامًا عن السلطة الحاكمة، وأن الشريعة تستوعب كل تجربة إنسانية ترسي الحكم الرشيد وتدرأ الاستبداد.

 

الخاتمة

«إن السياسة الشرعية تفتح أبوابها لكل خبرة بشرية وتفكير إنساني يجعل الحكم رشيدًا والحاكم عادلاً. وليس في نصوص الشريعة ولا في عمل الصحابة ما يوجب الجمع بين السلطات أو حظر الفصل بينها، وكل ما هنالك أنهم استجابوا لداعي الضرورة فاستحدثوا من النظم ما هدتهم إليه التجربة والممارسة. وإذا كانت الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن الأخذ بهذه الوسائل في العصور التي طغت فيها الأهواء هو عين الحكمة والموافقة لغرض الشارع..

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

 

** فقيه قانوني ومفكر إسلامي مصري، جمع ببراعة بين التخصص في الشريعة والقانون الوضعي، شغل منصب أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، عُرف بمنهجه التجديدي القائم على مقاصد الشريعة، وترك إرثًا علميًا ثريًا.

كتاب "الحدود في الإسلام ومقارنتها بالقوانين الوضعية" هو كتاب نادر، ولم ينشر على الشبكة العنكبوتية من قبل، ويعد من أوائل إصدارات مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر؛ حيث صدر في غرة صفر 1394ه= مارس 1974م (السنة السادسة، العدد 72 من سلسلة البحوث الإسلامية). وهو يتناول قضية التوفيق بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، ويفترض إن العائق الأكبر أمامه هو مسألة الحدود التي يكون فيها الإسلام على طرف نقيض من القوانين، أما باب (المعاملات) في الفقه فإن التوفيق يبدو -للمصنف- يسيرا، وعليه يسعى الكتاب إلى إبراز حكمة التشريع الإسلامي في قضايا الحدود كل على حدة.

مؤلف الكتاب هو الشيخ الجليل الدكتور محمد محمد أبو شهبة أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر، والذي ولد في قرية منية جناج بمدينة دسوق في عام (1914 م/1332 هـ)، التحق بكلية أصول الدين ثم واصل دراسته العليا حتى نال شهادة العالمية (الدكتوراه) في الحديث الشريف عام (1946م). شغل الشيخ منصب عميد كلية أصول الدين بأسيوط عام (1969م) وأعير مدرسا في كليات الشريعة في السعودية والعراق والسودان. خلف الشيخ تراثا فكريا ضخما نذكر منه: المدخل في دراسة القرآن الكريم (مجلد)، أعلام المحدثين (مجلد)، شرح المختار من صحيح مسلم (مجلد) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة (مجلدان)، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث (مجلد)، توثيق الباري في شرح صحيح البخاري (مخطوطة ضخمة تقع في خمسة عشر مجلدًا ولم تر النور بعد). توفي الشيخ في عام (1983م/1403ه).

 

محتويات الكتاب:

سار المصنف رحمه الله في الكتاب على هدى المصنفين الإسلاميين الذين لم يعتمدوا الطريقة الحديثة في تصنيف الكتب إلى فصول وأبواب وما شابه، وعلى ذلك جاءت موضوعات الكتاب متتابعة لا يفصلها فاصل.

افتتح الكتاب بمقدمة تناولت وجوب الحكم والعمل بالشريعة الإسلامية ذكر فيها كثير من النصوص التي تنهى عن العمل بغير شريعة الإسلام، ودعت إلى "الاستقلال التشريعي" إذ لم يعد بعد الاستقلال السياسي بُدًا من الاستقلال التشريعي بتطبيق الشريعة، والتي كانت تجري محاولات لتقنينها في مصر في ذلك الوقت.

وقد تضمن الكتاب سلسلة من المقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية؛ المقارنة الأولى دارت حول أصل ومنشأ كل من الشريعة والقانون الوضعي، والثانية تناولت مدار عمل الشريعة التي تشمل ظواهر الأعمال وبواطنها، ومدار عمل القانون، والثالثة اختصت ببيان موقف كل منهما من الأخلاق، والرابعة درست موقفهما من مبدأ المساواة التشريعية.

درس القسم الأكبر من الكتاب مسألة الحدود فعرف أولا بالحدود وميز بينها وبين التعازير والقصاص، ثم تناول الحدود كل على حدة (الزنا، القذف، السرقة، الخمر، الحرابة، الردة).

 

خلاصة الكتاب:

اختتم المؤلف كتابه بخلاصة ضمنها أهم ما انتهى إليه من حقائق، وننقلها فيما يأتي بنصها:

(1) قد ظهر أن تشريعات الله تبارك وتعالى هي أعدل التشريعات، وأوفاها بحاجات الناس وتوفير السعادتين: الدنيوية والأخروية، وأنه لا يصلح البشرية إلا تطبيقها تطبيقا كليا، والعمل بها.

وها هي ذي القوانين الوضعية قد ظهر فشلها في إصلاح أحوال المجتمعات ولا سيما الإسلامية منها، فلنجرب العمل بالشريعة الإسلامية الغراء، وسنرى إن شاء الله تعالى أنها ستؤمن الناس على دمائهم، وأغراضهم، وأموالهم، ولا سيما أنها قد أظهرت صلاحيتها وإصلاحها مدة ثلاثة عشر قرنا، قبل أن يدخل على المسلمين هذا البلاء، والشر المستطير.

(2) قد تبين لنا أن التشريعات الإسلامية في باب الحدود ليست قاسية، ولا عارية من الرحمة كما زعم الزاعمون، وتدعو بتساهلها الى الفسق والفجور كما قال ذلك الكثيرون من رجال القضاء، وأن التشريعات الإسلامية مبنية على أساس قويم من العلم والخبرة بالنفوس، ولا كذلك القوانين الوضعية على نحو ما فصلنا سابقا.

(3) إن هذه الشريعة هي التي كونت خير أمة أخرجت للناس، في عقيدتها، وفي عباداتها، ومعاملاتها، وأخلاقها، وكونت أفضل مجتمع عرفته البشرية في تاريخها الطويل: مجتمع قائم على العدل، والرحمة والإخاء، والمحبة والتكافل الاجتماعي، والتعاون على البر والخير. ولن تصلح هذه الأمة اليوم إلا بما صلح به أولها، فاذا أراد المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن يعود لهم مجدهم، وترجع لهم عزتهم، ويعود لهم مجتمعهم كما كان تقيا من الشوائب، حافلا بكل أنواع الفضائل فليعضوا على شريعتهم بالنواجذ، ويأخذوا بها في كل شئون حياتهم الدينية، والسياسية والأخلاقية، والاقتصادية. أما أن يأخذوا منها ببعضها، ويدعوا الجانب المهم منها، فذلك أمر يأباه التدين الصحيح، وتأباه العقول الصحيحة، والفطر السليمة، والمنطق القويم.

(4) إن هذه الشريعة هي التي تمخض عنها أعظم الحضارات الإنسانية، وهي حضارة الإسلام القائمة على الإيمان، والعلم، والتي جاءت كافية لمطالب الروح ومطالب الجسد، فلا هي روحانية صرفة معزولة عن الحياة، ومتطلباتها، لا يهمها إلا تعذيب الجسد، وإغفال مطالبه كبعض الملل والنحل، ولا هي مادية بحتة تنقل مطالب الروح، وتجعل من الإنسان مخلوقا حيوانيا، وآلة صباء لا روح فيها، وبذلك كانت حضارة وسطا، وخير الأمور أوساطها، والفضيلة وسط بين وذيلتين كما قال الحكماء.

(5) قد يتعلل بعض المعوقين عن العمل بالشريعة الإسلامية بأن في معظم الدول الإسلامية والعربية جماعات أخرى غير مسلمة. وهذا عذر غير مقبول فقد أصبحت الدول الإسلامية والعربية أمرها بيدها، وانقضى عهد الامتيازات، وعهد التسلط والاستعمار وأصبحت القوانين تسرى على الجميع لا فرق بين مسلم، ومسيحي، ويهودي في شئون المعاملات والجنائيات وغيرها، فلماذا لا تطبق الشريعة الإسلامية في مسائل الحدود على الجميع؟! ولا سيما أنها يقصد بها إصلاح المجتمعات، والقضاء على عوامل الإفساد بالتعدي على الدماء، والأعراض والأموال، والحفاظ على الأنساب، والعقول، والأجسام؟! هذا الى أن الكثرة الكاثرة في كل بلد إسلامي، وعربي إنما هي للمسلمين، وغيرهم قليلون بالنسبة اليهم، فليسع غير المسلمين ما يسع المسلمين! على أن في بعض المذاهب الفقهية فيما ذكرنا ما فيه الخروج من بعض العقبات التي قد تصادفنا عند التنفيذ، والتطبيق العملي.

وختاما ما أقول:

إما أن نكون، وتكون لنا شخصيتنا الإسلامية المتميزة، ونحكم بشرع ربنا، أو لا نكون، ولا تكون لنا شخصية إسلامية مستقلة: ونعيش عالة على قوانين غيرنا المهلهلة المرقعة.

 

  (هنا) لتحميل ملف الكتاب

 

 

يقدم هذا الحكم التاريخي الصادر عن المحكمة الدستورية العليا المصرية (جلسة 15 مايو 1993) نموذجًا فريدًا للقضاء التأصيلي الذي يجمع بين صرامة التكييف الدستوري وعمق النظر الفقهي المقاصدي. فمن خلال معالجة الطعن في قانون الأحوال الشخصية (رقم 100 لسنة 1985)، أرست المحكمة معايير واضحة لضبط مفهوم «القوانين المكملة للدستور»، كما كرّست الضوابط الأصولية للتفرقة بين الأحكام الشرعية القطعية والظنية إعمالًا للمادة الثانية من الدستور، لتصل من خلالها إلى الفلسفة التشريعية الحاكمة لمصلحة المحضون، والمتعة، وشغل مسكن الزوجية.

