موقع حوارات

موقع حوارات


فصل بعنوان “كيف يُعثر على الفقه الإسلامي ” مجتزأ من كتاب”مدخل إلى الشريعة الإسلامية” للبروفيسور وائل حلّاق، وترجمة طاهرة عامر، وقد صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات عام 2017.
سعى المؤلف في هذا الفصل إلى طرح سؤال مفاده “كيف استقى المفتون والفقهاء المدنون التشريع من مصادره واستنبطوها؟ أو بعبارة أخرى، ما الوسائل التفسيرية وطرق التفكير والاستنتاج التي من خلالها استُنبط الفقه وقواعده؟”.

رابط مباشر لتحميل الفصل

أولا: الحاكمية في المشهد الإسلامي المعاصر

 من الخطأ أن نقرأ الأفكار وكأنها مجرد ردود أفعال، فيتم تحليل الأقوال، وينحى عن المشهد تأصيل الأحوال. ولعل الحاكمية، تاريخًا ومصطلحًا ونسقًا، هي الأَوْلى بقراءتها بعيدًا عن هذا المأزق المنهجي الذي يحبسها في فكرة مأزومة قبل ارتياد الآفاق التي حركتها من رحم التاريخ النائم إلى جدل الحاضر المتلاحم.

قيل عن القرن السابع عشر الميلادي في تاريخ الفكر الأوروبي؛ إنه “عصر الإلحاد”، وبذات لغة التحقيب التاريخي يمكن أن يسمى القرن التاسع عشر في تاريخ الفكر الإسلامي بأنه “عصر الاضطراب”؛ الاضطراب في كل شيء في الدولة وسلطاتها، وفي المجتمع وتنظيماته، وفي الإنسان التائه بين الواقع الرديء والمأمول الذي يبدو وكأنه لن يجيء، ظلمات بعضها فوق بعض.

كانت الدولة العثمانية هي الإطار الذي تلتقي في داخله هموم الأمة وطموحاتها، وكان الإسلام هو مصدر شرعيتها، وأساس ترابط شعوبها رغم تفرع انتماءاتهم، وتنوع لغاتهم، وتباين تصوراتهم للمستقبل المنشود، وكانت الدول الأوربية ترى في انكسار هذه الدولة، فكرًا وسياسة، هي الطريق الأوحد لإفساح الطريق أمامها في مجال حيوي لا حياة لها فيه إلا بتكسير عظام هذه الدولة وتدمير بنيتها الثقافية والسياسية والاجتماعية.

 وكانت فكرة الخلافة هي القلب الذي ينبغي إيقافه عن العمل، فنبضه يغذي حركة الصمود، فبقاء الخلافة يعني تراجع المشروع الغربي عن بلوغ غايته، وتلك خطوط حمراء في نظر دوله ومفكريه، لم تكن الفكرة دينية وإن أفرزت تعصبًا دينيًا، واستخدمت من الجدل الطائفي ما يعزز أهدافها، ويحقق مراميها، كان الدين ملاذاً يُستغاث في أجواء الصراع؛ لأن فكرة الدين الحق تُعد فكرة رئيسية عند القديس أوغسطين، كما هي فكرة جوهرية في مذاهب الإسلاميين.

 وهكذا بدأت حرب الأفكار تتغيا تفكيك الدولة العثمانية، وسحب الشرعية عن خلافة آل عثمان لإسقاط شرعيتها، وكسر شوكتها، منطلقة من فكرة تذويب الأديان، مرحليًا، حيث لا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي، وهي الفكرة التي تبنتها مجلة “النادي” التي تصدر عن النادي الإيطالي بمصر بإدارة “إنريكو أنساباتو” مدير الجريدة ورئيس تحريرها وصاحب كتاب (الإسلام وسياسة الخلفاء) الذي خاض معارك فكرية للتأكيد على أمرين:

الأول؛ أن الإسلام ربط السلطة العامة بالدين، ولم يفصل بين الرئيس السياسي والرئيس الديني في حدود عملية وواجبات قومية واجتماعية، فليس مذهب “ما لله لله وما لقيصر لقيصر” مرعيًا في الإسلام، بل الرئاسة الدينية هي بعينها الرسالة المدنية، والإمام قابض بكلتيّ يديه على أزِّمة الشؤون العامة المتعلقة بحياة الدين وحياة الأمة، فهو يعاقب على من يترك الصلاة والصوم ويمنع الزكاة، كما يعاقب السارق والقاتل والمعتدي بأي وجه من وجوه الاعتداء، والمجلس الذي يعاقب الإمام فيه على المخالفات التعبدية هو بعينه المجلس الذي يقيم فيه الحدود العامة عن المخالفات الاجتماعية والمدنية.

الثاني؛ التأكيد على أن الخلافة عثمانية، وعلى المسلمين أن يكونوا معها قلبًا وقالبًا، ويقول “إنريكو أنساباتو” أن الإمامة الكبرى والرياسة الشرعية أصبحت حقًا شرعيًا من حقوق العرش الشاهاني المقدس الذي انتهت إليه في نظر أهل الحق والرجاحة كل شعائر الرياسة والزعامة الشرعية المختصة بالإمامة الكبرى والخلافة العامة.

 وهكذا أسفر النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن ثقوب في نسيج الخلافة، ولد عنه اتجاهان:

اتجاه يرى أن الخلافة عثمانية، وشروطها لا تتوافر إلا في آل عثمان، بما يؤكد صحة انتهاء الخلافة إليهم، وكان في مقدمة هذا الاتجاه حسن باشا حسني الطويراني صاحب جريدة النيل المصرية والذي كتب رسالة في موضوع الخلافة محورها صحة خلافة آل عثمان، وعلى نهجه سار “يوسف أفندي كامل البخاري” المحرر في مجلة النادي الإيطالية والذي كتب دراسة مطولة نُشرت تحت عنوان: “البراهين القوية في دحض من يقول إن الخلافة عربية”.

واتجاه ثان يرى أن الخلافة عربية مستهدفًا قطع العلاقة بين العرب والدولة العثمانية، وإثارة النعرات القومية التي تنخر الدولة من داخلها، ولا غرابة في أن يبدأ هذا الاتجاه، رغم وجوده القوي في النظرية الإسلامية ممارسة وفقها، على أيدي الصحافة الغربية، ثم أصّل له كتاب لمؤلف مسيحي عربي في كتاب عنوانه: “سوريا غدًا” صدر في باريس سنة 1915 وموضوعه بحث مستقبل سوريا بعد الحرب، والطعن على الأتراك، وتحريض العرب عليهم، والبحث في الخلافة وشرط عربيتها كما هو مدوّن في مؤلفات المسلمين، وقد ذكر “أحمد الرجيبي” شيخ رواق المغاربة بالأزهر الشريف في كتابه “الخلافة في الإسلام” ما يلي: “في سنة 1915 أخبرني المسيو “كرللا” السكرتير الأول بدار المفوضية الإيطالية بالقاهرة إذ ذاك بأن إنجلترا تتخابر سرًا مع شريف مكة للوصول إلى اتفاق يبنى على تعهدها باستقلاله، وانتقال الخلافة إليه بعد انتهاء الحرب في مقابل انضمامه إليها في محاربة الأتراك وتقبيح حكمهم بين المسلمين، ورجا مني أن أبيّن له موافقة عمل الشريف المنتظر للشرع الإسلامي من عدمه، لأن وزارة الخارجية الإيطالية يهمها معرفة هذا، فأفهمته فورًا بأن الشرع الإسلامي ينكر عملاً كهذا مطلقًا خصوصًا في ظروف كهذه، وأن المسلمين سيرفضون مبايعة أي شخص يرتكب هذا الجرم…، فقال: “المعروف في شريعتكم أن الخلافة في العرب لا الترك”.

 وفي ذلك التاريخ (1915) بدأ الشيخ “أحمد الرجيبي” كتابة مؤلفه: “الخلافة في الإسلام” وهو ذات التاريخ الذي بدأ فيه علي عبد الرازق تأليف كتابه “الإسلام وأصول الحكم”.

ولم تشهد هذه المساحة الزمنية التي امتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين هذا الصراع الإسلامي حول فكرة الخلافة فحسب، بل شهدت صراعًا آخر حول مدنية الدولة وعقلانية البحث في الإلهيات، بل وظهرت لأول مرة اتجاهات الفكر العلماني، فكتب “قدري باشا” كتابه في “التمدن”، وكتب “ميخائيل عبد السيد” كتابه: “بث المعارف، ونث العوارف” دعوة إلى تحليل ثقافي بعيد عن الغيبيات، وكتاب “رسالة الصديق” لـ”عبد الله النديم” والذي طرح فيه، كما يقول “فاروق أبو زيد”، معظم الأفكار التي طرحها من بعده بخمسة وأربعين عامًا الشيخ “علي عبد الرازق” في كتابه: “الإسلام وأصول الحكم”، وكتاب: “الحاكم والمحكوم” لـ“عبد الله البستاني” والذي سبق “عبد الرحمن الكواكبي” في كتابه: “طبائع الاستبداد”، ويوتوبيا “العصر الجديد” لـ“أديب إسحق” والذي سبق بها أم القرى لـ“عبد الرحمن الكواكبي” بأكثر من خمسة وعشرين عامًا. و“محمد أفندي عمر” في كتابه: “سر تأخر المصريين” الذي يقدم تحليلاً اجتماعيًا تمتد جذوره إلى الفكر الاشتراكي في نقده للمجتمع المصري وسياساته وطبقاته[1].

وفي هذا الحراك الإيجابي والسلبي معًا وجدت فكرة الحاكمية مكانًا لها في محاولة للتعامل مع واقع يموج بكل هذه الأفكار المتعارضة، والتيارات المتصارعة، في جدلية يمكن تلخيصها في الخوف على الإسلام، والخوف من الإسلام.

ولا تعني النماذج التي قدمناها من الفكر المصري أنها حركة محلية، بل هي فكر إسلامي عام، فالمفكر التونسي “أحمد السقا” أنجز في باريس عام 1916 رسالته للدكتوراه في موضوع: “السيادة في القانون العام الإسلامي السني” وأغلبها بحث في “نظام الحكم في الإسلام” متأثرًا بالحركة الإصلاحية عند خير الدين التونسي، والأفغاني، ومحمد عبده، مؤكدا أن “تنظيم الأمة للقيام بمهمتها لدى الحاكم، والسهر على ضمان الشرعية، لهو من الضرورات الحيوية والحتمية التي لقننا إياها التاريخ، وأن الشعوب العربية والإسلامية قد بدأت تستعيد وعيها بعد سبات دام قرون”، وكان ذلك قبل سقوط الخلافة العثمانية بسبع سنوات وقبل صدور كتاب: “علي عبد الرازق” “الإسلام وأصول الحكم” بثماني سنوات..

 وفي السياق ذاته يقرأ الفكر الإيراني في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ما بين أنصار المشروطية وخصومها، حتى انتهى الأمر إلى “محمد حسين النائيني” ورسالته “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”، والذي قدم أفضل دفاع إيراني عن المشروطية وأهميتها، والغريب أنه عاد في أواخر أيامه إلى نقض موقفه من المشروطية، ومخاصمة من حاول نشر كتابه.

كما أصدر “عبد الحميد الزهراوي” بحثًا عن الخلافة، وترجم “عبد الغني سني” عن التركية كتاب “الخلافة وسلطة الأمة”، وأصدر “محمد بركات الله” في زيورخ عام 1924 دراسته عن “الخلافة” والتي جوهرها أنها سلطة روحية وليست نظامًا سياسيًا.

وبعده أصدر عام 1926 العلاَّمة “السنهوري” رسالته من جامعة “ليون” عن الخلافة، واتخذ من الإجماع منهجًا لتطويرها وهاجم مقولة فصل الدين عن الدولة.

وقد سجل المفكر المغربي “عبد الله كنون” رؤيته في الخلافة وهو بصدد الرد على رسالة كتبها مغربي وردت إليه من القاهرة فيها هجوم عنيف على السياسة الإسلامية، وعلى الخلافة، وجاء رده في ثلاثة محاور أساسية:

  1. هل صحيح أن الخلافة ذهبت إلى غير رجعة؟
  2. هل صحيح أن الارتباط بالجامعة العربية لا يصح مع التعلق بالدين؟
  3. هل صحيح أن التمسك بالسياسة الإسلامية رجوع إلى عهد الحروب الصليبية؟

وقد وصف كنون ما ورد في هذه الرسالة بأنها أفكار زائغة جدًا عن الحق والصواب؛ فـ“عبد الرحمن عزام” أول أمين للجامعة العربية كان محاربًا في جيش الخلافة ضد إيطاليا في حرب طرابلس الغرب، وفي هذا أبلغ رد على السؤال الأول والثاني، أما حكومة مصر والتي فيها أكبر جامعة إسلامية في العالم فهي بلد إسلامي طُبعت حكومة وشعبًا بالطابع الإسلامي.

 وهكذا كانت الساحة الإسلامية في الربع الأول من القرن العشرين، وهي تعاني ضغوط الاستعمار، ساحة مفتوحة لآراء متصارعة حول الدستور والحكم والمرأة والعلمانية، وهي ساحة ازدحمت بالتطرف والتطرف المضاد وحمل لواءها مع الفقهاء والمفكرين، أدباء متفلسفون مثل “الزهاوي” ومقالاته عن العلمانية وعن المرأة والحجاب، وكلٌ يدعي الأصالة أو يدعو إلى الحداثة في حياة فكرية قلقة لا يرتفع بها نسق ولا يستقر على أساسها اجتماع..

 وفي النصف الثاني من القرن العشرين ابتلي الإسلام باتجاهين كلاهما بعيد عن حقيقة الإسلام؛ اتجاه علماني غايته إقصاء الإسلام حيث لا مكان له في الحياة العامة والمجتمع، واتجاه شمولي دعواه احتكار الفهم للإسلام تحت مسمى الحاكمية لله والتي أصبحت لدى تيارات التشدد والغلو من مصطلح له مفاهيمه ومرجعياته، إلى “شرك” غايته السلطان، وتراجعت أسس الوسطية وتكريم الإنسان إلى قراءات للقرآن لحمتها القتال المستمر، والعدوان السافر على النفس والأموال والأعراض، وقسمة العالم إلى محورين: محور الخير، ومحور الشر، ولأهمية مفهوم الحاكمية، ولأنه قضية محورية عند دعاة التطرف العلماني ودعاة التطرف الديني، فسوف نتناول الحاكمية بمنهج يقرأ المصطلح في سياق توظيفه، ومنذ البداية فإن الورقة لا تخفي موقفها الرافض لمنهجين في تناول الحاكمية.

الأول؛ المنهج التبريري الذي ينصب نفسه حكمًا على الدين والعقل والمجتمع، من خلال عرض غير أمين لحقائق الإسلام. تتبناه جماعات تستهدف المغالبة من أجل الحكم، وترفع لواء المشاركة الغامضة وهي لا تعرف في أساليبها الحكمية سوى تصفية الحسابات، وتمكين أتباعها من امتلاك مفاصل الدولة والمجتمع، تحت وطأة ديمقراطية هشة ترفع من شأن الصندوق الصامت، ولا تتبنى ثقافة الديمقراطية الناطقة.

الثاني؛ المنهج الإقصائي الذي يتلاعب بآيات الله، وأحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، يفسر القرآن على هواه، ويقبل من الأحاديث ما يوافق مبتغاه، ويسقط من الوجود العلمي منظومة معرفية محكمة المنهج مكتملة الأدوات، حتى يرفض الأحكام الإسلامية التي هي من وجهة نظره استبداد ديني، لا تتوافق مع حرية البشر وكرامة الإنسان، فالحاكمية في هذا المنهج حاكمية كونية تؤسس على القوانين العلمية، بل على نظريات العلم بما فيها من خطأ وصواب، وليست حاكمية تشريعية تضع الأوامر والنواهي وفي قواعدها فصل الخطاب، فالكون مملكة الله من مقام الربوبية، والتشريع حاكمية البشر؛ لأن الشرائع مراحل تاريخية لها أوامر ونواه عينية زمنية، فحاكمية الله سنن وأخلاق، وحاكمية البشر شعب يقرر وتقنينات تصدر.

والمنهجية التي نعتمدها ترى أن العلاقة بين الدين والدولة في العالم الإسلامي لم تكن مجرد هم أساسي للمشروع التحديثي العربي لم يطرح سلفًا، كما يقول طلال أسد، بل هي علاقة مستمرة تحكمها ثقافة المغايرة عندما تحاول تهذيب موقفها المعارض، ولم تكن ثنائية التوفيق بين العقل والنقل عند رواد الفكر الفلسفي الإسلامي إلا مرحلة تاريخية لموقف العقل الإسلامي من كل محاولات “أنسنة القرآن” و”أدلجة الحديث النبوي”.

 إن أدلجة الإسلام كما يقول “أشرف الشريف” على يد المشروع السياسي الإسلامي لاحقًا، جاءت متسقة مع مشروع متعثر لدولة حداثة فاشلة، جعلت من سياسات الهوية خيارًا جذابًا ومقبولاً، بل وضروريًا على المستوى الوجودي أمام أخطار التغريب الحضاري الحقيقية والمتوهمة.

ثانيا: الحاكمية عند المفكرين المعاصرين

في زمن الاضطراب الذي أشرنا إليه كثرت الأطروحات حول الإسلام المعاصر، فهي لم تعد تيارات تتفاعل أو تتقاتل، ولكنها أفكار أشخاص لا تكاد تتعداهم حتى إلى تلاميذهم.

فـ“رضوان السيد”، وهو مفكر معروف بقدرته على حسم موقفه، يفصل في أطروحته بين الفكر الإسلامي الحديث الذي إشكاليته الرئيسة هي النهوض، والفكر الإسلامي المعاصر الذي إشكاليته الحاكمة هي الهوية، والقطيعة بينهما عند الدكتور “رضوان” هي حتمية ضرورية لاختلاف في طبيعة الإشكالية مفترضًا التعارض بين النهوض والهوية وهو ما لا نسلم به، ويلخص الدكتور “رضوان” أطروحته بأسلوبه الواضح بقوله: “إن وعي الأفغاني وعبده والعظم ورضا وأرسلان لأحداث العالم وتركيباته وترتيباته، ومواقع المسلمين فيه، حددوا إشكالية التخلف في سائر المجالات، كما حددوا الحل وهو التقدم، على أن المفكرين الإسلاميين بدؤوا يتخلون عن هذه الفكرة، أو عن التحديد للإشكالية منذ القرن العشرين… وأصبحت الرؤية السائدة للعالم لدى الإسلاميين تتمحور حول الهوية، وتتسم بالقطيعة”.

