موقع حوارات

موقع حوارات

ورقة بحثية قُدمت إلى ندوة “الصكوك الإسلامية: عرض وتقويم” التي عُقدت في جامعة الملك عبد العزيز في جدة خلال الفترة 10-12/6/1431هـ الموافق 24-26/5/2010م بالتعاون مع مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية، وجاء في مقدمة هذه الورقة ما يلي:

تتناول هذه الورقة أهم القضايا الفقهية والاقتصادية التي أثيرت حول الصكوك. فمن الناحية الشرعية، تتفق الورقة مع التكييفات والآراء الفقهية الاجتهادية السائدة في قضية الصكوك، وتختلف عنها بعض الأمور، أهمها تفضيل معيار الغلبة في تداول الصكوك التي تحتوي موجوداتها على ديون أو نقود تجنبًا لوقوع ربا النسيئة، وعدم الموافقة على الإطلاق على تضمين موجودات الصكوك أي ديون ربوية.

وبينما تقبل الورقة القول بجواز تداول صكوك السلم، إلا أنها تحذر من استخدام ذلك التسويغ لتركيب عقود تسمح بوقوع المتاجرات (المضاربات) التي تودي باستقرار الأسواق. وكذلك تقبل الورقة جواز تضمين مدير الصكوك على أساس دارسة الجدوى التي يقدمها، ولكن ببعض الشروط، أهمها: أن ينص العقد بين الطرفين على تحديد مسببات الخسارة التي لا يكون بوقوعها مدير الاستثمار مسؤولاً عن رأس المال؛ وأن يُحتكم إلى محكم خارجي مستقل يتمتع بالخبرة الشرعية والتجارية لتقرير مسؤولية مدير الاستثمار من عدمها؛ وأن يقتصر التضمين إن وقع بشروطه على رأس المال، ولا يتجاوز بذلك إلى الربح. وأن يضمن مدير الصكوك في حال التضمين بشروطه القيمة السوقية لموجودات الصكوك عند وقوع مسبباته، لا أن يضمن رأس المال كاملاً عبر ضمانه للقيمة الاسمية للصكوك. وتحذر الورقة من أن ينطوي التعهد بشراء موجودات الصكوك ببقية أقساط الإجارة المتبقية في صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك، على تحقق الضمان الممنوع. كما تحذر بأن تعهد المستأجر في صكوك الإجارة التشغيلية بشراء الأصول عند الإطفاء بقيمتها الاسمية يمكن أن ينطوي على بيع الاستغلال وبيع العينة المنهي عنهما.

وتجيز الورقة التزام مدير الصكوك بتقديم قرض عند نقصان الربح الفعلي عن المتوقع في مقابل تنازل حملة الصكوك عن الربح الزائد عن المتوقع إذا كانت الصكوك صكوك استثمار يقوم على الربح والخسارة، ولا يكتنفها شيء من الضمانات، وتمثل ملكية حقيقية لا شكلية لموجودات الصكوك. وتؤكد الورقة على أن بيع الصكوك بأقل من قيمتها الاسمية لبعض حملة الصكوك، يتنافي مع مبدأ الاشتراك في الربح والخسارة بين حملة الصكوك، ولعدم قيام ما يسوّغ تفاوت حملة الصكوك في نسب الربح في بعض الحالات.

وتقول الورقة بجواز توزيع مدير الصكوك لجوائز على بعض حملة الصكوك إذا كانت قيمة أو مبالغ هذه الجوائز غير مرتفعة وكان ثمنها يدفعه مدير الصكوك من ماله الخاص، وبشرط ألا تزيد حصة الربح المشروطة لمدير الصكوك عن المعتاد، بما يجعلها تعويضًا له عن قيمة هذه الجوائز. وتقول كذلك بجواز اقتطاع نسبة معينة من أرباح الصكوك لتشكيل احتياطي يغطي خسائر مستقبلية محتملة، مع تمكين حامل الصكوك من استرداد ما اقتطع من ربحه عند انسحابه من العملية الاستثمارية.

وتجيز الورقة أن يعمد بائع الأصول إلى استئجار الأصول بعد بيعها إجارة منتهية بالتمليك، مع تحقق شرطين الأول: أن عقد البيع الأول الذي بيعت فيه الموجودات المؤجرة عقد بيع حقيقي بين بائع الموجودات وحملة الصكوك أو من يمثلهم. الثاني: أن حملة الصكوك يتحملون حقيقة تبعات الموجودات المؤجرة طيلة فترة عقد الإجارة، من حيث ضمان خطر الأصل المؤجر، وتحمل نفقات الصيانة الأساسية التي يتحملها المؤجرون عادة ونفقات التأمين والضرائب والغرامات وكل ما يتحمله الملاك عادة.

ومن الناحية الاقتصادية غالبًا ما تبنى العلاقة بين حملة الصكوك والهيئة الخاصة على أساس عقد المضاربة، بحيث لا يتدخل حملة الصكوك في تفاصيل أعمال الهيئة، وإنما عليهم أن ينتظروا النتائج، ونظرًا لأن الهيئة الخاصة ينشئها ويملكها في الغالب المالك الأصلي للموجودات المصككة، فمن المتوقع أن تحدد مهام الهيئة وصلاحياتها عند إنشائها بما يتفق مع مصالحه التي قد تتعارض مع مصالح حملة الصكوك، ولحماية حملة الصكوك من تضارب المصالح، يكون الأفضل أن تبنى العلاقة بين حملة الصكوك والهيئة الخاصة على أساس المشاركة.

وللتأكد من توافق أعمالها مع الشريعة لا بد من وجود هيئة شرعية تشرف عليها. فإذا تعددت العمليات التي تقوم بها الهيئة الخاصة وتنوعت فلا مناص من أن يؤسس جهاز للتدقيق الشرعي يعمل تحت إشراف الهيئة الشرعية.

وتتلخص أهداف السلطات الرقابية فيما يتعلق بالصكوك في: أولاً، الحرص على خاصية التوافق مع الشريعة، لأنه إذا لم تتوافر الشروط الشرعية في الصكوك، فإنها تهدد بسوء السمعة وفقدان الثقة التي قد تتطرق إلى النظام النقدي والمالي بأسره. وثانيًا الحرص على أن حملة الصكوك يمتلكون حصصًا على المشاع في موجودات حقيقة، لأن هذا شرط للتوافق مع الشريعة ولضمان حقوق حملة الصكوك.

وثالثًا، الحرص في كل الأحول على خلو استخدام حصيلة الصكوك من مخاطر النزوع السيئ، بمعنى أن بائع الصكوك سوف يستخدم الحصيلة فيما خصصت له، وهذا يضمن قدرته على خدمة موجودات الصكوك من حيث الصيانة والحفاظ على منافعها، وكذلك دفع أقساط الإيجار وغيرها من مستحقات حملة الصكوك.

ورابعًا، الحرص على أن كافة الاحتياطات قد اتخذت لكي لا يكون لدى حملة الصكوك حاجة إلى التصرف في موجوداتها بتأجيرها إلى جهة أخرى أو ببيعها. لأن حدوث ذلك، سوف ينزع من الصكوك عنصر الاستقرار، ويهدد السوق المالية كلها بالانهيار.

ومن غير الممكن القيام بالرقابة والإشراف على إصدار وتملك وتداول الصكوك بدون توفر بنية أساسية مناسبة تتضمن من ناحية سهولة إصدار صكوك متوافقة مع الشريعة، ومن ناحية أخرى تحقق قدرة السلطات الرقابية على التعامل مع ما قد يتصل بها من انحرافات وقائيًا وعلاجيًا.

وأول عناصر تلك البنية الاعتراف بعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني، حتى لا تتعامل المحاكم مع تلك العقود كعقود ربوية، ولكي تقر بملكية حملة الصكوك للموجودات، وثانيها أن يصدر قانون للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية حتى تتمكن السلطات الرقابية من فحص وتدقيق المنتجات المالية بناء على مرجعية إسلامية وليس مرجعية ربوية لا تقبل اختلافات جوهرية بين المنتجات المالية الإسلامية والمنتجات التقليدية، ولا تستحل السلطات الرقابية لنفسها إصدار أوامر وتوجيهات عامة إلى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لا تتفق مع شروط ترخيصها بصفتها بنوك تعمل بالتوافق مع الشريعة.

وثالثًا، وضع ضوابط لحوكمة الهيئات الشرعية العاملة لدى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، تمنع المدعين من الانتساب إليها، ولكي يتوقف سيل المنتجات المالية سيئة السمعة التي ترتكز على الصحة الشكلية دون صحة الغرض دون الانتباه إلى المآلات التي تترتب على تلك المنتجات، وحتى تقتصر عضوية تلك الهيئات على عدد فردي من علماء الشريعة الحاصلين على الدكتوراه في الشريعة من جامعات مرموقة، يساعدهم مستشار حاصل على الدكتوراه في اقتصاديات النقد والمال. كما يجب أن تدخل هيئات التصنيف مؤهلات أعضاء الهيئات الشرعية المشرفة على إصدار الصكوك في تصنيفها.

ورابعًا، لا بد من حوكمة الهيئة ذات الغرض الخاص التي تقوم بشراء الموجودات، وإصدار وتوزيع الصكوك، والتي تمثل في النهاية مصالح حملة الصكوك، بحيث يتملك حملة الصكوك حصصًا على المشاع فيها بنسبة ما يحمله كل منهم من الصكوك، ومن الممكن أن ينضم إليهم منشئ الموجودات كشريك بقيمة ما يحمله من الصكوك.

وفي النهاية تقدم الورقة مقترحين بشأن تفعيل دور الصكوك في مجال السياسات الاقتصادية والتنموية. الأول هو قيام البنك المركزي بإصدار صكوك إقراض مركزية، تستثمر حصيلتها من خلال وضعها كودائع ادخارية واستثمارية لدى البنوك الإسلامية، ويمكن أن يحقق تداولها تكوين سوق نقدية بين البنوك الإسلامية. كما يمكن أن تستخدمها السلطات النقدية كأداة للتحكم في معدل التوسع النقدي، والثاني أن تقوم المؤسسات العامة بإصدار صكوك تستخدم حصيلتها في توسيع نشاطها وتمويل رأسمالها العامل، بجانب تمويل المشروعات الكبرى، وبخاصة مشروعات البنى التحتية.

رابط مباشر لتحميل البحث

أ- سيادة الدستور وضرورة حراسته:

1- منذ ظهرت الجماعات السياسية المنظمة، وانقسم الناس فيها إلى حكام ومحكومين، برزت مشكلة أساسية، صارت ولا تزال محور أبحاث القانون العام وعلمي السياسة والاجتماع، وهي مشكلة العلاقة بين الفرد والدولة، أو بين الحكام والمحكومين .. وقد أسفر التطور الطويل لهذه العلاقة عن ظهور مبدأ قانوني أساسي يهدف إلى حماية الأفراد في مواجهة السلطة العامة، ويكفل تحول السلطات التي تملكها الدولة، ويباشرها “الحكام” من مجرد قوى أو قدرات مادية، إلى اختصاصات تحددها وتضبط اتجاهها مقدما مجموعة من القواعد القانونية العامة.. وهذا المبدأ هو ما يعرف بمبدأ الشرعية Principe de legalie، أو مبدأ سلطان القانون وسيادته The Rule of Law، ومؤداه أن يخضع الحكام جميعًا للقانون، بحيث لا تكون أعمالهم ولا قراراتهم صحيحة قانونًا وملزمة للمخاطبين بها إلا بقدر التزامها لحدود الإطار القانوني الذي تعيش الجماعة في ظله.

 2- وقد دلت تجارب الشعوب على امتداد التاريخ على أن مبدأ الشرعية هذا يظل عديم القيمة من الناحية العملية، ما لم يقترن بجزاء فعال ومنظم يكفل امتثال السلطات العامة لمضمونه وتقيدها بحدوده.. وهو المعنى الجليل الذي استند إليه الصحابي العبقري (عمر بن الخطاب) حين كتب إلى قاضيه قائلًا: “واعلم أنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له”.. وقد استقرت أكثر النظم القانونية على أن الضمان الحقيقي الفعال لمبدأ الشرعية، من بين ضمانات أخرى ذات طابع سياسي، يتمثل في التسليم لسلطة خاصة مستقلة عن السلطة السياسية في الدولة بمهمة التحقق من احترام السلطات العاملة في الدولة لمبدأ الشرعية بعناصره المختلفة، وعلى رأسها احترام النصوص الدستورية التي تمثل قمة الهرم الذي تتكون منه القواعد القانونية في الدولة. وهكذا ظهر مبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الحكام وقراراتهم، سواء كانت تلك القرارات صادرة من السلطة التشريعية أو من السلطة التنفيذية.

وفى بيان أهمية الرقابة القضائية على أعمال السلطات العامة قررت محكمة القضاء الإداري في مصر أن تلك الرقابة “هي دون غيرها الرقابة الفعالة التي تكفل للناس حقوقهم الطبيعية وحرياتهم العامة، وبها يبقى النظام في حدوده الدستورية المشروعة، وكل نظام أرسى الدستور أساسه ووضع القانون قواعده هو نظام يخضع –مهما يكن نظاما استثنائيا- لمبدأ سيادة القانون، ومن ثم لرقابة القضاء.

ب- الطبيعة الخاصة للقضاء الدستوري “من مجلس الدولة إلى المحكمة الدستورية العليا”:

3- وحين أخذت مصر عام 1946 بنظام القضاء الإداري بصدور القانون 146 لسنة 1946 بإنشاء مجلس الدولة.. كانت أمام الفقه والقضاء في مصر تجربة مكتملة النمو في ممارسة الرقابة القضائية على أعمال الإدارة.. وهي التجربة الفرنسية التي تحددت خلال مراحلها المختلفة طبيعة الرقابة القضائية على قرارات الإدارة وأعمالها المادية.. وظهر تميز قواعد القانون الإداري عن قواعد القانون المدني الذي يحكم علاقات الأفراد، وذلك في مجالات ثلاثة أساسية أولها: مجال العقود، والثاني: مجال المسئولية التقصيرية، والثالث: مجال القرارات الإدارية.. وكان واضحا منذ اليوم الأول لنشأة القضاء الإداري في مصر أنه ليس كالقضاء المدني، قضاء تطبيقيًا تحكمه قاعدة سلطان الإرادة في العقود، والمساواة بين أطراف العلاقة في ميدان المسئولية عن الفعل الضار “المسئولية التقصيرية”، وإنما تتسع وظيفته في هذين المجالين وفى غيرهما، بحيث لا تقف عند حرفية النصوص، تشريعية كانت، أو عقدية تنشئها إرادات الأفراد المتساوية.. وإنما هي وظيفة تنطوي على دور “إنشائي” يقوم به القاضي، وهو يحدد نقطة التوازن بين مصالح الدولة وهيئاتها من ناحية، ومصالح الأفراد من ناحية أخرى .. وهو توازن يحكمه اعتباران أساسيان:

أولهما، ملاحظة أن المصالح التي تتنازع وتتصارع أمام القضاء الإداري ليست متكافئة من حيث الأهمية، فبينما يعبر الفرد الذي يختصم الإدارة عن مصلحة خاصة فردية، فإن الإدارة التي يختصمها تسعى -بحسب الأصل- إلى رعاية مصلحة عامة جديرة بالاعتبار لتعلقها بمجموعة المواطنين، أو فريق كبير منهم.

ومن ناحية أخرى فإن ما تملكه الإدارة من حقوق السلطة العامة وامتيازاتها ومن سلطة التنفيذ المباشر على الأفراد عن طريق استخدام القوة في كثير من الحالات .. يتجاوز كثيرًا حدود ما يملكه الفرد الذي يخاصمها..

ومن ثم كانت مراعاة هذين الأمرين فرضًا على القاضي الإداري، وكان ما يتوصل إليه من حلول، وما يصدره في المنازعات الإدارية من أحكام: معبرًا بالضرورة عن السعي للتوفيق بين هذه الاعتبارات المتعارضة، وتحديد نقطة التوازن بينها.. ولا يحتاج القارئ -بعد مضى أكثر من نصف قرن على نشأة القضاء الإداري- أن نردد أمامه ما قررته عشرات الأحكام من هذه الطبيعة الخاصة التي تميز القضاء الإداري. وإلى أحكام أخرى غير قليلة أوشكت فيها المحكمة أن تعبر الخط الفاصل بين “رقابة المشروعية” التي تملكها بغير منازع والرقابة على سلطة التقدير التي تملكها –بحسب الأصل– جهات الإدارة، وذلك حين بسطت رقابتها على عنصر “التناسب” بين المقدمات التي استندت إليها الإدارة لإصدار قرارها، وبين حدود النتائج التي رتبتها على تلك المقدمات.. مقررة في بعض أحكامها أن القرار يكون جديرًا بالإلغاء إذا شابه خطأ صارخ في التقدير لـ manifeste Dappreciaion Erreur كما في حالة عدم التناسب الصارخ بين المخالفة الوظيفية المنسوبة لأحد العاملين بالدولة وبين الجزاء الذي وقعته جهة الإدارة بسبب تلك المخالفة.. وقد درجت محاكم مجلس الدولة على إطلاق وصف “الغلو” على حالات هذا الخطأ الصارخ في التقدير.

4- وحين اتجهت مصر إلى تنظيم الرقابة على دستورية القوانين بإنشاء المحكمة العليا عام 1969، ثم بالنص على إنشاء محكمة دستورية متخصصة في المادة 174 من دستور مصر الصادر عام 1971، وهو النص الذي وضع موضع التطبيق بإنشاء المحكمة الدستورية العليا بالقانون رقم 48 لسنة 1979، فقد كان التصور السائد أن مهمة هذه المحكمة لا تنطوي على أكثر من المقابلة بين نصوص التشريع المطعون بعدم دستوريته، وبين نصوص الدستور. بحثًا عن المخالفة الدستورية التي ينسبها إليه الطاعن فيها.. وتصور كثيرون أن هذه الرقابة سوف تظل تمارس في أضيق الحدود نزولًا عند عدد من الاعتبارات القانونية والسياسية.. على رأسها اعتباران:

 أولهما: أن الهيئة التشريعية هيئة منتخبة من جماهير الناس، وأنها –لذلك– معبرة عن إرادة الناخبين، وممثلة لتوجهاتهم السياسية والاجتماعية.. وأنها لذلك ينبغي أن تظل صاحبة القول الفصل في ملاءمة ما تصدره من تشريعات.. وأن المحكمة الدستورية -لذلك كله- سوف تحجم عن التدخل في تقدير تلك الملاءمة.. حتى لا تتجاوز حدود وظيفتها القضائية.

الآخر: أن مبدأ الفصل بين السلطات، والذي بمقتضاه عهد الدستور إلى المجالس النيابية المنتخبة وحدها بوظيفة التشريع، لابد أن يحول دون إقحام المحكمة الدستورية العليا نفسها في تلك الوظيفة التشريعية، وهذه المحكمة في مصر -على ما هو مقرر ومعروف- هيئة قضائية خالصة في تشكيلها وإجراءاتها والاختصاصات الممنوحة لها. ولعله في إطار هذين المبدئين، والتزاما بهما قرر الفقه والقضاء وجود ما يسمى “قرينة الدستورية” أي أن الصحة هي الأصل في التشريعات الصادرة من المجلس التشريعي، وأن مقتضى هذه القرينة أن يقع على الطاعن عبء إثبات المخالفة.. ومقتضاها كذلك ألا تقضى المحكمة بعدم دستورية نص تشريعي إذا إلا جرى التيقن من هذه المخالفة، فلا تكفي “شبهة” المخالفة للقضاء بعدم دستورية التشريع. وربما ساعد على انتشار هذا التصور غير الدقيق لمهمة المحكمة الدستورية العليا ما اشترطه قانونها في المادة 30 منه من ضرورة أن يحدد الطاعن في صحيفة طعنه النصوص التشريعية المطعون بعدم دستوريتها وأوجه تلك المخالفة والنصوص الدستورية التي يدعى مخالفة التشريع لها وأوجه تلك المخالفة.

ومع ذلك فقد استوقفنا كثيرا ما ورد في تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب عند مناقشتها مشروع القانون رقم 48 لسنة 1979 الخاص بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا، جوابا عن الاعتراض على نظام الرقابة القضائية اللاحقة لدستورية القوانين بأن الهيئة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين قد تعتدى على المشرع وتتدخل في أعماله على خلاف ما يقضى به مبدأ الفصل بين السلطات، جوابا عن هذا الاعتراض يقول التقرير: “إن الرقابة على دستورية القوانين وما قد تصل إليه الهيئة المنوط بها الرقابة من إلغاء التشريعات غير الدستورية يمكن اعتباره نوعا من التوزيع الدستوري للوظيفة التشريعية بين البرلمان والهيئة المنوط بها الفصل في دستورية القوانين”.

وهذا القول يتجاوز كل ما قاله المنادون بتوسيع نطاق الرقابة القضائية على القوانين، داخل المحكمة الدستورية العليا في مصر، وخارجها، وهو –في تقديرنا- قائم على تفسير للوظيفة التشريعية، لا نوافق عليه، ذلك أن مجرد القضاء بعدم دستورية نص تشريعي لا ينطوي –بذاته- على اشتراك في الوظيفة التشريعية مع المجلس التشريعي الذي أناط به الدستور وظيفة التشريع، فالمحكمة حين تقضى بعدم دستورية نص تشريعي، فهي –في الحقيقة– تحدد للمجلس التشريعي ما لا يملكه وهو يمارس وظيفته، ولكنها تتوقف -بعد ذلك– عن تحديد كيفية ممارسة ذلك المجلس التشريعي لما يملكه من أمر التشريع. ودورها في ذلك لا يعدو أن يكون إعمالًا صحيحًا لمبدأ الفصل بين السلطات وما يتممه من مبدأ التوازن وتبادل المراقبة Checks and Balances بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. وحين يستقيم فهم وظيفة المحكمة الدستورية على هذا النحو فإن كثيرًا من النقد الذي يوجه إليها وإلى بعض أحكامها يغدو نابعًا من فهم غير صحيح لوظيفتها، وفهم آخر غير صحيح لمبدأ الفصل بين السلطات.

طبيعة القضاء الدستوري وحدود سلطة المحكمة:

في السابقة المشهورة التي قررت المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية فيها أن تتصدى للرقابة على دستورية القوانين في غيبة نص دستوري يمنحها هذا الاختصاص، صورت المحكمة دور القضاء في الرقابة تصويرًا شديد التبسيط، وإن بدا مقنعًا ومنطقيًا، فقررت على لسان رئيسها مارشال الذي ارتبط اسمه باسم الرقابة على دستورية القوانين “إن القضاء حتى يفصل في خصومة موضوعية قائمة أمامه لابد أولًا أن يحدد القانون الذي يطبق عليها. فإن حدث وتناول المشكلة القانونية المعروضة نصان متعارضان أحدهما دستوري والآخر عادى فإن على القضاء أن يختار بينهما، ولما كان الدستور هو القانون الأساسي الذي يشغل الدرجة العليا من البناء القانوني فلا شك أن على القضاء أن يطبقه في الخصومة ضاربًا صفحًا عن كل نص تشريعي مخالف..”.

 وهذا الذي يقوله مارشال، والذي ذهب إلى مثله، أقرب إلى الواقع وأكثر اتفاقًا من المنطق القانوني من القول بأن المشرع الدستوري قد اتجه إلى توزيع الوظيفة التشريعية بين المجلس النيابي والقضاء الدستوري، وهو التفسير الذي أورده تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب وبغض النظر عن أن المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية كانت بصدد تقرير حقها في الرقابة على دستورية القوانين عن طرق الامتناع عن تطبيق النص التشريعي المخالف للقانون.. فإن جوهر ما نهدف إليه من الإشارة إلى تلك السابقة القضائية هو عرضه هذا التصوير “الشكلي” لمهمة القضاء، وهو يراقب دستورية النص التشريعي. ولما كان من المقرر في الفقه، وفى ضوء الدراسة المستفيضة للعمل القضائي، أن “العبرة في الحكم على مسلك المحكمة، أي محكمة، إنما هي بما يفعله القاضي فعلًا. وليس بما يقول إنه يفعله”..

ويدل استقراء مئات الأحكام القضائية المتصلة بدستورية القوانين، في مصر، وفى فرنسا وفى الولايات المتحدة.. دلالة واضحة على أن القاضي يمارس سلطة تقديرية واسعة حين يستخدم حقه المقرر في الرقابة على دستورية القوانين، ويرجع اتساع هذه السلطة التقديرية إلى أن نصوص الدساتير نصوص لها طبيعة خاصة تميزها عن سائر النصوص القانونية، إذ يقع بعضها على الحدود الفاصلة بين عالم السياسة وعالم القانون.. فالنصوص الدستورية التي تعالج أمر سلطات الحكم ورسم الحدود الفاصلة بينها تحمل بسبب عمومها تفسيرات متعددة، ومثلها في ذلك النصوص التي ترسم الحدود بين سلطات الدولة المختلفة وحقوق الأفراد والجماعات. فإذا أضفنا إلى ذلك أن النصوص الدستورية العديدة التي تحدد للمشرع ولسائر سلطات الحكم في الدولة، تشتمل على توجهات موضوعية عامة في العديد من الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن ذلك التحديد يتم عادة من خلال نصوص عامة… ينفتح معها الباب لدور إنشائي وإبداعي كبير في تفسيرها وإنزال حكمها الملزم لسلطة التشريع.

إذا ذكرنا هذا كله لاتضح لنا على الفور ما تؤدى إليه هذه الطبيعة الخاصة للنصوص الدستورية من منح القاضي الذي يحاكم النصوص التشريعية إلى نصوص الدستور سلطة تقديرية واسعة يكون له في ظلها تأثير على السياسات العامة للمجتمع في الميادين الاجتماعية والسياسية. وهو التأثير الذي أشار إليه تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب عند مناقشة مشروع قانون إنشاء المحكمة الدستورية، والذي تحفظنا عليه في مطلع هذا البحث، انتباها إلى أن مشاركة القضاء تظل مشاركة سلبية، تتمثل في تحديد ما لا يملكه المشرع وفقًا لتفسير المحكمة الدستورية لنصوص الدستور.

خلاصة القول أنه قد صار معلومًا لكل مشتغل بالقضاء، ممارسة أو دراسة وتحليلًا.. أن المحكمة الدستورية تمارس دورًا إنشائيًا يتجاوز حدود التطبيق الحرفي لنصوص الدستور، ليصل إلى التأثير العملي على كثير من أمور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع.. وأن هذا الدور الإنشائي يتحقق عن طريق قيام المحكمة بتفسير نصوص الدستور ونصوص القوانين واللوائح التي يطرح عليها أمر دستوريتها.. وأن هذا التفسير لا يمكن أن ينفصل تمامًا عن الرؤية الخاصة للمحكمة في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية التي تتناولها في أحكامها.. وقديمًا عبر عن هذه المشاركة أحد رؤساء المحكمة العليا الأمريكية قائلًا: “نعم.. نحن –أي المحكمة– نعمل في إطار الدستور، ولكن الدستور هو ما نقرر نحن أنه الدستور”.

ولذلك قلنا في مناسبة سابقة: “إن العدالة الدستورية ليست أبدًا عدالة معصوبة العينين. والرقابة على دستورية القوانين ليست عملية حسابية أو آلية توضع بها نص القانون في مواجهة نص الدستور فيظهر على الفور مدى التطابق بينهما، أو مدى مخالفة القانون لنصوص الدستور، إن النصوص الدستورية –على ما ذكرنا– تعالج أمورًا بالغة التعقيد تتصل بمبادئ سياسية واجتماعية يتفاوت النظر في تحديد مدلولها وتحديد نطاقها. والقضاة –في نهاية الأمر– مواطنون مشاركون في حياة مجتمعهم، ولكل منهم –وهم بشر- رأيه الخاص وتوجهاته الخاصة ومنطلقاته الفكرية تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، ومن شأن هذه الآراء والتوجهات أن تجد سبيلها إلى الأحكام القضائية التي يصدرها أولئك القضاة، وهم يفصلون في أمر دستورية نص تشريعي يعالج الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. ولهذا وجدنا الفقه الدستوري في بلد كالولايات المتحدة يعنى عناية خاصة بفهم الرؤى السياسية والقانونية لأعضاء المحكمة الاتحادية العليا، ووجدناهم يؤلفون الكتب وينشرون عشرات المقالات في تحليل تلك الرؤى ورصد انعكاساتها على ما أصدره وما يتوقع أن يصدره أولئك القضاة من أحكام تتعلق بدستورية القوانين”.

منهجان مختلفان في ممارسة الاختصاص بالرقابة على دستورية القوانين:

تعرضت المحاكم التي تمارس الرقابة على دستورية القوانين لحملات تعترض على بعض أحكامها، وترى فيها اقتحامًا -لا يجوز– لسلطة التشريع التي اختص بها الدستور والمجالس النيابية المختلفة.. وقع ذلك الاعتراض في الولايات المتحدة منذ أوائل القرن الماضي، ووقع مثله في مصر حين توالت خلال العشرين سنة الأخيرة أحكام قضت فيها المحكمة الدستورية بعدم دستورية عديد من التشريعات يتصل بعضها بالحقوق والحريات، ويتصل بعضها الآخر بنصوص تشريعية تعالج جوانب مختلفة من حياتنا السياسية والاجتماعية وكان جواب المحاكم الأمريكية ومعها جانب من الفقه.. هو عين جواب المحكمة الدستورية في مصر، ومعهما كذلك جانب كبير من فقهاء القانون الدستوري، ومضمون هذا الجواب أن المحكمة إنما تمارس اختصاصها بالرقابة وفق منهج صارم يتوسط به بين التفريط الذي يؤدى إلى استمرار العمل بنصوص تشريعية مخالفة للدستور.. والإفراط الذي تقتحم به المحكمة مجال التشريع، متجاوزة القاعدة المقررة من أن المحكمة الدستورية تقضى ولا تشرع تمامًا، كما أن القاضي الإداري يقضى ولا يدير… أي أن المحكمة في الحالين لا تتجاوز حدود العمل القاضي ولا تقتحم على أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية مجال اختصاصها الذي حجزه لها الدستور.

ويتمثل هذا المنهج “الوسط” في التزام المحكمة عددًا من الضوابط التي يسميها الفقه، كما سمتها المحكمة الدستورية العليا في مصر “ضوابط التقيد الذاتى” Judicial self restraint. في مقدمة هذه الضوابط ما استقر عليه الفقه والقضاء من احترام قرينة “الدستورية” أي قرينة احترام النصوص الدستورية فيما تصدره سلطة التشريع من قوانين وقرارات، ومنها أن المحكمة في ممارستها للرقابة لا تتدخل في البواعث التي دفعت المشرع إلى إصدار التشريع محل الطعن.. كما لا تتداخل في أمر “ضرورته” وتقدير الحاجة إلى إصداره.

ويعرف أهل الاختصاص بالقانون الدستوري، أن اختيار المحاكم الدستورية “للسياسة القضائية” التي ترسم بها لنفسها حدود تدخلها في العمل التشريعي هي أكثر أجزاء عمل المحكمة الدستورية دقة وصعوبة، ولن يدرك عامة المتقاضين ثقل المحكمة [المهمة] الملقاة على المحكمة الدستورية، وهي تتلمس لنفسها –في قضائها- سبيلًا قوامًا بين الإسراف في الحذر والإفراط في الإقدام.

ولقد تعرضت محكمتنا الدستورية العليا لسهام نقد زاد عددها مع زيادة عدد الأحكام التي قضت فيها المحكمة بعدم دستورية عدد كبير من التشريعات، وتساءل كثيرون، من رجال القانون، ومن عامة المثقفين والمهتمين بالشأن العام عن دلالة كثرة الأحكام الصادرة بعدم دستورية العديد من نصوص القوانين.