 

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 15 مايو سنة 1993م الموافق 23 ذو القعدة سنة 1413هــ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر              رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله           أعضاء

وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب          رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد                              أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 7 لسنة 8 قضائية "دستورية "*.

 

المقامة من

السيد/ أحمد أمين احمد العطار

ضد

1 - السيد/ رئيس الجمهورية

2 - السيد/ رئيس الوزراء

3 - السيد/ المستشار وزير العدل

4 - أميمة محمد زكريا محمد السيد

 

"الإجراءات"

بتاريخ 18 مارس سنة 1986 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبًا الحكم بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1985 برمته شكلًا، وفى الموضوع الحكم بعدم دستورية مواد هذا القانون خاصة مادته الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية، وكذلك ما أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هى المواد (5 مكررًا) في فقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(18 مكررًا ثالثًا) و(23 مكررًا) في فقرتيها الثانية والثالثة.

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، دفعت فيها بعدم قبول الدعوى، كما طلبت رفضها وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

"المحكمة"

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل في أن المدعي عليها الرابعة كانت قد أقامت الدعوى رقم 1141 لسنة 1985 شرعي كلى الجيزة ضد المدعي بطلب تمكينها من الاستقلال بمسكن الزوجية المبين بالأوراق لحضانتها ابنها منه "هيثم"، ومنع تعرضه لها في ذلك. كما كانت المدعي عليها نفسها قد أقامت الدعوى رقم 1140 لسنة 1985 شرعي كلى الجيزة بطلب الحكم لها قبل المدعي بمتعة تعادل نفقة عشر سنين. وإذ دفع المدعي - في الدعوى الماثلة - أمام محكمة الموضوع في هاتين الدعويين كلتيهما بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وكانت محكمة الموضوع قد صرحت له برفع الدعوى الدستورية - بعد أن قدرت جدية دفعه- فقد أقام الدعوى الماثلة.

وحيث إنه بجلسة 4 من يوليه سنة 1992 حضر الأستاذ/ أمين صفوت المحامي وطلب قبول تدخله منضمًا إلى المدعي في طلباته في شأن المادة (18 مكررًا ثالثًا) المتعلقة باستقلال الصغار وحاضنتهم بمسكن الزوجية.

وحيث إن المدعي ينعى على القانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليه - صدوره بالمخالفة للأوضاع الشكلية التي تطلبتها المادة (194) من الدستور، على أساس أن مجلس الشورى وفقًا لحكمها يختص بدراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بالحفاظ على المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا وتندرج تحتها الأسرة التي نص الدستور في مادته التاسعة على أنها أساس المجتمع، وأن قوامها الدين والأخلاق والوطنية بما مؤداه: أن إغفال عرض القانون رقم 100 لسنة 1985 المشار إليه على مجلس الشورى قبل تقديمه إلى السلطة التشريعية لإقراره، إنما ينحل إلى إهدار لشكليه جوهرية لا يقوم هذا القانون سويًا على قدميه بتخلفها.

وحيث إن الباب السابع من الدستور- المضاف بعد تعديله في 22 مايو سنة 1980- تضمن أحكامًا جديدة خص الدستور بها مجلسًا وليدًا أنشأه لأول مرة هو مجلس الشورى، وأفرده بها، وبوجه خاص فيما يتعلق باختصاصاته، وكيفية تشكيله، ومدة عضويته، ومدى مسئولية رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء أمامه، وشروط حله، وقد حدد الدستور اختصاص هذا المجلس في مادتين هما المادتان (194، 195) منه، وبهما أخرج الدستور من ولايته ممارسة الوظيفة التشريعية التي ينعقد الاختصاص بها لمجلس الشعب دون غيره، وقصر مهمته على مسائل بذاتها يؤخذ رأيه فيها، وأخرى يتولى دراستها مبديًا وجهة نظره في شأنها، وفى هاتين الحالتين كلتيهما، عين الدستور هذه المسائل تعيينًا دقيقًا، وحددها حصرًا مما مؤداه: امتناع الإضافة إليها أو التبديل فيها أو القياس عليها.

وحيث إن البين من هاتين المادتين أن أولاهما تتناول ولاية مجلس الشورى في شأن المسائل الكفيلة بالحفاظ على ثورتي 23 يوليو سنة 1952 و 15 مايو سنة 1971، وكذلك تلك المتعلقة بدعم الوحدة الوطنية وصون السلام الاجتماعي وحماية قوى الشعب العاملة في تحالفها ومكاسبها الاشتراكية، وإرساء المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا، وضمان حقوق المواطن وحرياته وأدائه لواجباته العامة، وتعميق النظام الاشتراكي الديموقراطي وتوسيع مجالاته. وتقتصر مهمة المجلس في شأن هذه المسائل جميعها على دراستها وقوفًا على جوانبها، واستظهارًا لوجهات النظر المتباينة في مجالها، وعرضها معززة بأدلتها مقرونة بما يراه صائبًا منها محققًا للمصالح التي قصد الدستور إلى حمايتها، ولا تعدو مهمته بالتالي - في نطاق دراسته للمسائل التي عينتها المادة (194) من الدستور- مجرد معاونة الدولة - من خلال سلطاتها المختلفة وتنظيماتها المتعددة - على أن تتخذ قراراتها في شأن هذه المسائل محيطة بشتى زواياها، واعية بآثارها الإيجابية وانعكاساتها السلبية، وذلك كله في إطار من الموضوعية المنزهة عن الميل، أو الانحياز لوجهة نظر بذاتها لا تعززها الحقائق العلمية، ومن ثم تنحل الدراسة التي يجريها مجلس الشورى للمسائل التي حددتها المادة (194) من الدستور، إلى غوص في أعماقها تجلية لجوانبها المختلفة بلوغًا لغاية الأمر فيها، وهى بعد دراسة يقوم بها المجلس غالبًا بمبادرة من جانبه. وليس ثمة التزام على أية جهة بطلبها منه، وهو يقرر كذلك أولوياته في مجالها ويستقل بتقدير ما يراه ملحًا منها. وقيمتها العملية لا خفاء فيها. لأنها تتناول مسائل لها خطرها بقصد اقتحام مشكلاتها، والتوصل إلى حلول واقعية لها توطئة للعمل بها كلما كان ذلك ممكنًا ومفيدًا. وبالتالي لا يعتبر عرض أي  موضوع مما يندرج تحتها على هذا المجلس التزاما مترتبًا بحكم الدستور، وآية ذلك أن الدستور حرص على أن يفصل بصورة قاطعة بين مهمة المجلس وفقًا لنص المادة (194) من ناحية، وبين الولاية التي يباشرها في إطار المادة (195) منه من ناحية أخرى، مما مؤداه: أن هاتين المادتين لا تختلطان ببعضهما، ولا يجوز القول بامتزاجهما، إذ لو صح ذلك لأدمجهما الدستور في مادة واحدة يكون اختصاص مجلس الشورى في شأن المسائل التي تندرج تحتها محيطًا بها جميعًا، أيًا كان نطاق هذا الاختصاص أو الأغراض التي يتوخاها، وهو ما قام الدليل على نقيضه، ذلك أن المادة (195) من الدستور قوامها أن يؤخذ رأى مجلس الشورى وجوبًا في مسائل بذواتها غير التي حددتها المادة (194) منه، ولها من الأهمية والخطر ما يقتضى أن يكون عرضها عليه كي  يقول كلمته فيها، أمرًا محتومًا. وتنحصر هذه المسائل في كل اقتراح يكون متعلقًا بتعديل مادته أو أكثر من مواد الدستور، وكذلك كل مشروع لقانون يكون مكملًا للدستور، وكل معاهدة يكون موضوعها صلحًا أو تحالفًا أو متعلقًا بحقوق السيادة أو من شأنها التعديل في النطاق الإقليمي للدولة، وكل مشروع يتناول الخطة العامة للدولة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكل مشروع قانون يحيله إليه رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى أية موضوعات يحيلها رئيس الجمهورية إليه وتتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشئون العربية أو الخارجية. وهذه المسائل التي حددتها المادة (195) من الدستور، يجمعها أن الدستور قدر حيوية المصالح المرتبطة بها، وأن اتخاذ قرار فيها قبل أن يدلى مجلس الشورى برأيه في نطاقها بعد عرضها عليه تكتنفه محاذير واضحة مرجعها رجحان أن يصدر هذا القرار متسرعًا أو مبتسرًا. ومن ثم كان عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها وجوبيًا باعتبار أن ذلك شكلية جوهرية لا يجوز إهمالها أو التجاوز عنها، بالنظر إلى دقة المسائل التي عينتها المادة (195) وما يقتضيه بحثها من تعمق، وبوجه خاص في جوانبها المتعلقة بالتنمية في مجالاتها المختلفة، وبالحدود الإقليمية للدولة التي تمتد إليها سيادتها، وبالشرعية الدستورية التي ترسى الدولة عليها دعائمها.

متى كان ما تقدم، وكانت مشروعات القوانين المكملة للدستور من بين المسائل التي يتعين عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية الأصلية ممثلة في مجلس الشعب، فإن إقرار السلطة التشريعية لقانون مكمل للدستور دون اتباع هذا الإجراء لن يقيله من عثرة مخالفته للأوضاع الشكلية التي تطلبتها المادة (195) من الدستور، ولن يرده بالتالي إلى دائرة المشروعية الدستورية في جوانبها الإجرائية، إذ يعتبر القانون الصادر على خلافها مفتقرًا إلى مقوماتها كإطار لقواعد قانونية اكتمل تكوينها، ويقع من ثم مشوبًا بالبطلان.

