موقع حوارات

موقع حوارات

يستدعي حديث العلاقة بين الشريعة الإسلامية ومواد القانون في الدولة الحديثة أمرين، أولهما الصراع السياسي وثانيهما النقاش الأكاديمي العلمي. وقد نجحت وسائل الإعلام في أن تحوّل الحديث عن العلاقة بين الشريعة والقانون إلى مادة دعائية استقطابية تخضع للتجاذبات السياسية، فيما بقي النقاش الأكاديمي محصورا داخل الدوائر الجامعية الأكاديمية أو العلمية الشرعية. ومن هنا تنبع أهمية المبادرة الفردية التي أقدم عليها الباحث الدكتور حازم علي ماهر لتقديم النقاش حول الشريعة والقانون من النواحي العلمية والشرعية بناء على الآراء الجادة والاجتهاد، بعيدا عن المزايدات السياسية والاستقطابات الموسمية في مشروعه منصة “حوارات الشريعة والقانون”.

المنصة هي عبارة عن موقع إلكتروني متخصص يقدم مادة علمية محدّثة بشكل دوري في قالب إعلامي شيّق، تتناول أحدث الأبحاث التي تناولت الدراسة المقارنة بين الشريعة والقانون وأطر المرجعية الأخلاقية والشرعية للقوانين الحالية لا سيما المستحدثة منها. ولفت نظري أنها تقدم معلومات عن أعلام الحركات الوطنية والثقافية في العالم العربي الذين دافعوا عن تطبيق الشريعة وكان لهم دور رائد في أن تكون مرجعية لقوانين عديد من الدول العربية، ومن هؤلاء الزعيم الوطني المغربي والمفكر والأديب علال الفاسي، الذي كان عضوا ومقررا عاما في لجنة مدونة الفقه الإسلامي التي تأسست مع بداية استقلال المغرب، بالإضافة لعدد من الشخصيات العربية، وهو ما يثبت أن مطلب تطبيق الشريعة وأن تكون مرجعية للقوانين الدول الحديثة كان أحد مطالب الحركة الوطنية قبل وبعد الاستقلال.

مطلب تطبيق الشريعة وأن تكون مرجعية للقوانين الدول الحديثة كان أحد مطالب الحركة الوطنية قبل وبعد الاستقلالكما تعرض المنصة لأحدث الأخبار المتعلقة بمسألة الشريعة والقوانين الحديثة من ناحية مشروعات القوانين في الدول العربية، وأحدث الأبحاث والكتب المتعلقة بهذا الشأن.

أهمية المنصة تنبع من أنها من المبادرات القليلة التي ترسخ لنوع جديد من الإعلام قائم على التخصص من جهة، وتلبية احتياجات الجمهور من جهة أخرى. فلا شك أن مسألة تطبيق الشريعة وعلاقاتها بالدولة الحديثة وقوانينها مناط اهتمام شعبي كبير في العالمين العربي والإسلامي، وهو اهتمام لا يتم التعبير عنه سوى عبر البوابة السياسية، وبالتالي فإن التعبير عنه بهذه الطريقة يعزز من جدية النقاش حول هذه القضية ويقدم مادة معلوماتية دسمة يستطيع أن يستفيد منها الباحثون والشباب وغير المختصين.
مسألة تطبيق الشريعة وعلاقاتها بالدولة الحديثة وقوانينها مناط اهتمام شعبي كبير في العالمين العربي والإسلامي، وهو اهتمام لا يتم التعبير عنه سوى عبر البوابة السياسية، وبالتالي فإن التعبير عنه بهذه الطريقة يعزز من جدية النقاش حول هذه القضية ويقدم مادة معلوماتية دسمة يستطيع أن يستفيد منها الباحثون والشباب وغير المختصين
فمن غير الواضح لدى كثيرين أن العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي هي علاقة ممتدة حتى وقتنا الحالي؛ ممثلة في التدافع بين المطالبين بمرجعية الشريعة في القوانين الجديدة والمطالبين بالتخلي عنها، كما يحدث حاليا في المغرب في إطار مطالبات تعديل قانون الأسرة.

إن معظم الجامعات الكبرى تدعم فكرة حلقات الوصل بين البيئة البحثية الجامعية والمجتمع، حتى لا تبقى القضايا الشائكة حبيسة جدران الجامعة، ولتقديم وعي جمعي بهذا القضايا والارتقاء بمستوى النقاش حولها. وكان حريا بالجامعات العربية أن تتصدر لهذه المهمة خاصة فيما تعلق بقضية حساسة، وهي مسألة العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي الحالي، ولكن هذا لم يحدث.

الموقع بسيط في هيئته الفنية عميق في بنيته الفكرية والمعلومات التي يقدمها، وقد انتفع صاحب المبادرة من علاقته الشخصية بأعلام القانون مثل الدكتور أحمد كمال أبو المجد الذي أشرف على رسالته للدكتورة، والمستشار طارق البشري صاحب الفكرة الرئيسية لهذا المبادرة والتي أخرجها الدكتور حازم علي ماهر في شكل موقع إلكتروني.

وقد استفدت كثيرا من عروض الكتب التي يقدمها وتبسيط المصطلحات التي يشرحها، بالإضافة للحوارات المعمقة التي ينشرها لأعلام القانون حول مسائل تطبيق الشريعة. وأتمنى أن يساهم في توسيع النقاش العام حول تطبيق الشريعة على أسس عملية ومعلوماتية، ويمتد ذلك لورش عمل وأنشطة متخصصة يشارك فيها متخصصون في مجالات أخرى من أجل إثراء الحوار.

________________________

*نُشر هذا المقال على موقع عربي 21 بتاريخ 23 يوليو 2023.

بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر العدد رقم (10) عام 1977، يناقش فيه الدكتور مصطفى كمال وصفي اختلاف الفكرة الأخلاقية بين القانون، حيث الأخلاق الوضعية والتاثر بالمتغيرات الاجتماعية، وفي الإسلام حيث الأخلاق السماوية التي لا يمكن فصلها عن الدين الإسلامي، ولذلك فقد أنهى الدكتور وصفي كلامه بالتأكيد على أن تقنين أخلاقيات الإسلام منفردة أمر مرفوض، لأنه سيكون نوعًا من تجزئة الدين، فيصير بعضه مقننًا وبعضه بلا تقنين.

رابط مباشر لتحميل البحث

“على الرغم من أهمية مؤسسة الدولة في العالم العربي، فإن الاهتمام بدراستها -كقضية فكرية وسياسية- هو أمر حديث وغير مكتمل. فلدينا أكثر من 20 دولة عربية ذات سيادة، والكثيرون يأملون في دولة عربية موحَّدة، وهذه الدولة القُطرية ذات جهاز إداري ضخم ومتحكم بصورة طاغية على الاقتصاد القومي وعلى نظم التعليم والثقافة، ومع ذلك فإن التنظير للدولة -بتجذرها الاجتماعي، وإطارها القانوني وأخلاقياتها الفلسفية- ما يزال متخلفًا بصفة عامة”.

هذه هي الأطروحة الرئيسية التي يُصدِّر بها الباحث الجادّ والأستاذ في العديد من الجامعات الأوروبية، الراحل نزيه نصيف الأيوبي، كتابَه “العرب ومشكلة الدولة”، والذي يسعى إلى تحليل الجذور المختلفة لفقر التنظير حول قضية “الدولة” في الفكر العربي حتى وقت قريب؛ ثم لتقديم عرض نقدي للكتابات الحديثة التي بدأت تظهر في هذا الخصوص منذ السبعينيات؛ مستهدفًا من ذلك سبر غور موضوع العلاقة بين “الدولة” وبين مجتمعها المدني، وكشف طبيعة الواجهة الأيديولوجية التي تستخدمها “الدولة” لتبرير احتكارها لاستخدام القوة في المجتمع وسيطرتها على العمليات الاقتصادية والفكرية فيها.

نظريات الدولة في الفكر العالمي:

وهو في سبيل تحقيق هذا الهدف، يخصص الفصل الأول منه لعرضٍ (يستغرق ما يقرب من نصف الكتاب) للآراء والنظريات التي طُرحت حول مفاهيم الدولة ونشأتها وتطورها في الفكر العالمي المقارن منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى القرن العشرين؛ على يد رواد من أمثال ميكافيللي وبودان وهوبز وهيجل وماركس، وما حدث لموضوع “الدولة” من تطور مع بداية السبعينيات حين أصبح موضوعًا محوريّا في الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، إلى أن يصل إلى أن “الدولة” -في الدراسات المقارنة- هي ظاهرة ومفهوم يمكن تحديد أصوله وجذوره.

ولكن التعدد والتنوع في طبيعة المؤثرات التي خضعت لها عملية تكوين “الدولة الحديثة” قد أدى –بدوره- إلى وجود مفاهيم مختلفة لاصطلاح “الدولة” في الأدبيات المختلفة، حددها الكتاب في: حكومة، نظام قانوني مؤسسي، طبقة حاكمة، نظام معياريٍّ متكامل للقيم العامة؛ إلا أن هذا الاختلاف هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تناقض.

وعلى أية حال فإنه لكي يصح استخدام مفهوم الدولة في الدراسات المقارنة، فهناك أسلوبان يمكن اللجوء إليهما في هذا السبيل:

الأول: هو تعريف الدولة تعريفًا مبدئيّا مبسطًا مستخلصًا من الخبرة والملاحظة الشخصية، ثم القياس الكمي لدرجات أو مستويات مختلفة من الدولنة Stateness.

والثاني: هو النظر إلى الدولة باعتبارها –على الدوام- ظاهرة تاريخية وثقافية لا يمكن فهمها إلا في ارتباطها بمجتمع معين.

وفي غمار هذا العرض المقارن، يتوقف الكتاب عند النظريات التي طُرحت حول موضوع “الدولة” في العالم الثالث، ويستعرض تساؤلات مهمة عن أسباب عدم سعي التكوينات غير الأوروبية -التي لم تمر بتركيبة مماثلة من العوامل التاريخية- إلى خلق “الدولة الحديثة” بدلًا من أن تبحث عن أنماط أخرى للدولة، ولماذا نجد أن المجتمعات التي تعارض الأيديولوجيةُ السائدةُ فيها (مثلًا: الأصولية الإسلامية) فكرةَ “الدولة-الأمة”، عاجزة عن أن تتخطى مرحلة الرفض لكي تشكل نماذج سياسية بديلة للدولة؟

وهكذا فإن المشكلة تزداد تعقيدًا في بلدان العالم الثالث؛ لأن عملية محاولة بناء الدولة فيها تتطلب كذلك عملية بناء “أمة”، وبناء اقتصاد وطني في الوقت نفسه، وتؤدي هذه المحاولة -وخاصة في ظروف استمرار التبعية- إلى وقوع المجتمع في براثن التسلط والعنف.

وهذا – بدوره- يثير تساؤلًا آخر حول كيفية إزالة التناقض بين المفهوم “القانوني” للدولة وبين المفهوم “الاجتماعي” لها.

لمعالجة هذه الإشكالية، يستعرض الكتاب طريقين مختلفين: طريقًا تطرحه مدرسة التحديث أو المدرسة التنموية التي سادت الفكر الأمريكي (والغربي بصفة عامة)، وهو طريق نقل الخبرة الغربية إلى الدول غير الغربية بأسلوب “الحض” أو أسلوب “المحاكاة والتقليد”، وهي عمليات يعوّل فيها كثيرًا على دور النخب ذات التعليم الغربي.

والطريق الثاني تطرحه مدرسة الاقتصاد السياسي اليسارية التي ترى أن المشكلة -في حقيقتها- راجعة إلى طبيعة الدولة التي أقامها الاستعماريون في البلدان التابعة للرأسمالية العالمية، تلك “الدولة المتضخمة” التي لم تتأسس عن طريق برجوازية وطنية، وإنما عن طريق برجوازية استعمارية أجنبية.

وكنوع من محاولة تفسير هذا التناقض، ينقل الكتاب عن “غرامشي” فكرة أنه في الغرب يتسيد المجتمع المدني على الدولة، وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة صورة التراضي والهيمنة، على حين أنه في الشرق تتسيد الدولة على المجتمع المدني وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة شكل التسلط والقهر؛ “فالدولة هي كل شيء”.

بعد ذلك يعرض الكتاب لما أسماه “الطريق غير الفرداني” إلى بناء الدولة، ويقصد به ذلك الاتجاه الذي ظهر على يد الرومانسيين الألمان، والذي ربط بين فكرة “الجماعة” وفكرة “الدولة”، ولم يتبنَّ الفلسفات الفردية التعاقدية التي قامت عليها الدول الأوروبية الأخرى. وفي هذا يشار إلى أن هذا الطريق كانت له تأثيراته على كثير من المثقفين في العالم الثالث، وخاصة في الوطن العربي، ممن يورد الكتاب نماذج مهمة منهم فيما بعد.

وينهي المؤلف عرضَه للدراسات المقارنة هذه بالإشارة المهمة إلى “الطريق غير الأوروبي” في بناء “الدولة”؛ باحثًا عن “نموذج بديل.. لنمط دولة واقعية أخرى ذات مسار تطوري” مغاير لمسار الدولة الأوروبية؛ ويقصد به التجربة اليابانية؛ حيث إن اليابان هي دولة واقعية فعالة و”ناجحة”، مع أنها قد سلكت في تطورها مسلكًا مخالفا إلى حد بعيد للدول الغربية. ويورد آراء لبعض العلماء اليابانيين توضح أن تجربة اليابان السياسية والمؤسسية تدفع علماء السياسة فيها إلى أن يطرحوا أسئلة لا تتوارد على خاطر قرنائهم الغربيين، من قبيل: طبيعة دور الجماعات القروية والتشكيلات الأسرية في تشكيل بعض المؤسسات الحديثة في اليابان، الجذور التقليدية للدولة اليابانية؛ بما في ذلك مؤسسة “الدولة القديمة” المقتبسة عن الصين، ونظام “المعاني والأقانيم الكونية” الياباني cosmology الذي يحكم عمل المؤسسات السياسية والإدارية بما في ذلك المقتبس منها من الغرب، وكذلك مجموعة القيم اليابانية المتميزة.

وإذا كانت “المجتمعات التفرقية” (كالمجتمعات الغربية) -كما يطلق عليها اليابانيون- تتكون فيها الجماعات السياسية بناء على مبدأ التصارع على السلطة، فإن “المجتمعات التجمعية” (مثل المجتمع الياباني) تتكون فيها الجماعة السياسية بناء على مبدأ التشارك في السلطة Kikyo. ولذا يعتبر الكتاب أن التجربة اليابانية والتنظيم الياباني بخصوصها إنما يوضحان بجلاء أن هناك أكثر من طريق ممكن للتوصل إلى “الدولة”؛ ومن ثم فإن اهتمام بعض المثقفين العرب في الفترة الحالية “بإعادة اكتشاف اليابان” هو اهتمام يستحق التشجيع والمتابعة.

الدولة في الفكر الإسلامي التقليدي:

ينتقل الكتاب -في الفصل الثاني- نقلة نوعية؛ إلى دراسة قضية “الدولة” في الفكر الإسلامي التقليدي؛ حيث ينطلق من القول بأن مفهوم الدولة الحديثة غير موجود أو غير وارد في الفكر السابق على العصر الحديث؛ وإن كانت ظاهرة “الدولة” معروفة في “البلدان المسلمة”، على الأقل بمعناها القانوني ومعناها الهيكلي. فالدولة هي “سلعة غربية مستوردة”، جاءت إلى العالم الإسلامي عنوة عن طريق المستعمِر في جانب منها، وتدعَّمت فيه عن طريق اقتباس الحكام ومحاكاتهم لأساليب “هذه السلعة” ومنظماتها من جانب آخر.

وفي هذا يؤكد الكتاب على أنه ليس في الفكر السياسي الإسلامي مفهوم محدد للدولة، وأن عشرات الكتب التي تتحدث عن مفهوم “الدولة في الإسلام” وتستمد مادتها من الأدبيات الإسلامية التقليدية إنما تتحدث عن “الحكم” أو عن “السياسة”، وليس عن “الدولة” بالمفهوم النوعيّ والمعنى المتكامل؛ ذلك أن تصنيف “الدولة” في الفكر السياسي التقليدي هو تصنيف لضروب الصَّنعة السياسية، وليس لأنواع “الدولة”.

ويعتبر المؤلف أن نظرية “الخلافة” تبلورت كبحث مثالي حول ما يجب أن يكون وليس كدراسة وصفية لما هو قائم بالفعل، ممثلًا لذلك بإسهامات الماوردي والغزالي وبدر الدين بن جماعة. أما ابن خلدون فإنه يعد -في نظر المؤلف- استثناء من هذه القاعدة؛ حيث يعتبر “أهم مفكر إسلامي تقليدي يضع الدولة في بؤرة اهتمامه الفكري؛ فهو يعالج قضايا تمس القارئ المعاصر وتذكره بمشكلات شبيهة يحياها بالفعل”. ولذلك يعود الكتاب إلى بعض القراءات المعاصرة لابن خلدون، وخاصة عابد الجابري الذي ركز في قراءته على إسهام ابن خلدون في ربط تطور الدولة بمفهوم “نمط الإنتاج”، وهي نقطة أهملها الكثيرون في تحليلهم لقضية الدولة في المجتمعات العربية الإسلامية، على نحو ما يؤكد المؤلف.

يبرز الكتاب اختلافًا مهما بين فكرة الدولة في أوروبا عنه في الفكر السياسي الإسلامي، فإن كانت الدولة الأوروبية قد تطورت من خلال “الفردانية” ومفهوم “الحرية” المرتبط بها، فإن الفكر السياسي الإسلامي قد ركز على “الجماعة”، ومن ثم أصرَّ على “العدل” كقيمة سياسية عليا، و”القيادة” باعتبارها أساس الحياة السياسية. فإذا وضعنا مقارنة أولية بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي في هذا الخصوص تكون نتيجتها كالتالي:

الفكر الأوروبي: الفرد – الحرية – الدولة.

الفكر الإسلامي: الجماعة – العدل – القيادة.

فالقيادة تحتل إذن مكانة بالغة الأهمية في التراث السياسي الإسلامي، ومن المعروف طبقًا لماكس فيبر وغيره، أن قوة القيادة تتحقق عادة على حساب صلابة المؤسسات، والعكس بالعكس. ولكن هذه الفكرة لم تحظَ بتشجيع كبير من رواد الفكر السياسي الإسلامي.

وانتقالًا إلى اللحظة الحديثة، يعرض الكتاب قصة تطور فكرة “الدولة”، في ارتباطها بالأوضاع السياسية للأمة الإسلامية كما يشرحها رضوان السيد، ويعتمد على حامد ربيع في تشخيص الوظيفة “الحضارية” للدولة الإسلامية، ويشيد بقيام هذين الباحثين العربيين المحدثين باستخدام المناهج العصرية لتحليل الأفكار والأوضاع التاريخية في التجربة الإسلامية.

يستغرق حامد ربيع وفكره المتعلق بالدولة بين التجربة الإسلامية والتجربة الأوروبية مساحة غير ضئيلة من الكتاب؛ مبرزًا عددًا من أفكار ربيع، من قبيل: إشكالية العلاقة بين الفكر والحركة في التقاليد السياسية الإسلامية، وقيام النظام السياسي والإداري الإسلامي على مبدأ “التوازن”، وأن السلطة هي أداة تحقيق الوظائف العقيدية والحضارية والدعوية للأمة، وأن “الدين الإسلامي هو دين سياسي، والسياسة الإسلامية هي سياسة دينية” ،… ليخلص الكتاب إلى التأكيد على أن محاولة ربيع هي محاولة بالغة الأهمية؛ “لسعيها إلى استلهام التراث السياسي الإسلامي في ضوء الإطار المرجعي لهذا التراث نفسه”، الأمر الذي يتميز فيه ربيع عن عدد من النماذج الفكرية العربية التي يتعرض لها الكتاب لاحقًا.

يتفق الكتاب مع رأي حميد عنايت بأن نظرية الدولة الإسلامية قد ظهرت كرد فعل لزوال آخر خلافة إسلامية (العثمانية)، وأن سقوط هذه الخلافة هو أصل ظهور نظرية “الإسلام دين ودولة”؛ التي صارت أشبه بالبدهيات في الأدبيات الإسلامية المعاصرة.

ويلخص الكتاب وجهة نظر من أسماهم “المحدثين” حول “الدولة في الرؤية الإسلامية” برأيٍ لعابد الجابري مؤداه أن “الخطاب السلفي يتركز في الواقع حول “سياسة” الماضي؛ أي حول الخلافة والإمامة، و”أصول” الحكم في الإسلام، دون أن يتعدى ذلك إلى القضايا التفصيلية المتعلقة بالدولة والسلطة”.

أخيرًا، يشير الكتاب إلى تصنيف فهمي جدعان للاتجاهات الفكرية المطروحة حول الدولة (دعاة الفصل العلماني، دعاة الدولة الإسلامية، الوسيط بينهما بتياريه التشريعي والإنساني)؛ ليخلص إلى أن التيار الأخير يقدم بذور نظرية أولى بالقبول في ظل الدولة- القومية العربية القائمة؛ وليؤكد على جوهرية اقتراح جدعان التمييز بين ما قد نسميه “فكرة الحل الإسلامي” وبين “فكرة الدولة الإسلامية”؛ لفهم تيار “الإسلام السياسي” فهمًا صحيحًا ودقيقًا.

الدولة العربية المعاصرة:

في الفصل الثالث يستكمل الكتاب استعراضه لأفكار “المحدثين” حول “الدولة”؛ منتقلًا من رؤاهم حول “الدولة الإسلامية التقليدية” إلى رؤاهم الخاصة بـ”الدولة العربية المعاصرة”. فبدءًا مما أسماه “عصر النهضة”: مطلع القرن الميلادي الثامن عشر، لاحظ طابعًا “توحيديّا” على الفكر العربي آنئذ، وإن اختلفت مادة هذا “التوحيد” بين: الدين، المجتمع العضوي، الأرض، اللغة، مشيرًا إلى أن هذا الفكر البكر لم يتناول ساعتئذٍ موضوع “الدولة” هكذا بصورة مباشرة، رغم تجربة “دولة الباشا العملاقة” وتجربة “التنظيمات”.

إن تفسير ذلك – فيما يتفق فيه الكتاب مع أومليل والجابري وابن دور- أن المفكرين العرب لم يتعرفوا في بادئ الأمر على “الدولة كجهاز متكامل، بل كعناصر مبتورة”، وأن العرب اهتموا –عند تحليلهم لتفوق الغرب وأزمة العرب- بالتطلع إلى ما يمكن تسميته بـ”مظاهر السلطة”، أكثر مما اهتموا بإدراك مرتكزاتها (أي جذورها الاجتماعية الاقتصادية، وصياغاتها الفلسفية والقانونية)، أو على نحو ما عبر البعض من أن العرب استوعبوا سريعًا المظاهر الهيكلية وعمليات “التبرقط”، غير أن مفهوم “الدولة” نفسه ظل غائبًا عندهم.

يمضي الكتاب في ذات المسار النقدي؛ ليتبنى رؤية عبد الله العروي من أن “الدولة” لم تكن قضية مطروحة في الفكر السياسي العربي “التقليدي” إلا في صورة “طوبى”، فيما هي في العصر الحديث حقيقة هيكلية قارة في الواقع العربي: هيكلًا أجوف بلا روح، “جهازًا دون نظرية”.

وفيما وصفه بأهم محاولات معالجة قضية “الدولة” التي كتبت باللغة العربية، يؤكد الكتاب على نظرة وضاح شرارة لواقع “الأزمة” بين الدولة العربية ومجتمعها؛ والتي يرجعها شرارة – باختصار- إلى قيام الدولة -من ناحية- بالتعبير الأمين عن المصالح الضيقة المباشرة لفئة محدودة من المجتمع، وقيامها –من الناحية الأخرى- بخلق وهم سياسي بأنها تعبر عن مصلحة عامة وفكرة جامعة. والنتيجة -كما ألمح شرارة- هي أن قوى الاختلاف داخل الدولة العربية لم تجد أمامها إلا أن تصير قوى مصادمة ومقاومة، وأن الدولة لا تتحول إلى الانسلاخ فقط عن المجتمع، بل إلى عزله والتسلط عليه أيضًا: دولة-ضد-مجتمعية، تفرغ المجتمع المدني من مضمونه الاجتماعي ثم تسيطر على كل ثناياه وأنحائه؛ لتعيد صياغته على النحو الذي يناسبها هي.

يشير الكتاب إلى أهمية الطرح الاقتصادي والاجتماعي لقضية “الدولة”، منوهًا باجتهادات البعض من قبيل سمير أمين؛ ذلك على أساس أن الوحدة العربية المنشودة لن تتحقق لمجرد وجاهتها المنطقية كفكرة ولا لسموها المعنوي، وإنما تتحقق بتجمع القوى الوطنية الفاعلة من حولها، وببناء دولة رشيدة وعصرية تحتويها، ولن تكون هذه الدولة عقلانية وحرة وقوية ما لم يسهم المثقفون العرب بدور قائد في مناقشة قضايا بنائها وتطورها.

بهذه الدعوة المفتوحة للنقاش الجاد والفاعل يختتم الأيوبي كتابه الماتع هذا على إيجاز عبارته وصغر حجمه؛ بعد أن رسم خريطة معرفية للأفكار والأطروحات التي تعرضت لموضوع الدولة، إلا أن هناك عددًا من الملاحظات تجدر الإشارة إليها في هذا المقام:

أن الأستاذ نصيف لم يقدم مفهومًا محددًا للدولة، سواء من قبل أن يشرع في استعراض الرؤى والأفكار حوله، أو بعد أن فعل ذلك، واقتصر على اقتراح أسلوبين يصح بهما استخدام مفهوم الدولة في الدراسات المقارنة.

كما أنه قد ركز على بيان “مشكلة الدولة” أكثر من أن يقدم حلولًا لها، وبدا أنه قصد فقط إلى الاكتفاء باستعراض تنوعات الرؤى التي تبين جوانب المشكلة كخطوة أولية في سبيل الوصول إلى حلول لها.

وقد كان استعراضه لمظاهر المشكلة التي تمر بها الدولة استعراضًا متوازنًا إلى حد كبير؛ فهو قد أوضح الأزمة التي تمر بها الدولة على المستويات الثلاثة التي ذكرها دون تفاوت كبير بينها، إلا أنه قد يؤخذ عليه في الجزء المتعلق بدعاة الدولة النابعة من الحضارة الإسلامية أنه اكتفى بنموذج حامد ربيع -كما أشرنا- دون غيره ممن أسماهم بدعاة “الإسلام السياسي”، وكذلك كتابات طارق البشري وعادل حسين وفهمي هويدي، على الرغم من أنه كان من الضروري عرض أطروحات هؤلاء على النحو الذي عرض به غيرها من الآراء بدلًا من الاكتفاء بالإشارة إليهم (مع ملاحظة أن الكاتب قد أشاد في كتابه “الدولة المركزية في مصر” بمحاولات ذلك الاتجاه في التنقيب عن روافد أخرى لمفهوم الدولة بالعودة إلى التراث الإسلامي، ودعا إلى تشجيعها والتعاطف معها).

المشكلة الرئيسية التي تعاني منها الدولة في العالم العربي والإسلامي: أنها دولة “مستوردة” فُرضت عليه فرضًا من الإمبريالية الغربية وتضخمت جدًا تحت رعايتها حتى تحقق مصالحها وهيمنتها.

ويتصل بما سبق ما يلاحظه القارئ من أن الأستاذ نصيف قد اكتفى بالعرض الوصفي والتصنيفي لنصوص وآراء الآخرين والتعليق الواصل بين هذه العروض النصية؛ وهو ما يثير التساؤل حول مدى دقة وصف هذا العرض بأنه “عرض نقدي”، ويعطي فكرة غير صحيحة عن أنه ليست له اجتهادات شخصية حول هذا الموضوع، إذ إن للكاتب دراسات جادة وأطروحات عميقة حول الموضوع نفسه أوردها في كتاباته الأخرى، خاصة في كتابه “الدولة المركزية في مصر” -الذي سلفت الإشارة إليه- وكتابه “تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط” (باللغة الإنجليزية).

إن الإضافة الأساسية لهذا الكتاب -في نظرنا- أن من يطِّلع عليه يخرج وهو يشعر بأنه قد وضع يده على المشكلة الرئيسية التي تعاني منها الدولة في العالم العربي والإسلامي، وهي أنها دولة “مستوردة” على حد تعبير الكاتب، (وكذلك برتران بادي”) فُرضت عليه فرضًا من الإمبريالية الغربية، وتضخمت تضخمًا شديدًا تحت رعايتها حتى تحقق مصالحها وتحافظ على هيمنتها. وأن الوضع الصحيح لمعالجة هذه المشكلة هو البحث عن الكيفية التي يتم بها وقف تغول هذه الدولة، وإعادة استقلاليتها من جديد. ولن نجد هذا الحل في إضفاء مشروعية كاذبة على هذه الدولة، سواء كانت مشروعية إسلامية أم قومية أم وطنية؛ إذ إن ذلك يزيد من هيمنتها وسيطرتها وتسلطها، ولكن الحل هو في تقديم النموذج البديل المستمد من الموروث الثقافي للأمة دون مفاصلة مطلقة مع النماذج الحديثة الأخرى.


* نقلًا عن مجلة المسلم المعاصر، العدد 148، أبريل 2013م.

 

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

 بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الثاني عشر من مايو سنة 2013 م، الموافق الثاني من رجب سنة 1434هـ.

حضر السيد المستشار / ماهر البحيري …………………….. رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: عبد الوهاب عبد الرازق ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف ومحمد خيري طه النجار وسعيد مرعي عمرو والدكتور/ عادل عمر شريف………………………………………………. نواب رئيس المحكمة. .

وحضور المستشار الدكتور/ حمدان حسن فهمي…رئيس هيئة المفوضين.

وحضور السيد / محمد ناجي عبد السميع……………………… أمين السر.

صدر الحكم قادما:

 في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا رقم 37 حكم 33 قضائية “النظام الدستوري”.

المقامة من:

السيدة/ نادية عبد الله أحمد الوكيل.

ضد:

1- السيد رئيس الجمهورية.

2- السيد رئيس مجلس الشعب.

3- السيد وزير العدل .

4- السيد رئيس مجلس الوزراء.

5- السيد/ محمد ناصر السيد أبو عيانة.

6- السيدة / نيهال محمد عبد المنعم عبد الحميد الوكيل.

التدابير

 بتاريخ السادس من شهر مارس سنة 2011، أودعت دعمًا لشبكة هذه التوجهات الخاصة بقلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية عجز الفقرة (2) من المادة (20) من القانون رقم 100 نهائي 1985 بتعديل بعض قوانين التحكم الشخصية، فيما يشمله من قصر حق رؤية الأجداد للصغير عند عدم وجود الأبوين.

أشكرت هيئة قضايا الدولة، وطلبت في ختام الحكم برفضها .

وبعد الانتهاء، وأودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونُظرت المتنوعة على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

 بعد الترجمة على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع –على ما يتبين من محطات متنوعة وسائر الأوراق- تتحصل في أن المدعى عليه الخامس كان قد أقامت رقم 1201 لسنة 2006 “محكمة الإسكندرية – رمل” وشعرت به من رؤية ابنته الصغيرة –المشمولة بحضانة أتريد- المدعى عليها، السادسة مرة كل أسبوع، فتدخلت للتنديد في هذه الأمور وتؤثر تأثيراً كبيراً، حيث أن الجدة لأم صغيرة، والحكم بتمكينها من رؤيتها. حكم المحكمة بجلسة 18/4/2010 برفض التدخل، التي لم ترتض هذا الحكم وطعنت بالاستئناف رقم 3828 قرار 66 ” ق – التوقيع “، وجلسة 18/1/2011 ولم تتردّد هذا الحكم لعدم عجز نص المادة الثانية من المادة (20) من القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض قوانين التشريع الشخصية، فيما يشمله من عدم رؤية الأجداد في حالة وجود الأبوين فقط، وذلك لعدم مخالفة نص المادتين (2، 9) من الدستور العام 1971.

 وحيث إن القسم الثاني من المادة رقم (20) من المرسوم بقانون رقم 25 بحكم 1929 الخاص بالممتلكات المالية المستبدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض قوانين التسجيل الخاصة بالربح على أنه: “ولكل من الأبوين الحق في رؤية الصغير أو الصغيرة وللأجداد مثل” ذلك عند عدم وجود الابوين”.

وحيث إن الطب تنعي على النصعون فيه مخالفة المادتين (2، 9) من الدستور سنة 1971، عوض الدين للمادتين (2، 10) من الدستور سنة 2012، طوال فترة وجوده بوحدة الأسرة، وعدم توكيد قيمها العليا، وسون أعضاءها حتى يبقى بنيانها قائما على والأخلاق ، فضلًا عن عدم توفيرها المناخ المناسب بما في ذلك تنظيم وحدة الأسرة التي حرص الدستور على صونها، خاصة وأن رؤية الأحفاد لأجدادهم حق باطنهم من التواصل والارت بهم، وبالتالي فإن النص المطعون فيه يمثل ههترًا لكيان المسرحية التي حرصت الشريعة الإسلامية على حماتها، بما في ذلك يخالف مقاصد الشريعة ويترتب عليه مخالفة الدستور.

وحيث يوجد إن لم يوجد على دستورية القوانين، من حيث ماطابقتها للقواعد الموضوعية التي تشملها الدستور، إنما الكائنات لأحكام الدستور دون غيره، إذ أن هذه لا تشمل إلا أنها أصلية –وعلى ما بعد به قضاء هذه المحكمة– صون الدستور موجود من الخروج على تشغيله، مع الأخذ في الاعتبار أن نصوص هذا الدستور تمثل دائمًا التعليمات والأصول التي يقوم بها نظام الحكم، واختيار مقام ما بين المتطلبات العامة التي يجب عليها الالتزام بها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، وهي أسمى تعليمات الآمرة، وبالبناء على ما تقدم، فإن هذه المحكمة تشرف مباشرة على النص المطعون تم خلاله تشغيل الدستور التجريبي في 25/12/2012.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة مطرد على أن ما نص عليه دستور عام 1971 في مادته الثانية – بعد تعديلها سنة 1980 – لا تشمل (2) من الدستور سنة 2012، من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر للتشريع، إنما يتمخض عن الرئيسي الخاضع يجب على السلطة كافل أن تتحراه وتنزل عليه في ما تقدمه بعد هذا التوسع، فلا يجب أن نصحكم بشكلي أن يناقض الحكم الشرعي القطعية في ثبوتها ودلالتها، مع اعتبار أن هذا الحكم هو الذي لا يتحمل الاجتهاد فيها إذ تمثل الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبدلًا . ومن غير المتصور تبعاً لذلك أن مفاهيمها تعتمد تفسيراً لتغير الزمان والمكان، إذ هي عصية على التضامن ولا يجوز الخروج عنها أو التواء عنها. ولا تطبق ذلك على حكم الظنية، حيث لا يتم بثبوتها أو دلالتها أو بهما بقوة، القوى القوية التي تنحصر فيها دائرة الاجتهاد، ولا إلى سواها، حيث تستخدم بتغير الزمان والمكان ومارونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، وعلى أن يكون هذا الاجتهاد واقعيا في إطار أصول الكلية للشريعة الإسلامية بما في ذلك لا يجاوزها، متوخية في تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما يقوم به من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال، ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في القضاء الظني حق لأهل الاجتهاد فولى أن يكون هذا الحق ثابتًا لولي الأمر يستدعي به في كل ما يتعلق بها تمامًا يناسبها. وأية قاعدة تنوعت في هذا الإطار لا تحمل في نظرها ما يعتصمها من المعركة عنها وإبدالها بقاعدة جديدة لا تتفاعل مع حكمها شرعيا بشكل قطعي، وتعتمد في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وكفل لمصالحهم.

لما كان ذلك، وكان حق رؤية الأبوين للصغير أو الصغير من ثوابت التشريع الإسلامي ارتكانًا إلى صلة الرحمة وبر الوالدين، إلا أنه حق أصيل حصريًا، ولصالح أصوله على حد سواء، تلبية للفطرة الطبيعية التي فطر الله الناس عليها. وبعد ذلك تقرر المشرع نطاق هذه الاهتمام معرفًا بأبعادها، فذلك لأن الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية –القطعية في ثبوتها ودلالتها– لا تقيم حق البحث تخومًا لا ينبغي تجاوزها، ثم تطلب أن تحدد نطاق مباشرته يكون بما في ذلك أوفى بمصالح والدقيق والأبوينجداد، ومؤدى إلى ذلك لاستكمال ألا يكون مباشرة هذا الحق محددًا بقواعد جامدة ومن لا تأخذ في درجاتها تغير الزمان والمكان، بل يجب أن يسم دومًا مؤهلًا من المؤهلين التي تتسع لها القضاء المستجيب الثاني للتطور، وهي مرنة ينافيها أن يتقيد المشرع بآراء بذاتها لا يحيد عنها، أو أن تتوقف جهده عند المجال الجوي حيث تكون النقاط المعتبرة شرعية قد يتجاوزها. ولأنه كان للمشرع الاجتهاد في القضاء الظني بمراعاة المعيار التاريخي الذي يقوم برهانها من الأدلة الشرعية، وتم تثبيته ليس هناك نص قطعي الثبوت والدلالة في ما يتعلق بتنظيم حق الرؤية، فإن موافقة المشرع على هذا الحق لا يعدو أن يكون حقيقيا في دائرة الاجتهاد ويتطلب أن يكون محققا إلا مقاصد الشريعة، لتلبية متطلبات الظروف الاجتماعية التي تطبع النص الأصلي. ولذلك كان ذلك، وكان النص المطعون عليه بقصره حق الأجداد في رؤية أحفادهم على حالة عدم وجود الأبوين، قد أخلّما بما يتطلبه الحفاظ على صلة الرحمة، والاحتفاظ بالروابط الأسرية وعصره هذا أو يتفق من قيم عليا تحقق للنفس البشرية تكاملها الذي يشير إلى مقاصد الشريعة يمكن أن يكون من هذه الوجه مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية ومن ثم التاسع من الدستور.

وحيث إن الحق في الصارم الثلاثية لا ينفصل بالضرورة عن الحق في صونها، بما في ذلك أطفال يكفل تنشئتها وتقويمهم وتحملهم مسؤولياتهم، والدستور الحالي قد نص في مدته العاشرة على أن الأسرة وأن المجتمع يأخذها الدين والأخلاق والوطنية، وأن الفنان الأصيل للأسرة المصرية وما يصل إليها من قيم وتقاليد، هو ما ينبغي له التمتع به، وتوكيده في العلائق داخل مجتمعها، وأن الأمومة والطفولة قاعدة لبنيان الأسرة ورعايتها وضرورة لتقدمها. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن كل قاعدة لا تتحمل ما يعصمها من نضالها وإبدالها بقاعدة جديدة، تكفل ضمانها لقضاياها التي يجب أن تشرع في حلها. وكانت الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة مقبولة في المفاضلة التي يذهبها بين مفضلة مختلف مجموعة ما يقرر أنها أنسب للجماعة وأكثرها ويمكن للوفاء بمتطلباتها، محققة لما تهدف إلى التنظيم الذي يشرع له. لذلك كان النص المطعون عليه حادًا لتحقيق المصالح المشروعة للأسرة ثم للصغير في الاتصال بأسرته وحدها، بما في ذلك عصره من أحاسيس وشاعر متبادلين فيما بينهم لا تختلف عن تلك القائمة بين الصغيرة وأبويه، متجاوزًا بشكل واضح إلى الإرادة في فصم عرى العلاقات الأسرية والتواصل بين أجيالها على استنادا إلى القيم والتقاليد المتوارثة والأطر الثقافية الثابتة، ومتجاهلة تماما المعجزة التي تولت على المجتمع والأسرة، وتعدد الأجداد في مجال رؤية الأبوين والأجداد للصغيرة، تحمله بما فيه من لدد في الخصومة، وأعتنت من الحاضنة أو الحاضنة في الآن الأجداد من رؤية أحفادهم، وما يرتبه ذلك كله من حرمانهم من عواطفهم وجدادهم جياشة وتعلقهم بهم ورعاهم، وهو ما يؤدي إلى العديد من من قد يتصف بالصغار.

وحيث إن النص الطعين انطوى أيضًا على تمييز دون تمييز في تنظيم حق رؤية الأحفاد بين الأجداد في حالة وجود الأبوين، والأجداد في عدم وجود الأبوين، على الرغم من كونهم مركزهم قانونيًا، ومساواتهم في درجة القرابة، بما في ذلك ينشأ المبتدئين في الدستور، ذلك وهو من المقرر - في قضاء هذه المحكمة – أنه إذا قام ما قام به بشكل غير متماثل في حقوقهم، فقد تنظم بعض الشكر وتساويهم تبعاً لذلك في عنصر لتي تكونت، فهل لهذا وحدة القاعدة القانونية التي يجب تطبيقها في حقهم، ثم تحرر المشرع على ما يصل إلى حقهم في حمأة. مخالفة الدستورية، وبالتالي يكون النصعون فيه قد يخالف نصوص المواد (2، 10، 33) من الدستور، بما في ذلك يوجب القضاء لعدم دستوريته.

فلهذه الفكرة

 حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (20) من القانون رقم 25 بحكم 1929 الخاص بالعطور المصرفية المستبدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض قوانين التحكم الشخصية فيما يتعلق به من قصر حق الأجداد في رؤية أحفادهم على حالة عدم وجود القواعد، وألزمت الحكومة المصروفات وبلغت مايتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

أمين السر رئيس المحكمة

بحث للدكتور إبراهيم البيومي غانم منشور حديثًا في مجلة الدراسات المقاصدية المعاصرة، في العدد رقم (2) الصادر عام 2023.
ويتعرض البحث لإشكالية تناول “مقاصد الشريعة” بمعزل عن أسئلة الواقع وتحدياته، وكأنها وقعت في أسر بعض النماذج التاريخية، ولا يقتصر هذا الأسر التاريخي على المقاصد فقط، بل طال نظريات أخرى مهمة، مثل نظرية الشورى، ونظرية الإجماع، ونظرية العدالة، وكل هذه النظريات مقصاة عن حقول العلم الاجتماعية والسياسية، ويلقي البحث باللوم على المشتغلين بالعلوم الشرعية وكذلك المشتغلين بالعلوم الاجتماعية، وفيما يلي ملخص البحث، بالإضافة إلى ما سماه الدكتور غانم “فاتحة” البحث وليس خاتمته:
الملخص:
“تهدف هذه الدراسة إلى البحث عن سبل فاعلية نظرية المقاصد من خلال ربطها بالواقع، بالتنبيه على مجموعة من الأعطاب المنهجية على المستوى العلمي والعملي. وقد عرضت الدراسة ثلاث أطروحات لتجديد النظر في موضوع المقاصد؛ الأطروحة الأولى وهي وجوب إعادة هيكلة منظومة المقاصد، ببيان المقاصد المشتركة والعامة كتحقيق الكرامة الإنسانية والحرية وتطبيق العدالة وتحقيق السلم العام. والأطروحة الثانية تتمثل في توسيع مصادر البحث في المقاصد، إذ تظهر الورقة مجموعة من الاختلالات المنهجية مما جعل منظومة “المقاصد العامة للشريعة” نظرية ولا تحقق الأهداف العملية المرجوة منها. أما الأطروحة الثالثة، فهي تحديث الأمثال الشارحة وتجديدها باعتبار المثال أحد أدوات تحرير نظرية المقاصد من المحابس التي وضعت فيها، ومن ثم؛ تدعو الدراسة إلى ربط الأمثلة بالواقع الفعلي، خصوصا الواقع الجماعي والمصالح المشتركة”.

الفاتحة:
“إن كانت الأطروحات الثلاث التي قدمتها فيما سبق واضحة ومقبولة: فهذا غاية ما تمنيته، وما فيه وما إليه سعيت. وإن كانت لا تزال غامضة، كليًا أو جزئيًا، فغاية ما أتمناه أن أتمكن من إيضاحها في مناسبة أخرى، أو أن ينهض آخرون هم أكفأ وأقدر على القيام بهذه المهمة. وفي جميع الأحوال وأيًا كان الاحتمال؛ فإن الحاجة باتت ماسة أكثر من أي وقت مضى لكي ينعم الأصوليون والفقهاء ومعهم المشتغلون بالعلوم الاجتماعية عقولهم في هذا الاتجاه التجديدي، وأن يسعوا لإيجاد مخرج من حالة السكون والثبات التي رانت طويلًا على الدرس المقاصدي. وأن يفندوا الأسباب التي أسهمت في أن تظل بعض الأمثال الشارحة تتكرر هي هي، لأكثر من ألف سنة دون أن يتصدى أحدهم لتحديثها بما يجعلها مستوعبة لوقائع التغير الاجتماعي وتحولاته من حقبة إلى حقبة. وما أثر هذه الظاهرة على فاعلية “منظومة المقاصد العامة للشريعة” وإمكانيات تفعيلها في توجيه الواقع ومعالجة مشكلاته. ثم ما الذي تكشف عنه الوقائع الفعلية لهذه القاعدة عندما وجدت طريقها إلى التطبيق أحققت أهدافها “سدًا وفتحًا”؟ أم لا؟ ولماذا؟ وإذا كان “سد الذرائع” طريقًا من عشر طرق للاجتهاد في تقدير المصلحة في النوازل التي لم يرد فيها بعينها نص: فلماذا آل أمر قاعدة “الذرائع” في الممارسة إلى تغليب “السد”، على “الفتح” فيما يخص العبادات والمعاملات الفردية، وتغييب ما يدخل في “المصالح العامة” مثل الخدمات والمرافق العامة، وأمور السلم والحرب عن متناول الاجتهاد وفق هذه القاعدة ذاتها: اللهم إلا في حالات نادرة، وأين جهود تجديد فقه المقاصد العامة للشريعة من هذا كله؟”.

رابط مباشر لتحميل البحث

الحكم الصادر بجلسة ٢٥ من نوفمبر ۲۰۱۳م

في الدعوى المقيدة في سجل المحكمة الدستورية

برقم (٥) لسنة ۲۰۱۳ ((دستوري))

بعد أن أحالت محكمة الاستئناف القضية

رقم (٧٤٥) لسنة ۲۰۱۲ أحوال جعفري/۷

المرفوعة من: عفيفة عباس عبدالله الرئيس.

ضد:

مدير عام الهيئة العامة لشئون القصـر بصفته.

شريعة إسلامية * مذاهب دينية (المذهب الجعفري) * إخراج الزكاة من أموال القصر المشمولين برعاية إدارة شئون القصر* مبدأ المساواة

النعي بعدم دستورية القرار الوزاري رقم (٣٥) لسنة ۱۹۸۰ بشأن إخراج زكاة أموال المشمولين برعاية إدارة شئون القصر بمقولة أنه فرض الزكاة على كافة القصر الكويتيين الذين لا وصي عليهم دون مراعاة الأحكام الخاصة بالزكاة في المذاهب الدينية المختلفة كما ألزم القصر الكويتيين من غير المسلمين بالزكاة رغم أنها ليست من أصول دينهم بالمخالفة للمبادئ العامة للشريعة الإسلامية فضلًا عن أن إخراج الزكاة جبرًا من أموال القصر الكويتيين دون إصدار تشريع مماثل بفرض الزكاة على أموال غيرهم من المواطنين الكويتيين يعد إخلالًا بمبدأ المساواة.

استظهار المحكمة من نص المادة (۲) من الدستور بأن دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع أن الدستور بموجب هذا النص حمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك إلا أنه لم يلزمه بإتباع مذهب فقهي معين بل يسوغ له أن يتخير أي من المذاهب الفقهية حتى يجمع الناس على رأي واحد يرفع به الخلاف ويحقق الصالح العام.

القرار المطعون عليه بإخراج زكاة أموال القصر المشمولين برعايتها صدر أخذًا بالرأي الراجح في المذاهب الفقهية الإسلامية – لا محل للنعي على القرار بأنه فرض الزكاة على غير المسلمين من القصر الكويتيين إذ لا أثر لهذا النعي على النزاع الموضوعي الذي أقيم ممن ينتمي إلى المذهب الجعفري – القول بإخراج الزكاة جبرًا من أموال القصر الكويتيين يقتضي إصدار تشريع مماثل بفرض الزكاة على أموال غيرهم من المواطنين الكويتيين تحقيقًا لمبدأ المساواة مردود بأن دور هذه المحكمة لا يتجاوز وظيفتها القضائية بمعاييرها وضوابطها إلى وظيفة التشريع – رفض الدعوى.

الحكم الصادر بجلسة ٢٥ من نوفمبر ۲۰۱۳م

برئاسة السيد المستشار/ يوسف جاسم المطاوعة رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين/ خالد سالم علي وخالد أحمد الوقيان
وعادل ماجد بورسلي وإبراهيم عبد الرحمن السيف

في الدعوى الدستورية المقيدة في سجل المحكمة الدستورية
برقم (٥) لسنة ۲۰۱۳ ((دستوري))

الوقائع

حيث إن حاصل الوقائع – حسبما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – أن المدعية (عفيفة عباس عبد الله الرئيس) كانت قد أقامت على المدعى عليه الدعوى رقم (١٩٤٠) لسنة ٢٠١٢ أحوال جعفري/ ۲ ، بطلب الحكم بندب خبير حسابي من إدارة الخبراء بوزارة العدل للاطلاع على ملف القاصر (سيد على نجيب) والحساب المذكور، على سند من القول أن المدعى عليه بصفته قد أصبح وصيًا على القاصر بعد وفاة والده نجيب سيد على الموسوي بتاريخ 19/4/1999، إلى أن تم تعيينها وصية عليه بموجب الحكم الصادر في الدعوى رقم (١٥٢٤) لسنة ٢٠٠٩ أحوال جعفري / ٩ بتاريخ 15/7/2009، فأقامت الدعوى لمحاسبته عن إدارته الأموال القاصر خلال تلك المدة ندبت المحكمة الكلية خبيرًا، وبعد أن أودع تقريره طلبت المدعية إلزام المدعى عليه بصفته بأن يؤدى لها مبلغ (٥٦٧ و ٤٥٣٧٩ د.ك) المستقطع من أموال القاصر دون وجه حق. وبتاريخ 25/6/2012 حكمت المحكمة برفض الدعوى استنادًا إلى وجوب إخراج الزكاة من أموال القاصر إعمالًا لقرار وزير العدل رقم (٣٥) لسنة ۱۹۸۰. استأنفت المدعية هذا الحكم بالاستئناف رقم (٧٤٥) لسنة ٢۰۱٢ أحوال جعفري / ۷.

وبتاريخ 18/12/2012 قضت المحكمة بوقف نظر الاستئناف، وبإحالة اللائحة الصادر بها قرار وزير العدل رقم (٣٥) لسنة ۱۹۸۰ بشأن إخراج زكاة أموال المشمولين برعاية إدارة شئون القصر إلى المحكمة الدستورية للفصل في مدى دستوريتها ، بعد أن ارتأت -من تلقاء نفسها- مخالفة تلك اللائحة لأحكام الدستور وعقب ورود ملف القضية إلى إدارة كتاب هذه المحكمة، تم قيدها في سجلها برقم (٥) لسنة ٢٠١٣ دستوري»، وتم إخطار ذوى الشأن بذلك، وأودعت المدعية مذكرة طلبت في ختامها الحكم بعدم دستورية قرار وزير العدل سالف الذكر. وقد نظرت هذه المحكمة الدعوى بجلسة 18/9/2013 على الوجه المبين بمحضرها، وقررت إصدار الحكم بجلسة 31/10/2013، وفيها قررت مد أجل النطق به لجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.

حيث إن إجراءات الإحالة قد استوفت أوضاعها المقررة قانونًا. وحيث إن القرار الوزاري رقم (٣٥) لسنة ۱۹۸۰ الصادر من وزير العدل بشأن إخراج زكاة أموال المشمولين برعاية إدارة شئون القصر قد نص في المادة (۱) منه على أن تقوم إدارة شئون القصر بإخراج زكاة الأموال عن القصر والمحجور عليهم المشمولين برعايتها وذلك طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية ونصوص هذا القرار، وأورد في باقي مواده الأحكام المتعلقة بالأموال التي تجب فيها الزكاة وشروط إخراجها وتحديد النصاب الشرعي وكيفية أداء الزكاة من الأموال المختلفة ومصارفها.

وحيث إن مبنى النعي على قرار وزير العدل سالف الذكر -حسبما يبين من حكم الإحالة- أنه قد خالف المواد (۲) و (۷) و (٣٥) من الدستور، إذ فرض الزكاة على كافة القصر الكويتيين الذين لا وصي عليهم دون مراعاة الأحكام الخاصة بالزكاة في المذاهب الدينية المختلفة بالمخالفة لمبدأ حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وترتب عليه وجوب إخراج الزكاة من أموال القصر الكويتيين من أتباع المذهب الجعفري رغم أنهم غير مخاطبين أصلًا بهذه الفريضة في المرحلة العمرية السابقة على البلوغ طبقًا لأحكام مذهبهم. كما ترتب على ذلك القرار إلزام القصر الكويتيين من غير المسلمين بالزكاة رغم أنها ليست من أصول دينهم، وذلك بالمخالفة للمبادئ العامة للشريعة الإسلامية التي تقضى بألا يخاطب غير المسلمين بفرائض الدين الإسلامي. فضلًا عن أن إخراج الزكاة جبرًا من أموال القصر الكويتيين دون إصدار تشريع مماثل بفرض الزكاة على غيرهم من المواطنين الكويتيين يعد إخلالا بمبدأ المساواة.

وحيث إن هذا النعي -في جملته- مردود، ذلك أن النص في المادة (۲) من الدستور على أن دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، يدل على أن الدستور بموجب هذا النص يحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك، إلا أنه لم يلزمه بإتباع مذهب فقهي معين، بل يسوغ له أن يتخير أي من المذاهب الفقهية، حتى يجمع الناس على رأى واحد يرفع به الخلاف ويحقق الصالح العام.

لما كان ذلك، وكان القانون رقم (٦٧) لسنة ۱۹۸۳ في شأن إنشاء الهيئة العامة لشئون القصر -والذي حل محل القانون رقم (٤) لسنة ١٩٧٤ في شأن إدارة شئون القصر- قد ناط بهذه الهيئة تولى الوصاية على القصر الكويتيين الذين لا ولي أو وصي عليهم، وأجاز لها إدارة أموال القصر وناقصي الأهلية وفقًا الأحكام الشريعة الإسلامية، وإذ صدر القرار الوزاري رقم (٣٥) لسنة ١٩٨٠ بشأن إخراج زكاة أموال القصر المشمولين برعايتها، أخذًا بالرأي الراجح في المذاهب الفقهية الإسلامية الذي أوجب الزكاة في أموالهم وألزم الولي أو الوصي بإخراجها، فإن القرار بذلك لا يكون قد خالف أحكام الشريعة الإسلامية أو تضمن مساسًا بحرية الاعتقاد ولا محل للنعي عليه بأنه فرض الزكاة على غير المسلمين من القصر الكويتيين، إذ لا أثر لهذا النعي على النزاع الموضوعي والذي أقيم ممن ينتمي إلى المذهب الجعفري. ومن ثم يضحى الادعاء بمخالفة ذلك القرار للدستور على غير أساس صحيح. أما عن القول بأن إخراج الزكاة جبرًا من أموال القصر الكويتيين يقتضي إصدار تشريع مماثل بفرض الزكاة على غيرهم من المواطنين الكويتيين تحقيقًا لمبدأ المساواة، فإن هذا القول مردود بأن دور هذه المحكمة لا يتجاوز وظيفتها القضائية -بمعاييرها وضوابطها- إلى وظيفة التشريع.

وبالترتيب على ما تقدم، فإنه يتعين القضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى.

يحفل الفكر الإسلامي بكثير من القضايا الرصينة التي أنضجتها قرائح المحققين من العلماء، ثم وعتها ذاكرة الأمة على امتداد التاريخ، ومن تلك القضايا قضية الاتصال الوثيق بين مفهوم (الشريعة) التي تحوي أصول الأحكام التي شرعها الله تعالي لعباده في الكتاب والسنة، ليتعبدهم بها في الدنيا، ثم يحاسبهم عليها في الآخرة، وبين مفهوم الفقه التي يتضمن العلم بمجموعة الأحكام التفصيلية العملية استنباطًا من أدلتها الشرعية في: الكتاب والسنة أو الإجماع، أو غيرها من المصادر.
وفي إطار هذه العروة الوثقى بين الشريعة والفقه فإن “الفقه” باعتباره العلم الذي يضطلع بتفاصيل تلك الأحكام الشرعية وتحديد مدلولاتها، وبيان درجة الإلزام فيها لابد أن يفهم على أنه ليس منفصلا عن الشريعة ذاتها، وليس غريبا عنها وإنما هو ناطق بلسانها، مترجم عن محتواها، كاشف عن حكم الله تعالي المتضمن فيها!!
أجل… إن الفقه يحوي تجسيدا خصبًا لجهود عقول باذخة من الفقهاء، وثمرة ناضجة لنشاطهم الذهني المتوقد في استنباط الأحكام من أدلة الشرع؛ الكتاب والسنة، ولكن تلك الجهود لا تخرج به عن إطار الشرع، لأنها جهود منضبطة بالشرع، مؤصلة بتأصيله، مؤسسة بتأسيسه، دائرة في فلكه.
بيد أن فريقًا من ذوي الأفهام الملتبسة من التنويريين يضيقون ذرعًا بمكانة الفقه في الوعي الإسلامي العام، ولا يريدون له أن يظل حاكمًا على أفاعيل البشر، أو ضابطًا لأنماط سلوكهم، ويرون في التزام الأمة به، واستمساكها بأحكامه، واعتصامها بعروته: حائطًا شاهقًا وسدًا منيعًا في وجه دعاوي الحداثة والتنوير، ومن ثم فإنهم يباعدون بينه وبين الشريعة، لأنه –كما يزعمون– مجرد جهد بشري لا قداسة فيه، ولا مهابة له.
فهذا أحدهم يقول في صراحة: “إن الأحكام التي يتضمنها الفقه –بمختلف مذاهبه– إنما هي أحكام من صنع البشر، وصل إليها الفقهاء عن طريق الاجتهاد”، ومن ثم فهي لا تتمتع بقداسة الشريعة ولا تنضوي تحت إلزامها، ومن ثم أيضًا فإن من حق كل عصر أن يكون له فقهه البشري الخاص، الذي لا يتقيد بأفهام سلف الأمة، ويتبع غير سبيلهم، فليس في الإسلام –كما يتابع– نصوص مقدسة إلا ما ورد في الكتاب والسنة النبوية التشريعية، وما اختلاف أحكام الفقهاء في مسألة واحدة –برغم الاستناد إلى أدلة شرعية ثابتة– إلا دليل على أن الفقه من صنع عقول البشر!!
ثم تري قائلًا آخر منهم يقول: إن كثرة الآراء الفقهية المتتالية التي أدلي بها الفقهاء عن طريق فهمهم للنصوص القرآنية قد انتهت إلى “استنفاد جميع إمكانات تلك النصوص التي تتيحها اللغة، مما جعل إغلاق باب الاجتهاد بل انغلاقه نتيجة حتمية، وأصبح من الضروري تأسيس التشريع -لا على النصوص- ، بل على المقاصد التي تؤسسها المصلحة العامة والمثل العليا!!
هذه الأقاويل بحاجة إلى وقفات شتى:
الأولي: إن القول بأن الفقه من صنع البشر إنما هو قول يُلبس الحق بالباطل، فالجهد البشري في الفقه قاصر على النشاط الذهني والفعالية العقلية التي يبذلها الفقيه في استخراج الأحكام واستنباطها من النصوص القطعية من الكتاب والسنة، دون أن يكون للفقيه يدّ في تحديد الحِل والحُرمة، أو الحلال والحرام، لأن هذه التحديدات مستقاة من الشرع المنزل نصًا أو اجتهادًا أو استنباطًا، فكيف يقول هؤلاء الزاعمون إن الفقه من صنع البشر؟
إنه حين يتوجه الأمر الإلهي –مثلًا– بالصيام في قوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ثم يستنبط الفقيه من تلك الآية الكريمة فرضية الصيام، وحرمة انتهاكه: فهل يكون هذا الحكم صناعة بشرية؟

الثانية: إنه ما كان للأمة أن تتعرف على “المواقف العملية” لإنفاذ أحكام الشرع جملة وتفصيلًا إلا عن طريق “الفقه”، فجهود الفقهاء منذ عصر الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب تنصب في تحديد تلك التصرفات العملية اللازمة لتطبيق أوامر الشرع ونواهيه التي وردت على نحو “مجمل” أو “عام” أو “مطلق”، فهل تطرح الأمة تلك الجهود الباذخة التي أنجزها “الفقه” لتبحث لها عن طرق أخرى تتخبط بها في دروب التيه، بغير هدي ولا كتاب منير؟

الثالثة: إن صاحب هذا الزعم الذي يجعل من اختلاف الأحكام الفقهية في مسألة واحدة دليلًا على أن الفقه إنما هو من صنع عقول البشر: يحسب أن اختلاف الفقهاء اختلاف منفلت يجازف فيه كل فقيه بما يعن له من شوارد الآراء أو يخطر على ذهنه من خطرات المقالات دون قاعدة محكمة، أو أصل منضبط، مع أن قليلا من التأمل في التراث الفقهي الزاخر قمينٌ بأن يقنع المرء بأن آراء الفقهاء -على اختلافها- ما صدرت إلا على أسس شرعية راسخة، يحكمها جهد أصولي فذ، يقوم على تتبع الجزئيات، ثم ينظمها في عقد شتاتها، ويجمع متفرقاتها، ومن أجل ذلك فإن كثيرًا من المحققين قد ذهب إلى أن كل مجتهد في “الظنيات” التي تختلف فيها الآراء هو “مصيب”، لأنه قد بذل غاية جهده، ومنتهى سعيه!!
أما أولئك الزاعمون فإنهم يجعلون “بشرية الفقه” التي يدعونها: ذريعة لاجتهاد بشري مماثل يقومون به ويصوغون لبناته من “الواقع” بكل انحرافاته وسوءاته، ويبتدعون اتجاهاته بوحي من “المصلحة” المختلطة بالمفسدة، ولماذا لا يفعلون وهم يدعون لأنفسهم “حق الاجتهاد” دون أن يكون لديهم من أسسه وضوابطه نصيب؟

الرابعة: ذلك الزعم الذي يجعل بشرية الفقه: دعوة –لا إلى غلق باب الاجتهاد فحسب– بل إلى
“انغلاق” باب الاجتهاد من تلقاء ذاته، ذلك لأن إمكانات النصوص الشرعية قد استنفذت، وليس ثمة مخرج عنده، إلا البحث عن “بديل” عن النصوص يتمثل في الارتكاز على المقاصد العامة، والمصالح المشتركة والمُثل العليا!!
ولا شك أن مبعث هذا الزعم هو التعامل مع النص القرآني بعد تجريده من خصائص الوحي، ومقتضيات التقديس، وكأنه قصيدة من الشعر أو نص من النثر، وتلك إحدى سمات “القراءات الجديدة” للنص المقدس، تلك القراءات التي تبنتها شرذمة من التنويريين والحداثيين، في غفلة غافلة عن أن القرآن الكريم هو كتاب الله المعجز، الذي يعلو فوق مناهج البنيوية أو التفكيكية وغيرها، والذي يحوي من الأسرار والحكم ما يناسب كل جيل، دون أن تنفذ عجائبه أو يخلق من كثرة الرد، كما سيظل –حتى قيام الساعة– زاخرًا بالدلالات الهادية، والمعجزات الباهرة.
ثم أقول: إن كل دعوة إلى طرح الذخيرة الفقهية الباذخة التي تمتلكها الأمة سواء بالدعوة إلى الفصل بين الفقه والشريعة، أو بالدعوة إلى “اجتهاد” مزيف لم يستوف أركان الاجتهاد وضوابطه، أو بالترويج “لتجديد” مجهول العواقب، باهت الملامح: فإنما هي دعوات ينبغي التعامل معها بحذر واعٍ، ورؤية ثاقبة، وأناة متبصرة، حتى لا نكون كمن يستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير!!

____________________

نُشر هذا المقال في مجلة الأزهر عدد ربيع الآخر 1441هـ، ديسمبر 2019م.

 

الحكم بجلسة 28/10/2009

في الطعن المقيد في سجل المحكمة الدستورية

برقم (20) قرار 2009

« طاعون خاص بانتخابات مجلس الأمة العام 2009»

المرفوع من: حمـد عبد العزـيـز إبراهيم الناشـي.

ضــــد:

1) آسيل عبد الرحمن الحاج متقي حاجيه العوضي

2) رولا عبد الله حاجيه دشتي

3) وزير الداخلية باعتباره

4) الأمين العام للأمة بصفته

5) وزيـر العـدل كونه

محكمة دستورية • طعون اختيارية • تخصص • طريقة الانتخا5ب • عضوية مجلس الأمة • وحيدا • قرار إعلان نتيجة الانتخاب • حالات اسقاط العضوية • عضوية مجلس الأمة • شروط الترشيحات الخاصة للمرأة • الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية • تجربة الشريعة الإسلامية •

محكمة الدستورية • طعون اختيارية • تخصص • اختيار الانتخاب • عضوية مجلس الأمة • وكلا • وضع إعلان نتيجة الانتخاب • حالات اسقاط العضوية •

  • تختص هذه المحكمة بنظر الطعون الخاص بانتخاب أعضاء مجلس الأمة أو تصدق كعضو في الأساس بمرشح الانتخابات وهو مستوف لجميع شروط الطعن وتتعلق بالطعن الانتخابي من تصويت وفرز وإعلان النتيجة وما شابه انتخاب الانتخاب والإعلان عن إرادة التقدم من مطاعن وأخطاء الترشيحات ‒ العضوية في مجلس الأمة أساسها أنها سترغب في اختيار الأشخاص الذين اختاروا بأصواتهم مرشحين بعينه ممن لديهم توافر فيها الشروط التي حسمها الدستور وما عدا سُمح للمرشحين بخوض الانتخابات وهو فاقد لشرط من شروط الترشيحات سواء اختيار سابق أو مع تصويت عملية الانتخاب، فإن قدرة المرشحين في هذه الحالة تكون قد وردت على غير محل صالح للتصويت والاقتراع عليه حتتمًا ولا يكون إعلان نتيجة اتفاق أهله فيه متضمنًا إعلانًا عن إرادة كل ‒ لا وجه لقول بتحصن قرر تقديم اسم الطعن في كشوف لعدم الطعن عليه أو باكتمال مركزه الساقي بإعلان فوزه في الانتخاب أو صح صحيح مكتسب يستعصي على التغيير ‒ الطعن على التسامح الذي يتعلق به بانتخاب عضو مجلس الأمة سواء كان الطعن في إجراءات الانتخاب أو على الطعن الذي قام بإنجاز الانتخاب، فاز به فيها لشروط الترشيحات النهائية للطعن في الانتخاب الانتخاب ‒ الطعن على إعلان نتيجة الانتخاب ليس طعنًا على قرار إداري مما يختص بالقضاء الإداري المستقل إلغائه إذ لا ينتهي نتيجة إعلان الانتخاب إفرانًا عن القدرة لتتمكن من إنشاء إرادة كامل ‒ حالات انخفاض العضوية في مجلس الأمة لا تطالب بالإعدامات الانتخاب بحالة خاصة بعضو ومجلس الأمة لا يستدعي أثر بشئون أعضائه إلا بعد التثبت من إجراءات السلامة عملية الانتخاب والصحيفة إسباغ صفة العضوية على منشور فوزه في مسابقات.

عضوية مجلس الأمة • شروط الترشيحات الخاصة بالمرأة • الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية • ممارسة الشريعة الإسلامية •

  • النص في المادة (1) من انتخابات أعضاء مجلس الأمة رقم (35) لسنة 1962 المُعدل بالقانون رقم (17) لسنة 2005 على أن “… ويشترط للمرأة في الترشيحات والانتخابات الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية” – مدلول (القواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية) مدلول عام يستوعب استخدام الدين جميعها وإيقاف منها بالعقيدة والأخلاق وأفعالين وتصرفاتهم وما ورد منها بالكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة وما يُستنبط منها بالاستناد إلى الأدلة الشرعية الأخرى كما له مدلول خاص بالفقه الإسلامي الذي لا يعرف على معرفة جزء من هذه القضاء وهي النظام الشرعي الفاسد الذي تخص أسماء التسجيلين ولا تتضمن ضمن تجربة العقائد الأخلاق – ولفظ (المعتمدة) الوارد بهذا النص قد يعني حل قاطعة في ثبوتها وفي دلالتها كما قد تشارك أيضا في الحل الذي تستنبط هدف الاجتهاد في نطاق القضاء الظنية بالاعتماد على الأدلة الشرعية المختلفة سواء المتفق عليها عليها (كالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) أو المختلف لها (كالاستحسان والعرف) متى قام الدليل على ذلك هناك مصلحة في إتباعها وفقا لما يقدره ولي الأمر.
  • إذا احتمل آخر النص أكثر من معنى لحمله على المعنى الذي يجعل أكثر يحدثًا مع القانون الأعلى وعلى النحو الذي يعتمده على أصله من الصحة – الدستور الكويتي لم يسمح للقانون الإسلامي بمعنى “الفقه الإسلامي” المصدر للتشريع أو يمنع المشرع من الأخذ من مصادر نزولًا على أحوال الناس وشئون العبادة بما يكفل مصالحهم المحترمة شرعًا كما كفل الدستور الحرية الشخصية وحرية العقيدة الواضحة ما دامت في نطاق (الاعتقاد) أي (السرائر) فأمرها إلى الله ولم يجز التمييز بين الناس في الحقوق والواجبات بسبب الدين أو الجنس.
  • شرعية الشريعة الإسلامية لا تكون لها قوة إلزام تعليمات قانونية إلا إذا شاركت المشرعين وتقننها وليس لها قوة النفاذ والمباشر يجب أن يتم إفراغها في نصوص موثوقة محددة ومضمونة محددة يمكن أن تلتزم بكل من المخاطبين بأحكامه والقائمين على تنفيذه وتطبيقه ولاتسنى تبعاً لذلك مساواتها في الحكم بالنصوص الموضوعية فالنص الموضوعي يكون نافذًا بذاته فيما يشمله من التحميل موضوعية – النص المشار إليه لا يمكن وصفه بأنه يتضمن حكمًا موضوعيًا محددًا حسب ما يؤكد لمضمونه من النصوص الأصلية التي تخصص دعوة والتوجيه ولا يُقصد بها الإلزاموجوب – لا يُتصور أن تكون إرادة المشرع قد اتجهت في إطار هذا النص المجمل إلى ترك الأدلة العلمية على تطبيقه وتتبعه بتقصي هذه التعليمات والأحكام غير المقننة مما قد يؤدي إلى ذلك من الاضطراب والتناقض بين هذه التعليمات والأحكام فيما يتعلق باختلاف رؤية النظر الفقهية – الرفض الطعن.

الحكم بجلسة 28/10/2009م (٥)

بحضور السيد المستشار/ يوسف غنام الرشيد رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين/ فيصل عبد العزيز المرشد ورشاد يعقوب الشراح 

وخالد سالم على وصالح مبارك الحريتي

في الطعن المقيد في سجل المحكمة الدستورية

برقم (٢٠) لسنة ٢٠٠٩

“طعون خاص بانتخابات مجلس الأمة عام 2009”

الوقائع

حيث حصلت على الوقائع – يبين من الأصول – أن الطاعن (حمد عبد العزيز إبراهيم الناشي) طعن في صحة انتخابات مجلس الأمة لعام ۲۰۰۹ في الدورة (الثالثة)، وذلك بفضل صحيفة أوديت كتاب هذه المحكمة بتاريخ 28-5-2009، طالبًا في ختم تلك المؤلفة المحكم: ببطلان قبول ترشيح عون ضدها الأولى (آسيل عبد الرحمن متقي حاجيه العوضي)، والمطعون ضدها الثانية (رولا عبد الله حاجبه دشتي)، وبطلان إعلان فوزهما في الاختيار الثالث، وبعدم صحة لهم بمجلس الأمة، مع ما يترتب على ذلك. صدم.

وبيانًا لذلك قال إن انتخابات قانون أعضاء مجلس الأمة رقم (35) قرار 1962 المعدل بالقانون رقم (17) قرار 2005 سمح للمسلمين الكويتية بممارسة حقوقها السياسية في الترشيحات والانتخابات، متطلبًا في ذلك التزامها بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية، لذلك من بين هذه التعليمات والأحكام ، لزوم حجاب المرأة المسلمة وإدناء ثيابها عليها لإخفاء زينتها عن الرجال من غير محارمها، بما أن عداوة الوجه والكفين فان جسد المرأة عورة ثانية، وأن هذا الحكم هو حكم ثابت بالكتاب والسنة وجماعة الأئمة، وتتقدمت كل من المطعون ضدها الأولى والمطعون ضدها فردي الترشيحات لعضوية مجلس الأمة في الدورة (الثالثة) في الانتخابات التي تم تحديدها لإجرائها يوم 16-5-2009، وسمح لهما بخوض هذه الانتخابات، ثم إعلان فوزهما في تلك الانتخابات، على الرغم من مخالفتهم للشرط المفروض للتمتع الكويتية بالترشح في الترشيحات، وخلالهما بالالتزام بالاستلام بالمادة (1) من قانون الانتخاب، بعدم ارتدائهما الحجاب الشرعي الذي أوجبته المحاكمة الإسلامية، وبالتالي أمر ترشيحهما، وإعلان فوزهما في الانتخاب، وعضويتهما بمجلس الأمة يكون تبعًا لذلك مشوبًا بالبطلان تطبيقًا لحكم الشرع وإعمالًا لنص القانون، لذا فقد أقامه الماثل – يختار ناخبًا – ويكون مرشحًا في هذه الدورة للحكم بالطلبات المالية المباشرة.

وقد أودع الطاعن مع صحيفة الطعن طبق مستندات طويت على صورة ضوئية مماته الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية من بيان في خصوصية المرأة الشرعية، وصورة رقمية من فتوى صادرة عن وزارة الأوقاف بتاريخ 24/9/2006، وإصدارة أخرى منها بتاريخ 26 /9/2006.

وعقب إدارة كتاب هذه المحكمة الطعن طعنه في سجلها برقم (۲۰) لسنة 2009، وجرى إعلانه إلى المطعون ضدهم.

هذا وقد اعتبر هذا الطعن على الوجه المبين بمحاضر جلسات، وحضر المحامي (جمال محمد يعقوب اليوسف) عن الطاعن، وصمم لطلبات بصحيفة الطعن. وحضر المحامي المطاوع (عماد سليمان السيف) عن عون ضدها الأول الأشرار مذكرة دفع فيها بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الطعن على سند من أن يختصها ينصب على العملية الانتخاب بمعناها الدقيق الدقيق من تصويت وفرز وإعلان النتائج ولا تمتد إلى المراحل السابقة على إجراء العملية الانتخاب، كما دفع عدم مراعاة دستورية القسم الأخير من المادة (1) من القانون رقم (35) لعام 1962 في انتخابات أعضاء مجلس الأمة، وذلك فيما يتعلق بما يمنعه من وضع شرط خاص بالمرأة لممارستها الحق في الترشيحات والانتخاب، واحتياطيا: برفض الطعن موضوعا. وحضر المحامي (د. محمد عبد المحسن مقاطع) عن المطعون ضدها الثاني وكذلك مذكرة دفع فيها عدم اختصاص المحكمة بنظر الطعن باعتبار أنه يعتبر في حقيقةته طلبًا بإسقاط العضوية مما ينعقد باستثناء في مجلس الإدارة الأمة، وبعدم يوافق على الطعن بعدم تعلقه بالعمل ولا يشترك فيها، ولعدم اتضامن معها الوثيقة المؤيدة للطعن صحيفته، وفي موضوع الطعن برفضه، وحضر مملس إدارة الفتوى والتشريع عن الأمين مستند بدفاعها طلب في ختامها الحكم: أصليًا: برفض الطعن وبعدم قبول الدفع المبدى من المطعون ضدها الأولى عدم الدستورية، واحتياطيًا: برفض هذا الدفع موضوع، يبرهن الطاعنة بخطة صممت على طلبات ورفض الدفوع المبداة من المطعون ضدهما الأكثر استخداما، الايداع صورة المشروعة من التقرير الثاني للجنة الشئون التعليمية والقانونية بمجلس الأمة بتاريخ 11/11/ 2008 حول مدى دستورية أو تشغيل موضوع إستاد بعض الكتب المجانية للمرأة على ضوء ما ورد بالمادة ( 1) قانون الانتخاب والشروط المتطلبة فيمن يولى الوزارة ترغب بها في المادتين (۸۲) و (۱۲۵) من الدستور. وقد قرر الحكم إصدار الحكم في جلسة الطعن بجلسة 30/9/2009، وفيها قرر من أجل النطق بالاستماع اليوم.

المحكمة

بعد الترجمة على الأصول، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.

حيث إن المطوع ضدهما الأول يفضلهما ويا عدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الطعن بمقولة إنه لا يتعلق بعملية الانتخاب مع معناها الدقيق من تصويت وفرز وإعلان النتيجة، حتى أنه جاء منصرفًا إلى الترشيحات في الانتخاب وهي مرحلة سابقة في الانتخابات مما ينحسر عن تخصيص هذا القضاء الفصل فيه.

وحيث إن هذا الدفع في غير محله، ذلك أن تختص هذه المحكمة بنظر الطعون الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس الأمة أو يؤمنوا بعضويتهم، منوط في الأساس بخوض الانتخابات وهو مستوف لجميع شروط الترشيحات، ويتعلق الطعن بحق الانتخاب من تصويت وفرز وإعلان النتيجة، وشابة عملية الانتخاب والإعلان عن الانتخابات سوف يتقدم من مطاعن وأخطاء، وأن العضوية في مجلس الأمة أساسها سيختارها الذين يصوتون بأصواتهم لاختيار المرشح بعينه ومن يتمتع بوجود الشروط التي حسمها الدستور، ولا يجوز له اختيار المرشح بخوض الانتخابات وهو فاقد لشرط من شروط الترشيحات سواء ترشيح سابق أو مع شعبية لعملية الانتخاب ، إن إرادة التصويت في هذه الحالة قد وردت على غير محل صالح للتصويت والاقتراع عليه هتمًا، ولا يكون إعلان نتيجة القرار يرفضه فيها متضمنًا إعلانًا عن إرادة الرفض، ولا وجه للقول والحال كذلك بتحصن قرر إدراج الاسم في كشوف بدلاً من الطعن، أو باكتمال مركزه الساقي بإعلان فوزه في الانتخاب، أو صح بحق الحصول على يستعصي على التغيير. وعلى ذلك فإن الطعن في التدابير التي تختص بانتخاب عضو مجلس الأمة – سواء كان الطعن في إجراءات الانتخاب أو على طعن بارد الذي قام بخوض الانتخابات وأُعلن فوزه فيها لشروط الترشيحات – وانتهى ثم على الطعن في الإجراء الانتخابي، لأن الفصل في هذا يؤثر بالضرورة وبحكم اللزوم على صحة العضوية وأعلن فوزه في هذه الانتخابات، وغني عن البيان أيضًا أن الطعن على إعلان نتيجة الانتخاب ليس طعنًا على قرار إداري مما يختص بالقضاء الإداري على إلغائه، إذ لا يجوز إعلان نتيجة الانتخاب افصاحًا عن إرادة القدرة على الإدارة، رغب في الإرادة للاستمرار ، ومتى كان ذلك، وكان وجه النعي المثار في هذا الطعن يطعن في تحقيقته على إجراءات الانتخاب التي تمت بالدائرة (الثالثة)، وإعلان نتائجها يؤيد كل من المطعون ضدهما الأول المقبولة، بإتباع بطلان خوضهما هذه الانتخابات واعلان فازهما وبطلان عضوا لمخالفهم للشرط الخاص بالمرأة المقرر قانونًا يمارس حقها في الترشيحات، فإن الطعن بهذا المثابة يكون مُندرجًا ضمن الطعن الانتخابي الذي تختص هذه المحكمة بنظره، ولا وجه لما تطعن به المطعون ضدها الثاني من أن هذا الطعن يتم خضه عن طلب بإسقاط العضوية مما ينحسر الأمر فيه عن اختصاص المحكمة وينعقد للأمة هذه، إن حالات انخفاض العضوية في مجلس الأمة لا تطالب بالإعدام الانتخاب بحالة خاصة بالعضو، وأن مجلس الأمة لا يستأثر أثر بشئون أعضائه إلا بعد التثبت من سلامة الإجراءات العملية الانتخاب وصحيحة إسباغ صفة العضوية على من أُعلن فوزه في الانتخابات، ومن ثم يطلب طلب هذا الدفع برمته .

وحيث إنه بالنسبة إلى ما يريد المطعون ضدها من عدم قبول الطعن لأن الطاعن لم يطعن في طلب الطعن بالمستندات الثانية المؤيدة له على نحو ما يقضي به حكم المحكمة، فهو دفع مردود ذلك أن الثابت من الأصول أن الطاعن أودع مع صحيفة الطعن حق المستندات احتوت على ما ارتآه مؤيدًا للدفاع عنه من آراء خصوص المرأة الشرعية، وفتاوى صادرة عن وزارة الأوقاف ومن ثم يضحى هذا الدفع بشكل حر بالتفاتات.

وحيث إن الطعن اسماته شكلية.

وحيث إن الطاعن بنى طعنه ببطلان طريقة الانتخاب في القرار (الثالثة) وبطلان إعلان فوز المطعون ضدهما الأولى المعلنة، وبطلان عضوهما في مجلس الأمة، على أنهما لم تلتزم أساساً بارتداء الدين الشرعي، وخالفتا شرعياً قانون الانتخاب الذي اشترط للمرأة في الترشيحات الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة الشرعية الإسلامية.

وحيث إن التصويت على المادة (1) من أعضاء مجلس الأمة رقم (35) لعام 1962 يتم التصويت عليه بالقانون رقم (17) لمدة ۲۰۰۵ نصت على أن “لكل كويتي البالغ من العمر سنة واحدة كاملة حق الانتخاب، ويستثنى من ذلك المتجنس الذي لم تمض” على تجنسه عشرون سنة ميلادية بموجب حكم المادة (6) من الرسوم الأمير رقم (15) قرار 1959 بقانون الجنسية الكويتية. ويشترط للمرأة في الترشيحات والانتخاب بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية”.

وحيث إن الأخير من عبارة النص الفقرة المشار إليها بالصيغة التي أفرغت فيها أصبحت مطلقة، مجملة، دون تحديد تعريف تعريف تعبير المصور للمعنى، وكذلك وردت عبارة بصيغة شفاهية، إلا أن النهاية النهائية في تفسيره أكثر من معنى، وبه خفاء في دلالة المعنى منه، فمسدلول (القواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية) مدلول عام يستوعب الدين جميعها، وإيقاف منها بالعقيدة والأخلاق وأفعال غيرين وتصرفاتهم وما ورد منها بالكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة وما يُستنبط منها بالاستناد إلى الأدلة الشرعية الأخرى، كما له مدلول خاص بمعنى الفقه الإسلامي الذي لا يوجد على فهم جزء من هذا الحكم وهي الحكم الشرعي العملية التي تخص أفعالين ولا تتضمن ضمن تحميل القائد والأخلاق. ولفظ (المعتمدة) الوارد بهذا النص قد يعني حل القطعية في ثبوتها وفي دلالتها، كما قد يصرف أيضا إلى الحل الذي يستنبط هدفه الاجتهاد في نطاق حكم الظنية بالاعتماد على الأدلة الشرعية المختلفة سواء المتفق عليها (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة)، أو المختلف لها ( (كالاستحسان والعرف) متى قام الدليل على درجاتها، ويوجد هناك مصلحة في إتباعها وفقًا لما يقدره ولي الأمر.

وحيث إنه يبين مطالعة مضبطة مجلس الأمة بجلسته المعقودة يوم الاثنين 8 من ربيع الآخر سنة 1426هـموافقة 16 من مايو سنة ۲۰۰۵ أنه قد عُرض عليه مشروع مقدم قانون من الحكومة بتعديل بعض تطبيقات القانون رقم (35) نهائية962 في مشاركة انتخابات أعضاء مجلس أعضاء المجلس الأمة، كان آي آي نصه على أن “تستبدل بنص المادة (1) من القانون رقم (35) لعام 1962 يشير إلى النص التالي: “مادة (1): لكل كويتي كبير من العمر ثلاث سنوات كاملة من حق الانتخاب، ويست اثنى عشر من ذلك المجنس الذي لم تمض على تجنسه عشرة عشر سنة ميلادية وفقا لحكم المادة (6) من المرسوم الأميري رقم (١٥) بحكم ١٩٥٩ بقانون الجنسية الكويتية"، ثم تقدم بعض أعضاء مجلس الأمة باقتراح بإضافة الفقرة الآتية في عجز المادة (1) من مشروع قانون الانتخاب وشارك من الحكومة نصها القادم: “يشترط للمرأة في الترشيحات واختيار الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية”، وبتلاوة بعد إضافة هذا القسم إليها الموافقة عليها دون أي إيضاحات أو المادة أي بيان عن سبب هذا التقدم أو التخصيص منه، حيث صدر بها القانون رقم (17) ) نهائيًا 2005 بالصيغة التي أقرها مجلس الأمة، وبمطالعة مذكرته الإيضاحية لتوضيح والدوافع التي إذن إلى إصداره بالصورة التي أُطلق فيها لتحرير النص وإمكانية المشرع منها يبين أنها اكتفت بالإشارة في هذا الخصوص إلى أن هذا التصميم أصبح “حرصًا على استخدام والتقاليد التي جُبل عليها” الكويتي”، لأنه  “أخذًا بمبادئ الشرعية الإسلامية، ولا سيما الصياغة الجديدة إذ أنه على المرأة عند ممارسة حقها في الترشيحات والانتخاب، لاختيار القضاء في الشريعة الإسلامية”.

وحيث إنه من المسلم به في مجال الحصول على دلالات النصوص المجمعة إذا احتمل النص أكثر من معنى لحمله على المعنى الذي يجعل أكثر يحدثًا مع الترخيص الأعلى، وعلى النحو الذي ضبطه على أصله من الصحة، وينأى به عن التناقض، حتى ولو كان هذا المعنى أقل ظهورًا، وعلى ذلك يجب أن يكون تفسير هذا النص في إطار الضوابط الحاكمة والأصول المقدمة بالدستور نصًا وروحًا، إعمالًا لم تبدأ تدرج القواعد القانونية إذ لا يجوز للتشريع مخالفة مخالفة الترخيص العالي، سواء يسمح المخالفة في الصورة بخلاف ما ورد مطلقًا بالأعلى، أو إطلاق ما ورد به مقيدًا. وااصل أخرى أن الدستور الكويتي لم يسمح للقانون الإسلامي – بمعنى “الفقه الإسلامي” – المصدر الوحيد للتشريع، أو يمنع المشرع من الأخذ من مصادر نزولًا على أحوال الناس وشئون العبادة بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا، كما كفل الدستور الحرية الشخصية، حرية العقيدة، بوضوح. ما دامت في نطاق (الاعتقاد) أي (السرائر) فأمرها إلى الله، ولم يُجز التمييز بين الناس في الحقوق والواجبات بسبب الدين أو الجنس.

واتصل أيضًا أن شرعية الشريعة الإسلامية لا تكون لها إلزام قواعد القانون إلا إذا شاركت في المشرع وتقننها، وليس لها قوة النفاذ الذاتي والمباشر، يجب أن يتم إفراغها في نصوص موثوقة محددة، ومضمونة ومحددة يمكن أن تلتزم بكل من المخاطبين بأحكامه والقائمين على تنفيذه وتطبيقه، ولا ييتسنى تبعاً لذلك مساواتها في الحكم بالنصوص الموضوعية، فالنص الموضوعي يكون نافذًا بذاته فيما يضمنه من تحميل موضوعية، وبالتالي فإن النص يشير إليه لا يمكن وصفه بأنه ينتمي حكمًا موضوعيًا محددًا، يرى هذا النص وفقًا لمضمونه من النصوص التوجيهية، التي شارك فيها عنصر دعوة والتوجيه، والتي لا تهدف إلى الإلزام والوجوب، وهو ما تجد صداه فيما أوردته المذكرة الإضاحية في هذا المقام، فضلًا عنها أنها لا تصور أن تكون إرادة المشرع قد اتجهت – في إطار هذا النص المجمل الأدلة – إلى ترك الأصوليين على تطبيقه تعاصره بتقصي هذه التعليمات والأحكام غير المقننة، مما قد يؤدي إلى ذلك اضطراب وتناقض بين هذه التعليمات والأحكام وفقا لاختلاف النظر الفقهي.

وخلصت التيار إلى ما يتقدم في ما يتعلق به، وقد استصحابه لأصل واحد لتنفي شبهة عدم الدستورية التي كانت تظاهره، وإن لم يوافق على الدفع المبدى من المطعون ضدها أولا عدم دستوريته يكون متعينًا.

وحيثما كان ذلك، والطعنة قد أقام طعنه ابتناء على قويم المطعون ضدهما الأول المستعمل لحقهما في الترشيحات بادعاء مخالفهما لنص الفقرة الأخيرة من المادة (1) من قانون الانتخاب المشار إليه، توصل إلى القول ببطلان خوضهما الانتخابات وبطلان إعلان فوزهما وبطلان عضوهما بمجلس الأمة ، وذلك عبر خلافًا لصحيح المستقيم المستفاد من هذا النص على النحو الموضح أنفًا، ومن ثم يكون الطعن على أساس غير سليم من القانون حقيقة بالرفض.

فلهذه الفكرة

حكم المحكمة: برفض الطعن.

 

الدعوى رقم 8 قرار 17 القضاء المحكمة الدستورية العليا “دستورية”

مبادئ الحكم

الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع :

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما عليه نص الدستور في مادته الثانية – بعد تعديلها في سنة 1980 – من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتم أخض عن خاضعة يجب على كل من السلطتين الحيادية والتنفيذية أن تتحرر وتنزل عليها في تجاربها. أصدر بعد هذا تعزيز – ومن أجل براءات الاختراع رقم 113 لـ 1994، المفسر بالقرار رقم 208 للمطعون عليهما – فلا يجوز لنص حصريي، أن يناقض القضاء الشرعي القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن القضاء الوحيد هي أن يكون هذا العمل بجدية مشكورعا، بوضوح تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تغييرا.

ومن غير المتصور بالتالي أن يخالف مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ أنهم عصيون على الترقية، ولا يجوز لهم الخروج عنها، أو التواء عنها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية في الكون المتعدد، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة تعارضها. تلك المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه التعليمات، تطبيقات الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هي إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تتطلب متطلباتها ثانيًا بما في ذلك المساهمة في إعاقة ديمقراطية على اختلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الحكم الظني غير محدد بتغير الزمان والمكان، ولمرونتها ولمويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، وتنظيما لشئون العبادة بما في ذلك فليك مصالحهم المعتبرة شرعيا، ولا يعطل تبعًا لحركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد ثانيًا واقعيًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزمة بضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على ضبط النفس، والقواعد الضابطة لأروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من الحفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن إعمال الحكمة فيما يتعلق لا نص فيه، تطوير لقواعد العملية تكون في مضمونها أرفق بالعباد وأحفل ببونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقي الذي يشرع القضاء لها، بما يناسبها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، وتقيد بها خير من فساد واسع، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولا ولا مطلوبا، ذلك أنها لا تعتقد أقوال أحد من الفقهاء في ما يتعلق بشئونها، قدسية تحول دون مراجعتها للنظر فيها، بل وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية في المسائل المختلف عليها ليس لها في قوة متعدية للقائلين لها، ولا يجب عليها متابعة اعتمادها شرعا ثابتا مقررًا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل والبصر في دين الله، وإنكارًا لتحقيق الحقيقة التي تريدها في كل جهد. بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبا. ومن ثم صح القول بأن جهد أحد الفقهاء ليس أحق بالإتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها التي تخضع للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء تحدد لها العمل زمنا. أسبابها هي الشرعية الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها – فيما لا نص عليه – بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التي يافيها أن يتقيد ولي الأمر في التعاون والنظرية القضائية المستجيبة بطبيعتها للتطور، لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو تتوقف عن الالتزام بجهده عند الفضاء الجوي وخاصة تكون المصالح المحترمة شرعيا قد جاوزتها.

وحيث إن من المقرر -على ضوء ما تقدم- أن لولي الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما في ذلك أن المصالح المعتبرة، هي تلك التي تكون لمقاصد الشرعية، متلاقية معنا، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئيها، أو تحصر تطبيقاتها، ولكنها حددت – نتائج ونطاقا – على أضواء الأجهزة المتغيرة. يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيرًا ما خبروا شركا متوخين مطلقة مصالح العبادة، طلبا لنفعهم أو دفعا لضرر عنهم أو رفعا لحرجهم، مع اعتبار أن مصالحهم هذه، واعترف على ضوء مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو لغاتهم. وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال الحقوق، فهي سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور للسماح بضوابط متحدة من تخصيصها، تنظيم وتقدم تخوما لها لا يجوز أن يقتحامها آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن يهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على فتراتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من أجل القضاء. ولا يجب عليه أن يكون تنظيم هذه الحقوق، مناقضا لحواها، بل يجب أن يكون منصفا ومبررًا.

حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعيرات الدينية:

حرية العقيدة التي نص عليها الدستور في المادة 46، …. هذه الحرية – في أصلها – تعني ألا عصر الشخص على قبول عقيدة لا يؤمن بها، أو التنصل من عقيدة دخلها أو الإعلان عنها، أو ممالأة إحداها تحاملًا على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو ازداريان، بل تتسامح الأديان فيما بعد، وتعترف بها متبادلة . ولا يجب عليه كذلك في مفهوم الحق الحري العقيدة، أن يكون صونها لمن تضرروا بغيرها، ولا أن ييسر الدولة – سرا أو علانية – الانضمام إلى عقيدة ترعاها، مرهقاً متأخراً عن الدخول في سواها، ولا أن يترتب عليها بالعقوبة لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها. وليس لها وجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزًا لبعضها على الموقع. وكذلك فإن حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية ممارسة شعائرها، وهو ما دعا الدستور إلى أن تضم هاتين الحريتين في جملة واحدة جربها مادته السادسة والأربعون بما في ذلك نصت عليها أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعيرات الدينية، مكفولتان. وهو ما يعني تكاملهما، وأنهما قسيمان لا ينفصلان، وأن ثانيهما يمثلان أولاهما ينتقلان بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها في الوجدان، للتعبير عن محتواها عملًا ليكون تطبيقها حيًا، فلا تضع في الصدور، ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا يخضعان لها، وأن يتعهد لها بنفسها من خلال تنظيمها، توكيدا لبعض الأشخاص العليا التي ترتبط بها، ووجه خاص ما يحمي منها بصون النظام العام والقيم الأدبية، وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

الحرية الشخصية والزي المدرسي:

وإن جاز القول بأن مظهر الشخص من خلال التي ترتديها، يبلور إرادة الاختيار التي تمثل نطاقًا للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها، إلا أن إرادة الاختيار هذه، يجب قصرها على ما يكون لصيقًا بالشخصية، مرتبطًا بذاتية الإنسان في تبرز ميزاتها حياته وقراره الشخصي في أقسامها، وأنبل مقاصدها، كالحق في اختيار الزوج وتكوين الزوجة، وأن يكون الشخص ولدًا، ولا يجب عليه بسطها إلى تنظيم محدد، ينحصر في دائرة بذاتها، يكون الصالح العام ماثلًا فيها، ضبطا لشئون هؤلاء الذين يقعون في محيطها، ويندرج تحتهم طلبة المراحل الأولية والإعدادية والثانوية واثقاتها، وهي ما تعني أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن تفرض المشرع “في دائرة بذاتها” إلكترونيا على الموضة التي ارتدتها بعض “الأشخاص في موقعهم من هذه النسخ” لتكون لها ذاتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون في مظهرهم عمن سواهم، كون زيهم الموحدا، متسعا ولائقا، دالا عليهم ومُعَرفا بهم، وميسرا صورًا من التعامل معها، فلا تكون دائرتهم هذه نهبا لآخرين يقتحمونها غيلة وعداونا، ليلتبس الأمر في مشاركة من ينتمون بحقها وصدقا.

 وحيث إن التعليم وإن كان حقًا مكفولًا من الدولة، إلا أن التعليم كله – وما لها من المادة 18 من الدستور – لتشجعوا لإشرافها، وعليها بالتالي أن ترعى التعليمية بكل مكوناتها، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها، وأن تنظيم يكون لها لشئون طلبة بعض. المعاهدة حددتها مشرفا من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم، والأغراض التي توخاها وارتبطت بها، وهي ما تحقق في الحقيقة تتنافس على ضوء التفسيرات التي تحددها وتشترك فيها المطعون فيها للأزياء التعليمية الثلاثة التي نصت عليها، وذلك لأن هذا لانتشار العلامة التجارية التي طلبتها من جديدها من القيود، بل يرتدون ملابسهم محتشمًا موحدًا وملائمًا، فلا يندمجون في غيرهم، أو يؤيدون سواهم، بل يكون زيهم في معاهد هذه المراحل، معرفا بها دالًا عليهم، كافلا لهم النفسية والعقلية، بما لا يخل بقيمهم الدينية، فلا يتفرقون بددًا.

الاختصاص رقم 8 قرار 17 القضاء القضائي الدستوري العالي “دستورية”

نص الحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 18 مايو 1996م الموافق 30 ذو الحجة 1416هـ.

حضر المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر

رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين: محمد ولي الدين جلال وأحد عبد الحميد مختلف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين.

أعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي على الجبالي

رئيس الهيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدي أنور

صابر أمين السر

أصدر الحكم الأتي

"في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا رقم 8 حكم 17 القضاء "دستورية". المحالة من الحكم القضائي القضائي الصادر عنها في الفصل رقم 21 حكم 49 قضائية.

المقامة من

السيد/ ….

بصفته وليا طبيعيا على ابنتيه …

ضد

1- السيد/ وزير التعليم

2- السيد/ مدير مديرية التعليم بالإسكندرية

3- السيدة/ مديرة مدرسة إيزيس الثانوية بنات بالسيوف

التدابير

ورد إلى قلم كتاب المحكمة قضية المحكمة رقم 21 حكم 49 قضائية، بعد أن حكمت محكمة القضاء القضائي بالإسكندرية، بإحالة الدعاوى إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار حكم القاضي رقم 113 قرار 1994 المفسر بالقرار رقم 208 قرار 1994.

وأيدت مذكرة الدولة بدفاعها، وطلبت من الحكم برفضها.

وبعد الانتهاء، وأودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونظرت للنظر في الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت حكم الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الترجمة على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – لا يبين من مختلف الأصول ومختلف الأصول – تتحصل في أن السيد/ … كان قد تم إنشاء المحكمة أمام القضاء الإداري بالإسكندرية – وبصفته وليا طبيعيا على إبنتيه … – بحكم رقم 21 بحكم 49 القضاء ضد وزير التعليم، طالبا فيها الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء الكتلة الطائفية بالامتناع عن قبول ابنتيه هاتين بإحدى المدارس الثانوية. وقال شرحًا لدعواه، إنه كان قد استحق بهما إلى مدرسة إيزيس الثانوية للبنات بالسيوف، إلا أنه فوجئ بطردهما منها فرضا على صدور وزير التعليم يمنع الطالبة المنتقبة من دخولها بمخالفة لحكم المادتين 2، 41 من الدستور الذي يخرج أولاهما: على أن إسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي لكل ما يتعلق بها، وبراءات الاختراع الخاصة بها: صون الشخصية الحرية وتحول دون المساس بها.

وقد حكمت المحكمة الجنائية الدولية – نظرًا لأنها الشق العاجل من أجل – أولا: قبول الدوام شكلا، ووقف تنفيذ التعاون المتضامن فيه فيما يتعلق بماه من منع ابنتي، وذلك من دخول مدرستهم منتقبتين، والزمت الإدارة المصروفات وأمرت الحكم بموجب مسودته بغير إعلان. ثانيا: إحالة الدعاوى إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 قرار 1994 والمفسر بالقرار رقم 208 قرار 1994. وأحكام محكمة القضاء الإداري قضاءها على أن المطوع فيه، قد يصدر استنادا إلى قرار وزير التعليم رقم 113 قرار 1994 بالكامل في 17/8/1994 متضمنا هيئة موحدة للزي المدرسي من حيث لونه وشكله ومكوناته، ومفسرا بمقتضى قراره رقم 208 نهائي 1994، ولا فصل فيما إذا كان هذا نننان – وقد انطوى قواعد على عامه مجردة – ويخلان حرية العقيدة التي كفل الدستور الأصلي بنص المادة 46، مما أدخل في ولاية المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، لتكون كلمتها في ما يتعلق بحدثهما أو تعارضهما مع الدستور، قولا فصلاً، مما يقتضى إحالة الأصول لها – وعملا بالند (أ) من المادة 29 من قانونها – وذلك للفصل في البدايات الأولية الأولية.

وحيث إن بين من وضع وزير التعليم رقم 113 نهائي 1994 المشار إليه، أنه نص في مادته الأولى على أن يلتزم تلاميذ ومدرسة مدارس رسمية رسمية، بارتداء زي تحديد للمواصفات التالية: أولا: الحلقة المشتركة “بنين وبنات” مريلة تيل لجميع المشتركين الذين تختاره المديرية التعليمية – يمكن في فصل الشتاء أن تكون موحدة ومناسبة للإصدار الخاص بتوقيعه المديرية التعليمية. ويجوز استبدال المريلة بقميص للبنات وجونلة مناسب لمناسبات، وقميص وبنطلون للبنين مع بلوفر أو جاكت في فصل الشتاء حسب ما يقرره المديرية التعليمية. – مدرسي وجورب مناسب بلون الزي المختار. ثانيا: الحلقة التحضيرية: 1- الشتاء: بنطلون – قميص طويل مناسب – في فصل يمكن بلوفر أو جاكت وفق ما يقرره المدير التعليمي. 2 – الفساتين: بلوزة بيضاء – مريلة من قماش تيل (دريل) بحمالات الذي تختاره المديرية التعليمية – في فصل الشتاء يمكن أن يكون قماش المريلة صوفا، وكذلك أن ترتدي التلميذة بلوفر أو جاكت بلون المريلة. ويجوز استبدال بقميص المريله بقميص مناسب – أحذية مدرسي وجورب طويل مناسب للزي المختار. يمكن بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر أن ترتدي غطاء الملابس لا يحجب الوجه الذي تختاره المديرية التعليمية. ثالثا: المرحلة الثانوية وما في مستواها: 1- بارز: بنطلون طويل – قيمص مناسب – في فصل الشتاء يمكن أن يخرج بلوفر أو جاكت وفق ما يقرره المدير التربوي. 2- البلاتيه: بلوزة بيضاء – جونلة تيل بطول مناسب تمييزه المديرية التعليمية – في فصل الشتاء يمكن أن تكون مريلة صوفا، كما يمكن أن ترتدي الفتاة بلوفرا أو جاكيتا بلون المريلة – يمكن بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر، أن ترتدي الفتاة غطاء المنتج لا يحجب الوجه الذي يختاره المديرية التعليمية – مدرسي وجورب مناسب للزي المختار.

وتكفل المادتان الثانيه من هذا التعاون، إعلان والمدرسة المقررة على تلاميذ كل مدرسة وتلميذاتهم في مكان ظاهر قبل بدء العام الدراسي بشهرين على الأقل، ولا يجب لمن يخالف حكم المادة الأولى من هذا التضامن من تلاميذها أو تلميذاتها دخول مدرستهم أو الانتظام فيها ومراعاة أن يكون مناسبا لكل ما يتعلق سواء في مظهره أو أسلوب ارتدائه.

وحيث إن وزير التعليم يصدر بعد الاختراع الأول – واختزال ما التبس بمعناه من الغموض – قرارا ثانيا مفسرا للقرار السابق ومحددا فاهه، ومن ثم تنازع الاختلاط – وهو توحيد رقم 208 لسبب 1994 – على أن يقصد بالعبارات التالية – في تطبيق الابتكار رقم 113 خاص 1994 – المعاني المبينة قرين كل منها. أولا: بالنسبة إلى الطالبات المرحلتين الإعدادية والثانوية: 1- بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر: أن يكون ولي الأمر على علم اختيار الطالبة لارتداء غطاء الشعر، وإن اختيارها لذلك وليدا دون ضغط أو إجبار من شخص أو جهة غير ولي الأمر، وعلى ذلك لا تمنع الطالبة من دخول مدرستها إذا كانت ترتدي الغطاء، وترغب في دخولها، على أن يتم التحقق من علم ولي الأمر. 2- غطاء الشعر: غطاء الذي تختاره الفتاة برغبتها بما لا يحجبها. ولا تعتمد بأي شكل من الأشكال أو تغير أي قصيدة عن غطاء الشعر بما في ذلك ذلك. ثانيا: بالنسبة للتلميذات في جميع مراحل التعليم الثلاثة: أن يكون مناسبا في مظهره وأسلوب ارتدائه: تقليص في الزي بما في ذلك يرعى الاحتشام، وبما يتطلبه من تعاليم وأخلاق مجتمعهن. وكل زي يخرج على هذا الاحتشام، يكون مخالفا للزي المدرسي، ولا يسمح للتلميذة التي ترتديه بدخول مدرستها.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما عليه نص الدستور في مادته الثانية – بعد تعديلها في سنة 1980 – من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتم أخض عن خاضعة يجب على كل من السلطتين الحيادية والتنفيذية أن تتحرر وتنزل عليها في تجاربها. أصدر بعد هذا تعزيز – ومن أجل براءات الاختراع رقم 113 لـ 1994، المفسر بالقرار رقم 208 للمطعون عليهما – فلا يجوز لنص حصريي، أن يناقض القضاء الشرعي القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن القضاء الوحيد هي أن يكون هذا العمل بجدية مشكورعا، بوضوح تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تغييرًا.

 ومن غير المتصور بالتالي أن يخالف مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ أنهم عصيون على الترقية، ولا يجوز لهم الخروج عنها، أو التواء عنها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية في الكون المتعدد، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة تعارضها. تلك المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه التعليمات، تطبيقات الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هي إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تتطلب متطلباتها ثانيًا بما في ذلك المساهمة في إعاقة ديمقراطية على اختلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الحكم الظني غير محدد بتغير الزمان والمكان، ولمرونتها ولمويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، وتنظيما لشئون العبادة بما في ذلك فليك مصالحهم المعتبرة شرعيا، ولا يعطل تبعًا لحركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد ثانيًا حقيقيًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما في ذلك لا يجاوزها؛ ملتزمة بضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على ضبط النفس، والقواعد الضابطة لأروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من الحفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن إعمال الحكمة فيما يتعلق بما لا نص فيه، تطوير لقواعد العملية تكون في مضمونها أرفق بالعباد وأحفل ببونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقي الذي يشرع القضاء لها، بما يناسبها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، وتقيد بها خير من فساد واسع، وانقضاءها على نفسها ليس مقبولا ولا مطلوبا، ذلك أنها لا تعتقد أقوال أحد من الفقهاء في ما يتعلق بشئونها، قدسية تحول دون مراجعتها للنظر فيها، بل وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية في المسائل المختلف عليها ليس لها في قوة متعدية للقائلين لها، ولا يجب عليها متابعة اعتمادها شرعا ثابتا متقررًا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل والبصر في دين الله، وإنكارا لتحقيق الحقيقة التي تريدها في كل اجتهاد. بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبا. ومن ثم صح القول بأن جهد أحد الفقهاء ليس أحق بالإتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها التي تخضع للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء تحدد لها العمل زمنا. أسبابها هي الشرعية الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها – فيما لا نص عليه – بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التي يافيها أن يتقيد ولي الأمر في التعاون والنظرية القضائية المستجيبة بطبيعتها للتطور، لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو تتوقف عن الالتزام بجهده عند الفضاء الجوي وخاصة تكون المصالح المحترمة شرعيا قد جاوزتها.

وحيث إن من المقرر – على ضوء ما تقدم – أن لولي الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما في ذلك أن المصالح المحترمة، هي تلك التي تكون لمقاصد الشرعية، متلاقية معنا، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئيها، أو تحصر تطبيقاتها، ولكنها حددت – نتائج ونطاقا – على أضواء الأجهزة المتغيرة. يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيرًا ما خبروا شركا متوخين مطلقة مصالح العبادة، طلبا لنفعهم أو دفعا لضرر عنهم أو رفعا لحرجهم، مع اعتبار أن مصالحهم هذه، واعترف على ضوء مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو لغاتهم. وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال الحقوق، فهي سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور للسماح بضوابط متحدة من تخصيصها، تنظيم وتقدم تخوما لها لا يجوز أن يقتحامها آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن يهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على فتراتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من أجل القضاء. ولا يجب عليه أن يكون تنظيم هذه الحقوق، مناقضا لحواها، بل يجب أن يكون منصفا ومبررًا.

وحيث إن البين من المتسابقين التي قررتا الحكم على التعاون المشترك فيه، وكذلك تلك التي خططتها الطاعنة عليها بعض والطالبتين اللتين طردتا ​​من مدرستهما لتنقبهما، فهي لا تتنافس بأزياء البنين من طلبة المراحل الثلاثية أو الإعدادية أو الثانوية وما في مستواها من وسط هيئاتها ومكوناتها، ولكنها تتضمن أصلا ما تقرر لطالباتها من أزياءها سواء في مظهرها أو مواصفاتها أو أسلوبهن في ارتدائها، وكذلك ملامح وخصائص خُمْرهن، لتنحصر الاختيارية الدستورية في هذا النطاق لا تتعداه. وحيث تطوعنا المتطوعون فيه، قد تكون لكل فتاة تلعيق بإحدى المراحل التعليمية التي نصها، هيئة محددة لزيها تكفل في أوصافها الكلية، مناسبة لها، ولا يكون موضعها من بدنها كاشفا عمّام ستره منها، بل يكون أسلوبها في انبعاثها كافلا احتشامها، ملتزمة تقاليد وأخلاق مجتمعها.

وحيث إن الشريعة الإسلامية – في تهذيبها لنفس الإنسان وتقويمها الفردية – لا تقرر إلا جوهر الحكم الذي تكفل للعقيدة إطارا لها، ولأفعالين ما يكون ملتئما مع مصالحهم المحترمة، فلا يبغونها عوجا، ولا يحيدون أبدا عن الطريق ربهم، بل يكون للتحكم بهم أطهر لقلوبهم وأدعى لقواهم. هذا الإطار، أعلى الإسلام قدر المرأة، وحضها على صون عفافها، وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال، لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها، وعلى الأخص من خلال تبرجها، أو لينها في القول، أو تكسر مشيتها؛ أو من خلال توضيحها محاسنها غواءً فقط لها، أو بإبدائها ما يكون خافيا من زينتها. وليس لها شرعيا أن ترسل إرادتها في اختيارها لزيها، ولا أن تقيمها هذا بهواها، ولا أن تدعى تعلق زيها بدخائلها، بل يجب أن يستقيم كيانها، وأن يكون لباسها عونا لها على القيام بمسئوليتها في مجال عمارة الأرض، وبمراعاة أن جسد ثيابها ورسمها، لا تضبطهما نصوص مقطوعة سواء في ثبوتها أو دلالتها، مرآة بلجيكا من الإختلافية التي لا ينغلق الاجتهاد فيها، ولكن تظل مفتوحة في إطار ضابط عام محدده النصوص القرآنية إذ يقول “وليضرين بخمرهن على جهودهن” “ولا يبدين زينتهن إلا ما منها” “ يدنين عليهن من جلابيبهن” “ولايةهن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن” ليخرج لباس المرأة بعناية أن يكون من الأمور الواجبة التي لا تغير فيها، بل يكون لولي الأمر السلطة التامة التي يشرع لها الحكم القضائي في نطاقها، محددا لهيئة ردائها أو ثيابها على ضوء ما يكون مائدتها في مجتمعاتها بين الناس مما يعتبر صحيحا من عاداتهم وأعرافهم لأي اشتباكات في مفهومها نسا قطعيا، بل يكون مضمونها متغيرا بتغير الزمان والمكان، وإن كان ضابطها أن تحقق الستر بمفهومه الشرعي، ليكون لباس تعبيرا عن عقيدتها.

وحيث إن تنازع الفقهاء فيما بينهم في مجال تأويل النصوص القرآنية، وما نقل عن الرسول من أحاديثه صحيحها وضعها، وإن آل إلى تباين الآراء في ما يتعلق بباس المرأة، وما ينبغي ستره من بدنها، إلا أن الشرعية – في جوالات تشغيلها ومراعاة مقاصدها – تتوخى من ضبطها لثيابها، أن عليك الاختيار، ولا تجعل للحيوانية مدخلا إليها، السيطرة عليها جزئيا لا ابذال فيه ولا اختيال، وبالتالي لا يوقعها في الحرج إذا اعترفت بدنها بالكامل عورة مع حاجتها إلى تناول العلوم على الإختلافات الخاصة بها، وخروج لمباشرة ما تطلبها من الأعمال التي تختلط فيها بالآخرين، وليس متصورا بالتالي أن تموجه الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن تطلب منها وجه الإقتضاء، أن تكون شبحا مكسوا بالسواد أو بغيره، بل يجب أن تكون لباسها شرعيا قرين تقواها، وبما لا يعطل حركتها في الحياة، فلا يكون محددا لجمال صورتها، ولا حائلا دون يقظتها، ومباشرتها لصور النشاط التي تشملها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازياتنا بين الأمرين، ومُحَدَّدا على الضوء، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفا صحيحين. ولا يجب أن يتبعها أن يكون لباسها، مجاوزا إلى حد الاعتدال، ولا إلى الخارج لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافا، إسدالا لخمارها من وراء ظهورها، بل اتصالا بصدرها ونحرها فلا ينكشفان، مصداقاً لقوله “وليضربن بخمرهن على جهودهن” واقترانا ببساطة جل ذلك “يدنين عليهن” من جلابيبهن” فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا مالا يعد عورة، وهما وكفاها، بل وقدماها عند بعض الفقهاء “ابتلاء بإبدائهما” على حد قول الحنفية، وتحتاج إلى أن يتعلمن بأرجلهن “ليعلم ما يخفين من زينتهن”. وقد دعا الله الناس جميعا أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا، وهو ما يعني أن عليها حد الاعتدال، يقتضي ألا ثيابها ولا تشي بما تحتها من ملامح أنوثتها، فلا يكون تقبها مطلوبا منها شرعيا طلبا جازما، ولا سترها لزينتها تشكلا مجردا من المضمون، بل ولذلك فإن مظهرها منبئا عن عفافها، ميسرا لتأكيدها المشروع فيما يعينها على شئونون يسعون، وتكون نائيا لها عن الابتذال، فلا يقتحمها رجال استمالتهم لها بمظاهر جسدها، مما يقودها إلى الإثم انحرافا، وينال من جميع ومكانتها.

وحيث أنه كان ما تقدم، وكان تحريم أمر أو أمر يتعلق بالشئون، لا يتعلق بما هو مهتم، بل بما بما يكون معلوما بنص قطعي، وإلا ظل لا علاقة له بالحل الأصلي؛ ولا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يجب شرعا أن يكون خارجا كاملا، متخذا نقابا محيطا بها منسدلا عليها لاُ يظِْهر منها إلا عينيها ومحجريهما، فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وأعينيها عند بعض، لا يكون تأويلا موافقا، ولا علم لها بالضرورة من الدين، ذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا تتوقف عن هذا المكان بدنها، بل إن كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها، ويفرضون مدة من التوقف عن اعتراضها، وهو كذلك أكفل لها وتعلقها من بصرها وأصون لنفسها، وأعلن عنها الحرج عنها. وما ارتآه دوت كوم من أن كل شئ من عورة المرأة حتى ظفرها، مردود أن مالكا وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية عنه، والمشهور عند الشافعية، لا يوجد ذلك. والرسول عليه السلام يصرح بأن المرأة المحيض، يقتضيها أن يكون لها ساترا لدنها الأداء وجهها وكفيها.

وحيث إن المطنين ولا قراء الحكم الذين يعتمدون عوناً فيه، يشير إلى أن لكل طالبة أن تتخذ خماراً تختاره برغبتها، ويكون ساترا لوجهها، على أن تشهد ولي أمرها بأن تأخذها الخمار غطاء لرأسها، وليس ناجما عن شركاء في شئونها بل وليد إراداتها الحرة، وهي التي يمكن أن يحضرها بعد تنظيمها في كل منها. كذلك بحكم هذا التنوع، على أن زيها يجب أن يكون مناسبا مظهرا وطرازا – لا بمعاييرها الشخصية – ولكن بما في ذلك احتشامها، وتوافقا لتقاليد وأخلاق مجتمعها. ولا يجب أن يكون لها معنى – في مجال ارتدائها لزيها – دالا على فحشها. ولا يناقض حزب المتحدون فيه – في كل ما تقدم – نص المادة الثانية من الدستور، ذلك لولي الأمر – في المسائل المتعلقة بالاختلافات – حق الاجتهاد بما في ذلك ييسر على الناس شئونهم، ويعكس ما يكون صحيحا من عاداتهم وعرافتهم، بما لا يعطل المقاصد الكلية لشريعتهم التي لا ينافيها أن تراقب ولي الأمر – في دائرة بذاتها – لباس الفتاة، فلا يكون كاشفًا عن عورتها أو سكريها، ولا واشيًا ببدنها، أو منبئًا عما لا يجب عليه إظهاره من ملامحها، أو بشكل ملحوظ لحيائها، وهو ما توخاه هذه المجموعة، حين ألزم كل فتاة تلتحق بواحدة المراحل التعليمية التي نصنت عليها، أن يكون زيها مناسبًا حائلًا دون استخدامها، ناهٍ عن عريها أو إظهار مفاتنها، بل إن أسلوبها في زيها يجب أن فوق هذا، أن يكون أصلًا لقيمها الدينية التي تندمج بالضرورة في أخلاق مجتمعها وتقاليده.كذلك فإن خمارها رسميًا لهذا التعاون. ، ليس إلا غطاء لرأسها لا يحجب وجهها وكفيها، وإن كان متراميا إلى صدرها وحرها، فلا يكفي أن تلقيه من وراء ظهرها.

 وحيث إن النعي على تعدد المتحدون فيه، مخالفته حرية العقيدة التي نص عليها الدستور في المادة 46، مردود هذه الحرية – في أصلها – تعني ألا عصر الشخص على قبول عقيدة لا يؤمن بها، أو تنصل من عقيدة دخلها أو أعلن عنها، أو ممالأة وإحداها تتبنى بعضها البعض سواء بإنكارها أو التهوين منها أو أزداريان، بل تتسامح مع الأديان فيما بعد، وتعترف بها بديلاً. ولا يجب عليه كذلك في مفهوم الحق الحري العقيدة، أن يكون صونها لمن تضرروا بغيرها، ولا أن ييسر الدولة – سرا أو علانية – الانضمام إلى عقيدة ترعاها، مرهقاً متأخراً عن الدخول في سواها، ولا أن يترتب عليها بالعقوبة لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها. وليس لها وجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزًا لبعضها على الموقع. وكذلك فإن حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية ممارسة شعائرها، وهو ما دعا الدستور إلى أن تضم هاتين الحريتين في جملة واحدة جربها مادته السادسة والأربعون بما في ذلك نصت عليها أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعيرات الدينية، مكفولتان. وهو ما يعني تكاملهما، وأنهما قسيمان لا ينفصلان، وأن ثانيهما يمثلان أولاهما ينتقلان بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها في الوجدان، للتعبير عن محتواها عملًا ليكون تطبيقها حيًا، فلا تضع في الصدور، ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا يخضعان لها، وأن يتعهد لها بنفسها من خلال تنظيمها، توكيدا لبعض الأشخاص العليا التي ترتبط بها، ووجه خاص ما يحمي منها بصون النظام العام والقيم الأدبية، وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

وحيث إنه متى كان ذلك، وجماعة عون فيه لا ينال من حرية العقيدة، ولا يوض أسسها أو يعطل شعائر الدين بما ولا ينشأ نشأة في الأصول الكلية التي تقوم بها، بل يعتبر اجتهادا مقبولا شرعا لا يتوخى غير تنظيم فساتين للفتيات – في دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل المتوسطة التي تحددها – بما لا يقص من حيائها أو يمس عفافها، أو يشى ببعضها، فإن هذا التشجيع يتدخل في دائرة تنظيم المباح، ولا يعد افتراءا على العقيدة.

وحيث إن ما ينعاه يدعم من خلال توحيد المتنوع فيه المسيحية الشخصية بمقولة أن يتغيرها الاستقلال لكل بالمسائل التي تكون أكثر تصالاً بمصيره لأدوات الحياة التي اختارتها، لتكتمل ملامحها، متباينة حتى وإن جاز القول مظهر الشخص من خلال الموضة التي دعها، يبلور إرادة الاختيار التي تمثل نطاقًا للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها، إلا أن إرادة الاختيار هذه، يجب قصر مجال مطلوب على ما يكون لصيقًا بالشخصية، مرتبطًا بذاتية الإنسان في برزت ملامحه ماضيه وقراراته الشخصية في أدق توجهاتها، وأنبل مقاصدها، حق في اختيار الزوج وتكوين الزوجة، وأن يكون الشخص ولدًا، ولا يجب عليها أن تقوم بضبطها إلى تنظيم محدد، يحصر في دائرة العام بذاتها، يكون الصالح ماثلًا فيها، ضبطا لشئون هؤلاء حصريون في محيطها، ويندرج تحتهم طلبة خطوات الحرية والإعدادية والثانوية لها، وهو ما يعني أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن تفرض المشرع “في دائرة بذاتها” إلكترونيا على الأزياء التي ترتديها بعض الأشخاص “في موقعهم من هذه النسخ” لتكون لها ذاتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون في مظهرهم عمن سواهم، ليكون زيهم الموحدا، متجددا ولائقا ، دالا عليهم ومُعَرفا بهم، وميسرا صورًا من التعامل معها، فلا تكون دراجتهم هذه نهبا لآخرين يقتحمونها غزيلاًونا، ليلتبس الأمر في مشاركة من ينتمون لها حقًا وصدقا.

 وحيث إن التعليم وإن كان حقًا مكفولًا من الدولة، إلا أن التعليم كله – وما لها من المادة 18 من الدستور – لتشجعوا لإشرافها، وعليها بالتالي أن ترعى التعليمية بكل مكوناتها، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها، وأن تنظيم يكون لها لشئون طلبة بعض. المعاهدة حددتها مشرفا من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم، والأغراض التي توخاها وارتبطت بها، وهي ما تحقق في الحقيقة تتنافس على ضوء التفسيرات التي تحددها وتشترك فيها المطعون فيها للأزياء التعليمية الثلاثة التي نصت عليها، وذلك لأن هذا لانتشار العلامة التجارية التي طلبتها من جديدها من القيود، بل يرتدون ملابسهم محتشمًا موحدًا وملائمًا، فلا يندمجون في غيرهم، أو يؤيدون سواهم، بل يكون زيهم في معاهد هذه المراحل، معرفا بها دالًا عليهم، كافلا لهم النفسية والعقلية، بما لا يخل بقيمهم الدينية، فلا يتفرقون بددًا.

وحيث إن الابتكار فيه لا يناقض القانون من أجل أخرى.

فلهذه الفكرة

حكم المحكمة برفض القضية.

هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره، أما المستشار عبد الرحمن نصير الذي سمع صدر المرافعة وحضر المداولة ووقع مسودة الحكم، فقد جلسة بدله عند تلاوته السيد المستشار محمد عبد القادر عبد الله.

ترددت كثيرًا في الكتابة عن المادة الثانية في الوقت الذي تشهد فيه مصر أعظم ثورة في تاريخها على الإطلاق، بل في تاريخ العالم أجمع، غير أنني حسمت ترددي حين وجدت الجدل حول المادة الثانية يتصاعد بشكل عبثي يبدو أنه يسعى إلى تحويلها إلى مصدر إلهاء لأبناء الوطن الذين توحدت دماؤهم في سبيل الدفاع عنه وحمايته على مدى التاريخ بصفة عامة، وأثناء هذه الثورة بصفة خاصة، بدلاً من أن تكون هذه المادة مصدر “إلهام” لهم.

وأبدأ أولاً بإعطاء نبذة عن المادة الثانية والمقصود بها وآثارها، وبعض الإشكاليات التي تحوم حولها، ثم أشير لتصوري عن كيفية جعل المادة الثانية مصدرًا لإلهام المصريين في هذه الظروف المباركة التي نحياها.

المادة الثانية من الدستور تنص على أن: “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”. وقد ورد هذا النص في كافة الدساتير المصرية السابقة على دستور 1971م، ما عدا دستور 1958م (دستور الوحدة مع سوريا)، غير أنه لم يكن يتضمن العبارة الأخيرة التي تنص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، والتي أضيفت في دستور 71 دون الألف واللام، ثم أضيفا إليها في التعديل الأول للدستور عام 1980م، في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

والنصوص الدستورية المتعلقة بالشريعة الإسلامية هي نصوص “كاشفة”، و”مقررة” وليست “منشئة” لمرجعية الشريعة الإسلامية في مصر؛ حيث كانت الشريعة الإسلامية قبلها هي المصدر الأساسي للتشريع فيها منذ فتحها سنة 640م، وحتى إقصاؤها عنوة في عهد الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882م، باستثناء قوانين الأحوال الشخصية التي لم تفلح أيًا من محاولات عزلها عن مصدرية الشريعة الإسلامية.

المقصود بالمادة الثانية:

أما عن المقصود بنص المادة الثانية من الدستور فإنه من المعروف أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الفقهاء في تحديد تعريفات جامعة مانعة لما ورد بها من مصطلحات ومفاهيم نتيجة غموض بعضها، ولذا سأورد هنا ما انتهيت إليه من تحديد لمعانيها بشكل مختصر:

“الإسلام دين الدولة” يقصد به أن الدولة تكون ملتزمة في تصرفاتها المختلفة بمراعاة ما يقرره الدين الإسلامي من قيم ومبادئ ومقاصد وأحكام. ونسبة دين للدولة ليست بدعًا بل هي أمر معمول به في كثير من الدول الأوروبية (كالسويد والدنمارك) وأمريكا اللاتينية (كبوليفيا وبيرو)، أما نسبة الفعل لشخص معنوي كالدولة والمؤسسة والشركة هو أمر متعارف عليه وغير منكر.

وبخصوص النص على أن “اللغة العربية لغتها الرسمية” فهو يعني التزام الدولة باللغة العربية في مكاتباتها باعتبار أن هذه اللغة هي الوعاء الذي حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث الأمة وتاريخها، والتخلي عنه يؤدي إلى الانقطاع عن كل ذلك.

و”مبادئ الشريعة الإسلامية” أي كلياتها التي هي ليست محل خلاف بين الفقهاء، كما عرفها العلامة عبد الرزاق السنهوري، أول من وضع هذا المفهوم في النظام القانوني المصري وبالتحديد في القانون المدني الذي صدر سنة 1947م، والذي لازال مطبقًا في مصر حتى الآن، وأنا اختاره هنا كتعريف أدق من ذلك الذي وضعته المحكمة الدستورية العليا في أحكامها بأنها الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة باعتبار أن من الشريعة ما يكون مستمدًا من طريق الاستقراء التام من طرائف نصوص الشريعة (مثل مقاصد الشريعة الإسلامية).

ومعنى أنها “المصدر الرئيسي للتشريع” أي الأصل الذي يتعين على السلطة التشريعية أن تستمد منه تشريعاتها أو على الأقل ألا تصدر أي تشريع مخالف له.

الآثار العملية:

أما عن الآثار العملية لنص المادة الثانية فإنها قد ساهمت إلى حد كبير في الحفاظ على ركن أساسي للهوية الحضارية والثقافية للشعب المصري، غير أنه لم يتم تفعيله بصفة شاملة حتى الآن، ويرجع السبب الأكبر في ذلك إلى تبني المحكمة الدستورية العليا اتجاهًا وصف من بعض الفقهاء أنه جاء لاعتبارات سياسية وليست قانونية، أدى إلى تحجيم آثار نص المادة الثانية زمنيًا وموضوعيًا، بأن جعلت إلزاميته قاصرة على التشريعات اللاحقة للتعديل الذي طرأ على النص سنة 1980م دون السابقة عليه، وكذلك باتجاهها إلى أن الخطاب في المادة الثانية موجه للسلطة التشريعية وحدها، دون أن تفعل شيئًا حيال امتناع تلك السلطة عن تفعيل هذا النص حتى الآن، وهو ما ساعد على إفراغ النص من مضمونه، وعزله عن الواقع التشريعي إلى حد كبير.

وعلى الرغم مما سبق فإن المادة الثانية من الدستور المصري الصادر سنة 1971م، لا زالت هي صاحبة النصيب الأكبر من الجدالات والاتهامات عند أي تعديل مزمع للدستور سواء كانت مدرجة ضمن المواد المراد تعديلها أو لم تكن كذلك، وعادة ما تلقى عليها مسئولية التأصيل للدولة الدينية، وإهدار مبدأ المساواة بين أبناء الوطن الواحد من مسلمين ومسيحيين، فضلاً عن كونها مسئولة عن التهديد بتكبيل الحريات العامة والخاصة لاسيما حريات الفكر والعقيدة والرأي، وتلك الحريات المتعلقة بالملبس والمأكل والمشرب!

وعلى الرغم من أنه مرَّ على وجود المادة الثانية في الدستور المصري أربعون عامًا دون أن تقوم في مصر دولة دينية، أو توجد حالة واحدة حدثت فيها تفرقة حقيقية بين المسلم والمسيحي استندت بشكل قاطع إلى المادة الثانية ونصها، أو حصل اعتداء منها على حرية الفكر وغيرها من الحقوق والحريات، وأن الواقع المصري ينطق بأن المشكلة الحقيقية التي كان يعاني منها الوطن تكمن في “الدولة البوليسية” التي تغولت فيها السلطة التنفيذية حتى صارت مهيمنة على كافة سلطات الدولة، وتقف حائلاً بين الشعب وحريته؛ ولذلك فإنني أذكر باختصار ما يؤكد على براءة المادة الثانية من تلك الجرائم التي تنسب إليها، ثم أتبعه ببيان كيف يتسق وجود المادة الثانية مع أحلام المواطنين جميعًا والتي بدأت تتحقق على أرض الواقع بفضل الله ثم ثورة الخامس والعشرين من يناير.

شبهة الدولة الدينية:

فبخصوص ما أثير حول أن النص يؤصل للدولة الدينية في مصر، فإنه إذا كان المقصود بذلك أنه يؤدي إلى قيام دولة على النسق الغربي في العصور الوسطى أي دولة كهنوتية يتحكم فيها رجال الدين باعتبارهم واسطة بين الناس ورب الناس، فإنه كما هو معلوم بالضرورة “لا كهنوت في الإسلام”، ومن يدّعي أنه وسيط بين الله سبحانه وتعالى وخلقه فإنه يخالف أصلاً من أصول العقيدة الإسلامية، وهو “التوحيد”.

وأما إذا أريد به أنها قد تمثل غطاءً لاستبداد تيار سياسي معين في حكم الدولة استنادًا إلى الدين دون رقيب أو حسيب، فإن هذا تخوف مشروع يتعين أن يكون لدى المسلم وغير المسلم على السواء؛ لأن الاستبداد مدمر للجميع أيًا كان سنده، غير أن هناك أمران يمكن أن يحولا دون حدوث ذلك وهما: أن الحلال في الإسلام بيّن والحرام بيّن، والعلم به متاح للجميع وتقتصر مهمة الحكام على تنفيذ تلك الأحكام تحت رقابة المجتمع الذي أثبتت الثورة مدى نضجه وحنكته.

والأمر الثاني أن تعود عملية الاجتهاد في الإسلام مستقلة عن الدولة كما كانت كائنة على مدى التاريخ الإسلامي؛ فكان يقوم به علماء مختصون بذلك مستقلون – عضويًا وفكريًا – عن السلطة الحاكمة في الدولة، ويستمدون شرعيتهم من ثقة الشعب في علمهم وإخلاصهم، غير أنه حين نشأت الدولة الحديثة في مصر في عهد “محمد علي” تغلغلت في كل شئون الحياة حتى هيمنت بالكامل على التشريع، وزاد الأمر سوءًا أن وقعت هذه الدولة في تحالف مع الاستعمار الغربي قام بإقصاء الشريعة الإسلامية عن المرجعية التشريعية في مصر عدا قوانين الأحوال الشخصية، وأفضل من يقوم بذلك هو مؤسسة الأزهر، على أن تستكمل استقلالها عن الدولة، وأن يتم تمويلها عن طريق الأوقاف الأهلية كما كان الوضع قبل “محمد علي”، وأن يكون شيخ الأزهر منتخبًا من علمائه، وهذا سيسهم بالتأكيد في حرمان أي تيار سياسي من استغلال الدين لتحقيق مآرب سياسية فانية.

المادة الثانية والأقباط:

أما عن الموضوع الأكثر إلحاحًا وهو المتعلق بالإخوة المسيحيين فإن المادة الثانية لا تمسهم بشيء سوى بتقرير أمر يستند إلى الواقع التاريخي الذي لا يمكن التشكيك فيه وهو أنهم ينتمون إلى الحضارة الإسلامية العربية، أو بتعبير السيد مكرم عبيد هم “مسيحيون ديانة مسلمون وطنًا” فهو بالنسبة لهم يتعلق بهويتهم وليس بديانتهم أو شريعتهم، والتي يقر الإسلام بحقهم في أن يحتكموا إليها مع مراعاة النظام العام في الدولة، ولا إشكال حقيقي يمكن أن يعانون منه في ظل وجود المادة الثانية لاعتبارين، أحدهما شرعي والآخر دستوري.

أما الأول: فإن المادة الثانية تتحدث عن مبادئ الشريعة والتي من ضمنها أنه “لا إكراه في الدين”، وأن “لغير المسلمين من أهل الكتاب ما للمسلمين وعليهم ما عليهم”، وأن الأصل في معاملتهم البر والقسط، وهذه من المبادئ الحاكمة للعلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في الدولة المسلمة.

والثاني: أن الدستور نفسه ينص في المادة (40) منه أن “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة” وهذا نص شامل للمواطنين المصريين جميعًا، وبما أن نصوص الدستور وفقًا لأحكام المحكمة الدستورية العليا لا تتنافر أو تتناقض، فإن نص المادة الثانية يتم تفسيره بصورة لا تتناقض مع المادة (40) من الدستور، ومن ثم لا يترتب على نص المادة الثانية حرمان أي مسيحي من تولي أي وظيفة في الدولة سوى الوظائف ذات الطبيعة الدينية الخاصة، فليس لقسيس، مثلاً، أن يتولى منصب شيخ الأزهر، أو لمسلم أن يكون بابا للأرثوذكس.

وإذا كان الواقع فيه بعض التناقض مع ذلك، بأنه لا يوجد مسيحي يتولى بعض المناصب العليا في الدولة، كقيادة الجيش، أو رئاسة الدولة، أو رئاسة الوزراء، فإن ذلك لا علاقة له بنص المادة الثانية بل يتعلق بأمور أخرى، مثل كون المسيحيين أقلية (عددية) في البلاد والمسلمون أغلبية، والقاعدة هي “حكم الأغلبية وحقوق الأقلية”، وكذلك كون الثقافة الاجتماعية السائدة لا تسيغ تولي غير المسلم بعض الوظائف الحساسة، وهذا أمر تتم معالجته بالعمل الدؤوب لنشر ثقافة المساواة الكاملة بين المواطنين، وعدم تصنيف الناس على أساس دياناتهم إلا فيما يتعلق بالوظائف الدينية بطبيعتها كما سلف، بجانب العمل على اعتماد المؤسسية الكاملة في كافة الوظائف بما يمنع من هيمنة انفراد شخص واحد بالقرار في الدولة، الأمر الذي يخفف من الاعتراض  على تولي شخص مثل هذه المناصب أيًا كانت ديانته أو مذهبه.

أما عن الخشية من تسبب المادة الثانية في الاعتداء على الحقوق والحريات العامة للمواطنين باسم الدين، فإن هذا الأمر مردود عليه بأن الفهم الحقيقي للمادة الثانية يجعل المناداة بتفعيلها هدفًا لجميع المواطنين ومنظمات المجتمع المدني باعتبارها تجعل من حقوق الناس (فروضًا) يتعين على الجميع السعي المشروع للحصول عليها، وهذا أمر تتفوق فيه الشريعة الإسلامية على المواثيق الدولية التي ينادي البعض بتحكيمها عوضًا عن مبادئ الشريعة الإسلامية، والتي تجعل كذلك من الحرية مناطًا للمسئولية وترفع التكليف عمن لا يتمتع بها، وتجعلها هي الأصل “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”.

تفسيرات خاطئة:

أما عن الانشغال بقضايا ومسائل فرعية، كرغبة البعض في فرض الحجاب على النساء عن طريق السلطة الحاكمة، فإن إثارة مثلها يدخل ضمن مشاكل كبرى تتعرض لها المادة الثانية، قد تجد تفسيرها في العناصر الآتية:

1- عدم التمييز بين الشريعة الإسلامية والفقه المأخوذ عنها، سواء كان ذلك ناجمًا عن جهل أم تجاهل، مما يحسب على الشريعة ما ليس منها، كالاعتماد على اجتهاد يتناسب مع زمنه والسياق الاجتماعي والفكري المحيط به، ولا يتناسب مع زماننا.

2- الخلط بين الشريعة الإسلامية والخطاب الإسلامي، وهذا يؤدي إلى أن يظن الناس أقوال بعض الدعاة هي المعبرة عن الشريعة بينما يعاني خطاب هؤلاء الدعاة من جهل فادح بفقه الواقع، وفقه الموازنات، وفقه المآلات، وفقه الأولويات، وفقه التدرج… إلخ.

3- التوظيف السياسي غير الأمين لقضية تعديل المادة الثانية، وهذا التوظيف يكون في الغالب – عكس ما هو سائد – عن طريق الدولة، أكثر منه لدى بعض الحركات الإسلامية، ومن أراد أن يجد البرهان على ذلك يبحث كيف ألهى إثارة الموضوع عن إطلاق مدد رئاسة الدولة في عهد “السادات”، وكيف شغل الناس عن تعديلات الدستور في عهد “مبارك” التي استهدفت إطلاق يد الدولة أكثر في الهيمنة على المجتمع وعلى مؤسساته وحقوقه وحرياته استغلالاً لرغبته المشروعة في أن يُحكم بشريعته، بحيث يرضى بأي تعديل طالما بقيت المادة الثانية في مكانها، حتى ولو كان التعديل يمهد لتوريث الحكم في الدولة!

دعوى التعطيل والتعديل:

إذا كان الأمر كذلك، وكانت المادة الثانية تُحمَّل ما لا تحتمل، ويُنسب لها ما ليس فيها، وتُستغل في إلهاء الناس ومنع توحدهم، فما هو منهج التعامل معها، هل نلغيها أم نعدلها أم نتركها معطلة إلا قليلاً، أم نُفعلها؟

اقتراح الإلغاء طرحه قد يثير من الفتن ما لا قبل لأحد بعلاجها، فضلاً عن أنه لا يمكن أن يُطلب من 90% من الشعب المصري – على الأقل – أن يتخلوا عن شريعتهم، أو من الشعب المصري بمسيحييه ومسلميه أن يتخلى عن هويته الثقافية التي تعبر عنها المادة الثانية أصدق تعبير. ولو حملنا النص جريرة سوء تطبيقه من البعض لجاز لنا أن نلغي غالبية نصوص الدساتير لشيوع التفريط أو الإفراط في تطبيقها!

وأما خيار التعديل، فإن التعديل لابد أن يستند إلى أسباب منطقية وضرورية، ولا أرى فيما يثار الآن من إضافة ما يتعلق باحترام الشرائع السماوية أو ما يتعلق بأحقية المسيحيين في الاحتكام لشريعتهم إلا تَزيُدًا لا داعي له باعتبار أن مبادئ الشريعة الإسلامية متضمنة لذلك فعلاً، بالإضافة إلى المادة (40) وغيرها من المواد التي ضمت الحقوق والحريات بلا تفرقة بين المصريين دينية أو غير دينية، كالمادة (46) التي تنص على أن: “تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية”.

وأما خيار التعطيل فالمادة الثانية معطلة بالفعل إلى حد كبير، واستمرار هذا التعطيل يضر ولا ينفع؛ لأنه يهدر حق غالبية المصريين في التواؤم بين ما يعتقدون وبين ما يخضعون له من قوانين قد تخالف شريعتهم، ولهذا فالحل في نظري هو التفعيل لا التعطيل.

والتفعيل لا يحتاج فقط إلى قراءة واعية لنصوص الشرع بل لابد من فقه عميق للواقع المعيش حتى لا يتعارضا “فالفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يُلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم” كما يقول الإمام ابن القيم في كتابه “إعلام الموقعين”.

ولهذا أعجب ممن كان حين يُسأل عن تطبيق الشريعة فلا يجد فيها سوى الحدود الشرعية وإلزام المرأة بالحجاب في مجتمع كان يطغى عليه تحالف عجيب بين الاستبداد والتبعية والفساد، وإذا حدثته عن السعي للقضاء على ذلك الثالوث المخيف الذي أنتج الفقر والمرض والعجز والقهر والظلم بكافة أنواعه، لم ير في الشريعة سوى أن هذا سيحدث فتنة – في زعمه – و”الفتنة أشد من القتل”، وأن الإسلام حرم الخروج على الحاكم!

وينسى أن الأولى والأوجب هو السعي إلى تحقيق مقاصد الشريعة من حفظ النفس، والدين، والعقل، والمال، والنسل، والعمل على تحقيق مبادئ أساسية لأي دولة “مستقلة” ينشدها الإسلام من تحقيق للعدل، والتزام بالشورى (أو قل إن شئت “الديمقراطية” كنظام معزول عن أصوله الفلسفية)، ومساءلة حاسمة وفعالة للحكام (وألا يتم تقويمهم بسيف تداول السلطة)، وحماية للحقوق والحريات، وإيجاد الآليات الضامنة للتفعيل الجاد لتلك المبادئ، وبعد ذلك يأتي دور الجانب العقابي كسياج يحمي ما حققته الدولة من مكتسبات، وعندئذ تصبح المادة الثانية مصدر إلهام للمصلحين لا إلهاء للمواطنين.


* مقال منشور بمجلة الأزهر، عدد المحرم 1434 هـ – ديسمبر 2012م، ج 1، س 86، ص88، ومجلة “المسلم المعاصر”، في العدد 143، ص9- 17.