 ومنهجية “رضوان السيد” وجدت قبولاً عند “عبد الإله بلقريز” الذي أكد على القطيعة الفكرية بين خطاب الإصلاحية الإسلامية الذي غايته التقدم وخطاب الصحوة الإسلامية الذي هو محور الهوية وطريقها العودة إلى التراث، وأيًا ما كانت أهمية ما طرحه رضوان السيد، وطوره بلقريز فإن كلاهما لم يضبط مفهوم التقدم لدى الإصلاحيين ومفهوم الهوية لدى الراديكاليين، ولم يفترض كلاهما إمكانية صعود أي منهما إلى السلطة، وإمكانية تطورهما الفكري تحت وطأة الممارسة الواقعية، ولعل الخلفية العلمانية الكامنة وراء أطروحة هذين المفكرين. تفضي إلى تصورات متحيزة ترفض الديني من موقف لا من استيعاب، وتعلي من “النمط العلماني” الذي هو في نهاية المطاف منتج غربي أساسه الحرية الفردية باعتبارها “المقدس” في المشروع الحضاري الغربي، إلا أن هذه الرؤية تتميز بالتماسك، وفيها من وشائج النسب العاطفي للوطن ما يسمح بإمكانية الحوار رفعًا للجفوة وليس تجسيرًا للفجوة.

وفي تصور غربي للحاكمية يقول “برنارد لويس” في محاضرة له ألقاها في الندوة الدولية حول “رؤية الإسلام الخلقية والاجتماعية” باليونسكو: “هناك تصوران خاطئان خطأً شديد الشيوع فيما يتعلق بالفكر السياسي الإسلامي والحكم الإسلامي، حيث يوصف أولهما بأنه ثيوقراطي، ويوصف الثاني بأنه استبدادي بل وديكتاتوري، وكلا التصورين يرتكزان على فهم خاطئ، فالسؤال عما إذا كان الإسلام ثيوقراطيًا أم غير ثيوقراطي يتعلق بدلالات الألفاظ أكثر مما يتعلق بجوهر الموضوع، وتتوقف الإجابة عنه، إلى حد كبير، على التعريف المستخدم..

 فالثيوقراطية وفقًا لأحد التعاريف هي دولة تحكمها الكنيسة؛ أي الكهنة، ومن الواضح أن الإسلام ليس ثيوقراطيًا بهذا المعنى ولا يمكن أن يكون، فليس في الإسلام كنيسة ولا كهنوت، لا من الوجهة اللاهوتية؛ إذ ليس هناك منصب كهنوتي أو وساطة كهنوتية بين الله والفرد المؤمن، ولا من الوجهة المؤسسية، إذ ليس هناك أساقفة، ولا سلطة هرمية من رجال الدين… لكن هناك لكلمة الثيوقراطية معنى آخر يستند إلى مدلولها الحرفي، وهو حكم الله، فالله وفقًا للمفهوم الفقهي للدولة الإسلامية هو وحده الحاكم الأعلى، وهو المصدر النهائي، بل والوحيد المشروع للسلطة، والله وفقًا لهذا المفهوم هو المشرع الوحيد، وهو وحده الذي يهب السلطة أو الذي يسبغ عليها المشروعية على الأقل، بيد أن هذا لا يعني أن الحكم لرجال الدين، فليس في الإسلام رجل دين إلا بمعنى سوسيولوجي محدود وليس بمعنى كهنوتي، وليس من المألوف في معظم البلدان الإسلامية أن يتقلد رجال الدين المحترفون مناصب سياسية.

وأوهى من ذلك أساسًا أن يصور الحكم الإسلامي على أنه نظام يكون فيه الحاكم مستبدًا مطلق السلطان، وتكون الرعية عبيدًا خاضعين لا حول لهم ولا قوة، فهذه صورة زائفة على كل من الصعيدين النظري والعملي؛ فالشريعة الإسلامية لم تخول قط للحاكم السلطة المطلقة، كلا ولم يتمكن الحكام المسلمون، إلا في فترات استثنائية، من ممارسة تلك السلطة”.

1. الحاكمية في التطرف العلماني

  أ. الحاكمية عند “محمد شحرور”

الحاكمية عند “محمد شحرور” لا تعني مساحة أكبر للعقل في مواجهة النقل، بل هي حاكمية إنسان بلغ سن الرشد في التعامل ضمن المحيط الذي يعيش فيه، وفيها تكمن الخاتمية، لذا يرى أن حاكمية الله بالمفهوم التشريعي قد وضعت مقابل العلمانية بطريقة قسرية تمامًا.

إن هناك توترًا نفسيًا غير مبرر لدى العلمانيين جميعًا يمثل حاجزًا صلدًا يرفض الإسلام التشريعي.

يقول “شحرور” في كتابه الرئيس (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة)[2]: “إذا سألني سائل: ما هي المواد التي يجب أن يحتويها دستور أية دولة لكي تصبح إسلامية؟ إنني أنوه بالخطأين الشائعين جدًا من قِبَل المسلمين وهما:

  1. المناداة بأن دستور الدولة القرآن، وهذا خطأ لأن القرآن لا يحتوي على أي تشريع.
  2. المناداة بتطبيق أحكام الشرعية الإسلامية؛ لأن الشريعة الإسلامية لا تحتوي على أحكام، بل على حدود،… إن التشريع في الدولة العربية الإسلامية مبني على أنه لا يوجد شيء اسمه الشريعة الإسلامية، ولكن يوجد شيء اسمه حدود الله التي وردت في أم الكتاب، والتشريع الإسلامي هو تشريع إنساني ضمن حدود الله.

والخطأ المنهجي الأول عند “شحرور” إيمانه بأن كل الأمة قبله كانت على خطأ، وأنه وحده على صواب، وبالتالي فقد أسقط بكل سهولة تراثها اللغوي والفقهي والأصولي ومفاهيمها ومصطلحاتها، وصاغ تعاريف ومفاهيم هي في مقياس العقل السليم مجرد ثرثرة ليس لها قانون لغوي يضبطها، أو قاعدة أصولية تحكمها، أو مقياس في علوم القرآن والحديث يجعلها علمًا بأي معنى من المعاني، ولم يكن أمامه إلا أن يصوغ نظرية معرفية تشرعن فكره، وتحمي تأويلاته من السقوط، لأنها مجرد تنجيم كما يقول بحق “سليم الجابي”[3] وإذا كانت قراءة “محمد أركون” محاولة للتشكيك في القرآن الذي هو بتعبيره “مدونة رسمية مغلقة وناجزة”، “وهو مجموعة من العبارات الشفوية في البداية، ولكنها جُمعت ضمن ظروف تاريخية لم توضح حتى الآن ولم يُكشف عنها النقاب”.

فإن قراءة “محمد شحرور” الجديدة هي تفكيك للنص، وتجفيف لمنافع الأحكام، ورفض للغيب والسمعيات والنبوات، بل هي رفض للإسلام كله بدعوى القراءة الجديدة، والتي هي في أفضل الأحوال رجم بالغيب.

 ب. الحاكمية عند “محمد أبو القاسم حاج حمد”

 ينطلق المفكر السوداني “حاج حمد” من نقد عنيف يوجهه إلى فكرة الحاكمية عند المودودي وسيد قطب ويرى أنهما أشاعا بين المسلمين ما هو ليس من دينهم ونهجهم دون أن يدركا ذلك.

 “فالقرآن الكريم يقدم ثلاثة أنماط من الحاكمية: الحاكمية الإلهية، وتعني التدخل الإلهي المباشر، وهي ليست لنا، وحاكمية الاستخلاف وأساسها التسخير؛ والتي شملت الطبيعة والكائنات المرئية كالطير، وغير المرئية كالجن، وهي أيضًا ليست لنا، والحاكمية البشرية تتجاوز بنا ضيق اللاهوت الجبري وضيق الوضعية العلمانية باتجاه الوعي الكوني المطلق.

وقد أخطأ الفكر الإسلامي الذي وضع الحاكمية الإلهية في مقابل الحاكمية الوضعية، وبما أن الحاكمية الإلهية تلتزم ضرورة بشرع الله، والحاكمية الوضعية تلتزم بخطاب العقل البشري، فهي جاهلية ينقلها منطق التداعي لتترادف العلمانية مع الكفر، وهكذا تتكرس دائرة التناقض ضمن ثنائية حادة، فإما الحاكمية الإلهية وإما الكفر.

 وعلى هذا الأساس تُعد جميع المجتمعات ذات النهج العلماني والوضعي مجتمعات جاهلية كافرة ولا توسط بين الأمرين، وبهذا “المعتمد الفكري” تتجه بعض الحركات الإسلامية إلى تمييز نفسها عن الآخرين في مجتمعاتها بوصفها؛ أي هذه الحركات، مجسدًا في ذاتها وتكوينها إطارًا لحاكمية الله؛ أي أن في داخلها الحركي يكمن “الخلاص”؛ فهي دون غيرها “مدينة الله” والآخرون “مدن الشيطان”، ويتداعى المنطق فيسبغ هذا الإطار على نفسه “مشروعية التصرف” باسم الله وحاكميته، فيرى في سبيل غاياته تبريرًا لكل الوسائل، مستحلاً الأنفس والدماء والأموال، فكل شيء يتم بمضمر المشروعية الإلهية، وفي مواجهة الكفر والجاهلية، وكل ذلك حسن وجميل في ذاته لو كان مجرد توصيف لواقع، ولكن “حاج حمد” يستخدم هذه الأسلوبية الجاذبة إلى مشروعية كاذبة تفرغ القرآن من كل أبنيته التشريعية ليصبح فضاءً يتحرك بعيدًا عن النص. يقول “حاج حمد”: “فالمنهجية القرآنية تكشف ضمن كلية القرآن ووحدته العضوية عن “ما ورائية” الأحكام الإلهية واتجاهات التشريع بحيث يصبح الإنسان قادرًا على ممارسة أقصى حالات القدرة على التصرف، فلا نتناول القرآن كمجرد نصوص وأحكام ولكن تتناوله كمنهج محيط بهذه الأحكام، ودال على خلفيتها وضابط لمفهوميتها، فينفذ إلى “ما ورائيات” النص عوضًا عن محاولات التأويل الذاتي لبعض النصوص لكي تتلاءم قسرًا مع محدثات الأمور، فالقدرة البشرية على الإبداع الملتزم كامنة في منهجية القرآن”.

هكذا يوجه “الحاج حمد” في كتابه “الحاكمية” “ميتافيزيقا” قراءاته الجديدة بعد تدويرها في نسق فلسفي متوتر وغامض يستهدف إسقاط كل الأحكام التشريعية في القرآن، فقد غادرنا بمنطق الحاكمية البشرية عالم النص إلى آفاق ما وراء النص، وهكذا يستعيد “الحاج حمد” موقعه في خريطة الحزب الجمهوري لمحمود طه ليكمل مسيرته في تحقيب الأحكام التشريعية بين رسالة أولى ورسالة ثانية، وكتابات “حاج حمد” كلها هي العالمية الإسلامية الثانية بدأت ماركسية وانتهت بالعودة إلى حاضنة الحزب الجمهوري لتصبح غاية الرسالة كلها “الترقي لدرجة المثالية الإنسانية” هو المطلوب دينيًا ليكون الإنسان “بحاكميته البشرية” متكافئًا مع الكون، مع أن الكون مجال إنساني يكتسب في رحابه الإنسان ميراث الأرض عندما يعود إلى خالق الإنسان وخالق الأكوان.

2. الحاكمية من منظور التطرف الديني

وُجدت الحاكمية، باعتبارها كلمة حق أُريد بها باطل، مع الانشقاق الخارجي في عهد الخليفة الثالث عليّ بن أبي طالب، وظلت تستدعى في تاريخ الفكر الإسلامي عند كل صدام بين الدين والسياسة، وعندما نشأت الدولة القومية الحديثة بتوجهاتها العلمانية، ظهر المصطلح من جديد بعد تعبئته بمواد متفجرة جعلته أقرب إلى القنابل الموقوتة أو حقول الألغام في المجتمعات المعاصرة.

أ. الحاكمية عند “أبي الأعلى المودودي”

لم تكن ثقافة “المودودي” المدنية تؤهله لتنظير الحالة الإسلامية في الهند، ولكن بيئة الصراع الاجتماعي المرتبط أصلاً بالدين، جعلته يستدعي فكرة الحاكمية لتكون الأساس النظري لدولة المسلمين في شبه القارة الهندية، فولادة باكستان، كانت ولادة عسيرة، وإسلامها مشوب بغموض توجهات قادتها من الإسلاميين ما بين أحمدي وإسماعيلي وسني، ولا شك أن “المودودي” كان يعلم أن ولادة الدولة تعني صراعًا بين النخب على الصيغة الإسلامية للدولة الجديدة..

 ومن الخطأ عرض نظرية “المودودي” في الحاكمية باعتبارها المعادل الموضوعي لفكرة السيادة كما تمثلت عند الفقيه الإنجليزي “بودان”؛ فالمودودي يتحدث عن نظرية في السلطة، و”بودان” يتحدث عن نظرية في الدولة وبين الأمرين فروق واختلافات، وقد نجح “المودودي” في صياغة نظرية سياسية إسلامية، حاول أن يترجمها عمليًا في دستور دولة باكستان الوليدة، ولكن سيرة المصطلح كما أراده “المودوي” لم تكن هي سيرة السلطة السياسية كما أرادتها النخب الحاكمة، لقد رأى “المودوي” في الانفصال عن الهند ضرورة دينية لأن حزب المؤتمر يطرح دولة علمانية على النمط الغربي، لا تتلاءم مع التكوين الثقافي للمسلمين، بل ربما لا تلائم الطبيعية الدينية للمجتمع الهندي بكل طوائفه، والحاكمية عند “المودودي” حاكمية أصلية وحاكمية تبعية حيث يقول: “إن الحق تبارك وتعالى حاكم بذاته وأصله، وإن حكم سواه موهوب وممنوح” ويقول أيضًا: “إن أول أساس من أسس الإيمان هو الإيمان بحاكمية الله؛ فهو مالك السماوات والأرضين، وكل ما فيهما ملك لله وحده”.

والحاكمية في المفهوم السياسي والقانوني هي لله وحده، ولكنه يريد أن يقترب بها من الواقع السياسي المعاصر فيراها ديمقراطية ابتداءً بنوع من الخيار الإنساني لحكامه وممثليه، وثيوقراطية انتهاء باعتبارها لا تعطي خيارًا لحاكم أو محكوم أن يتفلت من قوانين الله وشرعه.

 والرأي عندي أن “المودودي” جانبه التوفيق في جانبين:

الأول؛ أن الحاكمية التي تعني السلطة لا ينبغي أن تكون جزءًا من العقيدة لأنها جزء من التكليف الإلهي للبشر، وهي بالضرورة قائمة على الاختيار ككل تكليف، وميزانها الشرعي قائم على المعصية والطاعة وليس على الإيمان والكفر.

ثانيًا؛ أن “المودودي” حاول أن يسخر ثقافته الغربية من أجل صياغة فقه سياسي أقرب إلى عقول أهل وطنه، وكان يمكنه أن يعتمد على التجربة النبوية في صياغة فكر سياسي لا يتجاوز الشريعة، ولا يجرد الإنسان من دوره في اختيار حكامه واجتهادات فقهائه.

وحسب “المودودي” فإن نظريته لم تخرج عن كونها كفاحًا سلميًا من أجل إسلامية باكستان، وأظنه لن يكون راضيًا عما آلت إليه في الخطاب الحركي المعاصر لتصبح حاكميته هي المفهوم الذي يغذي العنف والكراهية في الخطاب الإسلامي الراديكالي وفي أفعاله على السواء.

ب. الحاكمية عند “سيد قطب”

 الحاكمية عند “سيد قطب” تجربة تحولت إلى مذهب، وليست مذهبًا تحول إلى تجربة، لم يكن “المودودي” غريبًا عن “سيد قطب” فقد اشتركا معًا في أوائل الخمسينات في تأليف أكثر من كراسة، وشهد فكر سيد قطب تغيرًا جذريًا بين سنواته الأولى التي جعلت تصوره الإسلامي يقوم على منطلقات اجتماعية أولاً وسياسية شاحبة ثانيًا، وبين سنواته الأخيرة التي شهدت صياغة نظرية للحاكمية عبّر عنها في ثلاثيته الفكرية التي صدرت على التوالي في أوائل الستينيات وهي “المستقبل لهذا الدين”، و“هذا الدين”، و“معالم في الطريق”، الذي أصدره باعتباره جزءًا أول يحمل رقم (1) على صفحة الكتاب الأولى في طبعته الأولى.

 ونظرية “سيد قطب” في الحاكمية تقوم على قواعد ثلاث بينها اتصال عضوي.

قاعدتها الأولى؛ أن السياسة هي الدين وأن الدين هو السياسة، وتحدد حركة الإنسان في الواقع حقيقة تدينه الذي لا يعرف التدرج؛ فهو إما مؤمن يلتزم التزاماً كاملاً بمنهج الله، وإما كافرًا يعيش جاهلية عمياء، والجاهلية هنا صفة مجتمع قبل أن تكون سمات فرد، حق الله في الحاكمية حق مطلق من ينازعه فيه فقد كفر فردًا كان أو جماعة، ولكن معركة سيد قطب كانت مع السلطة، فلم يأل جهدًا في تكفيرها، والمجتمع الإسلامي لا يكون إسلاميًا لكون أفراده ممن يسمون أنفسهم مسلمين، بل لأنه يلتزم منهج الإسلام في كل جوانب الحياة.

أما القاعدة الثانية؛ فهي الجاهلية الشاملة التي تستوعب المسلمين وغير المسلمين فالجميع خارج عن منهج الله لا تهم الأسماء، ولا بطاقات الأديان، المهم أين مكان المنهج الإسلامي في المجتمع؟ وهي جاهلية القرن العشرين كما سماها حامل أختام التراث القطبي “محمد قطب” الشقيق الأصغر لـ”سيد قطب”، وهي جاهلية محورها “ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله” فالعالم كله في جاهلية هي حاكمية العباد للعباد. و“سيد قطب” يرفض كل نظم الحكم المعروفة سواء كان اسمها حكم الفرد، أو حكم الشعب، شيوعية أو رأسمالية، ديمقراطية أو ديكتاتورية، أوتوقراطية أو ثيوقراطية.

 والأطروحة لا تترك مكانًا للتفكير؛ إما القطبية أو التكفير حتى الشعائر من صلاة وصوم وحج وزكاة فإنها لا تجدي لأن ميزان العقيدة لا يؤمن إلا بالصفقة الكاملة، إما كل العبادات وكل المعاملات، وإما الكفر والانسلاخ من العقيدة. وهذه النظرية القطبية بهذا التصور الحدي تنسف كل قواعد الفكر الإسلامي وأبجديات النظرية السنية في علميّ الكلام والفقه.

القاعدة الثالثة؛ الجماعة المؤمنة: وهي جماعة مغتربة عن واقعها فكريًا وجغرافيًا، إنها، رغم قلتها العددية، هي المسؤولة عن إقامة دين الله. بل ومنها قضاة الله الذين يحكمون على كل عباد الله فبأيديهم صكوك الكفر ولا يعترفون بصكوك الغفران، وأفراد هذه الجماعة لا ينتمون إلى أسرة، ولا إلى قبيلة، ولا إلى دولة أو نظام، إنهم جند الله فحسب؛ العقيدة تجمعهم فالعقيدة أولاً والعقيدة آخرًا.