ومن الضروري أن يلاحظ الجميع أن كثرة هذه الأحكام لا تعبر –بالضرورة- عن إسراف مذموم في تقدير عدم دستورية تلك القوانين بقدر ما تعبر عن ترخص المشرع في بعض ما يصدره من تشريعات، وتساهله في التثبت من التزام تلك التشريعات لحدود الدستور، وهو ترخص لا يكشف بالضرورة –كما يتوهم البعض- عن الاستخفاف بنصوص الدستور أو توهم أن المجلس التشريعي “سيد” فوق القانون وفق الدستور، وإنما قد يرجع ذلك –في بعض حالاته على الأقل– إلى تنوع المجالات التي يتناولها بالتنظيم التشريع الحديث وتعقيد بعضها… وأن انشغال المجلس التشريعي بمواجهة الحاجات الاجتماعية والسياسية بما يناسبها من تنظيمات تحقق الأهداف الكبرى للمجتمع، هذا الانشغال قد يصرف تلك المجالس عن توجيه العناية الكافية إلى بحث مدى اتفاق تلك التشريعات مع نصوص الدستور، ويظهر ذلك بصفة خاصة حين يكون المجال الذي ينظمه التشريع مجالًا مستحدثًا، لا سوابق له يقاس عليها، ولا أحكام قضائية في شأنه تكشف للمشرع –مقدمًا– عن مدى دستوريته.

وهذا الالتفات النسبي عن “المسألة الدستورية” لا ينبغي أن يقلق الرأي العام كثيرًا، مادام النظام الدستوري والقانوني قد تكفل، في مجموعه، بتدارك الأمر، ووكل هذا التدارك إلى صاحب الاختصاص فيه، وهو “المحكمة الدستورية” وذلك حين منحها، وحدها دون غيرها، مهمة الرقابة على دستورية القوانين.

إن التقدم الحقيقي لأي نظام دستوري، أو سياسي، إنما يقاس بمدى قدرة هذا النظام على إصلاح أخطائه وتدارك عثراته من خلال آليات وتركيبات تنظيمية “مؤسسية” تتولى، من داخله إصلاح تلك الأخطاء.. وليس من شك في أن وجود المحكمة الدستورية العليا عندنا يمثل حجر الزاوية، والضمان الأكبر لالتزام المشرع حدود الدستورية، ولتوفير أكثر الضمانات فاعلية في حماية الحقوق والحريات وتأمين العدل وسيادة القانون بأوسع معانيها وأكثرها شمولًا. لهذا نقرر –في غير تردد– أنه لا ينبغي لأحد –حاكمًا كان أو محكومًا- أن يضيق بأحكام المحكمة أو أن يذهل عن دورها الكبير في نظامنا الدستوري، وفى توفير الأمن القانوني للمجتمع كله.. إن هذا الأمن القانوني هو السبيل الوحيد لتوفير الأمن السياسي وحراسة السلام الاجتماعي.. كما لا يجوز –كذلك- لأحد أن يتصور –وهما وخطأ- أن كثرة الأحكام التي تقرر فيها المحكمة الدستورية عدم دستورية بعض النصوص التشريعية دليل على تجاوز المحكمة الدستورية أو اقتحامها مجال التقدير الذي تركه الدستور وعهد به إلى المجالس التشريعية.

ولا يعنى هذا بطبيعة الحال أنه لا رأي لنا -تحفظًا واستدراكًا- على بعض ما انتهت إليه المحكمة في أحكامها التي تمس أمورًا اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية تختلف في شأنها الآراء باختلاف الرؤى السياسية والاجتماعية وما تنطوي عليه تلك الرؤى من ترجيح بين المصالح المتعارضة وتحديد لأولويات المبادئ الحاكمة؛ إذ إن هذا التحفظ، وذلك الاستدراك، ملازمان لدور الفقه في مناقشة أحكام القضاء مناقشة شرطها ألا تكون قائمة على مجرد المفاضلة والاستحسان وإنما تقوم على منهج علمي موضوعي صارم في موضوعيته صرامة التزام الأحكام القضائية بأصول العمل القضائي في إجراءاته ومبادئه التي تكفل له أعلى درجات التجرد عن الهوى والتزام بالحياد واتباع أصول الصناعة القضائية التي كان بها دور المحاكم في إقامة العدل “فريضة محكمة وسنة متبعة”.

وليت غير المتخصصين من كتابنا ومثقفينا وشبابنا يقلبون بعض صفحات الأحكام التي أصدرتها محكمتنا الدستورية خلال ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا، هي أعوام حياتها بيننا، ولو فعلوا لرأوا رأى العين كيف تعلن هذه المحكمة باسمهم في كل مرة أن هامة الدستور الذي ارتضوه لمجتمعهم أعلى من كل هامة، وأن حرياتهم التي تحرسها المحكمة حرم آمن لا يجوز لسلطة مهما علت مكانتها أن تلتف حوله أو تجور عليه، وإن بين يدى وأنا أكتب هذه السطور المجلدات التسعة التي تضم ما أصدرته المحكمة الدستورية من أحكام منذ إنشائها عام 1979 وحتى شهر يونيه سنة 2001، وبين يدى كذلك مجلدات تضم أهم الأحكام التي أصدرتها المحكمة العليا الأمريكية في الشئون الدستورية، وأشهد –بغير مبالغة يميلها الانحياز أو يدفع إليها الشعور بالاعتزاز- أن محكمتنا الدستورية قد بلغت في بعض أحكامها، ولا أقول فيها جميعًا، مبلغًا من الحرص على سيادة الدستور، ومن التحليل القانوني الدقيق، ومن الصناعة الفقهية والقضائية المتمكنة ما لا يقل بحال عما بلغته المحكمة العليا الأمريكية التي بدأت مسيرتها قبل محكمتنا بنحو قرنين من الزمان. ولا يتسع المقام لتقديم تقييم علمي شامل لمجمل المبادئ التي أرستها محكمتنا الدستورية في المجالين السياسي والاجتماعي للحياة في مصر وإنما سأجتزئ بالإشارة إلى عدد قليل من هذه الأحكام قبل مناقشة أمرين يهمان كل مشتغل بالقانون.

أولهما: مناقشة اقتراح أوشك البعض أن يستحسنه ويميل إليه، تقيدًا لسلطة المحكمة في ممارسة الرقابة على القوانين، ووجدنا من الواجب أن نناقشه في هدوء وأن نكشف عن ضرره الكبير حتى لا تحدث أحدًا نفسه بالعودة إليه أو ما يشابهه.

والآخر: إلقاء نظرة على مستقبل القضاء الدستوري في مصر.. وما قد تقتضيه مراعاة “اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال” كما كان يقول فقهاؤنا الأولون، من إعادة النظر في بعض ما قررته أحكام قديمة للمحكمة، وقعت بعدها تغيرات في بنية المجتمع وأوضاعه على نحو يستوجب العدول عن بعض ما انتهت إليه تلك الأحكام القديمة.

وقبل أن ننتقل إلى مناقشة هذين الأمرين، وهما داخلان كلاهما في نطاق البحث الفني الذي يخاطب المثقفين في النطاق الدستوري والقانوني.. فلا بد أن نشير إلى “بؤرة” اهتمامنا في مناقشتنا لبعض الأحكام التي أصدرتها المحكمة، هي مناقشة ما يمكن أن نسميه “السياسة القضائية” للمحكمة، من حيث اختيارها لموقف الالتزام الصارم بضوابط “التقييد الذاتى”.. الذي تتناءى معه عن الدخول في تقدير ملاءمة التشريع.. أو موقف الإقدام والإيجابية activism الذي تتوسع به المحكمة في بسط رقابتها على القوانين، بحيث تقترب في بعض أحكامها من التخوم الفاصلة بين الشرعية والملاءمة، وهما مدرستان كان لهما ولا يزال أتباعهما بين قضاة المحاكم الدستورية في مصر وفى غيرها.

وقد ظهرت إلى جوارهما مدرسة ثالثة تتبنى سياستين قضائيتين مختلفتين باختلاف ميدان الرقابة، فهي تتبع الساسة الإيجابية النشطة activism في المجال السياسي وما يتصل به من حقوق وحريات شخصية وسياسية… وفى مجال حرية التعبير التي هي –في نهاية المطاف– أقوى الضمانات لقيام ديمقراطية حقيقية مبناها المشاركة الحقيقية الفعالة والاختيار الحر الطليق، بينما تتبع سياسة التقييد الذاتي في المجالين الاجتماعي والاقتصادي إيمانًا بأن الاختيار بين البدائل المتاحة في هذا الميدان هو أخص خصائص الوظيفة التشريعية التي احتجزها الدستور للمجالس التشريعية المنتخبة.

ولعل أكثر الاحكام التي أثارت جدلًا وخلافًا في الرأي العام وبين رجال القانون أنفسهم هي تلك التي تتصل بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، كالأحكام الصادرة في شأن التزام الزوج المطلق بتوفير مسكن للمطلقة الحاضنة.. وتلك الصادرة في ميدان العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين.. وكلها ميادين بالغة الدقة شديدة التعقيد، لا يزال المشرع عاجزًا –إلى يومنا هذا– عن قطع الأمر فيها بكلمة سواء.. وهو ما يفسر التأخر الطويل في إصدار القوانين المنظمة لتلك العلاقات.

وإذا كنا من جانبنا نؤيد –في حماس موضوعي تبرره وتشهد له تجارب عشرات السنين– السياسة القضائية الإيجابية في ميادين الحقوق الشخصية والحريات المدنية والسياسية.. فإننا نفضل -في حماس موضوعي كذلك- أن تتجه المحكمة إلى مزيد من التقييد الذاتي، وإلى إعمال الضوابط التي قررتها هي في العديد من أحكامها لسلطتها في الرقابة على التشريع، وذلك حين يتصل الأمر بترتيب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية… حتى تظل تبعة التوفيق بين المصالح المتعارضة في تلك الميادين واقعة على عاتق الهيئة المسئولة دستوريًا عن تحقيق ذلك التوفيق وهي الهيئة التشريعية المنتخبة الممثلة لاتجاهات الجماهير.

وفى تقديرنا أن زهد المحكمة الدستورية في اقتحام هذا المجال على صاحب الاختصاص الأصيل فيه، من شأنه أن يقوى ساعدها ويثبت مكانتها حين تمارس الإيجابية والإقدام في الميدان الذي لا يقوم غيرها مقامها فيه، وهو ميدان حماية حرية الاعتقاد والتعبير وممارسة الإبداع، وحماية الحقوق الشخصية والمدنية للأفراد والأقليات، وحماية ضمانات المتهمين في التحقيق والمحاكمات.

خاتمة:

وفى الجزء الثانى من هذا البحث سوف نتعرض لمناقشة أربعة أحكام، يقع اثنان منها في ميدان الحقوق الشخصية والحريات العامة، ويقع الاثنان الباقيان في ميدان العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، لنتبين من خلال هذه المناقشة حقيقة الدور الذي تؤديه المحكمة الدستورية العليا في نظامنا السياسي ونظامنا الاجتماعي، ولنتعرف من خلال هذه المناقشة كذلك على المعايير القانونية التي تطبقها المحكمة وهي تمارس رقابتها على التشريع في هذين المجالين. وبعد ذلك ننتقل إلى مناقشة أمرين آخرين يتعلقان بالجانب الفني في ممارسة المحكمة لاختصاصها وبحدود هذا الاختصاص.

 أولهما: مناقشة الأفكار والاقتراحات التي طرحها البعض بقصد تقييد سلطة المحكمة، والانتقاص من قيمة ما تصدره من أحكام.

والآخر: الوسائل الفنية التي تتمكن المحكمة عن طريقها من مراجعة بعض ما انتهت إليه في عدد من أحكامها السابقة.


* نُشر هذا المقال في العدد الأول من مجلة “الدستورية” ، التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا في مصر، والذي صدر في شهر يناير- 2003م.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم الشعب

مجلس الدولة

المحكمة الإدارية العليا

الدائرة الأولى – موضوع

**********

بالجلسة المنعقدة علنًا بمبنى مجلس الدولة في يوم السبت الموافق 26/4/2014

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فريد نزيه حكيم تناغو

رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين / د. عبد الفتاح صبري أبو الليل وأحمد وجدى عبد الفتاح وفوزي عبد الراضي سليمان أحمد ومحمد ياسين لطيف شاهين.

نواب رئيس مجلس الدولة

وحضور السيد الأستاذ المستشار / أحمد أمين المهدى

نائب رئيس مجلس الدولة ومفوض الدولة

وحضور السيد / كمال نجيب مرسيس              سكرتير المحكمة

*********

أصدرت الحكم الآتي

في الطعن رقم ٣٦۸۲۱ لسنة ٥٦ القضائية عليا

المقام من

رئيس هيئة مفوضي الدولة

طعنًا في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية (الدائرة الثانية – بحيرة) بجلسة 26/5/2010 في الطعن رقم ١٩٠٩ لسنة ٣٨ ق . س

المقام من

  1. وزير العدل.
  2. مساعد وزير العدل لشئون المحاكم والمأذونين والموثقين.
  3. كاتب أول محكمة دمنهور الابتدائية للأحوال الشخصية.

ضد

السعيد صبحي السعيد عطية قمح

والمتدخل فيه إنضماميًا إلى جانب الجهة الإدارية/ سمير عبد المجيد عبد الحميد عبيد

“الإجراءات”

****

بتاريخ 24/7/2010 أودع رئيس هيئة مفوضي الدولة -بصفته- قلم كتاب هذه المحكمة تقريرًا بالطعن قيد بجدولها بالرقم المبين بعالية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية “الدائرة الثانية – بحيرة” في الطعن رقم ۱۹۰۹ لسنة ٣٨ ق. س بجلسة ٢٦/5/2010 والقاضي بقبول الطعن شكلًا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا برفض الدعوى وإلزام المطعون ضده المصروفات.

وطلب الطاعن -للأسباب الواردة في تقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا بقبول الدعوى شكلا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من عدم التصديق على قرار دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة دمنهور الابتدائية بجلسة 27/5/٢٠٠٢ بتعيين المطعون ضده مأذونًا لناحية معنيا بمركز إيتاي البارود وما يترتب على ذلك من آثار.

وجرى إعلان الطعن على النحو المبين بالأوراق.

وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلًا ورفضه موضوعًا مع إلزام المطعون ضده المصروفات.

وتحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 18/3/۲۰۱۳ على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 17/6/۲۰۱۳ قدم المطعون ضده مذكرة دفاع وحافظة مستندات، وبجلسة 17/6/٢٠١٣ قررت المحكمة إحالة الطعن إلى دائرة الموضوع وحددت لنظره جلسة 1/8/۲۰۱۳، وقد نظرته المحكمة بتلك الجلسة وما تلاها من جلسات على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وبجلسة 18/1/۲۰۱٤ طلب السيد/ سمير عبد المجيد عبد الحميد عبيد عن طريق وكيله التدخل انضماميًا إلى جانب الجهة الإدارية، وبجلسة 22/2/٢٠١٤ قدم طالب التدخل صحيفة معلنة بهيئة قضايا الدولة بتدخله في الطعن ومذكرة دفاع طلب فيها الحكم أصليًا: بعدم قبول الطعن، واحتياطيًا: برفضه وتأييد الحكم المطعون فيه، وبذات الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

***

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.

وحيث إن الطعن أقيم خلال الميعاد المقرر قانونًا، واستوفى سائر أوضاعه الشكلية الأخرى، فمن تم يكون مقبول شكلًا.

وحيث إن وقائع النزاع تخلص – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 21/10/۲۰۰۳ أقام السيد/ السعيد صبحى السعيد عطية قمح الدعوى رقم ٤٤٧ لسنة ٥١ ق أمام المحكمة الإدارية بالإسكندرية بطلب الحكم بوقف تنفيذ ثم إلغاء قرار مساعد وزير العدل لشئون المحاكم فيما تضمنه من عدم التصديق على قرار دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة دمنهور الابتدائية الصادر بجلسة 27/5/٢٠٠٢ بتعيينه مأذونًا لناحية معنيا مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة وبإعادة إجراء القرعة بين المرشحين لشغل المأذونية المذكورة، وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.

وقال المدعى شرحًا لدعواه أنه تقدم ومعه ستة آخرين لشغل مأذونية قرية معنيا مرکز إيتاي البارود – بحيرة – وقد استبعدت دائرة الأحوال الشخصية اثنين منهم لحصول أحدهما على مؤهل متوسط وعدم حصول الثاني على أي مؤهل، وبتاريخ 27/5/٢٠٠٢ تم إجراء القرعة بين باقي المرشحين الحاصلين على مؤهل عال وتم فوزه بها، ومن ثم قررت محكمة دمنهور الابتدائية للأحوال الشخصية تعيينه مأذونًا لناحية معنيا وأرسلت الأوراق إلى إدارة المحاكم بوزارة العدل للتصديق على قرار تعيينه، إلا أن الأخيرة رفضت وقررت استبعاد أحد المرشحين لكونه شافعي المذهب وأن اشتراكه في القرعة يبطلها وانتهت إلى إعادة إجراء القرعة بعد استبعاد المرشح المذكور، ونعى المدعى على هذا القرار مخالفته للقانون لأن اشتراك صاحب المذهب الشافعي في القرعة لم يكن له تأثير لعدم فوزه بها، الأمر الذي حدا به إلى إقامة دعواه.

وبجلسة 26/4/۲۰۰٦ أصدرت المحكمة الإدارية بالإسكندرية حكمها بقبول الدعوى شكلًا وبإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الإدارة المصروفات، وشيدت المحكمة قضاءها على أسباب حاصلها أن لائحة المأذونين نصت على تفضيل المرشح صاحب المذهب الحنفي على المرشح صاحب أي مذهب آخر – ومنها المذهب الشافعي – ولم تنص اللائحة على استبعاد هذا الأخير، ومن ناحية أخرى فإن الثابت من الأوراق أنه على الرغم من مشاركة المرشح صاحب المذهب الشافعي بالقرعة المشار إليها فإن الفائز بها حنفي المذهب، ولم يكن لاشتراك المرشح صاحب المذهب الشافعي ثمة تأثير على هذه القرعة، ومن ثم يكون السبب الذى قام عليه القرار المطعون فيه مخالفًا للقانون، مما يتعين معه القضاء بإلغاء هذا القرار مع ما يترتب على ذلك من آثار.

وإذ لم ترتض الجهة الإدارية هذا الحكم فقد طعنت عليه أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بالطعن الاستئنافي رقم ۱۹۰۹ لسنة ۳۸ ق. س بتاريخ 19/6/٢٠٠٦ طالبة الحكم بقبول الطعن شكلًا، وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا برفض الدعوى وإلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتي التقاضي، وذلك على سند من مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله لأن القرار المطعون فيه صدر سليمًا باعتبار أن القرعة التي أجريت وترتب عليها فوز المطعون ضده تمت بالمخالفة لأحكام القانون لاشتراك صاحب المذهب الشافعي مما يستوجب إعادة القرعة من جديد.

وتداول نظر الطعن أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وخلالها قدمت صحيفة معلنة بتدخل السيد/ سمير عبد المجيد عبد الحميد عبيد – أحد المرشحين لشغل الوظيفة والفائز بالقرعة بعد إعادتها – منضمًا إلى جانب الجهة الإدارية الطاعنة، وبجلسة 26/5/٢٠١٠ قضت المحكمة بقبول الطعن شكلًا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وإلزام المطعون ضده المصروفات.

وأقامت المحكمة حكمها على أساس أن القرار المطعون فيه الصادر برفض اعتماد نتيجة القرعة وإعادتها بعد استبعاد أحد المشتركين لكونه شافعي المذهب صدر موافقًا لصحيح حكم القانون، فاشتراك المرشح شافعي المذهب في القرعة حال عدم أحقيته في ذلك يشوب الإجراءات بعدم الصحة التي تطول نتيجة القرعة وتصمها بالبطلان، إذ إن اشتراكه يؤثر بلا ريب على فرص كل مرشح بالفوز وبالتالي على مبدأ تكافؤ الفرص، وأنه ليس صحيحًا ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أنه لا يوجد نص يقضى باستبعاده فهو قول يهدر المادة (۱۲) من لائحة المأذونين، فخروج المرشح الشافعي المذهب من الأفضلية بين المرشحين وقصرها على أصحاب المذهب الحنفي يقتضي بالضرورة استبعاده من الاشتراك في القرعة إذ ينتفى أي مبرر لاشتراكه، ومن ثم فإن اشتراك المرشح شعبان حسن قمح حال كونه شافعي المذهب يبطل القرعة المشار إليها، وإذ صدر القرار المطعون فيه برفض التصديق عليها واعتماد نتيجتها وإعادتها بعد استبعاد أحد المشتركين لكونه شافعي المذهب، فإنه يكون موافقًا لأحكام القانون بمنأى عن الإلغاء.

ومن حيث إن مبنى الطعن الماثل أن الحكم المطعون فيه خالف معيار الأفضلية المنصوص عليه في المادة (۱۲) من لائحة المأذونين وما استقر عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا، لأن مشاركة صاحب المذهب الشافعي بالقرعة لا يبطلها لأن الفائز بالقرعة (المطعون ضده) حنفي المذهب، ولم يكن لاشتراك المرشح صاحب المذهب الشافعي ثمة تأثير على القرعة.

وحيث إنه عن طلب تدخل السيد/ سمير عبد المجيد عبد الحميد خصمًا منضمًا إلى جانب الجهة الإدارية، فالثابت أن المتدخل أحد المرشحين لشغل وظيفة مأذون محل النزاع الماثل، ولم تتضمن صحيفة تدخله على طلب الحكم لنفسه بشيء، وقد تم التدخل وفقًا للإجراءات المقررة قانونًا، ومن ثم تقضى المحكمة بقبول تدخله سيما وأنه سبق أن تدخل أمام المحكمة المطعون على الحكم الصادر منها، وقبلت تلك المحكمة تدخله.

وحيث إن مقطع النزاع في الطعن الماثل يتمثل فيما إذا كان اشتراك صاحب المذهب غير الحنفي خريج إحدى كليات جامعة الأزهر مع غيره من خريجي كليات الحقوق في إجراء القرعة اللازمة للتعيين في وظيفة مأذون – يبطل هذه القرعة من عدمه.

ومن حيث إن المادة (۳) من لائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل في 10/1/١٩٥٥ والمعدلة بالقرار رقم ٦٣٥ لسنة ۱۹۷۲ تنص على أنه “يشترط فيمن يعين في وظيفة المأذون: أ- …….. ب- ……. ج- أن يكون حائزًا لشهادة التخصص أو شهادة العالمية أو شهادة الدراسة العالية من إحدى كليات الجامع الأزهر أو أي شهادة من كلية جامعية أخرى تدرس فيها الشريعة الإسلامية كمادة أساسية. د- …… ه – ………”.

وتنص المادة (۱2) من ذات اللائحة على إنه “بعد استيفاء جميع الإجراءات تصدر الدائرة قرارًا بتعيين من تتوافر فيه الشروط من المرشحين ولا يكون قرارها نافذًا إلا بعد تصديق الوزير عليه. وفي حالة تعدد من تتوافر فيهم شروط التعيين يفضل من يحمل مؤهلًا أعلى ثم الحائز لدرجات أكثر في الامتحان المنصوص عليه في المادة التاسعة ثم الحائز لدرجات أكثر في أحكام الزواج والطلاق وعند التساوي يقدم حنفي المذهب ثم يكون التفضيل بطريق القرعة”.

وحيث إن مؤدى هذين النصين، وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة في الطعن رقم ١٥٥٠٦ لسنة ٥٦ ق. عليا بجلسة 26/3/۲۰۱۱، أن المشرع فيما يتعلق بالشهادات الواجب توافر الحصول على إحداها فيمن يعين في وظيفة المأذون قد ساوى بين تلك التي يتم الحصول عليها من إحدى كليات جامعة الأزهر الشريف أو التي يتم الحصول عليها من إحدى الكليات بالجامعات الأخرى التي تدرس فيها الشريعة الإسلامية كمادة أساسية، الأمر الذي يغدو واضحًا منه أن عنصر التساوي فيما بين جميع هذه الشهادات يتمثل في انطواء الدراسة في الكليات التي تمنحها على دراسة الشريعة الإسلامية كمادة أساسية بغض الطرف على قيام دراستها على أساس من المذاهب الفقهية تخصصًا من عدمه، ومن ثم تتساوى الشهادات التي تمنحها إحدى الكليات غير التابعة لجامعة الأزهر مع تلك التي تمنحها إحدى كليات هذه الجامعة متى كانت تقوم بتدريس الشريعة فيها كمادة أساسية، وعلى ذلك إذا توافر للمتقدم للترشيح معيار التفضيل المتمثل في أن يكون حنفي المذهب كان واجبًا تقديمه على غيره، وإذا لم يتوافر في أي من المتقدمين هذا السبب للتفضيل وجب إجراء القرعة فيما بينهم جميعًا بحسبان تساويهم في شرط الحصول على المؤهل الذي سبق منحه ودراسة الشريعة الإسلامية كمادة أساسية، يستوى في ذلك من كان منتميًا لمذهب فقهى غير المذهب الحنفي أو من لم يكن منتميًا إلى أي من المذاهب الفقهية، لاسيما وأن الجميع يتعين عليه تطبيق أحكام قانون الأحوال الشخصية عملًا والذى يتخذ من المذهب الحنفي عمدة لنصوصه ومرجحًا عند الاختلاف في الحكم الراجح في هذا المذهب.

وحيث إنه من المقرر أن خريج كليات الحقوق ليس بالضرورة أن يكون حنفي المذهب لمجرد دراسته لأحكام قوانين الأحوال الشخصية وفقًا لهذا المذهب، لأن دراسة الشريعة الإسلامية في الكليات المشار إليها فضلًا عن أنها تتم دون التقيد بمذهب معين، فإنه حتى مع التسليم بأن قوانين الأحوال الشخصية التي تدرس في هذه الكليات مصدرها الرئيسي أو الذي يرجع إليه لاستجلاء بعض النصوص هو المذهب الحنفي، إلا أنها لا تلزم الدارس بإتباع هذا المذهب دون سواه، كما لا تتضمن الشهادات الدراسية الصادرة عنها أي بيان يتعلق بالمذهب الذى ينتمى إليه الدارس.

“يراجع حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم ١٣١٥٤ لسنة ٤٩ ق. عليا بجلسة 6/5/٢٠٠٦”.

ومن حيث إنه ترتيبًا على ما تقدم ولما كان الثابت من الأوراق أن قرار الجهة الإدارية المطعون عليه قد صدر برفض التصديق على نتيجة القرعة التي أجرتها دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة دمنهور الابتدائية بتاريخ 27/5/٢٠٠٢ بتعيين المرشح/ السعيد صبحى السعيد عطية قمح في وظيفة مأذون لناحية معنيا مركز إيتاي البارود – بحيرة – مع إعادة إجراء القرعة بين أربعة مرشحين من بينهم المذكور بدعوى أنهم حنفي المذهب لحصولهم على ليسانس الحقوق وبعد استبعاد مرشح ثبت أنه شافعي المذهب، وإذ جاءت الأوراق خالية مما يثبت أن أيًا من المرشحين الأربعة المذكورين حنفي المذهب، ولا يجوز اعتبارهم كذلك لمجرد حصولهم على شهادة ليسانس الحقوق حسبما سلف بيانه، ومن ثم فلا يجوز أن يكون لهم ثمة أفضلية على المرشح الذي تقرر استبعاده بالقرار المطعون عليه والحاصل على شهادة من تلك المنصوص عليها في البند (ج) من المادة “3” من لائحة المأذونين من إحدى كليات جامعة الأزهر بسبب ما ثبت من أنه شافعي المذهب، وبالتالي فإن اشتراكه في القرعة يتفق وصحيح حكم القانون، ويضحى القرار المطعون عليه برفض التصديق على نتيجة القرعة في غير محله متعينًا القضاء بإلغائه.

ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى غير هذه النتيجة فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله، وأضحى متعينًا القضاء بإلغائه بتأييد حكم المحكمة الإدارية بالإسكندرية “الدائرة الثانية – بحيرة” فيما انتهى إليه من إلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار.

ومن حيث إن من خسر الطعن يلزم مصروفاته عملًا بحكم المادة (١٨٤) مرافعات.

“فلهذه الأسباب”

حكمت المحكمة بقبول تدخل الخصم المنضم للجهة الإدارية، وبقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبتأييد حكم المحكمة الإدارية بالإسكندرية فيما انتهى إليه من إلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.

سكرتير المحكمة                                                  رئيس المحكمة

يُعد البروفيسور المصري الأمريكي أحمد عاطف (أحد أكبر المتخصصين في الدراسات الإسلامية والقانونية، في الأكاديميا الغربية)، من أهمّ مَنْ درَس فكرة “فتور الشريعة” في العصرِ الحديث، تلك الفكرة التي أفاض فيها إمام الحرمين الجوينيّ (419ه- 478ه) في الغياثي، وألمح إليها مرارًا في البرهان والتلخيص، وغيرهما، وكانت في حاجةٍ ماسّة إلى من يفردها بالتصنيف، تحقيقًا، وتدقيقًا.
مرحلة فتور الشريعة
كَتَبَ عاطف كتابه المهمّ: “فتور الشريعة” وطُبع مترجما في الشبكة العربية، ببيروت سنة 2017م.
وقد أفردَ فيه فصلا بعنوان: “علمٌ مهجورٌ”، تحدث فيه عن نظريّةِ موتِ الشريعة، ويقول إنه كان في بدايات أمره من المؤمنين بالنظريّة: “فتلك الشريعة المدوّنة كانت أجلَّ من أن تُطبَّق على الناس من حولي..، ومن أجل ذلك فقد قررت مستجمعا فتوة شبابي أن الشريعة باتت شبه ميتة، لكونها أجلَّ من أن تطبّق على الناس من حولي، وسلَّمتُ بأنّها قد ماتت، أو بتعبير آخر: اغتيلت على يد من يدّعون الإسلام، وليس على يد جيوش الاستعمار”. لكن عاطف تراجع عن تلك النظرية فيما بعد.
ظهر كتاب “فتور الشريعة” سنة 2012م، وهي نفس السنة تقريبا الذي خرج فيه كتاب الدولة المستحيلة لحلاق، وكلاهما يبحثان عن موقع وموضع الشريعة في عالم الحداثة.


ويقول عاطف في أحد حواراته عن الفارق الجوهريّ بين الكتابين: “قضيّتنا واحدة بلا شك، لكن الفرق بيننا في النتائج. فقبل كتابه هذا، كانت له مقالة قصيرة ومهمة جدًا، على الرغم من اختلافي معها، بعنوان “هل يمكن إحياء الشريعة؟” وفيها يقول أنها ماتت، ويعطي انطباعًا في هذه المقالة وفي “الدولة المستحيلة” بأنه يتحسّر على ذلك. ورأيي ربما مختلف، إذ أقول إن الشريعة لها أن تعيش طالما يقول المسلمون بأنها يجب أن تعيش، ولن يستطيع فرد مهما كان أن يقول بأنها ماتت، وحياتها المستمرة هذه لا تعني عدم حصول تغييرات عليها. ثم إنني أجد حلاق رومانسيًا ونوستالجيًا بعض الشيء، فهو يميل بشكل من الأشكال للشريعة في صورها التاريخية الأولى، فيما أرى أن الحفاظ على الشيء يكون بتغييره، لا بالإبقاء عليه في صوره الأولى. الشريعة عمرها طويل، ولا يمكننا الدفاع عن شيء عاش أكثر من ألف سنة، وفي أراضٍ مترامية من أوزبكستان والهند إلى الشام والمغرب. هناك أشياء هي جزء من تاريخنا وثقافتنا لكنها ليست بالضرورة شريعةً، وفي كل الأحوال لا يمكننا تمجيد شيء قام به البشر”. ((حوار مع العربي الجديد بتاريخ 02 سبتمبر 2017م)).