وحيث إن "القوانين المكملة للدستور" وأن نص الدستور على حتمية عرض مشروعاتها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها، إلا أن إيراد الدستور لهذه العبارة لم يقترن بما يعين على إيضاح معناها بما لا خفاء فيه، فحق على هذه المحكمة أن تبين المقصود بها قطعًا لكل جدل حولها، ولضمان إرساء العلاقة بين مجلس الشعب- ومجلس الشورى على أسس ثابتة تكفل مباشرة كل منهما لولايته في الحدود التي رسمها الدستور لهما- فلا يجور أحدهما على الآخر مفتئتا على اختصاصاته الدستورية، مقتحمًا تخومها، وكان لا مقابل لعبارة "القوانين المكملة للدستور" في الدساتير المصرية السابقة على الدستور القائم، وليس ثمة أعمال تحضيرية يمكن الارتكان إليها في تجلية معناها، ولا شبهة كذلك في أن انبهامها آل إلى غموض المعايير التي قيل بها ضبطًا لفحواها وتحريًا لدلالتها، وكان المشرع لا زال عازفًا عن التدخل في هذا المجال سواء باعتناق معيار منها أو بإبدالها بمعيار من عنده يمزج بينهما أو يقوم على أنقاضها، إلا أن ذلك كله لا يجوز أن يحول بين هذه المحكمة وبين مباشرة ولايتها في مجال إعمال النصوص الدستورية، إذ هى التي يقوم من خلال تفسيرها على ربطها ببعض على ضوء المقاصد الحقيقية التي ابتغاها الدستور منها، وبما يرد عنها الغموض، بما مؤداه: أن النصوص الدستورية جميعها غير مستعصية على التحديد من ناحية، وأنه يتعين من ناحية أخرى أن يكون لكل منها مجال يعمل فيه، متكاملًا في ذلك مع غيره من النصوص. ومن المحقق، فإن عبارة "القوانين المكملة للدستور" وإن كانت جديدة كل الجدة، فريدة في بابها، ولا تعرفها الدساتير المقارنة، إلا أنها تحمل في أعطافها ضوابط تحديد معناها، ذلك أن الدستور من ناحية قد ينص في مادة أو أكثر من مواده على أن موضوعًا معينًا، يتعين تنظيمه بقانون، أو وفقًا للقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون. بيد أن صدور قانون في هذا النطاق لا يدل بالضرورة - ومن ناحية أخرى - على أن أحكامه مكملة للدستور، ذلك أن الموضوع الذى أحال الدستور في تنظيمه إلى القانون، قد لا تكون له طبيعة القواعد الدستورية، وليس له من صلة بها، بل يعتبر غريبًا عنها وخارجًا بطبيعته عن إطارها. ومن ثم لا يكفى لاعتبار تنظيم قانوني معين مكملًا للدستور أن يصدر إعمالًا لنص في الدستور، بل يتعين -فوق هذا- أن تكون أحكامه مرتبطة بقاعدة كلية مما تتضمنها الوثائق الدستورية عادة كتلك المتعلقة بصون استقلال السلطة القضائية بما يكفل مباشرتها لشئون العدالة دون تدخل من أية جهة. فالقاعدة المتقدمة - وما يجرى على منوالها- مما تحرص الدساتير المختلفة على إدراجها في صلبها، باعتبار أن خلوها منها يجردها من كل قيمة، فإذا اتصل بها تنظيم تشريعي قرر الدستور صدوره بقانون، أو وفقًا للقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون، دل ذلك على أن هذا التنظيم مكمل للدستور. ولا كذلك النصوص التشريعية التي لا تربطها صلة عضوية بتلك القواعد الكلية، كالقانون الذى يصدر إعمالًا لنص المادة (14) من الدستور محددًا أحوال فصل العاملين بغير الطريق التأديبي، والقانون الصادر في شأن العفو الشامل على ما تقضى به المادة (149) من الدستور أو في شأن تنظيم التعبئة العامة وفقًا لنص المادة (181) منه، فالتنظيم التشريعي الصادر في الحدود المتقدمة، ليس مرتبطًا بأية قاعدة من القواعد الدستورية بمعنى الكلمة، بل يفتقر هذا التنظيم إلى العنصر الموضوعي الذى يدخل القانون الصادر به في عداد القوانين المكملة للدستور، ولازم ذلك أن شرطين يتعين اجتماعهما معًا لاعتبار مشروع قانون معين مكملًا للدستور، أولهما: أن يكون الدستور ابتداء قد نص صراحة في مسألة عينها على أن يكون تنظيمها بقانون، أو وفقًا لقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون، أو طبقًا للأوضاع التي يقررها، فإن هو فعل، دل ذلك على أن هذا التنظيم بلغ في تقديره درجة من الأهمية والثقل لا يجوز معها أن يعهد به إلى أداة أدنى. ثانيهما: أن يكون هذا التنظيم متصلًا بقاعدة كلية مما جرت الوثائق الدستورية على احتوائها وإدراجها تحت نصوصها وتلك هى القواعد الدستورية بطبيعتها التي لا تخلو منها في الأعم أية وثيقة دستورية، والتي يتعين كي  يكون التنظيم التشريعي  مكملًا لها أن يكون محددًا لمضمونها مفصلًا لحكمها مبينًا لحدودها، بما مؤداه: أن الشرط الأول وإن كان لازمًا كأمر مبدئي يتعين التحقق من توافره قبل الفصل في أي  نزاع حول ما إذا كان مشروع القانون المعروض يعد أو لا يعد مكملًا للدستور، إلا أنه ليس شرطًا كافيًا، بل يتعين لاعتبار المشروع كذلك، أن يقوم الشرطان معًا متضافرين، استبعادًا لكل مشروع قانون لا تربطه أية صلة بالقواعد الدستورية الأصلية، بل يكون غريبًا عنها مقحمًا عليها. ودلالة اجتماع هذين الشرطين أن معيار تحديد القوانين المكملة للدستور، والتي يتعين أن يؤخذ فيها رأى مجلس الشورى قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية، لا يجوز أن يكون شكليًا صرفًا، ولا موضوعيًا بحتًا، بل قوامه مزاوجة بين ملامح شكلية، وما ينبغي أن يتصل بها من العناصر الموضوعية، على النحو المتقدم بيانه.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان قانون الأحوال الشخصية المطعون عليه، لا يتناول موضوعًا نص الدستور على أن يكون تنظيمه بقانون، فإنه أيًا كان وجه الرأي في شأن اتصال النصوص التشريعية التي تضمنها قانون الأحوال الشخصية بقاعدة دستورية بطبيعتها أو انفكاكها عنها، فإن مراعاة الشكلية المنصوص عليها في المادة (195) من الدستور لا يكون واجبًا من زاوية دستورية، إذ يتعين دومًا لاعتبار نص تشريعي  مكملًا للدستور- وعلى ما سلف بيانه - أن يكون قد تناول مسألة يعتبر موضوعها متعلقًا بقاعدة دستورية بطبيعتها متى نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، وهو ما تخلف في واقعة النزاع الماثل، الأمر الذى يكون معه النعي على القانون محل الطعن - من هذا الوجه - مفتقرًا إلى الدعامة التي يستند عليها حريا بالرفض.

وحيث إن المدعي يقرر كذلك أن الأحكام التي انتظمها القانون رقم 100 لسنة 1985 في مادته الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929- المشار إليه- وكذلك ما أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هى المواد (5 مكررًا) في فقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(18 مكررًا) و(18 مكررًا ثالثًا) و(23 مكررًا) في فقرتيها الثانية والثالثة - جميعها معيبة بما يبطلها لمخالفتها المادتين الثانية والتاسعة من الدستور، بالإضافة إلى خروجها على قاعدة عرفية استقر عليها العمل حاصلها أن المسلمين لا يخضعون في أحوالهم الشخصية لغير شريعتهم.

وحيث إن قضاء المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطًا لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في الدعوى الدستورية لازمًا للفصل في مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة - بأكملها أو في شق منها- في الدعوى الموضوعية، فإذا لم يكن له بها من صلة، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة. ومن ثم لا يكون لقيام المصلحة الشخصية المباشرة التي تعتبر شرطًا لقبول الدعوى الدستورية، أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفًا في ذاته للدستور، بل يتعين أن يكون هذا النص- بتطبيقه على المدعي - قد أخل بأحد الحقوق التي كفلها على نحو ألحق به ضررًا مباشرًا. إذ كان ذلك، فإن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يغدو متصلًا بالحق في الدعوى، ومرتبطًا بالخصم الذى أثار المسألة الدستورية، وليس بهذه المسألة في ذاتها منظورًا إليها بصفة مجردة، وهو بذلك يعتبر محددًا لفكرة الخصومة في الدعوى الدستورية مبلورًا نطاق المسألة الدستورية التي تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ومؤكدًا ضرورة أن تكون المنفعة التي يقرها القانون هى محصلتها النهائية، ومن فصلًا دومًا عن مطابقة النص التشريعي  المطعون عليه للدستور أو مخالفته لقيوده ونواهيه، ومستلزمًا أبدًا أن يكون الفصل في المسألة الدستورية موطئًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المدعي ينعى على المواد (5 مكررًا) بفقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(23 مكررًا) بفقرتيها الثانية والثالثة التي أضافتها المادة الأولى من القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 مخالفتها للدستور، وكانت دعويا الموضوع المقامتان من المدعي عليها الرابعة ضد المدعي - واللتانَ أثير فيهما الدفع بعدم الدستورية - قد توخيتا الحكم باستقلالها وصغيرها منه بمسكن الزوجية حتى تنقضي حضانتها له بالإضافة إلى القضاء لها قبله بمتعة تماثل نفقة مدة حددتها- فإن الفصل في دستورية المواد (5 مكررًا) بفقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(23 مكررًا) بفقرتيها الثانية والثالثة لن يكون لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المطروحة أمام محكمة الموضوع، إذ ليس لهذه المواد من صلة بتلك الطلبات، بما مؤداه : انتفاء ارتباطها بالمصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط قبول الدعوى الدستورية ومناطها- وآية ذلك أن أولى هذه المواد تقرر التزام المطلق بأن يوثق إشهار طلاقه، وتحدد الآثار المترتبة على الطلاق وتاريخ سريانها، أما ثانيتها فغايتها ضمان إعلام كل زوجه على العصمة بالزواج الجديد وتقرير حقها في طلب التطليق من زوجها، وكذلك ضوابط حق الزوجة الجديدة في طلبه، وتبين ثالثتها العقوبة الجنائية التي يتعين توقيعها على المطلق عند مخالفته الأحكام المنصوص عليها في المادة (5 مكررًا) المشار إليها، متى كان ذلك، فإن المصلحة في الطعن على المواد السالف بيانها، تكون متخلفة.