وهكذا أقام “سيد قطب” نظرية مغلقة “سجن” فيها الإسلام، وحبسه عن معتنقيه، وحشره في زاوية البُعد الواحد، والرأي الوحيد، والمفكر الفرد، والمسلم الأوحد، فكان في أقصى صور الاتحاد مع منطلقاته، وأصبح يمثل الاستبداد الفكري في أسوأ مفاهيمه، وهذا الفيلق المختار لم يكن أمامه أي اختيار إلا الطاعة الكاملة للفكر القطبي المؤسس الذي جرّد الإنسان من كل فاعلية، حتى يصح إيمانه بالحاكمية الإلهية. ويكفي للحكم على نظرية “سيد قطب” ما يقوله الدكتور “محمد سليم العوا”[4] “ومهما يكن الأمر في تأويل “سيد قطب” فإنه كان من الخطورة وبُعد الأثر، في نفوس أعداد كبيرة ممن كانوا في السجون والمعتقلات، من شباب الحركة الإسلامية، حتى إنهم اعتنقوه بظواهره، فنشأت فكرة تكفير المجتمع، وتكفير الأفراد، وتكفير من لم يكفرونه”.

ثالثا: الاعتدال الإسلامي

يبدو مصطلح الاعتدال الإسلامي بحاجة إلى تحديد وضبط، فهو مصطلح شديد الالتباس، يحوطه الغموض من كل جانب، وإنه من الإغراق في التجريد أن يفلت هذا المصطلح من سيرته الحركية، ومن واقعه المُعاش. فليست هناك قراءة واحدة “للإسلام السياسي” وبالتالي ليس ثمة مفهوم واحد للاعتدال الإسلامي، ربما يمكنني القول كمفهوم إجرائي إن “الاعتدال السياسي” هو موقف يلتزم أصحابه، من الإسلاميين، بتداول السلطة، وأنها للشعب أساسًا، والاعتراف التام بالمواطنة الكاملة، والالتزام بحقوق الإنسان ونبذ العنف، وهو تعريف يتكون من عنصرين:

العنصر الأول؛ يغلب عليه الطابع السياسي؛ وهو الالتزام بتداول السلطة، وأن الشعب هو صاحب القرار الأخير، وهذا يعني القبول بالديمقراطية.

والعنصر الثاني؛ يغلب عليه الطابع الاجتماعي والقانوني، وهو الاعتراف التام بالمواطنة الكاملة، وهذا يعني تجاوز البعد الأيديولوجي أثناء الحديث عن الآخر المختلف إثنيًا أو عقائديًا لصالح التشريع الذي يتساوى أمامه المواطنون جميعًا.

والمعيار الحاكم في هذه المعادلة هو العودة إلى الأصول الإسلامية التي تستطيع وحدها الفرز بين المشروع والممنوع في المعادلة السياسية بما يؤدي إلى التفسير الصحيح للنص، والتحرير الحقيقي للعقل، فلا تختفي حرية الإنسان، ولا تتراجع أصالة الإيمان.

ولو استنطقنا علم تاريخ الأفكار لرأينا الفكرة الديمقراطية يكمن وراءها المنطلق النفعي والاقتصادي، والمفهوم الليبرالي وراءه رصيد مذخور من علائق العداء والمناورة مع المحيط الإسلامي فكرًا وجماعة، وصحيح ما قيل بأن أوروبا المسيحية شيدت أكبر نظام للصور النمطية المعادية للإسلام، وأقامت متخيلاً جماعيًا في منتهى القسوة في أحكامه على التجربة الدينية والحضارية العربية والإسلامية، على الرغم من أنها حاولت إنجاز حضارتها باستيعاب حضارة الإسلام ومحاولة امتلاكها وتجاوزها، وهو ما حاول أن يفلسفه “فردنان بروديل” بقوله: إن الكراهية قد تكون مولدة للحضارة، وأن التقدم ينجزه من يعبّر عن قدرة خاصة على تصريف كراهية الآخرين، وهي مقولة خاطئة تمامًا من وجهة نظري؛ لأن العداء قد يكسب حربًا ولكنه لن يصنع تقدمًا بالمعنى الأخلاقي للحرب وبالمعنى الأخلاقي للتقدم.

لقد اكتسبت هذه الصيغة العدائية أبعادًا تعبوية، لها فعلها حتى اليوم، حيث تمكنت الآلة الدعائية من تقديم الإسلام في صيغة تعادي ما قبله، وتعادي الحضارة والتقدم العلمي.

إن الحديث عن “المقدس” الذي يحيل إلى الجمود والعنف، باعتباره خصوصية إسلامية، يفتقر إلى الصحة العلمية، ولا يعني ذلك نفي “المقدس” عن الأطروحة الإسلامية، بل إنه يعني من الزاوية الإبستيمولوجية أن حضور “المقدس” في المنظومات الفكرية، وفي مقدمتها الديمقراطية، هو أمر حتمي بعيدًا عن فلسفة النهايات التي تؤمن بنهاية التاريخ، ونهاية الأيديولوجيا ونهاية الرأسمالية..

إن استخدام أسلوب الهجوم المباشر الذي هو أقرب إلى ردود الأفعال منه إلى البحث العلمي الرصين ونحن نتحدث عن الإسلام والديمقراطية، والمسلمون والحضارة، هذا الأسلوب يتنكر للمحددات العلمية لعلم السياسة التي تحتم تحليل المفاهيم والغوص إلى أعماق الإنسان لغة ومقاصد حتى نتمكن من رسم خرائط معرفية مفهومة ومقروءة.

ويأتي في مقدمة هذه المفاهيم “مفهوم الاعتدال الإسلامي” خاصةً وأن “الثورات العربية” التي اشتعلت مع نهايات عام 2010 ولا تزال مشتعلة دون أن يدعي فصيل سياسي أنه صاحبها أو صاحب اليد الطولى فيها، بل هي في حقيقتها ثورات جموع وليست انشقاقات جماعات، فرضت بالضرورة على كل الجماعات العاملة في الحقل السياسي والدعوى أن تراجع مرجعياتها، وتحاول أن تتوقف بصدق أمام لحظة حساب قد تكون ضدها لا معها.

لقد كشفت “الثورات” أن هذه الجماعات لم تكن كُتلاً متماسكة، بل بدا أن القيادات قد انفصلت عن قواعدها منذ فترة مبكرة، وأنها وإن استعادت حماسة جماهيرها وقواعدها فإنها لم تستطع مصادقة هذه القواعد أو التفاعل معها مما جعلها تتعرض للانقسام والتشظي عند أول اختبار مبكر.

وأضرب مثالاً على ذلك بالجماعة السلفية عندما اصطدمت بالمشهد السياسي الراهن في مصر وحاولت التفاعل معه، لقد بدا واضحًا أننا أمام سلفيات لا سلفية واحدة.

سلفية مُرَوَّضَة استخدمها “السياسي” في مقاومة خصومه من التيار الإسلامي الأكثر حدة، وأرخى لها العنان وهي تتحرك دعويًا خاصةً مع الفئات الأكثر فقرًا؛ أي في البؤر الهامشية لعله يحتفظ من خلالها بمفتاح حبس التوتر في جغرافيا المناطق العشوائية.

والنوع الثاني؛ وهي السلفية الرافضة التي اختارت الهجرة عن المجتمع وقد نظرت وراءها بسخط إلى كل أنساقه الدينية والفكرية والسياسية، وأصبحت في عزلتها تتبنى التكفير منهجًا والهجرة رباطًا قد يعيدها يومًا إلى مقدمة الصفوف.

 أما النوع الثالث؛ فهي السلفية المعارضة التي اختارت النزول إلى المعترك السياسي، لها تحت لواء “الثورة” لافتة خاصة، وهتافات مميزة وكأنها خشيت من استدعاء ماضيها فحاولت دخول المعترك السياسي بحاضر لا ينسف تشددها المعلن، ولا يبعدها عن دائرة الضوء، متجاهلة أن المرتقى صعب، وأن قبولها، باعتبارها من نخب الحاضر والمستقبل، يحتاج إلى ثورة في التفكير وثورة في التفسير؛ من خلال اجتهاد جديد لا تمتلك أدواته؛ لأن أغلب قياداتها جاءت من خلفيات ثقافية وتخصصية مدنية، وتلاقت مع الفقه الإسلامي من باب “الجهد الشخصي” لا “التكوين العلمي الأكاديمي”، وهذا قاسم مشترك بين أغلب قيادات التيارات الإسلامية التي حاولت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير أن تتدفق على الأزهر الشريف معلنة أنها تسير وراءه، وتتبع خطواته.

 وحتى تحوز هذه الشرعية كان عليها أن تعلن انتماءها إلى الفكر الوسطي الذي يتبناه الأزهر عبر تاريخه الطويل، والذي هو مضمون مناهجه حتى في لحظات الذبول الفكري والتراجع الحضاري، وكان طبيعيًا أن يكون حضور الأزهر لافتًا وطاغيًا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ لأنه يحتل مكانه الطبيعي في التراث المصري..

 وفي خضم هذه اللحظة التاريخية الفارقة بدا الأزهر وكأنه الأقدر على تحقيق التعايش مع كافة المنظومات ذات المرجعيات الدينية وذات المرجعيات الليبرالية، وهو ما بدا في وثيقة الأزهر الأولى، والتي لم يكن غريبًا فيها على الأزهر أن يقبل صيغة الدولة الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة، ولم يكن سهلاً على التيار الليبرالي أن يتخلى عن مصطلح الدولة المدنية، ولم يكن سهلاً أيضًا على التيار الإسلامي أن يتخلى عن فكرة السيادة لله لصالح المصطلح القانوني الذي يؤكد السيادة للشعب، ليظل ما هو ديني في مكانه الثابت والمتعالي، وما هو دنيوي في موقعه المتغير والنسبي، ولكن سرعان ما تغيرت المواقف وتنابذ الفرقاء.

والحصيلة النهائية التي تصب في صالح “مفهوم الاعتدال الإسلامي”؛ أن كل هذه التيارات، في اللحظة “الثورية”، تراضت على إدخال عنصر الزمن في حركتها الواقعية، ولا ينبغي أن يخضع هذا التراضي لفكرة “الضرورة” التي ترتقي بها إلى الوضع الاستثنائي، بل إلى نظرية التطور التي تُعد أمرًا معتادًا في كل محاولة بشرية تنتقل فيها الأفكار من “التجريد” إلى “التحديد”، ومن “العمومية” إلى “التعيين”.

 وفي هذه “اللحظة الثورية” أصبح الحديث حول التلاقي ممكنًا بين التيارات الإسلامية والتيارات الليبرالية، وأصبح الحديث عن الديمقراطية، موضوعاً وشكلاً، أمرًا مقبولاً من الطرفين، والصراع لم يعد حول مبادئ، وإنما حول خيارات بعضها لصالح حوار الأفكار، وبعضها لصالح رؤى واقعية تتعلق بقواعد بشرية ضاغطة أو وقائع انتخابية ملحة، ولكن انتصار الديمقراطية، كما يقول جاك رانسبير في كتابه كراهية الديمقراطية، لا يعني فحسب منح الشعب منافع الدولة الدستورية، والانتخابات الحرة، والصحافة الحرة، ولكن أيضًا منحه الفوضى، أو على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي في حرب الخليج الثانية إننا منحنا الشعب العراقي الحرية، والحرية الآن هي أيضًا حرية فعل الشر. وهذا ما تعاني منه “ثورات الربيع العربي”، ولهذا أسبابه ودواعيه التي ليس من هدف هذه الدراسة الحديث عنها.

 إن التلاقي الذي كان ممكنًا بين الإسلاميين وغيرهم صنعه أمران:

الأمر الأول؛ الحضور اللافت للتيارات الإسلامية في لحظة التماهي مع الثورة وفي لحظة الإحساس بأنها انتصرت.

الأمر الثاني؛ الظهور الواقعي الذي تجسد في الانتخابات البرلمانية والذي لم يكن منظورًا ولا محسوبًا من كل التيارات الأخرى، خاصةً وأن التيار الإسلامي شهد مصادرة وغيابًا قسريًا عن المشهد العام وكان ظهوره مجرمًا، وإعلان فكره محرمًا، وهذا الظهور الواقعي يؤكد أن التجريف السياسي لكل صور الاعتدال، فيما قبل الخامس والعشرين من يناير، كان كبيرًا وصادمًا ولكن الوعي به كان ضعيفًا وقاصرًا، لقد ظن بعض أطياف التيار الليبرالي أن حضورهم على الساحة السياسية لا يمكن أن يفسر على أنه تبرير لنظام جائر، بل هي مقاومة بالأدوات السياسية المتاحة، وتجاهلوا أن حضورهم كان استدعاءً مقصودًا ومنظمًا، وأن إقصاءهم كان مقصودًا ومرتبًا. وبدا واضحًا أنهم يفتقدون إلى الخيال السياسي قبل الثورة وبعدها على السواء.

وعلى الرغم من أن تيار الإسلام السياسي قد أثبت أنه الأقدر على الحشد والتنظيم، فإنه لم يكن الأقدر على التأويل والاجتهاد. مما وضع جدارته السياسية على المحك، إما أن تكون التجربة إضافة إلى الرصيد أو خصمًا منه، وفي ظل الظروف الجديدة التي يعيشها العالم العربي اليوم، فإن الخصم من الرصيد سيكون ثمنه غالبًا، وفي المقابل، فإن الإضافة إلى الرصيد ستكون نتائجها الإيجابية بعيدة المدى محليًا وإقليميًا وعالميًا. وتستدعي بالضرورة توافقًا وطنيًا، وهذا لا يعني أن تيار الإسلام السياسي لا يعي قيمة الديمقراطية، بل إنه استفاد منها في عصر النظام السابق، واستطاع من خلال الصندوق الانتخابي أن يكتسح معظم النقابات الفاعلة ليشكّل قوة ضغط لم يستطع النظام السابق احتمالها وكان عنيفًا وإقصائيًا في المصادرة والرد.

 إلا أن الصندوق الانتخابي وحده، رغم إغراءاته، لابد أن يتعثر إذا لم تصحبه ثقافة ديمقراطية تضع الكفاءة فوق الشخصنة، ومصلحة الوطن فوق الجماعة، وهو ما كان ينبغي أن يدركه قادة التيارات السياسية في مصر، حتى لا تفلت منهم صورة المستقبل، وكان على الإسلاميين أن يقدموا البدائل، وأن يجتهدوا في جعلها وعاءً عامًا يلتقي حوله كل ألوان الطيف السياسي، وأن يكون الخلاف حول التفاصيل وليس حول المبادئ، ولكن فشل التيار الإسلامي في إدارة الدولة، محاولاً إحكام قبضته من خلال منطق الجماعة، ليتراجع احترام القانون، ويستبعد فكرة المصلحة العامة، مثَّل انتحارًا سياسيًا فقدت معه الدولة استقرارها وأحست الأمة بغموض حاضرها ومستقبلها، فجاءت الثلاثين من يونيو نهاية لإسلام سياسي مأزوم وقيادات خائبة واعتمد الثلاثين من يونيو على شرعية محكمة، لا تستند فقط إلى الجماهير الحاشدة، بل تستند أيضًا إلى مقومات الدولة الحديثة في مصر منذ نشأتها في عهد محمد علي، في مواجهة شرعية متآكلة جاءت بها صناديق البطون الخاوية، وعصبية الجماعات، وآليات الحصول على الصوت الأجوف، وهي بضاعة مزجاة، بما لها وما عليها.

وفي النهاية أستطيع أن أقول إن الاعتدال السياسي كمفهوم يتجاوز جغرافيًا المناطق سياسيًا وفكريًا، إنه مسألة تاريخية لها حضور مستمر في الوعي الإسلامي العام حيث يختلط في ذاكرته الخاص والعام، والائتلاف والاختلاف، والمحاسن والأضداد بتعبير الجاحظ، ويبقى على المتصارعين في الحلبة السياسية أن يدركوا خطوط التمايز بين الاعتدال والتطرف..

 وأعتقد أن الخلط بينهما مسألة نفسية ترفض حضور نموذج الاعتدال الإسلامي، وغياب نموذجيَّ التطرف العلماني، والتطرف الديني، إن روح الديمقراطية ترفض الإكراه السياسي، وتدين الإقصاء الفكري، وتنبذ العصبية الدينية والاجتماعية، وبدلاً من العودة إلى التاريخ للحديث بحثاً عن مواطنة منقوصة، علينا أن نبحث نحن المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، عن حقوقنا في مواجهة إيديولوجيا الحاكمية.

وأختم بسؤال أراه مهمًا: هل يستطيع الإسلام السياسي بكل صوره وتياراته أن يراجع مقولاته الرئيسة، وأن يحاسب نفسه بأسلوب إعلان الحقيقة، ونقد الطريقة؟ وهل يستطيع أن يكون تيارًا يعمل لصالح الوطن بمنهجية الوفاق لا الشقاق؟

إن الإسلام السياسي وحده الذي يستطيع أن يجيب، ووحده الذي يستطيع أن يفعل، وأتمنى أن يفعل.

  لسنا نريد أن نحجر على فكر، ولا نريد أن يستبد تيار بالمشهد، وهنا أريد أن نتذكر كلمة الحكيم غاندي “لا أريد لبيتي أن يكون مستورًا من جميع الجهات، ولنوافذي أن تكون مقفلة، أريد أن تهب على بيتي ثقافات كل الأمم بكل ما أمكن من حرية، ولكنني أنكر عليها أن تقتلعني من جذوري”.

__________________________________________

الهوامش:

*نُشر هذا المقال على موقع الرابطة المحمدية للعلماء بتاريخ 3 سبتمبر ٢٠٢١

[1]. راجع في كل ذلك بالتفصيل: فاروق أبو زيد، عصر التنوير العربي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1978.

[2]. انظر: محمد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، ثلاثة مجلدات، بيروت: المكتبة الثقافية، ط1، 1995، ص724-725.

[3]. لمعرفة ثقافة شحرور التراثية يراجع “الكتاب والقرآن قراءة معاصرة”، م، س.

[4]. محمد سليم العوا، المدارس الفكرية الإسلامية، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016، ص441.

تنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية موضوعها المتعلق بقوانين البنوك الإسلامية، ومن أن المؤلف يعد خبيرًا في الاقتصاد والمالية الإسلاميين، حيث تولى رئاسة منظمة الزكاة العالمية، وأسس بنك الإنتاج الفلسطيني وترأس مجلس إدارته، وهو مستشار شرعي وعضو هيئة الفتوى لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية داخل وخارج الكويت، عضو مؤسس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل التابعة لرابطة العالم الإسلامي ، الرياض، ومُحَكَّم دولي معتمد في التحكيم التجاري مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى خبرات متعددة أخرى ذات صلة بموضوع الدراسة.

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

تستهدف هذه الدراسة الإسهام في وضع الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية اللازمة لإعداد قوانين البنوك الإسلامية، وتتلخص مشكلة الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد القوانين المنظمة لأعمال البنوك الإسلامية وصياغتها، ولاسيما في جانبيها الشرعي والاقتصادي؛ ذلك أن إعداد قوانين البنوك الإسلامية يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة، وهي:

  1.  أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها.
  2. العلوم المصرفية والمالية.
  3. علم القانون.

ولا شك أن الإخلال بواحد من هذه العلوم سينعكس أثره سلبًا على الصياغة العامة للقانون وسيلحق النقص والخلل بجودة القانون بحسب النقص في الإحاطة بالأركان المذكورة.