يلتفت عاطف في كلامه هذا إلى أمرٍ في غايةِ الأهميّة طالما ردده حلاق دون تأنٍ وبصيرة، وهو الفارق بين الشريعة وحمَلة الشريعة، بين الفقه والمتفقهة، بين الدين والقراءة الدينية، وربما كان الفقهاء والفلاسفة الإيرانيون أكثر إبداعا وتنظيرًا في هذه المسألة.

وهذا يحيلنا إلى أُسّ من أسس المسألة لم يلحظها حلاق رغم متانته الأصولية، وهي مسألة التصويب في الأصول والفروع، وبناء على قول الجمهور فيها نعرف أنّ مقولات الفقهاء ليست عين مراد الله في نفس الأمر، بل هي اجتهادات تصيب وتخطئ. أما التعامل معها على أنها مراد الله في نفس الأمر، والتعامل مع سياسات الأمويين والعباسيين على أنها السياسة الشرعية المأمولة كما أرادها الشارعُ في نفس الأمر كما هو مقتضى كلام حلاق، فهو تغافل عن التراث السياسي التاريخي والعمليّ للمسلمين حينئذ، فقد نشبت حروبٌ سياسية وطائفية، وفتن، وثورات بسبب جور الحكّام وظلمهم واستبدادهم، ومن ثمّ فإنّ محاولة تكريس هذا الواقع باعتباره هو الشريعة والشريعة هو، إنما يخدم فكرة الاستبداد والجبر التي تحدث عنها عابد الجابري باستفاضة.

وهي أيضا فكرة وإن زعمت التمسك بمقولات الفقهاء والحنين إليهم في العصور الوسطى، والقرون الأولى فهي في الحقيقة مُهينة للفقهاء، والمتكلمين، لأنها تنصر السياسيّ عليهم/ أي على الديني، فتساند الاستبداد الأموي والعباسي، والمملوكي والعثماني ضد المؤسسة الدينية الأهلية، والفقهاء المستقلين، فهي أقرب للقراءة الرسمية لو رجعنا إلى الماضي، وافترضنا أنها قيلت في تلك الأزمنة، وكأنها الخطاب الرسمي للدولة!.

لكن هنا لمحةٌ مهمة، وهي أنّ مقولة “موت الشريعة” ليست من اختراعات المشتغلين بالإسلامِ المعاصر، ولا حتى من التنظيرات الافتراضية لبعض الأصوليين كالجوينيّ، بل إنني وجدتُ تلك المقولة حتى في عهد الخلفاء الراشدين أنفسهم.

فيتكلّم الإمام عليّ في نهج البلاغة عن غياب الشريعة، فيقول في خطبة له: “أَلاَ وقد قطعتم قَيْد الإسلامِ، وعَطّلتم حدودَه، وأَمتُّمْ أحكامَه..”. وفي رسالة لأحد عمّاله قال له: “فإنّك ممن أستظهرُ به على جهادِ العدوّ، وإقامةِ عمود الدين”.

أيضا نجد مسألة اندثار الشريعةِ عند زيد بن عليّ (ت: 122ه) فهو يدعو في ثورته على الأمويين، عندما بايعه الناس، حسب الطبريّ (ت: 310ه) في تاريخه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين: “إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفاع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين..”.

فنحن أمام نصّ صريح يطالب بالرجوع إلى الكتابِ والسنّة، وهو يُشبه ما جاء عند الذهبيّ في السير أنّ يزيد بن الوليد: “خطب عند قتل الوليد، فقال: إني -والله- ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكن خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى كتاب الله وسنة نبيه حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار المستحل للحرمة، والراكب البدعة..”.

فمعالم الهدى دُرست، وطُفيْ نور أهل التقوى، واستُحلّت الحرمات..!. إذن في كلّ عصر وُجد من يحلم بنموذجٍ مثالي لتطبيق الشريعة، عندما يرى خفوتها في المجتمع، والمفارقة أنّ هؤلاء (كزيد بن عليّ، والنفس الزكية، وجدّهما، وغيرهم) طلبوا إعادة تفعيل وإحياء الشريعة في العصر المبكر للإسلام، في حين إن وائل حلاق يرى ذلك العصر هو العصر المثالي للشريعة على يد الأمويين والعباسيين!.  

مأزق حلاق: المقدمات غير المسلّمة

ينتقد عاطفُ حلاّق نقدا صريحا، ومن أسباب عدم الالتقاء بينهما في نظري أنّ المنطلقات مختلفة، والوعاءات متباينة، فعاطف رجل قانون، مهمومٌ بالقانون وقريب من الممارسة، فهو يشبه طارق البشري في الحالة المصرية، ولذا فإنه لم يكن مثاليًا أو خياليا طوباويًا، ولم ينشد إصلاحا مأمولا بعيدًا عن الواقع، بل يقدم علاجا لواقع مأزوم، يجب أن نتعامل معه شئنا أم أبينا.

في حين إن حلاق يقول (كما في دراسته: هل يمكن إحياء الشريعة؟) إنّ الشريعة ماتت، عندما تبنت الدول الإسلامية الدولةَ القومية الحديثة!.

ثم يضع تصورًا ينبئ عن سبب تلك القراءة التي لا نتفق معها، فيقول: “فبينما كان الحاكمُ التقليدي يرى نفسه خاضعًا للشريعةِ، تاركا السلطة والوظائف القضائية والتشريعية لطائفة العلماء، فإنّ الدولة الحديثة قلبت هذا المبدأ رأسا على عقب، فادّعت لنفسها السلطة المنوط بها تحديد ما يُعدّ قانونًا وما ليس كذلك”.  

وهذا الكلام التعميمي يُردده حلاق في جلّ مصنفاته، وهو بمثابة المقدمات التي يبني عليها نتائج خطيرة، في حين إننا لا نتفق أصلا مع تلك المقدمات التي تحتاج إلى دراسات تاريخية وفقهية كي نقرّ بها.

نرى أنّ حلاق وقع هنا في خطأين منهجيين:

الأول: أنّ الحاكم التقليدي لم يكن أبدًا خاضعًا للشريعة ولا تاركًا الوظائف القضائية للعلماء، فهذه نوادر وشذوذات تاريخية، فالأصل أنه كان يعيّن القضاة (لا المفتين)، ويعزلهم، دون أيّ رقابة على سلطاته التشريعية ومداخله المالية، بل حاول السياسيُّ/ الحاكمُ تدجين العلماء، في كثير من الأوقات، وهذه الاستراتيجية طبيعة السياسيّ في كلّ عصر عندما يتعاطى مع الدينيّ، سيّما إذا كان الدينيّ أداة شرعية سياسية!.

فتغيير الواقع التاريخي، أو قراءته المبتسرة والمنقوصة تؤدي إلى نتائج مثالية أقرب إلى التحليل الرغبوي.

الثاني: نرى أنّ الدولة الحديثة لم تقلب هذا المبدأ بل هناك مؤسسات تشرف على تلك الوظائف وليس الحاكم الفرد، اللهم إلا إذا قصد دول الاستبداد المشرقيّ، وهي دول ليست بقومية وليست بحديثة أصلا.

خاتمة،

نجد أن عاطف أقرب إلى الفيلسوف الذي يشتبك مع قضايا مجتمعه، في حين إنّ حلاق أشبه بفيلسوف يحلق في عالم الفكر، فينتقد ويتمنى ويرغب، دون أيّ احتكاك بالواقع. ولو افترضنا صحة مقولته بأنّ المشكلة كلها تكمن في الدولة الحديثة دون غيرها، فما الحل؟! هل هناك سبيل للرجعة إلى الدولة ما قبل الحديثة للمسلمين؟! أم أن الحل هو ترشيد الموجود بقدر الإمكان، وتهذيبه بما يتوافق مع ضروريات الشريعة. ولذا تعامل عاطف مع الدولة باعتبارها مكونة من أفراد ومؤسسات يمكن تشكيلها وتنميطها حسب إرادة الشعوب، وإرادة النخب والفاعلين ممن يتولون زمامها، في حين تعامل حلاق مع الدولةِ الحديثة، كصنمٍ أو ككتلةٍ واحدة لا يمكن إصلاحها ولا التعديل عليها، فهو يتعاطى بنظرية “الكتلوية” التي انتقدها جورج مقدسي في مواضع متفرقة من كتبه، ذلك التعاطي الذي لا يجدي نفعا مع الظواهر الإنسانية والفلسفية.

وأخيرًا، فإذا كان الجوينيّ تكلم عن موت الشريعة إلا أنه لم ينزع شرعية الدولة عند موتها، بل نصح المسلمين بحفظ الضروريات والمتواترات التي لا يمكن أن تندثر أو تختفي، في حين أن حلاق بعد أكثر من ألف سنة من وفاة الجوينيّ يطرح سؤالات موت الشريعة، ويطلب من المسلمين التوقف: اللاعمل، واللاشيء، أو كما قال رضوان السيد لي في يوم من الأيام، كأنه يقول للمسلمين: “روحوا موتوا”!.


المصدر: موقع الجزيرة. نت، على هذا الرابط: https://l8.nu/si-C.

 

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت ٣ يولية سنة ۱۹۹۹م الموافق ۱۹ ربيع الأول سنة ١٤٢٠هـ.

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدین جلال………………………… رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري، ومحمد على سيف الدين، وعدلي محمود منصور، ومحمد عبد القادر عبد الله، وعلى عوض محمد صالح، وأنور العاصي. وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق……………… رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ حمدي أنور صابر………………………………………… أمين السر

أصدرت الحكم الآتي:

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ١٦٤ لسنة ١٩ قضائية «دستورية».

المقامة من:

  1. السيد/ رئيس الجمهورية.
  2. السيد/ رئيس مجلس الوزراء.
  3. السيد/ رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب.
  4. السيد/ وزير العدل.
  5. السيدة/ فتحية إبراهيم محمد.
  6. السيدة/ ابتسام زكى السيد أحمد.
  7. السيدة/ إيمان زكى السيد أحمد.
  8. السيدة/ هنادي زكى السيد أحمد.
  9. السيد/ بكر حسن أحمد حسانين.

الإجراءات

بتاريخ التاسع عشر من أغسطس سنة ۱۹۹۷، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلبًا للحكم بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والخامسة من المادة (٢٠) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ۱۹۲۹ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم بعدم قبول الطعن بالنسبة إلى الفقرة الأولى من المادة (۲۰) المشار إليها وبرفض الدعوى فيما عدا ذلك.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى عليها الخامسة كانت قد أقامت ضد كل من المدعى والمدعى عليه التاسع الدعوى رقم ١٨٧٤ لسنة ١٩٩٦ أحوال شخصية «نفس» شبرا، ابتغاء القضاء بإلزامهما بتسليمها ابن ابنتها الصغير المشمول بحضانتهما باعتباره ابن أخيهما المتوفى.

وأثناء نظر تلك الدعوى دفع المدعى بعدم دستورية نص المادة (۲۰) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع؛ وأذنت للمدعى بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.

وحيت إن هذه المحكمة سبق أن باشرت رقابتها القضائية على دستورية الفقرة الأولى من المادة (۲۰) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ۱۹۲۹ – المشار إليها – فأصدرت بجلستها المعقودة في الخامس عشر من مايو سنة ۱۹۹۳ حكمها في القضية رقم 7 لسنة ٨ قضائية دستورية برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية هذا النص. وقد نشر ذلك الحكم بالجريدة الرسمية بتاريخ 5/6/1993. إذ كان ذلك، وكانت أحكام المحكمة الدستورية العليا قولا فصلا لا يقبل تأويلا ولا تعقيبا من أي جهة كانت، فإن الخصومة الدستورية بالنسبة لذلك النص – وهى عينية بطبيعتها – تكون قد انحسمت وتغدو الدعوى – في هذا الشق منها – غير مقبولة.

وحيث إن نطاق الدعوى – بهذه المثابة – أصبح منحصرًا في الفقرة الخامسة من المادة (۲۰) التي تنص على أن:

«.. يثبت الحق في الحضانة للأم، ثم للمحارم من النساء؛ مقدمًا فيه من يدلي بالأم على من يدلي بالأب، ومعتبرًا فيه الأقرب من الجهتين على الترتيب التالي:

الأم، فأم الأم وإن علت، فأم الأب وإن علت …. فعمات الأب بالترتيب المذكور».

وحيث إن المدعى ينعى على هذا النص، مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية؛ التي تعتبر الحضانة حقًا للمحضون لا للحاضنة؛ وأنه ينبغى في كل حال الاعتداد بمصلحته دون توقف عند ترتيب مجرد للحاضنات أو الحاضنين: وإنما بمراعاة أمانتهم وكفاءتهم؛ حتى لا تؤول الحضانة إلى مضيعة للصغير.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة، قد اطرد على أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها في ٢٢ مايو سنة ۱۹۸۰ – يقيد السلطة التشريعية اعتبارًا من تاريخ العمل بهذا التعديل؛ وأن مؤداه ألا تناقض تشريعاتها – ومن بينها القانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ – مبادئ الشريعة الإسلامية التي لا يجوز الاجتهاد فيها؛ والتي تمثل ثوابتها – مصدرًا وتأويلًا – إذ هي عصبة على التأويل فلا يجوز تحريفها، بل يتعين رد النصوص القانونية إليها للفصل في تقرير اتفاقها أو مخالفتها للدستور. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها ، أو بهما معًا؛ إذ هي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا؛ ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، ومن ثم تنحصر دائرة الاجتهاد فيها على أن يكون هذا الاجتهاد واقعًا دومًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد الكلية للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن البيِّن من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ المشار إليه أن وجود الولد ذكرًا كان أم أنثى في يد الحاضنة – سواء قبل بلوغهما سن العاشرة أو الثانية عشرة أو بعدها – لا يغل يد والدهما عنهما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما؛ فإن عليه مراعاة أحوالهما، وتدبير أمورهما، وولايته عليهما كاملة؛ وإنما يد الحاضنة للحفظ والتربية ولها القيام بالضروريات التي لا تحتمل التأخير كالعلاج والإلحاق بالمدارس بمراعاة إمكانات الأب. وأن ترتيب الحاضنات والحاضنين من العصبة وذوى الأرحام مأخوذ من فقه المذهب الحنفي، بما مؤداه أن أحكام الأهلية للحضانة – بوجه عام – يرجع في شأنها إلى الأرجح من فقه ذلك المذهب.

وحيث إن الصغير تثبت عليه منذ مولده ثلاث ولايات: أولاها: ولاية التربية؛ ثانيتها: الولاية على النفس؛ وثالثتها: الولاية على ماله. وتثبت الولايتان الأخيرتان – كأصل عام – للعصبة من الرجال. أما ولاية التربية، وهي الحضانة، فغايتها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته التي لا يستغنى فيها عن النساء ممن لهن الحق في تربيته شرعًا. والأصل فيها هو مصلحة الصغير؛ وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه، وأقدر على صيانته؛ ولأن انتزاعه منها – وهى أشفق عليه وأوفر صبرًا – مضرة به إبان هذه الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره. وقد وردت الآثار الصحاح بأن النساء أحق بالحضانة في هذا الدور من حياة الصغير؛ فقد روى أن امرأة احتكمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حضانة صغيرها وقد أراد أبوه – مطلقها – أن ينزعه منها فقال لها الرسول الكريم: «أنت أحق به»؛ فلزم من ذلك أن تكون الحضانة للمحارم من النساء أولا؛ وأن تقدم قرابة الأم منهن على قرابة الأب؛ وهو ما توخاه النص المطعون فيه.

وحيث إنه ليس ثمة نص قطعي يقرر حكمًا فاصلًا في شأن ترتيب الحاضنات- بعد الأم – فيما بينهن؛ ومن ثم يكون باب الاجتهاد في هذا النطاق – عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية – مفتوحًا، فلا يصد اجتهادُ اجتهادًا أو يكتسب عصمة من دونه؛ ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التي تنظم الأسرة بغيره إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، بما لا يناقض شريعة الله ومنهاجه. وقد جاء بالأثر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وجدة ابنه «عاصم» – أم أمه – تنازعًا بين يدى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه على حضانته فأعطاه إياها، وقال للفاروق: «ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك». ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك. أما الفقهاء أصحاب المذاهب فقد اتفقوا على أن أم الأم -التي تدلى إليها مباشرة – تلي الأم في ترتيب الحاضنات. فقد قال الحنابلة بثبوت الحضانة للأم ثم أمها ثم أم أمها وهكذا ثم الأب ثم أمهاته. والشافعية على أنه إذا اجتمع الذكور مع الإناث فتقدم الأم على الأب ثم أم الأم وإن علت بشرط أن تكون وارثة ثم بعدهن الأب ثم أمه ثم أم أمه وإن علت إذا كانت وارثة. ويرى الحنفية – ومعهم المالكية – أن أحق الناس بحضانة الصغير بعد أمه أمها وإن علت. وإذ كان هذا هو ما نحاه النص الطعين؛ بما ارتآه محققًا مصلحة الصغير – وعليها مدار الحضانة – مستلهمًا بذلك مقاصد الشريعة الكلية، دائرًا في فلك الأصول العامة لها؛ فإن النعي عليه بمخالفته للمادة الثانية من الدستور يكون حريًا بالرفض .

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

أمين السر                                                                   رئيس المحكمة

مقال اليوم ذو أهمية بالغة … وحسبه أنه يذكر بحقيقة نسيها أو تناساها جميع الذين يتحدثون عن تطبيق الشريعة الإسلامية وتقنينها!!

ولا أريد أن أعيد هنا ما قلته هناك.. بيد أنه لابد من كلمات حثيثة وعابرة.. نؤكد فيها أن تحكيم الشريعة الإسلامية، والحكم بها لا يمكن أن يكونا مصدر فزع، ناهيك عن أن يكون مصدر تأخر أو شقاء! كذلك فإن هذا التحكيم وهذا الحكم لن ينجم عنهما انقلاب في حياة الأمة والمجتمع ثم أنهما لن يحتاجا إلى حسابات معقدة.. فشأنهما شأن الإسلام كله الذي جعله الله سبحانه يسرًا، لا يعرف العسر إليه طريقًا!! ففي العقوبات -مثلًا- تؤدى الحدود وظائف اجتماعية، وأخلاقية. وأمنية – لا أقول: أنها تناهت في الحزم فقط، بل وفي السمو أيضًا.. وحين تطالع الضوابط التي شرعها الله لإقامتها يبهرنا فرط رحمته وفرط حكمته وعدالته. فالحدود لا تقام اعتباطًا ولا انتقامًا -بل نظامًا، ورحمةً، وتقويمًا.. وفيما وراء الحدود، فلن تحتاج إلا إلى اضافات أو تعديلات يسيرة، وربما طفيفة، إذ إنها جميعًا تقع تحت طائلة التعزير الذي هو من عمل الاجتهاد الفقهي قديمه وحديثه.

وفي القانونين المدني والتجاري لن نحتاج إلا إلى عزل المعاملات الربوية ثم تبقى بقية القوانين في هذا المجال كما هي، إذ سنراها مسايرة إلى مدى بعيد لفقهنا الإسلامي، وإن احتاجت إلى جديد من الإضافة أو التعديل، فسيغطى الفقه بثرائه المذهل كل هذه الاحتياجات كما يغطيها الاجتهاد.. ثم يجيء دور المجتمع وتعلية سلوكياته العامة وسلوكيات أفراده بحيث تلتقي لقائها السعيد مع روح الإسلام وأخلاقياته وضميره.. وفي هذا المجال لابد من الاعتماد على أسلوب التدرج في التعلية وفى التغيير المتزامنين مع الدعوة الناشطة والدائبة والمستنيرة مستبعدين الطفرة المتهورة.. فتلك كانت طريقة الاسلام في عصر الوحي، وأيام رسوله العظيم. ولقد ضربنا لمنهج الوحي والرسول في التغيير المستأني والحكيم مثلًا بالخمر التي لم يحرمها الإسلام إلا بعد سبعة عشر عامًا من إهلاله ومجيئه..!

****

قلنا إن جميع المنادين بتقنين الشريعة -إلا من رحم ربك- ينسون أو يتناسون أهم وأعظم مجالات هذا التقنين- ألا وهو “نظام الحكم”..! مع أن كل محاولة للتطبيق والتقنين لا تبدأ من هنا، فهي رافضة لنصف الإسلام وملقية به وراءها ظهريًا!!

وإنه لموقف يزكم العقول ويحيرها، ويملأ الأنفس ريبةً وفزعًا حين لا نرى ولا نسمع أي اهتمام بتقنين الشريعة فيما يختص بنظام الحكم، وكأنه مجرد نافلة.. وكأن الإسلام الذي نهتف صباح مساء بأنه “دين ودولة” قد عقم وعجز عن تقديم هذا النظام..!

 كل ما يجود به هؤلاء قولهم: إن نظام الحكم في الإسلام، هي الشورى.. ثم ماذا يا سادة؟؟ الشـورى.. ثم ماذا أيضًا؟؟ الشورى!! وكأن كلمة «الشورى» تهويمة، أو تعويذة لا تفتأ حين توضع فوق مجمرة البخور” أن ترسل في الفضاء سحابات من دخانها المعطر ترسم في هذا الجو العبق والمسحور خارطة لنظام حكم لا يرقى إليه نظام..!!

إن العقبة التي تنتظر اقتحامها هي ذي قواعد واضحة ومستبينة ومفصلة لنظام الحكم.. ولقد فصلنا القول في هذا النظام خلال المقالات السبع السالفة وفق ما يفيئه الاسلام- روحًا، ومنهجًا، وتطبيقًا.. سموا هذا النظام ما تشاءون.. سموه الديمقراطية.. سموه: الديمقراطية الإسلامية.. سموه الشورى.. المهم هو المضمون، والمنهج، والتطبيق.

وهذه الثلاثة تعنى -تحت أي اسم- قيام العناصر والأجهزة التي تحقق للأمة سيادتها وحريتها، وهذا يعنى:

أولًا – أن تكون الأمة مصدر السلطات بما فيها السلطة التشريعية -ولن يكون في ذلك أي افتيات على حق الله في التشريع.. لأن كل القضايا التي أفتى فيها النص من كتاب أو سنة متواترة ستبقى له قداسته واحترامه.. أما وراء ذلك فسيكون مرجعنا فيه الفقه الإسلامي المتراحب. والاجتهاد المتجدد.. وهما -الفقه والاجتهاد- من نتاج العقل والفكر، اللذين لا يتنافيان بهذه المثابة مع اعتبار الأمة مصدر السلطات.

ثانيًا – لكي تتعاون السلطات الثلاث -التشريعية، والقضائية، والتنفيذية- تعاونًا يحول دون طغيان إحداهن على الآخرين، كما يحول دون تركيز السلطة العامة والسياسة في قبضة دكتاتور مستبد.. نقول لكي يكون ذلك كذلك، فلابد من الفصل من هذه السلطات.

ثالثًا – إذا كان الحاكم، أو الإمام في الإسلام لا تنعقد إمامته ولا إمارته إلا باختيار الشعب، فإن هذا الحق الذي أكده الإسلام -مبدًأ وسلوكًا- يعطى الشعب -تلقائيًا وبداهةً- حقه في اختيار ممثلين له ونواب عنه، يتشكل منهم “برلمان” حر شجاع يدير خواطره ومناقشاته المستمرة حول قضايا الشعب وحقوقه، يكون عونًا للحاكم إذا استقام، ومقومًا له إذا انحرف- وتكون له الكلمة العليا في كل شئون المجتمع السياسية، والعسكرية والاقتصادية، والاجتماعية- حيث يتكون رأيه النافذ عن طريق الاجماع أو الاغلبية.

رابعًا – لكي يحقق هؤلاء النواب مسئوليتهم أمام الشعب الذي اختارهم وانتخبهم، ثم لكي ينقلوا سيادة الأمة من الشارع إلى داخل البرلمان، لابد أن ينتظم معارضة برلمانية، تقف بالمرصاد لكل جنف من الحاكم ولكل محاولة منه لتجريف سيادة الأمة وسلطان نوابها.

خامسًا – وما دامت مصالح الشعب وقضايا حياته وتقدمه متباينة ومتنوعة تنوع الوسائل التي تحققها، فإن ذلك مدعاة لقيام أحزاب سياسية، تتنافس في خدمته، وتسهم في تكوين وعيه السياسي، بل والديني.

سادسًا – ولابد من قيام صحافة حرة تضمن القوانين العادلة حقها في التعبير، والنقد والرفض.. ولا تخضع في ملكيتها، ولا في تنظيم بيتها لغير القانون.

****

هذه جميعا -عناصر الديمقراطية- وهي جميعًا عناصر الشورى في الإسلام.

وإذا اتفقنا على أنها كذلك، فلابد أن توثق هذه الصورة وهذه الحقيقة بكل تفصيلاتها في الدستور أولا. ثم في قانون، أو قوانين تتصدى [تتصدر] كافة قوانين تطبيق الشريعة وتقنينها.

وإذا لم نفعل، فلنفسح الطريق للرياح التي ستذرو ذرو التراب كل مجهوداتنا ومحاولاتنا وأمانينا..!

إن أول ما يجب تقنينه في شريعة الإسلام هو “نظام الحكم”، القائم على الشورى الواضحة.. لا الشورى الغامضة. وعلى الشورى الملزمة، لا الشورى الهازلة. وعلى الشورى بكل مؤسساتها وعناصرها التي سقناها آنفا..

إن المناخ الصالح التطبيق الشريعة هو ذلك الذي يعيش الشعب فيه سيدًا … لا عبدًا.. وآمنًا، لا خائفًا.. ويكون الحاكم فيه رمزًا للسلطة العادلة.

وليس ثمة ضرر ولا خطر يحيقان بالإسلام وبالمسلمين مثل تطبيق الشريعة وتقنينها في ظل حكم مطلق، ودكتاتورية مستبدة غاشمة… فهنالك يحمل الإسلام أوزار وأصار وجرائم هذا النوع من الحكم الدعي والبغي!! وتتحول الشريعة السمحة الغراء إلى (غابة) تعج بكل ذي مخلب وناب.. كما تتحول إلى (قفاز) يستخدمه الحاكم المستبد في ارتكاب جرائمه حتى لا تظهر بصماته الواشية!! وإني لأذكر حكمة رائعة للإمام شيخ الاسلام “ابن تيمية”، يقول فيها: “ليس إمامًا للمسلمين ولا أمينًا على شرع الله، من يطلب الشريعة ليؤسس بها لنفسه سلطانًا بانيًا، ولا من يرشو بأمواله كيما يحصل على الإمامة..!

إن قيام الشريعة وتنفيذ أحكامها في ظل حكم ديمقراطي عادل وأمين ورشيد يجعل منها واحةً، ومرفًأ، وهناءً وفيضًا من السعادة والطمأنينة لا يغيض.. في حين أن استخدام دكتاتور مستبد لها ولنصوصها ولاجتهاداتها، واستغلالها في التمكين لحكمه الطاغي وأهوائه المريضة والحاقدة لن يعدوا أن يكون تحريفًا لدين الله، وكلمة حق يراد بها باطل!!

إنّا لنرسل البصر كرتين إلى هذا الطراز من بعض حكام المسلمين، فينقلب إلينا البصر خاسئًا وهو حسير!!

****

لقد أوردت في مقالاتي السابقة الكثير المبارك من النصوص، ومن الوقائع التي شهدها عصر الوحي، وقول الرسول الله -صلي عليه وسلم- وعمله، وعمل خلفائه الراشدين.. أوردت من ذلك كله ما يؤكد أن الشورى في الإسلام ليست كلمات يتلمظ بها المبطلون، إنما هي نظام المتكامل وثق الرسول وخلفاؤه مبادئه، ثم طبقوا هذه المبادئ، في النماذج التي كانت تلائم وتوائم أعراف ذلك العصر البعيد.

فمثلا- لم يشهد ذلك العصر قيام “برلمانات”، في مستوى “برلمانات” اليوم، بيد أنه شهد من الشورى ومن حق الأمة في الاختيار وفي اتخاذ القرار ما يجعل هذا النظام البرلماني أصدق تعبير عن هذا الذي كان.. بل لقد منحنا أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب”، نموذجًا مناسبًا لما نسميه اليوم بالبرلمان.

يقول الأخ الفاضل الدكتور عبد الحميد اسماعيل الأنصاري في كتابه القيم “الشورى وأثرها في الديمقراطية”:

“لما فتح الله على المسلمين أرض السواد -الشام والعراق- طلبوا من “عمر” -رضي الله عنه- أن يقسم الأرض المفتوحة عليهم باعتبارها غنيمة.. والغنائم تقسم وفق نص الآية الكريمة في سورة الأنفال.. ولكن أمير المؤمنين “عمر” رأى -مجتهدًا- أن الأرض ليست من الغنائم التي تنطبق عليها الآية الكريمة، ووافقه على ذلك بعض كبار الصحابة- منهم “على وعثمان، وطلحة، ومعاذ”، وخالفه آخرون من كبار الصحابة أيضًا- منهم “عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وبلال”، وحاول “عمر” إقناع مخالفیه برأيه فما اقتنعوا.. هنالك جمع المسلمين في المدينة للنظر في الأمر، حيث استقر الرأي على الاحتكام إلى عشرة من الانصار من ذوي الرأي- خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج”.

ويستمر المؤلف في ذكر الواقعة، لنرى أمير المؤمنين يشرح لهذه “اللجنة” التي أحال المؤتمر إليها دراسة القضية.. يشرح لها حجته قائلًا: “أرأيتم هذه الثغور؟ لا بد لها من رجال يلزمونها.. أرأيتم هذه المدن العظام؟ لابد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار الطعام عليهم.. فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الارض ومن عليها؟؟ كيف نقسمها لهؤلاء، وندع من يجيء بعدهم؟؟

وينتهي الأمر باللجنة وبالمؤتمر إلى الموافقة -بعد الاقتناع الكامل- على رأى “عمر”.

أليس هذا نموذجًا للبرلمان؟ وهل لو كانت أعراف الزمان والمكان تألف -منذ ألف وأربعمائة عام- النظام البرلماني في حقيقته وصورته اليوم، أكان الاسلام سيرفضه؟ لقد نقل عمر “نظام الدواوين” عن الروم إبَّان حكمهم في الشام.. أفمن الاثم أن ننقل النظام البرلماني عن الديمقراطيات المعاصرة في الغرب؟!

وما يقال عن “برلمان”، يُقال عن المعارضة.. فللمعارضة في الإسلام قدم صدق، ومقام عظيم!!

 حسبنا نزول الرسول على رأى المسلمين في كل ما اختلف فيه الرأي بينه وبينهم.. وحسبنا قول خليفته في خطبة الافتتاح التي استهل بها عهده: “وإن أسأت فقوموني”.. وحسبنا قول “عمر”: “الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بسيفه”..!! وحسبنا ذلك السلوك العام للخلفاء الراشدين، وللخليفة الخامس “عمر بن عبد العزيز” تجاه المعارضة التي هي جزء وثيق من الشورى، وواحد من أهم التعبيرات عنها.

وأما الأحزاب السياسية، فما دام هناك ما تفرضه طبائع الأشياء من تعدد وجهات النظر، وتعدد أساليب العمل تجاه قضايا الأمة ومشكلاتها -لا سيما في عصرنا الذي نعيشه- فإن قيامها لا يدحضه أي نص من قرآن ولا من سنة.. كما أنه ليس ثمة اجماع ولا قياس يوحيان برفضها. والقاعدة الفقهية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”، فمن كان معه من الشرع ما ينقل الإباحة هنا.. إلى المنع والحظر فليأتنا به..!!

إن الأحزاب السياسية ليست ترفًا، إنما هي ضرورة لضمان حرية الرأي، وحرية النقد، وحق المعارضة.. كما أنها اليوم ضرورة لتوعية الشعب سياسيًا، وتكوين القيادات السياسية الصالحة للنهوض بأعباء حكم صالح حين تُدعى لهذا.. ولو لم يكن ثمة دليل على مشروعية الأحزاب إلا أنها من المصالح المرسلة لكان هذا حسبها..