وحيث إن المدعي ينعى على الفقرة الأولى من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 بعد تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليهما- مخالفتها للدستور، وذلك فيما تنص عليه من أن "ينتهى حق حضانة النساء ببلوغ الصغير سن العاشرة وبلوغ الصغيرة سن اثنتي عشرة سنة، ويجوز للقاضي بعد هذه السن إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة حتى تتزوج في يد الحاضنة دون أجر حضانة إذا تبين أن مصلحتهما تقتضى ذلك".

وحيث إن البين من المذكرة الإيضاحية لهذا النص أن تتبع المنازعات الدائرة في شأن الصغار يدل على أن المصلحة هى في استقرارهم حتى يتوافر لهم الأمان والاطمئنان وتهدأ نفوسهم فلا ينزعوا من يد حاضنتهم، وأنه لا يجوز للقاضي مد فترة الحضانة إلا أن تكون مصلحة الصغير أو الصغيرة في بقاء الحضانة بيد النساء وذلك مع التزام الأب بنفقة المحضون الذاتية من طعام وكساء ومسَكن وغير ذلك إلى جانب ما يقضى به العرف أو ما يقوم مقامه، مع حرمان الحاضنة من أجر الحضانة في المدة التي تمتد إليها بإذن القاضي، وبمراعاة أن الغاية التي توخاها المشرع بالفقرة الأولى من المادة (20)- المشار إليها- هى منع الخلاف بين الأب والحاضنة على نزع الحضانة في سن غير مناسبة بقصد النكاية دون رعاية لصالح الصغار، وما يقتضيه الاستقرار النفسي اللازم لسلامة نموهم وحسن تربيتهم، وأن السند الشرعي لهذه الأحكام هو مذهب الإمام مالك.

وحيث إن النعي بمخالفة الفقرة الأولى من المادة (20) -المشار إليها- للدستور غير سديد، ذلك أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية بعد تعديلها- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - من سريان حكمها على التشريعات الصادرة بعد العمل به- ومن بينها أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985- مؤداه: أنه لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، فهذه الأحكام وحدها هى التي لا يجوز الاجتهاد فيها، وهى تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل ولا يجوز الخروج عليها. وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام وركائزها الثابتة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيًا وإهدارًا لما علم من الدين بالضرورة. وعلى خلاف هذا، الأحكام الظنية سواء في ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معًا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد إلى سواها، وهى تتغير بتغير الزمان والم كان لضمان مرونتها وحيويتها ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا. ولا بد أن يكون هذا الاجتهاد واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، مقيمًا الأحكام العملية بالاعتماد في استنباطها على الأدلة الشرعية، متوخيًا من خلالها تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن الحضانة - في أصل شرعتها- هى ولاية للتربية، غايتها الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته. والأصل فيها هو مصلحة الصغير، وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة - التي لها الحق في تربيته شرعًا- إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه وصيانته، ولأن انتزاعه منها - وهى أشفق عليه وأوثق اتصالًا به وأكثر معرفة بما يلزمه وأوفر صبرًا - مضرة به إبان الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره والتي لا يجوز خلالها أن يعهد به إلى غير مؤتمن يأكل من نفقته، ويطعمه نزرًا، أو ينظر إليه شزرًا. وحين يقرر ولى الأمر حدود هذه المصلحة معرفًا بأبعادها، فذلك لأن الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية - القطعية في ثبوتها ودلالتها - لا تقيم لسن الحضانة تخومًا لا يجوز تجاوزها، انطلاقًا من أن تربية الصغير مسألة لها خطرها، وأن تطرق الخلل إليها- ولو في جوانبها - مدعاة لضياع الولد. ومن ثم تعين أن يتحدد مداها بما يكون لازمًا للقيام على مصلحته، ودفع المضرة عنه، باعتبار أن مدار الحضانة على نفع المحضون، وأن رعايته مقدمة على أية مصلحة لغيره، حتى عند من يقولون بأن الحضانة لا تتمحض عن حق للصغير، وإنما يتداخل فيها حق من ترعاه، ويعهد إليها بأمره. ولولي الأمر بالتالي أن يقدر ما يراه خيرًا للصغير وأصلح له، بمراعاة أن حقه في الحضانة لا يعتبر متوقفًا على طلبها ممن له الحق فيها، وأن ما يصون استقراره النفسي ويحول دون إيذائه، ويكفل تقويمه، من المقاصد الشرعية التي لا يجوز المجادلة فيها، وأن النزول عن الحضانة بعد ثبوتها لا يحول دون العودة إليها. بل إن من المجتهدين من يقول بجواز حمل الحاضنة عليها- بافتراض اجتماع شروطها فيها - كلما كان ذلك ضروريًا لصيانة الصغير وحفظه. وقد دل الفقهاء - باختلافهم في زمن الحضانة - وهى الفترة الواقعة بين بدئها وانتهاء الحق فيها- على أن مصلحة الصغير هى مدار أحكامها، وأنها من المسائل الاجتهادية التي تتباين الآراء حولها، كل من وجهة يعتد فيها بما يراه أكفل لتحصيل الخير للصغير في إطار من الحق والعدل. ولئن كان المتقدمون لا يقدرون للحضانة مدة معينة تنتهى بانتهائها، وإنما يركنون إلى معايير مرنة بطبيعتها ضابطها هو انتهاؤها عند السن التي يبلغها الصغير أو الصغيرة مميزين قادرين على الوفاء بحاجاتهما الأولية مستغنيين تبعًا عن خدمة النساء، وكان آخرون من بعدهم قد حددوا للحضانة سنًا معينة تنتهى ببلوغها قطعًا لكل جدل حولها، إلا أن استقراء أقوال هؤلاء وهؤلاء يدل على أن اجتهاداتهم في شأن واقعة انتهاء الحضانة، مدارها نفع المحضون- صغيرًا كان أم صغيرة - ويتعين بالتالي أن يصار إلى كل ما يصلحه ويكفل وقايته مما يؤذيه، وتربيته إنماء لمداركه ولإعداده للحياة، وبوجه خاص من النواحي النفسية والعقلية، وكان الأصل في حضانة الصغير والصغيرة - على ما تقدم- هو تعهدهما بالرعاية بما يحول دون الإضرار بهما، تعين ألا تكون سن الحضانة محددة بقاعدة جامدة صارمة لا تأخذ في اعتبارها تغير الزمان والمكان، أو تغفل في مجال تطبيقها ما يقتضيه التمييز في نطاق الحضانة بين الصغير والصغيرة بالنظر إلى طبيعة كل منهما، وخصائص تكوينه، ودرجة احتياجه إلى من يقوم على تربيته وتقويمه، وما تتطلبه الذكورة والأنوثة من تنمية ملكاتهما. وفى ذلك قدر من المرونة التي تسعها الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية المستجيبة دومًا للتطور، توخيًا لربطها بمصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، وأعرافهم المتغيرة، التي لا تصادم حكمًا قطعيًا، وهى مرونة ينافيها أن يتقيد المشرع بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعًا قد جاوزتها، وتلك هى الشريعة في أصولها ومنابتها، شريعة مرنة غير جامدة يتقيد الاجتهاد فيها- بما يقوم عليه من استفراغ الجهد للوصول إلى حكم فيها لا نص عليه - بضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها. ولئن صح القول بأن أهمية الاجتهاد ولزومه لا يوازيها إلا خطره ودقته، فإن من الصحيح كذلك أن لولى الأمر الاجتهاد في الأحكام الظنية بمراعاة المصلحة الحقيقية التي يقوم برهانها من الأدلة الشرعية، وهو ما نحاه النص التشريعي  المطعون فيه، ذلك أن السن الإلزامية للحضانة التي حددها- وهى عشر سنين للصغير واثنتا عشرة سنة للصغيرة - لا تعدو أن تكون تقريرًا لأحكام عملية في دائرة الاجتهاد بما لا يصادم الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة ومبادئها الكلية، إذ ليس ثمة نص قطعي فيها- في ثبوته ودلالته- يقرر للحضانة سنًا لا يجوز لولى الأمر أن يتخطاها، وإنما مرد الأمر في تعيينها إلى ما يترخص ولى الأمر في تقديره مقيدًا في ذلك بمصلحة المحضون بما يراه أكفل لها وادعى لتحقيقها، وبما يحول دون إعناته. وهو في ذلك لا يصدر عن نظرة تحكمية، بل غايته رفع الحرج وفق أسس موضوعية قدر معها أن مصلحة المحضون لازمها عدم ترويعه بانتزاعه من حاضنته، بما يخل بأمنه واطمئنانه ويهدد استقراره، وأن وجود الولد- ذكرًا كان أو أنثى - في يدها سواء قبل بلوغ السن الإلزامية للحضانة، أو بعد بلوغها- حين يقرر القاضي أن المصلحة تقتضى إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة حتى تتزوج- لا يغل يد والدهما عنه ما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما، وكان النص المطعون عليه قد تناول أمورًا تنظيمية، وتقرر لمصلحة مشروعة يستجلبها، وقد قال المالكية بما لا يناقض مضمونه بذهابهم إلى أن حضانة الصغير تنتهى إذا بلغ عاقلًا غير زمن، وأن أمد الحضانة للصغيرة حتى يدخل بها زوجها، وكان النص التشريعي  المطعون عليه قد صدر مستلهمًا مقاصد الشريعة الكلية، غير مناقض لمقوماتها الأساسية، واقعًا في نطاق توجيهاتها العامة التي تحض على الاجتهاد في غير أحكامها القطعية في ثبوتها ودلالتها. إذ كان ذلك، فإن قالة مخالفة هذا النص للمادة الثانية من الدستور لا يكون لها محل.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان ما قررته المادة (18 مكررًا) ثالثا- التي أضافها القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية - من إلزامها الزوج المطلق بأن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم مسكنًا مستقلًا مناسبًا، إنما يدور وجودًا وعدمًا مع المدة الإلزامية للحضانة التي قررتها الفقرة الأولى من المادة (20) المطعون عليها، فإن حق الحاضنة في شغل مسكن الزوجية إعمالًا للمادة (18 مكررًا) ثالثًا المشار إليها، يعتبر منقضيًا ببلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتي عشرة سنة. متى كان ذلك، وكان البين من الصورة الرسمية لشهادة ميلاد "هيثم"- ابن المدعي من مطلقته - وهى الشهادة المرفقة بملف الدعوى الموضوعية - أنه ولد في 9 من ديسمبر سنة 1979، فإنه يكون قد جاوز أمد الحضانة الإلزامية، ولم يعد لحاضنته بالتالي أن تستقل مع صغيرها هذا بمسكن الزوجية بعد طلاقها، بما مؤداه: انتفاء مصلحة المدعي في الطعن على الأحكام التي تضمنتها المادة (18 مكررًا) ثالثًا آنفة البيان. ولا ينال مما تقدم قالة أن للقاضي أن يأذن للحاضنة بعد انتهاء المدة الإلزامية للحضانة بإبقاء الصغير في رعايتها حتى الخامسة عشرة، والصغيرة حتى تتزوج إذا تبين أن مصلحتهما تقتضى ذلك، ذلك أن ما يأذن به القاضي على هذا النحو، لا يعتبر امتدادًا لمدة الحضانة الإلزامية، بل منصرفًا إلى مدة استبقاء تقدم الحاضنة خلالها خدماتها متبرعة بها. وليس للحاضنة بالتالي أن تستقل بمسكن الزوجية خلال المدة التي شملها هذا الإذن، ذلك أن مدة الحضانة التي عناها المشرع بنص الفقرتين الأولى والرابعة من المادة (18 مكررًا) ثالثًا- والتي جعل من نهايتها نهاية لحق الحاضنة وصغيرها من مطلقها في شغل مسكن الزوجية - هى المدة الإلزامية للحضانة على ما تقدم، وغايتها بلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتي عشرة سنة. وببلوغها يسقط حقها في الاستقلال بمسكن الزوجية ليعود إليه الزوج المطلق منفردًا في الانتفاع به إذا كان له ابتداء أن يحتفظ به قانونًا. ولا محاجة في القول بأن مجرد توافر المصلحة عند رفع الدعوى الدستورية يعتبر كافيًا لقبولها ولو قام الدليل على تخلفها قبل الفصل فيها، ذلك أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن توافر شرط المصلحة في الدعوى عند رفعها، ثم تخلفه قبل أن يصدر حكمها فيها، مؤداه: زوال هذه المصلحة، ذلك أيًا كانت طبيعة المسألة الدستورية التي تدعى المحكمة الدستورية العليا لتقول كلمتها في شأنها.

