موقع حوارات

موقع حوارات

أعدت هذه الدارسة بتكليف من لجنة الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، كما قام بالبحث والصياغة بدقة المركز الأيرلندي لحقوق الإنسان التابع لجامعة أيرلندا الوطنية غالواي، وأنشئت هذه اللجنة عام 1975 عملًا بقرار الجمعية العامة رقم (3376). وطلبت الجمعية العامة أن توصي اللجنة بوضع برنامج تنفيذي من أجل تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف المتمثلة في تقرير المصير دون تدخل خارجي، وفي الاستقلال والسيادة الوطنيين؛ وفي العودة إلى دياره وممتلكاته التي شُرِّد منها.

مقدمة:

يُعدّ الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967 الحقيقة الوحيدة التي نشأت عليها أجيال من الفلسطينيين. ولا يزال لهذا الوضع آثار بعيدة المدى على حياة الشعب الفلسطيني وحقوقه. ويتعين علينا، كمجتمع دولي، أن نعمل على تعميق فهمنا للمسائل القانونية التي يثيرها هذا الاحتلال الذي طال أمده وتأثيره العميق على حقوق الإنسان والسلام والاستقرار في المنطقة.

وإزاء هذه الخلفية، فإن الدراسة حول شرعية الاحتلال الإسرائيلي تسُدُّ ثغرة معرفية بالغة الأهمية. يطمح هذا التحليل القانوني الشامل إلى المساهمة في خطاب مستنير، وتمكين الأفراد والمؤسسات بتزويدهم بالمعرفة والأدوات للدفاع عن العدالة والمساءلة وإعمال الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني. ومن خلال دراسة الصكوك والاتفاقيات والقرارات القانونية الدولية ذات الصلة، توفر الدراسة أيضًا تقييمًا شاملًا للالتزامات والمسؤوليات القانونية الملقاة على عاتق قوة الاحتلال والأطراف المعنية.

وتؤكد هذه الدراسة أيضا الحاجة الملحة إلى التوصل إلى حل عادل ودائم يستند إلى القانون الدولي لقضية فلسطين بجميع جوانبها. كما تسلط الضوء على ضرورة التمسك بمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك احترام حقوق الإنسان وتقرير المصير وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وهذا الفهم أمر بالغ الأهمية لتهيئة بيئة مواتية تمهد الطريق لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعمال حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال طبيعة هذه الدراسة التي جاءت في حينها في وقت تعمل فيه إسرائيل على تعميق استعمارها وضمها الزاحف للأرض الفلسطينية المحتلة. وفي مشهد عالمي سريع التغير حيث تستمر الديناميات الجيوسياسية في صياغة مضمون النقاش حول قضية فلسطين، توفر الدراسة إطارًا مرجعيًا لصانعي السياسات والدبلوماسيين والمنظمات الدولية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني بشأن تحليل قانوني شامل وموثوق يمكّن من اتخاذ قرارات مستنيرة والدعوة والسعي لتحقيق العدالة.

تناول هذه الدراسة سؤالين مركزيين:

أولًا، تتساءل الدراسة عما إذا كانت إجراءات الضم بحكم الواقع وبحكم القانون المتخذة من قبل إسرائيل، والاستيطان المستمر والاحتلال طويل الأمد للأرض الفلسطينية –الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة – تجعل الاحتلال غير شرعي بموجب القانون الدولي. ثانيًا، تبحث الدراسة في السؤال الذي تطرحه الآثار المترتبة على ثبوت احتلال غير مشروع. إذا كان من الممكن أن يصبح الاحتلال غير شرعي، فما هي العواقب القانونية التي ستلحق بجميع الدول وبالأمم المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار، من بين أمور أخرى، قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ميثاق الأمم المتحدة؛ اتفاقية جنيف الرابعة؛ القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان ذات الصلة؛ فتوى محكمة العدل الدولية الصادر في 9 يوليو 2004؟

تثبت الدراسة أن هناك سببين واضحين في القانون الدولي يحددان متى يمكن تصنيف الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي:

أولًا، عندما ينجم الاحتلال الحربي عن استخدام محظور للقوة يرقى إلى مستوى العمل العدواني، فإن هذا الاحتلال يعتبر غير شرعي منذ بدايته. ثانيًا، عندما يكون الاحتلال الحربي ناتجًا عن استخدام مسموح به للقوة دفاعًا عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، ولكن يتم تنفيذه بعد ذلك بشكل يتجاوز مبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي وينتهك القواعد القطعية للقانون الدولي، فإن سلوك الاحتلال قد يرقى إلى مستوى الاستخدام غير الضروري وغير المتناسب للقوة دفاعًا عن النفس.

وتبحث الدراسة في انتهاكات إسرائيل لقواعد القانون الدولي القطعية، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والحق في تقرير المصير، وحظر التمييز العنصري والفصل العنصري، باعتبارهما مؤشرًا على أن إدارة الاحتلال تنتهك مبادئ ضرورة وتناسب استخدام القوة في الدفاع عن النفس.

طبيعة الاحتلال الحربي:

تناولت الدارسة في هذا الجزء مقدمة موضوعية للطبيعة القانونية للاحتلال الحربي والنهج المتباين الذي تتبعه إسرائيل تجاه احتلال فلسطين. وإذ يقوم بذلك، فإنه يدرس على نطاق واسع المبادئ التي تقوم عليها القوانين التي تحكم الاحتلال الحربي، ويعرض نظرية الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي بموجب قانون الحرب، كما يسلط الضوء على الممارسات الدولية والاجتهاد القضائي الذي يصنّف الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي بموجب قانون مسوِّغات الحرب. علاوة على ذلك، تعرض الدراسة المبادئ الأساسية لسياسات ومواقف إسرائيل الرسمية بشأن طبيعة الاحتلال الحربي لفلسطين، ومشروعها الاستيطاني، وضمها للأرض الفلسطينية.

ترسي القوانين التي تحكم الاحتلال الحربي عددًا من المبادئ المهمة، بما في ذلك طابع الاحتلال، مؤقتًا كان أو فعليًا بحكم الأمر الواقع، كما ورد في المادة 42 من لوائح لاهاي (1907) التي تنص على أن “الأرض تُعتبَر محتلة عندما توضع فعليًا تحت سلطة الجيش المعادي”. وبالتالي، على الرغم من أن السلطة الحكومية قد تكون “معطلة مؤقتًا أو مقيدة إقليميًا” أثناء الاحتلال الحربي، فإن “الدولة تظل نفس الشخص الدولي”. ومن ثم، فإن قوة الاحتلال لا تكتسب السيادة على الأراضي المحتلة، بل إنها ملزمة بإدارة الأراضي مع الموازنة بين المصالح الفضلى للسكان الخاضعين للاحتلال ومصالح الضرورة العسكرية، بموجب مبدأ المحافظة الذي يفرض قيودًا. ومن الجدير بالذكر أن هذه الدراسة تسلط الضوء على مواقف السلطات الرائدة في القانون الدولي التي تعتبر أن ممارسة “الاحتلال المطول” ارتبطت باحتلالات لا تزيد مدتها على أربع أو خمس سنوات، مثل احتلال ألمانيا لبلجيكا لمدة أربع سنوات خلال الحرب العالمية الأولى، أو احتلال ألمانيا للنرويج لمدة خمس سنوات خلال الحرب العالمية الثانية. ويشير المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة مايكل لينك إلى أن الاحتلالات الحديثة المتوافقة مع مبادئ قانون الاحتلال لم تتجاوز 10 سنوات، بما في ذلك الاحتلال الأمريكي لليابان، واحتلال الحلفاء لألمانيا الغربية، واحتلال العراق الذي قادته أمريكا.

وأن اعتبار الاحتلال الحربي غير شرعي لا يقتصر على إسرائيل. على سبيل المثال، رأت محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بالأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو (2005)، أن احتلال أوغندا لإيتوري “ينتهك مبدأ عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية ومبدأ عدم التدخل”. وفي الوقت نفسه، أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة “الاحتلال العراقي غير الشرعي” للكويت، و”الإدارة غير المشروعة” لجنوب أفريقيا في ناميبيا. وفي غضون ذلك، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الثالثة إلى “عدم الاعتراف بشرعية الوضع الناتج عن احتلال أراضي جمهورية أذربيجان” وأدانت البرتغال “لإدامة احتلالها غير الشرعي” لغينيا بيساو. وعلى نحو مماثل، أدانت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "استمرار احتلال فيتنام غير الشرعي لكمبوتشيا". وفي عام 1977، أعربت الجمعية العامة عن قلقها العميق “لكَون الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 لا تزال، لأكثر من عشر سنوات، تحت الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي، ولأن الشعب الفلسطيني، بعد ثلاثة عقود، لا يزال محروماً من ممارسة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف”. وبالمثل، تشير ديباجات القرارات المتعاقبة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة إلى “التأثير الشديد للاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي المستمر بجميع مظاهره”.

وأخيرًا، يختتم هذا الجزء بعرض سياسات إسرائيل ومواقفها من طبيعة إدارتها للأرض الفلسطينية، وشرعية المستوطنات، وضمها للقدس. فعلى سبيل المثال، ترى وزارة الخارجية الإسرائيلية أن هناك “مطالبات متنافسة” على الضفة الغربية “يجب حلها في مفاوضات عملية السلام”، بما في ذلك المستوطنات.  ومع ذلك، رأت محكمة العدل العليا الإسرائيلية، في قضية المجلس الإقليمي لساحل غزة ضد الكنيست الإسرائيلي، أن “النظرة القانونية لجميع الحكومات الإسرائيلية” هي أن “إسرائيل تسيطر على المناطق في إطار احتلال حربي”. ومع ذلك، فإن إسرائيل لا تطبق اتفاقية جنيف الرابعة (1949) على الأراضي المحتلة لأنها لم يتم دمجها في قانونها المحلي؛ ومن الناحية السياسية أيضًا، تعترض إسرائيل على تطبيق الاتفاقية بناءً على نظريتها حول “السيادة المفقودة”. وفي غضون ذلك، تعتبر إسرائيل القدس المحتلة “العاصمة الأبدية غير المقسمة لإسرائيل” وتوضح أن القدس “أعيد توحيدها” في عام 1967 “نتيجة لحرب الأيام الستة التي شنها العالم العربي ضد إسرائيل”.

 

شرعية الاحتلال:

في هذا الجزء قدمت الدراسة سببين منفصلين بموجب قانون مسوِّغات الحرب حيث يمكن اعتبار الاحتلال الحربي غير شرعي، سواء منذ بدايته أم بداية من مرحلة لاحقة من الاحتلال:

أولًا، الاحتلال الناشئ عن عمل عدواني يعتبر غير شرعي منذ بدايته. وتنص المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة على أن “يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة”.  وقد تنشأ المسؤولية الجنائية عن أعمال الاحتلال العدوانية؛ على سبيل المثال، اعتبرت المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ أن النمسا “محتلة وفق خطة عدوان مشتركة”.

ثانيًا، قد يتم تنفيذ الاحتلال الحربي بطريقة ترقى إلى استخدام غير ضروري وغير متناسب للقوة في الدفاع عن النفس. وهنا يوفر الاجتهاد القضائي لمحكمة العدل الدولية إرشادات مفيدة بشأن التناسب. على سبيل المثال، في قضية نيكاراغوا، رأت محكمة العدل الدولية أن “رد فعل الولايات المتحدة في سياق ما اعتبرته دفاعًا عن النفس، قد استمر لفترة طويلة بعد الفترة التي كان من المعقول التوخي فيها هجومًا مسلحًا مفترضًا من جانب نيكاراغوا”. علاوة على ذلك، فيما يخص مسألة الأسلحة النووية، اقترحت محكمة العدل الدولية أن استخدام القوة يجب أن يحترم “على وجه الخصوص مبادئ وقواعد القانون الإنساني” ليكون استخدامًا مشروعًا للقوة في الدفاع عن النفس. وتشير هذه الدراسة إلى أن انتهاك سلطة الاحتلال لمبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي والقواعد القطعية للقانون الدولي يشكل مؤشرا قويا على أن استخدام القوة غير متناسب. وتشمل هذه الانتهاكات ضم الأراضي بحكم الواقع وبحكم القانون، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي من خلال استخدام القوة، والحرمان من حق تقرير المصير، وإدارة الأراضي المحتلة انتهاكاً لحظر التمييز العنصري والفصل العنصري.

بعد تحديد السببين للاحتلال غير الشرعي بموجب قانون مسوِّغات الحرب، تبحث الدراسة، كسبب منفصل ولاحق لعدم الشرعية، في انتهاك قوة الاحتلال لحق فلسطين الخارجي في تقرير المصير كأرض تحت الانتداب. وتنص المادة 1 (2) من ميثاق الأمم المتحدة على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي تفرض على الدول التزامات ذي حجية مطلقة تجاه الكافة. إن حق تقرير المصير له صدى خاص بالنسبة للأراضي الخاضعة للانتداب، التي يُنظر دولياً إلى حقها في تقرير المصير بمثابة “أمانة مقدسة” حتى الاستقلال الكامل. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار أن العملية الاستعمارية قد انتهت تمامًا إلا بعد ممارسة سكان المستعمرة حق تقرير المصير. وتشكل الفتوى بشأن جنوب غرب أفريقيا المثال الرائد للاحتلال غير الشرعي للأراضي الخاضعة للانتداب، والذي تعتبره محكمة العدل الدولية غير شرعي منذ بدايته. ومع ذلك، في حين أن جنوب غرب أفريقيا كان منطقة تحت الانتداب، وبقيت تحت الاحتلال بعد انتهاء الانتداب، فإنه يمكن تمييزها عن فلسطين، التي هي أرض تحت الانتداب خاضعة لاحتلال حربي في سياق نزاع مسلح دولي. ومع ذلك، إذا تمت إدارة الاحتلال بطريقة تحرم الشعب من ممارسة حقه في تقرير المصير والسيادة الخارجية، فيمكن اعتبار ذلك أيضًا انتهاكًا لـ “الأمانة المقدسة”. وحسب الظروف التي تؤدي إلى انتهاك الحق في تقرير المصير، يمكن أن يكون الاحتلال غير شرعي سواء منذ بدايته أو في مرحلة ما بعد ذلك.

 

الأدلة الداعمة للاستنتاج بأن الاحتلال الإسرائيلي أصبح غير شرعي:

يقدم هذا الجزء من الدراسة الأساس الواقعي لدعم الاستنتاج بأن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي. تقدم الدراسة أدلة واضحة ومقنعة على أن إسرائيل هي من هاجمت مصر أولًا، في عمل عدواني، مما جعل الاحتلال المترتب عن ذلك غير شرعي منذ بدايته. وفي اجتماع مجلس الأمن حول هذا الموضوع في عام 1967، تم رفض حجة الدفاع الاستباقي عن النفس باعتبارها تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. واستندت إسرائيل في حججها في الدفاع عن النفس إلى سببين:

الأول، أن الحصار الذي فرضته مصر على مضيق تيران كان بمثابة عمل عدواني؛ وثانيًا، أن الأعمال التي قامت بها جاءت ردًا على هجمات عبر الحدود شنتها طوابير مدرعة مصرية. ولكن الحصار الذي فرضته مصر على مضيق تيران كان في الأساس حصارًا مصريًا على بحرها ردًا على تهديد بهجوم من إسرائيل، وهو يختلف عن “حصار الموانئ أو السواحل” الإسرائيلي. وكما يشير شوارزنبرجر، فإن “المادة 51 من الميثاق تسمح بالتحضير للدفاع عن النفس”. وتشمل التدابير التحضيرية التي تتخذها الدولة للدفاع عن النفس تدابير احترازية خاصة في مياهها الإقليمية. ومع ذلك، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية علنًا أنها هاجمت مصر بشكل استباقي، قائلة: “استبقت إسرائيل الهجوم الحتمي، فضربت القوات الجوية المصرية بينما كانت طائراتها لا تزال على الأرض”. ونظرًا لحظر الضربات الاستباقية، فإن الهجوم الإسرائيلي على مصر قد يرقى إلى مستوى الاستخدام غير المشروع للقوة، مما يجعل الاحتلال اللاحق غير شرعي.

وتتناول الدراسة كذلك انتهاك إسرائيل لثلاثة قواعد قطعية للقانون الدولي كمؤشرات على أن الاحتلال الحربي يُدار بطريقة تنتهك مبدأي الضرورة والتناسب للدفاع عن النفس:

أولًا، تثبت الدراسة أن إسرائيل ضمّت القدس الشرقية في عام 1967، بحكم القانون من خلال إقرار قانون البلديات (تعديل رقم 6)، 5727-1967؛ ثم، في عام 1980، بموجب قانونها شبه الدستوري “قانون أساس: القدس”، ادعت إسرائيل دستوريًا أن المدينة هي “عاصمة إسرائيل”، مما يدل على العداء للاستحواذ على الأراضي بشكل دائم. وتخلص الدراسة كذلك إلى أن إسرائيل قامت بحكم الأمر الواقع بضم المنطقة (ج) من الضفة الغربية. في عام 1967، أشار المستشار القانوني لوزارة الخارجية الإسرائيلية، في برقية سرية، إلى أسباب الضم التي جعلت إسرائيل غير قادرة على تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة (1949): “يتعيّن علينا أن نترك جميع الخيارات مفتوحة فيما يتعلق بالحدود، ويجب ألا نعترف بأن وضعنا في الأراضي الخاضعة للإدارة هو ببساطة وضع قوة احتلال”. على مدى عقود، نفذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خططًا رئيسية لاستيطان الضفة الغربية. وبحلول عام 1992، من أصل 70 ألف هكتار من الأرض الفلسطينية في المنطقة (ج)، لم يتبق سوى 12 في المائة للتنمية الفلسطينية بعد أن استولت عليها إسرائيل باعتبارها “أراضي الدولة”. وفي الوقت نفسه، غيرت إسرائيل التركيبة السكانية للمنطقة (ج) بشكل جذري، حيث قامت بنقل أكثر من 500 ألف مستوطن يهودي إسرائيلي – وهو إجراء لا رجعة فيه وله عواقب دائمة، ويدل على التعبير عن السيادة. وفي الوقت نفسه، تطبق إسرائيل عددًا من قوانينها المحلية مباشرة على الضفة الغربية، بما في ذلك قانون التعليم العالي وقانون محكمة الشؤون الإدارية.

ثانيًا، إن سلوك إسرائيل في إدارة فلسطين المحتلة، والذي يتسم بالطبيعة المطولة للاحتلال وسياساتها وخططها لبناء المستوطنات، يدل بشكل أكبر على انتهاك حق تقرير المصير. إذا أخذنا في الاعتبار المدة الطويلة للاحتلال الإسرائيلي الحربي، حيث مضى الآن حوالي 56 عامًا على صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) الذي يدعو إلى “الانسحاب”، وبعد 45 عامًا من اتفاقيات كامب ديفيد التي أنهت النزاع مع مصر، وبعد 29 عامًا من اتفاق السلام مع الأردن، فمن الواضح أن التهديد الأولي المزعوم الذي دفع إسرائيل إلى اللجوء إلى القوة للدفاع الوقائي عن النفس قد انتهى تماماً وبلا رجعة. وفي الوقت نفسه، أدى تقسيم إسرائيل للممتلكات الفلسطينية غير المنقولة إلى مستوطنات سكنية وزراعية وصناعية وسياحية، ومحميات طبيعية وأثرية، ومناطق إطلاق نار عسكرية، إلى الاستيلاء على أكثر من 100 ألف هكتار من الأرض الفلسطينية الخاصة والعامة، وهدم أكثر من 50 ألف منزل فلسطيني منذ عام 1967. ويمكن القول أن تغيير إسرائيل للحقائق على الأرض، ومحو الوجود الفلسطيني، والتدخل في العملية الديمقراطية، إنما يؤدي إلى تقويض قدرة فلسطين على البقاء كدولة مستقلة، من خلال إنكار الحق الجماعي للشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

ثالثًا، هناك حاليًا اعتراف متزايد بأن إسرائيل تنفذ سياسات وممارسات تمييزية ضد الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر. والجدير بالذكر أن إسرائيل تمنح الحقوق لليهود الإسرائيليين وتميّز بشكل منهجي ضد الفلسطينيين. فقانون حيازة الأراضي 5713-1953، على سبيل المثال، يسهل نقل ملكية الأرض الفلسطينية المصادَرة إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية المختلفة، بما في ذلك هيئة التنمية. ويتم تمكين المنظمات شبه الحكومية، مثل الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، لممارسة التمييز المادي، بما في ذلك منح الأرض الفلسطينية المصادرة لليهود الإسرائيليين. وفي الوقت ذاته، يمكن لليهود الإسرائيليين المطالبة بملكية العقارات السكنية الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة بموجب قانون الشؤون القانونية والإدارية (1970). إن السعي إلى هندسة أغلبية ديموغرافية يهودية وتقليص وإبعاد الفلسطينيين قد تقدّمت به الحكومات المتعاقبة. وبموجب قانون العودة الإسرائيلي (1950)، “يحق لكل يهودي أن يأتي إلى هذا البلد بصفة أوليه” (بصفة مهاجر جديد) ويتم منح الجنسية الإسرائيلية “لكل يهودي يعرب عن رغبته في الاستقرار في إسرائيل”. وفي الوقت نفسه، هناك حوالي سبعة ملايين لاجئ فلسطيني محرومون من حقهم في العودة، بما في ذلك 450 ألف فلسطيني نزحوا كلاجئين خلال النكسة التي أعقبت حرب الأيام الستة عام 1967. وتشير هذه الممارسات، من بين أمور أخرى، إلى أن إسرائيل تدير الأرض الفلسطينية المحتلة في ظل نظام من التمييز العنصري والفصل العنصري المنهجيين.

ويخلص القسم إلى أن انتهاك إسرائيل لحظر الضم، والحرمان من ممارسة حق تقرير المصير، وتطبيق نظام الفصل العنصري في فلسطين المحتلة قد يكون مؤشرًا على إدارة غير شرعية سيئة النية للأرض المحتلة، انتهاكًا لمبادئ الفورية والضرورة والتناسب للدفاع عن النفس. ثم تبحث الدراسة في الآثار المترتبة على الاحتلال بسوء نية على ممارسة حق الشعوب الخارجي في تقرير مصيرها. ونظرًا لوضع فلسطين باعتبارها أرضًا خاضعة للانتداب سابقًا، لا يزال على المجتمع الدولي التزام دولي، باعتباره “أمانة مقدسة” تجاه الشعب الفلسطيني، “بعدم الاعتراف بأي تغيير أحادي الجانب في وضع الأرض”. وفي الفتوى بشأن جنوب غرب أفريقيا، تم الاستغناء بشكل إيجابي على فكرة عودة الأراضي، سواء التي كانت محتلة أو التي كانت خاضعة للانتداب سابقًا، إلى وضعها الاستعماري. وأوضحت محكمة العدل الدولية أن “قبول ادعاء حكومة جنوب أفريقيا بخصوص هذه النقطة كان يستلزم إعادة الأراضي الخاضعة للانتداب إلى الوضع الاستعماري، واستبدال نظام الانتداب بالضم، وهو الأمر الذي تم استبعاده بشكل حازم في عام 1920. والأهم من ذلك، أنه تم الاعتراف بالوضع في فلسطين كحالة “تتعلق بحق تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية أو الأجنبية” والتي لم تتم تسويتها بعد. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتلال الإسرائيلي سيء النية للأرض الفلسطينية التي يتعامل معها على أنها “إقليم متنازع عليه” و “يفتقد السيادة”، وعمليات الضم العديدة بحكم القانون وبحكم الواقع، وتغيير التركيبة الديموغرافية والمشاريع الاستيطانية، من بين انتهاكات أخرى، ينتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وفي السيادة باعتبار الإقليم تحت الانتداب.

 

الالتزام بإنهاء الاحتلال غير الشرعي:

يُلزم القانون الدولي المتعلق بمسؤولية الدول إسرائيل بوقف الأفعال غير المشروعة دولياً وتقديم “التأكيدات والضمانات المناسبة بعدم التكرار”. ومن الجدير بالذكر أن محكمة العدل الدولية رأت أن جنوب أفريقيا ملزَمة “بسحب إدارتها من إقليم ناميبيا”، وبالمثل، شجعت في تشاغوس على إنهاء الإدارة البريطانية لأرخبيل تشاغوس “في أسرع وقت ممكن”. بالنسبة لفلسطين، فإن الرد المناسب يمكن أن يتخذ شكل إطلاق سراح السجناء السياسيين الفلسطينيين؛ إعادة الممتلكات، بما في ذلك الممتلكات الثقافية التي استولت عليها سلطات الاحتلال؛ وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية؛ رفع الحصار عن قطاع غزة؛ وتفكيك نظام الفصل العنصري المؤسسي القائم على القوانين والسياسات والممارسات التمييزية؛ وتفكيك إدارة الاحتلال. ونظرًا لعدم تنفيذ إسرائيل للفتوى السابقة بشأن بناء جدار الضم، فإن التأكيدات والضمانات بعدم التكرار قد لا تكون علاجًا كافيًا. وقد يكون من الضروري أيضًا إنشاء لجنة تحكيم محايدة للنظر في المطالبات الجماعية الناشئة عن عواقب الانتهاكات التي ترتكبها سلطة الاحتلال. والجدير بالذكر أن دراسة أجراها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عام 2019 خلصت إلى أن التكلفة المالية التراكمية التي يتحملها الاقتصاد الفلسطيني بسبب الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة 2000-2019 تقدر بنحو 58 مليار دولار أمريكي. وفي قطاع غزة، قدرت التكاليف الاقتصادية للاحتلال في الفترة 2007-2018 بنحو 16.7 مليار دولار. إن استغلال الموارد الطبيعية ومنع تطويرها كلّف الاقتصاد الفلسطيني 7.162 مليار دولار أمريكي على مدى 18 عامًا من عائدات الغاز من بحر غزة و67.9 مليار دولار أمريكي من عائدات النفط من حقل مجد النفطي في رَنْتِيس. وإجمالًا، تقدر الخسائر التي تكبدتها فلسطين منذ عام 1948، بأكثر من 300 مليار دولار.

وتُظهر الدراسة أن الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي وانتهاكاته للمعايير القطعية للقانون الدولي له عواقب دولية، وأن الدول الثالثة والمجتمع الدولي ملزمون بوضع حد للإدارة غير الشرعية للأراضي المحتلة. ومن خلال القيام بذلك، تُبرز هذه الدراسة متطلبات الإنهاء الكامل للاحتلال وإنهاء الاستعمار في الأرض الفلسطينية، بدءً بالانسحاب الفوري وغير المشروط والكامل لقوات الاحتلال الإسرائيلية وتفكيك الإدارة العسكرية. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الانسحاب، باعتباره إنهاء فعل غير مشروع دوليا، لا يمكن أن يكون موضوعًا للتفاوض. وينبغي تنفيذ العقوبات والتدابير المضادة الكاملة، بما في ذلك القيود الاقتصادية وحظر الأسلحة وقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، على الفور، كرد فعل تجاه الكافة من جانب الدول الثالثة والمجتمع الدولي على انتهاكات إسرائيل الخطيرة لقواعد القانون الدولي القطعية. ويجب على المجتمع الدولي أن يتخذ خطوات فورية نحو إعمال الحقوق الجماعية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك اللاجئين والمنفيين في الشتات، بدءً بإجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة، للشروع في استكمال عملية إنهاء الاستعمار.

وحثّ قرار مجلس الأمن 2334 (2016) بشكل خاص على بذل جهود دولية ودبلوماسية دون تأخير “لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967”. ومع ذلك، يبدو أن هذه الجهود الدبلوماسية منذ التسعينيات مبنية على صيغة “الأرض مقابل السلام” المشكوك فيها، والتي إذا تم استخدامها لحرمان السكان الفلسطينيين المحميين من حقوقهم غير القابلة للتصرف في تقرير المصير والسيادة الدائمة على الموارد الوطنية، فإنها ستشكل أيضًا عملاً غير مشروع دوليًا. وعليه، فإن التزام الدولة بالانسحاب من الأراضي المحتلة بشكل غير مشروع هو التزام غير مشروط وفوري ومطلق. وتتضمن قرارات الجمعية العامة شروطًا مهمة لـ “الانسحاب الكامل وغير المشروط” لإسرائيل، بمعنى أن الانسحاب لا يجب أن يكون موضوعًا للتفاوض، بل هو بالأحرى إنهاء الفعل غير المشروع دوليًا.

 

الخلاصة:

خلصت الدراسة إلى أن خارطة الطريق الأكثر تبصّرًا لإنهاء الاحتلال وإنهاء الاستعمار في الأرض الفلسطينية تأتي في شكل نسيج غني من توصيات الدول الثالثة والتوصيات الدولية المقدمة في قضيتي شاغوس وناميبيا. ومن الواضح أيضًا أن القانون العام المتعلق بمسؤولية الدول عن الانتهاكات الجسيمة للقواعد القطعية للقانون الدولي يمكن أن يستمد من قرارات مجلس الأمن “كفكرة عامة تنطبق على جميع الحالات الناجمة عن انتهاكات جسيمة”، بما في ذلك حظر المساعدة أو المساعدة في الحفاظ على النظام غير الشرعي. ومن الطبيعي أن المحكمة الأنسب لفحص مشروعية الاحتلال هي محكمة العدل الدولية. وسواء كان الاحتلال غير شرعي منذ بدايته أو أصبح غير مشروع، فإن العواقب يجب أن تكون الانسحاب الفوري وغير المشروط والكامل للقوات العسكرية الإسرائيلية؛ انسحاب المستوطنين؛ وتفكيك النظام الإداري العسكري، مع تعليمات واضحة بأن الانسحاب بسبب ارتكاب فعل غير مشروع دوليًا لا يخضع للتفاوض. وينبغي القيام بإجراءات جبر كامل ومتناسب لفائدة الأفراد والشركات والكيانات الفلسطينية عن الأضرار التي لحقت بالأجيال والناجمة عن مصادرة إسرائيل للأراضي والممتلكات، وهدم المنازل، ونهب الموارد الطبيعية، والحرمان من العودة، وغيرها من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تم التخطيط لها من أجل تحقيق الأهداف الاستعمارية والتوسعية لمحتل غير شرعي.

____________

شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، لجنة الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، 27 نوفمبر 2023، https://2u.pw/dj3zMKX

رابط ملف الدراسة كاملة

أكد أستاذ القانون الدولي أحمد أبو الوفا أن مشاركة مصر في الرأي الاستشاري الذي طلبته الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية حول السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس له علاقة بالدعوى التي أقامتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام المحكمة.

وأن الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا تعلقت بنقطة واحدة، وهي إبادة الجنس، وفقا لاتفاقية 1948 التي تبنتها الجمعية العامة والخاصة بمنع جريمة إبادة الجنس والمعاقبة عليها، وهذه نقطة في بحر".

وأضاف "لكن الرأي الاستشاري الذي طلبته الجمعية العامة في عام 2022، حتى قبل تنفيذ عملية طوفان الأقصى في أكتوبر الماضي (هجوم حركة حماس على بلدات إسرائيلية متاخمة لقطاع غزة)، يخص آثار الاحتلال العسكري والوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

وتابع قائلًا "هذا الاحتلال العسكري سيتم بحثه من عدة نقاط، وهي ضرورة إنهاء هذا الاحتلال وعدم تهجير الفلسطينيين وعدم إقامة مستوطنات، فكل أثر من آثار هذا الاحتلال يجب أن يزول".

واحتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي أراضي فلسطينية، في حرب عام 1967. وانسحبت إسرائيل من غزة عام 2005، غير أنها ما زالت تسيطر على حدود القطاع الساحلي الضيق.

وطلبت الأمم المتحدة في 2022 رأيًا استشاريًا من محكمة العدل الدولية حول الاحتلال الإسرائيلي، ومن المقرر أن تلقي أكثر من 50 دولة مرافعات أمام المحكمة في لاهاي حتى 26 فبراير شباط.

ومصر من بين الدول التي من المنتظر مشاركتها في جلسات الاستماع بجانب الولايات المتحدة والصين وروسيا وجنوب أفريقيا.

وقال رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ضياء رشوان يوم الأحد إن مصر ستقدم مرافعتها يوم 21 فبراير شباط. ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية عن رشوان قوله إن المرافعة الشفهية ستتضمن تأكيد اختصاص محكمة العدل الدولية بنظر الرأي الاستشاري، ونظرًا لأن الأمر يتناول الأبعاد القانونية للمستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومضى أبو الوفا قائلًا "مشاركة مصر في هذه المرافعات أمر ضروري نظرا للقرب الجغرافي والحدود المشتركة، كما أن مصر هي المعني الأول بالقضية الفلسطينية، وهي أكثر الدول التي شاركت في الحروب وتضررت من آثارها وتحملت أعباء اقتصادية ومالية وتجارية كثيرة".

وردا على سؤال حول أهمية الرأي الاستشاري الذي ستصدره محكمة العدل الدولية، قال أبو الوفا "سيترافع أمام المحكمة حوالي 52 دولة، وثلاث منظمات دولية، وغير مطلوب من المحكمة إصدار حكم، بل إصدار فتوى أو رأي استشاري حول القضايا الخاصة بهذا الاحتلال البغيض للأراضي الفلسطينية".

وأضاف "الرأي الاستشاري يختلف عن الحكم، حيث أنه غير ملزم أما الحكم فيكون ملزمًا، لكن عدم إلزامية هذا الرأي الاستشاري لا تعني أن ليس له جدوى أو فائدة".

وتابع قائلًا "سيكون له جدوى لأنه يصدر عن أعلى محكمة دولية، وستحدد لنا القواعد القانونية، وستقر أن هذه القواعد تنطبق على الاحتلال القائم للأراضي الفلسطينية، مما يثبت أركان الحق الفلسطيني، ويشكل صفعة قوية لدولة الاحتلال على وسلوكياتها تجاه هذا الشعب الضعيف".

وهذه هي ثاني مرة تطلب فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية إصدار رأي استشاري حول الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقالت المحكمة في 2004 إن الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية ينتهك القانون الدولي ويجب تفكيكه.

________________

عمرو طه، أحمد ماهر، خبير قانوني لـAWP: مشاركة مصر في المرافعات أمام محكمة العدل الدولية ليس له علاقة بدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وكالة أنباء العالم العربي، 20 فبراير 2024، https://2u.pw/wsxl1dn

مما لا شك فيه أن فكرة الضرورة العسكرية (Military necessity)[1] ليست حديثة النشأة بل هي فكرة قديمة أثارت العديد من الإشكاليات لا سيما في فترات النزاعات المسلحة سواء الدولية أم غير ذات الطابع الدولي، وكلما حدث نزاع مسلح أثيرت فكرة الضرورة العسكرية من جديد[2]، ويمكن القول بأن فكرة الضرورة العسكرية هي التي تبرر الخروج عل الأصل الذي يتمثل في عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية[3]، فكثيرًا ما تلجأ الدول بسببه إلى استخدام القوة والسلاح دفاعًا عن أراضيها ومواطنيها والممتلكات العامة والخاصة بها، ومن هذه الحالات التي قد تلجأ فيها الدول لاستخدام السلاح والقوة العسكرية حالة الضرورة العسكرية، وفيها تستخدم الدول القوة العسكرية لدفع خطر قد يسبب ضررًا لا يمكن تفادي أثاره في المستقبل[4]، حينها يبرز مفهوم "الضرورة العسكرية أو ما يطلق عليه البعض الضرورة الحربية"[5].

 

تعريف الضرورة العسكرية لغةً:

يحتوي مصطلح الضرورة العسكرية على مفردتين: "ضرورة" و"عسكرية"، والضرورة لغة اسم بمعنى الاضطرار، والحاجة الملحة والشدة، ويقال رجل ذو ضرورة أي ذو حاجة[6]، وجاء في لسان العرب أن الضرورة اسم لمصدر الاضطرار، تقول حملتني الضرورة على كذا وكذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا[7]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيِّنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ باغ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم﴾ [سورة النحل الآية: 115]، أي فمن أُلجئ لأكل الميتة وما حرم وضُيق عليه الأمر بالجوع، وأصله من الضرر وهو الضيق[8]، ومنه قيل في القاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات"[9].

وأما مفردة "العسكر" لغة فأصلها فارسي عُرِّب، وأصله لشكر ويريدون به الجيش، ويقرب منه قول ابن الأعرابي إنه الكثير من كل شيء، يقال عسكر من رجال ومال وخيل وكلاب، وعسكر الرجل جماعة ماله ونعمه، ويقال العسكر مقبل ومقبلون فالإفراد على اللفظ والجمع على المعنى[10]، والعسكرة الشدة والجدب، وقالوا العسكران عرفة ومنى؛ لتجمع الناس فيهما، والعسكر مجتمع الجيش، وعسكر الليل ظلمته، وقد عسكر الليل؛ تراكمت ظلمته[11].

 

تعريف الضرورة اصطلاحًا في الفقه الإسلامي:

اتفق الفقه الإسلامي على قاعدة شرعية وهي أن "الضرورات تبيح المحظورات"[12]، وجاء في الأشباه والنظائر للسيوطي بأن الضرورة هي "بلوغ المكلف حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب على الهلاك"[13]، وعرفها المالكية بأنه: " الخوف على النفس من الهلاك علمًا أو ظنًا"[14]، ومثل الفقهاء المسلمين للضرورة بحال تترس العدو بالمدنيين يقاتل من خلفهم، لو كففنا عنهم والتحمت الصفوف ظفروا وتمكنوا واتخذت عادة فيهم، وعند الضرورة فحفظ الجيش أهم[15].

ويجب أن نشير هنا إلى أن الشريعة الإسلامية تُعد هي أسبق الشرائع في الأخذ بنظرية الضرورة، كما وضعت لها القواعد المحكمة التي تكفل الوقوف عند حد الضرورة بل وجعلت منها أيضًا الوجه الثاني للمشروعية، وبمقتضاها تملك السلطة العامة حفظًا للمصالح الأساسية للمجتمع الإسلامي إصدار القرارات التي توجبها الضرورة، والتي تخالف الأحكام التي قررها الشارع للظروف العادية بحيث لا تعتبر هذه القرارات اعتداءً علي مبدأ المشروعية، وإنما تُعد هذه القرارات مشروعة ومرتبه بكافة آثارها باعتبارها الشريعة اللازمة والواجب تطبيقها إعمالًا لما تقتضيه الضرورة، وذلك لأن حدود المشروعية في الظروف الاستثنائية لابد وأن تختلف عن حدودها في الظروف العادية[16].

ويمكن تعريف الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي بأنها: "الوسائل التي تؤدي إلى التسليم الكامل أو الجزئي من قبل العدو بأسرع وقت ممكن وبطرق القهر المنظمة التي لا تتعارض مع القانون والعرف، وما زاد عن تلك الوسائل فهو محرم؛ لأنه خارج عن الضرورة الحربية"[17].

وفي الحقيقة إن قراءة هذا المفهوم على هذا النحو قد يثير بعض الغموض، ولإزالة هذا الغموض يتعين قراءة هذا المفهوم على النحو الآتي[18]:

  • الوسائل لفظ عام، فقد تكون مادية كالسلاح، وقد تكون غير ذلك؛ كالحصار أو قطع المؤونة وكل وسيلة مشروعة تمكن من تحقيق هدف عسكري، والهدف التسليم الكامل أو الجزئي.
  • المقصود بالتسليم الكامل إحكام السيطرة التامة على العدو وإنهاء سطوته وقدرته على القتال وإبعاد الخطر والضرورة، أما التسليم الجزئي فهو ما يمكن من إضعاف قوة العدو، أو يفتح ثغرًا يمكن من فرض السيطرة على ما تبقى، ويحقق بذلك هدفًا عسكريًا جليًا.
  • يذكر المفهوم السابق أن يتم الأمر بأسرع وقت ممكن وهذا ضابط يحد من توسع الإطار الزمني للنزاع والقتال وما يزيد الدماء سفكًا وهلاك النسل والحرث، ثم إن طرق القهر والقوة يجب أن تكون منظمة بحيث لا تتعارض مع قواعد النزاع تجنبًا للعشوائية وعدم التمييز، ومنه الوقوع في المحظور، وذلك وفق هندسة دقيقة للعمل العسكري تضمن مشروعية الوسيلة العسكرية، والتصرف وفق الضرورة والتي تقدر بقدرها فلا يمكن اعتباره من الضرورة ما زاد عن تلك الوسائل، فما يمكن تحقيقه من أهداف عسكرية واضحة وكافية بوسائل غير قتالية، كالحصار العسكري أو قطع المؤونة، واستعملت فيه وسائل قتالية يعتبر تجاوزا للضرورة العسكرية، وعليه فالضرورة العسكرية تقتضي التقيد بالمشروعية، فكل أعمال الإنسان المسلم تعبدية في السلم والحرب، يبتغي من خلالها مرضاة الله وثوابه في الدنيا والآخرة[19].

 

تعريف الضرورة العسكرية في القانون الدولي العام وفي القانون الدولي الإنساني:

إذا نظرنا إلى موقف القانون الدولي العام من مصطلح الضرورة، فيمكن القول بأن قواعده لم تعرف مصطلح الضرورة، ولكنها جاءت لتكرس حالة الضرورة، وعدم التزام القواعد الدولية للحقوق والحريات في حالة الطوارئ، وخير مثال على ذلك ما جاء في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وتحديدًا في نص المادة (4/1) التي تنص على أنه: "في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميًا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شرط عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي"[20]، وكما هو واضح من نص المادة السابقة فإنها تتحدث عن الحالات الطارئة التي تجيز استثناء اتخاذ تدابير وفي نطاق ضيق، تعبيرا عن حالة الاضطرار[21].

وقد أجمعَ فقهاءُ القانون الدولي على تعريفِ الضرورة العسكرية بأنَّها: "الحالةُ التي تكون مُلحةً لدرجةِ أنَّها لا تترك وقتًا كافيًا للأطراف المُتحاربة لاختيار الوسائل المُستخدمة في أعمالها، أو هي الأحوالُ التي تظهر أثناء الحرب وتفرض حال قيامها ارتكاب أفعال مُعيَّنة على وجه السرعة بسبب موقف، أو ظروف استثنائية ناشئة في ذات اللحظة"[22].

وتأسيسًا على ما سبق يمكن القول بأن مفهوم الضرورة العسكرية في القانون الدولي الإنساني[23] يتمثل في عدم تجاوز مقتضيات الحرب، وهي تحقيق النصر وإضعاف قدرة العدو بالطرق والأساليب التي لا تخالف أي حكم من قوانين الحرب سواء كان هذا الحكم قد تقرر بموجب قاعدة عرفية أم اتفاقية، فلا يجوز مهاجمة الأهداف المدنية حتى لو كانت خالية من السكان المدنيين لعدم وجود ضرورة تسوغ ذلك[24].

وبعبارة أخرى يمكن القول بأن مبدأ الضرورة يدور في إطار فكرة قوامها أنَّ استعمالَ أساليب العنف والقسوة والخداع في الحرب يقف عند حد قهر العدو وتحقيق الهدف من الحرب وهو هزيمته وتحقيق النصر[25]، أو إخضاع الطرف الآخر وإلحاق الهزيمة به، فإذا ما تحقَّق الهدفُ من الحربِ على هذا النحو، امتنع التمادي والاستمرار في توجيه الأعمال العدائيَّة ضد الطرفِ الآخر[26].

ومما تجدُر الإشارةُ إليه أنَّ مبدأ الضرورة العسكريَّة قد وردت الإشارةُ إليه صراحةً في كثيرٍ من مواد الاتفاقات سارية المفعول في أوقاتِ الحروب والنزاعات المُسَلَّحة ومنها[27]:

  • المواد (23/ج) من اتفاقيَّة لاهاي الرابعة لعام 1907.
  • المواد (4/2،11/2) من اتفاقيَّة لاهاي المُتَعَلِّقة بحماية الأعيان الثقافيَّة في أثناء النزاع المُسَلَّح لعام 1954.
  • المواد (53، 143، 147) من اتفاقيَّة جنيف الرابعة.
  • المادة (126) من اتفاقيَّة جنيف الثالثة المُتَعَلِّقة بأسري الحرب.
  • المواد (8، 28، 51) من اتفاقيَّة جنيف الثانية المُتَعَلِّقة بتحسين أحوال الجرحى والمرضى ومنكوبي السفن أفراد القوات المُسَلَّحة في البحر.
  • المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأوَّل باتفاقيَّات جنيـف.

 

الفرق بين حالة الضرورة العسكرية وحالة الدفاع الشرعي:

قد يتداخل على القارئ مصطلح حالة الضرورة ومصطلح حالة الدفاع الشرعي، ولكن هناك اختلافات وفروق بين الحالتين، نوضحها فيما يلي[28]:

  • تشترك حالة الضرورة العسكرية وحالة الدفاع الشرعي في أن كلا الحالتين يحميان المصلحة الأجدر بالحماية والرعاية، وأنهما يقومان بالدفاع عن المعتدى عليه لا المعتدي، ويجوز في الحالتين استعمال القوة المسلحة للدفاع في هذه الحالة.
  • تنشأ حالة الدفاع الشرعي بناءً على عدوان صادر من دولة معتدية، فيكون من حق الدولة أن تدافع عن نفسها، وتدفع هذا العدوان، أما حالة الضرورة العسكرية فتنشأ نتيجة خطر يهددها قد يترتب على وقوعه ضرر جسيم يلحقها أيا كان مرتكبه.
  • حالة الدفاع الشرعي تكون في صورة رد فعل أو عدوان قد تحقق على أرض الواقع، أما حالة الضرورة العسكرية فلا يشترط أن يكون هناك فعل قد حدث، وإنما تنشأ في حالة ما إذا كان متوقعًا حدوث هذا الفعل، حتى ولو كانت حالة الضرورة قد تمس أشخاصًا لم يرتكبوا أي فعل إجرامي وقتها، ولكن يتوقع حصوله منهم فيما بعد لو لم تتم مقاومتهم.
  • يمثل الدفاع الشرعي سببًا من أسباب الإباحة؛ إذ يترتب عليه زوال صفة عدم المشروعية عن الفعل، خلافا لحالة الضرورة التي تعد مانعًا من موانع المسئولية، فيظل الذي تأتيه الدولة في حالة الضرورة غير مشروع مع رفع العقوبة نظرًا لانتفاء المسئولية الجنائية عنها، ومنه قد يوجب الفعل المرتكب في حالة الضرورة تعويض الضرر الذي سببه، ويجوز الدفاع الشرعي ضده[29].

 

الشروط الواجبة توافرها للاستناد إلى مبدأ الضرورة العسكرية:

          اتَّفق الفقهُ والقضاءُ الدوليَّان على أنَّ الضرورة العسكريَّة محكومةٌ ومُقيَّدةٌ بعدة شروط قانونيَّة هي[30]:

  • ارتباطُ قيام هذه الحالة بسير العمليَّات الحربية خلال مراحل القتال بين المُتحاربين، أو لحظة الاشتباك المُسَلَّح بين قوات الاحتلال والمُقاومة، ولذلك لا يُمْكِن الادِّعاء بتوافر الضرورة الحربية في حالةِ الهدوء وتوقف القتال.
  • الطبيعةُ المؤقَّتةُ وغير الدائمة للضرورة الحربية، وإنما هي – بالنظر لطابعها الاستثنائي- ليست أكثر من حالة واقعية تبدأ ببداية الفعل وتنتهي بنهايته وزواله، فإذا ما كان مُبرِّر هذه الضرورة مثلًا تدمير منزل لصد هجوم، زالت الضرورة بانتهاء التدمير أثناء الهجوم، ولكن لا يجوز تدمير المنزل بعد انتهائه.
  • ألَّا تكون الإجراءاتُ المُستخدمةُ لتنفيذ حالة الضرورة محظورةً بموجب أحكام وقواعد القانون الدولي كالتذرُّع باستخدام الأسلحة المحرَّمة دوليًا أو قصف وإبادة السُكَّان المدنيين أو عمليات الثأر والاقتصاص من المدنيين ومُمْتَلَكاتهم بحجة الضرورة العسكريَّة.
  • ألَّا يكون أمام القوات المُتحاربة في حالة الضرورة أي خيار بتحديد طبيعة ونوع الوسائل سوى التي استُخْدِمَت بالفعل حال قيام وتوافر الضرورة الحربية، والتي تسمح باستخدام وسائل مُتفاوتة الضرر، مثل استخدام وسيلة الاستيلاء والمُصادرة للمُمْتَلَكات كإجراءٍ بديل عن التدمير أو الأسر بدلًا من القتل، ويجب في هذه الحالة على القوات المُتحاربة العزوف عن التدمير أو القتل، واللجوء إلى استخدام البدائل الأخرى الأقل ضررًا[31].

 

الهوامش:

[1] ترجع فكرة الضرورة العسكرية في القانون الدولي الإنساني إلى ميكافيللي الذي خلص في كتابه "الأمير" إلى أن "أنَّ الحربَ تكون عادلةً عندما تكون ضروريةً، وأنَّ الرغبةَ في الانتصار شيءٌ طبيعي وعام، ويبرر استخدام القوة الضرورية اللازمة لتحقيق هذه الرغبة".

انظر: د. إبراهيم دسوقي أباظة ود. عبد العزيز الغنام، تاريخ الفكر السياسي، دار النجاح، بيروت، لبنان، 1973م، ص173-185.

[2] انظر: د. روشو خالد، مفهوم الضرورة العسكرية في القانون الدولي، مجلة المعيار، مج: 4، ع: 8، ديسمبر 2013م، ص75.

[3] انظر: د. عمر صالح علي العكور، محددات تطبيق مبدأ الضرورة في القانون الدولي الإنساني، المجلة العالمية للتسويق الإسلامي، الهيئة العالمية للتسويق الإسلامي، مج: 6، ع: 3، سبتمبر 2017م، ص95.

[4] مصاب مصطفى: مبدأ الضرورة العسكرية في القانون الدولي، محامو الأردن في 10 سبتمبر 2021م، https://jordan-lawyer.com/2021/09/10/principle-of-military-necessity/ (تاريخ الدخول الثلاثاء الموافق 20 فبراير 2024م).

[5] انظر: بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مخبر الدراسات الفقهية والقضائية، جامعة الوادي، الجزائر، سبتمبر 2020م،  ط1، ص21.

[6] انظر: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مصطفى حجازي، مج: 12، مطبعة الكويت، 1973م، ص358.

[7] انظر: جمال الدين محمد بن مكرم المعروف بابن منظور المصري الأفريقي، لسان العرب، ج: 4، دار صادر، بيروت، لبنان، 199م، ص483.

[8] المرجع السابق، ص483.

[9] انظر: عامر عبد الحسين عباس، مبدأ الضرورة الحربية في القانون الدولي الإنساني، مجلة مركز دراسات الكوفة، ع: 55، ديسمبر 2019م، ص587.

[10] بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص22-23.

[11] انظر: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مج: 13، مرجع سابق، ص38-39.

[12] إن المتفق عليه في الفقه الإسلامي أن المحظورات هي الممنوعات والمحرمات التي أمر الشرع الحكيم المكلفين بتجنبها وتركها على وجه الإلزام، فأوجب العقاب على فاعلها والثواب لتاركها، وهي كل ما يمنع على المسلم تناولها والعمل بها، فالمكلف قد تلجئه الحاجة الملحة دفعا للهلاك على نفسه أو غيره، والقاعدة تقول: "أن الضرورات تبيح المحظورات" واستنادا لقوله تعالى: ﴿ قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[سورة الأنعام الآية: 145] ووجه الدلالة في الآية أن الضرورة تبيح تناول المحظور.

بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص23-24.

[13] انظر: جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر، ج: 1، د. ت، ص84.

[14] ورد هذا التعريف في: عبد العزيز الزيني، الضرورة في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، مؤسسة الثقافة، الإسكندرية، 1993م، ص19.

[15] ابن قدامة المقدسي، الكافي، ج: 5، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية، د.ت، ص478. مشار إليه في: بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص24-25.

[16] انظر: د. فؤاد النادي، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الدولة للقانون في الفقه الإسلامي، دار الكتاب الجامعي، 1980م، ط2، ص91؛ باسم أحمد محمد أحمد الهجرسي، نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية والقانون الدستوري "دراسة مقارنة"، مجلة كلية الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف، دقهلية، مج:  15، ع: 6، 2013م، ص 3278. 

[17] انظر: بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، رسالة ماجستير، معهد العلوم الإسلامية، جامعة الشهيد حمه لخضر- الوادي، الجزائر، 2016م/ 2017م، ص12.

[18] المرجع السابق، ص12.

[19]) في قضية الجدار العازل تذرعت إسرائيل بأنها في حالة ضرورة، ولكن محكمة العدل الدوليَّة لم تستجب لهذه الحجة؛ حيث إنَّها اعتبرت أنَّ حالة الضرورة تشكل سببًا يعترف به القانونُ الدولي العرفي، ولا يُمْكِن التذرُّع به إلَّا استثناءً، وضمن بعض الشروط المُحددة بصورة ضيِّقة والتي يجب توفرها جميعًا، وقد خلُصَت محكمةُ العدل الدوليَّة إلى عدم توافر شروط حالة الضرورة من أجل بناء الجدار، حيث نصَّت في الفتوى رقم 137 على الآتي: "وخلاصةُ القول: إنَّ المحكمة غير مُقتنعة من المواد المُتاحة لها، بأنَّ المسار المُحدد الذي اختارته إسرائيل للجدار أمر يقتضيه تحقيق أهدافها الأمنية، فالجدار على امتداد الطريق المُختار، والنظام المُرتبط به يشكلان انتهاكًا خطيرًا لعدد من حقوق الفلسطينيين المُقيمين في الأرض التي تحتلها إسرائيل، والانتهاكات الناشئة عن ذلك المسار لا يمكن تبريرها بالضرورات العسكرية أو بدواعي الأمن القومي أو النظام العام، وتبعًا لذلك فإن تشييد جدارٍ من هذا القبيل يُشكِّل إخلالًا من جانب إسرائيل بالتزامات شتى واجبة عليها بمُقتضى القانون الإنساني الدولي الساري وصكوك حقوق الإنسان". للمزيدِ من التفاصيل عن فتوى محكمة العدل الدوليَّة بشأن الجدار العازل. انظر: أنيس مصطفى القاسم (محررًا) وآخرون" الجدار العازل الإسرائيلي.. فتوى محكمة العدل الدوليَّة- دراسات ونصوص"، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت، حزيران/ يونيه 2007، مشار إليه في: د. هشام بشير وإبراهيم عبدربه إبراهيم، المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، دار الكتب والدراسات العربية، الإسكندرية، 2019م، ص77.

[20] للاطلاع على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يمكن الاطلاع على مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، موقع الأمم المتحدة، https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights (تاريخ الدخول الثلاثاء الموافق 20 فبراير 2024م).

[21] بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص26.

[22] انظر: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المبادئ الأساسيَّة للقانون الدولي الإنساني، سلسلة القانون الدولي الإنساني رقم 2، 2008م، ص6.

[23] يقوم القانونُ الدولي الإنساني على أساس الموازنة بين مُتطلِّبات الضرورة العسكريَّة والاعتبارات الإِنْسَانيَّة، فالضرورةُ العسكريَّة تتطلَّب استخدامَ القوة العسكريَّة بالقدرِ اللازم لتحقيقِ ميزة أو تَفَوق عسكري، بينما تتطلَّب الاعتبارات الإِنْسَانيَّة أنْ يتم تحقيق هذه الميزة بأقل الخسائر في الأرواح والمُعدَّات وبأكثر الوسائل والأساليب. انظر: جان بكتيه، القانونُ الدولي الإنساني تطوره ومبادئه، معهد هنري دونان، جنيف، 1984م، ص46.

[24] انظر: حيدر كاظم عبد علي مالك عباس جيثوم، القواعد المتعلقة بوسائل وأساليب القتال أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، كلية القانون، جامعة بابل، العراق، ع: 2، السنة الرابعة، ص161.

[25] انظر: د. حامد سلطان، الحربُ في نطاق القانون الدولي، المجلة المصرية للقانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، القاهرة، ع: 25، 1969م، ص18.

[26] د. هشام بشير وإبراهيم عبدربه إبراهيم، المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص75.

[27] انظر:  د. أحمد عبد الونيس، الحمايةُ الدوليَّة للبيئة في النزاعات المُسَلَّحة، المجلة المصرية للقانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، القاهرة، ع: 52،، 1996م.، ص76 وما بعدها.

[28] مصاب مصطفى: مبدأ الضرورة العسكرية في القانون الدولي، محامو الأردن في 10 سبتمبر 2021م، https://jordan-lawyer.com/2021/09/10/principle-of-military-necessity/ (تاريخ الدخول الثلاثاء الموافق 20 فبراير 2024م).

[29] حالة الدفاع الشرعي منصوص عليها في المواثيق والقواعد القانونية والاتفاقيات المختلفة، ومن ذلك نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على أن: "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالًا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس - بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق - من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".

[30] اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المبادئ الأساسيَّة للقانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص6.  

[31] د. هشام بشير وإبراهيم عبدربه إبراهيم، المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص76-77.

(1) اسمه ومولده ونشأته العلمية:

اسمه محمد معروف الدواليبي ولد في مدينة حلب في 29/3/1909م ونشأ فيها، حيث أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي، فحصل على شهادة في الشريعة والعلوم الإسلامية من (المدرسة الخسروية) في حلب. ثم حصل على (الليسانس) في الحقوق والليسانس) في الآداب من جامعة دمشق، ثم سافر إلى فرنسا فحصل فيها على دبلوم في الدراسات العليا في الحقوق الرومانية، وعلى الدكتوراه في الحقوق، وعلى دبلوم في الحقوق الكنسية من جامعة باريس.

 

(2) عمله العلمي:

عمل أستاذًا في كلية الحقوق بدمشق، ورئيسًا لقسم تاريخ القانون والحقوق الرومانية في الكلية نفسها، وأستاذًا في كلية الشريعة بجامعة دمشق.

 

(3) مؤلفاته:

  1. المدخل إلى علم أصول الفقه.
  2. المدخل إلى السنة وعلومها.
  3. الاجتهاد في الحقوق الإسلامية (باللغة الفرنسية).
  4. الإسلام أمام الاشتراكية والرأسمالية (بالعربية والإنكليزية).
  5. نظرات إسلامية في الاشتراكية الثورية.
  6. المدخل إلى التاريخ العام للقانون.
  7. الوجيز في الحقوق الرومانية.
  8. دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضارتهم الإنسانية.
  9. قلعة طروادة التاريخية.

۱۰. نظريات النقد الأدبي عند العرب.

١١. القومية العربية في حقيقتها.

۱۲. نظرات إسلامية في عدة أبحاث حول الخطوط الكبرى للشريعة، حول العبادة، وأنها ضرورة حيوية علمية.

۱۳. موقف الإسلام من العلم، وحقوق المرأة في الإسلام.

١٤. من هم الأريسيون؟

١٥. الدولة والسلطة.

 

(4) عمله السياسي:

نائب حلب في مجلس النواب السوري منذ ١٩٤٧م حتى ١٩٦٣م، وزير الاقتصاد الوطني في سنة ١٩٥٠م، رئيس مجلس النواب في سنة ١٩٥١م، رئيس الوزراء ووزير الدفاع في أواخر عام ١٩٥١م، وزير الدفاع الوطني في عام ١٩٥٤، رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في أواخر عام ١٩٦١م، وأوائل ١٩٦٢م، ضيف المملكة العربية السعودية ومستشار في الديوان الملكي منذ عام ١٩٦٥م.

 

(5) المؤتمرات التي ساهم فيها:

رئيس مؤتمر العالم الإسلامي منذ سنة ١٩٧٥م، وهو مؤتمر مسجل لدى الأمم المتحدة بصفته هيئة مراقبة دولية واجتماعية. رئيس وفد سوريا الحكومي إلى حلقة الدراسات العربية والاجتماعية الدولية عام ١٩٥٠م. ممثل جامعة دمشق في مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الدولي عام ١٩٥١م في باريس، بدعوة من مؤسسة الحقوق الدولية المقارنة في (لاهاي) عضو المؤتمر العام الأول لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة عام ١٩٦٥م. رئيس وفد الشعوب العربية في المؤتمر الأول للشعوب الإفريقية والآسيوية في نيودلهي عام ١٩٥٥م، عضو في الوفد السوري الحكومي إلى المؤتمر الأول الدولي لدول عدم الانحياز في (باندونغ)، (أندونيسيا) عام ١٩٥٥م، عضو في الندوات العلمية الدولية حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام المعقودة أولاً في الرياض، ثم في باريس، ثم في الفاتيكان، ثم في مجلس الكنائس العالمي في جنيف، ثم في مجلس وزراء الوحدة الأوروبية في ستراتسبورغ منذ عام ۱۹۷۳م حتى أواخر عام ١٩٧٤م.

عضو في مؤتمر رسالة المسجد الدولي في مكة المكرمة عام ١٣٩٥هـ الموافق ۱۹۷۵م، عضو في المجلس الأعلى العالمي الدولي للمساجد في مكة المكرمة منذ عام ١٣٩٥هـ الموافق ١٩٧٥م. عضو مراقب في مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي، رئيس منظمة الإسلام والغرب الدولية، ومركزها (جنيف) سويسرا منذ عام ١٩٧٩م حتى نهاية شهر آب عام ۱۹۸٤ رئيس المجلس التنفيذي للمؤتمر الإسلامي العالمي الشعبي في بغداد منذ ١٩٨٦م.

 

(6) تحقيقاته العلمية - بحوث كثيرة منها:

  1. قلعة طروادة التاريخية مدينة فينيقية، وصلتها بالهجرات العربية القديمة إلى أوروبة، وخاصة إلى اليونان وإيطاليا وفرنسة.
  2. دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضاراتهم الإنسانية قبل اليونان والرومان.
  3. العرب والسيد المسيح - في عهد دولة الأباجرة وملكهم أبجر الخامس المعاصر للمسيح عليه السلام، وذكر فيه أنهم أول من حملوا رسالة المسيح الحقيقية خلال ثلاثة قرون، حتى قضت عليهم دولة بيزانس الرومية قبل إنشائها (الكاثوليكية) في عهد قسطنطين، في مطالع القرن الرابع للميلاد.
  4. من هم الأريسيون في الحديث الشريف خطاب لهرقل، جاء فيه: «أسلم تسلم وإلا فعليك إثم الأريسيين».
  5. من هم الفلسطينيون في التاريخ العربي، وما معنى هذه الكلمة في اللغة العربية الكنعانية القديمة؟
  6. مذكرة حكومة المملكة العربية السعودية حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام الموجهة إلى دوائر الأمم المتحدة، رداً على من ينكر حقوق الإنسان في الإسلام.
  7. خمس ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام شرحًا لمذكرة حكومة المملكة أعلاه، في كل من الرياض، وباريس، والفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي في جنيف، ومجلس الوزراء الأوروبي في ستراتسبورغ وجرى النقاش في هذه الندوات ما بين فريق من كبار علماء المملكة، وآخرين من كبار رجال الفكر والقانون في أوروبة.
  8. موقف الإسلام من العلم وأثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية بحث ألقي في المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية، سنة ١٤٠٠هـ الموافق ۱۹۷۹م في دولة قطر.
  9. الإسلام والمشكلات الإنسانية بحث ألقي في مؤتمر عالمي، سنة ١٩٨٠م في قبرص التركية، وفيه حوار مع الدولتين الكبريين السوفييت والولايات المتحدة الأمريكية، سنة ١٩٨٠م حول القضايا الإسلامية.

١٠. الدولة والسلطة في الإسلام بحث ألقي في الندوة الدولية في اليونيسكو في باريس عام ۱۹۸۲، ردًا على من أنكر مفهوم الدولة في الإسلام.

  1. (التصور العام للشريعة في الإسلام مقارنة بالشرائع القديمة والحديثة). بحث ألقي في مؤتمر الفقه الإسلامي في معهد القانون المقارن بطوكيو في أكبر جامعة في اليابان: جامعة تشو - أو سنة ١٣٩٧هـ الموافق ۱۹۷۷م.

______________

المصدر:

مذكرات الدكتور معروف الدواليبي، إعداد: عبد القدوس أبو صالح، تحرير: محمد على الهاشمي، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولي، 2005، ص7-10.

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع مــــن أكتوبر سنة 2021م، الموافق الثاني من ربيع الأول سنة 1443هـ.

 

برئاسة السيد المستشار / سعيد مرعى عمرو                                  رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: محمد خيري طه النجار ورجب عبد الحكيم سليم ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد                               نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى                       رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع                           أمين السر

 

 

أصدرت الحكم الآتي:

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 97 لسنة 30 قضائية "دستورية"*.

 

المقامة من:

عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

ضــــد:

1- رئيس الجمهورية                   2- رئيس مجلس الوزراء

3- وزير العدل                         4- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًا)

5- الممثل القانوني للهيئة القومية للبريد

6- داليا عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

7- دعاء عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

 

الإجـــراءات

      بتاريخ الثالث عشر من مارس سنة 2008، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني، فيما تضمنه من اعتبار الهبة لذي رحم محرم مانعًا من الرجوع في الهبة.

      وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًا: برفضها.

      وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

      ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمــــة

      بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

      حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعى كان قد أقام الدعوى 1360 لسنة 2006 مدني كلى، أمام محكمة بورسعيد الابتدائية، ضد المدعى عليهم الخامس والسادسة والسابعة في الدعوى المعروضة، طالبًا الحكم باعتبار الهبة كأن لم تكن، مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية بما فيها إلغاء التوكيل العام رقم 370/هــ لسنة 2005 توثيق بورسعيد. وقال بيانًــــا لدعواه، إنه وهب لنجلتيه المدعى عليهما السادسة والسابعة نصيبه في تركة زوجته –والدتهما- سعاد أحمد حسن عطية، ويشمل حصة في شقتين بالعقار المبين بصحيفة الدعوى، ومبلغًـــــا ماليًا بدفتر توفير لدى الهيئة القومية للبريد، وشقة يمتلكها بالعقار ذاته، وحرر لهما توكيلًا بالتصرف في تلك الأموال، إلا أنهما قد أغضبهما زواجه من أخرى، أنجبت له ولدين، فقدمتا ضده عدة بلاغات كيدية، كما أقامتا دعوى قضى فيها بإلزامه بأن يؤدى لهما نفقة شهرية، فضلًا عن أنه ملتزم بالإنفاق على زوجته وولديه، وكذا نفقة ومصروفات علاج شقيقه، مما أرهق كاهله، بعد أن زادت التزاماته المالية، الأمر الذي يوفر له العديد من الأعذار للرجوع في هبته، فأقام دعواه بالطلبات السالفة البيان. وأثناء نظر الدعوى بجلسة 29/1/2008، دفع بعدم دستورية نص البند "هـــ" من المادة (502) من القانون المدني، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة.

      وحيث إن المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 تنص على أنه "يرفض طلب الرجوع في الهبة، إذا وجد مانع من الموانع الآتية:

(أ) ............          (ب)...........          (ج) ............    (د) ...........

(هـ) إذا كانت الهبة لذي رحم محرم ..................".

 

وحيث إن من المقــــــرر في قضاء هذه المحكمة أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية –وهي شرط قبولها– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان المدعى يبتغى من دعواه الموضوعية الترخيص له بالرجوع عن هبته لابنتيه، لقيام موجبات ذلك في حقه. وكان نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني يحول دون تحقيق مبتغاه، الأمر الذي يوفر له مصلحة شخصية مباشرة في الطعن على هذا البند في مجال سريانه على هبـــــــــــة أي من الوالدين لولده، وبها يتحـــــدد نطـــــاق هذه الدعـــــوى، دون سائر ما انطوى عليه نص هذا البند من أحكام لطبقات أخرى من ذوي رحم محرم.

وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه مخالفة أحكام المادتين (2، 40) من دستور سنة 1971، المقابلة لأحكام المادتين (2، 53) من دستور سنة 2014، لمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية، التي حضت على البر بالوالدين وعدم عقوقهما، وأكدت معظم مذاهبها على أحقية الوالد في الرجوع عن هبته لولده، دون أية أعذار، فضلًا عن انطواء النص على تمييز غير مبرر، بأن منع الواهب لولده من الرجــــوع في الهبة، حــــال أن غيره مــــن الواهبين يجــــوز لهم الرجــــوع في الهبة إذا توافر عذر يبيح لهم ذلك.

وحيث إن الرقابة الدستورية على القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًـــــا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي وجهها المدعى للنص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– تندرج تحت المناعي الموضوعية، التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي معين لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي. ومن ثم، فإن المحكمة تباشر رقابتها على النص المطعون عليه –الذي مازال ساريًا ومعمولًا بأحكامه– من خلال أحكام دستور سنة 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.

وحيث إن القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، قد خصص الكتاب الثاني منه للعقود المسماة، وأورد في الباب الأول منه العقود التي تقع على الملكية، وأفرد الفصل الثالث منه لعقد الهبة، في المواد من (486) حتى (504)، مبينـــًا فيها أركان الهبة، وآثارها، والرجوع فيها، وموانع الرجوع، معرفـــًا في المادة (486) الهبة بأنها عقد يبرم بين الأحياء، بموجبه يتصرف الواهب في ماله دون عوض، مع جواز أن يفرض الواهب على الموهوب له القيام بالتزام معين. ووفقـــًا للمادة (487)، لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه. ومن خصائص الهبة –على ما أوردت الأعمال التحضيرية للنص المطعـــــون فيه والتنظيم التشريعـــــي للهبة– أنه يجـــــوز الرجوع فيها رضـــــاءً أو قضاءً إذا وجد عذر ولم يوجد مانع، وقد نظمها المشرع مراعيًا هذا الأصل، فأكد في المادة (500) من القانـــــون المدني على أنه "يجـــــوز للواهب أن يرجـــــع الهبـــــة إذا قبل الموهوب له ذلك، فإذا لم يقبل، جاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع، متى كان يستند في ذلك إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع. وتأكيدًا على جواز الرجوع في الهبة، وضع المشرع في المادة (501) من القانون ذاته أمثلة لهذه الأعذار، تيسيرًا على القاضي، كما حدد في المادة (502) من ذلك القانون، حصرًا لموانع الرجوع في الهبة، ومن بينها حالة الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة أي من الوالدين لولده. ومؤدى العبارة الواردة بصدر نص تلك المادة من أن "يرفض طلب الرجوع في الهبة"، نهي القضاة عن التعرض لموضوع الرجوع، أيـــًا كانت الأعذار التي بنى عليها، إذا توافر أحد موانع الرجوع الواردة في تلك المادة، عملًا بقاعدة جواز تقييد القاضي بالزمان والمكان والأحداث والأشخاص. وشرط صحة تلك القاعدة أن يكون النهى مؤسسًـــا على أسباب موضوعية، ترتبط بالغاية المتوخاة منه.

وحيث إنه عن نعى المدعى مخالفة النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده- لمبادئ الشريعة الإسلامية، ونص المادة الثانية من الدستور، فمن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، طبقًا لنص المادة الثانية من الدستور الصادر سنة 1971، بعد تعديلها بتاريخ 22/5/1980 –وتقابلها المادة الثانية من الدستور الحالي الصادر سنة 2014– لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصــــدر بعد التاريخ الذي فُـرض فيه هذا الإلزام، بحيث إذا انطــــــــوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إعمال حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها، لصدورها فعلًا من قبله، في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا، واجب الإعمال، ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية، وهو القيد الذي يبقى قائمًا وحاكمًا لتلك التشريعات، بعد أن ردد الدستور الحالي الصادر سنة 2014، الأحكام ذاتها في المادة الثانية منه.

وحيث كان ما تقدم، وكان نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 لم يلحقه أي تعديل بعد تاريخ 22/5/1980، مما كان لزامه عدم خضوعه لقيد الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والمادة الثانية من الدستور، إلا أنه بالرغم من ذلك، وعلى ما ورد بالأعمال التحضيرية للقانون المدني، فقد استقى المشرع الأحكام الموضوعية للهبة من أحكام الشريعة الإسلامية. وفى شأن مدى جواز الرجوع في الهبة، أخذ بمذهب الفقه الحنفي، الذي أجاز الرجوع في الهبة إذا توافر العذر المبرر، وانعدم المانع، ويشمل عدم جواز الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة الوالد لولده، على سند من أن الغاية من الهبة في هذه الحالة صلة الأرحام، وقد تحققت بصدور الهبة. وإذ كان الرأي الذي تبناه المشرع في هذا الشأن لا يخرج عن كونه اجتهادًا في الفقه الحنفي فقد ذهب مالك والشافعي وابن حنبل وعلماء المدينة إلى جواز رجوع الوالد في هبته لولده، وهو ما يعرف باعتصار الهبة، أي أخذ المال الموهوب قسرًا عن الابن، مستدلين في ذلك بحديث طاووس من أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية أخرى "لا يحل للرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة ويرجع فيها إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية ثالثة "لا يرجع الواهب في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده". وقد دل الفقهاء باختلافهم هذا على عدم وجود نص قطعي الثبوت أو الدلالة، أو بهما معًــا في مبادئ الشريعة الإسلامية، يحكم هذه المسألة، ومن ثم تعتبر من المسائل الظنية التي يرد عليها الاجتهاد، وتلك المسائل بطبيعتها متطورة، تتغير بتغير الزمان والمكان، وإذا كان الاجتهاد فيها وربطها منطقيًّــا بمصالح الناس حقًــا لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق لولي الأمر، ينظر في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها، وبمراعاة أن يكون الاجتهاد دومًــا واقعًــا في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، ملتزمًــا ضوابطها الثابتة، متحريًــا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد الكلية للشريعة، بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مستلزمًــا في ذلك كله حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها، ومن ثم كان حقًــا لولي الأمر عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما، ما لم يكن إثمًــا، وكان واجبًــا عليه كذلك ألا يشرع حكمًــا يضيق على الناس أو يرهقهم في أمرهم عسرًا، وإلا كان مصادمًــا لقوله تعالى "مَا يُرِيدُ اللًّه ليَجعَلَ عَلَيكُم في الدين من حَرَجِ".

وحيث إن نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني، منع الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، وقد ورد هذا النص بصيغة عامة ومطلقة، ليشمل هبة أي من الوالدين لولده. واستقى المشرع هذا المانع من المذهب الحنفي، منتهجًــا بذلك نهجًــا مخالفًــا لاجتهاد باقي المذاهب الإسلامية، معللًا ذلك المانع بتحقق غاية الواهب من الهبة، ممثلة في صلة الرحم. وقد صدَّر المشرع نص تلك المادة بعبارة "يرفض طلب الرجوع في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية ....."، مما مؤداه نهى القضاء عن بحث الأعذار التي قد تحل بالوالد الواهب وتستدعى رجوعه في الهبة، وإن كانت تلك الأعذار من بين الأمثلة التي ورد النص عليها في المادة (501) من ذلك القانون، ومن ذلك: "أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو نحو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه، أو أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من نفقة على الغير". ومؤدى ذلك أن النص المطعون فيه، وإن وقع في دائرة الاجتهاد المباح شرعًــا لولى الأمر، إلا أنه –في حدود نطاقه المطروح في الدعوى المعروضة– يجعل الوالد الواهب في حرج شديد، ويرهقه من أمره عسرًا، ويعرضه لمذلة الحاجة بعد أن بلغ من العمر عتيّا، إذا ما ألمت به ظروف أحوجته لاسترداد المال الموهوب، وامتنع الابن عن إقالته من الهبة، إضرارًا به، مستغلًا في ذلك المانع الوارد بالنص المطعون فيه، الذي يحول بين الوالد والحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة، ضاربًــا عرض الحائط بالواجب الشرعي لبر الوالدين، والإحسان إليهما، وصلتهما، وطاعتهما في غير معصية، والامتناع عن كل ما يفضى إلى قطيعتهما. فضلًا عن أن ما توخاه المشرع من ذلك المانع، بالحفاظ على صلة الأرحام، ينافيه مواجهة حالة جحود الأبناء، وعقوقهم لوالديهم. ومن ثم يكون منع القضاء من الترخيص للوالد بالرجوع في هبته لولده، ولو كان هناك عذر يبيح له ذلك، مصادمًــا لضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، ومخالفًا بذلك نص المادة (2) من الدستور.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القيم الدينية والخلقية لا تعمل بعيدًا أو انعزالًا عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة، بل تعززها وتزكيها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها، ومن أجل ذلك جعل الدستور في المادة (10) منه، قوام الأسرة الدين والأخلاق والوطنية، كما جعل الأخلاق والقيم والتقاليد، والحفاظ عليها والتمكين لها، التزامًــا على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة، والمجتمع ككل، وغدا ذلك قيدًا على السلطة التشريعية، فلا يجوز لها أن تسن تشريعًــا يخل بها، ذلك أنه، وفقًــا لنص المادة (92) من الدستور، وإن كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق والحريات أنها سلطة تقديرية، إلا أن المشرع يلتزم فيما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته اختصاصاته، وأن يراعى كذلك أن كل تنظيم للحقوق، لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو الانتقاص منها، ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها. الأمر الذي يضحى معه النص المطعون عليه، فيما تضمنه من رفض طلب رجوع الوالد في هبته لولده، إذا وجد مانع، مخالفًــا أيضًا – نصي المادتين (10، 92) من الدستور.

وحيث إنه عن النعي بإخلال النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– بحق الواهب لولده، دون غيره مــــن الواهبين لغير ذي رحم محرم، في الحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة عند توافر العذر، فإن ما نص عليه الدستور في المادة (97) من أن "التقاضي حق مصون ومكفــــول للكافــــة"، قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته، من الحقوق العامة المقررة للناس جميعًا لا يتمايزون فيما بينهم في مجال النفاذ إليه، وإنما تتكافأ مراكزهم القانونية في سعيهم لرد الإخلال بالحقوق التي يدعونها ولتأمين مصالحهم التي ترتبط بها، مما مؤداه أن قصر مباشرة حق التقاضي على فئة من بينهم أو الحرمــــان منه في أحــــوال بذاتها، أو إرهاقــــه بعوائــــق منافية لطبيعته، إنما يُعــــد عملًا مخالفًا للدستور الذي لم يجــــز إلا تنظيم هذا الحق، وجعل الكافة ســــــواء في الارتكان إليه، ومن ثم، فإن غلق أبوابــــــــه دون أحدهم أو فريق منهم، إنما ينحل إلى إهداره، ويكرس بقاء العدوان على الحقوق التي يطلبونها، وعدم حصولهم على الترضية القضائية باعتبارها الغاية النهائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على تلك الحقوق.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه في المادة (53) من الدستور الحالي، ورددته الدساتير المصرية المتعاقبة جميعها، بحسبانه ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسًا للعدل والسلام الاجتماعي، غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة، وقيدًا على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، التي لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي تتحد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون خلالها أمام القانون، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية.

وحيث إن الأصـــــل في كل تنظيم تشريعي أن يكـــــون منطويًا علــــى تقسيم، أو تصنيف، أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها، بالوسائل المؤدية إليها، منطقيًـــا، وليس واهيًـــا أو واهنًــا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًا. ومرد ذلك، أن المشرع لا ينظم موضوعًا معينًا تنظيمًا مجردًا أو نظريًا، بل يبغيا بلوغ أغراض بعينها، تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها، يقوم عليها هذا التنظيم، متخذًا من القواعد القانونية التي أقرها، مدخلًا لها، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين في مجال تطبيقها، تحكميًا، ومنهيًا عنه بنص المادة (53) من الدستور.

وحيث كان ما تقدم، وكان الواهبون لأموالهم، على اختلاف حالاتهم، وأغراضهم منها، في مركز قانوني متكافئ، وقد أجاز المشــــرع –على ما سلف بيانه– للواهب الرجوع في الهبة إذا ألمت به ظروف وأعذار تستدعى هذا الرجوع، وامتنع الموهوب له عن إقالته من الهبة، وناط المشرع بالقاضي سلطة تقديرية في شأن بحث جدية الأعذار التي يبديها الواهب في هذا الشأن، ويقضى على ضوء ذلك، إلا أن المشرع خرج عن هذا الأصل، وأورد حالات لمنع الرجوع في الهبة، ضمنها نص المادة (502) من القانون المدني، من بينها هبة الوالد لولده، مانعًــا القضاء من بحث الأعذار التي يسوقها الوالد في هذا الشأن، الأمر الذي يحول بينه والحصول على الترضية القضائية، لمجرد توافر هذه القرابة بينه والموهوب له. فضلًا عن أن الغاية التي توخاها المشرع من ذلك المنع، وهي الحفاظ على صلة الرحم، لم يراع فيها مواجهة عقوق الابن الموهوب له، إذ امتنع طواعية عن إقالة والده من الهبة في هذه الحالة، بما يزكى هذا العقوق، حال أن المشرع أجاز في المادة (501) من القانون المدني الترخيص للواهب بالرجوع في الهبة إذا أخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه. ومؤدى ذلك أن المانع الوارد بالنص المطعون فيه، فضلًا عن عدم ارتباط الوسيلة التي أوردها في ذلك النص، بالغاية المتوخاة منها، فإنه يخل بمبدأ المساواة بين الواهبين المتماثلة مراكزهم في الحصول على الترضية القضائية، وذلك لغير سبب موضوعي، بالمخالفة لنصى المادتين (53، 97) من الدستور.

 

فلهذه الأسباب

      حكمت المحكمة بعدم دستورية نص البند (هــ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، في مجال سريانها على هبة أي من الوالدين لولده، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

أمين السر                               رئيس المحكمة

 

 لتحميل ملف حكم المحكمة

________________________

* نقلا عن الموقع الإلكتروني للمحكمة الدستورية العليا، عبر هذا الرابط: https://2u.pw/0E1hhQ

وقد علق المحامي والباحث أ. وائل أنور بندق على هذا الحكم في صفحته الشخصية بالفيسبوك تعليقا مهما ننقله عنها على طوله:

حكم حديث وهام وخطير للمحكمة الدستورية العليا بشأن الرجوع في الهبة

 (م 502 بند هـ من القانون المدني):

أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا هامًا بعدم دستورية الفقرة (هـ) من المادة 502 من القانون المدني في مجال سريانها على هبة أيٍّ من الوالدين لولده. وقد صدر الحكم بتاريخ 9/10/2021، واتصلت المحكمة الدستورية العليا بالدعوى بناءً على دعوى موضوعية، ملخصها أن رجلًا كان قد وهب إلى ابنتيه نصيبه في ميراث زوجته (والدتهما)، ولما تزوج بعد ذلك وأنجب ولدين، قامت ابنتاه بتقديم بلاغات كيدية ضده ورفع دعاوى نفقة عليه، مما رآه مبررًا للرجوع في الهبة، فأقام عام 2006 دعواه أمام محكمة بورسعيد الابتدائية.
ولما كان البند (هـ) من المادة 502 يمنع الرجوع في الهبة إذا كانت لذي رحم محرم، ومنها هبة الوالد لولده، فقد دفع بعدم دستورية النص، وقدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقامها بالفعل عام 2008، وها هو الحكم قد صدر عام 2021!!

ونود أن نشير إلى عدد من النقاط الهامة في مجال توضيح الحكم والتعليق عليه:

أولًا: عقد الهبة هو عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مالٍ له دون عوض.

ثانيًا: يجوز للواهب الرجوع في الهبة رضاءً إذا قبل الموهوب له الرجوع، كما يجوز الرجوع في الهبة قضاءً بشرط أن يتوافر عذر يبيح الرجوع في الهبة، وأن تنتفي موانع الرجوع فيها. وقد ضرب المشرع أمثلة على العذر المبرر للرجوع في الهبة بما يلي:
(أ) أن يخلّ الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو نحو أحدٍ من أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه.
(ب) أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو أن يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة على الغير.

 (ج) أن يُرزق الواهب بعد الهبة ولدًا يظل حيًا إلى وقت الرجوع، أو أن يكون للواهب ولدٌ يظنه ميتًا وقت الهبة فإذا به حيّ.

ثالثًا: يمتنع الرجوع في الهبة في عدة حالات عددتها المادة 502، حتى لو توافرت الأعذار، ومن هذه الحالات ما ورد في البند (هـ)، وهي الهبة لذي رحم محرم، إذ لا يجوز الرجوع فيها عن طريق التصريح من القضاء، بما يعني أنه يمتنع في حالتنا على الأب أن يلجأ إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة.

رابعًا: يُلاحظ أن إصدار الحكم قد تأخر كثيرًا، وهو ضرر فاحش بفكرة العدالة؛ فقد رفع الأب الدعوى الموضوعية عام 2006، ورفع الدعوى الدستورية عام 2008، وصدر الحكم عام 2021!! أي أن المسألة استغرقت أكثر من خمس عشرة سنة، وهي مدة طويلة جدًا تُعد إنكارًا فاحشًا للعدالة في حق الأب رافع الدعوى.

صحيح أن القضاء الدستوري قضاءٌ عيني يستفيد منه الجميع، سواء أكان من رفع الدعوى أم غيره؛ إلا أن رافع الدعوى هو أولى الناس بالرعاية. ويذكرني هذا الحكم بحكم المحكمة الدستورية بشأن إنهاء عقود الإيجار (القديم) المبرمة للأشخاص المعنوية، والذي صدر بعد عشرين عامًا من رفع الدعوى الدستورية.

خامسًا: يمكن القول إن الحكم قد بُني على سببين:

أولهما: مخالفة النص لمبدأ المساواة، إذ أجاز لمن توافر له العذر الرجوع عن الهبة، ومنعه عمن منح الهبة لذي رحم محرم، حتى لو توافر له العذر، مما يشكل تمييزًا بين المراكز القانونية المتماثلة.

ثانيهما: أن النص وضع عائقًا ومانعًا من موانع التقاضي، إذ حرم الواهب لذي الرحم المحرم من اللجوء إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وأخذًا بهذين السببين، كنا نتمنى على المحكمة الدستورية العليا أن تقضي بعدم دستورية البند (هـ) كاملًا، لا بقصره على هبة أيٍّ من الوالدين لولده، لأن الأسباب التي وردت في الحكم تنصرف إلى البند كاملًا.

سادسًا: كنا نتمنى ألا تخوض المحكمة الدستورية في مسألة رأي الفقه الإسلامي بشأن جواز الرجوع في الهبة لذي الرحم المحرم، والخلاف بين الأحناف والجمهور، لأنها تتدخل بذلك في السلطة التقديرية للمشرع في شأن اختيار الرأي الفقهي الملائم. لا سيما أن هناك أسبابًا أخرى توصلت بها المحكمة إلى النتيجة التي أرادتها، فضلًا عن أن المحكمة ذاتها قد أخرجت هذه المادة من نطاق قيد الالتزام بالشريعة الإسلامية الوارد في المادة الثانية من الدستور، وفقًا للتفسير المستقر عليه من المحكمة، وهو أن القوانين السابقة زمنيًا على نص المادة الثانية من الدستور تفلت من حكمها. وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذا التفسير لنص المادة الثانية من الدستور، إلا أنه قد أصبح التفسير المستقر عليه.

سابعًا: من أهم المبادئ العامة التي وردت بالحكم أن الرقابة الدستورية تتم في إطار الدستور القائم دون غيره، وهو دستور 2014، حتى لو كانت الدعوى قد رُفعت في ظل دستور سابق، وهو دستور 1971، لأن الرقابة الدستورية تستهدف صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة.

ثامنًا وأخيرًا: مفاد هذا الحكم في النهاية ليس حق الوالدين في الرجوع عن الهبة بشكلٍ مطلق، وإنما حق كلٍّ منهما في الرجوع إلى القضاء للتصريح بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وائل أنور بندق

هذا التعليق يعبر عن وجهة نظر كاتبه، وينشر ضمن إطار إثراء النقاش القانوني حول الحكم.

بدأت اليوم الخميس (11 يناير 2024) محكمة العدل الدولية أولي جلسات استماع في قضية قد تضر بسمعة إسرائيل، حيث تتهمها جنوب أفريقيا بارتكاب إبادة جماعية في حربها على غزة، وفيما يلي 7 أسئلة لتوضيح هذه المسألة، كما لخصتها صحيفة غارديان البريطانية:

ما هي محكمة العدل الدولية؟

هي المحكمة العليا للأمم المتحدة، تأسست عام 1945، مقرها لاهاي، تختص بالفصل في النزاعات بين الدول وإبداء الرأي الاستشاري، تضم 15 قاضيًا سيتم تعزيزهم بقاض إضافي من كل جانب في قضية إسرائيل، ويتم انتخابهم لمدة 9 سنوات من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن.

 

ما هذه القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل؟

تتهم جنوب أفريقيا إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في حربها على غزة، وتقول -في ملفها المؤلف من 84 صفحة- إن إسرائيل فشلت في منع الإبادة الجماعية وفشلت في محاكمة المسؤولين الذين حرضوا علانية على الإبادة الجماعية.

وتريد جنوب أفريقيا إصدار قرار يلزم إسرائيل باتخاذ تدابير مؤقتة لمنع تفاقم الوضع أثناء البت في القضية.

 

ما التعريف القانوني للإبادة الجماعية؟

تعرف اتفاقية الإبادة الجماعية، التي صادقت عليها 153 دولة بما في ذلك إسرائيل، الإبادة الجماعية بأنها أي فعل يرتكب بقصد التدمير، كليًا أو جزئيًا، لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية معينة.

وتشمل تلك الأفعال قتل أفراد الجماعة، وإلحاق الأذى الجسدي أو العقلي الجسيم بهم، وتدمير ظروفهم المعيشية بهدف اجتثاثهم، ومنعهم من الإنجاب، ونقل أطفالهم قسرًا إلى مجموعات أخرى.

وتبقى نية ارتكاب الإبادة الجماعية هي "العنصر الأكثر صعوبة في تحديده" وفقًا لتعريف الأمم المتحدة.

 

ما الذي قالته إسرائيل؟

مباشرة بعد إطلاق القضية، أصدر المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، ليئور هايات، توبيخًا قويًا لجنوب أفريقيا، واصفًا هذه المزاعم بأنه "لا أساس لها من الصحة".

وقال هايات في منشور على منصة إكس "ترفض إسرائيل باشمئزاز فرية الدم التي نشرتها جنوب أفريقيا في طلبها المقدم لمحكمة العدل الدولية. فادعاؤها يفتقر إلى أساس واقعي وقانوني، ويشكل استغلالًا خسيسًا ومهينًا لإسرائيل".

 

كم من الوقت تستغرق هذه القضية؟

من المرجح أن تستغرق القضية الكاملة -التي تبدأ اليوم الخميس لمدة يومين من جلسات الاستماع- سنوات. ومع ذلك، يمكن إصدار إجراء مؤقت في غضون أسابيع.

ومن أجل الحصول على الإجراء المؤقت، لا تحتاج جنوب أفريقيا إلى إثبات وقوع إبادة جماعية، بل لإثبات أن المحكمة سيكون لها اختصاص قضائي للوهلة الأولى، أو "ظاهري الوجاهة" وأن بعض الأفعال التي وردت في شكايتها تلك -بما في ذلك عدد القتلى والتهجير القسري للفلسطينيين في غزة- يمكن أن تقع تحت طائلة المسؤولية المتعلقة باتفاقية الإبادة الجماعية.

لكن، حتى إذا قررت المحكمة عدم اتخاذ إجراء مؤقت، فلا يزال بإمكانها أن تقرر أن لها اختصاصًا في البت فيها، وتستمر في القضية.

 

هل يحظى طلب جنوب أفريقيا بدعم دول أخرى؟

رحبت منظمة التعاون الإسلامي بطلب جنوب أفريقيا، وهي تضم 57 دولة العديد منها من البلدان الأفريقية وذات الأغلبية المسلمة مثل تركيا وماليزيا، واللتين أصدرتا أيضًا بيانات دعم منفصلة.

 

ما الأهمية التي ستكون لهذا الحكم؟

قرار المحكمة نهائي وغير قابل للاستئناف، إلا أنها لا تستطيع تنفيذ قراراتها، وليس من الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بها. لكن من شأن مثل هذا الحكم أن يضر بسمعة إسرائيل ويشكل سابقة قانونية.

____________________________________

قال الخبير القانوني العراقي الدكتور علي التميمي، إن المواثيق الدولية تقر حق تقرير المصير وحق الدفاع، وحتى حق المقاومة المسلحة، وفقًا لمبادئ القانون الدولي، والسوابق الدولية، والاتفاقيات الدولية بهذا الشأن.

أضاف التميمي، أنه ورد في المادة (1) من ميثاق الأمم المتحدة وقرار الأمم المتحدة رقم 545\6 لعام 1970 وهو أن يتمتع كل شعب باستقلاله التام وسيادته على أراضيه وأن يمارس بكل حرية، حقه في تقرير المصير، وهذا يعني أي عدوان على الشعوب وأراضيها واستقلالها هو انتهاك لحقها في تقرير المصير، ويعد عدوانًا على القانون الدولي وإنهاكًا للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

أوضح التميمي أن المادة (2) فقرة 4 من الميثاق باعتباره القانون الأعلى والأسمى أشار إلى إلزام جميع الدول والشعوب صغيرها وكبيرها، وأن مقاصد الأمم المتحدة بإنماء العلاقات بين الأمم والشعوب على أساس المساواة بين الجميع واحترام الحق في تقرير المصير.

أشار إلى أن كل عدوان على هذه المبادئ يعتبر تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وفقا للمادة 39 من الميثاق، والمادة 2، 4 والمادة 51، لافتًا إلى ضرورة أن تتخذ التدابير الفعالة والمشتركة ضد أي عدوان على الشعوب أو غزوًا بلدانها، وفقًا لأحكام الفصل السابع من الميثاق، وحق الشعب المعتدى عليه والمنتهكة حقوقه نتيجة الغزو أو الاحتلال في الدفاع عن النفس، سواء كان بشكل فردي أم جماعي.

 وقال التميمي إن مقاومة الشعوب المسلحة وغير المسلحة في مثل هذه الحالات للدفاع عن الأرض هو دفاع عن السلام والأمن الدوليين بسبب قانوني، وتتلاءم مع المبادئ والأهداف التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة.

وأكد أن أحكام القانون الدولي المعاصر تقرر حق كل الشعوب في النضال من أجل حقها في تقرير المصير، وتعترف بشرعية وقانونية مقاومة الاعتداء والغزو والاحتلال، بل وتقرر حق المقاومة المسلحة وغير المسلحة من قبل الشعوب المعتدى عليها، لأنها إحدى الدعائم والضمانات الأساسية لسيادة الحرية ومبدأ تقرير المصير.

نوه بأن قانونية المقاومة الوطنية وحرب التحرير من أجل السيادة وتقرير المصير تنطلق من مبدأ السيادة، وهي حقوق قائمة منذ مؤتمر بروكسل عام 1874، ومؤتمر لاهاي 1988، واتفاقيات لاهاي 1899 و1907، وبروتوكول جنيف 1925.

_____________

المصدر: سلمان إسماعيل، خبير قانوني: مقاومة الاحتلال حق مكفول في القانون والمعاهدات الدولية، جريدة الدستور المصرية، 20 أكتوبر 2023، https://2u.pw/C4cG2GF.

يختلف تصنيف نشاط منظمة ما أو حزب أو جماعة من دولة لأخرى ومن نظام سياسي لآخر وفقا لما تقتضيه مصلحة هذه الدولة أو ذاك النظام السياسي، ولكن في حقيقة الأمر هناك مجموعة من المعايير الدولية التي تحدد بشكل واضح إن كانت هذه المجموعة إرهابية أم لا، وفقا لما ينص عليه القانون الدولي.

من حيث المبدأ فإن القانون الدولي يدعم الشعوب ويدافع عنها للحصول على تقرير مصيرها، إن كان بوسائل سلمية أم غير سلمية، الحل الأول هو الأفضل بكل الأحوال ولكن في حال وجود معتدٍ أو محتل فإن القانون الدولي يتيح لأبناء الشعب المعتدى عليه استخدام الوسائل غير السلمية، بما فيها القوة المسلحة، حتى نيل كافة الحقوق والاستقلال.

ووفقًا لما ذكرناه نجد أن للشعب الفلسطيني الحق المطلق في تقرير مصيره واستخدام كافة الوسائل السلمية وغير السلمية لانتزاع هذا الحق، خاصة أن الاحتلال الاسرائيلي لا يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني ويرفض جميع الحلول السلمية أو حتى التفاوض مع ممثلي الشعب الفلسطيني. وتكمن المشكلة الأكبر في طريق تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية، فهذا المجتمع الذي عانت دوله ما عانته من حروب واحتلال يدعم القضية الفلسطينية ويعترف بحقوق الشعب الفلسطيني من جهة ويدين عمليات حركات المقاومة الشعبية الفلسطينية المسلحة من جهة أخرى، وهنا يأتي السؤال التالي: على أي أساس يتم تصنيف حركات المقاومة واعتبارها إرهابية أو لا؟ وهل يشرع القانون الدولي العام استخدام القوة المسلحة في وجه المعتدي على الأرض والشعب؟!

أولًا: يتم اعتبار مجموعة ما على أنها مقاومة شعبية إذا كان النشاط الذي تقوم به منشأه الشعب نفسه وأن يكون الدافع الأساسي لهذا الحراك هو دافع وطني، وأن يكون موجهًا ضد قوى أجنبية أو نظم عنصرية أو استعمارية، وهذا الأمر ينطبق على جميع فصائل المقاومة الفلسطينية.

ثانيًا: تحظر المواثيق والعهود الدولية ومبادئ القانون الدولي الحروب العدوانية وتنص على معاقبة مرتكبيها وملاحقتهم مهما طال الزمن وهكذا يحرم الميثاق الحروب العدوانية ولا يعترف بشرعية الاحتلال، هذا الكلام ينطبق بحذافيره على الاحتلال الإسرائيلي الذي يصادر حقوق الشعب الفلسطيني ويعتدي عليه في كل يوم أمام مرأى المجتمع الدولي دون أن يهتز له جفن.

ثالثًا: كما ذكرنا سابقًا فإن القانون الدولي يعتبر المقاومة بكافة أشكالها حقًا مشروعًا للشعب الواقع تحت الاحتلال، وأن سلاحها يحظى بشرعية قانونية ولا يمكن نزعه، على عكس ما يدّعيه كيان الاحتلال الذي يحاول جاهدا تجريم سلاح المقاومة ودفع المجتمع الدولي بكل الوسائل المتاحة لوضع حركات المقاومة الفلسطينية على قوائم الإرهاب، ويساعدها في هذا الأمر الولايات المتحدة الداعم الأساسي للكيان الإسرائيلي.

رابعًا: يمارس الكيان الإسرائيلي "إرهاب الدولة" بحق الشعب الفلسطيني وهذا الأمر يحظره القانون الدولي، وينص القانون الدولي على تجريم الإرهاب ويعترف بشرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. وميزت الأمم المتحدة بين الأعمال الإرهابية والنضال العادل للشعوب الذي تخوضه حركات المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية. وذلك في القرار الذي اتخذته في كانون الأول عام 1972. واتخذت المنظمة الدولية في كانون الأول العام 1974 القرار رقم 3214 حول تعريف العدوان، وأجاز التعريف حق الشعوب في النضال بجميع الأشكال بما فيها الكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، وبالتالي تكون الأمم المتحدة قد ميزت بين المقاومة والإرهاب. وأجازت مقاومة الشعوب للاحتلال أي أجازت المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

خامسًا: ظهور حركات المقاومة في جميع أرجاء العالم هو الرد الشرعي القانوني والوطني والقومي والديني والإنساني على أي محتل، والقاسم المشترك بين حركات المقاومة الأوروبية وحركات المقاومة العربية هو الاحتلال، والاحتلال هو ذروة الإرهاب. وتستند شرعية المقاومة الفلسطينية إلى عدم شرعية الكيان الإسرائيلي المغتصب للأرض والحقوق والمياه وإلى عدم شرعية الحروب العدوانية والتغييرات الجغرافية والديمغرافية التي نفذها في فلسطين والجولان خلافًا لقرارات الشرعية الدولية.

سادسًا: يقوم كيان الاحتلال باتهام حركات التحرر العربي وحركات المقاومة ونعتها بالإرهاب كما فعلت مع حزب الله وحماس وغيرها من حركات المقاومة العربية في محاولة لتخليد الاحتلال واغتصاب الأرض والحقوق والمقدسات العربية وتهويدها وتبرير الهولوكوست الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وكسر إرادة الشعبين الفلسطيني واللبناني، وساعد في هذا الأمر الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، والجميع يعلم كيف تتبع هذه الدول سياسة ازدواجية المعايير وفقا لمصالحها الشخصية.

في الختام، من يمارس "إرهاب الدولة" و"الارهاب الفردي" هو كيان الاحتلال، وهذا الكيان هو الوحيد الذي يجب أن تتم إدانته في جميع المحافل الدولية، وظهور حركات المقاومة في منطقتنا ما هو إلا رد فعل طبيعي على ممارسات الكيان الاسرائيلي بحق شعوب المنطقة، وما تفعله حركات المقاومة لا يتناقض بأي شكل من الأشكال مع قواعد القانون الدولي ومبادئ وأهداف الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية.

______________

جدلية المقاومة والإرهاب؛ والفرق بينهما وفق القانون الدولي، موقع الوقت، 14 سبتمبر 2017، https://2u.pw/4P6uKCJ.

وجدت منظمة العفو الدولية أدلة دامغة على أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب وانتهكت القانون الدولي الإنساني في حربها على قطاع غزة، وذلك في تقرير نشرته المنظمة وثّق هجمات إسرائيلية عشوائية غير قانونية على القطاع.

وقالت المنظمة إن إسرائيل لم تتخذ الاحتياطات الممكنة لتجنب قتل المدنيين في غزة، ولم تميّز بين الأهداف العسكرية والمدنيّة، ونفذت هجمات موجهة إلى أهداف مدنية، مما أدى إلى خسائر كبيرة بين المدنيين ومقتل عائلات بأكملها.

وأضافت المنظمة أن إسرائيل استهترت بشكل صادم بأرواح المدنيين، ودمرت البنية التحتية في القطاع، مؤكدة أنها لم تجد أدلة على ادعاء الجيش الإسرائيلي أنه يهاجم أهدافًا عسكرية فحسب.

وشددت منظمة العفو الدولية على أن إسرائيل مارست نظام فصل عنصريا ضد الفلسطينيين، وفرضت عقابًا جماعيًا وحصارًا غير قانوني على قطاع غزة، حوّله إلى أكبر سجن مفتوح في العالم.

ووصلت المنظمة إلى نتائجها عبر تحليل صور الأقمار الصناعية، والتحقق من صور ومقاطع الفيديو، والتحدث إلى شهود عيان للتحقيق في عمليات القصف على غزة التي بدأتها القوات الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية.

وطالبت المنظمة إسرائيل بالوقف الفوري لهجماتها غير القانونية والالتزام بالقانون الدولي، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع الذي يعاني من انهيار القطاع الصحي وانقطاع الكهرباء ونفاد الأغذية.

وحثّت المنظمة المجتمع الدولي وحلفاء إسرائيل، بمن فيهم أميركا والمملكة المتحدة، على اتخاذ التدابير الضرورية لحماية المدنيين في غزة من الهجمات غير القانونية، والامتناع عن تزويد إسرائيل بالأسلحة والمواد العسكرية.

كما طالبت المنظمة حلفاء إسرائيل بالامتناع عن إدلاء بتصريحات من شأنها إضفاء الشرعية على الانتهاكات الإسرائيلية، والضغط على إسرائيل لرفع حصارها غير القانوني المفروض منذ 16 عاما على القطاع.

وأوضحت منظمة العفو الدولية أنها لا تزال تحقق في عشرات الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة.

_________________

المصدر: العفو الدولية: إسرائيل انتهكت القانون الدولي وارتكبت جرائم حرب بغزة، الجزيرة نت، 20 أكتوبر 2023، https://2u.pw/nZLrECX.

خلُص التقرير الأوّل الصادر في 20 أكتوبر لسنة 2022؛ أمام الجمعية العامة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلّة التابعة للأمم المتحدّة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلّة، بما في ذلك القدس الشرقية، وإسرائيل (المشار إليها فيما يلي بـ"لجنة التحقيق")، إلى وجود أسباب معقولة تدعو للاستنتاج أن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية بات غير قانونيًا بموجب القانون الدولي نظرًا لاستمراره وسياسات الحكومة الإسرائيلية للضم بحكم الأمر الواقع.

وتدعو لجنة التحقيق المؤلّفة من ثلاثة أعضاء الجمعية العامة إلى إحالة طلبٍ عاجل إلى محكمة العدل الدولية لتقديم فتوى بشأن الآثار القانونية الناشئة عن استمرار إسرائيل برفضها لإنهاء احتلالها للأرض الفلسطينية المحتلّة، مشيرةً إلى انه بموجب القانون الدولي الإنساني، احتلال أرضٍ ما خلال الحرب هو وضع مؤقّت ولا يحرم السلطة الواقعة تحت الاحتلال من وضعها كدولة أو من سيادتها.

وصرّحت السيّدة نافي بيلاي، رئيسة لجنة التحقيق، قائلةً إن "التصريحات الأخيرة من قبل الأمين العام وعدد من الدول الأعضاء أوضحت أن أي محاولة لضم أراضي دولةٍ ما بشكلٍ أحادي الجانب من قبل دولة اخرى يعدّ انتهاكًا للقانون الدولي ويعتبر باطلًا ولاغٍ. والأسبوع الماضي، صوّتت 143 دولة عضو، بما في ذلك إسرائيل، دعمًا لقرار الجمعية العامة الذي يؤكّد على ذلك". وأضافت "إذا لم يطبّق هذا المبدأ الأساسي من ميثاق الأمم المتحدّة بشكل عالمي، بما في ذلك على الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلّة، سيصبح لا معنى له".

وللوصول إلى نتائجها، نظرت لجنة التحقيق في سياسات وإجراءات الحكومة الإسرائيلية للإبقاء على الاحتلال وضمّ أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلّة. استند استعراض لجنة التحقيق إلى المقابلات مع الخبراء وأصحاب المصلحة والمعلومات التي حصلت عليها عقب الدعوة لتقديم المعلومات والإفادات الخطيّة التي أطلقتها في 22 أيلول/سبتمبر 2021.

يركّز التقرير المؤلّف من 28 صفحة على تعزيز المشروع الاستيطاني وتوسّعه، بما في ذلك البيانات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون يشيرون فيها إلى النيّة على استمرار السيطرة الدائمة على الأرض، بما ينتهك القانون الدولي. واستنتجت لجنة التحقيق أنه تقع على إسرائيل، إثر استمرارها باحتلال الأرض بمفعول القوّة، مسؤوليّات دولية ولا تزال مسؤولة عن انتهاك حقوق الفلسطينيين فرادةً وجماعةً.

وأردفت السيّدة بيلاي قائلةً "نتيجة تجاهل القانون الدولي في إنشاء المستوطنات أو تسهيل إنشائها، ونقل المدنيين الإسرائيليين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر إلى هذه المستوطنات، مهّدت الحكومات الإسرائيلية المتتالية لوقائع على الأرض لضمان السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفّة الغربية".

وبغية إعداد هذا التقرير، راجعت لجنة التحقيق تدابير إسرائيل لمصادرة الأراضي والموارد الطبيعية واستغلالها، وسياسات إسرائيل التقييدية للتخطيط الحضري وتقسيم الأراضي في الضفّة الغربية. وتشير إلى أن غالبًا ما تتم مصادرة الأراضي لأغراضٍ عسكرية وبعدها تستخدم لبناء المستوطنات. ونظرت لجنة التحقيق في تصريحات أدلى بها مسؤولون إسرائيليون يشيرون بها إلى أن الأبنية الفلسطينية تشكّل عائقًا أمام المستوطنات الإسرائيلية وتتطلّب اتخاذ إجراءات كالمصادرة والهدم والتهجير. ولاحظت لجنة التحقيق أيضًا عمليات مماثلة في القدس الشرقية حيث ساهمت أنظمة التخطيط وتقسيم الأراضي التقييدية، التي أعاقت السكن اللائق والبنى التحتية وسبل العيش، في تقليص الحيّز المخصص للفلسطينيين.

بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية التي أدّت إلى آثارٍ خطيرة ومتعددة الأوجه على كل جوانب حياة الفلسطينيين، بما في ذلك الوصول إلى المياه النظيفة وبأسعارٍ ميسورة، ما أثّر بدوره على القطاع الزراعي الفلسطيني بأكمله وحدّ من فرص سبل العيش مرخية بظلّها على النساء أكثر من غيرهنّ.

وصرّح عضو لجنة التحقيق، السيّد كوثاري قائلًا "يظهر (الضرر الكامن) والصدمة النفسية بقوّة، وقد لا يبدو الأمر واضحًا على الفور، نتيجة الانتقاص من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. تؤدّي هذه العمليات المنهكة إلى آثارٍ جسيمة قصيرة وطويلة الأمد ويجب معالجتها على وجه السرعة".

وخصّصت لجنة التحقيق قسمًا كبيرًا من تقريرها لمراجعة تأثير سياسات الاحتلال الإسرائيلي والضم بحكم الأمر الواقع على حقوق الفلسطينيين، منوّهةً بالبيئة القسرية الرامية إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة منازلهم وتغيير التركيبة الديموغرافية لبعض المناطق. ولهذا الغرض، نظرت لجنة التحقيق في هدم المنازل وتدمير الممتلكات والاستخدام المفرط للقوّة من قبل قوى الأمن والاعتقالات الجماعية والعنف من قبل المستوطنين والقيود على الحركة والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرزاق والخدمات والضرورات الأساسية والمساعدة الإنسانية.

وشدّدت لجنة التحقيق على أن استمرار البيئة القسرية هذه شتّت المجتمع الفلسطيني وضمن عدم قدرة الفلسطينيين على ممارسة حقّهم بتقرير المصير، من جُملة حقوقٍ أخرى. ولحظت لجنة التحقيق أيضًا الآثار الجسيمة للحصار المفروض على قطاع غزّة جوًا وبرًّا وبحرًا على حقوق إنسان الفلسطينيين.

ويظهر التقرير التأثير الضار على الأطفال خصوصًا الذين يشهدون على الوجود العسكري المستمر والاعتقال والاحتجاز والهجمات المتكرّرة وأعمال العنف والقيود على الحركة وهدم المنازل وتدمير البنى التحتية والممتلكات. وشدّدت لجنة التحقيق على أن الآثار التراكمية لممارسات الاحتلال، بما في ذلك القيود على الحركة، كان لها تأثير تمييزي واسع النطاق على الفلسطينيات، مشيرةً إلى أنّهن يخضعن للعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال حياتهن اليومية.

واستنتج التقرير أن بعض سياسات وإجراءات الحكومة الإسرائيلية المفضية إلى استمرار الاحتلال والضم بحكم الأمر الواقع قد تشكّل عناصر من جرائم بموجب القانون الجنائي الدولي، بما في ذلك جريمة الحرب المتمثّلة بنقل، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزء من سكّانها المدنيين إلى أراضٍ تحتلّها، والجريمة ضد الإنسانية المتمثّلة بالترحيل أو النقل القسري.

وصرّح عضو لجنة التحقيق، السيّد كريس سيدوتي قائلًا "إن إجراءات الحكومة الإسرائيلية التي نظرنا بها في تقريرنا تشكّل منظومة احتلال وضم غير شرعية ويجب معالجتها". وأضاف "على النظام الدولي والدول أن تتحرّك وتفي بالتزاماتها بموجب القانون الدولي. ويجب أن يبدأ ذلك بالدورة الحالية للجمعية العامة وإحالة الوضع إلى محكمة العدل الدولية".

___________________
لجنة تحقيق أممية تستنتج أن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني بموجب القانون الدولي، المفوضية السامية لحقوق الاسان بالأمم المتحدة، 20 أكتوبر 2022، https://2u.pw/fWnful.