يقول أخونا الفاضل الشيخ محمد الغزالي في كتابه القيم: “مائة سؤال عن الإسلام”:

“الأمة الإسلامية مصدر السلطات التي تنشأ بين ظهرانيها.. أعنى أنها وحدها صاحبة الحق في اختيار الرجال الذين يلون أمرها، وصاحبة الحق في محاسبتهم على ما يقومون به من أعمال. وفي معاقبتهم إن أساءوا، وعزلهم إذا شاءت.. كذلك الشورى في الإسلام، فهي مبدأ مقرر وفريضة محكمة. ولابد من انشاء أجهزتها، وتنظيم إشرافها على شئون الدولة، وتمكينها من تقليم أظافر الاستبداد الفردي وضمان مصالح الجماهير.. إن أجهزة الشورى المنظمة، والمحترمة، والملزمة، هي التي تحفظ حدود الله، وتأخذ على أيدي الظلمة.. وتقي الأمة شرهم، وتنفذ قول الرسول الكريم: “إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”..!!

ثم يقول عن تعدد الأحزاب: “إذا رأى البعض أن الإسلام لا يوجبها، فهو أيضًا لا يحرمها.. هب أن جماعة من الناس تخيرت من مذاهب الفقه الاسلامي أن تؤخذ الزكاة من جميع الزروع والثمار.. وأن تبقى المناجم مِلكًا لأصحابها على أن يؤخذ منها الخمس.. وأن يسوى بين دية الرجل والمرأة.. وأن تباشر المرأة بنفسها عقد زواجها.. وأن تُقبل شهادتها في الدماء والأعراض كما تُقبل في الأموال.. إلخ، ثم وضعت هذه الجماعة منهاجها هذا وعرضته على الأمة، أيكون هذا التصرف ارتدادًا عن الإسلام؟! وهب أن جماعة من الناس رأت أن تضع منهجًا لتصنيع البلاد، أو رأت اتحاد بلادها مع غيرها في أقاليم منفصلة.. أو رأت انشاء سوق إسلامية مشتركة.. أو رأت تطوير أساليب عرض الإسلام مستخدمة في ذلك إمكانات الحكم.. فما الذي يمنع من إنشاء حزب لتحقيق ذلك، سواء ضاق به الخليفة أو رضي.. أليس ذلك أفضل من الاغتيال والكبت والاحتيال وتمكين الجهال من الإمساك بدقة الأمور..”؟!

هذه كلمات داعية رشيد لا ينال دينه وفقهه أدنى اتهام.

****

ولقد أوردت في مقالاتي السابقة تلك القواعد الفقهية والمذهبية، كقول الإمام “ابن القيم”: “ليس للحق ولا للعدل طريق واحدة، فكل طريق يحق الحق ويقيم العدل فهو شرع الله، وأمره، ورضاه..!! وقول شيخ الاسلام (ابن تيمية)- “ليس من حق أحد أن يلزم الناس برأيه واجتهاده، عملا بقول “عمر”: (لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة)- وقول الإمام “الطوفي الحنبلي”: “إذا تعارض النص مع المصلحة، قدمت المصلحة على النص لأنه ما جاء إلا لرعاية مصالح العباد..!!

إن في الشريعة الاسلامية وفقهها الأثير والغزير، ما يجيز -إن لم يحض- على قيام الأجهزة والمؤسسات الديمقراطية التي ذكرناها، والتي تجعل من نظام الشورى في الاسلام حقيقةً، وواقعًا، وملاذًا.. ثم إننا نملك حق الاجتهاد الذي فتح الإسلام جميع أبوابه، وتركها مفتوحة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

هذا الاجتهاد حق ثابت لكافة أجيال الأمة المسلمة وجميع عصورها بنص حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله”.. إذن فلكل جيل من أجيال المسلمين عدوله الذين يحق لهم الاجتهاد وصولًا إلى تحقيق مقاصد الشريعة وهديها.

وبعد، فمرة أخرى أقول: إن أي محاولة لتطبيق الشريعة الاسلامية، لا تبدأ -أولا وقبل كل شيء- بتطبيق وتقنين نظام الحكم وفق مبادئ الإسلام العظيمة القائمة على تقديس الحرية، وجعل سلطة الأمة فوق سلطة الحاكم- ستكون عبئًا على الإسلام ذاته، الذي سيحمل آنئذ كل أوزار الحاكم المستبد وكل جرائمه..!!

وعلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ألا يصدقوا أي حاكم يفرض عليهم حكمًا مستبدًا مطلقًا تحت عنوان “تطبيق الشريعة”..!! فالشريعة من هذا براء!! وإذا أراد المبشرون بالشريعة والداعون في صدق إلى تطبيقها ألا يكونوا كمن يحرث في البحر، وألا يلحقوا بدينهم سوء السمعة وسوء المنقلب، فليبدأوا من هنا.. من تقنين نظام الحكم وفق الشورى الصحيحة.. تقنينًا مفصلًا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من هذا النظام إلا بيَّنها وأحصاها..

فالشورى الملزمة، والبرلمان الممثل للأمة تمثيلًا صادقًا، والمعارضة التي تكبح جماح الحاكم وجموحه، والأحزاب التي تتبلور في مناهجها أهداف الشعب القريبة والبعيدة، والفصل بين السلطان.. كل هذه من صميم الشورى كنظام سياسي متكامل يستلهم مقاصد الشريعة ويحترم روح المعاصرة.. وحين نستهل تقنين الشريعة بـ “بسم الله الرحمن الرحيم” فيجب أن يتلوها مباشرة، وقبل أي شيء آخر، القانون الذي يفصل حقوق وواجبات وشكل نظام الحكم الذي تهتف به الديمقراطية والشورى.

هذا نذير يجيء في أوانه.. وكلمة حق أقولها والحاجة إليها أعظم ما تكون.. والحمد لله الذي وفق، وهدى، وأعان.


* مقال منشور ضمن الكتيب غير الدوري: حقوق الإنسان العربي، والذي تصدره المنظمة العربية لحقوق الإنسان، في 30 من مارس 1985م، ص7-12 (وقد نشره الكتيب نقلا عن مجلة المصور المصرية، التي سبق أن نشرت المقال المذكور بتاريخ 14 من مارس 1985م، ضمن حلقات حديث أ. خالد محمد خالد عن “الديمقراطية والإسلام”، المقال الثامن).

 

القضية رقم 45 قرار 17 القضاء القضائي الدستوري العالي “دستورية”

مبادئ الحكم: جنائي – حرية حرية – حكم دستورية – دستور – دعوى دستورية – شريعة اسلامية – قانون – نفقة.

نص الحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 22 مارس سنة 1997 م، موافقة 13 ذو القعدة سنة 1417 هـ

حضر المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدي محمود غني منصور ومحمد عبد القادر عبد الله.

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدي أنور صابر………………………… أمين السر.

صدر الحكم قادما:

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا رقم 45 حكم 17 القضاء “دستورية”

المقامة من:

السيد/ فتحي محمد شادي الطنطاوي.

ضد:

  1. السيد رئيس الجمهورية.
  2. السيد/ رئيس الوزراء.
  3. السيد/ رئيس مجلس الشعب.
  4. السيد/ رئيس مجلس الشورى.
  5. السيد/ وزير العدل.
  6. السيد/ النائب العام.
  7. السيدة/ سامية إبراهيم عثمان.

التدابير

بتاريخ 24 يونيو سنة 1995، أودعت توجيه هذه الدعوة إلى قلم قانون المحكمة، طالبتا بالحكم بعدم دستورية نص المادة 293 من قانون العقوبات.

وأصدرت أحكام القضايا الحكومية بموجب قرار الحكومة برفضها.

وبعد الانتهاء، وأودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونظرت لذلك على النحو المبين بمحضر النظر، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الترجمة على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من محطات وسائر الأصول – تتحصل على السيدة/ سامية إبراهيم عثمان – المدعى عليها السابعة – لم تتمكن من الحصول على حكم قضائي في المحكمة رقم 302 نهائي 1988 أحوال شخصية قسم أول المحلة الكبرى المتنوعة، باستحقاقها نفقة لها ولصغيرها مناشد، ضربت ثم على حكم في المركز رقم 30 قرار 1993 - من تايقوه - بقوة يضغط ثلاثين يوما لامتناه من أداء مبلغ 960 جنيها من تجميد النفقة المحكوم. وقد تم تنفيذ هذا الحكم.

واستمر في الاستمرار في امتناعه عن الوفاء بما في ذلك ذمته من النفقة، فقد أقامت ضده بالطريق المباشر الجنحة رقم 8538 بحكم 1993 – أمام محكمة أجنحة قسم أول المحلة الكبرى – حكم المحكمة بمعاقبته بمقتضى المادة 293 من قانون العقوبات، وإلزامية بتعويضات مؤقتة.

وقد قضت هذه المحكمة بتاريخ 6/11/1993 – ويا غياب – بحبس ستة أشهر، وبأن يؤدي للمدعية منذ بداية المدنية مبلغ 51 جنيه على تعويض مؤقت، فعارض في هذا الحكم، وقضى في معارضته بإلغاء الحكم المعارض فيه، وبعد قبول الدعويين خالية والمدنية، إلا أن النيابة العامة طعنت على هذا الحكم بحكم رقم 7879 بحكم 1994، وفيه حكمت المحكمة بأجنحة مأمورية المحلة الكبرى – غيابيا – بإلغاء الحكم المحكم، وأمام المحكمة أول حكم للفصل فيها توقف بهيئة مغايرة.

ونظرت إليه – أثناء النظر في الموضوعية بعد عودتها إلى محكمة أجنحة قسم أول المحلة الكبرى – عدم دستورية المادة 293 من قانون العقوبات، وقدرت محكمة الموضوع الجديد الدفع، وقد أقامت الماثلة.

وحيث إننا نقول ينعى على المادة 293 من قانون المطعون عليها، مخالفتها للشريعة الإسلامية التي اعتبرتها المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها – المصدر الرئيسي للتشريع، والتي تعتبر صلاح العبادة مرهونا باتباعها، وقررت على أن من غير المتصور أن يكون الابن سببا في حبس أبيه وتقيد حريته هذا فضلًا عن أنس الحب للمرة الثانية ويمكن 293 المطعون عليها، يعطل أباه عن العمل لمدة حدوده فيس، وما ينشأ عن ذلك من حديث مورد الرزق الذي ينفق منه على الابن فضلًا عن أن النص في المادة 347 من قوانين المعاملات القضائية شرعية بما يتعلق بها، ثم في المادة 293 المطعون عليها، على حبس المدين بالنفقة المحكوم بها، مؤسسة اجتماعية عقوبتين عن فعل واحد، هو النكول عن ممارسة النفقة المقضي بها بحكم حكمه بالقدرة على دفعها.

وقد انبنى التجريم بالنص المطعون عليه على علة صون الروابط العائلية، ولكن تطبيقه يؤدي إلى قطعها.

وبالتالي جاء هذا النص مخالفا لها الذي رسمها الدستور في المحاكمة المنصفة، ومن ثم مافيا تساوي اشتراكها أمام القانون، إذ تنطبق على الرجال المتزوجين دون سواهم، مما يؤدي إلى حجامتهم عن الزواج، شيوع الزنا.

وحيث إن المادة 347 من لائحة الإجراءات القانونية والشرعية بها الرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931، وتسجل على أنها إذا امتناع المحكوم عليه تنفيذ الحكم في الزيادة أو في أجرة الحضانة أو الحجز أو المسكن، ومتى تحتفظ بأن المحرم عليه قادر على القيام بما بما في ذلك حكم به وأمرته ولم يمثل، حكمت بحبسه. ولا يمكن أن يكون محددًا مدة الحبس لمدة ثلاثة أيام تقريبًا إذا كان المحكوم عليه ما حكم به، أو مقصد كفيلًا، ليتمكن من أجله. وهذا لا يمنع من تنفيذ الحكم بالطرق الاعتيادية.

وتميزت من أن تهجر، نصت المادة 293 من قانون الضمان على ما يأتي: “كل من صدر حكم قضائي بدفع النفاذ بدفع نفقة لزوجه أو أقربائه أو أصهارته أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن، وامتنع عن الدفع مع التوقف لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع، يتابع فقط مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري أو باثنان هاتين العقوبتين ولا ترفع إلا بناء على البرمجة من صاحب الشأن. وإذا رفعت بعد الحكم عليه دعوى عن هذه الجريمة، فتكون عقوبته الحبس مدة لا سنة على سنة. وفي حالة جميع المناسبات إذا كان المحكوم عليه ما يحكم في ذمته، أو قدم كفيلا يقبله صاحبه فلا تحكم”.

وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية لمشروع هذه المادة، “أنها أضيفت للمعاقبة على جريمة هجر العائلة جريمة تعاقب عليها القوانين. وقد أدخلت في بلجيكا بالقانون في 19 مايو سنة 1912؛ وفي فرنسا بالقانونين المباشرين في 7 فبراير سنة 1924 و3 أبريل سنة 1928؛ وفي إيطاليا بقانون مطلق في 19 أكتوبر سنة 1930، وأن النص الجديد يعاقب كل من حكم القضاء واجب النفاذ بدفع نفقة له أو أقربائه أو أصهارته أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن وامتنع عن الدفع مع التوقف لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع ، نظرًا لأنها كانت هذه الجريمة مما يمس نظام الأسرة ويؤثر على العلاقات العامة، فقد رئي محاكمة في التعامل مع أصحاب المصلحة”.

وحيث إنه عمل بنص المادة 41 من دستور مصر 1923، صدر المرسوم بقانون رقم 92 لسنة 1937 في المشاركة في التدابير التي تتخذ وفقا لنص المادة 293 من قانون العقوبات، متوخيا فض التداخل مع المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وذلك حسب ما تحدده لكل منهما مجال تطبيقها، وجهة لا تتضمن حكمها. ومن ثم كان هذا المرسوم بقانون متصلاً بتنظيم الضبط بعد إلغاء الدول الأجنبية لا امتيازاتها في مصر.

ضمن نطاق هذا التنظيم، وإرساء لقواعده، ويشمل هذا المرسوم بقانون مادتين؛ وتولتهما أولا على امتناع الاشتراك لنص المادة 293 من قانون العقوبات، قبل أن يستنفد المحكوم لم تصلحه بالنفقة – وفي ظل التي يطبق فيها نص المادة 347 من لائحة الترتيبات القضائية الشرعية – وتفرض عليها. وتقضي ثانيتها إذا نفذ الإكراه على شخص وفقا لحكم المادة 347 من لائحة المحاكمة الشرعية، ثم حكم عليها بسبب قضائها بعقوبة الحبس تطبيقا، إذا 293 من قانون العقوبات، استنزلت مدة الإكراه للمرة الأولى من مدة الحبس المحكوم به، حكم عليه بغرامة، تم حذفها عند البدء في الحصول على عشرة قروش عن كل يوم من أيام الإكراه التنازل الذي سبق أن تعاطيه فيه.

وحيث إن النص المطعون فيه، يقرر أصليًا توقيًا لهجر العائلة، ولدعم الأواصر بين أفرادها، فلا يمزقها الصراع، ولا يهيمن عليها التباغض، بل يكون التضامن بينهم. موطئًا لتعاونهم وفق القيم والتقاليد التي يمليها التضامن الاجتماعي، فلا يتناحرون. ومن ثم كان هجر العائلة جريمة معاقب عليها في كثير من الدول المتطوره، مما يعني أنها تعني عنها والامتناع عن الإنفاق عليها، وعريضها للضياع، إلى ذلك السلطة الأبوية التي يباشرها أصولها على بنيهم لا تمحض عن حقوق، بل تقارنها واجباتهم التي لا تملكون أن تصل منها، وإلا ووجب حملهم عليها بالجزاء، ولا يتخلصون منه إلا بعودتهم إلى العائلة التي هجروها، ومواصلتهم الحياة معها، على أن تدل قرائن الحال على أن تطلبم لها، ليس ملحوظا فيها أن تكون موقوتًا مرحليًا، بل واشية بإرادة بقائهم في محيطها، حيث يوجد خيارًا للحياة العائلية بينها. أفرادها.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد يقضي، على أنه القول بأن العلاقة الشخص بذوي قرباه – من غير أبنائه – تقوم في جوهرها على مجرد ذات صلة – ولو لم تكن صلة محرمية – إلا أن الولد بعض أبيه، أو هو جزؤه الذي لا ينفصل عنه، وليه يكون منتسبا، فلا يلحق بغيره، وهذه الجزئية أو أحمدية مرجعها إلى الولادة، وليس ثمة نفع يقابلها وجود معنى العوض. ومن ثم كان مخصص الوالد دون غيره بالإنفاق على عياله الثابت لا يؤول فيه، بل إنرار إد النفقة عليهم وبقدر كفايتهم، أكفل لحياتهم وأحفظ لأعراضهم وقولهم، وهو كذلك يدخل إلى تربيتهم وتقويم اعوجاجهم بما ويردهم دوما إلى قيم الدين عاليه.

وحمل الوالد على إيفاء النفقة التي حجبها – عنادًا أو إهمالًا – عن أولاده، هو إلزام بما في ذلك هو مطلوب بعد أن يمنعهم دون حق، وأهدر أصليًا وجوبها لأولاده المحتاجين إليها. وملائمة لظلم الوالد بالعدل ليس إعتناقًا من طويًا على التضييق عليه، بل يعيش مطلوبًا ديانا، وواجبًا تقتضيه، محققًا لمصالحها درجاتها. كذلك تقرير فإن النفقة وفرضها من خلال الحكم، ليس سرفًا، ذلك أن الوالد وإن علا لا يحبس في الدين لولده وإن سفل، إلا في النفقة، لأن الامتناع عنها مع وجوبها ضياع لها، مؤبد إلى إتلافها.

وحيث إن من المقرر كذلك شرعيًا، أن نفقة الزوجة تقابل احتباسها حق زوجها، ومكان استمتاعه بها استيفاء للعقود عليه، وعملًا بقاعدة نصية كلية أن من كان محبوسًا تمامًا لكل ماوده، كانت نفقته عليه. وقصر المرأة على زوجها، يعني أن المنافع التي أذنها الله بها، تعود إليه بطلب. ومن ثم كان رزقها وكسوتها، متطلب معروفًا بعد أن أخذها زوجها وستحلها بكلمة الله، وهو ما يمنحها المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 25 بحكم 1920 الخاص بتنزيل النفقة ومسائل القروض الشخصية بعد تعديلها بقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض قوانين التداول الخاصة بالشخصية، من أن نفقة الزوجة على زوجها تجب من تاريخها الصحيح بتسليمها نفسها إلى القول حكمًا، حتى لو كانت موسرة أو مختلفة عنه في الدين، على أن تشملها وكسوتها وسكنها وتجر علاجها، وغير ذلك مما يقضي به الشرع.

وحيث إن ما ينعاه يدعو من مخالفة المادة نص 293 من قانون المعونة عليها في منتصف الدستور، مردود قضاء هذه المحكمة مطرد على أن حكم هذه المادة – بعد تعديلها في 22 مايو 1980 – اقترح على أن الدستور – واعتبارًا من تاريخ العمل بهذا التأسيس – قد أتى بقيد على المؤسّسة الحكومية تقيدها – فيما تقره من النصوص القانونية – بمراعاة أصول الكلية للشريعة الإسلامية، إذ هي جوهر بنيانها وتركيزها، وقد أقرها الدستور أصلاً ينبغي أن يطلق عليها هذه النصوص، فلا تتنافر مع مبادئها وترك بوتها ودلالتها، وإن لم يكن لا بد من استمداد تلك النصوص مباشرة منها، بل يكفيها ألا تعارضها، وبعدها إبان بعضها البعض الأخرى التي يفترضها الدستور على السلطة البرلمانية، ولا تتمتع بصلاحياتها الدستورية. ومن ثم لا تحكم على الدستورية الشرعية التي تباشرها هذه المحكمة – في مجال تطبيقها الكامل، إذا من الدستور الثاني – ليس النصوص القانونية التنفيذية بعد تعديلها. ولا كذلك نص المادة 293 من قانون المطعون عليها، منذ إصدارها المشرع قبل نفاذ التحسينات الشاملة الثاني من الدستور في 22 مايو 1980. المحكمة في إطار الشرعية الدستورية.

وحيث إن القوانين تحمل المدين بالنفقة – سواء كان مستحقها للتنازل أو أولاده – واقتضائها من الملتزمين بها جبرًا – ولو موضوع الإكراه معينة – هو ما يقرر بقضاء المحكمة العليا في القضاء رقم 1 حكم 5 القضاء عليا “دستورية” مختلفة في 29 من يونيو 1974 بمناسبة فصلها في دستورية نص المادة 347 من لائحة النظام القضائي الشرعي؛ وكان ما خلص إلى قضاءها من يحدثها مع الدستور، ويعتبر قولها فصلًا لا يقبل تعقيبًا من أحد – على ما انتهى إلى قضاء المحكمة الدستورية العليا – فإن الخوض في ولايات جديدة حبس المحكوم عليه بالنفقة – إذا امتنع عن التدخين بعد أن أُمر بدفعها ويمكن أن يتمكن من ذلك إيفايا – يكون لغوًا.

وحيث إن ما ينعاه يدعو من مخالفة النص المطعون فيه إذن 9 من الدستور التي تقضيها الأسرى بتعديلها والأخلاق والوطنية الدين، وأن على الدولة أن تعمل صون طابعها الأصيل – يقوم بما بما فيه من القيم والتقاليد – مردود، ذلك ما نسعى إليه النص المطعون فيه، ليس إلا أثارًا لرواية رب العمل، وكفل لاتصالها المباشر، بدعم وشائجهم، وهو كذلك ضمان لوحدتها ودعوها لا يناقض جوهر بنيانها، بل يرسيها على الدين الحق والعمل القويم، إعلاء لفضائلها، فلا يوجد أعضاء لها مجموعة معينة خصيمًا، بل عونًا ونصيرًا. لعدة أشهر كان المدين ممتنعًا مطلًا أو إعتناتًا عن الاستمرار على أولاده وزوجه، كان هادمًا لصلاة حرم الله قطعها، فلا يقوم بكفايتهم، بل يرهقهم من أمرهم عسرًا وما حمل على إيفائهم نفقتهم التي تستحقونها، ولو لم يكن ذلك، كان ذلك جزاءً وفاقًا.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة مطرد على أن استيفاء القيود التي تفرضها المشرع فيما يتعلق بالقصاص، مؤداه أن القاتل من مرتكبيها قد يكتمل، فلا يجوز أن يلاحق جنائيًا أكثر من مرة عن الجريمة وإلا ما زال قلقًا مضطرًا، مهددًا من الدولة بنزواتها، تم مدها بأسمها حين تريد، ليدو قبل وقوعها، من صدق لا لها، مهدرًا لموارده في غير مقتض، متعثر الخطى، بل إن إدانت – ولو كان بريئًا – أنظر أكثر احتمالًا، كلما كان مؤمنًا متتابعًا عن الجريمة الناشئة.

وما ينعاه من تنبيه من انطواء النصعون فيه على فرض أكثر من كبسولة عن جريمة واحدة.

مردود أولًا: بما اضطر إلى أن تقرر لنص المادة 293 من قانون المطعون عليها – والتي استنفادها قررت تحديدها المادة 347 من لائحة الترتيب القضائي الشرعي لتحصيل النفقة المحكوم، وأن من يستحقونها قد تتضرروا من بسبب امتناع المدين بالنفقة عن دفعها لمدة ثلاثة أشهر بعد أشهر من التنبيه عليها بإيفاءها، مما حملهم على أن يتقدموا ضده بشكواهم استنهاضًا لنص المادة 293 المطعون عليها التي لا تعرفها بالمادة 347 من اللائحة الحقيقية واحدة يقوم بها جراس الحب، بل يمكن أن يستخدم النصعون فيه، أن المدين بالنفقة لا تعرف مماطلا حتى بعد أن حبس ولأنها تؤكد اللائحة، وأن الامتناع عن دفعها لا أهمها منذ فترة من حيث الزمان، بما في ذلك أن حقائق الامتناع – مع تعددها – لا تعد مشروعًا إجراميًا عالميًا، بل يكون لكل منها وجودها وإثباتها عن بعضها جزئيًا، وإن كان هدفها باتجاه المشاهير في اتجاهها. سوف المدين بالنفقة إلى النكول عن خانا.

ومردود ثانيًا: أن عدم جوازات السفر يفترض أكثر من الجزاء على فعل واحد، والذي يتابعها ويستيفاء كل منها. ولا كذلك النص المطعون فيه، ذلك أن مدة الإكراه لغرض التي تم في حق المدين وفقا لنص المادة 347 من لائحة الترتيبات المحاكمة الشرعية، يجب استنزالها من مدة الحبس المحكوم بها وفقا للنص المطوع فيه اختلاف كان قد حكم عليه بغرامة، وتخفيضها عند التنفيذ. عشرة قروش عن كل يوم من أيام الإكراه الخاصة الذي سبق أن جرمه فيه.

وحيث إن ما ينعاه يدعو من خلال النص المعونة فيه بالحروفية الشخصية وطالبها في المادة 41 من الدستور.

مردود أولًا: ضمانها لا يعني غل منظمة المشرع عن منظمة المنظمات الإرهابية، ذلك أن صون الحرية الشخصية يحتاج بالضرورة إلى إمكان مباشرتها دون الإلكترونية جائرة تعطيلها أو تحديها، وليس إسبان حصانة عليها تعريفها من القيود التي تقتضيها مصالح الجماعة، وتسوغها ضوابط حركتها.

ومردود ثانيًا: بما بعد قضاء هذه المحكمة من المحكمة أن يحكم ببراءته مع غيره من الدعاوى في سعيها لمسؤولي الأشخاص فيما بين الأطراف، وعليهم صلواتهم بمجتمعهم، إلا أن هذا القانون يفارقها في دعوى الجزاء وأدانهم على إتيانهم الذي يأمرهم بما في ذلك أواصر تلك التي تطالبهم بلاجتنابها، وهي بذلك يتغيا أن تحدد – ومن شخص اجتماعي – ما لا يجب عليه التسامح فيه من مظاهر التحرر منهم، بما في ذلك أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مشرفا إلا إذا كان مفيدا من وجهة اجتماعية، حيث كان مكاوزا بحدود حدود التي ترسم بخومها، غدا مخالفًا للدستور متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه يتوخى أن يرتبط بعائلة الأسرة بها، فلا يهجرها من خلال الامتناع عن احتلالها، والتضييق عليه يعتبر كافلاً لها، فإن تقرير وإيقاع هذا الجزاء، لا يكون مخالف للدستور .

وحيث إن ادعاء مخالفة النص المطعون فيه و40 من الدستور، مردود الدخول في الأسرة من خلال الصارمة، والتي تحمل عبائها. ولا كذلك غير المتزوجين الذين يختلفون مركزا عن الأولين.

وحيث إن القول بإهدار المطمع النصعون فيه لضوابط المحاكمة المنصفة التي يمكن لها في المادة 67 من الدستور، مردود على هذا النص – وفق مضمونه – لا يخل التسجيل في إدارة العدالة فارما فعالة على ضوء مستوياتها في الدول المتطوّرة، ولا تقص من ضماناتها.

وحيث إن النص المطعون فيه لا يعارض مع أي حكم آخر في الدستور من أي شيء آخر.

فلهذه الفكرة

حكمت المحكمة برفض القضية ومصادرة الكفالة، ولزمت المصروفات وبلغت مائة جنيه ضد أتعاب المحاماة.