ونظرًا لأن مهمة إعداد قوانين البنوك الإسلامية وصياغتها إنما توكل –عادة- إلى المتخصصين في علم القانون، وهو أساس معتبر في صياغة القوانين، فإن المنهجية العلمية تستدعي وجود مشاركات جوهرية فاعلة من قبل متخصصين في الجانبين الشرعي والاقتصادي، الأمر الذي لا يتيسر غالبًا إلا بجهد ووقت كبيرين؛ فقد رأينا ضرورة المبادرة إلى إيضاح الملامح العامة للمنهجية العلمية في قوانين البنوك الإسلامية وذلك بتقريب هذه المطالب وتقييمها بصورة منهجية واضحة، بحيث تعبر عن أبرز الأسس والمعايير التي ينبغي على واضعي “قوانين البنوك الإسلامية” مراعاتها في مجالي العلوم الشرعية والعلوم الاقتصادية.

ولما كانت مسؤولية ذلك تقع بالدرجة الأولى على المتخصصين والباحثين في مجالي الشريعة والاقتصاد الإسلامي والمهتمين بقضايا البنوك الإسلامية ومستقبلها، ولما كان صدور القانون الخاص بالبنوك الإسلامية في عدد من الدول الإسلامية يُعد خطوة إيجابية ورائدة، ودعما مباشرًا لمسيرة العمل المالي الإسلامي عامة، فقد رأينا أن من واجبنا الإسهام بدراسة نماذج من هذه القوانين، مشيدين بالجوانب الإيجابية فيها، مع إبداء الرأي فيما اتضح لنا من أوجه القصور والنقص، وتقديم البدائل والحلول والتوصيات التي نراها جديرة بالأخذ في ضوء أسس ومبادئ فقه الشريعة الإسلامية من جهة وأسس ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية من جهة أخرى.

كما نؤكد أن بعض المؤاخذات الواردة يمكن أن تهدد مستقبل العمل المصرفي الإسلامي على المدى الطويل، مما يستلزم ضرورة الوقوف عند هذه الجوانب وتحليلها، ومن ثم تحويرها أو تعديلها بما يتلاءم وطبيعة نشاط البنوك الإسلامية، وما يجب أن تقوم به من دور ريادي في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وبلوغ الأهداف السامية التي وضع القانون من أجلها.

وليست دراستنا هذه تأتي طرفًا في محل نزاع بقدر كونها دراسة تأصيلية موضوعية متخصصة ومحايدة، تهدف إلى بناء منهجية علمية في ركنين رئيسين ضمن عملية إعداد قوانين البنوك الإسلامي، ورجاؤنا أن تسهم في ترشيد وتعزيز المسيرة المباركة للاقتصاد الواعد بصفة عامة والبنوك الإسلامية بصفة خاصة.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ حيث اشتمل التمهيد على مقدمات مهمة ذات صلة بموضوع الدراسة، وتم تخصيص الفصل الأول لبيان الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية التي يلزم مراعاتها عند تصميم قوانين البنوك الإسلامية،  وتناول الفصل الثاني دراسة القانون الخاص بالبنوك الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الصادر في عام ۲۰۰۰م، في حين تناول الفصل الثالث دراسة قانون البنوك الإسلامية بدولة الكويت، الصادر في عام ٢٠٠٣م.

رابط مباشر لتحميل البحث:

تنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية موضوعها المتعلق بقوانين البنوك الإسلامية، ومن أن المؤلف يعد خبيرًا في الاقتصاد والمالية الإسلاميين، حيث تولى رئاسة منظمة الزكاة العالمية، وأسس بنك الإنتاج الفلسطيني وترأس مجلس إدارته، وهو مستشار شرعي وعضو هيئة الفتوى لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية داخل وخارج الكويت، عضو مؤسس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل التابعة لرابطة العالم الإسلامي ، الرياض، ومُحَكَّم دولي معتمد في التحكيم التجاري مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى خبرات متعددة أخرى ذات صلة بموضوع الدراسة.

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

تستهدف هذه الدراسة الإسهام في وضع الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية اللازمة لإعداد قوانين البنوك الإسلامية، وتتلخص مشكلة الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد القوانين المنظمة لأعمال البنوك الإسلامية وصياغتها، ولاسيما في جانبيها الشرعي والاقتصادي؛ ذلك أن إعداد قوانين البنوك الإسلامية يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة، وهي:

  1.  أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها.
  2. العلوم المصرفية والمالية.
  3. علم القانون.

ولا شك أن الإخلال بواحد من هذه العلوم سينعكس أثره سلبًا على الصياغة العامة للقانون وسيلحق النقص والخلل بجودة القانون بحسب النقص في الإحاطة بالأركان المذكورة.

ونظرًا لأن مهمة إعداد قوانين البنوك الإسلامية وصياغتها إنما توكل –عادة- إلى المتخصصين في علم القانون، وهو أساس معتبر في صياغة القوانين، فإن المنهجية العلمية تستدعي وجود مشاركات جوهرية فاعلة من قبل متخصصين في الجانبين الشرعي والاقتصادي، الأمر الذي لا يتيسر غالبًا إلا بجهد ووقت كبيرين؛ فقد رأينا ضرورة المبادرة إلى إيضاح الملامح العامة للمنهجية العلمية في قوانين البنوك الإسلامية وذلك بتقريب هذه المطالب وتقييمها بصورة منهجية واضحة، بحيث تعبر عن أبرز الأسس والمعايير التي ينبغي على واضعي “قوانين البنوك الإسلامية” مراعاتها في مجالي العلوم الشرعية والعلوم الاقتصادية.

ولما كانت مسؤولية ذلك تقع بالدرجة الأولى على المتخصصين والباحثين في مجالي الشريعة والاقتصاد الإسلامي والمهتمين بقضايا البنوك الإسلامية ومستقبلها، ولما كان صدور القانون الخاص بالبنوك الإسلامية في عدد من الدول الإسلامية يُعد خطوة إيجابية ورائدة، ودعما مباشرًا لمسيرة العمل المالي الإسلامي عامة، فقد رأينا أن من واجبنا الإسهام بدراسة نماذج من هذه القوانين، مشيدين بالجوانب الإيجابية فيها، مع إبداء الرأي فيما اتضح لنا من أوجه القصور والنقص، وتقديم البدائل والحلول والتوصيات التي نراها جديرة بالأخذ في ضوء أسس ومبادئ فقه الشريعة الإسلامية من جهة وأسس ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية من جهة أخرى.

كما نؤكد أن بعض المؤاخذات الواردة يمكن أن تهدد مستقبل العمل المصرفي الإسلامي على المدى الطويل، مما يستلزم ضرورة الوقوف عند هذه الجوانب وتحليلها، ومن ثم تحويرها أو تعديلها بما يتلاءم وطبيعة نشاط البنوك الإسلامية، وما يجب أن تقوم به من دور ريادي في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وبلوغ الأهداف السامية التي وضع القانون من أجلها.

وليست دراستنا هذه تأتي طرفًا في محل نزاع بقدر كونها دراسة تأصيلية موضوعية متخصصة ومحايدة، تهدف إلى بناء منهجية علمية في ركنين رئيسين ضمن عملية إعداد قوانين البنوك الإسلامي، ورجاؤنا أن تسهم في ترشيد وتعزيز المسيرة المباركة للاقتصاد الواعد بصفة عامة والبنوك الإسلامية بصفة خاصة.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ حيث اشتمل التمهيد على مقدمات مهمة ذات صلة بموضوع الدراسة، وتم تخصيص الفصل الأول لبيان الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية التي يلزم مراعاتها عند تصميم قوانين البنوك الإسلامية،  وتناول الفصل الثاني دراسة القانون الخاص بالبنوك الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الصادر في عام ۲۰۰۰م، في حين تناول الفصل الثالث دراسة قانون البنوك الإسلامية بدولة الكويت، الصادر في عام ٢٠٠٣م.

رابط مباشر لتحميل البحث

إن دور الفقه في المنظومة الإسلامية يتمثل في مهمتين جليلتين: أولاهما: هداية واقع البشرية، وترشيد الحركة الإنسانية، وثانيتهما: إخراج البشر من دواعي أهوائهم وأغراضهم، وضبطها بالأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة استنباطًا صحيحًا موثقًا.

الفقه إذًا في المنظومة الإسلامية هو السابق الهادي، والواقع هو المسترشد المهتدي. لكن هذا التصور الشديد الوضوح والجلاء ينقلب لدى البعض إلى نقيضه، فيصبح “الواقع” في هذا التصور المقلوب هو الطرف المهيمن الذي يفرض نفسه على الفقه، بل يصبح الواقع بكل ما يضطرب فيه من أهواء وأغراض وانكسارات وتراجعات- هو الذي يحكم الفقه، ويهيمن عليه، ويُحدد له ما يجب وما لا يجب، وما يجوز وما لا يجوز، ولو تجاوز في سبيل ذلك قطعيات الشريعة وأصولها الثابتات، وتصبح مهمة الفقه في هذا التصور المعوج محصورةً في العثور على المخارج المصطنعة والحيل الزائفة التي تحلل ما يحتاج الواقع إلى تحليله، أو تحرم ما يحتاج إلى تحريمه، أو تبرر ما يحتاج من أحداثه إلى تبرير.

وبذلك يفقد الفقه فعاليته المنشودة في إصلاح مسيرة الواقع، وضبط اعوجاجه، وتقويم انحرافه على هدى من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، بل يصير حينئذ فقهًا بلا هوية أو ذاتية، هذا إن كان جديرًا باسم الفقه أصلًا وابتداءً!!

 وإذا كنا في أمورنا الحياتية نضع الخطط قبل التنفيذ، ونجعل الفكر سابقًا على الواقع، فلماذا تنقلب هذه البدهية في قضيتنا هذه رأسًا على عقب؟

لماذا يصبح الواقع هو الأساس، ويصبح الفقه هو الظل والانعكاس؟ أليس في هذا ضياع للفقه وللواقع جميعًا؟! ثم أليست هذه أثارة ما زالت باقية من أثارات منهج الديالكتيك الجدلي الذي يقوم على “أسبقية الواقع على الفكر” سواء في الوجود أو في المعرفة، أو في التاريخ، أو في الأخلاق؟ وإذا كان المنهج الأفل قد انقض بنيانه من القواعد، فكيف بنا نحيي مواته في مسار حياة المسلمين التي يضبطها الفقه، وتشيد أركانها في أصوله ؟!

الفقه والمصلحة

(حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله) هكذا تقول العبارة التي تتردد على الألسنة، وهكذا تهتف حروفها بالناس -حين تُفهم حق الفهم- قائلة: إذا تحققت مصالح العباد على أتم الوجوه، وبلا نقص أو اختلال فأيقنوا أن شرع الله تعالى قد تحقق على الدرجة نفسها من التمام، فمصالح العباد مرتبطة بتنفيذ تكاليف الشرع، وجودًا وعدمًا، وكمالًا ونقصانًا.

ولست أدري كيف انقلب مفهوم هذه العبارة لدى البعض إلى الطرف المغلوط، فأصبح معناها لديهم أن الشرع ليس سوى تابع للمصلحة، يلهث خلفها، ويتبع خطاها؟ لست أدري .. ماذا يتبقى من الشرع إن كانت المصالح هي الهادي، وهي الفيصل بين ما هو مشروع وبين ما هو غير مشروع؟ 

أما يكفي -لو كان الأمر كذلك- أن يقول الوحي للناس بكلمة واحدة مجملة تتبعوا المصلحة في كل ما تأتون وتذرون؟ ثم أي دور يبقى للشرع نفسه بعدئذٍ؟ بل لماذا وردت التشريعات أصلا إذا كانت المصلحة هي رائد الشرع ومعياره وميزانه؟

لقد كان حريًا بأولئك الذين يريدون من الشرع أن يكون تابعًا للمصلحة أن يسألوا أنفسهم أليست المصالح بطبيعتها متغيرة متبدلة، بل متعارضة متناقضة؟ أليست المصالح متعددة بتعدد البيئات والأزمنة والأمكنة والأشخاص؟ فأي هذه المصالح يكون الشرع رهنا بها وتبعًا لها؟

أليس معنى تبعية الشرع للمصلحة أن الشرع قد قدم استقالته من دوره المنوط به في هداية المجتمع، وإمساك دفة التوجيه والإصلاح فيه، ثم ترك تلك الدفة تقودها المصالح، وتُسيّرها المنافع التي سرعان ما يتوهم المنتفعون بها أنها من قبيل الضرورات ثم يتذرعون بها إلى استباحة المحظورات؟!

إن ثمة فرقًا هائلا قد يغفل عنه الغافلون بين المصالح الحقيقية التي لا مفسدة فيها عاجلًا أو آجلًا للنفس أو للغير، وبين المصالح الموقوتة الزائفة التي تختلط بالمفسدة على أي نحو من الأنحاء، فما يقترن بالشرع ويرتبط به هو المصالح الحقيقية، أما ما يخرج عن إطاره فهو ما يُظن مصلحة، وليس هو كذلك، وإنما هو الهوى والغرض، وكم انخدع الناس بتجارب وممارسات هللوا لها، وتوهموا أنها المصلحة، وإذا بمفاسدها تتوالى، وإذا بهم يشقون بها أشد الشقاء، ولو أنهم ربطوا مصالحهم بالشرع، وجعلوها تابعة لأوامره ونواهيه لتحققت تلك المصالح على وجهها المستقيم، ولكان ذلك خيرًا وأحسن توفيقًا.

الفقه ومقاصد الشريعة

عندما بحث الفقهاء في (مقاصد الشريعة) كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى الكشف عن محاسنها وحكمها وغاياتها الرفيعة، لكنهم -بثاقب فطنتهم- لم يكونوا غافلين عن أن بعض الأفهام الخاطئة قد تنحرف في تصورها لهذه المقاصد بسوء فهم أو بسوء نية.

إن مقاصد الشرع أو غاياته وحِكَمه مشتقة من نسيج الأحكام الشرعية والتكاليف الإلهية، ومستنبطة من مجمل أدلتها المستقاة من الكتاب والسنة، فلا يتصور إذًا أن تتحقق مقاصد الشريعة بطريق غير طريق تلك التكاليف الشرعية، ولا يتصور أن تكون مقاصد الشريعة مقحمة على الأحكام الشرعية التي أدت إليها وأثمرتها، فضلا عن أن تكون غريبة عنها أو مناقضة لها.

فإذا قلنا: إن الحكمة من فريضة الصوم مثلا تتمثل في تأديب النفس، وتربية الضمير، وسلامة البدن، فلا يتصور عاقل أنه حين تتحقق تلك الأمور -بأية وسيلة أخرى غير الصوم- فقد أُنجِز “المقصد” من تلك الفريضة، وانتفت تبعًا لذلك الحاجة إليها، بل إن فريضة الصوم – كانت ولا تزال وستظل- فريضة مكتوبة على المسلم حتى وإن تحققت تلك الأمور على أيّ نحو من الأنحاء!

لكن بعض الأفهام الخاطئة قد تحيد عن هذا التصور المستقيم، فتجعل (المقاصد الشرعية) بديلًا عن الأحكام التكليفية ذاتها، ويصبح المطلوب – كل المطلوب عند أصحاب هذه الأفهام- هو تحقيق “المقصد” بأي سبيل وبأي طريق، سواء كان هذا الطريق متفقًا مع الأحكام التكليفية المستنبطة من النصوص الشرعية أم غير متفق، بل وحتى لو تحقق هذا المقصد بالتغاضي عن الأحكام التكليفية حينًا، أو بإهمال النصوص التي استقيت منها حينًا آخر.

لقد فات على أصحاب هذه الأفهام أن المقصد الشرعي كالثمرة، وأن الأوامر الشرعية كالشجرة التي أثمرتها، فهل يُعقل أن تنبت ثمرة بلا شجرة؟ أو ينهض بناء على غير أساس؟

إن ثمة محاذير تلوح في الأفق من جرَّاء شيوع استخدام قضية المقاصد الشرعية على غير وجهها، وذلك تحت لافتات براقة خداعة؛ كالدعوة إلى استلهام (روح الشريعة) حتى وإن تم ذلك على حساب النصوص الشرعية والأحكام التكليفية، وما هذه الدعوة وأشباهها إلا محاولة للالتفاف حول النصوص ثم التنصل منها، وهيهات أن تنفصل (روح الشريعة) عن نصوصها وتكاليفها إلا حين تزيغ الأبصار، وتنطمس البصائر !!

 


* نُشر هذا المقال في مجلة الأزهر (عدد شهر ذي القعدة لعام 1444).

إن دور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي هو دور بارز، عميق الأثر، بحيث تستطيع القول بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي أعطي النظام الجنائي الإسلامي -في حدود ما ورد في كتاب الله تعالى- معالمه وأسسه، وحدد المبادئ والقيم التي سيطرت عليه، وبيّن المصالح التي استهدف حمايتها.

ولم يكن دور الرسول في هذا المجال مقتصرًا على الجانب التشريعي، بما أرساه من مبادئ وما وضعه من قواعد. وإنما كان له الدور القضائي البارز، بتطبيقه هذه المبادئ والقواعد على الأقضية التي عرضت عليه. وكان له -صلى الله عليه وسلم- الدور الفقهي كذلك بشرحه وتفصيله ما أجمله القرآن الكريم.

إن دور الرسول الكريم في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي دور ضخم والحديث فيه يتشعب ويطول. ونرى في هذه الدراسة أن نسرد الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولت أسس النظام الجنائي الإسلامي وأرستها.

ونرى تقسيم هذه الدراسة إلى فصول ثلاثة:

الفصل الأول: نعرض فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم العام من النظام الجنائي الموضوعي، أي المبادئ العامة في التجريم والعقاب.

الفصل الثاني: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم الخاص من النظام الجنائي الموضوعي، أي تحديد الأفعال التي تُعد جرائم، والعقوبات المقررة لها.

الفصل الثالث: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الإجرائي.

الفصل الأول

القسم العام

من النظام الجنائي الموضوعي

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال المبادئ العامة في التجريم والعقاب المبادئ التالية:

أولاً: مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن العاص حين أسلم: “إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله”. ويعني هذا الحديث أنه لا عقاب على ما اقترف في الجاهلية من أفعال صار الإسلام بعد ذلك يجرمها. وتطبيقًا لهذا المبدأ، فإن الرسول لم يحاسب أحدا على فعل كان قد اقترفه في الجاهلية.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد توسع في تطبيق مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب، فلم يحاسب أحدًا على معصية اقترفها قبل دخوله الإسلام ولو كان ذلك بعد بدء الرسالة. وبناءً على ذلك، فإنه لم يحاسب أبا سفيان وزوجته على إيذائهما البالغ له وكيدهما للدعوة الإسلامية، ولم يقتص عليه الصلاة والسلام من قاتل عمه حمزة بن عبد المطلب، على الرغم من أن هذا القتل قد آلمه أشد الإيلام.

ثانيًا: المساواة بين الناس في المسئولية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المساواة التي تكاد تكون مطلقة بين مرتكبي الجريمة، أيا كانت أنسابهم وأحسابهم، في قوله “إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها”.

وقال كذلك “كلكم لأدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”. وقال أيضًا “الناس سواسية كأسنان المشط”.

