
يُعدّ جون إسبوزيتو أحد أبرز المتخصصين في العلاقات الإسلامية - الغربية في العالم، ورائدًا من رواد الدراسات الإسلامية المعاصرة في الأكاديمية الغربية؛ إذ استطاع عبر مؤلفاته المرجعية وإدارته لمركز "الفهم الإسلامي - المسيحي" بجامعة "جورجتاون" أن يطرح رؤية نقدية متوازنة تعيد تشكيل الوعي المعاصر بالقيم الإسلامية وتناهض أدبيات الصدام الحضاري. وفي إطار رسالة موقعنا «حوارات الشريعة والقانون» الساعية إلى تجسير الفجوات المعرفية ومدّ جسور الحوار بين الفكر الإسلامي والأنساق القانونية والحضارية المعاصرة. يسعدنا أن نضع بين أيديكم هذه الترجمة المختصرة لسيرته العلمية، متضمنة إطلالة على أبرز إسهاماته الفكرية وقائمة بأبرز مؤلفاته؛ لتقريب إنتاجه الثري للأوساط البحثية، وإتاحة نافذة مرجعية تعكس مسارات دراسة الشريعة ومستجداتها في سياقها الإنساني والمقارن.
السيرة الذاتية:
ولد جون إسبوزيتو في نيويورك عام 1940، لأسرة إيطالية كاثوليكية متديّنة، وقضى في صباه عشر سنوات في أحد أديرة الرهبان الفرنسيسكان لتهيئته ليصبح قسيسًا، ولكنه تحول بعدها إلى الدراسة المدنية، والتحق بجامعة سانت جون حيث حصل على درجة البكالوريوس في اللاهوت.
التحق بجامعة تمبل لاستكمال دراسته العليا، وتعرف من خلالها على الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي -وهو أحد مشرفيه- وقد نصحه أن يدرس مقرّرًا في الإسلام ضمن دراساته للدكتوراه، وبعد تردد درس المقرر فكان هذا اكتشافًا محوريًا في حياته، إذ وجد الإسلام يعترف بأنبياء العهد القديم، وبالمسيح، ووجد سورة مخصّصة للسيدة مريم في القرآن، وهو ما لم يوجد في الإنجيل، وهذا ما جعله يضع قضية التفاهم بين الإسلام والغرب على رأس أولوياته.
يذكر إسبوزيتو أنه عندما أنهى دراسته في مطالع السبعينيات، لم تكن هناك وظائف في مجال الدراسات الإسلامية، وقد تقدم بطلبات إلى العديد من الجامعات المرموقة لوظائف مختلفة، ولكن لم تتح له إلا وظيفة في كلية الصليب المقدس في ماساتشوستس، ولم يكن هناك أي ناشر أمريكي مهتمًا بنشر أوراقه البحثية أو مقترحات كتبه عن الإسلام، ولكن كل شيء تغير مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، التي جعلت الغرب راغبًا في التعرف على الإسلام، وفي هذا السياق صار إسبوزيتو واحدًا من الخبراء المعدودين في الشأن الإسلامي؛ إذ سمح له بالسفر إلى إيران ومقابلة آية الله الخميني، وعقب عودته طلب منه تثقيف الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كانوا عاجزين عن فهم دواعي عودة الإسلام كنظام للحكم.
مسيرته المهنية:
عمل إسبوزيتو أستاذا في كلية الصليب المقدس طيلة عقدين كاملين واستطاع أن يؤسس أول برنامج للدراسات الإسلامية المهمة في الجامعات الأميركية. وفي عام 1993 انتقل إلى جامعة جورجتاون وكانت إسهاماته فيها غير مسبوقة وعظيمة؛ فقد كان له دورٌ محوري في تأسيس كرسي ماليزيا لدراسة الإسلام في جنوب شرق آسيا، وصندوق حسيب صباغ لدراسة العالم الإسلامي. كما حصل إسبوزيتو على منحةٍ سخية من مؤسسة الوليد لتمويل مركز التفاهم الإسلامي المسيحي الذي تحول عام 2005 إلى "مركز الوليد بن طلال للحوار الإسلامي المسيحي"، حيث شغل منصب المدير المؤسس، وأطلق أيضًا "مبادرة الجسر"، وهي عبارة عن مشروع لرصد وتوثيق ومكافحة الإسلاموفوبيا على مستوى العالم.
ارتبط اسم إسبوزيتو بعدد من المشاريع البحثية الوثيقة الصلة بالإسلام، فقد شغل منصب رئيس تحرير موقع "أكسفورد للدراسات الإسلامية على الإنترنت"، ومحرر سلسلة "مكتبة أكسفورد للدراسات الإسلامية"، ورئيس تحرير موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي، وموسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث، وقاموس أكسفورد للإسلام.
آراؤه الفكرية:
كان إسبوزيتو باحثًا شجاعًا، تحدّى التصورات الاستشراقية الخاطئة عن الإسلام والمسلمين، ورفض النظر إلى الإسلام على أنه "الآخر" بل نظر إلى التراث الإسلامي على أنه تجربة ضمن تجارب الجهود البشرية الرامية إلى بناء عالم عادل وأخلاقي.
حاول في مؤلفاته أن يفهم ويفسر السياسة الدينية لا من منظور الغرب الإمبراطوري، كما يفعل جل الدارسين العربيين، بل من منظور المظلومين والمحتلين والمضطهدين، وجعله هذا متعاطفا مع القضايا الإسلامية. وقيل في تفسير هذا التعاطف إنه نبع من خلفيته الكاثوليكية التي تسعى -كما الإسلام- للتوفيق بين جذورها التاريخية ومبادئها الأخلاقية ومتطلبات الحداثة. كما أظهر تعاطفًا مع معاناة شعوب الجنوب العالمي، وخاصة في العالم العربي والإسلامي، حيث أظهر تأييده للقضية الفلسطينية، ولهذا ركزت واحدة من أهم لوبيات إسرائيل في القطاع الأكاديمي، وهي مجموعة "مراقبة الجامعات" هجماتها عليه منذ إنشائها في 2002 حتى قبل وفاته بفترة وجيزة؛ إذ احتجت على إعادة دار جامعة أوكسفورد نشر كتابه "الإسلام: الصراط المستقيم".
مؤلفاته:
كان إنتاج إسبوزيتو الفكري غزيرًا للغاية. فقد نشر أكثر من 55 كتابًا، معظمها مع مطبعة جامعة أكسفورد. تُرجمت هذه الكتب إلى عشرات اللغات، من بينها العربية والتركية والفارسية والإندونيسية والأردية واللغات الأوروبية واليابانية والصينية، وبعضها كان ضمن المقررات الدراسية الأساسية في الجامعات والكليات حول العالم.
من بين مؤلفاته:
الجوائز
تقديرًا لإسهاماته المتميزة في البحث العلمي والحياة الفكرية والعامة، مُنح إسبوزيتو سبع شهادات دكتوراه فخرية. وحصل على جائزة مارتن إي. مارتي من الأكاديمية الأمريكية للدين للفهم العام للدين، وجائزة قائد أعظم من باكستان للإسهامات المتميزة في الدراسات الإسلامية، وجائزة الأستاذ المتميز من كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون، بالإضافة إلى جائزة الإنجاز البحثي الوظيفي من جامعة جورجتاون.
وفاته:
توفي مؤخرا متأثرا بمضاعفات جراحة قلبية أجريت له، وذلك في منتصف يوليو تموز عام 2026.
يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.