إن من طبائع وجود الإنسان على وجه هذه البسيطة: أن معايشه في توسع مستمر، ومناشطه في تزايد مطرد، وصلاته مع بني جنسه في نماء دائم لا يفتر، ومن ثم تبتدئ  مشكلاته، وتطرأ أزماته؛ وذلك أن خصيصة الاجتماع التي جبل عليها الإنسان، وطبيعة حب الذات والركون إلى ما تصبو إليه من الأغراض والحاجات التي فطر عليها، لا يفتئان يوردانه موارد الصراعات والنزاعات مع بني قومه، فتارة تجدي الملاطفة والمسامحة، وأحيانا كثيرة لا ينجلي الأمر إلا بالمدافعة والمشاحنة.
    إن تأملًا بسيطًا في تاريخ البشرية يفيد بلا أدنى عناء أن الأصل الغالب في مسارها الحضاري هو الصراع والحروب، والتنكر لقيم الخير والتعايش، ومثل التعارف والتعاون، وأن الاستثناء النادر هو التوافق والتراضي، ولم يلحظ ذلك على امتداد التاريخ إلا في فترات محدودة هي فترات الرسالات الربانية الحكيمة، أو القيادات السلطانية الرشيدة، وما كان أقلها وأقصر مددها!
    إن السبب الرئيس في هذا الصنيع المنحط عبر امتداد هذه الأزمان وترامي تلك العصور؛ هو التنكر لجادة الشريعة والقانون، والتغاضي والانحراف عن مسالك التنظيم والتوجيه التي ينبغي أن تنبني عليها العلاقات والصلات، ويحتكم إليها في التصرفات والممارسات. فبقدر ما يؤمن الإنسان بالشرائع والقوانين، ويبوئها مواقع الريادة، وسلطة الحكم والقيادة، بقدر ما تسمو حضارته، وتتحقق له العدالة والحرية والمساواة، وتبسط له الحظوظ العريضة من الأمن والاستقرار. وعلى النقيض من ذلك تعصف به الملمات، وتشتد عليه الأزمات كلما أعرض عن رشاد الشريعة ونظام القانون.
   وقد أجمع عقلاء البشر اليوم على اختلاف مشاربهم الفكرية واتجاهاتهم الثقافية والسياسية على أهمية سن القوانين، وفرض الشرائع لاستقامة المجتمع وإقرار العدالة ورعاية الحقوق، والمواءمة بين المصالح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتعارضة.
    ومهما حاول عبثا ذلك الجمع من الفلاسفة “الفوضويين” نبذ فكرة التنظيم والتقنين؛ تعويلا منهم على أصالة قيمة الفضيلة في كيان الإنسان، ونزوعهم إلى خيالات بعيدة عن مثالية المجتمع الإنساني القديم قبل ظهور الشريعة والقانون!! فإن هذا لم ولن يغير قلامة ظفر من قضية الحاجة إليهما والاحتكام إلى مقتضياتهما، فكل ذلك ضرب من الهوس الفكري، والمناقضة الفجة للحقائق الثابتة والوقائع المشهودة، وأقواها وأعلاها أن فكرة التشريع والإلزام بمقتضياته النظامية والزجرية كانت مصاحبة لخلق الإنسان وتكليفه بعمران الكون، تدريبًا ربانيًا أوحى الله به إلى نبيه آدم عليه السلام قبل أن يضع قدميه على هذه الأرض، وذلك في قصته المعروفة.
    لقد ناضل الإنسان نضالًا مريرًا ضد قوى وآلهة الاستكبار التي أرادت أن تجعل من نفسها مصدرًا لسلطة التشريع والقضاء، وهيأة لتنفيذ أحكامه وأقضيته بعيدا عن أي معارضة شعبية، أو رقابة دينية أو مدنية حتى تسنى له تحقيق قدر كبير مما يصبو إليه من العدالة، وما يرمي إليه من إقرار الحقوق والحريات، غير أن هذا الحسم في معركة تقنين الشرائع والقوانين، والاحتكام إلى القضاء والمحاكم لم ينه جميع أطوار المواجهة مع مشكلات التشريع المتجددة، ولم يحد من تداعياتها وامتداداتها المتلاحقة.
فلقد طفت على السطح تحديات عديدة ومعيقات كثيرة لا تقل في ضراوتها وقساوتها عن سابقاتها، ووجد الإنسان نفسه يفتح واجهة جديدة في معركة طويلة لا يبدو أن لها نهاية منظورة. وقد كان أهم هذه التحديات وأقواها: مشكلة تفسير القوانين التي وضعها الإنسان، وبيان الشرائع التي تلقاها من طريق الوحي.
    قد يبدو لكثيرين أن وجود النص القانوني المنظم لهذا المرفق أو ذاك، والمبين لهذا التصرف أو ذاك كاف في التدبير الأمثل لنشاطاته وقضاياه المختلفة، ومن ثم تجنيب الإنسان أهوال الصراع ومخاطر النزاع، لكنه اعتقاد خاطئ؛ لأن النص، وإن كان محدد الموضوع، مرتب الفصول والمواد، مستوفيًا لكل شرائطه الموضوعية، وشكليات مناقشته وإصداره والرقابة عليه، إلا أنه في حقيقة نشأته وصياغته لا ينفك عن أحوال وظروف كثيرة وأسباب عديدة مصاحبة لجميع مراحل إعداده والعمل به؛ تجعل من قضية تفسيره وبيانه إشكالية حقيقية، لها من الآثار العظيمة على مرافق المجتمع ومؤسساته وممارسات أفراده مثل ما لغياب هذا القانون وانعدامه بالمرة.
    إن هذه الظروف والأحوال كثيرة متداخلة، منها ما يرجع إلى النزعات الذاتية لواضع القانون نفسه، والذي يضمر في نفسه رغبة فاسدة ترمي إلى إضعاف النص القانوني وخلخلة بنيانه والتلاعب بآجاله الزمنية، ومن ثم يحتفظ لنفسه بفسح واسعة يلج منها إلى تحريف القانون وتأويله لفائدة أغراضه الذاتية.
    ومنها ما يرجع إلى الطبيعة البشرية الناقصة والضعيفة التي تورد المشرع موارد الخطأ والغلط، فتأتي صياغته مشوبة بكثير من معايب التناقض والتعارض والغموض والإبهام.
ومنها ما يرجع إلى طبيعة اللغة ذاتها وما يعتري ألفاظها ودلالاتها على معانيها من عوارض الاحتمال والإجمال والعموم والإطلاق، وغير ذلك…
وعندنا في الشريعة علم قائم الذات، صعب المراس، دقيق المباحث، يعنى بدراسة هذه المباحث وتقعيد القواعد الخاصة بشأنها؛ وهو الذي ندعوه: “علم أصول الفقه”، وفيه تبحث قواعد الاستنباط، وأسس الاستدلال، ودلالات الألفاظ، وأسباب الخلاف في تفسير النصوص، والتعارض والترجيح… وغير ذلك من البحوث التي تظهر بجلاء أن مسألة تفسير النصوص معضلة حقيقية أمام الباحثين والمشتغلين بالفقه والقانون.
إن أبعاد هذا التحدي وآفاقه آخذة في التوسع والتنامي، وذلك بقدر ما يحدث الإنسان من الأقضية، ويعرض له من النوازل، ويفتح من العلاقات. ومظاهر هذا التوسع بادية في أحكامه المدنية الصغيرة، وقوانينه الجنائية الزاجرة، وعلاقاته الأسرية، وارتباطاته المجتمعية الوطنية والدولية.
    لقد قطع الإنسان أشواطا بعيدة وكبيرة في مدافعة مع هذه الظاهرة “تفسير القانون وبيان الشريعة” وأخذت منه الجهد والوقت الكبيرين، فأقام الدراسات، وأصدر المصنفات، ودون المدونات والموسوعات، وأنشأ الكراسي العلمية، ووضع اللجان الشرعية والقانونية: الرسمية والشعبية؛ لضبط هذه الظاهرة ورسم حلولها وبدائلها.
    والحقيقة أنها معركة متواصلة، وجبهة مفتوحة؛ يبدو أن لا حد لها، ولا نهاية لآثارها إلا أن ينتهي وجود الإنسان من على وجه هذه البسيطة. فما دام في الإنسان إرادة تعقد، ونفس تتوق إلى الإشباع، وما دام حنينه إلى الاجتماع بغيره ثابت باق إلا كان ذلك مدعاة للتشريع، ولا يكون تشريع إلا تولدت عنه الحاجة إلى التفسير!
    إن الإشكالية الرئيسة لهذا البحث تدور حول السؤال الآتي: ما وجوه التلاقي والتكامل بين المناهج الشرعية والقانونية في تفسير النصوص؟ وما آفاق الاستفادة المتبادلة بينهما؟ ثم كيف نمهد لفقهاء القانون وشراحه وطلبته السبيل الأرشد للإفادة من المدرسة الأصولية في تفسير النصوص وبيانها، وكيف نفتح لهم آفاقها الرحبة، ونعرض أمامهم مداركها العالية حتى يرتقوا بمناهجهم التفسيرية وأصولهم الفقهية في التحليل والاستنباط والتعليل والترجيح…
في المكتبة القانونية والشرعية ـ اليوم ـ محاولات رصينة، وكتابات جادة، لها السابقة الحسنة في تناول الموضوع من جوانب كثيرة ومختلفة، والإسهام في إثارة النقاش حول مسألة تكامل المعارف الشرعية والقانونية ووجوه الارتباط والإفادة المتبادلة بينهما.
    إلا أنه بالرغم من  هذه المحاولات، فإننا لا نستطيع أن نضع اليد على أية نظريات علمية جامعة أو خلاصات متكاملة نابعة عن دراسة عميقة وبحث رصين يؤسس لوضع منهج قويم ونظام مرجعي ينظم العلاقة بين ما هو شرعي وما هو قانوني. فأغلب الدراسات التي اطلعت عليها لا تزيد عن كونها محاولات وصفية للموضوع تحوم حول ملاحظة أوجه التشابه الكثيرة بين النص القانوني والنص الشرعي، واشتراكهما في ظواهر عديدة من الظواهر اللغوية والعرفية والمصلحية الملجئة إلى البيان والتفسير، ومن ثم يتيسر القول بإمكانية استعانة رجال القانون بقواعد علم أصول الفقه في صياغة القانون وفقهه وتفسيره والقضاء به، ويقدم أغلب من كتب في الموضوع على ذلك الكثير من الأمثلة والتطبيقات الأصولية على النصوص القانونية.
ولست أدعي أن بحثي هذا سيسد العجز الحاصل، أو يصلح الخلل الطارئ، فالأمر يحتاج إلى جهود متضافرة، ومعالجات متكاثرة، تغطي الجوانب المختلفة للموضوع: المعرفية والمنهجية والثقافية وغيرها، لكني أدلي بدلو متواضع، أرمي من خلاله إلى الإسهام في تنمية جهود التراكم التي ما فتئت تنهض بها جهات وأقلام متخصصة في هذا الشأن، وذلك على طريق تأسيس اللبنات الأولى لهذا الصرح العلمي الكبير، أعني بذلك: “التكامل المعرفي بين الشريعة والقانون في مجال تفسير النصوص”.
اعتراض وبيان:
إن مما يعتقده كثير من الباحثين في الاختصاص الشرعي أن علم أصول الفقه الإسلامي هو نتاج خبرة شرعية إسلامية تختص بالفقه الإسلامي، وهي وليدة سياقات علمية ومنهجية خاصة، لا يحسن أن يتعدى بها إلى غير المقام الشرعي الذي احتضن أبحاثها وأثمر مدارسها ومناهجها وتطبيقاتها الفقهية عبر تاريخ طويل، ولو كان الأمر يتعلق بمدارس القانون ومناهج تفسيره.
وبعضهم يذهب مذهبا أبعد من هذا، ويعترض بالقول بأن هذا التوجه المعرفي إلى البحث في وجوه الإفادة المذكورة لا وجه له من جهة الصحة الشرعية، ولا يصح المصير إليه؛ لأن فيه إقرارًا وتمكينًا للقانون، واعترافًا بمكانته، وإعلاءً لشأنه، وكل هذا ينافي عقيدة التوحيد، ويناقض مقتضياتها الإيمانية، وعلى رأسها: وجوب التحاكم إلى الشريعة ونبذ ما سواها من القوانين والأنظمة، والدخول تحت أوامرها ونواهيها، وقد أمرنا بأن لا نبغي عن ذلك بدلًا، قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
والجواب على ذلك: أن قضية الاحتكام إلى الشريعة قضية مسلمة، لا أحد يجادل في صحتها وصدقيتها وأولويتها، وأنها حق لا يجوز المساس به، وإلا انتقضت عرى الدينونة لله تعالى، وانحل عقد الإيمان به، وهي قضية لا محل لها في هذا المقام؛ لأننا لا ندعو إلى استبدال الشريعة بالقانون، ولا إلى إحلال المناهج الوضعية في التنظيم والتأطير محل القيم الإسلامية والمبادئ الشرعية، بل غاية ما نرمي إليه أن نكشف لأهل القانون وفقهاءه عن سمو المنهجية الإسلامية، وعلو مبادئها، وغناها بالقواعد والضوابط الناظمة لعمليات بيان الأحكام وتفسير النصوص الشرعية واستثمارها في الاستنباط والاستدلال والترجيح والتعليل والتقصيد…، وأنها تميزت بقدر كبير من الدراية والعمق والرصانة، والقدرة على توليد الأحكام، وإنتاج الحلول والبدائل الشرعية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على امتداد تاريخها الطويل، ولا يخفى أن هذا من تعظيم الشريعة وتنزيهها والدعوة إلى أحكامها ومناهجها؛ فإن لكل قوم مسلك في التواصل والحوار، لا ينهض به إلا الخطاب الذي هو على صلة باهتمامهم، القريب من أحوالهم وأشغالهم، وكثير من أهل القانون قد لا تسنح لهم الفرص الدراسية بالبحث العميق في نصوص الشريعة وتفاصيل أحكامها، وتغلب عليهم الثقافة القانونية فتنعدم أمامهم فرص النظر والمقارنة، لكن ما نقترحه من البحث في قضايا المنهجية الأصولية قد يسد شيئا من عجزه وتقصيره، ويرتقي به ارتقاء معرفيا عاليا وهو يدرس مسالكها في النظر والتفسير والبيان كما سنورد نتفا منها في محلها؛ ليقف على حاجته إلى هذه المنهجية حقيقة ماثلة ناصعة، ومن ثم تتأكد له ضرورة العكوف عليها درسًا وتحقيقًا، ولم لا تمثلًا والتزامًا!
ثم إن هذا المسلك ليس بالجديد، ولست أول من يدعو إليه أو يكشفه للناس، بل هو قديم مألوف يوظفه حذاق الدارسين، ويركن إليه الجهابذة من أهل هذا الشأن، ويجري ذلك في القوانين المدنية والجنائية والدستورية تماما كما يجري في قوانين الأسر والأحوال الشخصية الإسلامية على حد سواء، ثم هو في الأغلب الأعم شأن لغوي محض تسري قواعده على جميع التقنينات الوضعية والشرعية على حد سواء، غير أن الأكثرين من أهل الفن في غفلة عنه معرضون.
ولا زلت أعجب من كثير من المناهج التكوينية في كليات القانون في بلدنا، كيف لا تدرس علم أصول الفقه لطلبتها؟ وكيف لا تخصهم بما يلزمهم من التأهيل والتدريب على فنون التفسير والبيان؟ ولهذا يلاحظ كل متتبع ودارس لأحوال وقضايا تفسير النصوص والاحتجاج بها في الساحة القانونية عزوفا كبيرا عن العناية بالمناهج الأصولية والشرعية في التفسير والبيان؛ فكثير من المقالات التي تكتب في المجلات القانونية المتخصصة، والمذكرات والتعليلات والدفوعات التي تحفظ في ملفات المحاكم تفتقد هذه الأصالة في المنهجية والقوة في استنطاق النصوص واستثمارها عند دفع أو استصدار الأحكام وتطبيقها على الوقائع.
إن كثيرا من الأمثلة التطبيقية والتمارين العملية التي سنعرضها في ثنايا هذا البحث والإشكالات الأصولية واللغوية والمنهجية الواقعة أو المفترضة التي سندرسها لا شك ستبرز وتكشف عن فراغ كبير تعاني منه الدراسة التفسيرية القانونية، يلزم بحثه وسده بمزيد من الدرس العلمي والضبط المنهجي على وزان ما تزخر به فنون الشريعة وعلومها الفذة من قدرة على البيان والتفسير.


تفسير النصوص في الفقه والقانون:


جاء في لسان العرب عند التعرض لمادة “فسر”، (الفَسْرُ: البيان. فَسَر الشيءَ يفسِرُه، بالكَسر، ويفْسُرُه، بالضم، فَسْراً وفَسَّرَهُ: أَبانه، والتَّفْسيرُ مثله، ابن الأعرابي، التفسير والتأويل والمعنى واحد، وقوله عز وجل: “وأَحْسَنَ تَفْسيراً”؛ الفَسْرُ: كشف المُغَطّى، والتَّفْسير كَشف المُراد عن اللفظ المُشْكل).
فلفظ التفسير إذن من جهة اللغة يدور حول معاني البَيَان والكَشْف والإيضاح.
أما فى الاصْطِلاَح فأغلب الباحثين لا يعرف عندهم التفسير إلا مضافا للقرآن الكريم، لما استقر وغلب من استعمال هذه الإضافة منذ القديم، فلا يذكر مصطلح التفسير مطلقًا إلا كان المقصود به: “تفسير القرآن”، وإن أريد غيره قيد، وتفسير القرآن: “علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالتُه على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية”، وهو أجل علوم الشريعة وأشرفها؛ لأن موضوعه الكلام الرباني الأزلي، الباهر في أسراره وإشراقاته ولطائفه؛ وكذا لاشتداد الحاجة إليه، ولسمو غايته وغرضه، إذ القصد منه بيان الشرائع وهداية الخلق.                  
والتفسير بهذا المعنى يشمل آي القرآن كلها، سواء منها المتعلقة بالعقائد أو الشرائع أو الخلق أو القصص، أو غير ذلك. ولا شك أن بحثنا أخص من هذا بكثير، إذ هو قاصر على الشرائع والأحكام العملية التي يقوم بها المكلفون من أجل تنظيم معايشهم وتدبير مرافقهم وضبط عقودهم وتصرفاتهم، ولهذا كان أنسب التعاريف التي ترتبط بموضوعنا هو تعريف المتشرعين المشتغلين بأصول وطرق استنباط الأحكام وإصدار الأقضية والإفتاء، أعني بذلك التعريف الذي يصطلح عليه علماء الأصول وفقهاء القانون وشراحه.
إنا إذا تأملنا التعريفات التي يطلقها علماء الأصول وجدناها تنطبق أيما انطباق على موضوع تفسير النصوص الذي سندرج عليه، وذلك أنها تراعي التقيد بالشرائط العلمية والضوابط المنطقية في صياغة الحدود والتعريفات، ثم هي ألصق بموضوع التفسير، وأقوم بأبحاثة وقضاياه.
وقد تعددت عباراتهم في تعريف علم تفسير النصوص المقصود عندهم على ما سيأتي بيانه، ونستطيع بعد الموازنة والجمع أن نختار الصياغة الآتية للدلالة على نوع وحقيقة التفسير الذي نقصد، فنقول: هو العِلمٌ الذي يبحث في أصول وطرائق بيان النص الشرعي والقانوني والكشف عن مدلولاته، وحال الباحث في ذلك.
    إن عبارة “النص الشرعي والقانوني” الواردة في نص التعريف، عبارة مختارة مقصودة، وذلك أني لا أرى –كما سيتضح قريبا- أي داع للفصل بينهما، وتمييز كل واحد منهما بتعريف خاص، فالمصطلح واحد، والمقصد واحد، وطرائق النظر والبحث   واحدة متشابهة في كثير من المسالك. وأما الاختلاف بينهما في المبادئ والمنطلقات وبعض المناهج، فلا تأثير له على التعريف “التقني” العام المجرد.

المبحث الأول

تفسير النصوص في الشريعة (علم أصول الفقه): حقيقـته، نشأته، مناهجه.


1 ـ تمهيد:
يعتبر علم أصول الفقه من أرقى العلوم الإسلامية التي جادت بها العبـقرية الإسلامية، وتفردت بها منظومتها المعرفية والمنهجية من دون سائر النظم والاتجاهات التشريعية والقانونية، ولم يسبقها أي تشريع آخر إلى وضع قواعد وضوابط علمية يرجع إليها في تفسير النصوص وتأويلها وبيان أحكامها، قال ابن خلـدون في مقدمته: “اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية، وأجلها قدرا، وأكثرها فائدة، وهو النظر في الأدلة حيث تؤخذ منها الأحكام و التكاليف”.
ودراسة هذا العلم تحتاج من صاحبها الهمة العالية والقريحة الجيدة، ولا يتيسر تحصيله وحذقه إلا لمن خص ذلك بجهد كبير وزمن طويل، وذلك لما اشتمل عليه من الأبحاث الدقيقة والفنون البديعة، يقول الغزالي في بيان حقيقة هذا العلم: “وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبنى على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد”.
وقد صنف العلماء المسلمون فيه المصنفات النفيسة، ووضعوا المناهج، ورسموا الطرق، وذللوا الصعاب لمن يشتغل بالفقه، حتى لم تكن مسألة من مسائل الفقه إلا كان لها في الأصول قاعدة تحكمها أو أصل ترجع إليه!!
2 ـ تعريف علم أصول الفقه :  
عادة الباحثين عند إرادة تعريف علم أصول الفقه الإطالة بتقرير الأصول اللغوية لهذا الاسم، والتمييز بين مركبه الإضافي وإطلاقه العلمي، ولا فائدة في بحثنا هذا من هذه الإطالة، فلذلك نختار الطريق الأقصر، فنقول: “أصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة لا من جهة التفصيل بخلاف الأدلة الخاصة، المستعملة في آحاد المسائل الخاصة.” وعرفه الإمام السبكي بقوله: “العلم بالقواعد الكلية، والأدلة الإجمالية، التي يتوصل بها إلى معرفة الأحكام الشرعية وحال المجتهد وطرق الترجيح”.
فعلم أصول الفقه إذن يختص بالنظر في الأدلة الشرعية التي تؤخذ منها الأحكام والتكاليف، كالقرآن والسنة والإجماع والقياس والمصلحة وغير ذلك، وحجيتها، ومراتب الاستدلال بها، وضبط دلالة ألفاظها على المعاني، وطرق دلالتها على الأحكام، والترجيح بينها، ووضع الشرائط الخاصة لمن يتصدى لاستنباط الأحكام منها وبها، وهو الذي يدعونه بالمجتهد.
فصنعة الأصولي ـ إذن ـ هي  إعداد البحوث، وصياغة القواعد والضوابط التي يستخدمها الفقيه في الاستنباط والاستدلال والترجيح… مستعينا بالاستقراءات اللغوية والاستعمالات الشرعية للألفاظ والمعاني، ومستندا إلى مقاصد الشريعة وغاياتها العليا.
ومثال  ذلك: بحث الأصوليين في صيغة الأمر المطلق المجرد عن القرائن، هل يفيد الإلزام بالفعل والإيجاب؟ أم  يفيد مجرد الاستحباب؟ أم يفيد حكما آخر غيرهما؟
فبالاستقراء والتتبع لكلام العرب الذين نزل القرن بلغتهم، والنظر والتدقيق في إطلاقات الشارع ومقاصده في كثير من الأوامر الواردة عنه، تبين أن صيغة الأمر المطلقة تفيد الوجوب عند الجمهور خلافا لقلة. وهكذا توصل البحث الأصولي إلى واضع قاعدة ” الأصل أن الأمر المطلق للوجوب”.
ثم يأتي الفقيه بعد ليستمسك بهذه القاعدة ويطبقها على الفروع الكثيرة، فيحكم بوجوب الوفاء بالعقود، أخذا من الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وبوجوب أداء الأمانات أخذا من الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا).
وما تقرر من البحث والدرس في قاعدة “الأمر يفيد الوجوب” يقال مثله في قاعدة “النهي يقتضي التحريم” وقاعدة “الأصل في العبادات التوقف” و”الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة” وغير ذلك كثير.     
ومن هاهنا يظهر أن شأن الأصولي مع الفقيه كشأن المهندس مع البناء، فالأول يرسم الخطط ويضع الموازين، والثاني يستعين بنتاج الأول في التشيـيد والبناء، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.
3 ـ أصول المنظومة المعرفية والمنهجية لعلم أصول الفقه :
تدور أصول المنظومة المعرفية والمنهجية لعلم أصول الفقه حول خمسة كبرى، يجمع بينها رابط رئيس، وهو كونها أدلة كلية يتوقف على بحثها وتقعيدها مهمة الفقه، وشأن استنباط الأحكام الشرعية.
أ) ضبط مصادر التشريع الإسلامي: وهي الأصول التي تدرك منها الأحكام، ويرجع إليها في معرفة الشرائع والتكاليف. وهي قسمان:
ـ مصادر متفق عليها، مجمع على اعتبارها والعمل بها بين المسلمين كافة، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس، وتسمى المصادر الأصلية.
ـ ومصادر مختلف فيها بين العلماء والفقهاء وهي: العرف، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وأقوال الصحابة، وسد الذريعة، وشرع من قبلنا، واستصحاب البراءة الأصلية…، وتسمى بالمصادر التبعية.
ولكل واحد من هذه الأصول أبحاث كثيرة، وقواعد عديدة  تطلب في مظانها من كتب الأصول.
ب) تقرير وتحقيق الأحكام الشرعية المستفادة من مصادر التشريع: والحكم عند الأصوليين هو ذلك “الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع “.
والمقصود بخطاب الشارع: جميع الأدلة الشرعية المذكورة سابقا، ومعنى تعلقه بأفعال المكلفين: ارتباطه بها على وجه يبين صفة الفعل وكيفية إيقاعه والتزامه. وأما المكلفون فهم كل عاقل بالغ لا يمنع من تكليفه مانع.
والأحكام نوعان:
ـ الأحكام التكليفية: أي التي يتوجه الخطاب فيها إلى المكلف بصيغتي “افعل” أو “لا تفعل” وما في معناهما، وهي عند الجمهور خمسة: الوجوب، وهو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلبا جازما،كقوله تعالى ﴿وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون﴾ ويقابله التحريم، وهو الطلب الجازم بالكف عن الفعل، قال تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، ثم الندب: وهو طلب الفعل غير الجازم، ويدعى أيضا: المستحب، ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: “‏يا معشر الشباب من استطاع منكم  ‏الباءة ‏ ‏فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له ‏وجاء” ويقابله الكراهة، وهي الطلب غير الجازم بالكف عن الفعل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال” ثم أخيراً الإباحة، وهي تخيير الشارع المكلف بين فعل الشيء والكف عنه، قال تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾.
ولكل قسم من هذه الأحكام أنواع باعتبارات شتى تفصلها كتب الأصول، وتبين حكم كل واحد منها، ولها أيضا صيغ كثيرة محفوظة لا تخفى على الدارسين.
ـ الأحكام الوضعية: والخطاب فيها لا يخص المكلفين، وإنما يخص الأفعال والتكاليف التي يؤمرون بها، فلذلك يقال في تعريفها بأنها جعل الشارع الحكيم الشيء سببا لآخر، أو شرطا له، أو مانعا منه، أو صحيحا، أو باطلا…
من أمثلة الأحكام الوضعية: جعل دلوك الشمس سببا في وجوب الصلاة، قال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾، و القتل مانعا من الميراث، لقوله صلى الله عليه وسلم: “ليس لقاتل ميراث” والوضوء شرطا في صحة الصلاة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
والأحكام الوضعية غير المذكورة كثيرة، وقد بين الأصوليون أقسامها وفروعها وأمثلتها، وما هو مقدور منها للمكلف، وما هو غير ذلك، وكذلك ما يترتب على فعل أو ترك أي واحد منها.
ج) منهجية التدبير الاجتهادي في استنباط الأحكام الشرعية: قال الآمدي في تعريف الاجتهاد ” هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه”، وبنحو هذا عرفه الفخر الرازي، وكذلك محب الله بن عبد الشكور.
والاجتهاد أصل من أصول الشريعة، وعليه مدار كثير من الأحكام، وكل ما لم يرد به نص من القضايا الكثيرة اللامتناهية، فمرجعه إلى الاجتهاد، ولهذا كانت مساحة الأحكام الاجتهادية في الشريعة أوسع بكثير من مساحة الأحكام المنصوصة، قال الماوردي في أدب القاضي: “وقد قيل إن الذي تضمنه كتاب الله من الأحكام مشتمل على خمسمائة آية، والذي تضمنته السنة نحو خمسمائة حديث، ونوازل الأحكام أكثر من أن تحصى، ولا تقف على هذا العدد. فكان الاجتهاد لازما “.  
ومن هنا عكف الأصوليون على بحث حقيقة الاجتهاد، وبيان حكمه ومـشروعيته، وشروط المنتصبين للقيام به، ومتى يتجزأ؟ ومتى يتغير؟ ومتى ينقض؟ وهل يصح إغلاق بابه؟ أم لا يصح ذلك؟ إلى غير ذلك من البحوث والقواعد.
والأصول التي تبنى عليها الأحكام الاجتهادية كثيرة متنوعة، وأكثرها يرجع إلى دلائل العقل، والبحث عن موافقة مقاصد النقل، وهذا يكسب الشريعة الإسلامية سعة ومرونة تقتدر بها على مسايرة التطور ومواكبة مستجداته، ومن أهم هذه الأصول: القياس، والمصلحة المرسلة، والاستحسان، وسذ الذرائع، والعرف، وغيرها كثير…
د) منهجية استثمار النصوص واستقصاء أوجه دلالتها على المعاني والأحكام: والمقصود بها تلك القواعد التي استمدها الأصوليون من علماء اللغة العربية المستقرئين لدلالات الألفاظ والأساليب العربية على المعاني، وهي صلب علم الأصول وقطب الرحى فيه، إذ مدار الفقه جميعا على الكلام والخطاب الشرعي: القرآن والسنة، فلذلك كانت قواعد اللغويين في الفهم واستنباط المعاني في الأكثر هي مرجع ومنطلق البحث الأصولي في صياغة وضبط قواعده الشرعية.
ويبحث الأصوليون في هذا المبحث أمورا كثيرة، منها ما يخص إثبات اللغة، وبم يكون، بالقياس أم بالسماع؟ برواية الآحاد أم بالنقل المتواتر؟ ومنها ما يخص تداخل الأسماء الشرعية التي يطلقها الشرع على بعض المعاني مع إطلاقاتها اللغوية الأصيلة، ومتى يعمل بمقتضياتها في الصور التي ترد عليها؟ ومنها كذلك ما يخص دراسة علاقات الألفاظ بالمعاني، وتحديد أنواعها وفروعها، ومراتبها، وقوة دلالتها على مضامينها، وفيها أنوع كثيرة :
ـ دراسة الألفاظ باعتبار ما وضعت له من المعاني: فقد استقرءوا أنها على أربع صور: ألفاظ العموم، وألفاظ الخصوص، والجمع المنكر، والألفاظ المشتركة. ولكل واحد منها قواعد وضوابط تميزه عن غيره، وتبين دلالته وأقسامه وصيغه، وما يستفاد منه من المعاني والأحكام.
ـ دراسة الألفاظ باعتبار استعمالها في المعاني: وهي إما أن تكون على سبيل الحقيقة، أو تكون على سبيل المجاز، وكل من الحقيقة والمجاز إما أن يرد صريحا أو يرد كناية، ولكلٍ حكم يعرف بقواعد لغوية وأصولية قررها أئمة هذا الشأن.
ـ دراسة الألفاظ باعتبار مراتبها في الدلالة على المعاني: فقد لاحظوا أن الألفاظ العربية تتفاوت في قوة الدلالة على معانيها، فمنها الخفي الدلالة، كالمتشابه والمجمل والمشكل والخفي، ومنها الواضح الدلالة، كالظاهر والنص والمفسر والمحكم، ولكلٍ منها تحديد معروف، وأمثلة شارحة، وأحكام ثابتة يذكرها الأصوليون في محلها.
ـ دراسة الطرق التي تدل بها الألفاظ على مراد المشرع: وقد اختلفوا في عدها وترتيبها، فالحنفية يقسمون هذه الطرق إلى أربعة: دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة الدلالة، ودلالة الاقتضاء، والجمهور يقسمونها إلى قسمين: دلالة المنطوق ودلالة المفهوم، والمنطوق عندهم إما أن يكون صريحا أو غير صريح، والمفهوم إما أن يكون موافقا أو مخالفا، وبين كلا التقسيمين تداخل وتكامل، ولكل دلالة من هذه الدلالات حقيقة تتميز بها، سواء من حيث قوة الإفادة، أو من حيث التقديم والترجيح على غيرها.
هـ)  تقدير مقاصد الشريعة واعتبار مصالح الخلق في استنباط الأحكام: مقاصد الشريعة “هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد”. وموضوع هذا البحث هو المصالح والمفاسد، وما يجب لهما من الأحكام الشرعية، فالمصالح ينظر فيها من جهة جلبها والمحافظة عليها وبيان مراتبها، والمفاسد ينظر فيها من جهة  دفعها ورد ما يدعو إليها.
وقال الإمام الشاطبي: “المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد. فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معا”.
    ومن هذا المنطلق جزم العلامة ابن القيم بأن “الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها و رحمة كلها ومصالح كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث،  فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل…”.
والمقاصد عندهم أنواع باعتبارات شتى، فهي باعتبار مصدرها تنقسم إلى قسمين:
    •    مقاصد للشارع: وهي جلب المصالح ودرء المفاسد في الدارين. ‏
    •    ومقاصد للمكلف: يقصدها في أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته.
    وباعتبار مدى الحاجة إليها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
    •    المقاصد الضرورية: و”هي ما لابد منها لقيام نظام العالم وصلاحه بحيث لا يبقى النوع الإنساني مستقيم الحال بدونه”. وهي على التفصيل محصورة في  الكليات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
    •    المقاصد الحاجية: وهي التي يحتاج إليها للتوسعة ورفع الضيق والحرج والمشقة، ومثالها: … التوسع في المعاملات المشروعة على نحو السلم والمساقاة وغيرهما.
    •    المقاصد التحسينية: وهي التي تخص محاسن العادات، ومكارم الأخلاق، ولايؤدي الاستغناء عنها إلى حصول ضيق أو مشقة، وذلك كالتزام آداب الأكل، وآداب اللباس، واتخاذ الزينة، ونحو ذلك.
وهي باعتبار متعلقها الشرعي ثلاثة أقسام:‏
    •    مقاصد عامة: تخص جميع أو أغلب أبواب الشريعة ومجالاتها.
    •    مقاصد خاصة: يقصر تعلقها على باب معين أو أبواب معينة من أبواب المعاملات، كالقضاء والشهادة والتبرعات والعقوبات ونحوها.
    •    ومقاصد جزئية:  تتعلق بأعيان الأحكام الفروعية.
‏ وباعتبار القطع والظن تنقسم إلى قسمين:
    •    قطعية: تواطأت عليها الأدلة الثابتة والنصوص المحكمة الكثيرة.
    •    وظنية: يعتريها الاحتمال، ولم تثبت بيقين.
وباعتبار تعلقها بعموم المكلفين تنقسم إلى قسمين:
    •    كلية: وهي التي تهم عموم الأمة وتسري على كافة أو أغلب أفرادها.
    •    بعضية: وهي العائدة على بعض الأفراد، دون سواهم.
    والمقاصد باعتبار حظ المكلف وعدمه تنقسم إلى قسمين: ‏
    •    المقاصد الأصلية: وهي التي لا يلحظ فيها أي حظ  للمكلف.
    •    المقاصد التابعة: وهي التي فيها حظ ظاهر للمكلف، كالزواج والبيع وغيرهما…
    إن هذه التقسيمات الجامعة التي وضعها الأصوليون تدل على تمام الاستقراء الذي أبدعه العقل الأصولي، من أجل اكتشاف المعالم الرئيسة والمعاني الكلية التي ينبغي أن تكون الحاضن المنهجي والإطار العلمي لكل فعل فقهي يروم الحكم على تصرفات المكلفين وضبط مناشطهم وفق نظر الشريعة العدل والميزان القسط.  
4 ـ نشأة علم أصول الفقه وتطور مناهجه:
    كثيرا ما يلتبس على بعض الدارسين الأمر حينما يعرضون للحديث عن نشأة علم أصول الفقه، فتراهم يذكرون أن أول واضع لعلم أصول الفقه، وباسط للقول في مباحثه، هو الإمام الشافعي رضي الله عنه، وعمدتهم في ذلك أنه أول من صنف فيه كتابا جامعا مستقلا سماه كتاب “الرسالة”، وهذا لا يعني أنه أول من اكتشف هذا العلم، ووضع  قواعده وبحوثه. فاقتران علم الفقه بعلم الأصول أمر لازم، وانفكاك أحدهما عن الآخر قضية مستحيلة، ولا يتصور فقه أو حكم أو تكليف إلا بآلات الأصول و أدواته الدلالية والمصدرية والمقصدية، وما يلحق بها من السؤال عن حال الفقيه المستنبط للأحكام وشروطه التي تفصلها كتب الأصول، فأول يوم ظهر فيه الفقه واستنباط الأحكام، كان هو نفس اليوم الذي ابتدأت فيه نشأة علم أصول الفقه. وأما ما وقع بعد من التدوين والتصنيف والتنهيج، فلم يكن إلا فعلا كاشفا، لا منشئا كما يعتقد كثيرون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الكلام في أصول الفقه وتقسيمها إلى: الكتاب، والسنة، والإجماع، واجتهاد الرأي، والكلام في وجه دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام: أمر معروف من زمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلك، والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وهم كانوا أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم… “.
ومن التطبيقات الأصولية الظاهرة التي تنسب إلى الصحب الكرام: قول عبادة بن الصامت رضي الله عنه لما قيل له: إن أبا محمد الأنصاري يقول: إن الوتر واجب.فقال رضي الله عنه: “كذب أبو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه”.
ففي هذا الحديث مصطلحات وتطبـيقات أصولية ثابتة، منها: مصطلح الواجب،  و الرد إلى السنة، وحصول الخلاف، والاحتجاج بمفهوم المخالفة؛ إذ النص على فرضية الصلوات الخمس وحدها –كما في الحديث- يدل على أن ما سواها ليس بمنزلتها في الحكم، وغير هذا كثير.
غير أن العمل التأصيلي الذي كان يقوم به الصحابة ومن بعدهم من كبار التابعين كان عملا سليقيا يرجعون فيه إلى ما استقر عندهم من المعرفة بعلوم اللغة العربية، ومعاينة تنزل الأحكام في بيئتهم، وتبصرهم بأسرار التشريع ومقاصده، مع اشتهار بقوة الذهن، وسلامة الفطرة، وذكاء القريحة، فلم يشعروا بالحاجة إلى تدوين هذا العلم، ولم تلجئهم الدوافع  إلى فصله عن علم الفقه، أو تخصيصه بمناهج وقواعد مستقلة.
وقد استمر الوضع على هذا الحال زمنا غير يسير حتى جاء عصر الأئمة المجتهدين، حيث اتسعت رقعه الدولة، و اختلط اللسان الفارسي والرومي باللسان العربي، واختلفت القيم والأعراف، وظهر الأئمة المجتهدون، وتوسعوا في الخلاف أيما توسع، فأصبحت الحاجة ماسة إلى وضع موازين للاجتهاد.
وكان أول من وصلنا تصنيفه في هذا العلم و تحرير مسائله في مصنف مستقل هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي في كتابه الذي سمي  بالرسالة، و قد توخى فيه  العمق والدقة، و بسط القواعد، وتحرير المسائل مع العناية بإقامة الدليل على ما يذكره من الأقوال ويختاره من الاجتهادات، ومناقشه آراء المخالفين بأسلوب علمي بديع ومنهج علمي رصين.
وقد ضمن الشافعي رضي الله عنه كتابه هذا بحوثا نفيسة، ودراسات رصينة عن القرآن وطرق بيانه، والسنة ومكانتها في التشريع، وتكلم عن الأوامر ودلالاتها، والنواهي وأحكامها، وأطال في الحديث عن أحوال الناسخ والمنسوخ، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والاحتجاج بخبر الواحد..
وكتاب الرسالة هو أول تأسيس منهجي وعلمي في تناول الموضوعات الأصولية، وطرائق بحثها والتأليف فيها. ولم يقتصر جهد الشافعي في علم الأصول  على كتاب الرسالة، بل صنف كتبا غيرها مثل كتاب إجماع العلم، وكتاب إبطال الاستحـسان.
وهكذا توالت المؤلفات، وتتابعت المدونات، بعد الشافعي مقتفية طريقته في التصنيف والترتيب، والبحث والاستدلال، ثم تطور الدرس الأصولي وتوسعت بحوثه فظهرت طرائق جديدة في البحث والتأليف:
أولاً: طريقة المتكلمين.
وتدعى أيضا طريقة الـشافعـية، و سميت بذلك لأن أكثر من ألف بها كانوا من متكلمي الشافعية، وقوامها العناية بتقرير القواعد والاحتجاج لها بالأدلة النقلية والعقلية المستقاة من المنطق العقلي، والقواطع الشرعية الثابتة، من غير التفات أو اعتماد على فروع الفقه، بل الحكم لما أثبته الدليل والبرهان و أيدته الأمارات والقرائن. ومن أهم الكتب التي ألفت على هذه الطريقة:
1 ـ “المعتمد في أصول الفقه” لأبي الحسين البصري المعتزلي 436هـ.
2 ـ “البرهان في أصول الفقه ” لإمام الحرمين الجويني 478هـ .
3 ـ “المستصفى من علم الأصول ” لأبي حامد الغزالي 505هـ…
ثانياً: طريقة الفقهاء.
وتدعى أيضا طريقة الحنفية : وسميت بذلك لأن تحرير القواعد فيها ينبني على الفروع الفقهية، والنسبة إلى الحنفية،  تفيد أنهم أكثر من ألف بهذه الطريقة. وتقوم هذه الطريقة على ملاحظة الفروع الفقهية المتجانسة المتناثرة في أقوال المذهب واستخراج جوامعها ونواظمها الأصولية التي تأسست عليها، ومن ثم صياغتها في شكل قاعدة أصولية معتمدة في المذهب، فالأصول في هذه الطريقة قائمة على الفروع، وليس العكس كما عند المتكلمين.
ومن أجل الكتب المؤلفة على هذه الطريقة:
1 ـ أصول السرخسي “لأبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي 490هـ.
2 ـ “تقويم الأدلة” في أصول الفقه  لعبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي 430هـ.
3 ـ “كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي” لعلاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري 730هـ…
ثالثاً: الطريقة الجامعة.
التي تجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء، وتقوم هذه الطريقة على تحرير القواعد الأصولية اعتمادا على الأدلة النقلية والعقلية، ثم يذكرون الفروع الفقهية التي تدخل تحتها، ويستقصون الاستثناءات الواردة عليها مع بيان سبب ذلك وعلته، ومن أهم مؤلفاتها وأجمعها:  
1- “بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام” لأحمد بن علي الساعاتي 694هـ..
2- “جمع الجوامع” لتاج الدين السبكي 771هـ..