وقد أطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ المساواة، إلى حد إنكاره أية حصانة يتمتع بها رئيس الدولة إذا ما اقترف فعلاً تؤثمه قواعد الشريعة الإسلامية.

وطبق ذلك على نفسه، باعتباره أول رئيس للدولة الإسلامية، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا، فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالاً، فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من شأني، ألا وأن أحبكم إلى من أخذ مني حقًا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس”.

ثالثا: مبدأ شخصية المسئولية، أي عدم جواز مساءلة شخص عن فعل غيره:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ في قوله: “لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه، ولا يجني عليك، ولا تجني عليه”.

رابعا: تَطَلُّب ماديات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن مادي للجريمة:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ فقال: “إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم”. وقال كذلك: “من همَ بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب له شيء”.

ويتصل بالركن المادي للجريمة تقرير الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ صلاحية “الامتناع” أو “الترك” لتقوم به الجريمة، فقال: “من كان عنده فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر عنده، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد عنده”. ومن هذا الحديث استخلص الفقهاء تجريم الامتناع.

خامسًا: اشتراط معنويات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن معنوي للجريمة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تقرير هذا المبدأ: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”. ويعني هذا الحديث أن النية التي تصحب الفعل هي التي تحدد قيمته الدينية والاجتماعية الايجابية أو السلبية. ومؤدى ذلك أن “النية” هي التي تحدد ما إذا كانت تقوم بالفعل جريمة أو لا يقوم به شيء من ذلك. والنية ظاهرة نفسية معنوية، وتطلبها لقيام الجريمة، يعني تطلب ركن معنوي لها.

سادسًا: الاعتراف بموانع المسئولية الجنائية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ الاعتراف بوجود أسباب تحول دون المسئولية الجنائية، على الرغم من ارتكاب الفعل الذي تقوم به الجريمة، فقال عليه الصلاة والسلام: “رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق”، وقال كذلك “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه”.

ويخلص من الجمع بين الحديثين أن موانع المسئولية الجنائية التي أقرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي: صغر السن، والنوم، والجنون، والخطأ، والنسيان والإكراه.

سابعًا: الاعتراف بالدفاع الشرعي كسبب للإباحة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف للدفاع الشرعي بدوره كسبب للإباحة “من مات دون ماله فهو شهيد”، ويستخلص من هذا الحديث أن من مات دفاعًا عن نفسه أو عرضه فهو من باب أولى شهيد. وإذا كان المدافع يعتبر شهيدًا إذا مات دفاعًا عن حقه، فهو بالضرورة إذا لم يمت لا يكون عليه تثريب أو عقاب، بل إن دفاعه يعد فعلاً يحمد له إقدامه عليه.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد ارتقى بالدفاع الشرعي من مرتبة الحق إلى مرتبة الواجب.

ولم يقصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجب الدفاع عن نفس أو مال من صدر عنه فعل الدفاع، بل لقد مد نطاقه إلى الدفاع عن نفس أو مال الغير، فقال عليه الصلاة والسلام: “من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”. وقال كذلك “ما من امرئ مسلم يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته ويقتص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته”.

ثامنًا: الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة، ووضع الحدود له:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة “على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”. وقال كذلك “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقال أيضًا “إنما الطاعة في المعروف”.

وتعني هذه الأحاديث أنه يتعين على المرء أن يطيع الحاكم فيما يأمره به، ويطيع كذلك ممثلي الحاكم، وهم عماله وموظفوه. ولكن لهذه الطاعة حدودها: فإذا كان أمر الحاكم أو ممثليه بمعصية، فلا تجوز الطاعة.

تاسعًا: المبادئ التي تحدد معالم النظام العقابي الإسلامي:

النظام العقابي -بصفة عامة- يتضمن مجموعة القواعد التي تحدد أساليب تنفيذ العقوبات في ضوء أغراض اجتماعية معينة.

وقد أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجموعة من المبادئ الأساسية حددت معالم النظام الإسلامي، وأهم ما يتضمنه من قواعد، وذلك على الوجه التالي:

  1. عدم جواز تعدي العقوبة حدها الأقصى المقرر لها، وعدم جواز أن تقرر لجريمة العقوبة المقررة لجريمة أشد منها:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: “من بلغ حدًا في غير حد، فهو من المعتدين”. ويعني هذا الحديث أنه لا يجوز أن يوقع الحد من أجل جريمة من جنس الجريمة المقرر لها الحد، ولكنها أقل منها جسامة. وعلى سبيل المثال، لا يجوز أن يوقع حد الزنا من أجل جريمة ماسة بالعرض ولكنها دون الزنا جسامة، ولا يجوز أن يوقع حد السرقة من أجل جريمة اعتداء على المال دون السرقة.

  • عدم جواز تعيير المجرم بجريمته:

أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعدم تعيير المجرم بجريمته.

ويستخلص من ذلك مبدأ عام يقرر الاعتراف للمجرم -على الرغم من إجرامه- بإنسانيته وكرامته، فقد يكون من شأن ذلك أن يعود إلى الصواب. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن عيروا مجرمًا بجريمته: “لا تعينوا عليه الشيطان”.

  • العفو عن القصاص:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعفو عن القصاص حتى يسود الوفاق والمحبة بين الجاني وعائلته وبين المجني عليه وعائلته. فقال “ما زاد عبد بعفو إلا عزًا” وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما رفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر فيه قصاص إلا طلب فيه العفو”.

  • دور التوبة في النظام العقابي الإسلامي:

عظَّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- من شأن التوبة، وجعلها مطهرة نفس المؤمن من إثمه وماحية عنه وزر جريمته، فقال عليه الصلاة والسلام “إن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار”.

  • الترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه، وعدم تجاوز القدر من الشدة الذي وضعه الشارع فيها، فقال عليه الصلاة والسلام “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه”. ويعد المنوط به تنفيذ العقوبة متوليًا أمر المسلمين في هذا الجانب من جوانب حياة المجتمع الإسلامي.

الفصل الثاني

القسم الخاص

 من النظام الجنائي الموضوعي

تمهيد:

نفصل في هذا القسم القواعد التي أسبغ بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- صفة الجريمة على الأفعال التي ارتأى أنها ضارة بالمجتمع أو خطرة عليه.

وهذه القواعد ذات أهمية كبيرة في مجال “التعزير”. والمراد بجرائم التعزير جرائم لم يرد في شأنها حد أو قصاص، وإنما ترك أمر تجريمها لولي الأمر، أي السلطة العامة في المجتمع. ولكن شرط تجريم السلطة العامة لها أن توصف بأنها “معصية”. وكل ما نهى عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو معصية، ويتعين أن يكون -بناء على ذلك- موضعًا للتعزير.

ونجمل فيما يلي أهم هذه المبادئ:-

أولاً: مصالح الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالتجريم والعقاب:

أبرز الرسول -صلى الله عليه وسلم- أهم حقوق الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالعقاب، فقال: “كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه”. وأبرز بعد ذلك تفوق الحق في الحياة على ما عداه من الحقوق من حيث الجدارة بالحماية الجنائية، فقال: “أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء”.

ثانيًا: تجريم المبارزة، وتجريم القتل بالرضاء:

وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ تجريم المبارزة، فقال “إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا، يا رسول الله هذا القاتل، فما شأن المقتول، قال، فإنه كان حريصًا على قتل صاحبه”.

ومن هذا الحديث يستخلص تجريم القتل بالرضاء، إذ أن القتل الذي يقع أثناء المبارزة هو في حقيقته قتل بالرضاء.

ثالثًا: تجريم شرب الخمر:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك “من شرب الحمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه”.

رابعًا: تجريم الفتنة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن “ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان”.

خامسًا: تجريم الرشوة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن هذا التجريم: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما”. وقال كذلك “هدايا الأمراء غلول، وهدايا الأمراء سحت”. وقال أيضًا “ما بال أقوام نستعملهم على ما ولانا الله، فيقول هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه، فنظر أيهدى له أم لا.

سادسًا: تجريم السب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم السب: “المسلم أخو المسل لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره”. وقال أيضًا “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”. وقال كذلك “إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق”.

سابعًا: تجريم شهادة الزور:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم شهادة الزور “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر”، قلنا بلى يا رسول الله، قال “الاشراك بالله وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، وشهادة الزور”.

ثامنًا: تحديد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان الجرائم المعاقب عليها بالإعدام “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك للجماعة”.

الفصل الثالث

النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي

تمهيد:

أرسى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي، مجموعة من المبادئ الأساسية. وهذه المبادئ تعد ركائز هذا النظام. وتعتبر في النظام الإجرائي المعاصر أهم المبادئ التي يستند إليها، وأهم ضمانات الحقيقة والعدالة والحيدة في إجراءات التحقيق والمحاكمة والتنفيذ العقابي.

وفيما يلي أهم هذه المبادئ:

أولاً: درء الحدود بالشبهات:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إدرؤا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”.

ونستخلص من هذا الحديث مجموعة من المبادئ التي تتفرع عن أصل “درء الحدود بالشبهات”، وهذه المبادئ هي:

  1.  تفسير الشك لمصلحة المتهم.
  2.  تقرير أن الأصل في الإنسان البراءة.
  3.  وجوب استناد الإدانة إلى اليقين.
  4.  جواز استناد البراءة إلى الشك.

إن هذه المبادئ الجوهرية التي تعتبر الآن من أبرز معالم النظام الإجرائي الحديث، وأهم ضمانات الحرية والعدالة فيه، قد أوجزها هذا الحديث الشريف في العبارة السابقة التي بلغت صياغتها غاية في الدقة والبلاغة والإعجاز.

ثانيًا: مبدأ التزام القاضي بتحقيق وقائع الدعوى قبل الحكم فيها:

ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في وجوب أن يحقق القاضي الدعوى تحقيقًا دقيقًا ويتعرف على تفاصيلها قبل الحكم فيها، ووجوب أن يتيح للمتهم كل فرص الدفاع، بل وأن ينبهه إلى وسائل الدفاع التي يمكنه أن يتذرع بها، وأدلة البراءة التي يسعه الاحتجاج بها.

يتجلى ذلك في وضوح حين جاء “ماعز بن مالك” الرسول -صلى الله عليه وسلم- مقرًا بالزنا ومصرًا على إقراره، فلم يسارع الرسول إلى إنزال الحد به، بل قال له “لعلك قبلت لعلك لامست” وأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستفسر منه عن حقيقة فعله، ويسأله عن ظروفه، ويفتح له سبيل الرجوع عن اعترافه.

إن هذا المبدأ الذي أرساه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتضمن توجيهًا وأمرًا إلى جميع القضاة أن يتحروا الحقيقة قبل الحكم في الدعوى، وأن يحققوا وقائع الدعوى تحقيقًا كاملًا. وألا يقبلوا اعترافًا على علاته، وأن ينبذوا مبدأ “الاعتراف سيد الأدلة”، وأن يمحصوا كل جوانب الدعوى، ويفسحوا للمتهم كل أساليب الدفاع، بل وأن يوحوا إليه بوسائل الدفاع وأدلة البراءة.

ثالثًا: مشروعية الدليل:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضًا، وكونوا عباد الله إخوانا”. وقال كذلك “إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة”. وقال أيضًا “أيها الناس من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر، فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد”.

هذه الأحاديث تتضمن نهيًا صريحًا حازمًا عن التجسس، فهو هي ذاته معصية، وتتضمن كذلك نهيًا عن الحصول على الدليل بالتجسس، أو -قياسًا- بأي أسلوب يتضمن انتهاكًا للحرمات أو هتكًا للحياة الخاصة للمتهم.

ويمكن أن يستخلص من ذلك مبدأ أساسي، مؤداه وجوب أن يبني الدليل على إجراءات مشروعة، وأن يستخلص من مصدر مشروع، وإلا عوقب من حصل عليه بهذا الأسلوب، وكان الدليل في ذاته غير صالح لأن يعتد به.

رابعًا: تطلب شروط في الشاهد تضمن نزاهته وحياده:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحديد الشروط العامة المطلوبة في الشاهد کي تقبل شهادته “لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين”.

وهذا الحديث نستخلص منه نظرية عامة، مضمونها أنه لا يجوز للقاضي أن يقبل شهادة أي شخص، بل إن عليه أن يتحرى فيه صفات خاصة تكفل عدله ونزاهته وحياده وموضوعيته.

خامسًا: عدم جواز انتزاع الدعوى من حوزة السلطات العامة، وبصفة خاصة القضاء، بعد أن دخلت فيها:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع”.

هذا الحديث الذي ورد في الحدود، ويقاس عليها التعزير، يقرر أنه إذا بلغ أمر الجريمة السلطات العامة، ويدخل فيها القضاء بالضرورة، فإن هذه السلطات تصير ملتزمة بأن تنظر فيها وتصدر الحكم الذي تقضي به قواعد الشريعة، وتلتزم بتنفيذ هذا الحكم على من صدر عليه. ويفرض هذا الحديث على الناس جميعًا احترام هذا الالتزام الذي غدت السلطات العامة تحمله، وما يتفرع عن هذا الالتزام من ولاية واختصاص: فمن حاول الافتئات عليه، وانتزاع الدعوى من حوزة السلطات، فقد أثم إلى درجة أنه يستحق لعنة الله كائنًا من كانت منزلته، وأيًا كان قدره.

خاتمة

هذه لمحات من الدور الكبير الذي اضطلع به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء قواعد النظام الجنائي الإسلامي وتحديد معالمه واستكمال بنيانه. وإنه لدور عظيم خالد خلود رسالته التي صنعت حضارة إنسانية، هي أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية على مدى تاريخها الطويل، ولن تعرف حضارة تفضلها، سواء من حيث القيم الأخلاقية التي قامت عليها، أو من حيث المصالح الاجتماعية التي استهدفت تحقيقها.

وإن هذا التراث العظيم الذي خلفه لنا الرسول جدير منا -نحن أمة الرسول- أن نحله حيث ينبغي أن يكون: تقديرًا واحترامًا، ودراسة وبحثًا، وتطبيقًا لأصوله وقواعده.

جزى الله تعالى رسوله الكريم خير ما يُجزى به نبي عن أمته، ورسول عن قومه، وجعل رسالته نورًا ورحمة، وهدى وخيرًا لأبناء البشر جميعًا.

————————————————————–

* كُتيب نشرته دار النهضة العربية (القاهرة)، عام 1984م.

يتعامل رجل القانون دائما مع نصوص، سواء بالنسبة لعمله النظري والتفسيري، وبالنسبة لممارسته التطبيقية في القضاء والإفتاء؛ لأنه دائما يتعامل مع مبادئ وقواعد مصوغة في عبارات عامة، كما أنه يتعامل مع وقائع وأحداث جرت وتمت ويتلقاها هو في صياغات خبرية، فهو في الأغلب الأعم لا يتعامل مع الحدث إبان حدوثه ولا مع الواقعة في حال جريانها، ولكنه يتعامل معها عند الإخبار عنها بعد تمامها، ويكون التحقق من صواب الإخبار عنها جزءا من عمله، وذلك في مجال عمله التطبيقي وتكون غاية عمله التطبيقي هي إنزال أحكام النصوص المصوغة في مبادئ وقواعد عامة على ما أخبر به الواقع من أحداث ونوازل معينة، وذلك لتقرير المركز القانوني الشرعي لمن تلحقهم آثار الحدث بعد تمامه.

فثمة قاعدة عامة ومبدأ عام مصوغ في نصوص وهو ما نسميه التشريع أو القاعدة القانونية، وثمة إخبار بواقع حادث صيغ في نصوص أيضا، وهو ما نسميه الدليل الذي تحكمه قواعد الإثبات، ولكن شتان ما بين النوعين من النصوص من حيث الطبيعة ومن حيث طرائق التعامل مع كل منهما، وإن منهج التعامل مع النص يختلف حسب طبيعته وما أعد من أجله، تشريعيا كان هذا النص أو إخباريا يتعلق بوزن الدليل على ثبوت الوقائع.

والنص عامة هو عبارات محددة بألفاظها يراد بها معنى من المعاني، وهو عبارات مكتوبة أو مروية تثبت برسمها ويتناقلها الناس بحرفها، وإن المتلقي لها يستخلص منها دلالات فكرية حول معنى من المعاني ويرتب عليها النتائج، بمعنى أنها تشكل صيغة من العبارات المحددة بكلمات وألفاظ تفيد معاني وتنتقل إلى الناس بالقراءة أو بالسماع، وهم يتعاملون معها ويتفاعلون معها، وهنا يرد الفارق الأساسي في النصوص، بين ما يمكن أن نسميه “النص التشريعي” الذي يتعلق بمبادئ وقواعد عامة، وبين ما نسميه هنا “النص الإخباري” أو النص التاريخي الذي يتعلق بذكر واقعة أو حادث، ويقوم به دليل على ثبوتها أو نفيها.

النص التشريعي يتشكل في صورة نموذج قابل للتكرار بموجب طبيعته وبمقتضى أصل وظيفته المؤداة أو المقصود تأديتها، وهو آمر بشيء أو ناه عن شيء أو مرتب لأثر ونتيجة على فعل أو مقدمة. والنص الإخباري أو التاريخي يتشكل في صورة إخبار عن واقعة أو حادثة نزلت من وقائع الزمان الماضي أو الحاضر أو يمثل قولا عنها أو تعليقا عليها فهو مثبت لوجوه ممارسة، وهو ذكر نازلة أو بيان موقف عيني أو فعل لبشر أو قول لبشر. ولكل من هذين النوعين أساليب مختلفة ومناهج متباينة في التعامل.

وجوه تفهم النص التشريعي

النص التشريعي نص معد لكي يحكم تصرفات الناس بعد صدوره، سواء أكانت معاملات كبيع وزواج أو سلوكيات كصلاة وصوم أو عقوبات، وهو بأصل وجوده نص “متعد” وليس مجرد نص “لازم” بالمعنى اللغوي لهذين المفهومين، أي أنه نص لا ينفذ على مصدره فقط ولا تقتصر دلالته في شأن من أصدره ولا تنحصر دلالته في محتوى عيني له، إنما هو دائما يتعدى إلى الغير، بل إن المقصود من إصداره هو أن يتعدى إلى الغير ويحكم أنشطتهم.

والنص التشريعي يصدر في الحاضر، أي في الزمان الذي يصدر فيه، فلا ترد دلالته ولا أثره على الماضي الذي تم وجرى قبله، وذلك سواء أكان نصا تشريعيا إلهيا ورد بالقرآن الكريم “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا”، وكذلك: “… إلا ما قد سلف”، بمعنى أن النص المحرم لزواج معين لا يسري على ما سلف من زيجات مخالفة له، سواء أكان كذلك أو كان نصا تشريعيا وضعيا ورد في قوانين الدولة “مبدأ عدم رجعية القوانين”. فهو دائما نص “قبلي”، أي يصدر قبل ما يتعامل معه من أحداث، من حيث استخلاص مفاده مما هو تال لصدروه وخاضع لمجاله، ومن حيث تطبيق دلالته على ما يعقبه.

بينما النص الإخباري هو نص تاريخي، أي أنه ابن زمن حدوثه، فهو نص لازم يتعلق بما أورد من وقائع وأحداث، لا يتعدى إلى وقائع وأحداث غير ما ورد به، ولا يحكم أحداثا أو أشخاصا غير من اشتملهم ببيانه، وهو من جهة أخرى يصدر في الحاضر الذي صيغ فيه، وتنصرف آثاره ودلالته إلى الماضي الذي سجله، والذي يكون تم من قبل، فهو نص عيني تنحصر دلالته ومفاداته على ما شمله من واقعه ومن شملهم من أشخاص، وهو نص “بعدي”، أي أنه نتج وصدر بعد الحدث الذي يدل عليه، وليس شأنه في ذلك شأن النص التشريعي الذي يصدر قبل الحدث الذي يدل عليه.

وهذه الفروق في طبيعة كل من النصين أنتجت فروقا كبيرة فيما يتعلق بمنهج تناول أي منهما وطريقة التعامل معه، ونحن في عملنا القانوني التطبيقي ننزل حكما واردا بنص تشريعي على واقعة أو تصرف وارد بنص إخباري.

النص التشريعي هو نص نموذج، ودلالته معدة لكي تكون قابلة للتكرار، وآثاره معدة لتكون عابرة للزمن، لذلك يتضمن القدر اللازم من التعميم والتجريد، وأن يصدق على الأفعال المشار إليها فيه بأوصافها لا بأعيانها، وأن يصدق على الأفراد الذين يلحقهم حكمه بأوصافهم لا بذواتهم، ومن هنا كان أول درس يتلقاه طالب الحقوق عن نظرية القانون هو أن القاعدة القانونية لا بد أن تكون عامة ومجردة، بمعنى أنه يتعين أن تعالج بطريقة تجعلها تسري على الأحداث والأشخاص بموجب ما يتوافر في أي من ذلك من وصف موضوعي، والنص هنا هو حكم يتعلق بأمر أو نهي أو بوضع مثل “كلما جرى كذا وجب أن يحدث كذا”، فهو يضع شرطا لتصرف أو يرتب نتيجة على تصرف، بغض النظر عن ذوات الأفراد وعينيات الأفعال.

والنص التشريعي بذلك يصوغ نموذجا قابلا للتكرار، وإن لم تكن فيه هذه القابلية فهو لن يكون نصا تشريعيا، وهو لن يكون كذلك إلا باشتماله على عنصر يتوافر مع توالي الزمن وتكراره، وأن يكون عنصرا حاضرا في الأزمان التالية، يؤثر في غيره ويتأثر به، مثل “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه”، “إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير”، ومثل ما يرد بالقانون الوضعي “كل من اختلس منقولا مملوكا لغيره فهو سارق”، “يعاقب بالحبس مع الشغل على السرقات التي تحصل في مكان مسكون”، “لا يجوز أن تزيد ملكية الشخص من الأراضي الزراعية على خمسين فدانا”، “كل عقد يترتب عليه مخالفة هذا الحكم يعتبر باطلا”، “كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، عن الضرر الذي لحق بالمضرور”.

النص هنا صيغ صياغة تجعله نموذجا لحالة وليس حالة بعينها، وهو بحسبانه نموذجا يكون قابلا للتكرار على كل ما يحدث من وقائع وتكون اتصفت بالأوصاف والأوضاع الواردة بالنص، ونحن عندما نتعامل مع مثل هذه النصوص يقابلنا نوعان من الأسئلة، نوع ينظر إلى عبارات النص وألفاظه أي إلى هيكل النموذج المعد وسمته ورسمه، ونوع آخر ينظر إلى الوقائع أو التصرفات أو الحالات التي تعرض على النص، أي إلى المادة التي سيتعامل معها النموذج.

ففي النوع الأول من الأسئلة، عن تحريم القرآن الكريم للخمر، يقابلنا السؤال عما هو الخمر وما هو الميسر وما هو الرجس وما هو الاجتناب، وفي قانون العقوبات يقابلنا السؤال عما هو الاختلاس، ما هو المنقول وما هو المملوك ومن هو الغير، وفي قانون الإصلاح الزراعي يقابلنا السؤال عمن هو الشخص وما هي الملكية وما هي الأرض الزراعية، وكلها من أسئلة النوع الأول التي تتعلق بدلالات ألفاظ النص وعباراته، وباستنباط ذلك من المعاني اللغوية ومن المعاني الاصطلاحية التي يعبر بها أهل كل علم أو حرفة، وكذلك مما جرت به أعراف التعامل والتفاهم بين الناس في كل صقع أو زمان، ونحن في إدراك هذه المعاني نكون ما زلنا نقف عند حدود نص جامد نتفهم دلالته في ذاته فقط، سواء باستنباط المعاني من مقتضياتها أو باستقراء دلالتها من سوابق ما اشتملت عليه من حالات.

أما النوع الثاني فهو ينظر إلى الواقع الحادث، أي الواقع الذي جد وحدث بعد صدور النص التشريعي وينظر إلى ما يعتمل في هذا الواقع وليس إلى العبارات في ذاتها، لذلك تكون أسئلته أسئلة عينية تتعلق بالحالات التي يراد إنزال حكم النص عليها، وهي حالات مفردة أو ظواهر مخصوصة طرأت من بعد، وأسئلته هي من نوع: هل المادة السائلة التي أمامنا هي خمر، وهل الذبيحة التي نشاهدها كانت ميتة قبل حز السكين أم أثناء ذلك أم بعده، وهل الأرض المشار إليها مملوكة وهل هي زراعية وما مساحتها ومن مالكها، إلى آخر هذه الأوصاف التي نستخلصها من الواقع المحسوس المحدد في كل حالة على حدة، أو من خلال ظواهر مخصوصة جدت ونريد أن نعرف في أي مركز شرعي أو قانوني يتعين أن نضعها.

وجه الثبات في النص

هذان النوعان من الأسئلة ومن وجوه النظر هما طرفا عملية تفهم النص التشريعي، وهذان الموضوعان ليسا منفصلين أحدهما عن الآخر، إنما هما متفاعلان يشكلان منهجا واحدا في فهم النص واستدعاء معناه مطبقا على حالة معينة أو حالات مخصوصة، وإن ما نسميه تفسيرا للنص التشريعي أو اجتهادا في فهم دلالته أو فقه أحكامه، إنما يتعلق بهذه العملية مطبقة على حالة أو حالات معينة، أو أنه استخراج لمعاني النص التشريعي منظورا في فهمه إلى سوابق أعماله على الحالات التي طبق بشأنها، وفي كلمة: فإن التفسير هو تحريك النص الثابت على الواقع المتنوع والمتعدد الحالات، وهو ما يصل بين ما تتناهى ألفاظه وعباراته في ذاتها، بما لا تتناهى حالاته في تنوعها وتعددها وإحداثها وتغيرها.

والنص التشريعي بذاته، أو بألفاظه وعباراته، هو دائما نص محافظ، وسواء أكان نصا قديما أو جديدا، وسواء أكان نصا ورد في كتاب سماوي لا يلحقه التغيير والتبديل لوروده من خارج الزمان والمكان، أو كان وضعيا يضعه الناس في كل حين ليحكم ما يتراءى لهم من شئون دنياهم في كل زمان ومكان، هو نص محافظ لأن وظيفته التشريعية أن يحكم واقعا يطرأ بعده، وأن يلزم حركة الواقع من بعد صدوره لكي تكون محكومة به غير خارجة عن ضوابطه ولو لم يرد به حاكموه الواقع التالي عليه ما كان يصدر أصلا، وحتى النص الوضعي الذي يصدره الناس لتغيير أوضاع في نظم حياتهم ومعاملاتهم حتى هذا النص الذي قصد به تغيير البيئة الاجتماعية القائمة عند صدوره، فهو أيضا له وجهة محافظة ترد إليه مما يحمل من أحكام ثابتة وما يفرضه من ذلك على واقع تال، بأشخاصه وعلاقاته.

وإذا كان ذوو الفكر الوضعي الفلسفي يستكثرون أن يحكموا بمبادئ الشريعة الإسلامية، لأنها تشمل نصوصا وردت في مصادر تشريعية أبلغت للناس من ألف وخمسمائة سنة، أو من قبل ذلك كما في أديان سابقة أخرى، فإن من النصوص الوضعية في البلاد الغربية والتي تبنت الفلسفة الوضعية في التشريع، إن منها ما يعود إلى مائتي سنة مثل القانون المدني الفرنسي الذي صدر أيام حكم نابليون فرنسا، ومنها سوابق تشريعية قضائية عرفتها بريطانيا مثلا من مئات السنين، ومجموعات القوانين التي صدرت في مصر سنة 1883 بعضها ظل يعمل لسبعين سنة تقريبا، مثل القانون المدني القديم الآخذ من القانون المختلط الصادر في 1875، وهو الآخذ من القانون الفرنسي وبعضها بهذه المصادر ذاتها ظل يعمل من بعد عشرات السنين في مصر مثل القانون التجاري والقانون البحري. وعاصر كل ذلك – سواء في فرنسا وإيطاليا أو في مصر – نظما سياسية ودستورية واقتصادية ومستويات تطور في الأساليب التقنية ومذاهب فكرية وثقافية وعادات عيش ونظم عمل، عاصر في كل ذلك من التغييرات ما لا يقل حجمه ولا وزنه وأثره ما حدث في العالم على مدى القرون السابقة، وعرف في بلادنا نظم احتلال أجنبي ونظم استبداد وديمقراطية ونظما رأسمالية واشتراكية، عاصر كل ما يعرفه القارئ من تطور وتغير في عشرات من السنين كثيفة الأحداث مزدحمة الوقائع متغيرة العلاقات متنوعة الثقافات.

النص والواقع المتغير

هذا عن وجه الثبات في النص التشريعي، وأما ما يتعلق بتعامله مع الواقع المتغير فإن هذا الوجه من وجوه منهج التفسير هو ما يكسب النص الثابت حركيته وفاعليته، وذلك بالخاصية الأولى التي ذكرتها، وهي أن النص معد في صياغته لأن يتجاوز زمن صدوره بما يلاحق ما يستجد من حالات، وهو معد لأن يتجاوز حدود ألفاظه لكي ينسحب على حالات ذات تنوع، وكل ذلك يجري بمناهج عقلية اجتهد رجال المنطق وعلماء أصول الفقه وفقهاء التفسير لأن يضعوا لها الضوابط والحدود.

لقد وضعت مناهج لتفسير النص التشريعي بما يمكن من تطبيقه على الواقع المتغير وعلى الحالات المتنوعة، ولهذا الأمر مناهجه في الفقه الغربي، مما ينقسم إلى مدارس ومذاهب، فيقال مدرسة الشرح على المتون والمدرسة التاريخية والمدرسة الاجتماعية وغير ذلك، وأساس الخلاف بينها في ضبط المنهج يتعلق بثبات النص ومحدودية معانيه الواردة بألفاظه وعباراته وبتغير وقائع الزمان والمكان وتنوع الحالات.. وفي فقه الشريعة الإسلامية وضعت مصادر لاستخراج الأحكام مثل القياس وضوابطه الذي يضيف إلى الحالات المنصوص عليها حالات أخرى وكذلك المصالح المرسلة التي تشغل من المجالات ما يقع بين المأمور به والمنهي عنه وما يقارب كلا منهما، وكذلك الاستصحاب والاستحسان لمن يقول به وغير ذلك، كما وضعوا مذاهب في تخريج الأحكام من خلال عباراتها ولاستقراء القواعد الشرعية العامة من الأحكام التفصيلية إدراكا للمقاصد العامة الهادية في التفسير وغير ذلك، ولا أريد أن أزيد في أمر يدخل بنا إلى ما يخرجنا عن السياق العام الذي نحاول رسم خطوطه العامة.

والذي أريد أن أشير إليه في هذا الحديث أن النص التشريعي له اتصال مباشر بزمان التطبيق، وليس بزمان الإصدار فقط، بل إن اتصاله بزمان التطبيق أكثر وثوقا من اتصاله بزمان الإصدار، ونحن كلما أعملنا حكمه في حالة عرضت في لحظة زمانية ما.. كان هذا النص ليس ابن الزمن الذي صدر فيه بقدر ما يكون ابن الزمن الذي أعمل فيه؛ لأنه ليس ماضيا ولى، ولكنه حاضر في هذا الزمن الذي نزلت فيه النازلة التي استدعت تطبيقه عليها، وإن أي واقعة تحدث في تاريخ معين يمكن أن تتجمع في حكمها مجموعة من النصوص وليس نصا واحدا فقط، فواقعة قتل شخص مثلا في سنة 2007 يحكمها قانون العقوبات الصادر في 1937 بالنسبة للجريمة وقانون الميراث الصادر في 1943 بالنسبة لواقعة الإرث واقتسام المال الموروث، وقوانين المعاشات والتأمينات الصادرة في 1975 مثلا أو ما بعدها بالنسبة لما يصرف لأولاده القصر وزوجته من معاش.

وهكذا، وكل من هذه القوانين صدر في وقت مختلف عن وقت صدور الآخر، ولكنها تجتمع في حكم الواقعة بصرف النظر عن تاريخ صدور كل منها، وهي تجتمع على ذات المستوى من الفاعلية بحسبانها كلها قوانين الحاضر بالنسبة للواقعة التي حدثت في 2007 مثلا، وأن أحكامها بحسبانها من “حاضر الواقعة” تتداخل في التفسير وتبين الدلالات.

وهذا النص التشريعي يتجدد تطبيقه وتتجدد دلالاته، وهو بتنوع الحالات التي تعرض له في التطبيق تغتني معانيه وما يستفاد منه من أحكام، وإنه مثل الكائن الحي الذي تكسبه الحركة والتعامل خصوبة وخبرة وثراء في الأثر والدلالات، وفي العمل القانوني التطبيقي نلحظ نصوصا تصير ثرية جدا وخصبة جدا في معانيها، ويمكن أن يوضع في تفسيرها ما لا يكاد يحصى من الشروح، نلحظ ذلك مع طول المعايشة في العمل التطبيقي حتى في داخل القانون الواحد، وذلك بسبب كثرة تعامل الناس بما يخضع لها من أحكام، نتيجة أوضاع اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، والكثرة تفيد التنوع وكثرة التداخل بين الأنشطة وتستثير الالتباس والعمل على إعادة الضبط والتحديد، وتستثير الأذهان لتبيين الضوابط والفروق وتحديد الآثار المترتبة على الوقائع والتصرفات.

وعلى سبيل المثال، فإن الدستور المصري الذي صدر في سنة 1923 فيه مواد استغرقت جهودا هائلة في تفسيرها، وكان ذلك يعود إلى الصراع السياسي المحتدم إبان سريان الدستور بين أنصار التوسعة في الحركة الشعبية وبين أنصار التوسعة في سلطات الدولة والملك مثل المادة 15 الخاصة بحرية الصحافة، والمادة الخاصة بتنظيم الاجتماعات، وثمة نصوص ترد في كتب الشرح والمجموعات القانونية تسرد سردا مجردا، فلا يكاد يلتفت إليها، مثل المادتين 16 و17 الخاصتين بالتعليم في الدستور ذاته، وعلى سبيل المثال أيضا، أذكر منذ سنوات بداية عملي في مجلس الدولة في شبابي في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت ترد إلينا في إدارة الفتوى بالمجلس المشاكل القانونية الخاصة بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي وتحديد ما يستولى عليه لدى كبار الملاك، فكانت هناك نصوص تخضع لضغط كثيف في التطبيق من كثرة المشاكل وتنوع الحالات التي تعرض وهي النصوص الخاصة بما تستولي عليه الحكومة من الأرض وما تسمح للمالك باستبقائه وما يعتبر مملوكا للمالك وما لا يعتبر مملوكا، مثل المادتين 3 و4 من القانون 178 لسنة 1952 وما يليه، وكان ثمة مادتان لا يكاد يفطن إليهما قارئ القانون وهما المادتان 22 و23 منه الخاصتان بالحد الأدنى للملكية الزراعية وعدم جواز تفتيتها لأقل من فدانين وعدم جواز التجزئة لأن المتعاملين جميعا ابتعدوا عنها ولم يلتفتوا إليها ويكاد ألا يكون أحد طلب تطبيقها.

أردت بذلك كله أن أشير إلى أن النص التشريعي لا يتصل بزمان صدوره فقط، ولكنه يكاد يولد يوميا مع كل حادث أو تصرف يقتضي استدعاء حكم هذا النص، ويعتبر عنصرا من عناصر الحاضر، حاضر الواقعة الحادثة أو التصرف الصادر مما يخضع لمجال انطباق النص التشريعي.

النص الإخباري وحقيقته

أما النص الإخباري فهو يثبت حدثا أو ينبئ به، سواء أكان الحدث واقعة مادية أو كلاما قيل أو كتبا أو علاقة ظهرت أو أمرا تنظيميا جرى، أو كان شيئا من ذلك تغير وتعدل، هو واقعة أو فعل لبشر أو قول لبشر، على أن يتعين أن نلحظ أن النص الإخباري المعني هذا ليس هو فقط الواقعة التي نزلت وليس فقط العمل الذي مورس، ولكنه أيضا “الإخبار” بأي من ذلك بالكتابة أو بالرواية أو بأي صورة من صور التناقل أو التداول لما حدث.

فنحن هنا إزاء واقعة حدثت وحفظها بعد حدوثها ذكرها أو الإخبار عنها، ويتعين أن نتأمل في هذا الشأن، فإن الواقعة في بذاتها كان من شأن حدوثها أن تستوعب وتمتص فيما حولها من وقائع وأحداث وأن يذهب بها ويطمسها من بعد ما يتلوها من وقائع وأحداث تتلوها وتزيلها أو تغيرها أو تتراكم عليها بما يطمس تفردها وتبينها بحسبانها حدثا متميزا منظورا إليه في ذاته. ولكن ذكر الواقعة أو الإخبار عنها ثبتها أولا، فصار هذا الذكر لها أو الإخبار بها مما يبقي النبأ عنها حتى بعد زوالها أو استيعابها في غيرها مما يجري حولها أو يتلوها. ثم إن هذا الذكر لها أو الإخبار بها يحملها بالتناقل خارج محيط حدوثها، سواء في داخل الزمان الذي وقعت فيه إلى غير من تعاملوا مع وقوعها تأثيرا فيها وتأثرا بها، أو إلى خارج زمان حدوثها كله.

ونحن يتعين أن نتنبه هنا إلى أن ما تنوقل، أي ما تجاوز محيط حدوثه مكانيا أو زمانيا، ليس الحدث ذاته واقعة أو تصرفا، ولكن الإخبار عنه هو ما تنوقل وتجاوز محيطه الزماني أو المكاني، وهذا الفارق فارق جوهري، وهذا الفارق وضعنا مباشرة في صميم “نظرية المعرفة” التي تعتبر بابا من أبواب الفلسفة وعلومها، وهي ببساطة تتعرض للمسألة الفلسفية الخاصة بطبيعة المعرفة البشرية للموجودات الكائنة خارج الإدراك البشري وحدود هذه المعرفة ومدى مصداقيتها، ولكننا لا نتكلم في هذا المجال الفلسفي، وإنما نعرض لفكرة التمييز بين الواقعة أو الفعل كما حدث في ذاته وفي سياق ما أحاط به من أحداث سابقة ولاحقة ومواكبة، وبين إدراك الواقعة أو الفعل لدى من أثبتها ونقلها، أي لدى المخبر عنها حسبما صيغت لديه في نص كلام مكتوب أو مروي، وهنا ندخل في مجال نظرية الإثبات في القانون فيما يتعلق بالشهادة والإقرار وتبيين القرائن وغير ذلك، ولكنني هنا لا أتكلم في هذا المجال المتسع الأرجاء المتعدد الوجوه، إنما أتكلم فقط فيما يخص الفرق الأساسي بين ما يشكل نصا إخباريا وبين النص التشريعي، أتكلم عما يخص هذا الفرق من زاوية واحدة تتعلق بمناحي استخراج الدلالات وما يفيد في ذلك.