وحيث إنه عن طلب التدخل الانضمامي، فإنه لما كانت الخصومة في هذا الطلب تعتبر تابعة للخصومة الأصلية، وكان قضاء هذه المحكمة في الدعوى الماثلة قد خلص إلى انتفاء مصلحة المدعي فيها في الطعن بعدم دستورية حكم المادة (18 مكررًا) ثالثًا سالفة البيان- فإن عدم قبول الدعوى الدستورية في هذا الشق منها يستتبع بطريق اللزوم انقضاء طلب التدخل الانضمامي، وهو ما تقضى به المحكمة.

وحيث إن المادة (18 مكررًا) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة إليه بالقانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليهما- تنص على أن "الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها بدون رضاها ولا بسبب من قبلها، تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل، وبمراعاة حال المطلق يسرًا وعسرًا وظروف الطلاق ومدة الزوجية، ويجوز أن يرخص للمطلق في سداد هذه المتعة على أقساط".

وحيث إن المدعي ينعى على هذا النص مخالفته أحكام الشريعة الإسلامية على سند من أن المتعة لا تستحق للمطلقة إلا بشروط ثلاثة هى ألا يسبق الاتفاق على مهرها وألا يدخل زوجها بها وألا يختلى بها خلوة صحيحة قبل طلاقها - هذا إلى أن نفقة العدة هى المقصودة بالمتعة. وهى كذلك أجر لزواج محرم هو الزواج الموقوت. فضلًا عن أنها تقيد الحق في الطلاق المعتبر خالصًا للزوج. ولا يعدو تقريرها أن يكون شرطًا جزائيًا مترتبًا على إيقاع الطلاق في ذاته. ولا تعرف الشريعة الإسلامية حدًا أدنى لها.

وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أن أصل تشريع المتعة هو النصوص القرآنية التي تعددت مواضعها، منها قوله تعالى "وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين" التي نحا الشافعي في أحد قوليه وكذلك الظاهرية إلى وجوبها، وأيدهم في ذلك آخرون باعتبار أن "حقًا" صفة لقوله تعالى "متاعًا" وذلك أدخل لتوكيد الأمر بها. هذا بالإضافة إلى أن عموم خطابها مؤداه: عدم جواز تخصيص حكمها بغير دليل، وسريانه على كل مطلقة سواء كان طلاقها قبل الدخول بها أم بعده، فرض لها مطلقها مهرًا أم كان غير مفروض لها. وجماهير الفقهاء على استحبابها بمقولة افتقارها إلى أمر صريح بها. كذلك فإن تقرير المتعة وجوبًا أظهر في آية أخرى إذ يقول تعالى في المطلقة غير المفروض لها ولا مدخول بها "ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتدر قدره متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين" بمعنى أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهن. والأمر بالإمتاع فيها ظاهر، وإضافة الإمتاع إليهن تمليكًا- عند من يقولون بوجوبها- لا شبهة فيه. وانصرافها إلى المتقين والمحسنين لا يدل على تعلقها بهم دون سواهم، بل هو توكيد لإيجابها باعتبار أن الناس جميعًا ملزمون بالامتثال إلى أمر الله تعالى وعدم الانزلاق في معاصيه.

 وحيث إن البين من استقراء أقوال الفقهاء في شأن دلالة النصوص القرآنية الوارد في شأن "المتعة" أنهم مختلفون في نطاق تطبيقها من ناحية، وفى وجوبها أو استحبابها من ناحية أخرى، وما ذلك إلا لأن هذه النصوص ظنية في دلالتها، غير مقطوع بمراد الله تعالى منها، وجاز لولى الأمر بالتالي الاجتهاد فيها تنظيمًا لأحكامها بنص تشريعي يقرر أصل الحق فيها، ويفصل شروط استحقاقها بما يوحد تطبيقها، ويقيم بنيانها على كلمة سواء ترفع نواحي الخلاف فيها ولا تعارض الشريعة في أصولها الثابتة أو مبادئها الكلية.