المبحث الثاني
تفسير النصوص في القانون: حقيقته، مدارسه، مناهجه

1 ـ تمهيد:
يعرف القانون بأنه “مجموعة قواعد السلوك العامة المجردة الملزمة التي تنظم الروابط الاجتماعية في المجتمع وتقترن بجزاء مادي حال، وتقسر الدولة الناس على اتباعها ولو بالقوة عند الحاجة “.
والقانون ضرورة بشرية؛ اقتضتها طبيعة الإنسان الاجتماعية؛ فإنه لا يستطيع العيش بمعزل عن بني جنسه، وهو يحتاج دائما إلى الجماعة التي تشاركه الحياة وتبادله المصالح والمنافع، وهذا ما يعرض علاقاته وتصرفاته للتعسف والشطط والظلم، و تضارب المصالح واشتداد النزاعات، ولهذا اقتضى نظر العقلاء من بني البشر الاحتكام إلى قواعد قانونية وضوابط نظامية يلزم بها الجميع حتى يستقيم تدبير المنافع والمرافق ويعتدل أمر المصالح والمناشط.
2 ـ خصائص القاعدة القانونية:
إنها قاعدة سلوكية تهدف إلى توجيه السلوك الإنساني إلى التزام التصرف القويم، وترشد إلى العمل النبيل، في شتى نواحي الحراك الاجتماعي، وقد يكون هذا التوجيه مباشرا بالأوامر الملزمة والنواهي الزاجرة، وقد يكون غير مباشر حينما تتضمن القاعدة تعريفا أو إجراء أو تنظيما، ولا يتم الالتزام بها إلا بإخضاع السلوك لمقتضياتها التنظيمية.
إنها قاعدة عامة ومجردة تنسحب أحكامها على جميع المكلفين الذين يصدق عليهم خطابها، غير مخصصة بأشخاص بأعيانهم، أو حوادث بذاتها، وإنما وضعت للعموم المطلق المجرد عن القيود والصفات، وذلك حتى  يطرد تطبيقها على القابل من النوازل على مر الأزمان.
وهي كذلك قاعدة اجتماعيه، ألجأت إلى إصدارها الحاجة الاجتماعية؛ ولذلك فهي تنطلق من قيم المجتمع ومثله العليا وعاداته وتقاليده ومعتقداته، وتقصد إلى تكوين المجتمع الصالح الذي يوازن أفراده بين حاجاتهم الفردية  ومتطلبات أمتهم الاجتماعية،  ليتحقق لهم كمال الاستقرار والسلام.
ثم هي قاعدة ملزمة مقترنة بجزاء، ولا يترك أمر التزامها لهوى المكلف وتقديره، وإنما هو مجبر على احترام مضمونها والعمل بمقتضياتها، وذلك تحت طائلة العقوبة التي توقعها السلطة المختصة.
3 ـ أصول المنظومة المعرفية والمنهجية لتفسير النصوص القانونية:
أ. مصادر القاعدة القانونية :
مصادر القانون: هي الأصول التي يرجع إليها من أجل استمداد القاعدة القانونية، واستخلاص مادتها ومضمونها، وهي كثيرة متعددة، نعرضها على الترتيب المعهود عند الأكثرين:
∙ التشريع: وذلك بسن القواعد القانونية في صورة نصوص مكتوبة من طرف الهيأة التشريعية المختصة [ برلمان / مجلس الشعب…] التي أوكلت لها الأمة صلاحية وضع القوانين. والتشريع هو أهم مصدر للقانون في الدولة الحديثة؛ إذ أن أغلب القوانين التي ترجع إليها الهيئات والأفراد والمؤسسات والمحاكم تصدر من طريق التشريع.
∙  الدين: وهو مجموع القيم والمبادئ والأحكام التي أنزلها الله تعالى لهداية الناس وتوجيه سلوكهم، وتنظيم علاقاتهم المختلفة، وتشمل العبادات والمعاملات فالأولى تخص العلاقة بين الإنسان وخالقه، والثانية تخص علاقة الخلق بعضهم بعضا.
ويعتبر الدين من أهم المصادر الأصلية التي تستمد منها القواعد القانونية، وأكثر ما يظهر أثرها في القوانين الاجتماعية والأسرية التي تنبني غالبا على الارتباط بالموروث الديني والثقافي للأمة، وذلك مثل قوانين الأسرة من زواج، وطلاق، وإرث، وغير ذلك.
∙  العرف: ويقصد به ما اعتاده الناس وألفوه في تصرفاتهم وارتباطاتهم الاجتماعية من سلوك وتقاليد يرجعون إليها ويراعونها في تعاقدهم والتزاماتهم مع صحة اعتقادهم بلزومها ووجوبها واستحقاق الجزاء على مخالفة مقتضياتها.
فاعتبار العرف لا يقوم إلا بركنين أساسيين: شيوع السلوك واعتياده، ثم الإقرار المعنوي بلزومه.
ويعتبر العرف من أهم وأقدم المصادر الرسمية للقانون؛ لأن أصل نشأته ترجع إلى ضرورات التطور المجتمعي وتفاعل علاقاته، فعلى هذا الأساس تستمد مقتضياته، وتكتسب صفة اللزوم والإلزام.
∙ الفقه والقضاء: يقصد بالفقه تلك الجهود العلمية التي يقوم بها المختصون من رجال القانون بغرض التعليـق على النصوص القانونية، وبسط الشروحات  عليها، وتفسير جوانب خفائها وغموضها، وطرق تطبيقها، وبيان عيوبها وثغراتها، لكي يهتدي بها القاضي عند تطبيقه للقانون والفصل في النزاعات المعروضة عليه.
وتعتبر الدراسات الفقهية للقانون ذات طبيعة استئـناسية وليست إلزامية،  غير أن ذلك لا يمنع من اعتباره مصدرا مهما من مصادر القانون؛ إذ تشكل بحوثه وآراء فقهائه ثروة علمية يسترشد بها ويرجع إليها في كل اقتراح أو تعديل أو إصلاح قانوني قابل.  
ويقصد بالقضاء: الأحكام والاجتهادات الصادرة عن قضاة المحاكم المختلفة التي تنظر وتبث في القضايا التي تعرض عليها من قبل المتنازعين، ويختلف النظر إلى موقع الأحكام القضائية بين المدارس والنظم القانونية. ففي الأنظمة التي تتيح قوانينها للقضاء أن يسن القواعد العامة الملزمة يعتبر الاجتهاد القضائي من قرارات وأحكام مصدرا من المصادر الرسمية للقانون. أما الأنظمة التي لا تتيح لقضاتها ذلك، فإن القضاء فيها لا يعتبر سوى مصدر تفسيري يسترشد بآرائه ولا يلتزم بها.
∙ مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة: اختلف الباحثون في تحديد مفهوم القانون الطبيعي على أقوال كثيرة، غير أنه يمكن القول أن بينها جميعا قاسما مشتركا أساسه: اعتبار الفطرة البشرية المستقيمة المجبولة على تقدير الخير والصلاح، وازدراء الشر والفساد، فالبشرية كلها تجمع على اعتبار فضيلة الصدق والوفاء والأمانة، وتنكر الغدر والغش والخيانة، وهذه المبادئ والقواعد أصيلة في فطرة الإنسان، مبثوثة في طبائع الأشياء من حوله، نلمسها في خواص النظام والتوازن والحكمة التي تحكم سائر الموجودات، وتطرد في جميع المخلوقات،  ومن ثم يتوجب على الإنسان السعي لاكتشافها والاحتكام إلى مقتضياتها، وتطبيقها في حياته.
غير أن أكثر الباحثين في علوم القانون قد دأبوا على جعل هذه المبادئ والقواعد على الرغم من أهميتها آخر المصادر لاستمداد القواعد القانونية لما يكتنفها من السعة في المعاني والخلاف في التقدير.
ب . تفسير القانون مفهومه وأسبابه:
∙ تفسير القانون:
تفسير القانون ضرورة قائمة أمام كل من يتعرض لدراسة نصوصه فقها أو قضاء، فإن عموم الصياغة في القواعد، وتجردها عن الأعيان والذوات، يجعل من الصعب تنزيل مقتضياتها على الحالات الجارية والمتجددة، والوقائع البسيطة والمركبة، إلا بعد البيان والتفسير.
“والمقصود بتفسير القانون تحديد مضمون القاعدة القانونية، والتعرف على عناصرها وأوصافها، حتى يمكن بذلك تحديد نطاقها من حيث الموضوع والتحقق بالتالي من مدى انطباقها على الحالات المختلفة” .
وعرفه بعض الباحثين بتعريف أوسع فقال: “هو تحديد معنى القاعدة القانونية لرسم حدود تطبيقها العملي واستخلاص الحلول التي تتضمنها العلاقات القانونية بما يدخل في هذا من إيضاح غامضها وتفصيل مجملها “.
فحسب هذا التعريف فإن مفهوم التفسير يشمل قضيتين اثنتين هما:
ـ بيان المعنى الذي تدل عليه القاعدة القانونية.
ـ استخلاص الحلول والأحكام والاستدلال بها على الوقائع.
والمقصود ببيان المعنى إيضاحه ورفع ما يكتنفه من غموض وإبهام حتى تنجلي حقيقته، ويظهر المقصود به، ويصح وجه الاحتجاج به، ومثال ذلك: أن تعترض المفسر ألفاظًا مشكلة، أو مجملة، محتملة لمعان كثيرة، فيضطر إلى تمحيصها والتدقيق في مضامينها بالرجوع إلى المصادر المعينة، من لغة وعرف وأحكام سابقة…حتى يستقر به البحث على معنى راجح يصح اعتباره والعمل بمقتضاه.
ومثال ذلك: لفظ “عديم الجنسية” الوارد في الفصل العاشر من القانون الجنائي المغربي: “يسري التشريع الجنائي المغربي على كل من يوجد بإقليم المملكة من وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية، مع مراعاة الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي والقانون الدولي”. فإن هذا اللفظ مشتبه، وقد يلتبس بألفاظ قريبة منه، فلذلك يخضعه المفسر للكشف والبيان حتى يتضح مدلوله. ومثاله أيضا: “لفظ المعتوه” الوارد في المادة 279 من مدونة الأسرة المغربية، فإنه يحتمل هو الآخر أكثر من معنى يلزم معها التفسير والإيضاح.
وأما المقصود بالاستخلاص والاستدلال: فهو استخراج ما يدل من القاعدة من منظومها أو مفهومها أو معقولها على حكم، يحتاج تصحيحه أو تطبيق مقتضياته إلى حجة قانونية صحيحة. ومثال ذلك أن يورد المفسر تفسيره لنص المادة 98 من مدونة الأسرة المغربية، مدعيا أن تعاطي الزوج للمخدرات وشرب السجائر يعتبر ضررا يبيح طلب التطليق إذا كانت الزوجة مريضة بمرض الربو “مثلا”، ولا تستطيع تحمل هذه الإساءة، وحجته في ذلك منطوق هذه المادة: “للزوجة طلب التطليق بناء على أحد الأسباب الآتية: (…) الضـرر..”.
فإن مفهوم الضرر في هذا النص ورد عاما مطلقا يصح ابتداء حمله فقها ولغة على الوجه الذي أراده المفسر.
وفي أمثال هذه التطبيقات –وما أكثرها!- يكتسي موضوع التفسير أهميته الكبيرة وخطورته البالغة، فإنه وإن ظهر أنه ضرورة مفيدة نافعة، إلا أنه في كثير من الأحيان بفعل الأخطاء والأغلاط التي يقع فيها المفسر، أو سوء نيته، أوتحايله على القانون، أو ضعف مؤهلاته العلمية يتسبب في إفساد القانون فسادا مدمرا؛ إما بتوسيع نطاق تطبيقه، وإما بتضييقه، ومن ثم يحرف عن مقصوده، ويقصر عن بلوغ غايته.  
    •    حالات التفسير وأسبابه:
الأصل الغالب في النصوص القانونية عدم الحاجة إلى التفسير لما فيها من وضوح العبارة واستقامة المعنى، غير أن عددا آخر من هذه النصوص تعتريه عيوب وآفات تجعله صعبا على الفهم، مستحيل التطبيق، مما يستدعي ضرورة التفسير والبيان، وهذه الآفات والعيوب هي التي يطلق عليها حالات التفسير وأسبابه، ومنها:
– الخطأ: وأكثر ما يكون ذلك من طريق السهو. وصورته أن يتضمن النص القانوني لفظا لا يصح أن يكون هو مراد المشرع، بحيث لا يستقيم معنى النص إلا بتصحيح ذلك اللفظ بلفظ آخر أسلم وأدق. ومهمة المفسر هاهنا هي الكشف عن الخطأ والدعوة إلى تصحيحه، ومثال ذلك: أن يذكر النص أن من ارتكب هذا الفعل يعاقب بالسجن شهرا واحدا أو شهرين، فواضح من مدة العقوبة أن الأمر لا يتعلق بالسجن وإنما بالحبس، لما تقرر من الفرق بينهما في أغلب القوانين الجنائية إطلاقا ومعنى.
– ىالغموض: وذلك بأن تكون عبارة النص مبهمة تحتمل أكثر من معنى، ولا وجه لرجحان أحدهما على الباقي إلا بالتفسير والبيان، وعلى المفسر الاختيار بين المعاني والأخذ بالمعنى الأقرب إلى الصواب، بناء على القرائن والمقاصد وقواعد التفسير.
ومثال ذلك كلمة “الليل” الواردة في الفصل 125 من القانون الجنائي المغربي: “تعتبر الجريمة نتيجة الضرورة الحالة للدفاع الشرعي في الحالتين الآتيتين:
1)  القتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكب ليلا لدفع تسلق أو كسر حاجز أو حائط أو مدخل دار أو منزل مسكون أو ملحقاتهما؛
2) الجريمة التي ترتكب دفاعا عن نفس الفاعل أو نفس غيره ضد مرتكب السرقة أو النهب بالقوة”.
فهل يقصد بها الليل الفلكي الذي يبتدئ من مغرب الشمس إلى شروقها؟ أم المقصود هو الحالة التي يعم فيها الظلام؟
فلو أنا قدرنا أن مجرما ارتكب جرمه في حالة كسوف كلي للشمس، أو في أزقة القصور والمداشر العتيقة حيث يعم الظلام، فإلى أي معنى يجب المصير؟ ففي مثل هذه الحال يتعين التفسير والبيان، والترجيح بين المبنى والمعنى.
– النقص: وذلك حينما يغفل المشرع  لفظا لا يستقيم معنى النص إلا بإثباته، أو يسكت عن إيراد أحكام بعض الحالات والصور التي يقتضيها المنطق القانوني، ومثال ذلك  المادة 151 من القانون المدني المصري القديم: “كل فعل نشأ عنه ضرر للغير يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر”، فقد أغفل المشرع هاهنا ركن الخطأ، إذ لا يصح أن يكون الفعل مقصودا به غير ذلك، ولذلك وقع تدارك هذا النقص في تعديل لاحق، وأصبحت المادة 163من القانون المدني الحالي تنص على أن “كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض”، وفي مثل هذه الحالات يجتهد المفسر في سد هذا النقص بالقياس على الحالات المماثلة، أو مراعاة المقاصد التي دلت عليها أصول القانون وكلياته المعتبرة.  
– التناقض: ويقصد به التعارض بين نصين قانونيين واردين على محل واحد يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر، كأن ينص الأول على بطلان فعل، وينص الثاني على صحته أو قابليته للبطلان، أو نحو ذلك، وأكثر ما يكون ذلك في القوانين التي تشترك في تنظيم بعض الأفعال، وذلك مثل قوانين الأسرة و قانون الالتزامات و قوانين التجارة، ونحو ذلك…
ومثال ذلك ما نصت عليه المادة 115 من القانون المدني السوري “يقع باطلًا تصرف المجنون والمعتوه إذا صدر التصرف بعد إشهار قرار الحجر” وخلاف ذلك ما نصت عليه المادة 200 من قانون الأحوال الشخصية السوري فقد جاء فيها: “المجنون والمعتوه محجوران لذاتهما ويقام على كل منهما قيم بوثيقة، “فقد اشترطت المادة 115 إشهار قرار الحجر لبطلان تصرفات المعتوه والمجنون، بينما نصت المادة 200 على ابتداء وقت البطلان من يوم الإصابة من غير اشتراط الإشهار، وهذا يوجب التعارض في حالة توارد عليها النصان، وهي التصرفات الواقعة في فترة ما قبل الإشهار، هل يعتد بها عملا بالمادة 115؟ أم هي باطلة أخذا من منطوق المادة 200؟  
وفي مثل هذه الحالات يلجأ المفسر إلى قواعد الترجيح بين القوانين المتفاوتة الدرجة، أو القول بالنسخ، أو حمل أحد النصـين على الخصوص والآخر على العموم، أو نحو ذلك.
ج . أنواع التفسير:
التفسير أنواع ثلاثة، تتراتب باعتبار أهميتها والجهة التي يصدر عنها إلى تفسير تشريعي، وآخر قضائي، وثالث فقهي.
– التفسير التشريعي: هو التفسير الذي يقوم به المشرع الذي صدر عنه القانون، ويقصد به بيان وإيضاح الإبهام الذي يعتري بعض النصوص الغامضة التي يثور بشأن تطبيقها نزاع وخلاف بين المحاكم، ولم يهتد القضاء إلى معناها المراد، فهاهنا يتدخل المشرع  بإصدار نص تفسيري واضح في دلالته، رافع للالتباس الحاصل، كاشف لإرادة المشرع الأصلية.
ومن الخصائص القانونية للنص التفسيري أنه يتمتع بقوة الإلزام كالنص المفسَّر؛ لأنه امتداد له، فهما كالنص الواحد،  وأثره يكون رجعيا بحيث تطبق مقتضياته من تاريخ العمل  بالقانون المفسَّر.
        – التفسير القضائي: ويهم النص المبهم الخفي الدلالة، ويقوم به القضاة أثناء نظر الدعاوى وتنزيل مقتضيات النصوص القانونية المراد الحكم بها على النوازل الطارئة، ويتميز التفسير القضائي بطبيعته العملية؛ لأنه نابع من الظروف والملابسات الحيوية المحيطة بالنازلة، فلذلك نجده يتمتع دائما بقدر من المرونة والتوافق مع الواقع.
ومن خصائصه القانونية أن الأصل فيه عدم الإلزام، سواء لباقي المحاكم، أو للقاضي نفسه في الدعاوى المماثلة، إلا ما كان من استثناءات يخص بها المشرع بعض المحاكم الخاصة، كمحاكم المجالس العليا للقضاء، وبعض الهيآت القضائية الخاصة في حدود بعض التشريعات الفرعية اليسيرة. والتفسير القضائي يثيره القضاة تلقائيا دون حاجة لطلب الخصوم؛ لأن به يتم فهم القاعدة ويتضح  مدلولها ومقصدها، ليتأتى بعد ذلك تطبيق أحكامها.       
– التفسير الفقهي: وهو التفسير الذي يقوم به فقهاء القانون في بحوثهم القانونية ومؤلفاتهم العلمية حيث يتعرضون بالشرح والتحليل واستخلاص الأحكام التي يرمي إليها المشرع والتعليق عليها. ويمتاز هذا التفسير في الغالب بطبيعته النظرية؛ لأنه لا يعرض للوقائع الحادثة الناشئة عن النزاعات بين الخصوم كما هو الحال في التفاسير القضائية، ولذلك فهو لا يتمتع بأية قوة إلزامية، فللقاضي أن يأخذ به إذا أداه إليه اجتهاده، وله أن يتركه إذا لم يصلح لواقعته، غير أن هذا لا يقلل من أهمية التفسير الفقهي، فإن له مزية اقتراحية وتنويرية لاجتهادات القضاة، وبفضله تتوسع مراكز النظر إلى النص القانوني، وتتعدد الشروح والتعاليق مما يتيح للسادة القضاة الإحاطة الكاملة بجوانب النص ومآلات الحكم به وتطبيق مقتضياته.
    ومن أمثلة التفاسير الفقهية المتداولة في المكتبة القانونية والمعروفة لدى الباحثـين:
أ/ الوسيط في شرح القانون المدني للدكتور عبد الرزاق السنهوري.
ب/ شرح القانون الجنائي المغربي للدكتور عبد الواحد العلمي.
ج/ شرح مدونة الأسرة، انحلال ميثاق الزوجية للدكتور محمد الكشبور…
د. مذاهب التفسير:
يقصد بمذاهب التفسير الاتجاهات القانونية التي استطاعت أن تبلور لنفسها أسسا ومناهج خاصة بها في بيان النصوص القانونية وتفسيرها، وقد استطاع الباحثون من خلال عملية استقراء ورصد ومقارنة لمختلف التفاسير التي أفرزها الفكر القانوني منذ القدم التعرف على الكثير من هذه المدارس والمذاهب، غير أن أهمها وأوسعها انتشارا، وأكثرها تعرضا للدراسة والتحقيق ثلاثة:
– المذهب التقليدي: ويدعى أيضا بمدرسة الشرح على المتون؛ لأنه يلتزم بحدود النص ويتقيد بحروفه، ولايتعداه، وقد ظهر هذا المذهب أول الأمر في فرنسا إبان هيمنة تقنينات نابليون على ميادين التشريع والقضاء.
ومن أهم الأسس التي يقوم عليها المذهب التقليدي: تقديس النصوص، واعتبارها المصدر الوحيد للقانون،  وأن مهمة المفسر تنحصر في الكشف عن إرادة المشرع، وذلك من خلال دراسة الألفاظ والعبارات التي وردت في النص وبيان مدلولاتها ووجه إفادتها للأحكام، فإن لم تسعف العبارات والألفاظ في ذلك تعين البحث عن الإرادة المفترضة للمشرع وقت سنه للقانون والالتزام بها، ولا عبرة في منطق هذه المدرسة للظروف المستجدة التي يشهدها العصر القابل، ولا المتغيرات اللاحقة التي عرفها الواقع الاجتماعي، فالتكييف والتوسع في تفسير القانون –في نظرها- تحت ضغط هذه النوازل هو عين التحريف والتغيير لإرادة المشرع الصحيحة الثابتة.
ولذلك فإن من أهم ما يؤخذ على هذا المدرسة: العناية بالشكل والمباني على حساب المضامين والمعاني، وجمودها على المنظوم، وإغفال المفهوم والمعقول، وهذا بلا ريب يضر بتطبيق القواعد القانونية، ويفقدها خاصية الهيمنة التنظيمية التي ما وضعت أول الأمر إلا لأجلها.
– المذهب التاريخي أو الاجتماعي: على نقيض ما تقول به المدرسة التقليدية من الركون إلى المتون، يرى أنصار المدرسة التاريخية وعلى رأسهم الفقيه الألماني سافيني أن القانون وليد المجتمع يتطور بتطوره ويعبر عن إرادته المتجددة، وليس إرادة واضعه، فالنص القانوني في نظر هذه المدرسة بمجرد نشوئه وصدوره ولو من واضع حاذق، ينفصل عن صاحبه،  ليتمتع بكيانه المستقل، ويصبح تحت تصرف المجتمع، ومن ثم فإنه لابد أن يستوعب مطامح هذا المجتمع وآماله المتجددة التي لم يكن للواضع بها علم. والتفسير الذي تقترحه هذه المدرسة ينبغي أن يكون مساوقا لتطورات المجتمع الآنية وحاجاته الاقتصادية والسياسية والعلمية  القائمة اليوم وغدا، فما القانون إلا مرآة تعكس اتجاهات المجتمع و أولوياته المتقلبة، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا بتجاوز النظرة “الماضوية “، والدعوة إلى تمثل النظرة المستقبلية بكل أبعادها وقيمها المواكبة للمتغيرات والمسايرة للمستجدات.
غير أن التوسع في الأخذ بهذا المذهب لا يسلم من محاذير، أسوؤها أنه بدافع التطور وتحت ستار التفسير يستطيع المفسر أن يغير في القوانين ويبدل، بل ويحرف –أحيانا- تبعا لهواه ومصالحه الشخصية، مما يفقد القواعد القانونية صبغتها التنظيمية والتأطيرية لمرافق المجتمع وعلاقات أفراده، فتسقط بالتالي هيبتها  من  النفوس ويضيع المقصد منها.
– مذهب البحث العلمي الحر: ويسمى أيضا بالمذهب العلمي أو النظرية العلمية، وينسب هذا المذهب إلى الفقيه الفرنسي “جيني”، ويقف موقفا وسطا بين المذهبين السابقين،  إذ يقوم على مبدأين اثنين:
فأما الأول، فهو إقراره للمذهب الأول: (المذهب التقليدي) بأحقية البحث عن  إرادة المشرع وقت وضع القانون والالتزام بها متى كانت صريحة ثابتة، وهذا الاختيار لا ينطبق إلا على الحالات المنصوصة التي تنظم علاقات أو مرافق قائمة مشهودة، أما الحالات التي لم تتبين فيها إرادة المشرع، فهذه ينظر فيها بمنظار ثان.
وهذا المنظار يتفق مع المذهب التاريخي، ويتعلق بالحالات التي يتعذر فيها انكشاف إرادة حقيقية للمشرع، فهاهنا يلزم المفسر الاجتهاد والبحث عن الأحكام المناسبة لواقعته في المصادر الأخرى للقانون من تشريع وعرف ودين وغيرها، فإن لم يفلح البحث في الوصول إلى المراد تعين آنذاك اللجوء إلى ما تدعوه هذه المدرسة بالبحث العلمي الحر أي ” الرجوع إلى جوهر القانون ومصادره الحقيقية وما تشتمل عليه من عوامل مختلفة يؤدي تفاعلها إلى ظهور القاعدة القانونية اللازمة لتلك الحالة، وهذه العوامل قد تكون طبيعية أو اقتصادية واجتماعية أو دينية وأخلاقية أو تاريخية…”.
هـ . طرق التفسير وقواعده:
يقصد بطرق التفسير وقواعده: المسالك والمناهج التي ينتهجها المفسر من أجل بيان النص القانوني وإدراك مراد المشرع منه حتى يتم تطبيق مقتضياته تطبيقا صحيحا. وهذه الطرق نوعان: داخلية وخارجية.
    •    الطرق الداخلية: وتعتمد على استنباط معاني النصوص وأحكامها، وذلك بالبحث في صيغها اللغوية و تفسير ألفاظها وعباراتها سواء من حيث دلالاتها الثابتة بالمنطوق  أو بالمفهوم، وذلك اعتمادا على  قواعد اللغة  والبيان المقررة عند أصحاب هذا الشأن.
فإذا كان النص سليما صحيح العبارة، فإن دور المفسر لا يعدو أحد أمرين:
أولهما: استخلاص منطوق النص ومعناه المتبادر من ألفاظه، الجاري على وفق إرادة المشرع واصطلاحاته، وهذا هو الأيسر في تفسـير النصوص، وهو النوع الغالب، ومثال ذلك: نص الفصل 25 من قانون الوظيفة العمومية المغربي: “يجب أن تنشر تسميات الموظفين وترقياتهم في الجريدة الرسمية “. فواضح من ألفاظ هذا النص وعباراته: مقصود المشرع، ولا يحتاج في تفسيره وتطبيقه أكثر من اعتبار منطوقه.
ثانيهما: استخلاص المعاني من روح النص وفحواه إذا دعا إلى ذلك داع من ضرورة أو حاجة قانونية يتوقف عليها البيان والتطبيق، وهذا النوع من الاستخلاص أقسام وفروع:
– استخلاص المعنى من طريق دلالة الإشارة: والمقصود بدلالة الإشارة ما تضمنه النص من المعاني اللازمة غير الصريحة عبارة، لكنها مستفادة من جهة اللزوم، اقتضتها ضرورة اللغة والعقل.
ومثال ذلك: نص الفقرة الرابعة من المادة 81 من مدونة الأسرة المغربية على أنه ” إذا تبين أن عنوان الزوجة مجهول، استعانت المحكمة بالنيابة العامة للوصول إلى الحقيقة، وإذا ثبت تحايل الزوج، طبقت عليه العقوبة المنصوص عليها في المادة 361 من القانون الجنائي بطلب من الزوجة.” وهي الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى ثلاثمائة درهم.
فاشتراط طلب الزوجة ها هنا يستفاد منه بطريق الإشارة أن جريمة التحايل هذه بخصوصها ليست جريمة ضد المجتمع، وإنما هي جريمة في حق الزوجة إن شاءت أثارت المتابعة، وإن لم تشأ لم تثرها، وهذا تترتب عليه أمور قانونية كثيرة، ووجه ذلك هو تشوف المشرع إلى إبقاء فرص الحفاظ على الصلة الزوجية، وعدم الزج بها في متاهات الصراع والضياع.
–    استخلاص المعنى من طريق مفهوم الموافقة: مفهوم الموافقة معناه أن يدل اللفظ على ثبوت حكم لأمر مسكوت عنه غير منطوق به في عبارة النص، لكنه موافق لحكم الأمر المذكور في محل النطق.
ويعرف ذلك من اتحاد علتهما التي بني عليها الحكم المنطوق، فإذا فحص المفسر الواقعة المسكوت عن حكمها، وبحث عللها، ثم وجد أنها تشترك مع الواقعة المنصوصة في العلة، وتتأثر بها وجودا وعدما، فإنه يعطيها نفس حكمها، إذ الأحكام منوطة بعللها ومقاصدها تابعة لها غير منفكة عنها. وهذا هو الذي يسميه المفسرون بالقياس، وهو على نوعين:
قياس عادي: وأساسه اتحاد العلة بين الواقعة المنصوصة، وغير المنصوصة، وهو يقوم على بحث عقلي يفحص من خلاله المفسر دلائل وملابسات كثيرة ليكشف عن وجوه الاتحاد أو الافتراق بين الواقعتين علة وحكما. ومثاله أن ينص المشرع على أن التأمين البحري يعتبر عملا تجاريا، ولا يذكر ذلك في التأمين البري، فهاهنا يلجأ المفسر إلى بحث الأمر من جهة القياس، ويدقق في العلل والحكم، فإن ظهر له اتحاد في العلة بين التأمينين لزمه إلحاق التأمين البري بالتجاري في الحكم؛ أي في اعتباره هو الآخر عملًا تجاريًا تسري عليه المقتضيات المنظمة للأعمال التجارية ، وإن لم يظهر له ذلك، استكمل البحث بأحد طرق التفسير الأخرى حتى يقع على وجه الصواب في المسألة.
قياس من باب أولى: وأساسه أيضا اتحاد العلة بين الواقعتين، غير أنه هاهنا تكون العلة في الواقعة غير منصوصة الحكم أظهر وأقوى منها في الواقعة المنصوصة، ولهذا تلحق بها من باب أولى. ومثال ذلك أن ينص المشرع في الفصل 418 من القانون الجنائي المغربي على تمتيع الزوج الذي قتل زوجته وشريكها المتلبسين بجريمة الزنا بظروف التخفيف، ويسكت عن غير القاتل، فإن فرضنا أنه لم يقتلهما، لكنه ألحق بهما أذى جسميا وخطيرا، فإن تمتيعه بظروف التخفيف يكون من باب أولى؛ لأنه أحفظ للدماء والأعراض.
– استخلاص المعنى من طريق مفهوم المخالفة، أو ما يدعونه بالاستنتاج العكسي، وهو أن يدل اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه لانتفاء قيد من القيود المعتبرة، وصورته أن يشترط المشرع لثبوت حكم في محل ما أن يتقيد بقيد من صفة أو عدد أو نحو ذلك، مما للمشرع فيه قصد ومصلحة، فإن وجد القيد ثبت الحكم المنصوص للواقعة بلا إشكال، لكن قد تواجه المفسر صورة أخرى من صور هذه الواقعة، فيكتـشف بعد الدرس والبحث أنها عارية عن القيد خلو منه، فما الحكم في مثل هذه الحال؟
الواجب حسب ما تقتضيه قاعدة مفهوم المخالفة أن يقضي المفسر بأن حكم هذا المسكوت عنه على النقيض من حكم المنطوق؛ لانتفاء القيد المعتبر قانونا، ولا يستلزم النقيض الضد دائما، وإنما القصد المخالفة.
ومثال ذلك الفصل 602 من القانون الجنائي المغربي: “من قتل أو بتر بغير ضرورة أحد الحيوانات المشار إليها في الفصل السابق أو أي حيوان آخر من الحيوانات المستأنسة الموجودة في أماكن أو مباني أو حدائق أو ملحقات أو أراض يملكها أو يستأجرها أو يزرعها صاحب الحيوان المقتول أو المبتور، يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من مائتين  إلى مائتين وخمسين درهما.” فمفهومه أن من قتل بضرورة لا تسري عليه العقوبة المذكورة في هذا الفصل.
    •    الطرق الخارجية: ويقصد بها الوثائق والدلائل التي تشتمل على بيان بعض جوانب النص المراد تفسيره، وإيضاح ما أحاط به من الإبهام والغموض، وسميت خارجية لأنها تستدعى من خارج النص بعيدا عن ألفاظه وعباراته، وتعتبر هذه الطرق من أهم المسالك والمناهج البيـانية التي توضح مقصود النص ومراد مشرعه، خصوصا في النصوص المعيبة بالنقص أو التعارض أو نحوهما والتي لا ينفـع معها بيان الطرق الداخلية، ومن أبرز ذلك:
– حكمة التشريع: أي غاياتة وأهدافه الملحوظة من وراء تشريعه للقوانين، فما من نص تشريعي إلا ووراءه حكمة ومقصد، وما النصوص إلا ترجمان عن هذه الحكمة، فإن عجزت عن تحقيق هذه الترجمة لعيب فيها، لزم الالتفات إلى هذه الحكمة والاعتداد بها وتفسير النص في ضوء مراميها ومقتضياتها؛ إذ العبرة في مثل هذا المقام للغايات والمعاني، وليست للألفاظ والمباني.
    – الأعمال التحضيرية: وهي الوثائق والمذكرات التي تخص مناقشات وتعليقات وتحضيرات قام بها معدو القانون خلال فترة إعداده وعرضه للتداول، وفائدتها الكشف عن الإرادة والنية التشريعية التي لم تظهر في مبنى النص، فإن هذه الأعمال التحضيرية، وإن كانت غير ملزمة للمفسر، فإنها نظرا لطبيعتها البحثية التي تستحضر كل المعطيات والبيانات والملابسات الخاصة بموضوع النص تستطيع أن تجلي أمام المفسر بكل سهولة قصد المشرع وغايته، ومن ثم تستقيم رؤيته للنص، ويستطيع أن يعطيه التفسير الملائم تبعا لما دلت عليه هذه الغاية.
    – المصادر التاريخية: وهي المصادر التي استمد منها المشرع القانون المراد تفسيره، ولهذا نجد كثيرا من المفسرين إذا اعترضتهم بعض المقتضيات الغامضة في الشؤون الأسرية من زواج وطلاق وإرث يرجعون إلى أحكام الشريعة الإسلامية وكتب الفقه؛ لأنها المصدر التاريخي الذي اعتمده المشـرع عند وضعه للقانون، كما يرجعون إلى القانون المدني الفرنسي أو غيره إذا كان أصلا من الأصول المرجعية للقوانين والتشريعات المدنية في بلدهم، وليس ذلك بلازم، وإنما هو استرشاد و استئناس يرجى أن يتحصل منه نوع بيان يساعد على التفسير الأمثل للنص.
    – النص الأجنبي للتشريع: الأصل أن تفسير القانون يكون اعتمادا على اللغة التي صيغت بها نصوصه، لكن يحدث أن يصادف المفسر غموضا شديدا في الصياغة لا تنفع معها قواعد اللغة، أو يكون تفسيره بما دلت عليه ظواهرها غاية في الانحراف، فيضطر المفسر إلى البحث عن أصل هذا النص، وهل هو مترجم عن نص أجنبي أم لا؟ فإن وجده كذلك أمكنه اللجوء إليه وفحصه وتبين مدلولاته حتى يستخرج منه البيان الذي أراد، وهكذا يتضح أن هذا المصدر خاص بالحالات التي يوجد فيها أصل أجنبي للنص المراد تفسيره، فإن لم يكن امتنع ذلك.
    – تقريب النصوص: وهو الجمع والتأليف بينها، فإن كثيرا من النصوص يكمل بعضها بعضا، ويبين بعضها بعضا، ومن ذلك مثلا أن نصوص الأهلية في مدونة الأسرة تتكامل مع كثير من المقتضيات في أبواب الالتزامات وفي قانون التجارة وغيرهما، وواجب المفسر هو الكشف عن أوجه هذا التكامل والتداخل، واستثماره في عملية التفسير، وذلك بأن يخصص بالخاص العام، ويقيد المطلق بالمقيد، ويفصل بالمفصل المجمل، ونحو ذلك.

المبحث الثالث
المقارنة بين منهجي علم أصول الفقه علم تفسير القانون


غرض هذه المقارنة هو تبين وجوه الارتباط والتكامل بين الاتجاهين: الشرعي والقانوني، والوقوف على وجوه وصور التأثير والتأثر، وكذلك رصد وجوه التمايز والاختلاف بينهما، وبذلك يكتمل بناء صرح مهم من صروح هذه الدراسة.
أول سمة يمكن ملاحظتها: أن هناك نوعا من التمايز البنيوي بين كلا الاتجاهـين، فنحن نقابل -في الحقيقة- بين علم قائم بذاته، جامع لشروط الاستقلال، واضح المعالم  والمبادئ، غني بالمصادر والتآليف، هو علم أصول الفقه، وبين بحث لا زال يتلمس طريقه للاستقلال والتفرد.
    إن بين الاتجاهين بونا شاسعا وفرقا كبيرا، فعلم الأصول يبلغ من العمر حوالي 14 قرنا من الزمان، وهي مدة طويلة عالج فيها كثيرا من القضايا والمشكلات، وطحنت قواعده وبحوثه ثم غربلت في مراحل كثيرة من مراحل هذا العمر المديد، وفي كل مرة تستفيد هذه القواعد متانة وجدة، وقوة على الاستمرار والعطاء والتجدد، حتى غدا علما رفيع المقام، محبوك الصنعة، مرجعا للأحكام، وقانونا للبيان، وليس كذلك تفسير القانون، فعمره قصير، والتأليف فيه يسير، فلذلك لم يثبت لقواعده من الرسوخ والتداول مثل ما ثبت لعلم الأصول، ولا زال موضوع تفسير القانون لم يتعد مقامه كبحث تابع للبحوث التي تدرس في علم أصول القانون ونظرياته العامة، وما كتب فيه من الدراسات والبحوث لم تستطع أن تنتقل بالموضوع إلى آفاق علمية أكثر اتساعا وشمولا إلا ما كان من محاولات يسيرة في التوسع في بعض الأمثلة، وعقد بعض المقارنات، والوقوف عند بعض الخلاصات اليسيرة، وهذه درجة دون المقصد المرغوب.
ومن هنا فالمقارنة بين الاتجاهين قد لا تخلو من تعسف، غير أن ذلك لا يمنع من وجود وجوه من المماثلة ووجوه أخرى من المباينة بين الاتجاهين، سواء منها ما يخص المقاصد والغايات، أو الأصول والمصادر، أو الطرائق والمناهج.
وسأعرض ذلك مفصلا فيما يلي:
أ – من حيث البواعث والمقاصد:
لقد تبين سابقا من خلال عرضنا لتعريفات علم تفسير النصوص ونشأته وموضوعه أن الغاية من وضعه والعمل به هي رعاية نصوص الشريعة وصيانتها من عبث العابثين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، فما الأصول إلا تلك القواعد الحارسة لبنيان الشريعة الشامخ، ومنها تستمد مفاتيح الولوج إلى معانيها وأسرارها، وبها تعرف الأسس التي بنيت عليها أحكامها وتشريعاتها، والمقاصد التي ترمي إليها، والحكم التي تسعى إلى تحقيقها، فلا تحصيل لحكم من أحكام الشريعة، أو بيان لمعنى من معانيها إلا بآلات علم الأصول وقواعده، فلو أنك اخترت أي قاعدة من القواعد الأصولية في أي مبحث شئت من مباحثه الكثيرة، وتأملت دواعي تقريرها وتحريرها، لما عدا الأمر كونها صناعة محبوكة لآلة لغوية أو عقلية أو شرعية يتوسل بها إلى بلوغ مراد شرعي، وذلك هو ما ندعوه ببيان المعاني والأحكام، فالمقصد العام إذن مقصد منهجي بياني، أعني منهجي في أصل وضعه، وبياني في حصيلته وثمرته.
غير أن هذا المقصد وإن بدا أنه ذو طابع –آلي/ تقني- إلا أنه في أبعاده العميقة يتفرع عن بواعث شرعية ودينية، مفادها أن العمل الأصولي في التقعيد والتأصيل داخل في جملة العلوم الشرعية التي ينظر إليها الإسلام على أنها فريضة دينية وقربة تعبدية يتنافس في تحصيلها السابقون من أهل الطاعات، وهي فضل عظيم يرجى فيه من الثواب ما لا يرجى في غيره من الطاعات والعبادات، قال الله تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾، وقال: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير﴾.
ومن ثم فعلم الأصول ليس وظيفة رسمية أو مسـئولية نظامية يكلف بها الأصولي، وليس من نوافل البحوث أو الدراسات التي يشارك بها في إثراء الفكر وإغناء الثقافة وحسب، وإنما هو كما أسلفنا اختيار علمي منهجي لصيانة نصوص الشريعة وتأسيس قواعدها البيانية والاستنباطية، فرضته دواعي لغوية وبشرية وعرفية كثيرة،  وهو كذلك عبادة وقربة دينية يرجى ثوابها وفضلها.  
أما تفسير النصوص في القانون، فإن مقصده وغايته لا تختلف عن مقاصد علم الأصول من حيث الاختيارات “الفنية” الصرفة، فكما أنه في الأول قواعد ومدارس ومناهج، فهو في الثاني كذلك، وكما أنه في الأول رعاية للنصوص من سوء التأويل وصيانة لها من عبث الدخلاء الجاهلين، فهو في الثاني كذلك، وعلة ذلك أن كلا من الشريعة والقانون نصوص تشريعية ترد على محل مشترك هو تصرفات المكلفين ومناشطهم المختلفة، وهي مصوغة بلغة يتداولها البشر، وتعتريها ظواهر كثيرة من العموم والإطلاق، والقطع والظن، والأمر والنهي، وغير ذلك، فاقتضى هذا التشابه في النصوص تشابها آخر في منهج تفسيرها وبيانها، وهذا هو وجه اتحادهما في هذا المقصد. غير أنهما يتمايزان من وجهة أخرى، فالتفسير القانوني للنصوص دافعه وضعي دنيوي، ويحتكم في أصوله المقاصدية لقيم وضعية بشرية تواطأت عليها الثقافات المدنية الحديثة، والغربية منها على وجه الخصوص، وذلك إبان الطفرة العمرانية التي شهدتها أوروبا في القرون القريبة الماضية، وهي قيم تنظر للإنسان نظرة السيد الإله الذي ينبغي أن يهيمن على مقدرات الكون وخيراته بعيدا عن أي سلطة دينـية عليا، وهي كذلك متأثرة إلى حد بعيد بنفوذ أصحاب القرار والسلطة الفاعلة في دواليب المجتمع من الساسة و أهل المال والفن والإعلام، وهذه القيم لا شك تكون معتبرة مرعية في كل عملية تفسير للقانون شاء المفسر ذلك أم أبى! لأنها جزء من التأسيس والبناء القانوني للقواعد والتشريعات لا تنفصل عنها ولا تنفك، وأكثر مايظهر ذلك في الأحكام التي تنظم العلاقات والمؤسسات ذات الطبيعة السياسية الرامية إلى بسط النفوذ والهيمنة، وأظهر أمثلتها ما نعاينه كل يوم من ظلم وتعسف في تطبيق كثير من القوانين الدولية من طرف هيئات ومحاكم دولية على أشخاص وشعوب، لا لجرم إلا أنها اختارت صف الممانعة والمواجهة لشطط قوى التعالي والاستكبار، وآثرت التمسك بثراتها وهويتها وحضارتها.
ب – من حيث الأصول والمصادر:
نستطيع القول أن ثمة مصادر تصلح أن تكون مشتركة بين علم الأصول وقواعد التفـسير القانوني:
    •    اللغة: وذلك يجري في كل ما كان مرجع بيانه وتفسيره إليها: ألفاظها وعباراتها ودلالاتها، فكل ما يعتري النص الشرعي من الظواهر اللغوية: الخفية والواضحة، البسيطة والمعقدة، يعتري بالضرورة كل نص كتب بنفس اللغة، ولذلك فالمرجع في التفسير والبيان هاهنا هو قوانين اللغة وقواعدها التي وضعها العرب وضبطها أهل الاختصاص منهم.
ومن أهم المباحث اللغوية التقعيدية المشتركة بين العلمين: قواعد العموم والخصوص، وقواعد الإطلاق والتقييد، وقواعد دلالات الألفاظ على المعاني ظهورا وخفاء، منطوقا ومفهوما، حقيقة ومجازا، صراحة وكناية…، فكل القواعد التي تعرف في علم التفسير بطرق الاستنباط هي قواعد مشتركة إلا نزر يسير.
    •    العقل: وهو من مصادر الاستمداد في كلا المدرستين، فإن كثيرا من القضايا التي تحتاج إلى بيان وتفسير تتوقف على نشاط العقل ومقدرته على مقارنة الأشياء وتحليلها والاستنتاج منها، وأكثر ما يظهر ذلك في الأدلة العقلية التي يلجأ إليها المفسر عندما لا تسعفه النصوص، ومن ذلك دليل القياس: أي إلحاق واقعة غير منصوصة الحكم بواقعة منصوصة لعلة جامعة بينهما، وهذا يجري في كل ما سكت عنه المشرع، فمثل هذا كثير في عمل المفسرين في الشريعة والقانون.
ومنها أيضا دليل الاستصحاب وهو الحكم بثبوت أمر أو انتفائه في الزمان الحاضر بناء على ثبوته أو عدمه في الزمان الماضي، لعدم قيام الدليل على تغيره، ومن عباراتهم المشهورة في بيان حقيقته:” الأصل بقاء الملكية ثابتة للمالك حتى يثبت نقلها بدليل”، وهذه القاعدة تحكم مالا حصر له من الفروع في الشريعة والقانون، ووجه الحجة فيها أن النظر في مثل هذه المسائل بعين العقل والمصلحة يقتضي التمسك بالأصل الثابت وتغليبه على ما سواه من الدلائل المتنازع فيها إلى أن يثبت تغير هذا الأصل بدليل معتبر، ولا يصح غير ذلك؛ إذ فيه ركون إلى الدليل الأضعف والحجة الظنية على حساب الدليل الأقوى، وهذا من الباطل الذي يحيله العقل.
ومنها أيضا كثير من القواعد التشريعية التي يأخذ بها المفسرون في بيان كثير من المعضلات الشرعية والقانونية، وذلك مثل:
    •      قواعد الضرر ورفع الحرج واعتبار الظروف الطارئة.
    •      قواعد المصالح والمفاسد وترتيبها، والموازنة بين المتعارض منها.
    •      قواعد الضرورة والحاجة والترجيح بينها…
    •    العرف: وهو العادات الاجتماعية التي ألفها الناس، واعتادوا العمل به والاعتداد بها في عقودهم وتصرفاتهم، وهي أنواع وأقسام: خاصة وعامة، صحيحة وفاسدة… وعلماء الأصول يعتبرون العادة محكمة، يرجع إليها في تفسير النصوص وإصدار الأحكام، والمعروف عندهم عرفا كالمشروط شرطا، وكذلك علماء القانون يفعلون، غير أنهم يتوسعون في الأخذ بالأعراف توسعا كبيرا حتى أن سنة التقنين عندهم جارية على تحويل كثير من القواعد العرفية إلى نصوص تشريعية ملزمة، أما الأصوليون فلا بد أن يستند العرف عندهم إلى دليل شرعي يقر له بالقوة في الإثبات أو النفي، فهو عندهم دليل بالتبع لا بالأصالة.
    وبالجملة فالعرف دليل قوي، صالح لتفسير وبيان كل النصوص القانونية ذات الطبيعة الاجتماعية المبنية على عوائد الناس الثابتة المشهورة بينهم شهرة القانون الملزم.
ومن أمثلة ما بني على هذا الأصل من التفاسير ما جاء من الإحالة على اعتبار المعروف، وهو العرف في المادة 51 من مدونة الأسرة المغربية:
“الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين:…
–  المعاشرة بالمعروف، وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ على مصلحة الأسرة…
–  حسن معاملة كل منهما لأبوي الآخر ومحارمه واحترامهم وزيارتهم واستزارتهم بالمعروف.
–     حق التوارث بينهما”.
ومن ذلك أيضا ما تأخذ به المحاكم من بينات وخبرات يقدمها أهل اختصاص معين بناء على ما هو المعتاد عندهم في مثل النازلة المنظورة من طرف المحكمة، وغير هذا كثير.
غير أن هذه المشابهة والاشتراك بين المدرستين في هذه المصادر التفسيرية لا تعني المطابقة والمماثلة التامة، فإن بينهما من الفروق والتمـايز قدرا لا يخفى على الدارسين، ومرجع ذلك كله ينحصر في اختلاف مصادر التشريعات نفسها، فهي وضعية في القانون، وشرعية في الشريعة، وهذا يفيد بأن لكلٍ نظام معرفي خاص يرجع إليه وينطلق منه، وهذا النظام نفسه يحكم مضامينه وبحوثه ومقاصده بقواعد وضوابط يستقيها من داخل منظومته المعرفية لا توجد في غيرها.
 فمن ذلك مثلا استمداد القواعد الأصولية في تفسير نصوص الشريعة من البحوث الكلامية والعقدية، ومن الفقه واللغة العربية لما كان بينها من الترابط المعرفي إبان عهد التنزل والتأسيس والتدوين، قال الإمام الزركشي في تقرير وجه ذلك: “إن أصول الفقه مستمد من ثلاثة علوم: الكلام، والفقه، والعربية  أما الكلام: فلتوقف الأدلة على معرفة الباري تعالى بقدر الممكن من ذاته وصفاته وأفعاله… وأما العربية: فلأن الأدلة جاءت بلسان العرب… وأما الفقه: فلأنه مدلول أصول الفـقه، وأصول الفقه أدلته، ولا يعلم الدليل مجردا من مدلوله “.
ومن أهم المصادر الخلافية كذلك: اعتماد علماء القانون على ما يسمى عندهم بالطرق الخارجية، وقد ذكرنا من أهم ذلك: الأعمال التحضيرية، والأصول التاريخية للنص، وتقريب النصوص، وغير ذلك.
وهذه مصادر مستقلة خاصة بالقانون، وهي عند التدبر جزء من البناء التأسيسي العام للنص القانوني ذي الطبيعة الوضعية التي تتطلب صيرورة نسقية بين الجهات التي تختص بإصداره، ودورة ثقافية ومعرفية تعتمل فيها كثير من عوامل التأثير والتأثر بأصول الاستمداد التاريخية وكذلك الأجنبية.
ولا يعرف مثل هذا في أصول الفقه إلا ما كان من الالتفات إلى حكمة النص ومقاصد الشريعة، وذلك أن النص الشرعي ذو طبيعة دينية، ويعتمد أساسا على الوحي؛ أي أن صياغة نصوصه وإصدارها عمل منفصل تمام الانفصال عن الذات البشرية، خال عن نوازع الهوى الكامنة  فيها، مجرد عن أي رغبة من رغباتها المصلحية أو حتى اتجاهاتها العلمية والمعرفية.  
ج. من حيث مسالك ومناهج النظر:  
    أعني بالمناهج والمسالك ما هو أعم من الطرق والسبل العلمية المعتمدة في تفسير النصوص من إعمال لأصل أو تقرير لقاعدة أو حصر بضابط، بل يدخل في هذا المسمى: المدارس والاتجاهات، والأصول والمنطلقات المعرفية التي تسهم في تأسيس اتجاه علمي لتفسير النص التشريعي وصياغة مداركه الخاصة، وبناء استقلاليته العلمية.
    •    المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي في تفسير النصوص: وأعني به ذلك المنهج الذي يربط فيه العقل بين المقدمات ونتائجها، و المعلولات وعللها، والمسببات وأسبابها، بناء على أساس المنطق العقلي، والتأمل الذهني. وخاصيته أنه يبدأ بالحقائق الكلية، ويتدرج بالتحليل والدرس والمقارنة والاستنتاج، وذلك في تنظيم دقيق للعمليات العقلية بواسطة مبادئ و قوانين علمية ثابتة ليصل من ذلك إلى تقرير أحكام الفروع والجزئيات.
    وهذا المنهج هو أول وجوه الالتقاء بين المدرستين، فإن كثيرا من الأصول الاستنباطية، والطرائق الاستدلالية في تفسير القانون والشريعة قائمة على هذا المنهج، ملتزمة بأصوله وقواعده في تقرير مسائله وتحرير بحوثه.
ومن أهم هذه الأصول والطرائق:
    •    العمل بالقياس عند غياب النص، فالقياس من حيث هو إلحاق فرع غير منصوص بأصل منصوص، ومن حيث هو نظر في العلل والمناطات، وسبر لها، ودراسة لفعلها وأثرها في التكاليف والأحكام، لا يمكن أن يعتبر إلا وجها من وجوه الاستدلال العقلي، والاستنباط المنطقي بين المقدمات الأصلية، والنتائج الفرعية التابعة لها تبعية العلل لمعلولاتها والأسباب لمسبباتها، ويشمل ذلك أنواعا كثيرة من القياس، كالقياس الجلي والقياس الخفي، وقياس الشبه، وقياس الطرد، وقياس الدوران، وغيرها، وأمثلة ذلك جارية باستفاضة كبيرة في الشريعة والقانون.
    •    استفادة الأحكام والمعاني من دلالات الالتزام، وهي دلالة اللفظ على لازم خارج عن معناه، ومعنى اللازم هاهنا: امتناع انفكاك المعنى المستفاد من إطلاق اللفظ عنه، وما يمتنع انفكاكه عن اللفظ يسمى لازماً واللفظ ذاته يسمى ملزوماً، ولا سبيل لتبين ذلك إلا بالاستنباط العقلي والاستنتاج الفكري من الأصل الثابت إلى فرعه المبحوث.
    ودلالة الالتزام عند المفسرين أنواع، منها:
    •    دلالة الاقتضاء: وهي “دلالة الكلام على مسكوت عنه، يتوقف صدق الكلام أو صحته شرعا على تقديره”، وسميت دلالة اقتضاء: لأنها تقتضي معنى زائدا على اللفظ، وأمثلثه في كتب الشريعة كثيرة، أما في القانون فقليلة، ومنها ما جاء في الفقرة الثالثة من المادة 33 من مدونة الأسرة: “لا يخضع الصداق لأي تقادم”، فلا بد في هذا النص من تقدير مقتضى يقتضيه الكلام، فهل هو الأداء؟ أم هي المطالبة به، ورفع الدعوى بشأنه؟ أم هو مقتضى آخر؟
    •    دلالة الإيماء والتنبيه: وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلا أو شرعا، في حين أن الحكم المقترن لو لم يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ؛ إذ لا ملائمة بينه وبين ما اقترن به”. و مثال ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: “لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان”، فقد دل على أن علة النهي هي الغضب؛ لما في ذلك من مظنة الانحراف عن جادة العدالة، والخوف من الجور والظلم.
ومثال ذلك في القانون ما جاء في الفصل 434 من القانون الجنائي المغربي “تضاعف العقوبات المقررة في الفصلين السابقين، إذا كان الجاني قد ارتكب الجنحة وهو في حالة سكر…”، فقد نبه المشرع إلى أن حالة السكر هي علة  تشديد العقوبة، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما كان لهذا الإيماء قيمة تذكر.
    •    دلالة الإشارة: “وهي دلالة اللفظ على حكم غير مقصود ولا سيق له النص، ولكنه لازم للحكم الذي سيق لإفادته الكلام وليس بظاهر من كل وجه”، و هي بخلاف دلالتي الاقتضاء والإيماء، فهما مقصودتان بالكلام،  وإن اختلفتا في أن دلالة الاقتضاء يتوقف عليها صدق الكلام أو صحته العقلية والشرعية، و مثالها: ما يذكره الفقهاء عند قوله تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 236) من أن هذه الآية دلت بعبارتها على جواز الطلاق قبل الدخول وقبل فرض المهر، كما دلت بإشارتها على صحة العقد عند عدم تحديد المهر، ووجه ذلك أن الطلاق لا يقع إلا بعد ثبوت العقد وصحته.
ومثال ذلك في نصوص القانون ما جاء في الفصل   634 من ظهير الالتزامات والعقود: “إذا لم يحدد المتعاقدان الأجرة، افترض فيهما أنهما قد قبلا أجرة المثل في مكان العقد، وإذا كانت ثمـة تعريفة رسمية، افترض في المتعاقدين أنهما قد ارتضيا التعاقد على أساسها.” فقد دل هذا النص بعبارته على ما ينبغي أن يفترض من الأجرة في عقد الكراء الذي لم يحدد فيه المتعاقدان أجرة محددة، ودل بإشارته على أن هذا العقد ثابت صحيح لا يبطل إذا لم تحدد سومته الكرائية.
والخلاصة أن جميع هذه الدلالات يتوقف إعمالها واستفادة المعاني بواسطتها على عمل عقلي متدرج من الأعلى إلى الأدنى، واستنتاج فكري يغوص في عمق اللفظ، ليستخرج مدلولاته القريبة والبعيدة، المنطوقة وغير المنطوقة، اللازمة والملزومة، فهي إذن تشترك جميعا في النسبة إلى المنهج الاستدلالي الاستنباطي.
    •    المنهج الاستقرائي: وهو على النقيض من المنهج الاستدلالي، فإذا كان هذا الأخير منطلقه الكليات إلى تقرير أحكام الفروع، فإن المنهج الاستقرائي يبدأ باستقراء أحكام الجزئيات والمقارنة بينها، وملاحظة أوجه الاجتماع بينها ليصل منها إلى الكليات العامة والقوانين الجامعة التي لها قوة القاعدة المرجعية الحاكمة على ما سوى ذلك من الجزئيات المماثلة المفترضة.
    وهكذا تصبح هذه القاعدة المستقرأة من جزئياتها الكثيرة دليلا قويا تثبت به الأحكام لما سوى ذلك من الحالات والفروع، بحيث يستغنى عن البحث في الأدلة الفرعية التي تقابل جزئياتها اللامتناهية، وذلك لما ثبت لهذه القواعد المستقرأة من قوة الدلالة والشمول.
    والمنهج الاستقرائي منهج عام يعمل به في كثير من العلوم البحتة كالطبيعيات والفيزياء والرياضيات،كما يعمل به  في الاجتماع والسياسة والتاريخ، وكذلك يعمل به في الشرعيات، قال الشاطبي في الاعتصام: “وأصول الفقه؛ إنما معناها استقراء كليات الأدلة، حتى تكون عند المجتهد نصب عين وعند الطالب سهلة الملتمس.
وكذلك أصول الدين، وهو علم الكلام، إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن والسنة أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به، كما كان الفقه تقريرا لأدلتها في الفروع العبادية”.
    إن المنهج الاستقرائي منهج متبع في علم أصول الفقه وفي تفسير القانون في كثير من أوجه الاحتجاج، ومن أوضح ذلك مسائل التقعيد، أعني تقعيد القواعد الكلية التشريعية والفقهية المستقرأة من الفروع الكـثيرة، وهو بحث رائد عند فقهاء الشريعة، بل هو علم قائم الذات، أما فقهاء القانون فإنهم رغم اهتماماتهم التطبيقية بتقعيد قواعد القانون وتفسيره إلا أنهم من الناحية النظرية لم يوفوا هذا الأمر حقه من البحث والدراسة.
وأمثلة القواعد الكلية المستقرأة كثيرة أختار منها القواعد الآتية:
    •    اليقين لا يزول بالشك:
والمراد: أن كل أمر تيقنا ثبوته، فإنه لا يؤثر فيه طروء الشك، بل لا بد من الدليل القاطع على تغيره وتبدله، ولا يحكم بزواله لمجرد الشك. وكذلك الأمر الذي تيقنا عدم ثبوته لا يحكم بثبوته لمجرد الشك؛ لأن العقل والعمل على أن الشك أضعف من اليقين فلا يقوى على معارضته إثباتا ونفيا.
وهذه القاعدة: مستقرأة من كثير من الفروع الفقهية المستنبطة من نصوص القرآن والسنة عند فقهاء الشريعة، ومنها:
    •    من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر، وكذالك العكس.
    •    من أكل بعد طلوع الفجر شاكاً في طلوعه صح صيامه.
    •    إذا انعقد النكاح ثم وقع الشك في الطلاق فالنكاح باقٍ.
وأما عند فقهاء القانون، فأكثر من يأخذ بهذه القاعدة القضاة، وذلك في معرض تنقيحاتهم وتحقيقاتهم لمناطات المسائل المنظورة من قبلهم، واستظهارهم لأصول القضايا من أجل التمسك بها في مواجهة الظنون العارضة، ولذلك تجد لهم نصوصا وفروعا كثيرة في هذا الباب، ومنها:
    •    لا يجبر المتهم على إثبات براءته في القضايا الجنائية؛ لأن الأصل المتيقن أنه بريء، وعلى الجهة التي تتهمه عبء الإثبات.
    •    الشك يفسر لصالح المتـهم؛ لأنه يقوي أصل البراءة فيه، والأصل لا يزال إلا بيقين.
    •    إذا ثبت دين على شخص وشككنا في وفائه، فالدين باقٍ.
    •    المشقة تجلب التيسير:
    ومعنى المشقة: الجهد والعناء الذي يجده المكلف عند التزامه بالتكاليف، والتيسير هو التخفيف ووضع المشقة، والمراد بالقاعدة أن الإرهاق والعناء الذي يجده المكلف أثناء الامتثال يعتبر سببا موجبا للترخيص والتخفيف. فأيما حكم فقهي أو التزام قانوني تعسر على من التزم به امتثاله، وحيل بينه وبين تنفيذ مقتضياته لأسباب لا تحتمل في العادة المألوفة، فإن منطق الشريعة والقانون يقضي بالتخفيف والتيسير على هذا المكلف من هذا العبء، والاقتصار على ما استطاع القيام به دون ما لم يستطع، وهذا نظر لطيف، ومأخذ بديع ينسجم مع الخلق الحميد والفطرة السليمة.
ومن الأصول التي استندت إليها هذه القاعدة في الشـريعة نصوص كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾،  وقوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: “بعثتم ميسِرين ولم تبعثوا معسّرين”.
ومن أهم فروعها:
– إباحة الرمي قبل الزوال لما فيه من التيسير والتخفيف وحفظ الأرواح.
– الترخيص بالإفطار في نهار رمضان لمن غلبه العياء وأحس بجهد ومشقة.
– إباحة نقل الأعضاء والتبرع بها بشروطها المقررة عند اشتداد الحاجة إلى ذلك، خصوصا ما كان فيه إنقاذ النفوس.
أما في القانون فأكثر الفروع نجدها في تطبيقات نظريات كثيرة من النظريات التي صاغتها أيادي فقهاء القانون، ومن ذلك نظرية الضرورة، ونظرية الظروف الطارئة.
فمن فروع نظرية الضرورة عندهم:
منطوق الفصل 453 من القانون الجنائي المغربي: “لا يعاقب على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة المحافظة على صحة الأم متى قام به علانية طبيب أو جراح بإذن من الزوج “.
مفهوم الفصل 602 من القانون الجنائي المغربي: “من قتل أو بتر بغير ضرورة أحد الحيوانات المشار إليها في الفصل السابق أو أي حيوان آخر من الحيوانات المستأنسة الموجودة في أماكن أو مباني أو حدائق أو ملحقات أو أراض يملكها أو يستأجرها أو يزرعها صاحب الحيوان المقتول أو المبتور، يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من مائتين  إلى مائتين وخمسين درهما”.
منطوق الفصل  124 من القانون الجنائي المغربي “لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة في الأحوال الآتية:
… إذا كانت الجريمة قد استلزمتها ضرورة حالة الدفاع الشرعي عن نفس الفاعل أو غيره أو عن ماله أو مال غيره، بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع خطورة الاعتداء”.
وأما نظرية الظروف الطارئة فأظهر التطبيقات المشهورة فيها: جواز رد القاضي الالتزام الذي أصبح مرهقا لمن التزم به بسبب ظروف استثنائية قاهرة لم يكن في الوسع توقعها إلى الحد المعقول.
جاء في نص المادة 3/107 من القانون المدني الجزائري: “غير أنه إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، أصبح مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعا للظروف وبعد مراعاة لمصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك”.
ولا يخفى أن هذا يشمل ما لا يحصى من أنواع الالتزامات والعقود كالإيجار والبيع وغيرهما.
والخلاصة أنه باستقراء هذه الفروع المتناثرة نجد أنها تجتمع عند قاسم مشترك واحد من دفع ضرر أو جلب مصلحة أو سد ذريعة، أو نحو ذلك، وهذا القاسم هو نفسه القضية الكلية التي تشكل قوام القاعدة المنطبقة على جزئياتها المعروفة أو المفترضة.
    •    المنهج التاريخي في تفسير النصوص:
المنهج التاريخي في البحث العلمي هو ذلك “المنهج المعني بوصف الأحداث التي وقعت في الماضي وصفاً كيفياً، يتناول رصد عناصرها وتحليلها ومناقشتها وتفسيرها، والاستناد على ذلك الوصف في استيعاب الواقع الحالي، وتوقع اتجاهاتها المستقبلية القريبة والبعيدة”.
ووجه الحاجة إلى المنهج التاريخي في قضايا تفسير النصوص أنه -كما يظهر من التعريف- يبحث في مسائل ورود الأخبار والوثائق وثبوتها والتحقق من صحتها، ونقد أسانيدها ومتونها، ومن ثم تفسيرها واستخلاص الأحكام منها.
فحسب هذا التعريف يعتبر المنهج التاريخي منهجا عاما متعدد المفاهيم والخصائص، وذلك أنه منهج مفتوح على أكثر من علم، فأبحاثه وقواعده ومناهجه تعتمد في العلوم الإنسانية والاجتماعية، كما تعتمد في العلوم القانونية والشرعية.
غير أنه في مقامنا هذا: “تفسير القانون والشريعة” يكتسي الأمر صبغة خاصة، إذ الشأن هاهنا لا يتعلق بموضوع التراث، ولا بالتقيد الحرفي بتقنيات البحث التاريخي من حفريات أو استرجاعات للماضي وعرض مظاهره وتجلياته الحضارية والثقافية، وإنما يختص الأمر بوجوه أخرى من المماثلة والمشابهة كلها تنتمي إلى البحث التاريخي على جهة الإجمال، لكن من زوايا خاصة واعتبارات متـفردة:
        أ – المنهج التاريخي في تفسير النصوص القانونية:
رأينا فيما سبق أن من بين مذاهب التفسير المعتمدة عند فقهاء القانون: المذهب التاريخي، وبينت حينها أن هذا المذهب ينتقد التمسك بحرفية النصوص والارتهان لإرادة المشرع الواضع، وأنه يدعو إلى استثمار طاقات النص للإجابة عن أسئلة الواقع والحاضر.
وهكذا يتبين أن تسمية هذا المذهب بالتاريخي هي إطلاق على جهة المشاكلة، إذ يظهر أن حقيقته البحثية وطبيعته العلمية لا تمت إلى مناهج وتقنيات البحث التاريخي العلمي بصلة وثيقة إلا ما كان من استرجاع لإرادة المشرع الواضع من أجل تقرير ما يلزم بشأنها من الاعتبار أو عدمه، ففي هذه الحالة قد نتصور نوعا من التحقيق الاستردادي والاستدعاء التاريخي للقضايا والحوادث، غير أنه بحث  نادر وقليل.
إلا أن هذا لا يمنع من القول باعتماد المنهج التاريخي في تفسير النصوص من قبل مذاهب أخرى، ومن ذلك: المذهب العلمي الحر الذي يعتمد أساسا على دراسة النصوص دراسة تاريخية مستعرضا الظروف الاقتصادية والاجتماعية، والملابسات الثقافية والسياسية التي أحاطت بإصداره، ومستخلصا نوايا المشرع ورغباته، ومستظهرا المقاصد التي رمى إليها من خلال تشريعاته، ليستصحب كل ذلك في عملياته التفسيرية والبيانية.  
وهكذا فإن رواد هذا المذهب وفقهاءه يلجئون إلى كثير من وسائل وتقنيات البحث التاريخي من اطلاع على الوثائق والنصوص وتمحيصها، وتحقيق للوقائع والأحداث ونقدها، لكن ليس من أجل استرداد الماضي وكتابته، وإنما من أجل الكشف عن إرادة المشرع لاعتبارها وتنزيل مقتضياتها على الواقعة المراد تفسيرها وبيانها.
    ب – المنهج التاريخي في علم أصول الفقه.
الحق أنه يصعب الحديث عن نوع استمداد لعلم أصول الفقه من المناهج التاريخية التي تطورت واستقلت بمدارس ومناهج إبان الطفرة العلمية التي شهدتها العلوم في أروبا، وذلك لأمور كثيرة، منها:
    –    البون الزمني الواسع والممتد بين تأسيس علم أصول الفقه و بروز المنهج التاريخي، فبينهما من الفارق قرون طويلة، وعليه فإن الاستمداد معكوس مقلوب، إذ العقل يفترض أن المنهج التاريخي هو المتأثر بقواعد ومناهج البحث التاريخي في علم أصول الفقه.
        – اختلاف المجال الذي يبحث فيه العلمان، فعلم أصول الفقه يبحث في قضايا الدين وثبوت أحكامه وأخباره، أما المنهج التاريخي فيبحث في قضايا التراث الماضي كيفما كان، اجتماعي أوسياسي أوثقافي، فغاية الأول دينية، وغاية الثاني علمية، وهذا الاختلاف يستدعي نوعا من التباين في الأخذ بوسائل البحث ومناهج النقد والتدقيق.
غير أنه سواء اتفقنا على تأثر أحدهما بالآخر أم اختلفنا في ذلك فإن قدرا من المشابهة بينهما والاشتراك في بعض التفاصيل البحثية والقواعد العلمية وارد وثابت في قضايا كثيرة، خصوصا في مسائل تحقيق الأخبار، ونقد المتون، وتصحيح الأسانيد.
إن قضايا البحث التاريخي في علوم الفقه الإسلامي تتركز على ماض من نوع خاص، وهو الأخبار الواردة عن الشارع، وذلك من خلال درجتين  اثنتين:
أولا: البحث في ثبوت الأخبار، والوثوق من ورودها عن الشارع الحكيم، وهذه مهمة علم أصول الحديث، فهو الذي يضع قواعد التحديث والرواية، وموازين القبول والرد، وشروط الصحة والضعف، وهو الذي يوثق أحوال الناقلين وعدالتهم وضبطهم، ويميز العلل والأسقام التي تعرض لهم ولتلقيهم ولأخبارهم… ومثل هذا هو الذي يدعى في المنهج التاريخي بالنقد الخارجي للوثيقة التاريخية.
وعلم أصول الحديث يستعين في ذلك بعلوم كثيرة، ومنها جملة من القواعد المنهجية والعقلية التي يستفيدها من أبحاث الأصوليين والفقهاء، وذلك مثل: قواعد العدالة، والحكم بالفسق، وحد المتواتر و الآحاد، والترجيح بين بعض الأخبار المتعارضة كالزيادة من الثقة وغيره، والرواية المسندة إذا قابلتها أخرى مرسلة، وهكذا.
ثانيا: البحث في متون الأخبار، والتدقيق في مدلولاتها، وتمحيص عباراتها وألفاظها، والكشف عن شذوذها وعللها المعنوية، ومثل هذا هو الذي يدعوه أصحاب المنهج التاريخي بالنقد الداخلي للوثيقة التاريخية.
ومن أهم الأبحاث الأصولية ذات الطابع التاريخي:
    •    الخبر المتواتر، بما يثبت؟ وماذا يفيد؟ وكيف ينقل؟
    •    خبر الواحد، مفهومه، ودلالته.
    •    الترجيح بين الأخبار، والقواعد المعتمدة في ذلك.
    •    التأريخ لصدور الأخبار، ومحل ذلك في مسائل النسخ والتخصيص…
وصفوة القول في هذا المقام أن الأصوليين كما فقهاء القانون يعتمدون الخبرة التاريخية، والمناهج التاريخية في تناولهم لنصوص المشرع إثباتا وتفسيرا، لكنه اعتماد جزئي يناسب الحاجة التشريعية، ويكافئ  خصوصياتها المعرفية والمنهجية.

إن موضوع الدراسة المقارنة في قضايا تفسير النصوص بين الشريعة والقانون، لم يأخذ حظه من التحقيق والتدقيق، ولم يستوف ما ينبغي أن يعطى له من البحث العميق والرصين الذي يجلي حقائقه ويظهر خباياه وزواياه. وما كتب فيه من الدراسات و نشر فيه من الأبحاث قليل نادر.
فإن للموضوع أبعاده العلمية والمنهجية على مستوى التقعيد والتأصيل، وكذلك على مستوى التطبيقات الفروعية في استنباط الأحكام وتطبيق النصوص.
وله أيضا امتداداته وآفاقه الثقافية والعلمية على مستوى التكامل والتمازج بين الثقافتين: الشرعية والقانونية.
وله أيضا مزاياه الواقعية على مستوى توظيف النصوص وتنزيل أحكامها التنزيل الأمثل الذي يحقق العدالة والأمن والاستقرار، ويقضي على أسباب النزاع والخلاف.
إن الزخم الهائل من الرؤى العلمية والتحقيقات المنهجية والتطبيقات اللغوية والشرعية التي يزخر بها علم الأصول، والمقدرة الضبطية والتنظيرية التي يتمتع بها بحث تفسير القانون، يشكلان مجالًا خصبًا وحقلًا بكرًا من المعرفة الإنسانية، لو امتدت إليه أيادي العلم بالبحث والدراسة؛ لأسفر الأمر عن نظام بديع ونسق فريد للنظر في النصوص نظرًا جديدًا أبعد غورًا، وأدق علمًا، وأنهج سبيلًا.
لقد تبين في مواضع كثيرة من البحث، وخاصة في مباحث المقارنة والتطبيـقات، أن الاتجاهين الأصولي والقانوني، ولو أنهما يختلفان في المرجعيات والمنطلقات الثقافية، ويتمايزان في البنيات العلمية والمنهجية، إلا أنهما يشتركان في جملة قضايا رئيسة من قضايا البناء المعرفي لصرحيهما.
وأول ذلك: الاشتراك في البواعث والمقاصد التي يرمي إليها كلا الاتجاهين، وأعني بذلك القصد إلى بيان نصوص القانون والشريعة وتفسيرها وتطبيقها.
وثانيه: الاشتراك في كثير من المصادر وخاصة منها اللغوية والعقلية والعرفية…
وثالثه: الاشتراك في عدد من المناهج البحثية العلمية، وعلى رأس ذلك المنهج الاستدلالي الاستنباطي، والمنهج الاستقرائي، والمنهج التاريخي.
إن أهم ميزة يتفرد بها علم الأصول هي القدرة الفائقة: الجدلية والمنطقية على توليد القواعد ورسم الحدود والضوابط اللغوية والشرعية المتكاثرة التي تضبط كل شؤون التفسير والبيان.
أما فقه القانون، فإنه وإن كان يرجع في كثير  من قضاياه التفسيرية إلى ما قرره النظر الأصولي، إلا أنه يتمتع بخاصية فريدة وهي قدرته على التنظير، أي جمع وصياغة كل ما يتعلق بمفاتيح تفسير النصوص في هيأة نظريات جامعة كنظرية البطلان، ونظرية الأهلية، ونظرية العقد، ونظرية الظروف الطارئة وغيرها كثير، وهي تحتضن كل قواعد الموضوع وضوابطه وإشكالاته وحلوله، وهذا من المنهج الجديد الذي ابتدأ الفقه الإسلامي الاهتمام به والنسج على منواله في الآونة الأخيرة.
إن هذا التدافع والتغاير والتلاقي الذي كشف عنه البحث بين المنهجين الأصولي والقانوني – في اعتقادي- هو بمثابة البذرة الأولى التي ينبغي أن يتوجه إليها الباحثون بمزيد رعاية وعناية، وهي الإطار العام الذي يحتضن تفاصيل أي دراسة علمية تقصد إلى الإسهام في كشف بعض وجوه التكامل المعرفي بين علمي الأصول وتفسير القانون.

___________________________
بحث منشور في مجلة الواضحة الصادرة عن دار الحديث الحسينية التابعة لوزارة الأوقاف بالمغرب في العدد الثامن عام 2013، ومتاح على الموقع الإلكتروني للمجلة.

جلسة 27 يناير سنة 1987

السيد المستشار/ محمد جلال الدين رافع نائب رئيس المحكمة. وعضوية السادة المستشارين/ مرزوق فكري نائب رئيس المحكمة وصلاح محمد أحمد وحسين محمد حسن ومحمد هاني أبو منصورة.

(41)

الطعن رقم 76 قرار 53 القضاء "أحوال شخصية".

(1) قانون "القانون التطبيقي". بدلة. "تكييف الهواء". أحوال شخصية “حضانة” “طلاق”.

تكييف التفريق بين الزوجين بسبب اعتناق الزوج الإسلام وإباء الزوج الدخول فيه – خضوعه للشريعة الإسلامية باعتباره القانون العام في قضايا الشخصية. م 10 مدني. تصنيف التصنيف لهذا السبب طلاقًا وليس بطلانًا للزواج يعود إلى بداية الكون (مثال في الحضانة).

 (2) نقض "النعي غير المنتج". حكم “تسيب الحكم”.

يقيم الحكم على دعوة كافية لقضائه. ونحن على ما نطرده لسببه النفسي، ويستقيم الحكم بدونه. غير منتج.

1 – إذ كان المرجع في تكييف التفريق بين الزوجين بسبب اعتناق الزوج الإسلام وإباء دخول الزوج فيه هو الشرعي الإسلامي القانون المصري العام في القضايا الشخصية وذلك اعتباراً لـ 10 من القانون المدني. وهذا الفريق – وعلى أضخم الأقوال من مذهب أبي حنيفة – يعتبر طلاقًا وليس بطلانًا للزواج يعود إلى بداية العقد الأول من المادة الأولى 1503 من القانون المدني اليوناني ويكمل أنه:

“إذا حكم بالطلاق حال حالة الزوجين، فإن الحضانة الطفل تكون لقاضي الطلاق إذا لم ينسب إليها خطأ ما” وتؤكد أنه ثابت بالأوراق أن المطعون عليها بعد أن اعتنقت الإسلام أقامت رقم… كلي أحوال شخصية أجانب الخصم ضد الطاعن للحكم بالفرق الأخرى بسبب إبائه الإسلام وقضى بالتفريق أي بالطلاق فإنه ولم يكن في جانبها أي خطأ حضانة ابنها من الطاعن تكون لها طبقا لنص الوحدة الأولى من المادة 1503 من القانون المدني اليوناني المساهمة، المساهمة في التزم الحكم المطاوع فيه هذا النظر وقضاء قضائه برفض الطاعنة بحقه في حضانة الابن على بيان الدعوى: “ ….." يمكن لا يكون قد أ خطأ في تطبيق القانون.

2 – إذ كان الحكم المطعون فيه إقامة قضاءه بتأييد الحكم الابتدائي برفض المقاطعة – وما سلف بيانه في الرد على سببي الطعن الأول المنشور – أن الطاعن لا حق له في حضانة دقيقة وأنحضانته للمطعون عليها ومديرية الطلاق ولم ينسب إليها خطأ ما وذلك بطبقًا للفقرة أولاً من المادة 1503 من القانون المدني اليوناني، وهذه الدعامة كافية لموحدين قضائه، النعي فيما يتعلق بطرده إلى سببه من أن المصلحة الصغيرة تقتضي حضانته لأمه لا يعدو أن يكون شخص ما يستقيم الحكم بدونه، ولأنني نعي هذا السبب -وأخيراً كان وجه الرأي فيه - غير منتج.

المحكمة

بعد الاستماع إلى التقرير الذي تلاه السيد القاضي القاضي والمرافعة وبعد المدولة.

حيث إن الطعن تم استحضاره شكليا.

وحيث إن المطعون فيه -على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأصول-تحصلت على الطاعنة المنشأة رقم 6 منذ 1981 أحوال شخصية أجانب أمام محكمة القاهرة الجديدة ضد حكمها بإلزامها بتسليم “نيقولا” باسم بيان لها أنهما يونانيان الجيد بالفعل. تزوجتها في 25/10/1967 وفقا لشريعة طائفة الروم الأرثوذكسية وبعد ذلك اعتنقت دين الإسلام وصدر في 28/1/1973 الحكم في القضية رقم 12 لسنة 1972 أحوال شخصية (أجانب) الاشتراكية بفسخ عقد زواجهما، والتي كان صغيره منها (نيقولا) ما تأسست في حضانتها وقد جاوز عمره عشر سنوات ويحق له دعوى حضانته وفقا لأحكام القانون المدني اليوناني فقد تأسست في المنطقة في 6/ 4/ 1982 حكمت المحكمة برفض النظر، وما تحقق الطاعن في هذا الحكم بالاستئناف رقم 1 قرار 1982 ق أحوال شخصية أجانب جهة القضاء وفي 29/6/ 1983 حكم المحكمة الإيجابية بتأييد الحكم المنجح. طعن الطاعن في هذا الحكم الشخصي للقاضي القاضي العام مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن. عرض الطعن على هذه المحكمة في جلسة المشورة فحددت الجلسة لنظره وفيها التزمت بحكمها.

وحيث إن الطعن في عدم إثبات ثلاثة أسباب ينعى الطاعنة بالسببين الأول المعتمد على الحكم المطعون فيه المسؤولية في تطبيق القانون وفي بيان ذلك يقول إن المادة 1503 من القانون المدني اليوناني وتنظم في فقرتها الأولى على أنه إذا حكم بالطلاق فإن حضانة الطفل تكون لمدعي الطلاق إذا لم ينسب إليها ما وقضيت فقرتها الثانية بحكم إذا بالطلاق لخطأ الزوجين، فإن حضانة الابن الذي جاوز العاشرة تكون للأب ويسري حكم هذه الحالة في صدور حكم ببطلان الزواج وذلك طبقا لأمر 1505 من القانون، ولما كانت المطعون لهم قد اعتنت الإسلام وحكمت بزواجه منها يوجا المطوز الصغير العاشر من عمره وبعد ذلك ثم شموله حضانته ببرًا للمادتين 1503/ 2 و1505 بسببتين الحكم فيه إذ خالف هذا النظر وقضى برفض دعوةاه بحقه في حضانة الأطفال على سند من حكم القسم الأول من المادة 1503 المشار إليها مع اعتبار أن طلاق المط لها بسببه اعتناقها الإسلام ليس فيه خطأ من جانبها قد يكون أخطأ في تطبيق القانون.

وحيث إن النعي غير سديد ذلك لأنه لما كان المرجع في تكييف التفريق بين الزوجين بسبب اعتناق الزوج الإسلام وإباء الزوج الدخول فيه هو الشريعة الإسلامية القانون المصري العام في قضايا الشخصية وذلك كما يحكم و 10 من القانون المدني وهذا التفريق -وعلى أنجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة- يعتبر طلاقًا وليس بطلانًا للزواج يعود إلى بداية العقد الفقرة الأولى من المادة 1503 من القانون المدني اليوناني ويقول: “إذا حكم بالطلاق حال حياة الزوجين، فإن حضانة الطفل تكون لمدعي الطلاق إذا لم ينسب إليه ما” وكانت ثابتة بالأوراق أن المطعون عليها بعد أن اعتنقت الإسلام أنشئت بحكم رقم 12 لسنة 1972 كلي أحوال شخصية أجانب الإسكندرية مقابل الطاعن للحكم بالفريق تختلف بسبب إبائه الإسلام وقضى لها بفريق أي بالطلاق ولم يكن من جانبها أي خطأ، فإن حضانة ابنها من الطاعنة تكون لها طبقا للنص الأول من المادة 1503 من القانون المدني اليوناني ماهر عليه أن يلتزم بالحكم المطعون فيه هذا النظر وأقام قضاءه برفض الطعن بحقه في حضانة الابن على الاعتراف: “… ذلك نص المادة 1503 من القانون المدني اليوناني يبدأ التطبيق على الواقعات والمقدم بحافظة مستندات المعترف بها (الطاعن) قد نصت على قوله: “… ومعنى ذلك أن حضانة الطفل حتى لو لم تبلغ سنه أكثر من العاشرة تكون لمدعي الطلاق وهم المطاعون عليها إذ لم ينسب إليها خطأ ما وأن سبب الطلاق هو اعتناق الإسلام وهو أمر في لم يعد يعد منها… ” لا يمكن أن يكون قد أخطأ في تطبيق القانون يكون النعي على غير أساس.

وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثالث للطعن على الحكم المطعون فيه القصور في التسبب والإخلال بحق الدفاع وفي بيان ذلك يقول: إن الحكم المطعون فيه إذ أيد الحكم الابتدائي الذي حكم برفض القسم وقد تم فصله في قضاءه على أن الإدارة الدقيقة تقتضي أن يكون في حضانة أمه إعمالًا للرخصة قررت المحكمة بموجب القسم الثالث من المادة 1503 من القانون المدني اليوناني في حين اختفت الأوراق، ونظرت إلى هذه المحكمة، كما أنها أصدرت حكماً بادرت إلى هذا السبب الجديد من لقاء نفسها دون أن تطرحه على الخصوم أثناء المرافعة وخروجهم من تحقيق عناصره الواقعية وإثباتها ونفياً وهو ما أعجز الطاعن عن إبداء الدفاع بالإضافة إليه مما يعيب الحكم بالقصور في التسيب وخلال حق الدفاع.

وحيث إن هذا النعي غير مقبول ذلك لما كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بتأييد الحكم الابتدائي برفض المقاطعة -وعلى ما سلف بيانه في الرد على سببي الطعن الأول المسبق- إن الطاعن لا حق له في الحضانة الدقيقة وأن حضانته للمطعون عليها تعتبر مدعية الطلاق ولم ينسب لها خطأ ما وذلك بخبر للفقرة الأولى من المادة 1503 من القانون المدني اليوناني هذه الدعامة الكافية لآخر ما يقدمه النعي، إذ استطرد فيما بعد لسببه من أن مصلحة صغيرة تقتضي حضانته لأمه لا يعدو أن يكون ماكروني يستقيم الحكم بدونه وبالتالي النعي لهذا السبب – وأيش كان عنوان الرأي فيه – غير منتج وغير مقبول.

وحيث أنه لما وصل إلى الرفض.

بحث للدكتور عليان بوزيان منشور في مجلة إسلامية المعرفة –والتي تحولت إلى الفكر الإسلامي المعاصر فيما بعد- في العدد رقم (78) في عام 2014.
وفيما يلي ملخص البحث:
تهدف هذه الدراسة إلى استثمار نظرية المقاصد الشرعية لإدراك جوهر القانون، ومحاولة التقريب والمصالحة بين نظرة الشريعة إلى المصالح الإنسانية المعمرة، ونظرة النظم القانونية المقارنة إليها، وصولا إلى مجموعة القيم المعيارية الحاكمة، في صياغة تشريع معياري يتناسب مع المجتمعات الإسلامية.
وكشفت الدراسة عن الحاجة إلى تأسيس علم مقاصد القانون طلبًا لمقاصد كلية قطعية يقطع بها الخلاف ، فحيثما أسفر وجه الحق والعدل والمصلحة فثم مقصد القانون، ومن شأن ذلك فإن أسلمة المعرفة القانونية تمثل نقطة الانعطاف في إعادة بعث الجانب التشريعي من الشريعة، عن طريق تفعيل أدوات الفكر المقاصدي، واستثمارها في تحديد فلسفة التشريع الوضعي.

وجاء تقسيم البحث كما يلي:
– مقدمة
أولًا: فلسفة القانون في ضوء مقاصد الشريعة.
ثانيًا: الفهم المقاصدي للنصوص الشرعية والوضعية.
ثالثًا: ذاتية المصالح المعتبرة بين فلسفة التشريع الوضعي ومقاصد الشريعة.
رابعًا: استثمار مقاصد الشريعة في صياغة أهداف القانون الوضعي.
خامسًا: مظاهر الاستثمار المقاصدي في أفرع التشريع الوضعي.

خاتمة.

رابط مباشر لتحميل البحث