والأصل في الإخبار عن الحدث أن يكون لصيقا به ولا يجاوزه، وإن كان الحاصل أيضا أنه يتضمن أثرا أسبغه عليه من تحول على يديه الحدث إلى الخبر بالإدراك له وبالنقل، وهو أثر يرد من إنشاء الخبر وذكره، وهو أثر يحتمل قدرا من التحوير والتغيير، بالإضافة إليه أو بالاجتزاء منه أو بالتبعيض له بذكر بعض مظاهره دون بعض، فما لا يعتبر لدى كثيرين مما يكمل الحدث، قد يعتبر لدى آخرين أجزاء متممة ومكلمة له وأن تكون من مقتضاه، كانتقال مال من يد شخص إلى يد شخص، يخبر بها معزولة عما يكملها من اتفاق أو أفعال غصب أو غير ذلك، والأمر أحيانا يدق فلا تكون الزيادة أو النقصان أو الاجتزاء مقصودة ممن أخبر بالحادث ولكنها تكون بسبب عدم تبين المخبر أو بسبب أن تكوينه العقلي المسبق وتجاربه السابقة لم تمكنه من استيعاب جملة ما يعتبر من أجزاء الحدث أو متمماته، مصداق ذلك ما ورد بالقرآن الكريم “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى” (البقرة الآية 282).

ثم هناك التشكل العقلي والثقافي وما يولده نوع الخبرات المتراكمة لدى من ينشئ الخبر أو ينقله بما يجعل المخبر يسبغ على الحدث من أحكامه أو تقاريره أو أوصافه التعبيرية ما يتحول به الحدث على يديه إلى الإخبار عنه وصياغته في نص. فمثلا واقعة أن جماعة من الناس تجمعت في الطرق وصارت تهتف هتافا ما، فهذا حدث، ولكن الإخبار عنه قد يورد له وصفا، فهو انتفاضة أو ثورة أو فتنة أو تمرد شعب أو غير ذلك، وهذا الوصف هو ما أضافه الخبر إلى الحدث عندما صار نصا، وهو يحمل أثرا واضحا لمن نقل الحدث وحوله إلى خبر.

النص الإخباري وخصائصه

إن النص في هذه الحالة يكون وسيلة للإخبار بحدث، هو إدخال للحدث في صيغة كلامية من صيغ التعبير بالكتابة أو المشافهة، وهو في ذلك يحمل وصفا للحدث، وصفا ممن تولى صياغة الإخبار به، حسبما ذكر في الفقرة السابقة، فثمة عدد من الخصائص للنص الإخباري (أو النص التاريخي) وهي خصائص لصيقة به لا تكاد تنفك عنه، ومنها:

أولا: أنه نص يتعلق بحدث سابق عليه، أي أنه نص يكون معبرا ومخبرا عن حدث سابق، ومن ثم يكون نصا تاريخيا لأن وجود الخبر يقيد دائما وقوع المخبر عنه وأنه قد مضى.

والأحداث نوعان من حيث الزمان: نوع فوري الحدوث، أي يحدث بدءا وتماما في ذات اللحظة بما يصعب معه في تعاملات الناس الفصل الزمني بين البدء والتمام، مثل الصور المعروفة عن تعبير الشخص الطبيعي عن إرادته القانونية أو أي قول يصدر من شخص معين أو قتل إنسان أو ضربه، ونوع ممتد يستغرق زمانا يدركه الناس في معاملاتهم العادية، مثل القرار الإداري المركب الذي يتشارك في إصداره عدد من الجهات أو المجالس أو المؤسسات، ومثل أحداث التاريخ عامة كحرب مثلا أو عملية انتخابات لمجلس تشريعي تستغرق شهرا أو شهرين، فالغالب فيها أنها أحداث ممتدة زمانيا وليست من نوع ما يبدأ وينتهي في لحظته، إنما هي تبدأ وتستمر في التشابك وسط صراعات ومجادلات بين قوى عديدة، متعارضة أو متخالفة أو تتخلق في مراحل التشكل حتى يكون تمام اكتمالها هو تمام انتهائها وبداية ما ولدت من آثار، ويكفي أن نضرب مثالا على ذلك بحادث حرب أو حادث ثورة أو حادث بناء نظام سياسي.

وأن النص أو النصوص التي تخبر عن أي من الأحداث سواء أكانت أحداثا فورية أو ممتدة إنما تكون مما يخبر عن ماض تنبئ به وتصفه، ووصف الحدث عند ذكره يبدو في الغالب الأعم من الحالات لا مندوحة عنه، لأن الوصف يلتبس بالتعبير عن الحدوث، فأخذ المال من شخص إلى شخص لا يعبر عنه بهذا اللفظ إلا في النزر اليسير من الحالات، إنما يقال أعطى أو استولى أو استرد أو تقاضى أو منح أو استلم، والغالب من هذه الألفاظ أنها تحمل ظلالا من معان تعبر عن رضاء أو كره فضلا عن لفظ اقتحم أو اغتصب أو غير ذلك، والمهم هنا أننا نتعرض لحدث مفرد، ومهما كان له أو صار له من متشابهات فإنه معين بذاته وليس نمطا متكررا، أو بمعنى أدق ليس المقصود عند الإخبار عنه ذكر جنس له أو نوع، إنما المقصود إفراده بذاته بما ينبئ عنه ويبينه، ولذلك فإن من يتكلم عنه أو يبحثه أو يتعامل معه بأي من وجوه التعامل إنما يتعين أن يدخل إليه في ماضيه وينظر إليه ويستبينه في بيئته وفي سياقه الذي حدث فيه وتفاعل معه.

وهذا ما يفترق به تماما النص التشريعي عن النص الإخباري أو التاريخي من حيث الطبيعة والخصائص ومناهج التعامل معه، النص التشريعي نتفهمه في سياق ما يتلوه من وقائع، والنص الإخباري نتفهمه في سياق ماضيه وما واكب نزوله.

ثانيا: النص الإخباري بوصفه صيغة لإثبات حدث مضى أو تبيينه، يرتكز في مصداقيته على وسائل التحقيق لأدلة الإثبات للوقائع والتصرفات، أو لمنهاج التحقيق التاريخي للأحداث، ووسائل التحقيق والإثبات في مجال الحقوق والقانون معروفة للوالجين في مجال هذا العلم بفروعه المدنية والإدارية والجنائية، كما أن مناهج تحقيق الأحداث العامة والتاريخية معروفة لذويها، وفيها نقد الرواة الذين تناقلوا ذكر الحدث ونقد الوثائق والمستندات التي دلت عليه واشتملت على ذكره في مدوناتها.

ودلائل الثبوت هنا تتراوح في القوة والضعف، كما تتراوح في نسبية الدليل ومدى حجيته، وفي مجال الحقوق فإن الفروق معروفة في الحجية وطبقا لمداها بين الإقرار على النفس أو الشهادة على الغير أو القرائن بدرجاتها المتباينة، وفي مجال علوم الاجتماع والتاريخ فإن ذكر الوقائع والأحداث يتوافر لها كذلك في الحجية ما يتراءى من مدى حياد المصدر أو انحيازه ومدى مصداقيته، فيما عرف عنه ومدى ضبطه في التثبت، وتتقوى دلالة الثبوت وتضعف وفق ما يتبين في هذا الصدد.

ومن ناحية أخرى أهم، فإنه متى ثبت حدوث الفعل، فيستحيل بعد ذلك إلغاؤه أو نفيه، لأنه فعل مضى وانتهى، ويستحيل إلغاء الماضي كما يستحيل تغيير وقائعه وأحداثه أو تعديل ما وقع.

والنص التشريعي يخالف النص الإخباري (أو النص التاريخي) في هذا المجال من طرفيه، فالنص التشريعي يحتاج للإقرار بقيامه ووجوده إلى درجة أو حد أدنى من اليقين في ثبوت لا يمكن النزول عنها، وإلا انتفى النص التشريعي، لأنه لا يمكن أن يتحاكم الناس في حاضرهم ومستقبلهم إلى ما لم يثبت لوجوده درجة عالية جدا من درجات اليقين المعتبر، سواء أكان قانونا أم عرفا، كما أن النص التشريعي بخلاف النص الإخباري له حجية مطلقة على ما ينتفع به أو يضار به، أما النص الإخباري فحجيته نسبية لأنه ابن واقع محدد ولد في سياقه واكتسب مضامينه من هذا السياق المحيط به، وتحدث دلالته العينية في إطاره دلالة غير قابلة للتكرار، فهو ليس نموذجا يتوالد مع الزمن.

وكذلك فإن النص التشريعي يمكن أن ينسخ إذا ثبت صدور تشريع تال له ألغاه صراحة أو تضمن أحكاما مخالفة له، ويكون نسخه أو إلغاؤه من تاريخ صدور التشريع التالي المخالف حسبما هو معروف، وبسبب قيام هذا التصور فإن النص التشريعي كان إبان سريانه ممتد الأثر على ما يليه من أحداث وهو يحكم ما تلا صدوره من وقائع، أما النص الإخباري أو التاريخي فهو حدث مضى وانتهى وليس له حاكمية وليس له أثر مباشر يمتد في المستقبل، بما يجعله نموذجا قابلا للتكرار، يمكن أن تكون له آثار واقعية ترتبت عليه، ولكن هذه الآثار تلحق به التحاق نتيجة بسبب أو نتيجة عينية ملموسة مفردة بسبب هو عيني وملموس ومفرد كذلك، دون أن يكون النص في ذاته متجدد التطبيق على حالات لم تنجم عنه وإنما لاحقها بحسبانه تشريعيا متجدد الحضور معها ومع كل حالة ممتدة تولد.

سبل تفهم النص الإخباري

وقد سبقت الإشارة إلى أن النص الإخباري هو بوصفه صيغة ذكر لحدث ماض، إنما يحمل غالبا وصفا لهذا الحدث، وفقا للدلالة أو الفحوى التي وقرت لدى من صاغ الحدث في خبر مكتوب أو مروي، وأن الوصف أو التعبير الذي صيغ به الخبر، الغالب أن تختلف أو تتنوع عليه وجوه النظر من كتاب أو رواة أو باحثين، ناهيك عن أن يكونوا أطرافا في خصومة أو أن يكونوا من ذوي المصالح المتعارضة، وهنا يتفاوت ما تفضي إليه الدلالات التي يمكن استفادتها أو استخلاصها من الحدث؛ لأن النص هنا إنما يكون صنعه من أعد الحدث أو شارك في صنعه أو عاصره، أو يكون هو من أثبته من بعد أو علق عليه، فهو من ثم يحمل أثرا لوجهة النظر الحكمية لمن قام بصياغته.

ولكن مع ذلك كله سيبقى الحدث دائما منسوبا إلى زمان وقوعه، وسيبقى محل تقديره وفهمه واستخلاص دلالته هو موقف الحدث مما واكبه وأحاطه من ظروف في السياق الزماني والمكاني له، وسيبقى صحيحا القول بأننا إذا نزعناه من سياقه هذا فسيفقد دلالته ومعناه، ونحن لكي نفهم دلالة حدث ما (تصرفا كان أو واقعة) يتعين أن نحيط بأوضاع نشأته وظروف تكونه وما تجمع على تشكيله من أوضاع وما ترتب على قيامه من آثار، ونحن نكون أقرب لفهم هذا النص وأصوب في استخلاص دلالته كلما اقتربنا من طريق نشأته وتكونه، وكلما وصلناه بالأوضاع والأحداث التي صدر فيها، وهذا الوصل بأوضاع النشأة يكون هو ما يجلي الحقيقة بقدر الإمكان بما يكون علق به من شوائب الأوصاف غير الدقيقة، أو المنحازة لطرف ضد طرف.

ومن هنا يتعين ملاحظة عدد من الأمور لاستكمال فهم دلالة النص الإخباري، من ذلك سياق الحدث المنصوص عليه في المجال الثقافي، أي مجال إدراك المتعاملين له معناه لغة ومصطلحا وتعارفا، وكذلك سياقه في المجال الاجتماعي والسياسي إن كان حدثا ينتمي إلى هذه المجالات، وسياق النص المصاغ به الخبر في إطار ما كان يجري به الخطاب بين من يوجه الخطاب ومن يتوجه له الخطاب، لأن وجوه التركيز في الكلام ووجوه التفصيل والإجمال فيه تكشف عن طبيعة الجدل والحوار العام الدائر عند وضع النص الإخباري وصوغ الخبر عن الحدث.

والخلاصة أننا نقترب من النص التشريعي أكثر من فهم دلالته وإدراك معانيه كلما استطعنا أن ننقله أكثر إلى حاضرنا، وكلما أعملناه في سياق هذا الحاضر، ولا شك أن أوضاع إصدار النص التشريعي في زمانه وتتبع تعامل الأجيال السابقة معه في أزمانهم المتوالية هي مما يساعدنا في إيضاح دلالات هذا النص وقدراته في توليد الأحكام منه، مما يسمى “اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان”، إلا أنه يبقى أمر مهم وهو أن ثمة علاقة مباشرة بين النص التشريعي وبين الواقع المستقبل في تطبيقه على الوقائع الحاصلة.

وبالمغايرة لهذا الوضع بالنسبة للنص الإخباري فنحن نقترب منه أكثر في فهم دلالته وإدراك معانيه كلما استطعنا أن ننتقل نحن إليه في زمان حدوثه وصياغاته، واستحضرنا بهذا الانتقال أكثر ما يمكن استحضاره من وقائع ماضيه وأحداثه المحيطة به على المستويات الإدراكية الثقافية والاجتماعية، والحادث أنه في النص التاريخي الذي يتعلق بأوضاع عامة سياسية واجتماعية، فكثيرا ما يجري فيه إسقاط ثقافي من أوضاع الحاضر المعاش على الماضي الذي ينتمي إليه الحدث وتشكل في ثناياه وصيغ الخبر فيه، وكذلك بالنسبة للنص الإخباري الذي يجري بين أفراد الناس في تعاملاتهم الحقوقية يمكن أن يطغي فكرنا الحاضر على تفهم صياغات جرت في الماضي عن أحداث جرت في هذا الماضي، وفقا لدلالات تعدلت، وهذه عيوب وشوائب يتعين الحذر منها، وسيبقى الأمر الجوهري هو أننا لن نقترب من فهم النص الإخباري اقترابا أكثر إدراكا للصواب إلا إذا انتقلنا إلى زمانه واستوضحنا معانيه في ذلك السياق، وبالعكس لن نقترب من النص التشريعي اقترابا أكثر إدراكا للصواب إلا إذا نقلناه إلى زماننا الذي يطبق فيه بحسبانه من عناصر هذا الزمان المتجدد.

__________________________________________
*نُشر هذا المقال في مجلة وجهات نظر العدد رقم “106” الصادر في شهر نوفمبر عام 2007.

بحث بعنوان “النص التشريعي بين التفسير والتطبيق وأثره في تحقيق الأمن الفکري والسلام الاجتماعي- نحو أُنموذجٍ معرفي إسلامي” للدكتور هاني جعفر مدرس الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة الزقازيق، نُشر في العدد الثامن، المجلد رقم (7)، عدد مايو 2020، من المجلة القانونية الصادرة عن كلية الحقوق فرع الخرطوم.
وفيما يلي مستخلص البحث:
سعى البحث إلى تقديم أنموذجٍ معرفيّ إسلاميّ، ينطلق من تفسير النص التشريعي وتطبيقه، ذلک النصُّ الذي هو الأصلُ الذي ترجعُ إليه المجتمعاتُ في المَعاش والمَعاد، وهو منطلَقُ بناءِ الحضاراتِ، وهو مَناطُ الاعتصامِ، وحبلُ اللهِ المتينُ، بعد أن غدتْ ساحةُ البحث في النصِّ التشريعيِّ من حيث تفسيرُه وتطبيقُه، تشهد في زماننا هذا محاولةً غايتُها قطعُ الصلةِ بين النصِّ والنَّاصِّ جل وعلا، بل العکوفُ على رَسْمِ الحروفِ التي هي وسيلةٌ وليست غايةً لتفسير النص، واستنطاقُ المعاني منه على وَفق هوى المخاطَب، دون التقيدِ بمراد الشارع، أو الالتزامِ بما أوْدعه فيه من مقاصدَ، ومن ثم جاء البحث ليسهم في الدفاع عن الدين، والرد على شبهات المضلّلين، والوقوف على قاعدة التفکير لمواجهة مشکلة فهم النصوص، فإن سُوء الفَهم عن الله ورسولِه أصلُ کلِّ بدعةٍ وضلالةٍ نشأتْ في الإسلام، بل هو أصلُ کلِّ خطإٍ في الأصولِ والفُروعِ، وما اتهم أحدٌ دليلًا للدّين، إلا وکان المتهِمُ هو الفاسدَ الذهنِ، المأفونَ في عقله وذهنه، فالآفةُ من الذهن العليل، لا في نفس الدليل.
وادّعى البحث بيانَ التآلفِ بين الإيمان ومقتضيات الزمان، وأثرِ ذلک على الفکر الإنساني، بواسطة علم أصول الفقه؛ ذلک العلم الذي يمثل أفضلَ منهجٍ اخترعتْه العقولُ الإسلامية للتعامل مع نصوص الوحي الإلهي، وهو منهجٌ خالدٌ؛ لأنه يستمد يُنبوعَه ومادتَه من نصوص الوحي، ومِن لغة القرآن، وهو الأمرُ الذي کفلَ له البقاءَ وضَمِنَ له النقاءَ. ولذا وُصف بأنه: علمٌ يُظهر عبقريةَ العقولِ المبدعة التي عرفتْ کيف تصنع المنهجَ الصحيح لإدراک الغاية، ولأهميته التشريعيةِ في تفسير النصوص الشرعيةِ والوضعية تُرجِمَ إلى اللغة الإنجليزية، وغدا يدرَّسُ اليومَ في الجامعات الغربية؛ کجامعة هارفارد في أميرکا.
وأغلب ظني أن البحث يسهم في تقديمَ منهجٍ متکاملٍ لفهم نصوص الشريعة وبيانِها؛ حيث تُحددُ للنصوص والألفاظِ دلالاتُها، وقواعدُ إناطةِ الجزئيات بالکليات، کقاعدة: حمْل المُطلَق على المقيَّد. وقد أغفلتْ طائفةٌ من الناس هذه القاعدةَ الأصولية المبيّنةَ لنصوصِ الشريعة؛ فتعارضتْ عندهم النصوصُ مِن غير مُوجِبٍ للتعارض!!
ومن هنا برزت أهميةُ الموضوع في کونه –وفق المؤلف- قراءةً غائيَّةً تتحرک مع النصوص وروحِها، وتستخدمها وعاءً أوسعَ من بِنيتها اللغوية، مستهدفةً بها حضورَ التشريعِ أمرًا ونهيًا في کل جوانب الحياة؛ حيث لا تخلو نازلةٌ من حکمٍ، ولا يتسرب واقعٌ مهما کانت جزئياتُه لا متناهيةً، وعليه فالبحث تغيّا أمورًا، أهمُّها: تمکين علم أصول الفقه من الاستجابة للمشکلات والإشکالات المنهجية والفقهية والفکرية، التي تواجهها المجتمعات”.

وجاء تقسيم البحث كما يلي:

  • مدخل إلى النص التشريعي
  • الفصل الأول: ضوابط تفسير النص التشريعي.
  • الفصل الثاني : اعتبارات تطبيق النص التشريعي.
  • الخاتمة.

رابط مباشر لتحميل البحث

حينما نتحدث عن المغفور له بإذن الله تعالى فضيلة الدكتور حسين حامد حسان، إنما نتحدث عن قامة علمية كبيرة، وفقيه ذي مواصفات خاصة، وعلم من أعلام الأمة العاملين المجتهدين المخلصين .. جمع بين الأصالة والمعاصرة، واتسم بتعدد التخصصات والخبرات، فقد جمع بين الثقافة الشرعية، والثقافة القانونية، والثقافة الاقتصادية، والثقافة المالية والمصرفية .. مع خبرة عميقة في الأصول وفي الشريعة وفي المقاصد.

 

لقد كان الدكتور حسين حامد – رحمه الله – مدرسة فقهية في ذاته، كما قال عنه العلماء، فكان يُعمِل المقاصد بشكل متوازن، وكان يتسم بالجدية في التعامل مع أي قضية فقهية مطروحة، كما كان يجيد ما يسميه العلماء بـ«الصنعة الفقهية»، حليم، متواضع، طويل النفَس، يتسع صدره لكل ناقد أو محاور أو طالب علم.. أظهر براعة فائقة في مسألة البناء القانوني للعمل المصرفي الإسلامي، إذ استطاع أن يدمج بين القانون وأصول الفقه.. فاستحق بجدارة أن يكون عالم عصره وفقيه زمانه.

حينما قرر الدكتور حسين – رحمه الله – أن يدخل إلى مجال العمل المصرفي الإسلامي، استطاع بنك دبي الإسلامي، الأول في عالم الصيرفة الإسلامية، أن يكون أيضاً أول من يظفر بخدمات الدكتور حسين العالم الفقيه المتمرس المنفتح على كل الثقافات والمدارس الفقهية والاقتصادية والقانونية، فكانت النقلة النوعية للبنك، والتي يمكن أن نسميها (مدرسة بنك دبي الإسلامي الفقهية)، التي كانت ملهمة لعدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في العالم.

إن السيرة العلمية والعملية للمغفور له بإذن الله الدكتور حسين حامد لا يكفيها مقال أو خبر أو حتى مجلد، حيث كرّس حياته العملية لخدمة الإسلام والمسلمين، وقضاها متنقلاً بين مدن العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه؛ إما بحثاً عن العلم، أو ملبياً لنداء المؤسسات الاقتصادية والمالية الإسلامية؛ وظل هكذا حتى وفاته.

فمسيرة الدكتور حسين، الممتدة من أواخر الخمسينيات وحتى عام 2020 حافلة بالإنجازات، على المستويات الشخصية والمجتمعية والرسمية، فقد كان خبيراً قانونياً واقتصادياً ومصرفياً قلّ أن تجود الدنيا بمثله، خاصة أنه كان يتمتع بعقلية فذة، وحضور ذهني مفتوح على كل ما يمكن أن يعرض عليه من خطط أو معاملات أو فتاوى في كل ما يتعلق بالمال والاقتصاد والقانون، فضلاً عن دوره الملموس في التدريس بعدد من الجامعات الإسلامية.. وفي هذا الإطار نذكر له – رحمه الله – دوره في تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان، حين دعاه الرئيس الباكستاني لتأسيس الجامعة، وبعدها ترأس نفس الجامعة لمدة 14 عاماً.

وحتى يتسنى لنا الحديث عن إنجازات الراحل الدكتور حسين حامد حسان، لابد أن نتناول جانباً من سيرته الذاتية؛ العلمية والعملية، لنقف على حياته التعليمية التي كانت مليئة بالطموح، يظهر ذلك جلياً في حصوله على عدة شهادات عليا خلال أقل من 5 سنوات، فقد ولد في محافظة بني سويف المصرية عام 1932، وحصل على ليسانس في القانون والاقتصاد من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1959، كما حصل على ليسانس في الشريعة من كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1960، بعدها حصل على ماجستير في الشريعة الإسلامية من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1960، ثم على ماجستير في القانون المدني من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961، وعلى دبلوم في القانون المقارن من جامعة نيويورك من المعهد الدولي للقانون المقارن عام 1963، ثم حصل على الماجستير في القانون المقارن عام 1965م، وحصل على الدكتوراة في الفقه وأصول الفقه من كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1965.

وظائف‭ ‬مهمة

– عُيّن فضيلة الدكتور حسين حامد – رحمه الله – محامياً بإدارة قضايا الحكومة – مصر – عام 1959م، ثم معيداً بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، فمدرساً فأستاذاً مساعداً فأستاذاً فرئيساً لقسم الشريعة بالكلية، ثم أعير رئيساً للدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن علي السنوسي الكبير في ليبيا، ثم أعير رئيساً للدراسات العليا الشرعية بجامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، ومديراً لمركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة بالجامعة، ومستشاراً لمدير الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث والتعاون بين الجامعة والجامعات الأخرى، ورئيساً للجنة الدائمة لترقية أعضاء هيئة التدريس في جامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

في عام 1979 أعير لإنشاء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، عقب إعلان باكستان تطبيق الشريعة الإسلامية، وعين عضواً في مجلس أمناء هذه الجامعة، ثم تولي رئاستها لمدة أربعة عشر عاماً. عمل فضيلة الدكتور حسين مستشاراً قانونياً واقتصادياً لرئيس جمهورية كازاخستان، ومستشارا اقتصادياً لرئيس وزراء قيرغزستان، وكلف بعمل خريطة استثمارية للدولة، كما عمل مستشاراً لرئيس جمهورية باكستان الإسلامية لشئون الجامعة الإسلامية العالمية، ومستشاراً لأمين عام رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ثم مستشاراً لرئيس مؤتمر العالم الإسلامي بجدة، ومستشاراً لهيئة إحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، كما عين مستشاراً لرئيس جامعة القاهرة.

وبالإضافة إلى ذلك تولى العديد من المناصب الاستشارية الأخرى في عدد من المجامع الفقهية والمؤسسات الدينية الرسمية في الدول العربية والأوروبية.

وللدكتور حسين – رحمه الله – عدد كبير من المؤلفات تزيد على 400 كتاب وبحث ومقال في عدة مجالات كالصيرفة والتمويل والتأمين الإسلامي، كما شارك في مئات المؤتمرات العالمية والندوات المعنية بالاقتصاد والتمويل الإسلامي، قدم فيها العديد من البحوث والدراسات الفقهية التي كان لها أثر كبير في إثراء الصناعة.

هذا جانب من المسيرة العلمية والعملية التي عاشها الدكتور حسين حامد حسان، الخبير الحقوقي والمالي والاقتصادي، الذي ترك إرثاً اقتصادياً كبيراً تستفيد منه الأجيال القادمة، خاصة في الصناعة المصرفية والمالية الإسلامية.

الاقتصاد‭ ‬والبنوك‭ ‬الإسلامية

بدأ الدكتور حسين حامد حسان – رحمه الله – مسيرة العمل في البنوك الإسلامية، ثم أصبح في وقت قصير جداً واحداً من أشهر فقهاء المعاملات الإسلامية في العالم، فقد ظل لسنوات طويلة يصل الليل بالنهار بحثاً في أمهات الكتب عن كل ما هو جديد في مجال المعاملات الإسلامية، ولأنه كان خبيراً قانونياً وعالم شريعة وخبير اقتصادي في نفس الوقت، استطاع في فترة وجيزة أن يطور العقود الشرعية للمعاملات والصيغ المصرفية لعدد كبير من البنوك الإسلامية وشركات التأمين التكافلي، واستحداث عدد من الصيغ الشرعية المبتكرة التي سارت عليها تلك المؤسسات حتى الآن.

ولقد أسهم الدكتور حسين بدور كبير في خدمة الصناعة المصرفية الإسلامية منذ إنشائها، كما حرص على تدريب الكوادر المصرفية العاملة في هذا المجال، واختير رئيساً للعديد من هيئات الرقابة الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في العالم، وعلى رأسها بنك دبي الإسلامي.

بنك‭ ‬دبي‭ ‬الإسلامي

تولى الدكتور حسين – رحمه الله – رئاسة هيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بنك دبي الإسلامي لفترة طويلة، وبرز دوره المتميز والنشط خاصة وأنه قام باستحداث عدد من العقود الشرعية التي كان لها دور متميز في نشاطات البنك وتميزه بين أقرانه، وجعلته في مقدمة البنوك الإسلامية في المنطقة، بل وفي العالم كله، بنظامه الرقابي الراقي والصارم، ومعاملاته التي حرصت الهيئة الشرعية على اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها مطابقتها لمبادىء وأحكام الشريعة الإسلامية، والبعد عن المعاملات التي تثير الشبهات في العمل المصرفي الإسلامي، ومن هنا اكتسب البنك ثقة عملائه، كما اكتسب سمعة طيبة في الصناعة المصرفية الإسلامية وفي العالم أجمع.

وقد كان للدور المتميز الذي قام به الدكتور حسين خلال رئاسته لهيئة الفتوى في بنك دبي الإسلامي ردود فعل إيجابية تجاه البنك، حيث سعت معظم البنوك الإسلامية في المنطقة والعالم إلى الاستفادة من خبرات البنك في مجال صياغة العقود الجديدة، بينما عملت معظم المؤسسات المالية الإسلامية الأخرى في محاكاة الأنشطة والعقود التي يعمل بنك دبي الإسلامي من خلالها.

وسعياً لتعزيز دور الرقابة الشرعية في بنك دبي الإسلامي عمل الدكتور حسين حامد – رحمه الله – على تأسيس «دار الشريعة»، وهي شركة شرعية قانونية متخصصة في صياغة العقود الشرعية المستجدة، ومراجعة العقود الأخرى المعمول بها فعلياً في المؤسسات المالية الإسلامية وشركات التأمين التكافلي، ولتكون هذه الشركة بمثابة المرجع الشرعي والقانوني لعمليات بنك دبي الإسلامي والبنوك الإسلامية الأخرى في العالم، حيث نفذت «دار الشريعة عدداً كبيراً من العقود الشرعية لصالح عدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، وحصلت هذه العقود على الإشادة من أساتذة الشريعة وفقهاء المعاملات الإسلامية.

‮«‬هندسة‮»‬‭ ‬التحول

كان لفضيلة الدكتور حسين حامد حسان – رحمه الله – الدور الرئيس في تنفيذ عمليات تحول العديد من البنوك التقليدية إلى بنوك إسلامية، بعد التوجه الذي اتخذته هذه البنوك لتحويل أنشطتها ومعاملاتها إلى إسلامية، فقد اختير من قبل إدارة بنك الشارقة ليتولى تنفيذ عملية تحويل كافة أنشطته التقليدية إلى معاملات وأنشطة إسلامية وليصبح اسمه «مصرف الشارقة الإسلامي»، كما قاد عملية تحويل بنك الإمارات إلى «مصرف الإمارات الإسلامي»، بالإضافة إلى سوق دبي المالي الذي تولى الدكتور حسين عملية تحويله إلى سوق مالي إسلامي، وظل رئيساً لهيئته الشرعية حتى وفاته، وما تبع ذلك من إعادة صياغة كافة العقود إلى عقود إسلامية بشكل كامل، كما حرص – رحمه الله – على تدريب الكوادر البشرية العاملة على تنفيذ المعاملات الإسلامية بعد عمليات التحول، وكذلك إعادة هيكلة كافة العمليات والأنشطة وحقوق المساهمين والمتعاملين حسب النظام المصرفي الإسلامي.

وفي هذا الإطار، ومما يؤكد الدور المتميز للدكتور حسين حامد في تحويل العديد من البنوك التقليدية إلى بنوك إسلامية، أطلق عليه المصرفيون لقب «مهندس عمليات التحول» حيث طلب منه أكثر من بنك تقليدي إجراء عملية التحويل إلى النشاط المالي الإسلامي، وقد تكللت كل هذه الجهود بالنجاح والحمد لله.

مساهمات‭ ‬قانونية‭ ‬وشرعية

أسهم الدكتور حسين – رحمه الله – في إعداد القانون المدني المصري وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وأعد مذكرته التفسيرية، كما أسهم في إعداد قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، وشارك في تحويل نظامها المصرفي التقليدي إلى العمل طبقاً لمبادىء الشريعة الإسلامية، وكذلك في جهود تطبيق الشريعة بالكويت، وراجع مشروع قانون شركات التأمين الإسلامي بها، كما أعد مشروع قانون الأحوال الشخصية بليبيا، وفي إعداد دستور جمهورية كازخستان والقوانين المكملة للدستور.

وفاته

بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتميز والنجاح، استمرت نحو 60 عاماً، غيب الموت الدكتور حسين حامد حسان، الخبير الاقتصادي والحقوقي والمالي، وأبرز خبراء الصناعة المصرفية الإسلامية في العالم، في 20 أغسطس 2020، ووقع خبر وفاته كالصاعقة على تلامذته ومحبيه، وكذلك على الفقهاء والاقتصاديين والمصرفيين، الذين كانوا يرون فيه مدرسة فقهية متنوعة الثقافات، وخبيراً في فقه الواقع، وعالماً منزهاً عن مغريات الدنيا، منقطعاً للاجتهاد والبحث في كل ما هو مستجد في عالم الاقتصاد والمعاملات الإسلامية.

وستظل بصماته واضحة لدى كل من يعمل في هذا المجال، وسيذكره التاريخ دائماً بالخير مادامت البنوك الإسلامية.

رحم الله الدكتور حسين حامد حسان، وجزاه خير الجزاء عما قدمه للإسلام والمسلمين.

__________________________
نُشر هذا التقرير في العدد رقم (479) المجلد رقم (41) من مجلة الاقتصاد الإسلامي الصادرة عن بنك دبي الإسلامي بتاريخ أكتوبر 2020، ومنشور على الموقع الإلكتروني للمجلة.

بحث للأستاذ الدكتور أحمد سعد البرعي منشور في المجلد (14) العدد (48) بمجلة دار الافتاء المصرية، جمهورية مصر العربية، الصادرة في يناير 2022م.

تناولت هذه الدراسة موضوعًا من أهم الموضوعات المثارة الآن، ألا وهو “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي”، وجاء في مقدمة هذه الدراسة:

   فإنه لم يكن من المتوقع في يوم من الأيام أن يجد الفقهاء والقانونيون أنفسهم مطالبين بالبحث عن التكييفات الفقهية والطبيعة القانونية لآلات جامدة باتت تحمل من الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والقرار الذاتي، ما يجعلها قادرة على محاكاة السلوك البشري، والقيام بما يقوم به الإنسان من وظائف وأعمال.

فالذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد ضربًا من ضروب الخيال العلمي، ولم يعد البحث فيه وفي أحكامه نوعًا من أنواع الترف الفكري، بل إنه بات حقيقة واقعة يتجه العالم إليها بقوة، وستُبنى عليه في السنوات القادمة اقتصاديات دول، وميزانيات حكومات، فالمدن الذكية التي تطوَّر هنا وهناك، والمركبات المستقلة (Autonomous Vehicles (AV التي يتوقع لها أن تستحوذ على مكانة رئيسة في النقل والمواصلات في السنوات القليلة القادمة، والطائرات بدون طيار (Drones) واستعمالاتها المدنيَّة والتجارية التي انتشرت مؤخرًا، والتي ستسيطر في المستقبل القريب على مجال الشحن والتوصيل، بعد أن سُمح لشركات التجزئة وشركات البريد باستخدامها في مجال توصيل البضائع والطرود البريدية، وظهور الجيل الثاني من هذه الطائرات ذاتي التشغيل والتوجيه والتنفيذ ‏(Autonomous Drones) وما يُثيره من القضايا الأخلاقية والشرعية والقانونية المتعلقة بالتسليح، والحدود الفاصلة بين المشروع منه والمحظور، وانتشار الوكلاء الأذكياء في التجارة الإلكترونية والاعتماد عليهم في إبرام العقود وتنفيذ المعاملات، وتطوير الروبوتات المستقلة التكيُّفيَّة، القادرة على التعلم الآلي، والتكيف الذاتي والتطور الاجتماعي، والتي ستقتحم مجال الخدمات المهنية والمنزلية والشخصيَّة في السنوات القادمة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا فقهية وقانونية تتعلق بتكييف طبيعتها الفقهية، وسط ما ينادي به بعضُ القانونيين اليومَ من إضفاء صفة «الشخصية القانونية» و«الأهلية» على هذه الروبوتات؛ نظرًا لما تحويه من ذكاء واستقلالية في التصرف يجعلها مغايرة تمام المغايرة لغيرها من الآلات التقليدية، والأجهزة الصماء، وما تثيره هذه الروبوتات من مسائل تتعلق بالمسؤولية والضمان في حال ما لو انفلتت فأحدثت ضررًا في نفس أو عضو أو مال، وكذا ما مكنت له التطورات في مجال تكنولوجيا النانو (Nanotechnology) من تطوير روبوتات نانوية يمكن زرعها في الأجسام البشرية لأداء وظائف معينة، ومهام متعدّدة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا وأحكام، إلى غير ذلك من القضايا الأخرى المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، والتي فرضت كثيرًا من المسائل والمستجدات أردتُ أن أتناولها بالبحث والبيان في هذه الدراسة، التي عنونت لها باسم: “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي“، راجيا الله تعالى أن تكون مفيدة في بابها، نافعة لكاتبها وقارئها، وأن تكون فاتحة خير للبحث الفقهي المتعمّق في هذه الموضوعات باعتبارها واحدة من أولى الدراسات الفقهية الموضوعة في هذا الباب، والتي جاءت كثير من التكييفات الفقهية فيها مبنية على تخريج ورأي مني، أسأل الله تعالى أن أكون قد وُفقت فيه، ويبقى المرجع دائمًا في مثل هذه النوازل والمستجدات إلى الاجتهاد الجماعي، والرأي المؤسسي.

وقد قُسمت هذه الدراسة إلى مقدمةٍ، وفصلين، وخاتمة؛ حيث تناولت المقدمة: أهمية البحث وخطة الدراسة، في حين تناول الفصل الأول الذكاء الاصطناعي وأدوات الثورة الصناعية الرابعة، بينما تناول الفصل الثاني الأحكام الفقهية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

رابط مباشر لتحميل الدراسة