وحيث إن النص التشريعي المطعون فيه شرط لاستحقاق المتعة شرطين، أولهما: أن تكون المرأة التي طلقها زوجها مدخولًا بها في زواج صحيح. وثانيهما: ألا يكون الطلاق برضاها أو من جهتها، وهما شرطان لا ينافيان الشريعة الإسلامية سواء في ركائزها أو مقاصدها، ذلك أن تشريع المتعة يتوخى جبر خاطر المطلقة تطبيبًا لنفسها ولمواجهة إيحاشها بالطلاق، ولأن مواساتها من المروءة التي تتطلبها الشريعة الإسلامية، والتي دل العمل على تراخيها لاسيما بين زوجين انقطع حبل المودة بينهما. ولا كذلك المرأة التي تختار الطلاق أو تسعى إليه، كالمختلعة والمبارئة، أو التي يكون الطلاق من قبلها بما يدل على أنه ناجم عن إساءتها أو عائد إلى ظلمها وسوء تصرفها، إذ لا يتصور- وقد تقررت المتعة إزاء غم الطلاق- أن يكون إمتاعها- في طلاق تم برضاها أو وقع بسبب من قبلها- تطبيبًا لخاطرها، ولا أن يصلها زوجها بمعونة مالية تزيد على نفقة العدة تخفيفًا لآلامها الناجمة عن الفراق. وما قرره المدعي من أن المتعة لا تستحق إلا للمرأة غير المدخول بها قبل طلاقها، مردود بأن الله تعالى ناط بعباده المتقين الذين يلتزمون بالتعاليم التي فرضها صونًا لأنفسهم عن مخالفته، بأن يقدموا لكل مطلقة متاعًا يتمحض معروفًا بما مؤداه: استحقاقها الإمتاع، ولو كان ذلك بعد الدخول بها، كذلك فإن أمهات المؤمنين المدخول بهن، هن اللاتي عنتهن الآية الكريمة التي يقول فيها سبحانه (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا). وما قرره النص التشريعي  المطعون عليه من أن المتعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسرًا وعسرًا وعلى ضوء ظروف الطلاق ومدة الزوجية مستلهمًا بذلك في أسس تقديرها قوله تعالى "ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره"، ومستبعدًا الآراء التي تقيسها على المهر وتراعى فيها حال الزوجة بالتالي، ومقررًا حدًا أدنى لها في إطار التكافل الاجتماعي لضمان ألا يقل ما يعود على المرأة منها عما قدره ولى الأمر لازمًا لتمتيعها بعد طلاقها دون رضاها، ومن غير جهتها، ذلك أن غربتها بالطلاق تؤلمها وتمزق سكينتها، وقد تعرضها لمخاطر تفوق طاقة احتما لها، وغالبًا ما يقترن طلاقها بالتناحر والتباغض وانقطاع المودة، فحق ألا يكون أدناها متناهيًا في ضآلته صونًا للحكمة من تشريعها لاسيما أن من الفقهاء من حدد أدنى ما يجزئ فيها، ومنهم من حدد أرفعها وأوسطها. وليس في النصوص القرآنية ما يفيد أن الله تعالى قد قدرها أو حددها، بما مؤداه: جواز تنظيمها بما يحقق للناس مصالحهم المعتبرة شرعًا. ولئن كان النص التشريعي المطعون عليه لا يورد حدًا أقصى لتلك المعونة المالية التي يقدمها الرجل لمن طلقها، إلا أن ذلك أدخل إلى الملاءمة التي لا تمتد إليها الرقابة الدستورية، ولا يجوز أن تخوض فيها، لاسيما أن من الفقهاء من يقول بأنه ليس للمتعة عندهم حد معروف لا في قليلها أو كثيرها. كذلك فإن أمر تقديرها فيما يجاوز حدها الأدنى موكول إلى المحكمة المختصة تجيل فيه بصرها معتمدة في تحديد مبلغها على أسس موضوعية لا تفرضها تحكمًا أو إعناتًا، من بينها أن يكون هذا التحديد دائرًا مع حال مطلقها يسرًا وعسرًا، إذ هي متاع تقرر معروفًا ولمصلحة لها اعتبارها. والمتقون الممتثلون إلى الله تعالى الطامعون في مرضاته مدعوون إليها، بل ومطالبون بها، باعتبارها أكفل للمودة، وأدعى لنبذ الشقاق وإقامة العلائق البشرية على أساس من الحق والعدل. كذلك فإن اعتداد النص التشريعي بمدة الزوجية وظروف الطلاق في مجال تقدير المتعة الواجبة، لا يتوخى فرض قيود غير مبررة على الحق في الطلاق، وإنما قصد المشرع- بإضافة هذين العنصرين إلى حال المطلق يسرًا وعسرًا - أن تكون المعونة المالية التي تتبلور المتعة في مبلغها، واقعية قدر الإمكان بما لا إفراط فيه أو تفريط، وهو ما يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض أحكام الدستور أو يخل بضوابطه.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولًا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية نصوص المواد (5 مكررًا) بفقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(18 مكررًا) ثالثًا و(23 مكررًا) بفقرتيها الثانية والثالثة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية.

ثانيًا: برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن على المادتين (18 مكررًا) و(20) فقرة أولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليهما- وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

 

 

* حكم منشور بموقع المحكمة الدستورية العليا، متاح الاطلاع عليه عبر هذا الرابط: https://www.sccourt.gov.eg/SCC/faces/Rules_Html/520_8_7_1_2.html?timestamp=1708756913118

في إطار إحياء الأدبيات القانونية التأسيسية، أعادت دار العادل للنشر والتوزيع بالقاهرة طبع ونشر الكتاب المرجعي «نظرية حوالة الحق في قوانين البلاد العربية: دراسة مقارنة بالفقه الحنفي»، للعلامة القانوني: الدكتور شفيق شحاتة، بحليّة جديدة، وبدراسة واعتناء الدكتور: أحمد حسين عثمان، وتقديم الأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج.

وتنبع أهمية هذا الكتاب من أهمية صاحبه؛ فالدكتور شفيق شحاتة (1896–1976م) هو قانوني ومؤرخ مصري بارز، وأحد كبار أساتذة تاريخ القانون، والقانون المدني في جامعتي القاهرة وعين شمس. ويُعد رائدًا ومجددًا استثنائيًا في الدراسات الفقهية المقارنة؛ حيث امتلك السبق الأكاديمي في تأصيل نظرية عامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية وصياغتها على غرار النظريات القانونية الحديثة المعاصرة. امتد أثره العلمي محليًا ودوليًا، واختير في الخمسينيات لشغل كرسي أستاذية الدّراسات الإسلامية وتاريخ القانون في جامعة باريس (الكوليدج دي فرانس)، تاركًا خلفه إرثًا قانونيًا وفقهيًا غنيًا باللغتين العربية والفرنسية شكّل مرجعًا أساسيًا للأجيال القانونية المتعاقبة.

كما تأتي أهمية هذا الطبعة الجديدة أولا من أن تقديمها جاء بقلم أستاذ له باع كبير في الدراسات المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وهو الأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج، والذي يشغل منصب أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. ويحظى بمسيرة دولية حافلة؛ حيث عُيِّن مبعوثًا دراسيًا بجامعة كامبريدج، وأسهم في تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد بباكستان وعمل عميدًا لكلية الشريعة والقانون بها. كما يُعد الدكتور سراج من المفكرين الذين ينظرون إلى الفقه الإسلامي كنظام قانوني متكامل ويجب التعامل معه على هذا الأساس، وله أكثر من عشرين مؤلفًا وتحقيقًا وترجمةً أثرت المكتبة القانونية، ومن أبرزها كتاب "في تاريخ النظام القانوني الإسلامي" وكتاب "ضمان الطبيب في الفقه الإسلامي".

ثم تزداد أهمية هذه الطبعة بوجود دراسة مهمة ومطولة عن د. شحاتة، وعن جهوده الملهمة والتأسيسية في خدمة الفقه الإسلامي، للباحث المتميز د. أحمد حسين عثمان، المتخصص في الدراسات الفقهية والقانونية، والحاصل على درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية والمقارنات التشريعية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. والذي تتركز اهتماماته ومساهماته العلمية في حقل القانون المقارن، وتأصيل النظم التشريعية؛ حيث يُعد من الباحثين المهتمين بتتبع جذور المناهج القانونية وتطورها. ومن أبرز مؤلفاته المنشورة كتاب "أصول الدراسات المقارنة وتطورها بين الفقه والقانون"، بالإضافة إلى إسهاماته البحثية والنقدية المستمرة في قراءة وتفكيك كتب تاريخ النظام القانوني الإسلامي بالتعاون مع مراكز بحثية عربية.

 

ومما جاء في مقدمة الباحث للكتاب:

يُبرز هذا الكتاب إسهامات الدكتور شفيق شحاتة كواحد من أبرز رجالات القانون الذين دفعوا حركة الدراسات القانونية خطوات واسعة إلى الأمام. ويعود الفضل في ذلك إلى تكوينه العلمي والثقافي المتنوع؛ حيث تتلمذ على أيدي الرعيل الأول من أساتذة القانون، وأتقن اللغات الأجنبية كالفرنسية، واقترب اقترابًا كبيرًا من الفقه الإسلامي بفضل أساتذته الشرعيين في كلية الحقوق، مما مكنه من تفهم سمات هذا الفقه ومناهجه. وقد ساعدت هذه المعارف المتعددة في جعل شحاتة باحثًا مقارنًا بين النظم القانونية، واستطاع إحداث تفاعل بين المجالين الفقهي والقانوني، مما دعم حركات الإحياء الفقهي في الوطن العربي لاحقًا.

وقد نال الدكتور شحاتة تقدير كبار الفقهاء، أمثال الشيخ محمد أبو زهرة، وأحمد إبراهيم بك، لنجاحه في نقل المناهج الغربية إلى الفقه الإسلامي. ولم يكن هذا النقل مجرد انبهار أعمى، بل أخضع تلك المناهج لتهذيب دقيق وجردها مما يتعارض مع أصول الشريعة، ليُعيد صياغة الفقه الإسلامي وتقديمه بصورة حديثة وميسرة. ومن خلال المقارنة والتنظير والتقنين، ساهمت حركة الإحياء في توليد نظريات قانونية كبرى أثرت العدالة، كنظرية التعسف، والالتزامات، والسبب، ونظرية الحوالة. كما لفت هؤلاء الرواد أنظار الغرب إلى المنهج الفقهي الإسلامي عبر إبراز الفقه العملي (كالفتاوى والأقضية والنوازل) بدلًا من الاعتماد الحصري على الشروح والحواشي.

ويكشف الكتاب عن أمرين رئيسيين: الأول يتمثل في جهود شحاتة في تطوير الفقه الإسلامي ومنهجه في ذلك، والثاني هو عرض نظرية الحوالة في الفقه الإسلامي مقارنة بالقانون. وتبرز أهمية الأمر الأول في كون المؤلف لم ينل دراسة وافية تسلط الضوء على جهوده الكبيرة في التنقيب عن المصادر الفقهية المخطوطة، وهي جهود تحتاج إلى تقييم وإبراز لمن أراد البناء عليها. أما الأمر الثاني، فتكمن أهميته في أن نظرية الحوالة، وخاصة عند الحنفية، لم تحظَ بإطار نظري واحد يجمع عناصرها عند القدامى رغم حضورها في التطبيق الفقهي، مما يثبت أن الفقه الإسلامي لم يكن يومًا خاليًا من التصورات القانونية المنظمة للمعاملات.

 

محتويات الكتاب:

ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين؛

يحتوي القسم الأول على عشرة فصول تتناول فكر الدكتور شحاتة بشكل شامل. يبدأ الفصل الأول بتقديم بطاقة تعريفية بالمؤلف تتضمن نشأته، ودراسته، وأهم مؤلفاته، والوضع الفقهي والقانوني في تلك الفترة. ثم ينتقل الفصل الثاني لاستعراض علاقة شحاتة بالفقه الإسلامي، حيث يناقش تعرفه على الشريعة، والاتجاهات التي أثرت في كتاباته المقارنة، ومظاهر حيوية النظام القانوني الإسلامي، ومنهجيته التي تعتمد على المنهج التاريخي. وفي الفصل الثالث، يبرز الكتاب دور الفقه في عملية النهوض التشريعي، موضحًا كيف يقود الفقه الإسلامي المدنية العربية، مع عرض انتقادات المؤلف للواقع التشريعي وأسباب نجاح تطبيق القوانين الغربية. أما الفصل الرابع، فيُفصّل منهجية المقارنة لديه، مبينًا طبيعة علم القانون المقارن، والفرق بينه وبين فلسفة القانون وتاريخه، وإسهاماته البارزة في هذا الحقل.

ويستمر القسم الأول في فصله الخامس بتناول التنظير الفقهي والقانوني، متتبعًا بدايات ظهور مصطلح النظرية، والدور الذي قامت به كتب النظريات، ومظان استخراجها من الفقه الإسلامي. بينما يُخصص الفصل السادس لتاريخ النظام القضائي الإسلامي وتطوره وخصائصه. وفي الفصل السابع، يعرض الكتاب موقف شحاتة من مشروعات تقنين الفقه الإسلامي، معتبرًا القوانين العثمانية مظهرًا للنهضة التشريعية. ويتصدى الفصل الثامن لانتقادات شحاتة للدراسات الاستشراقية، مفندًا دعاوى مثالية الفقه وعدم واقعيته واستمداده من غيره. ويطرح الفصل التاسع مناقشات عامة حول آراء المؤلف، مثل تجريد العقد من خواصه الدينية، وموقفه من أصول الفقه، والإفراط في التقليد الغربي. ليُختتم هذا القسم بالفصل العاشر الذي يرصد الآثار التي أحدثتها كتاباته.

أما القسم الثاني من الكتاب، فيختص بدراسة نظرية حوالة الحق، مبتدئًا بمقدمة للمعتني توضح التصور العام للحوالة ومنهج الدكتور شفيق في دراستها والملاحظات الموجهة لبحثه. يتبع ذلك نص المؤلف الذي يُمهد للموضوع بمناقشة انتقال الالتزام وموضعه في القانون المدني، وتصور الحوالة في القانون الروماني والفقه الإسلامي والتشريعات الحديثة. وينقسم هذا النص إلى أربعة أبواب؛ يعالج الباب الأول أركان حوالة الحق عبر فصول مخصصة للاتفاق، وطرفي الحوالة، ومحلها. بينما يبحث الباب الثاني في آثار الحوالة مبنيًا على تفصيل العلاقات بين المحيل، والمحال له، والمدين المحال عليه. ويناقش الباب الثالث نفاذ الحوالة على الغير بتعريف ماهية "الغير" وتطبيقاته. وأخيرًا، يُفرد الباب الرابع لحوالة الحق في الفقه الإسلامي الحنفي، مبرزًا أهمية مقارنة الشريعة بالقانون المدني، ومستعرضًا المسائل والنظريات المتعلقة بها.

 

وختامًا،

فإن إعادة إحياء هذه الأطروحة التأسيسية للعلامة شفيق شحاتة تأتي لتؤكد صحة التوجه الداعي إلى ضرورة تجسير الفجوة بين الدراسات القانونية والأصول الفقهية المقاصدية.

إن وضع هذا الكتاب بين يدي الباحثين والدارسين اليوم يفتح أفقًا جديدًا لاستكمال ما بدأه الرواد، والانتقال بالدراسات المقارنة بين الشريعة والقانون من مرحلة المقارنات الشكلية التجزيئية إلى مرحلة البناء الحضاري والتأصيل المعرفي الشامل الذي يُعزز العدالة ويستجيب لمتطلبات العصر.

التعزير

يوليو 22, 2026

هو مفهوم رئيس في المنظومة العقابية الإسلامية، وأكثرها تطبيقا في عمل المحاكم الشرعية.

التعزير لغة واصطلاحا

التعزير لغة هو التأديب مطلقًا، ويطلق على التفخيم والتعظيم. 

يقول الراغب الأصفهاني في (مفردات ألفاظ القرآن)، التعزير: النصرة مع التعظيم. قال تعالى: ﴿وتعزروه﴾ [الفتح: 9]،  وقال ﴿وعزرتموهم﴾ [المائدة: 12]. والتعزير: ضرب دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإن ذلك تأديب، والتأديب نصرة ما، لكن الأول نصرة بقمع ما يضره عنه، والثاني: نصرة بقمعه عما يضره. فمن قمعته عما يضره فقد نصرته. وعلى هذا الوجه قال ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قال: أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ فقال: كفه عن الظلم».

ويقول الزجاج في (معاني القرآن) "عزرت فلانًا"، إذا ضربته ضربا دون الحد، يمنعه بضربه إياه عن معاودة مثل عمله، و"عزرته": رددته، يجوز أن يكون منه "التعزير"، أي: فعلت به ما يرده عن المعصية.

وفي الاصطلاح: "هو عقوبة غير مقدرة شرعا، تجب حقا لله، أو لآدمي، في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالبا"[1].

 

مشروعية التعزير

والتعزير مشروع بنص الكتاب والسنة والإجماع؛ فقد قال تعالى ﴿وَٱلَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾[النساء: 34]، وروي عن أبي بردة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"، وروي عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب فقال: اضربوه، فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله والضارب بثوبه".

وقد أجمعت الأمة على مشروعية التعزير في كبيرة لا توجب الحد وفي جناية لا توجب الحد.

وهو مشروع لأجل غايات ومقاصد منها: الزجر؛ قال الزيلعي: الحدود هي الزواجر المقيدة والتعزيرات هي "الزواجر غير المقيدة"[2]، ومنها دفع الفساد بحفظ ما أمر الشرع بحفظه، قال شيخي زادة "محاسن الحدود كثيرة ومن جملتها أنها ترفع الفساد الواقع في العالم وتحفظ النفوس، والأعراض، والأموال سالمة عن ابتذال".

 

التعزير والحد والقصاص

ينتمي التعزيز عمومًا إلى مجموعة المفاهيم القضائية الإسلامية وخصوصًا الحد والقصاص.

و"الحدّ" في اللغة المنع ومنه سمي اللفظ الجامع المانع حدًا؛ لأنه يجمع معنى الشيء ويمنع دخول غيره فيه وسميت العقوبات الخالصة حدًا؛ لأنها مانع من ارتكاب أسبابها معاودة[3]، وهو في الشرع "التشريعات التي شرعها الله للعباد من حلال وحرام"، وسميت حدودا لأنها فصلت وميزت بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، وما يحل وما يحرم، ومنها معاص لا تُقرب كالفواحش، ومنها ما لا يتعدى كالتزوج بأربع، والمواريث وتحديد الطلاق بثلاث، وفيه قوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾[البقرة: 229]، ويطلق الحد في السياق التشريعي على العقوبات المقدرة المفروضة على بعض المعاصي والكبائر كحد الزنا وحد السرقة وحد القذف، ويجب على الإمام إقامتها بعد ثبوت سببها بإقرار أو بنية[4].

 وأما القصاص فهو لغة تتبع الأثر، واصطلاحًا أن يفعل في الجاني مثل ما فعل[5]،وهو حق العبد كما يقولون خلافا للحد الذي هو حق الله تعالى. 

ويختلف التعزير عن الحد والقصاص من وجوه أفاض فيها الفقهاء، وخلاصته:

- الحد والقصاص لهما عقوبة مقدرة شرعا لا يجوز الزيادة فيها أو النقص، وأما التعزير فهو مفوض إلى رأي الإمام يضع ما يشاء من العقوبة. 

- الحد والقصاص لا يثبتان إلا بالبينة أو الإقرار، أما التعزير فيثبت بذلك وبغيره[6].

- الحد والقصاص يُدرَآن بالشبهات، والتعزير يجب معها.

- الحد والقصاص لا يجب على الصبي والتعزير يجب عليه. 

- الحد ليس فيه عفو، والتعزير فيه عفو وشفاعة، والقصاص فيه عفو من ولي الدم.

- الحد والقصاص لا يسقطان بالتوبة والتعزير يسقط بها.

- الحد والقصاص يختص بهما الإمام والتعزير ليس كذلك؛ فقد يكون للأب أو الزوج[7].        

-التعزير قد يحل بديلا للحد، كما لو تم درء الحد بشبهة أو غيره، ولا يحل الحد بديلا للتعزير[8].

 

العقوبة التعزيرية

تنقسم الجرائم في الفقه الإسلامي إلى ثلاثة أقسام، هي: جرائم الحدود وجرائم القصاص وجرائم التعزير.

وهذا التقسيم مبني على اعتبارات: منها جسامة العقوبة؛ فالحدود والقصاص أعظم من التعزير، ومنها ثبات العقوبة أو تغيرها. وحول هذا يقول ابن القيم الأحكام نوعان:

"نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

 والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانًا وحالًا؛ كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة[9].

يفهم من هذا أن التعازير هي جرائم غير محددة وعقوبات غير مقدرة "تختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته"[10].

وعقوبة التعزير متفاوتة؛ فمنه ما يكون بالتوبيخ أو بنظر القاضي بوجه عبوس، أو بالكلام العنيف، أو بتعريك الأذن، أو بالصفع، أو بالشتم دون القذف، أو بالحبس، أو بالضرب، أو بالنفي عن الوطن، أو بأخذ المال، وأجاز الحنفية والمالكية القتل في حال اعتياد الجريمة أو جسامتها -كمن يسب الرسول-وفي حال التكرار ويسمونه (القتل سياسة) إذا رأى الحاكم المصلحة فيه، وكان جنس الجريمة يوجب القتل[11].

تنقسم العقوبات التعزيزية -كما نلاحظ- إلى: عقوبات معنوية، وعقوبات مالية، وعقوبات بدنية، وقد عللوا هذا التنوع بأن العقوبة ينبغي أن يراعى فيها أمرين: أحدهما، ماهية الجريمة وهل هي كبيرة أم صغيرة، والتأثير الذي تحدثه فرديًا أم جماعيًا، والثاني الجاني ووضعه الاجتماعي وهل يؤثر فيه الزجر اليسير أم الردع العنيف، ويجمل الزيلعي هذا بقوله "العقوبة فيه -أي التعزير- تختلف باختلاف الجناية فينبغي أن تبلغ غاية التعزير في الكبيرة.. وكذا ينظر في أحوالهم فإن من الناس من ينزجر باليسير، ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير"[12].

 

مقدار التعزير وضوابطه وشروطه

والتعزير ليس تعذيبًا أو إهدارًا للآدمية أو إتلافا للبدن، "وفي ذلك يقول الزيلعي: التعزير للتأديب، ولا يجوز الإتلاف، وفعله مقيد بشرط السلامة"، ويقول ابن فرحون المالكي: "التعزير إنما يجوز منه ما أمنت عاقبته غالبا، وإلا لم يجز"، ويقول البهوتي الحنبلي: "لا يجوز قطع شيء ممن وجب عليه التعزير، ولا جرحه، لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك، عن أحد يقتدى به؛ ولأن الواجب الأدب، والأدب لا يكون بالإتلاف. وقالوا وكل ضرب يؤدي إلى الإتلاف ممنوع، سواء أكان هذا الاحتمال ناشئًا من آلة الضرب، أم من حالة الجاني نفسه، أم من موضع الضرب، وتفريعًا على ذلك: منع الفقهاء الضرب في المواضع التي قد يؤدي فيها إلى الإتلاف، و منعوا العقوبات التي تحط من الكرامة الإنسانية كحلق اللحية وتسويد الوجه[13].

واشترطوا في التعزير شرطًا وحيدًا هو العقل "فيعزر كل عاقل ارتكب جناية ليس لها حد مقدر، سواء كان حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا، بالغًا أو صبيًا، بعد أن يكون عاقلا؛ لأن هؤلاء من أهل العقوبة، إلا الصبي العاقل فإنه يعزر تأديبا لا عقوبة لأنه من أهل التأديب"[14].

واختلفوا في قدر التعزير، وأقله الضرب ثلاثة أسواط واختلفوا في أكثره، على ثلاثة أقوال:

أحدها: عشر جلدات في مذهب أحمد وغيره.

والثاني: دون أقل الحدود إما تسعة وثلاثون سوطا وإما تسعة وسبعون سوطا، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.

والثالث: أنه لا يتقدر بذلك، وهذا أعدل الأقوال -كما يقول ابن تيمية-؛ إذ دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد بالشبهة[15].

 

التعزير وقاعدة "لا جريمة ولا عقوبة بلا نص"

ثمة افتراض أن التعزير لا يتسق مع القاعدة القانونية "لا جريمة ولا عقوبة بلا نص" التي تعني أمرين:

أولهما: أن جميع ما يصدر عن الأفراد مباح في نظر القانون ولا يعتبر جرائم إلا إذا ورد نص تشريعي بتحريمه وفرض على مرتكبه عقوبة.

وثانيهما: أن القاضي ليس حرًا في اختيار الجزاء الذي يفرضه على المتهم، بل يلتزم ما فرضه القانون. 

ومصدر هذا الافتراض هي مرونة التعزير وعدم تحديده الجرائم وما يقابلها من العقوبات تحديدًا واضحًا، وكذلك السلطة التقديرية النسبية التي يتمتع بها القاضي، ولكن هذا لا يعني إهدار القاعدة القانونية وذلك استنادا إلى بضع عوامل ساقها الدكتور توفيق الشاوي، وهي:

أولا: إن سلطة ولي الأمر والقاضي في تحديد الجرائم والعقوبات ليست مطلقة، بل هي في حدود مبادئ الشريعة العامة، لأن القاضي لا يعزر على أي فعل وإنما على فعل في دائرة المعاصي التي لم يوضع لها حد ولا تستوجب الدية أو القصاص، فالقاضي أو الحاكم ليس حرًا إذًا أن يعزر على أي فعل وليست سلطته في التجريم سلطة مطلقة.

وثانيا: إن سلطة التعزير حينما أعطيت إلى القاضي والإمام روعي في ذلك حالين لا يخرج عنهما: فإما أن يكونا مجتهدين وبعضهم اشترط الاجتهاد في القاضي وفي هذه الحالة تكون سلطتهم من كونهم مجتهدين لا ممثلين للسلطة التنفيذية أو القضائية، وإما أن يكون القاضي مقلدا وعندئذ يكون مقلدا لأحد المجتهدين، وبذلك تزول سلطته في تحديد الأفعال المستحقة للتعزير.

وثالثا: إن مبدأ تحديد العقوبة لم يهدر هدرا كليا لأن الفقهاء وضعوا حدا أقصى للعقوبة لا يمكن أن تتجاوزه، مع اختلافهم في تحديد هذا الحد.

ورابعا: إن توسيع سلطة العقوبات في اختيار العقوبة يتفق مع الاتجاه الحديث نحو التوسيع في مبدأ "فردية العقوبة" الذي تتجه إليه الأنظمة القانونية الحديثة.

 ويضرب الدكتور الشاوي مثالا على ذلك بالثورة الفرنسية التي حددت الجرائم تحديدًا دقيقًا وحددت العقوبات تحديدا أدق، مما جعلها من حد واحد لا يستطيع القاضي أن يشدد فيه أو يخفف منه، وقد أثبت العمل عدم صلاحيته، واضطرت التشريعات الحديثة إلى الأخذ بمبدأ وضع حدين لكل عقوبة بدلا من حد واحد[16].

ولقد ذهب المشرع المصري إلى ذلك بالفعل في الكثير من مواده؛ مثل المادة السابعة عشر من قانون العقوبات (رقم 58 لسنة 1937) التي تنص على إنه "يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة على الوجه الآتي:

عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المشدد.

عقوبة السجن المؤبد بعقوبة السجن المشدد أو السجن.

عقوبة السجن المشدد بعقوبة السجن أو الحبس الذي لا يجوز أن ينقص عن ستة شهور.

عقوبة السجن بعقوبة الحبس التي لا يجوز أن تنقص عن ثلاثة شهور".

غير أن ذلك لا يعني بوجهٍ من الوجوه أن القانون المصري يتبنى نظام التعزير؛ فالتعزير نظام تشريعي إسلامي فريد يمتلك مرجعيته الفلسفية والمفهومية الخاصة، حيث تجعل الشريعة ميزان التكييف والتجريم، وتمنح القاضي مساحة تقديرية واسعة لملاءمة العقوبة لواقعة الجريمة وشخص الجاني، مستلهمًا لروح الشريعة ومراعيًا لأحكامها وقيمها ومقاصدها، مجتهدًا كان القاضي أو مقلدًا. بخلاف القانون المصري والقوانين الوضعية المقارنة، والتي يسنَّها ويقننها أعضاء البرلمانات وليس فقهاء وعلماء الشريعة المجتهدون، فيحكم تلك القوانين «مبدأ الشرعية الجنائية» (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، مما يحد من سلطة القاضي ويلزمه بالنص الوضعي دون تجاوز.

ولقد انتهى الدكتور محمد سليم العوا -في تقويمه لنظام التعزير- إلى أن "نظام التعزير كما يعرضه الفقه الجنائي الإسلامي، هو أقوى الأدلة على مرونة أحكام هذا الفقه في الناحية الجنائية، وعلى قدرتها على استيعاب مصالح الناس المتجددة. وأوضاعهم الاجتماعية المتطورة. فبغير هذا النظام كانت أحكام الفقه الجنائي ستغدو بلا ريب قاصرة عن تحقيق المصالح الاجتماعية التي ترمي إليها السياسة الجنائية في هذا الفقه"[17].

 

 

 

 

[1] الموسوعة الفقهية الكويتية، https://shamela.ws/book/11430/7498

[2] الزيلعي، تبيين الحقائق، https://shamela.ws/book/23023/833

[3] شيخي زادة، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، https://shamela.ws/book/21644/583

[4] محمد بن محمد أبو شهبة، الحدود في الإسلام ومقارنتها بالقوانين الوضعية، القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية، 1974، ص131.

[5] الموسوعة الفقهية الكويتية، مرجع سابق. 

[6] المرجع السابق نفسه.

[7] أحمد فتحي بهنسي، التعزير، ص 11.

[8] أحمد موافي، بين الجرائم والحدود في الشريعة الإسلامية والقانون، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1966، ص 212.

[9] ابن القيم الجوزية، إغاثة اللهفان، جدة: دار عالم الفوائد، ج1، ص 570-571.

[10] انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، مج 28

 https://short-url.cc/1zlH3

[11] وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، https://shamela.ws/book/384/5431

[12] الزيلعي، تبيين الحقائق، https://shamela.ws/book/23023/833

[13] نقلا عن الموسوعة الفقهية الكويتية، https://shamela.ws/book/11430/7502

[14] الكاساني، بدائع الصنائع، https://shamela.ws/book/8183/1794

[15] انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، المرجع السابق نفسه،  https://short-url.cc/1zlH3

 

[16] محمد سليم العوا، في أصول النظام الجنائي (دراسة مقارنة)، القاهرة: دار نهضة مصر، الطبعة الأولى، 2006م، ص 348.

[17] توفيق الشاوي، محاضرات في التشريع الجنائي في الدول العربية، القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، 1954، ص 21-25.

الصفحة 1 من 42
© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples