٤ – قواعد الحرب:

هكذا يوصينا الإسلام بالمصابرة ما بقي في قوس الصبر منزع ولا يخولنا حق الالتجاء إلى القتال، إلا حيث يفرضه علينا العدو فرضًا، وحيث يكون القعود معناه الإلقاء باليد إلى التهلكة.

لكنه -حتى في هذه الحال المشروعة- لا يبيح لأحد أن يخوض غمار الحرب منقادًا بسورة الغضب، أسيرًا لغريزة الانتقام، دون تعقل ولا عاطفة إنسانية، بل يوجب أن يسير فيها الجيشان، وفق قانون معين يضبط هذه الانفعالات وينظمها.

فلنعرض الآن بعض تلك التعاليم التي أراد الإسلام -لا أقول أن يمحو بها إلى الأبد تلك الكارثة العالمية، فذلك ما لا يمكن تحقيقه ما بقي على الأرض شريرون لا يقمع نشاطهم الإجرامي إلا بالقوة- ولكن أراد الإسلام بها تضييق مجال الحروب، وتخفيف عواقبها الوخيمة.

(أ) الأهداف الحربية:

رأينا كيف أن القرآن حين أباح الحرب الدفاعية المشروعة قد ميز تمييزًا واضحًا بين المحاربين وغير المحاربين، فأمر بألا يُقاتَل إلا المقاتِل، ولا بد أن نفهم من كلمة المقاتلين: أنهم الذين يحضرون ميدان القتال بالفعل ويستخدمون فيه قوتهم العدوانية.

ولقد استرشد التشريع الإسلامي بتعاليم النبوة في هذا الشأن فحدد هذا الشرط على وجه يزيل كل لبس، ويكفل إبعاد شرور الحرب عن الضعفاء، ويجنب المدنيين كل ويلاتها، فالأطفال والشيوخ والنساء والمرضى والمعتوهون، بل حتى الفلاحون في حرثهم، والرهبان في معابدهم[1] كل أولئك معصومون بحصانة القانون من أخطار الحروب.

والذي يلفت نظرنا بوجه خاص في هذا المقام هو حرص الإسلام، لا على حماية هؤلاء الضعفاء من الأضرار المادية فحسب، بل على حمايتهم أيضًا من التعرض لكل ألم نفسي، يبدو لنا ذلك جليًا بتأمل المثال التالي الذي ترويه لنا الآثار عن واقعة خيبر، ذلك أنه حين انتهى حصار هذه المدينة بنصر المسلمين، وقعت امرأتان يهوديتان في أسر بلال، فمضى بهما بلال إلى مركز القيادة، مارًا بميدان المعركة حيث سقطت جثث القتلى من اليهود، وكان لهذا المشهد أثره العميق في نفس إحدى الأسيرتين، فصاحت وأجهشت بالبكاء، وما إن علم النبي بسلوك بلال هذا، حتى استنكر فعلته، ووجه إليه اللوم العنيف قائلًا له: "هل نُزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالها؟".

وينساق بنا الحديث في هذا المعنى إلى التنويه بالقاعدة الإسلامية المتعلقة بأسرى الحرب، والتي تحرم الفصل بين المرأة الأسيرة وأبنائها، وتوجب الجمع بينهم في مكان واحد، فيالها من عناية رحيمة حتى في معمعة البأس.

(ب) النهي عن حبس الطعام عن المدن:

ويظهر أن الإسلام لا يستحسن - بل لا يبيح - فرض حصار يرمى إلى حبس الطعام عن مدن الأعداء، أو أن هذا على الأقل هو ما تدل عليه حادثة ثمامة (أحد أشراف بنى حنيفة) فقد صمم هذا الرجل وهو في حداثة إسلامه، وأقسم مندفعًا بحرارة إيمانه الغض على منع تموين مكة بالحبوب التي تنتجها بلاده (اليمامة) ما لم ينهه النبي عن ذلك نهيًا صريحًا، فلما عانى أهل مكة ما عانوا من بأس هذا الحصار وجهوا إلى النبي رسالة موجزة يقولون فيها: "إنك تأمر بصلة الرحم، ولكنك قطعت أرحامنا فقتلت الآباء وجوعت الأبناء" فبعث النبي على الفور إلى ثمامة يأمره برفع هذا الحظر، وبأن يدع أهل مكة يتمتعون بمواردهم العادية.

(جـ) تقييد مرمى الأسلحة:

ومن ثمرات القاعدة التي توجب حصر العمليات الحربية في الأهداف العسكرية النهي عن استعمال الأسلحة البعيدة المدى، وخاصة كل وسيلة عامة للتدمير كالتغريق والتحريق.

(د) حظر وسائل الانتقام الوحشية:

يستنكر القرآن في غير موضع تلك العادة الهمجية التي يشيع استعمالها في أثناء الحروب، ألا وهى تعذيب الأعداء ومعاملتهم بالقسوة والخشونة، وإنه ليصل في استنكار هذه الفعلة إلى حد أن يعد تعذيب العدو أشد جرمًا من القتل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢: ١٩١) ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢: ٢١٧).

ثم إننا نجد تعاليم الرسول التي كان يوجهها إلى قواد حملاته الحربية زاخرة بنصائحه لهم على التزام النظام وحسن السلوك في قتالهم، ومن بين هذه النصائح تحذيره المتكرر لهم من السلب والنهب والقتل غدرًا، والتمثيل بجثث القتلى، نعم إنه ذات مرة اشتد غضبه من أهل مكة لتمثيلهم بجثة عمه حمزة الذي استشهد في غزوة أُحد، وحمله ذلك الغضب على التفكير في مضاعفة الانتقام منهم في واقعة مقبلة، ولكن القرآن لم يلبث أن نفره من هذه المحاولة، محذرًا إياه من مجاوزة الحد في الانتقام، مرغبًا له في الصبر والصفح (١٦: ١٢٦، ١٢٧) فلم يسع النبي عليه الصلاة والسلام إلا العدول عن هذه الفكرة، واختار ما هو أليق بخلقه الكريم، فشمل مجرمي الحرب هؤلاء بكرمه وصفحه.

ولقد بلغت به دقة تطبيقه لحكم القرآن الذي يأمر بالعفو عن الأعداء متى انتهوا عن عدوانهم أن نهى عن تعقب من يفر منهم من الحرب، فما بالك بمن يلقي سلاحه ويتقدم إلينا في صراحة بعبارات السلام والاستسلام؟ إن القرآن ليحرم علينا إيذاءه تحريمًا قاطعًا حتى لو كان ذلك بحجة الشك في صدق إيمانه (٤: ٩٤).

تلك كلها أدلة ملموسة على أن الإسلام لا يرمى قط إلى القضاء على أعدائه، ولا إلى الاستيلاء عليهم بالقهر، ولكن إلى تجنب خطرهم، فمتى تحقق هذا الغرض لم يبق للصراع في نظره مبرر.

(هـ) الهدنة الإجبارية في الأشهر الحرم:

وهذا أسلوب آخر من أساليب تخفيف ويلات الحرب.

فنحن نعرف مدى ما تستنفده الحروب الطويلة الأمد من جهود الشعوب وقواتهم، وكيف أنها تصيب نشاطهم التعميري بالجمود والشلل، وعلاجًا لهذه الحال سَنَّ القرآن، أو بالأحرى أحيا تلك السنة القديمة التي توجب عدم استمرار الحروب حولًا بأكمله، فتقرر في أثنائه هدنة جبرية تعود فيها العلاقات السلمية، وتأخذ الحياة مجراها الطبيعي بين الأمم في مدة أقلها أربعة أشهر، هذا الوضع الذي تُكف به أعمال الحرب جبرًا خلال ثلث العام لا تنحصر مزيته في إشعار المتحاربين بلذة السلم في هذه المدة فحسب، بل إنه بما يتركه من الأثر في نفوس الجماهير يثبطهم عن الشر، ويغريهم بإطالة أمد الصلح، وتحويله من هدنة مؤقتة إلى هدنة حقيقية أو إلى سلم دائم.

(و) التسلح:

من أنواع العلاج الواقي الذي يوصى به ساسة الغرب في العصور الحديثة منعًا لنشوب الصراع بين الدول، مشروع منع التسلح أو تقييده. غير أن هذا العلاج لم يتخذ قط حتى الآن صفة القانون الدولي ولم تطبق مبادئه تطبيقًا عادلًا على الجميع وإنما كان يفرض على المغلوب وحده، بل يمكن القول بأن تطبيق هذا المبدأ الذي يتعارض وغريزة البقاء سيظل دائمًا حلمًا مستحيل التحقق.

أما القرآن فإن نظرته الواقعية النفاذة جعلته على العكس من ذلك، يحضنا على أن نعد للطاغين كل ما استطعنا من قوة، على أن تلك النظرة الواقعية إلى الوسائل التي يجب اتخاذها لم تكن لتحول دون نظرته المثالية إلى الغايات العليا التي يهدف إليها من وراء هذا الاستعداد الحربي، وهى غاية تختلف كل الاختلاف عن الغايات التي يسعى إليها الغزاة الطامحون، فالمسألة في نظر القرآن ليست مسألة إعداد للهجوم على الأعداء، بل للتحصن من شرهم، وإنذارهم بالقوة الباطشة التي تنتظرهم إذا لم يقفوا عند حدهم (٨: ٦٠).

ها هنا يكمن أنجع علاج في نظرنا لآلام الإنسانية الحاضرة، فليس الشأن في أن نقلل من مقادير عتادنا الحربي أو نغير من طبيعته وإنما الأمر في أن نعدل أسلوبنا الفكري من أساسه، علينا أن ننظر إلى الحياة نظرة جديدة تخضع فيها المادة للروح، وتسمو فيها المعنويات على الجثمانيات، وكل حل ينقصه هذا العنصر، إنما هو حل سطحي واهٍ لا بقاء له.

 

٥ – العلاقات السياسية:

رأينا في الأسطر القليلة السابقة كيف نظم الإسلام حالة الحرب. فلننظر الآن كيف نظم علائق السلم، وأول ما يعنينا من ذلك طريقة معاملته لمبعوثي أعدائه، وحاملي رسائلهم، وممثليهم السياسيين، وهي معاملة يحق لنا أن نقول فيها أنها سديدة مستقيمة، فالإسلام فوق ما يكفله لهم من صيانة وأمن على الأرواح[2] يمنحهم نوعًا من الحصانة الاجتماعية التي تخولهم حرية العودة إلى أوطانهم متى شاءوا، ولا يدع سبيلًا إلى حجزهم في بلادنا بحجة أنهم من قوم عدو لنا.

يلي ذلك طريقته في الاستماع لهؤلاء المفاوضين وحسن استعداده للتفاهم والتعاقد معهم، فالقرآن يحض الرسول على قبول مبدأ الصلح متى وجد من العدو ميلًا إليه ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٨: ٦١).

أما شرائط الصلح وطرائقه، فقد رأينا بصدد هدنة الحديبية، كيف أن روح المسالمة التي تعمر قلب رسول الإسلام، قد جعلته يضحي بكثير من التفاصيل المتعلقة بألقابه الأدبية، وبالسمعة الحربية لجيشه، وببعض الحقوق الفردية لأتباعه، على أنه ليس معنى ذلك أنه يوجب قبول كل اقتراح من جانب الأعداء، مهما كان شاذًا، أو ضارًا بحقوق الأمة والأجيال المقبلة، فقد رأينا هذا الرسول الرحيم نفسه، حين عرض عليه مسيلمة الكذاب تقسيم «الأرض» بينه وبينه يرفض ذلك العرض رفضًا صارمًا، ويجيبه بتلك الجملة الحكمية التي يقتبسها من القرآن: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٢١: ١٠٥).

فإذا نحن درسنا الوثائق التي تركتها لنا السير عن العلاقات السياسية النبوية، استطعنا أن نتبين فيها أنواعًا مختلفة من المواثيق:

(أ) إعلان الأمن والحماية:

لعل أبسط العقود السياسية هو التصريح الذي يصدر من جانب واحد، ولا يُلزم إلا الطرف الذي أصدره، كإعلان دولة ما: أنها تلتزم الأمن والحماية لدولة أخرى. وإننا لنجد من هذا النوع مثالًا واضحًا في ذلك العهد الذي أعطاه النبي لأهل سوريا ومن معهم في أثناء غزوة تبوك، وضمن لهم فيه حرية انتقالهم، وأمن قوافلهم البرية والبحرية، وحرية استعمالهم للطرق ومجاري المياه، على شريطة واحدة، وهي ألا يثيروا على المسلمين شغبا.

(ب) ميثاق عدم الاعتداء من الجانبين:

لكن المعاهدة بالمعنى الصحيح تتطلب اتفاقًا وتبادلًا للمنافع يقبله طرفا العقد جميعًا. وإن أقل ما يتحقق فيه هذا النوع من العهود، هو التعاقد الذي لا يتضمن إلا التزامات سلبية تنحصر في امتناع كلا الطرفين عن كل فعل ضارّ بالآخر. وقد نقل لنا المؤرخون أمثلة لمواثيق من هذا النوع عقدها النبي والتزم فيها الطرفان -إما لمدة غير محصورة، وإما إلى أجل معلوم- ألا يهاجم أحدهما الآخر، ولا يحالف عدوًا له، ولا يساعد معتديًا عليه. فمن هذا القبيل ميثاقه إلى أجل غير مسمى مع بني ضمرة في السنة الثانية من الهجرة، ومنه أيضًا ميثاق الهدنة التي عقدها مع قريش في السنة السادسة من الهجرة لمدة عشرة أعوام.

(جـ) المحالفة:

على أن الحقوق والواجبات المتبادلة إنما تبرز في أكمل مظاهرها في عهود الحلف، ومن أمثلة هذه العهود في حياة الرسول، تانك [هاتان] المحالفتان اللتان مهد لهما صلح الحديبية حيث خول كلًا من الفريقين أن يختار حليفًا له من بين القبائل العربية فاختارت «خزاعة» أن تحالف محمدًا، واختارت «بنو بكر» أن تحالف قريشًا. ولقد كان من نتائج تطبيق هاتين المحالفتين أن نهض المسلمون في السنة الثامنة لنجدة خزاعة حين نقضت قريش عهدها بإزائها، وينبغي أن يلاحظ أن هذا النقض لم يكن بقتال مباشر موجه علانية لخزاعة، وإنما كان معاونة سرية بالمال والسلاح لبني بكر عليها، ومن هنا تعرف وجهة نظر الإسلام في هذه النقطة القانونية.

(د) الإعارة والتأجير:

وهذا مثال طريف لنوع من المواثيق لا نجده بعد إلا في العصر الحديث: ذلك هو العهد الذي أعطاه النبي لنصارى نجران باليمن، وهو وإن كان عهدًا مليئًا أكثر منه عهدًا دوليًا، إلا أن فيه شرطًا يذكرنا بميثاق الإعارة والتأجير الذي عقدته الولايات المتحدة الأمريكية مع بريطانيا لتموين الجيوش الإنجليزية في الحرب العالمية الثانية.

فهذا العهد النبوي إذا نظرنا إليه من وجهتيه الاجتماعية والدينية، نراه يلتزم للنجرانيين حرية عقيدتهم وعبادتهم، وسلامة معابدهم، وعدم المساس بمساكن كهنتهم ما داموا لا يحدثون اضطرابًا، ولكن الناحية الاقتصادية لهذا العهد أكثر طرافة فإنه ينص على ضرورة تقديم مساعدة مادية معينة منهم للمسلمين في حال حدوث نزاع بين المسلمين وبين طرف ثالث في اليمن، ومن بين هذه المساعدة إعارة جيش المسلمين ثلاثين وحدة من كل صنف من أصناف السلاح، على أن يقوم المسلمون برد هذه الأسلحة إلى حلفائهم النجرانيين بمجرد انتهاء الحرب.

 

٦ – الوفاء بالعهود:

وبعد: فإن من المقرر المعترف به عند الجميع أنه يجب على طرفي العقد -مهما كان نوع المعاهدة التي بينهما- أن يحافظا بدقة وأمانة على تنفيذ كل شروط الميثاق بنصها وروحها.

غير أن هذا الالتزام يأخذ في نصوص القرآن طابعًا خاصًا من التشديد ومن القدسية يجعله فرضًا دينيًا بالمعنى الحقيقي، فالميثاق الذي يعقده المسلم لا يرتبط به أمام الناس فحسب، بل أنه ينعقد في الوقت نفسه بينه وبين الله تعالى إذ يجعل المسلم ربه شهيدًا وكفيلًا على عقوده والتزاماته، ومن هنا يصبح احترام هذه الالتزامات أمرًا متغلغلًا في النفوس، متصلًا أوثق اتصال بعقد الإيمان، بحيث لا يبقى لقوة في الأرض أن تحلله منه، سواء في ذلك دوافع المنفعة أو طلب النفوذ، أو زيادة الرخاء، أو المجال الحيوي، أو التوسع الاقتصادي، أو التوازن السياسي، أو غير ذلك.

وإلى هذا كله يشير القرآن حيث يقول: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ (١٦: ٩١، ٩٢).

فإذا نحن رجعنا إلى السنة النبوية وجدناها قد بلغت من الدقة في تطبيقها لهذه التعليمات القرآنية مبلغًا يكفي في وصفه أن نورد بعض أمثلة منه:

كان أبو جندل من المسلمين المحصورين في مكة، فبينما كانت تكتب شروط صلح الحديبية أقبل يرسف في قيوده ليقيم مع المسلمين، وإذ كانت المعاهدة لم توقع بعد، كان من الممكن ألا يطبق عليه شرط رد اللاجئين، ولكن ممثل قريش عارض في ذلك بحجة أن الاتفاق الشفوي قد تم آنفًا قبل قدوم هذا اللاجئ، فصدقه النبي عليه الصلاة والسلام، وتركه يأخذ بتلابيب المهاجر ليرده إلى مكة، ولم يكن صياح أبي جندل وشكواه وإعلان خوفه من أن يفتنه المشركون عن دينه إذا رجع إليهم، ولا الألم النفسي الذي أصاب المسلمين بسبب هذا التنازل - لم يكن كل ذلك - ليغير من موقف النبي وما زاد على أن قال: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، ولكنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإننا لا نغدر بهم - أو - وإنه لا يصلح في ديننا الغدر" ولقد تكرر مثل هذا الحادث بعد في شأن أسير آخر وهو أبو بصير، وكان الحل هو الحل.

وإليك مثالًا من نوع آخر كان القادم فيه من المشركين لا من المسلمين، وجاء مبعوثًا لا هاربًا ذلك هو أبو رافع الذي قدم برسالة من قريش إلى النبي فما هو إلا أن رأى النبي حتى وقع في قلبه الإسلام، وأراد ألا يرجع إلى قومه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد».

بل هناك ما هو أعظم من ذلك دلالة على قدسية العهود والمواثيق في نظر رسول الإسلام، وأنه لم يكن حرصه على الوفاء بعهوده أشد منه على وفاء أتباعه بعهودهم الشخصية، مهما شقت على ضمير المؤمنين، ومن أطرف الأمثلة في ذلك وأشدها غرابة حادثة حذيفة وأبيه فقد كانا قطعا على نفسيهما لبعض الأعداء عهدًا -بدون استئذان الرسول- ألا يقاتلاهم، فلما جاء وقت القتال استفتيا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان جوابه إلا أن قال: «انصرفا نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم».

 

٧ – قطع العلائق السياسية:

شرطان لابد منهما في نظر القرآن لإباحة نقض حلف سابق:

  1. هذا النقض لا يصح أن يحدث اعتباطًا وابتكارًا من قِبَلنا تحت تأثير الأغراض والمنافع، أو بواعث الهوى والعاطفة، بل لا بد أن يكون مسبوقًا باستفزاز من قبل الخصم وبأمارات تدل على أنه ينوي خيانة العهد.
  2. ولا يصح أن يكون قطع العلائق عمليًا فقط، وبدون سابق إنذار، وإلا لكان غسلًا للخيانة بالخيانة، بل لابد أن يكون نبذًا للمعاهدة صريحًا واضحًا وأن يصل إلى علم الخصم في الوقت المناسب ليكون على بينة من نيتنا نحوه حتى نكون وإياه سواء في ذلك، هذا هو صريح نص القرآن (٨: ٥٨).

 

خاتمة:

هكذا نرى أن التشريع الدولي في الإسلام يستوحي في كل خطوة من خطواته روح العدالة والمساواة بين الناس أمام القانون، بل يستمد من ينابيع أشد عمقًا من ذلك كله: يستمد من منابع الإيمان الصحيح، والخلق الكامل.

ونستطيع أن نقول -ووثائق التاريخ بين أيدينا-: إن هذا التشريع الدولي العام بمعناه الصحيح لم يكن له وجود قبل الإسلام، ولم يصل إليه تشريع آخر بعد الإسلام إلى يومنا هذا.

 

لتحميل ملف المقال (هنا)

مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام (1-2)

 

* دراز، محمد عبد الله، مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام، مجلة رسالة الإسلام، القاهرة: دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، س 2، ع 2، (ربيع الآخر 1369هـ/ يناير 1950م).

** العلامة محمد عبد الله دراز (8 نوفمبر 1894 - 1 يناير 1958). عرفته المجلة وقت نشر المقال بأنه "عضو جماعة كبار العلماء". هو أحد أبرز علماء الأزهر الشريف ومفكري الإسلام في العصر الحديث، وعضو جماعة كبار العلماء. وُلد بقرية "محلة دياي" بمركز دسوق التابع لمحافظة كفر الشيخ بمصر، ونشأ في بيت علم وصلاح؛ فوالده هو العالم الأزهري الشيخ عبد الله دراز، شارح كتاب "الموافقات" للإمام الشاطبي. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتدرج في التعليم الأزهري حتى نال شهادة العالِمية عام 1916م. يُعد الدكتور دراز علامة فارقة في الفكر الإسلامي بفضل جمعه الرائع بين الأصالة الإسلامية العميقة والانفتاح الواعي على الثقافة الغربية. ففي عام 1936م، أُوفد في بعثة علمية لدراسة الفلسفة وتاريخ الأديان في فرنسا، وتُوّجت رحلته بحصوله على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف العليا من جامعة "السوربون" بباريس عام 1947م. وتألفت رسالته من دراستين عظيمتين هما: "دستور الأخلاق في القرآن الكريم" و"مدخل إلى القرآن الكريم"، حيث يُحسب له أنه أول من استخلص النظرية الأخلاقية المتكاملة وبناها كبناء معرفي مستقل من خلال القرآن الكريم. عمل أستاذًا في جامعة الأزهر، وكلية أصول الدين، وجامعة القاهرة، ودار العلوم، كما شغل عدة مناصب علمية وثقافية رفيعة. وقد ترك للمكتبة الإسلامية إرثًا فكريًا قيّمًا يتميز بعمق التحليل، والأسلوب البليغ، والحجة المنطقية، ومن أشهر مؤلفاته: النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن، الدين: بحوث ممهدة لتاريخ الأديان. الميزان بين السنة والبدعة. تُوفي -رحمه الله- في يناير من عام 1958م أثناء مشاركته ممثلًا عن مصر في المؤتمر الإسلامي العالمي بمدينة لاهور في باكستان، تاركًا خلفه سيرة عطرة ومدرسة فكرية رائدة جعلت من القرآن الكريم محورها ولبابها. المحرر.

[1] هذا أحد الأدلة الساطعة على أن هدف الحرب الإسلامية ليس هو محو الديانات الأخرى، فها نحن أولاء نراه على العكس من ذلك يحرص على تحصين أبناء تلك الديانات وحماية رؤسائها -الذين هم أبرز من يمثلها- من كل عدوان ما داموا بعيدين عن إشعال نار الحرب.

[2] انظر قول الرسول لمبعوثي مسيلمة الكذاب: «والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما».

صدر هذا الكتاب المهم ضمن سلسلة "كتب الهلال" الشهرية الصادرة عن دار الهلال، رفق العدد 426 الصادر في يونيو 1986، وهو الكتاب الذي يتعرض فيه مؤلفه بالنقاش لقضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال التأكيد على إعلاء قيمة العقل ونبذ العنف والمصالح الأنانية الضيقة كطريق للخروج من المأزق الاجتماعي المعاصر،  اعتقادًا منه أنه حول هذه القضية بالذات تجتمع أغلب خلافات العصر، وهو بتعبيره "أقرب إلى تأملات شخص وإن لم يضلع في الخبرة والتخصص إلا أنه لا يبدى رأيًا دون حجة".  

أما المؤلف فهو د. محمد نور فرحات، وهو فقيه قانوني ومحامي بالنقض ومفكر وسياسي مصري معروف، عمل أستاذًا للقانون في كلية الحقوق في جامعة الزقازيق، وله العديد من الكتب والمقالات في مجالات فلسفة وتاريخ القانون وعلم الاجتماع القانوني وقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان. كان عضوًا في المجلس الأعلى للثقافة، ورئيسًا للمكتب الدائم لحماية حق المؤلف، ونائبًا لرئيس المجلس القومي للمرأة. كما كان أحد أبرز المدافعين عن الدولة المدنية في مصر ومن مؤسسي المؤسسة المصرية لحماية الدستور. استعانت به الأمم المتحدة لتعديل دستور دولة منغوليا ودول آسيا الوسطى كي يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك بصفته كبير مستشاري الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. كما استعانت به الأمم المتحدة لوضع دستور دولة المالديف، ولتقييم احتياجات السودان في مجال المساعدة الفنية في حقوق الإنسان. واستعانت به المنظمة الدولية في تقارير التنمية البشرية عن الحريات والمرأة في الوطن العربي.

 

ومما جاء في مقدمته للكتاب:

"لعل أبرز سمات العقل المصري العام في العقدين الأخيرين هي ارتفاع حدة الجدل والنقاش -ولا أقول الحوار- حول عديد من القضايا التي باتت تشغل المصريين وتمثل همهم اليومي وشاغلهم العقلي: الهوية المصرية: أعربية هي أم اسلامية أم فرعونية أم الخليط من كل ذلك؟ الشخصية القومية: ما هي عناصرها الثابتة وعناصرها المتغيرة؟ والأصالة ثم المعاصرة وكيف نأخذ من كل بقدر وما هو المعيار الذي نأخذ به؟ وسبل النمو الاقتصادي وكيف السبيل إلى تلافى آثار الكوارث التي جرتها علينا «سياسة الانفتاح الاقتصادي» في حقبة السبعينات؟ والديموقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وماهي أنسب الطرق من أجل تأمينها والحفاظ عليها وتطويرها؟ والتراث وماذا نأخذ منه وماذا ندع؟ وما هو المعيار الذي يحكمنا في ذلك؟ كل هذه أسئلة وغيرها الكثير والكثير التي ما فتئ المصريون يتجادلون حولها -ولا أقول يتحاورون- طيلة عقدين من الزمان. على أن أكثر ما يكون النقاش التهابًا وحده وأكثر ما يكون علوا في الصوت وحدة في النبرات وانفعالًا في العبارات عندما يتعلق الأمر بقضية تطبيق الشريعة الإسلامية.

ورأيي أن الموقف من هذه القضية ينطوي بالضرورة -صراحة أو ضمنا- على موقف محدد متبلور من كل القضايا السابقة. وكأن الفرقاء قد اجتمعوا على إفراغ خلافاتهم المتباينة في موقف محدد وواضح من قضية تطبيق الشريعة، وهكذا أصبح الموقف من تطبيق الشريعة -شئنا أم لم نشأ- موقفًا من مجمل القضايا التي يتحدد بها مسار تطورنا الاجتماعي الراهن. والنتيجة التي تترتب على ذلك، أنه لا مفر لأي مثقف ملتزم بقضايا مجتمعه ووطنه من مناقشة هذه القضية، ولا أقول بصراحة، لأن التأكيد على هذه الصراحة ينطوي على الاعتذار عن أمر من الواجب خُلقا أن يكون، والنتيجة المترتبة على ذلك أيضًا، هي إدانة كافة محاولات التهرب من الأسئلة التي تثيرها هذه القضية باستخدام صياغات انتهازية المظهر لا تقدم ولا تؤخر في المضمون والجوهر.

 

لابد إذن، إذا أردنا التعرض لقضايانا العقلية والاجتماعية الراهنة، ونحن ملزمون جميعًا بالتعرض لها، من مناقشة قضية تطبيق الشريعة، والمناقشة عندي التي لا أحيد عنها ولا أجيد غيرها هي مناقشة العقل، ذلك البعد الذي كثيرًا ما يغيب أو يتوارى خلف ضبابيات الانفعال بمناسبة هذه القضية بالذات، إذ اليقين لدى كل اليقين أن الطريق الوحيد للخروج من مأزقنا الاجتماعي الراهن هو طريق إعلاء قيمة العقل ونبذ التعصب والمصالح الأنانية الضيقة.

والعقل قد يغضب الآخرين والعقل قد يجلب على صاحبه اللعنات، والعقل قد يبهر، وفي هذه الحالة الأخيرة، عندما تنبهر الأمة بعقلها تفتح أمامها طاقات واسعة لطريق نوراني نحو القيام بدور في حضارة الإنسان، دور تذوب معه كل آلام الغضب وجراح اللعنات. وليس أكثر بؤسًا لنا من أن نقع فيما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا فشبر وذراعًا بذراع وباعًا فباع حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه».

نحن إذن مقبلون على مناقشة قضية تطبيق الشريعة بمنهج العقل اعتقادًا منا أنه حول هذه القضية بالذات تجتمع أغلب خلافات عصرنا وليس ما تضمنه حديثي المسهب حول هذا الموضوع من قبيل الدراسات، بل هو أقرب الى تأملات شخص وإن لم يضلع في الخبرة والتخصص إلا أنه لا يبدى رأيا دون حجة قابلة للنظر والاعتبار، فمعذرة من نفسي عن الخطأ، وشكرًا لله على الصواب.

وتبقى بعد مناقشة قضية تطبيق الشريعة، وهي مناقشة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، أن تكون هناك كلمات محددة في عدد من قضايانا الاجتماعية التي تشغل بالنا اليوم بإلحاح مثل: هل تقبل في شعارنا عن سيادة القانون سيادة القانون الظالم أم أن هناك سيادة للعدل تعلو على سيادة القانون؟ وقانوننا لماذا فقد هيبته حتى طغى عصيانه والتحايل عليه على احترامه؟ وماهي أوجه الخصوصية في البناء الاجتماعي المصري التي تؤثر على موقف المصريين من السلطة والقانون؟ كل هذه أسئلة وغيرها أحاول أن أجتهد في وضع فروض للإجابة عليها بعد أن أفرغ من إثارة الأسئلة حول قضية تطبيق الشريعة، عسى أن تصبح هذه الأسئلة المشروعة وهذه الفروض المبررة أول الطريق نحو الاهتداء بالعقل والعقل وحده.

ولا أنوي أن أدخل بالقارئ في هذه المقدمة في موضوع تأملاتي وتفاصيلها، وإن كنت أجد لزاما على أن أقرر أن محورين بارزين تدور حولهما معظم هذه الآراء أو إن شئت كلها: محور الوعي بالتاريخ، لقناعتي أننا نشكل حضارة تاريخية لا نستطيع فهم واقعنا إلا برده إلى أعماق جذوره في تاريخنا الممتد، ومحور العلاقة بين المصريين وسلطة الحكم التي أرى أنها علاقة تاريخية تؤثر تأثيرًا فعالًا على كافة العلاقات الاجتماعية الأخرى.

وهنا أتوقف عن الحديث، تاركا القارئ وشأنه مع ما سطرت يداي مما تداعت به أفكاري، ونجاحي كصاحب وجهة نظر يرغب في نقلها للأخرين، يكون بقدر ما تتحدد أمام القارئ عند الانتهاء من القراءة مفارق الطرق، إذ ظني أن مصر الآن عند مفترق الطرق".

 

وقد جاء تقسيم موضوعات الكتاب كالتالي:

  • تطبيق الشريعة بين هتافات الدعاة وحقائق العقل.
  • الولاة والقضاة قراءات في حوليات تاريخ مصر الإسلامية.
  • الحس التاريخي ويقظة عقل الأمة.
  • الشهود والحدود.
  • الثوابت والمتغيرات في أحكام الشريعة.
  • المقاصد والمصالح والنصوص.
  • والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.
  • التعزير والتراث والمعاصرة.
  • عن الشريعة والقانون وتطور أحوالنا الاجتماعية.
  • المأساة والملهاة والطريق إلى النجاة.
  • المصريون والقانون.
  • الدور السياسي للجماعات الهامشية في مصر.

 

رابط تحميل ملف الكتاب

 

هذا الكتاب هو دراسة جامعية للأستاذ هشام جعفر، لمعالجة مفهوم الحاكمية الإلهية، وما له من أبعاد سياسية. وهو الكتاب الذي اعتنى به المعهد العالمي للفكر الإسلامي وقام بتصديره د. طه جابر العلواني، وصدرت طبعته الأولي سنة 1995م ضمن سلسلة الرسائل الجامعية الخاصة بقضايا الفكر الإسلامي.

وتهدف هذه الدراسة إلى محاولة تحديد مفهوم شاع في الفكر السياسي العربي والإسلامي المعاصر، وأثار الكثير من الجدل والمعارك والخلافات، وتبنته كثير من الجماعات الفاعلة على الساحة السياسية، من خلال تأصيل وبناء مفهوم الحاكمية مقارنًا بمفاهيم الشرعية والمشروعية والسيادةً والثيوقراطية...، كمفاهيم مطروحة ومتداولة في العلوم السياسية. ومحاولة تكوين فهم صحيح وراشد يساهم في بلورة تعامل إيجابي مع هذه الجماعات يساعد في خروج الأمة من أزمتها، بالإضافة إلى محاولة الاستفادة من هذا المفهوم في تحديد أبعاد نظام سياسي يدور حول الحاكمية ويتخذ منه قاعدة للانطلاق والحركة السياسية.

وقد تناول الكتاب مسألة الحاكمية من جوانب متعدد، حيث حاول الباحث تتبع آثار المفاهيم وصياغتها في الحياة الفكرية والحياة العملية في الوقت ذاته، إلى غير ذلك من الجوانب المعرفية الهامة، كما أنها فتحت باب المراجعة والدراسة والتحليل والنقد لهذا المفهوم ولشبكة المفاهيم المتعلقة والمتصلة بالمفهوم، كما فتحت باب إعادة القراءة والنقد والتمحيص والتحليل والتفكيك وإعادة التركيب لهذا المفهوم ذي الآثار الخطيرة في الفكر الإسلامي المعاصر.

ومما جاء في مقدمة الباحث:

"برز في الفترة الأخيرة على مستوى الفكر السياسي العربي والإسلامي مفهوم (الحاكمية) الذي طرحه بعض المفكرين الإسلاميين وتلقفته بعض الحركات الإسلامية واتخذت منه محوراً وهدفًا لمواجهة واقع النظم السياسية القائمة وواقع المجتمعات المسلمة.

واختلف الفكر الإسلامي والعربي المعاصر حول تحديد هذا المفهوم وتأصيله وتحديد مدى إسلاميته، ومدى ملاءمته للظروف العربية والإسلامية الراهنة فثمة اتجاه يرى أن هذا المفهوم إسلامي يعبر عن جوهر النظرية الإسلامية السياسية والقانونية، وأنه يجد جذوره في الأصول المنزلة والتراث الإسلامي وأن دور أبي الأعلى المودودي وسيد قطب لم يكن إلا كشفا لمفهوم أصولي موجود وذلك حينما وجدت البيئة التي يتعين تنزيل هذا المفهوم عليها، والواقع الذي يتعين حكمه بمضمون هذا المفهوم.

وهناك اتجاه آخر يرى أن هذا المفهوم ليس مفهومًا أصوليًا، وأن المفهوم طرحه -أول ما طرحه- الخوارج اعتراضًا على واقعة التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، ثم أعاد طرحه مرة أخرى في العصر الحديث المودودي، وأنه يجب أن يفهم في إطار وضعيته وظروفه السياسية والاجتماعية التي عاشها في شبه القارة الهندية التي ارتبطت بمجتمع يدين غالبيته بدين غير الإسلام، هذا بالإضافة إلى تدهور وضع الأقلية المسلمة في الهند التي كانت لها الغلبة والحكم قبل مجيء الاستعمار الانجليزي لشبه القارة الهندية. فالمفهوم وفقًا لهذا الرأي إفراز لظروف تاريخية واجتماعية معينة.

وهكذا فإن مفهوم «الحاكمية» يواجه أزمة حقيقية ما بين غموض يحيط به نتج في كثير من جوانبه عن المواقف والتحيزات المختلفة التي اتخذت منه ما بين مؤيد أو معارض أو متحفظ عليه، مع افتقاد أغلبها للتأصيل المنهاجي الواضح للمفهوم. فالخوض في مفهوم الحاكمية والبحث في مضمونه ومشكلاته وأبعاده قد تحول على يد الخائضين فيه إلى نوع من الممارسات الثقافية العامة وليس كما تحتم طبيعة الموضوع وخطورته - كتفريعات على إشكالية علمية دينية وتشريعية صارمة، وإشكالية عملية تتعلق بفكر الجماعات الإسلامية وممارساتها، وهذه الروح والتناول الثقافي العام؛ قد أغرى الكثيرين بالخوض في المسألة وطرح الآراء ووجهات النظر المختلفة لها ، دونما أدنى حرج من افتقار هؤلاء إلى أبسط شرائط النظر والاجتهاد الفقهي والقانوني، ناهيك عن الاجتهاد الأصولي بوصف المسألة تتعلق في أحد جوانبها بأصول الدين. ولعل من شواهد ذلك المنزلق أن معظم الطرح لهذه المسألة قد جاء عبر المنابر الإعلامية والصحافية ذوات الاتجاه الثقافي العام غير المتخصص.

وبالإضافة إلى الغموض الذي يحيط بالمفهوم حين يعرض، فإن هناك خلط بينه وبين مفاهيم أخري متعددة أو أحكام تبنى عليه سواء فيما يتعلق بالفرد أو المجتمع أو الدولة، فالباحث سيجابه ببعض الدراسات والأدبيات التي ترادف بين مفهوم الحاكمية وبين مفاهيم أخرى ترتبط بالخبرة الأوروبية تتناقض مع المفهوم أو تقصر عن التعبير عن كماله، مثل مفهوم السيادة والثيوقراطية. أما فيما يتعلق بالخبرة الإسلامية فهناك كثير من المفاهيم التي ترتبط بمفهوم الحاكمية وتتساند معه أو تتناقض معه، وقد استخدمت بعض الأدبيات والكتابات هذه المفاهيم كمرادف لمفهوم الحاكمية نتيجة التداخل والتشابك بين مفهوم الحاكمية وبين هذه المفاهيم في بعض المساحات والدلالات المنهاجية، إلا أنه يظل رغم هذا التداخل لكل منها تميزه واختلافه وخصوصيته.

وفي هذا السياق تسعى هذه الدراسة لبحث هذا الموضوع. وتدور مشكلة الدراسة حول تأصيل مفهوم الحاكمية وتتبع جذوره في التراث الاسلامي وارتباطه بالحركات التاريخية وتحديد موقع هذا المفهوم في إطار النظرية السياسية الإسلامية مقارنة مع النظرية السياسية الغربية".

 

أما تقسيم الكتاب فكان كالتالي:

تصدير د. طه العلواني للكتاب

مقدمة الباحث "أ. هشام جعفر"

ثم ثلاثة فصول وخاتمة:

الفصل الأول: وقد تناول فيه الباحث النسق القياسي لمفهوم الحاكمية عبر ثلاثة مباحث، وانقسم كل منها إلى جزئين أساسين:

ففي المبحث الأول؛ تناول الباحث معاني ودلالات الحاكمية في اللغة والأصول بالإضافة إلى ملامح التحيز في التعامل مع مفهوم الحاكمية. أما المبحث الثاني؛ فقد خصصه الباحث لدراسة طبيعة العلاقة بين مفهوم الحاكمية ومفهوم الشرعية في الرؤية الإسلامية، بالإضافة إلى بحث ودراسة مستويات الحاكمية. والمبحث الثالث؛ يدرس طبيعة العلاقة بين مفهوم الحاكمية ومفهوم الاستخلاف وذلك من خلال دراسة طبيعة العلاقة بين العقل والوحي أو العقل والنص كقضية أثيرت في التراث الإسلامي، مع ذكر الأبعاد التي اتخذتها في الوقت الحاضر.

أما الفصل الثاني: فقد تناول فيه الباحث الدلالات السياسية والمنهاجية لمفهوم الحاكمية من خلال ثلاثة مباحث أساسية، يتناول:

المبحث الأول الحاكمية والفصل في الخلاف بين الناس باعتبارها قضية حضارية ذات أبعاد سياسية ومنهاجية، بعدها السياسي يرتبط بالتعددية من منظار الإسلام وما يرتبط بها من قضايا أخرى مثل تحديد مضمون الاختلاف والقضايا أو الحدود التي لا يجوز تجاوزها في الخلاف. أما بعدها المنهاجي فيتعلق بالعلاقة بين المطلق والنسبي والثابت والمتغير. أما المبحث الثاني فيعرض لقضية الحاكمية وتحقيق مصالح الناس في الدارين، ويرتبط بذلك المقارنة بين مفهوم المصلحة في الخبرة الغربية ومفهوم «المصلحة الشرعية» في التصور الإسلامي. أما المبحث الثالث؛ فيعرض لضمانات فعالية مفهوم الحاكمية في تقييد السلطة، ويقتضي ذلك التعرض لجوهر المشكلة السياسية من خلال دراسة طبيعة الدولة الحديثة مع بيان الضمانات التي يقدمها كل من النموذج الإسلامي والنموذج الغربي لحل هذه المشكلة.

أما الفصل الثالث: فيعرض المفهوم «الجاهلية» باعتباره مفهومًا لصيقًا بمفهوم الحاكمية ويطرح في أغلب الأحيان كمناقض له، وهذا العرض يقتضي التعرض لدلالات مفهوم «الجاهلية» في اللغة والأصول، مع الإجابة عن تساؤل مطروح بشدة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر يتعلق بما إذا كانت الجاهلية حالة موضوعية أم فترة تاريخية انقضت ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم مع بيان مستويات الجاهلية بالإضافة إلى مقوماتها وخصائصها.

أما الخاتمة: فتعرض للإطار التحليلي المستخلص من تناول وتأصيل مفهوم الحاكمية وإمكانية الاستفادة منه في دراسة وفهم الواقع العربي والإسلامي.

رابط تحميل ملف الكتاب

أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه أجيزت بكلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1987م للدكتور رجب عبد التواب كدواني، والذي تقلد العديد من المناصب بالحكومة المصرية، وتفرغ للعمل الأكاديمي بجامعة الملك عبد العزيز لأكثر من ستة وثلاثون عامًا أسس خلالها العديد من التطبيقات الأكاديمية والعملية بالقطاع الخاص والعام، وله العديد من المؤلفات والأبحاث والدراسات التي نشرت من خلال المؤسسات العلمية التي عمل بها، كما شارك في تأسيس العديد من المؤسسات الدولية المتخصصة في الشرق الأوسط وأوروبا.

وتنطلق أهمية هذا الكتاب -حسبما أشار إليها المؤلف- من حقيقة مؤداها أن التأمين التعاوني الإسلامي لم تسبق فيه دراسات مستقلة، كما أن التعاون في الإسلام لم يولّه الفقهاء الاهتمام الكافي من حيث بيان أصوله وقواعده وأحكامه - وإن كان بعض الفقهاء قد استخدم مصطلح "عقد التأمين" الأمر الذي أوحى بوهم شائع هو أن الشريعة الإسلامية لم تعرف "التأمين" خاصة بعد أن تركزت جهود العلماء المسلمين وأبحاثهم في بيان الحكم الشرعي في التأمين الوضعي كمعاملة حديثة وافدة من غير بلاد الإسلام، منذ بوادر ظهوره في عصر الفقيه ابن عابدين حتى الآن، واحتدم الخلاف بينهم في حكمه، فمنهم من حرمه مطلقًا، ومنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من أجاز بعض صوره وحرم بعضها الآخر، وانتهت بعض الأبحاث والرسائل العلمية إلى أن الشريعة الإسلامية قد اشتملت على أحكام تأمينية تغني عن التأمين الوضعي، غير أن هذه الدراسات والأبحاث قد أشارت إلى ذلك كنتائج عامة، ولم تبين أصول هذا التأمين وقواعده وأحكامه العلمية مما استوجب تخصيص هذه الدراسة لبحث التأمين الإسلامي، والتعاون الإسلامي وعلاقته بذلك التأمين.

 

ضرورة بحث أصول التأمين:

التأمين التعاوني فرع من فروع التأمين تحكمه مبادئه وقواعده وأحكامه، ويستلزم ذلك ما يلي:

أولاً: ضرورة بحث أصول التأمين الوضعي خاصة مقاصده وغاياته والمصالح والمفاهيم والمصطلحات والقواعد والمبادئ العامة التي تحكمه دون الدخول في الجزئيات والتفصيلات التي لا تستقيم ومنهج هذا البحث وأسلوب المقارنة فيه.

ثانيًا: دراسة التأمين الإسلامي من ناحية أصوله ومبادئه وقواعده وأحكامه وتقسيماته.

ثالثًا: دراسة التأمين التعاوني كصورة من صور التأمين وأحد فروعه وتطبيقاته.

رابعًا: تقسيم الدراسة الى قسمين رئيسيين يخصص أحدهما لدراسة التأمين بوجه عام – أو أصول التأمين – وأن يخصص الثاني لدراسة التأمين التعاوني أو التأمين في صورته وشكله التعاوني.

خامسًا: أن يخصص فصل في نهاية الدراسة للمضاهاة بين التأمين الوضعي والتأمين الإسلامي، وبيان العناصر الفارقة بينهما.

وانطلقت الدراسة من تساؤل رئيس مؤداه: هل عرفت الشريعة الإسلامية التأمين؟ وإذا كانت قد عرفته فما هي أصوله؟ وما هي صوره، وما هي أحكامه؟

وللإجابة على الإشكاليات والتساؤلات التي أثارها المؤلف، فقد قسم دراسته إلى أربعة أجزاء على النحو التالي:

  • الجزء الأول: أصول التأمين الوضعي.
  • الجزء الثاني: أصول التأمين الإسلامي
  • الجزء الثالث: التأمين التعاوني الوضعي
  • الجزء الرابع: التأمين التعاوني الإسلامي

 

وقد اختتم الباحث الجزء الرابع من كتابه ببيان موجز للعناصر الفارقة بين التأمين الإسلامي والتأمين الوضعي، وهي:

  • تتضمن الشريعة الاسلامية منهجًا كاملا للتأمين يستمد أحكامة من مصادر التشريع الأساسية، وهى القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأئمة، وباقي المصادر الفرعية الأخرى، ويتفق هذا التأمين مع عقيدة المجتمع المسلم وله نفس خصائص التشريع الإسلامي، ومقاصده، وغاياته، ويقوم على التعاون الإسلامي في جميع صوره وأحكامه، أما التأمين الوضعي الحديث فكانت نشأته وليدة التجربة والحاجة إلى حماية التجارة البحرية، ثم التجارة البرية، ثم ظهرت أنواعه الأخرى نتيجة لتطور المدنية وانتقال المجتمع الغربي من الإقطاع الزراعي إلى الرأسمالية التجارية والصناعية، وانقسام هذا المجتمع إلى طبقتين طبقة الرأسماليين وطبقة العمال والموظفين، ونشوء الإحساس بالقلق والخوف من المستقبل، وقد أدت عيوب النظام الرأسمالي إلى ظهور المذاهب المتطرفة كالمذاهب الفاشية والتجربة الشيوعية، ثم ظهر النظام التعاوني الذى انبثق عنه التأمين التبادلي للتخفيف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثها النظام الرأسمالي، ثم وجد المشرع الوضعي أن ترك الحرية لشركات التأمين لتنظيم عمليات التأمين قد أدى إلى مساوئ كثيرة، فتدخل لتنظيم التأمين بقواعد آمرة، وقوانين تنظم عقوده، وتحمي المستأمن من شروطه التعسفية، وأممت بعض الحكومات التأمين، ومارست بعض أنواعه حكومات أخرى، واحتكره الاتحاد السوفيتي، فتباينت نظمه وتطبيقاته، وتعددت أشكاله، وأنواعه.
  • الغاية التي يهدف اليها التأمين الإسلامي هي تأمين المسلم في حياته الدنيوية وحياته الأخروية وضمان الحياة الطيبة ووقايته من الأذى وسلامته من الضرر في الدنيا وضمان النعيم المقيم والخلود في الجنة والوقاية من مخاطر الآخرة وعذابها وفزعها وأهوالها ونجاته من النار في الآخرة، أما التامين الوضعي فغايته تعويض المستأمن عن الخسارة المالية التي قد يتعرض لها نتيجة تحقق خطر يخشى وقوعه في المستقبل في مقابل ثمن لابد من دفعه لهذا الضمان، ولا يضمن التأمين الوضعي الحماية من وقوع هذه الأحداث ولا الوقاية منها، والعوض المالي هو وسيلته الوحيدة لمواجهة الكوارث ومشاركة الغير في تحمل أعبائها، وبدون هذه الطريقة يتحمل من أصيب بالكارثة وحده ويلاتها.
  • يرتكز التأمين الاسلامي على العقيدة الإيمانية، وعلى الدعاء والطلب من الله والعمل بالتكاليف الشرعية، وينقسم إلى قسمين رئيسيين، هما التأمين الأخروي والتأمين الدنيوي، أما التأمين الوضعي فلا يعرف تأمين الإيمان ولا تأمين الدعاء ولا تأمين العمل بالتكاليف، ولا يعرف التأمين الأخروي.
  • يضمن التأمين الإسلامي الوقاية من الحوادث الاحتمالية ولا يجبر إلا الحوادث الواقعة فعلاً، سواء كانت إرادية أم غير إرادية، أما التأمين الوضعي فلا يقبل إلا الخطر المحتمل ولا يؤمِّن مطلقًا الكوارث التي حدثت فعلاً، وإذا تخلف الاحتمال يكون التأمين باطلاً.
  • أداءات التأمين الإسلامي تكاليف شرعية على سبيل الفرض والإلزام أو الطوع والاختيار، أمرًا ونهيًا، فليس في أداءات التأمين الإسلامي معنى المعاوضة، وإنما هي إلزام من الشارع وطاعة من المكلف تأمينًا لآخرته وإذعانا لأمر االله، أما في التأمين الوضعي فلابد من أن يدفع المستأمن ثمن التأمين على هيئة أقساط أو اشتراكات، فلا تأمين بلا ثمن.
  • المصلحة الشرعية هي أساس التأمين الإسلامي، وعليها يتوقف وجود التأمين وعدمه، وهى مصالح أخروية، ومصالح دنيوية، أما في التأمين الوضعي فالمصلحة دائمًا اقتصادية تتمثل في العوض المالي عن الخسارة المتحققة، وفى حدود المبالغ التي يدفعها المستأمنون، وهى لا تشمل المصالح الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية العامة فهذه المصالح غير قابلة للتأمين.
  • من حيث وظائف التأمين وخصائصه فيتميز التأمين الإسلامي بالعمومية والشمول لجميع الاحداث التأمينية في الدنيا والآخرة، ولجميع الأخطار ولجميع فئات المجتمع، ويرتكز على الربط بين الإيمان والتأمين والعمل بالتكاليف الشرعية، وربط التأمين الأخروي بالتأمين الدنيوي وجعل كل منهما سببًا ومسببًا للآخر، أما التأمين الوضعي فوظيفته الأساسية تحقيق الأمان وحماية المستأمن من الأخطار، وتتمثل هذه الحماية في دفع مبلغ من المال لمواجهة الخسائر المالية في حالة تحقق الخطر المؤمن منه.
  • شرع االله التعاون لتحقيق المصالح الدنيوية والأخروية ويتميز في الإسلام بالشمول فيشمل جميع الأعمال التي يحتاج فيها الفرد إلى معونة غيره على مستوى الأفراد والجماعات والأمة الإسلامية بأسرها بينما التعاون الوضعي يعتبر أداة لتمكين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من مقاومة الاستغلال أو تجنبه.
  • يُعد التعاون الإسلامي واجب ديني ملزم يرتب التزامات عقائدية وتعبدية واجتماعية واقتصادية والتزامات مالية تؤخذ من القادر لتؤدي إلى غير القادر بغير عوض مادي، أما التأمين الوضعي فيستهدف المنفعة المادية فقط على أساس التبادل والتقابل، ولابد من دفع مقابل للحصول على هذه المنافع والدافع الاقتصادي هو أساس انضمام الأفراد لأي مشروع تعاوني ومن لا يستطيع أن يدفع المقابل لا يستفيد من مزايا التعاون الاقتصادية.
  • ينقسم التعاون الإسلامي من حيث وسائله إلى تقديم العون بالنفس واليد وبالمال وبالرأي وبالجاه، ولا يعرف التعاون الوضعي سوى العون الاقتصادي ولابد من دفع مقابل لذلك العون.
  • ينقسم التعاون الإسلامي من حيث الفئات المتعاونة إلى تعاون قرابي وتعاون جواري وتعاون أخوي عام كواجبات دينية ملزمة، ولا يعرف التعاون الوضعي سوى التعاون بين الفئات الضعيفة اقتصاديًا والمحدودة الدخل والقادرة على دفع ثمن ما يقدم لها من عون.
  • التأمين التعاوني الإسلامي يأخذ بأسباب الوقاية من الأحداث المتوقعة مستقبلاً، ويجبر الأحداث الواقعة فعلاً، بينما يقوم التأمين الوضعي على المخاطرة والاحتمال وتوقعات المستقبل ويؤمن الأحداث المحتملة ولا يؤمن الأحداث الواقعة.
  • عقد التأمين التعاوني الإسلامي عقد إلزام شرعي أو التزام طوعي بدون مقابل مالي، وأداءاته المالية تؤخذ من ملتزم بحق جبرًا أو اختيارًا، بينما عقد التأمين التعاوني الوضعي عقد احتمالي ومن طبيعته الاحتمال والخطر، وعقد معاوصة ملزم لطرفيه، ولابد أن يدفع فيه المستأمن مقابلاً لما يحتمل أن يأخذه من عوض، وهو من عقود حسن النية يخضع فيه المستأمن للجزاءات التأمينية المدنية من وقف وفسخ وسقوط وبطلان وله نفس خصائص عقد التأمين العادي.

التأمين التعاوني الإسلامي يقدم خدماته التأمينية للمستحقين شرعًا، ولغير القادرين، وبما يكفي حاجاتهم ويرقى بهم إلى مستوى القادرين بدون مقابل مادي أو تعهد بدفع مقابل مالي،  أما التأمين التعاوني الوضعي فلا يقدم أي خدمات تأمينية لغير القادرين على شراء التأمين، ولا يقدم خدماته إلا للقادرين على شراء التأمين ودفع تكاليفه.

رابط مباشر لتحميل الجزء الأول من الكتاب

رابط مباشر لتحميل الجزء الثاني من الكتاب

رابط مباشر لتحميل الجزء الثالث من الكتاب

رابط مباشر لتحميل الجزء الرابع من الكتاب

يعد هذا المؤلف من المؤلفات المهمة في موضوعه، وهو عبارة عن رسالة الدكتوراة التي نال بها الدكتور شفيق شحاتة الدرجة في القانون في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان الأستاذ المشرف عليه هو فضيلة الشيخ أحمد إبراهيم. ود. شفيق شحاتة مفكر مسيحي قبطي يعد من كبار أساتذة القانون، وتعتبر دراساته غاية في العمق، وكانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الإسلامي، حتى إنه شغل منصب أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة باريس، وكان نابهًا ويعتبر حجة في فهم تلك الشريعة وأصولها وفروعها، وله مؤلفات قيمة، من أهمها كتابه (الاتجاهات التشريعية في قوانين البلاد العربية).

أما عن طريقته في هذا المؤلف فكان يري د. شفيق أن "خطة" تناول النظرية العامة للالتزامات لم تكن مما ترتضيه دائمًا القواعد العلمية، فمن جهة، أن من تصدى من العلماء الغربيين لمعالجة مثل هذه المسائل، لم يصلوا أبدًا إلى تفهم روح النصوص. وهم في الغالب، يجهلون أيضًا اللغة التي وردت بها هذه النصوص. أما المستشرقون، فلا نجد بينهم القانوني الفقيه، الذي سرعان ما يلحظ، ما للنص من خطر. ومن جهة أخرى، نرى المؤلفين الشرقيين تنقصهم الروح العلمية، ومؤلف (سافاس باشا) على شهرته، مثل ناطق لهذا النقص. وكذلك الأمر في الرسائل والمؤلفات، التي حاول فيها مؤلفوها، التقريب بين الفقه الإسلامي، وآخر ما وصلت اليه اتجاهات المحاكم في عصورنا هذه، فما كان من تأثير حماسهم الصبياني إلا مسخ الشريعة الإسلامية.

لذلك ذهب د. شفيق شحاته إلى أنه من المتعين وضع -في مواجهة هؤلاء وهؤلاء- الطريقة التي يرى وجوب اتباعها، وقد سماها "الطريقة الموضوعية التاريخية"؛ لأنها تتناول مواضيع البحث وتقررها كما وردت في النصوص، مراعية في ذلك منتهى الأمانة، ثم هي تتبع هذه النصوص على مدى الأجيال، لتتلمس تطورها التاريخي. فهي قائمة على فكرة أساسية، ألا وهي، أن التشريع كائن حي، وليد الهيئة الاجتماعية، ينمو بها ولها، ويتطور معها، ويحمد عند جمودها، وهذه الطريقة تعمد لذلك، إلى المسائل. فقد رأي د. شفيق أن التشريع الإسلامي لم يهتم إلا بالمسائل، فإذا أردنا تفهمه على حقيقته، وجب أن تقصى المسائل، ونستوعب ما ورد عليها من الحلول. فتكون هي الحجارة التي بها يتم بناء هيكل النظريات، بصرف النظر عما حشر في الكتب حشرًا، لتفسير هذه الحلول، إذا كانت هذه التفسيرات لا تتفق والواقع، فمن يتصفح كتب الفقه، يتبين أن التفسير الذي يرد على الحلول، لا يكون صادرًا دائمًا عن مبادئ عامة، متمشية في جميع أجزاء الجسم الواحد، بل هو يرمى إلى تبرير الحل، الذي ورد بشأنه فقط، تبريرًا يستند سواء إلى فكرة مقبولة عقلًا، أم إلى أن حلولًا مشابهة قد جاءت في مناسبات أخرى.

ومما جاء في مقدمة المؤلف:

"إن صرح القانون مشيد على فكرة الالتزام. وقد ارتدت هذه الفكرة في القانون الخاص، رداءً خاصًا، حيث ظهرت في صورة الحق الشخصي، المقابل للحق العيني. ثم هي فيه، تخضع لقواعد عامة، تحكم مختلف المسائل التي تعرض للالتزام. وقد استخلص هذه القواعد فقها. الرومان، ونقلت عنهم في القوانين المستمدة من التشريع الروماني. وجمعت هذه القواعد، النظرية المعروفة بالنظرية العامة للالتزامات، وهي نظرية أجمعت الآراء، على أنها من خير ما أنتجت قريحة الرومان القانونية.

أما في الشريعة الإسلامية، فقد وجه الفقها، جهودهم نحو الحلول الفرعية، ولم يحاولوا وضع قواعد عامة، تحكم الالتزام في مصادره، وفي آثاره، وفي طرق انقضائه على أن بالشريعة الإسلامية كنوزًا من الأفكار والآراء والتصورات القانونية، فاذا نحن أردنا الانتفاع بها، يتحتم علينا أولًا الوصول إلى القواعد العامة التي تحكمها جميعًا، اذ لا يقوم العلم إلا على أساس من القواعد العامة.

ثم إن الفقه الاسلامي، قام وترعرع في مدى أجيال عديدة، وساد في مختلف الأقطار التي جمعتها المدنية العربية، تلك المدنية التي تركت آثارًا خالدة في جميع مناحي العلوم والفنون. فليس من الغريب إذًا أن يكون أثرها كذلك في ناحية التفكير القانوني. وفي الواقع قد ظهر هذا التفكير في صورة من أبهى صوره، ولا تزال آثار هذا التفكير من أنفس ما يدخر الشرق من التراث العلمي.

فمن العقوق إذًا أن يهمل هذا التراث، ومن العناية به أن يحمد إلى التأليف بين فروعه. ففي جميع الأمم وفي مختلف العلوم عمد العلماء إلى التركيب بعد التحليل. وقد قام الفقهاء بقسطهم الوافر من التحليل، فيتعين إذًا البدء من حيث انتهوا، وبهذا العمل نكون قد وصلنا ما كان قد انقطع. فعسى أن يكون الاهتمام بالآثار القانونية لفقهاء المسلمين على هذا الوجه. فاتحة عصر إحياء لتشريع، لا يمكن أن يكون غيره، ملائمًا مثله، في بلاد كانت مهدًا لله ومرتعًا".

أما تقسم الكتاب؛ فكان كالتالي:

مقدمة عامة

  • طريقة البحث
  • عرض عام لنظرية الالتزام في الشريعة
  1. القسم الأول الالتزام في ذاته
  • الكتاب الأول: طرفا الالتزام
    • الباب الأول في تعدد الملتزم لهم
      • الفصل الأول: في الالتزام لمتعدد بغير متضامن
      • الفصل الثاني: في الالتزام لمتعدد بغير متضامن
    • الباب الثاني في تعدد الملتزمين
      • الفصل الأول في تعدد الملتزمين بغير تضامن
      • الفصل الثاني في التضامن بين الملتزمين
  1. القسم الثاني مصادر الالتزام
  2. القسم الثالث الفكرة الإسلامية للالتزام

رابط تحميل الكتاب

الصفحة 1 من 2
© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples