يكاد ينعقد الآن اتفاق المشرعين من علماء الغرب ومتابعيهم على أن فكرة القانون الدولي العام فكرة حديثة العهد ابتدعتها أوروبا أخيرًا.
هذا الحكم صحيح في الجملة، ويلوح لنا بمنأى عن الجدال ما دمنا نبعد بموضوعه عن محيط التاريخ الإسلامي، فالنظام الدولي لم يكن معروفًا حقيقة في العصر القديم اليوناني والروماني، ولا في العصور الدينية الأولى في اليهودية والمسيحية.
أما العصور الدينية المذكورة فمن الميسور أن نتبين فيها هذا الفراغ، وأن ندرك أسبابه، ذلك أنه حين تأسيس هاتين الديانتين لم يكن أمامهما علاقات دولية تتطلب هذا التشريع، فكان كل نشاطهما مركزًا في بث الدعوة الدينية في نطاق محلي محدود، نعم إن نشر الدعوة الموسوية في بني إسرائيل لم يلبث أن حمل هذا الشعب على الهجرة، وجعله يتصل بأمة مجاورة. غير أن هذه الصلة الوقتية لم تكن إلا صراعًا خاطفًا انتهى إلى استئصال شأفة تلك الأمة وحلوله محلها، ولم يترك لنا التاريخ القواعد التي بنى عليها هذا الصراع والتحول.
وأما العصور اليونانية والرومانية القديمة فإن خلوها من هذا التشريع مرده إلى أسباب تختلف عن ذلك كل الاختلاف، فليست المسألة مسألة انقطاع الصلة بين هاتين الدولتين وبين العالم الخارجي، إذ أن تلك العلاقات الخارجية لم تعوز هاتين الدولتين يومًا ما، ولكن نظرتهما نفسها إلى الحياة لم تكن لتسمح لهما بوضع تشريع كهذا، ذلك أن فكرة القانون الدولي تفترض قبل كل شيء الاعتراف بضرب من المساواة واشتراك المصالح وتبادل الحقوق والواجبات بين مختلف الأمم، وهذا لم يكن ليتفق والنظريات اليونانية والرومانية.
فأما قدماء اليونان فإنهم، وإن كانوا يتعاملون فيما بينهم على قدم المساواة أو يكادون - على رغم الصراع الدائم بين مملكتي أسبرطة وأثينا - كانوا ينظرون إلى الشعوب غير اليونانية نظرتهم إلى كائنات جد منحطة، حتى إن أرسطو كان يرى أن البرابرة (ويعنى بهم الأجانب) ما خلقوا إلا ليقرعوا بالعصا ويسلبوا ويستعبدوا، وكذلك كان الأمر في التشريع الروماني، فإنه لم يكتف بأن وضع نوعين متباينين من القوانين، أحدهما: للمواطنين (القانون المدني) والآخر: لسكان البلاد الممتلكة (قانون الشعوب) بل إنه لم يكن يعرف في الصلات الخارجية إلا قانون القوة الباطشة، فلم يجعل للأمم الأخرى حقًا في دفاعها عن نفسها، ولا في أمنها ودعتها، وإنما كان دستورها في نظره: «العبودية أو الفناء»، وإذا كان قد اتفق لروما في بعض الأحيان أن وضعت معاهدات سلمية على وجه دون وجه، فلم يكن ذلك راجعًا إلى أن هناك قانونًا يتمشى بهذا الشرط المعين أو ذاك، بل كان مصدره محض التفضل أو السعي وراء الأغراض والمنافع.
ولو أننا بحثنا فكرة القانون الدولي في أوربا في العصور الحديثة ما وجدنا كبير فرق بينها وبين تلك العصور الأولى، على رغم التقدم الفعلي في تدوين قواعد هذا التشريع العام، ذلك أن فكرة تساوي الناس أمام القانون - تلك الفكرة التي طالما طالبت بها الشعوب وتشدقت بها الحكومات - لم تتخذ بعد في نظر الغربيين صبغة القانون العام الشامل؛ ألم يقل: «استورات ميل» باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية؟ أو لم يحدد «لوريمير» على وجه الأرض مناطق ثلاثًا تخضع كل منها لقانون مختلف؟ فالعالم المتمدين يجب أن يتمتع في نظره بحقوق سياسية كاملة، والعالم نصف المتمدين يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية، بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزامًا قانونيًا، وجاء ميثاق «عصبة الأمم» بعد الحرب العالمية الأولى فأقر هذا التقسيم الثلاثي وأكسبه سلطة القانون، بل لقد فرق في قلب المدنيات الأوربية نفسها بين الحقوق السياسية للدول الكبرى والدول الصغرى.
وأيًا ما كان فإن منظمة السلام هذه لم تحظر غزو منشوريا، ولا فتح بلاد الحبشة، وأخيرًا شكلت (جمعية الأمم المتحدة) بعد الحرب العالمية الثانية، فماذا رأينا؟ أليس روح التفريق وعدم المساواة لا يزال مسيطرًا فيها على عقول السادة الذين يتحكمون في مصير الإنسانية؟ إنه لا حاجة بنا إلى محاولة إقامة البرهان على ذلك، فهذه الحوادث التي تجرى تحت سمعنا وبصرنا وهذه الحلول العوجاء التي تطبق عليها في أحضان هذه الجمعية الحديثة تنطق - بأفصح بيان - بأن الضعفاء والمظلومين الذين كانوا يبنون آمالهم على مثل هذه المؤسسات لم ينلهم حتى الآن إلا حسرات تتلوها حسرات.
إذا أردنا أن نظفر بتشريع دولي عام يصطبغ بالصبغة العالمية الحقيقية، فعلينا أن نصعد بذاكرتنا إلى عصر رسول الإسلام.
كلنا نعرف أن محمدًا عليه الصلاة والسلام لبث زهاء عشر سنين في اتصال دائم بأمم وديانات مختلفة معادية طورًا ومسالمة طورًا، وطبيعي أن هذه الظروف الخاصة التي جعلت الإسلام سلطانًا زمنيًا وحكمًا عالميًا - إلى جانب كونه عقيدة روحية، ومبدأ أخلاقيًا - كانت تتقاضاه أن يضع تشريعًا لقانون السلم والحرب بين الأمم، فماذا فعل؟ وهل كانت إجابته لهذه الحاجة الملحة شافية لغلة المشرعين، مرضية للضمائر السليمة لدى الحكماء وذوي الخلق الكريم؟
لا شك أن دراسة مستوعبة لهذه الناحية من التشريع الإسلامي تتطلب بحثًا عميقًا، لا للعهود والأقضية النبوية وحدها، بل للمعاهدات التي وضعها الخلفاء والملوك الإسلاميون أيضًا في غضون التاريخ، ولكنه ليس من غرضنا في هذا المقال أن نجعل مجال بحثنا بهذه المثابة من السعة والاستقصاء، وكل ما يعنينا الآن هو أن نستخلص ما في القرآن والسنة النبوية من المبادئ الأساسية، والخطوط الرئيسية في هذا الشأن.
١ – تصحيح خطأ مشهور:
وقبل كل شيء يجب أن نصحح خطًا ذائعًا في الأوساط الأوربية، وهو زعم أن الشعوب الإسلامية يباح لها - بل يجب عليها امتثالًا لدستورها الديني - أن تحمل السلاح لإكراه الناس على الإسلام، وسحق الشعوب الأخرى التي لا تعتنق هذا الدين.
لئن كان هذا الرأي حقًا لقد وجب أن تمحى كلمة «القانون الدولي» من التشريع الإسلامي إذ لا يبقى لها فيه مدلول تشير إليه، ولا يبقى لغير المسلمين أمامه حق يطالبون فيه بحرياتهم ولا بحياتهم.
ولكن الرجوع إلى نصوص القرآن الكريم يكشف لنا عن الحقيقة التي تخالف هذا الزعم على خط مستقيم، فالقرآن لا يكتفي بأن يحظر حظرًا أدبيًا كل محاولة لإكراه الناس على الإيمان: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البقرة: آية ٢٥٦) بل يقرر أنه من المستحيل وقوعيًا أن يسيطر على العالم دين واحد: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١١: ١١٨) ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢: ١٠٣)، ألا تكون محاولة فرض عقيدة واحدة على الناس - والحالة هذه - ضربًا من التناقض والإحالة الظاهرة؟ إن القرآن لم يفته أن يبرز ما في هذه الغاية الطموحة من غرور وخداع، وذلك حيث يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١٠: ٩٩).
ومن هنا نرى كتاب الإسلام المطهر يحدد رسالة نبيه بأدق ما يكون من العبارات الحاضرة، مبينًا أن مهمته إنما هي الموعظة والتذكير: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٨٨: ٢١، ٢٢)، بل إن هذه الدعوة السلمية نفسها لم يتركها القرآن حتى رسم حدودها وطريقتها، وأوجب أن تؤدى بأكرم أسلوب، ومن ألطف طريق ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١٦: ١٢٥) ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦: ١٠٨) ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢٩: ٤٦).
ورب قائل يقول لنا: سلمنا أن كل إكراه ديني يجب أن يستبعد من أهداف الإسلام، فما الذي يمنع أن يكون من بين هذه الأهداف فكرة الفتح والتوسع التي يكون المسلمون قد دفعوا إليها بسبب من الأسباب الأخرى كداعية الثروة الاقتصادية أو الاستعلاء السياسي، أو غير ذلك؟
فلندع القرآن يقدم لنا الجواب عن هذا السؤال، وها هو ذا يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (٢٨: ٨٣).
هكذا يقضى القرآن في حزم على تلك الروح الاستعمارية الجبارة، وبوجه عام على تلك النزعة المادية المتطرفة التي انتشرت انتشارًا وبائيًا في عصرنا هذا، والتي هي المنبع الأول لكل ما نشكو منه الآن.
ولكن هل نأخذ من كل ما تقدم أن الحروب ليس لها وجود قانوني في نظر الإسلام؟
هيهات فما هي ذي نصوص القرآن، لا تجعل الجهاد عملًا فاضلًا فحسب، بل تعده غالبًا من الواجبات الأولية.
فالسؤال الذي يجب وضعه الآن هو هذا: ما الأحوال والشروط التي يبرر بها الإسلام اتخاذ تلك المواقف الحربية، ويجعلها حقًا مشروعًا؟
٢ – تعريف الحرب المشروعة:
ليس من غرضنا قط أن نعمل الفكر والقياس الدقيق للتوفيق بين هاتين المجموعتين من النصوص القرآنية المتعارضة في الظاهر، فالنص القرآني نفسه يعفينا من هذه المهمة بما يقدمه لنا من الصيغ المحددة للمقصود، تمييزًا بين الحرب المشروعة، وغير المشروعة، وإليك طائفة من هذه النصوص:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢: ١٩٠).
﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ... فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢: ١٩٢ – ١٩٣).
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٤: ٩٠).
﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٦٠: ٨).
واقرأ على الخصوص آية براءة التالية، فإن تحديدها لأهداف الإسلام في هذا الشأن أوضح وأصرح: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٩: ١٣).
من هذه النصوص التي سردناها، ومن نصوص كثيرة أخرى يخلص لنا تعريف «الحرب المشروعة» في الإسلام وأنها هي «الحرب الدفاعية».
ويجمل بنا أن نشير إلى أن كلمة الدفاع ينطوي تحتها نوعان قد أشار القرآن إلى كليهما:
أ. الدفاع عن النفس: وفيه يقول الكتاب المجيد: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (٢٢: ٣٩ – ٤٠).
ب. الإغاثة الواجبة لشعب مسلم أو حليف عاجز عن الدفاع عن نفسه: وهذا هو ما حث عليه القرآن في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (٤: ٧٥).
وغني عن البيان أن المفروض في كلتا الحالتين، أن يكون العدو قد اتخذ بالفعل موقفًا عدائيًا، وأن يكون في حالة هجوم أو تأهب للهجوم. فالمظاهر غير الودية والإساءات الأدبية، والمقاومات العنيدة لأمانينا المشروعة، كل ذلك لا يسوغ لنا أن نتخذه ذريعة لإعلان الحرب. وإنه لمن أكبر مفاخر الإسلام أن يكون القرآن نفسه هو الذي وضع هذا التحديد في صراحة حيث يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥: ٢).
٣ – الصلح المجحف خير من الانتصار الدامي:
من هنا نرى أن الحروب في نظر الإسلام شر لا يلجأ إليه إلا المضطر. فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم، ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء، خير من انتصار باهر للحق تزهق فيه الأرواح.
وإن لنا في موقف الرسول في غزوة الحديبية لنموذجًا حسنًا لهذا الروح العالي في التسامح والصفح، حرصًا على السلام من جانب الطرف الأقوى، فهو لم يكتف بالرجوع مع جيشه من حيث أتوا، وبتأجيل ما كانوا أجمعوا على أدائه في ذلك العام من المناسك «زيارة الأماكن المقدسة»، ولم يكتف بأن رضي بتجريد اسمه في نصوص الهدنة من كل لقب تشريفي هو أهله، ولكنه فوق ذلك كله قَبِل مختارًا مقترحات الهدنة التي لا يعامل فيها الطرفان على قدم المساواة. بل تخول الأعداء حقوقًا لا تخولها المسلمين، ناهيك بالشرط الذي يُلزم المسلمين بإعادة من يلجأ إليهم فرارًا من معسكر قريش، بينما تجعل للهاربين من معسكر المسلمين حق البقاء في معسكر قريش دون إزعاج ولا رد، ونحن نعرف كم كان هذا الموقف البالغ الحد في المسالمة مثير لاستفسارات الصحابة واعتراضاتهم. ولكن كل هذه المآخذ لم تكن لترجح كفة الحرب في نظر قائدهم الأعلى، ولم تكن لتعدل به عن طريق السلام الذي يحفظ به دماء الناس وأرواحهم. ولنستمع له حين يقول مصممًا في جواب السائلين له عن السر في هذا العدول عن دخول مكة: «والله لا تدعوني قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها».
الإسلام، ولم يصل إليه تشريع آخر بعد الإسلام إلى يومنا هذا.
* دراز، محمد عبد الله، مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام، مجلة رسالة الإسلام، القاهرة: دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، س 2، ع 2، (ربيع الآخر 1369هـ/ يناير 1950م).
** العلامة محمد عبد الله دراز (8 نوفمبر 1894 - 1 يناير 1958). عرفته المجلة وقت نشر المقال بأنه "عضو جماعة كبار العلماء". هو أحد أبرز علماء الأزهر الشريف ومفكري الإسلام في العصر الحديث، وعضو جماعة كبار العلماء. وُلد بقرية "محلة دياي" بمركز دسوق التابع لمحافظة كفر الشيخ بمصر، ونشأ في بيت علم وصلاح؛ فوالده هو العالم الأزهري الشيخ عبد الله دراز، شارح كتاب "الموافقات" للإمام الشاطبي. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتدرج في التعليم الأزهري حتى نال شهادة العالِمية عام 1916م. يُعد الدكتور دراز علامة فارقة في الفكر الإسلامي بفضل جمعه الرائع بين الأصالة الإسلامية العميقة والانفتاح الواعي على الثقافة الغربية. ففي عام 1936م، أُوفد في بعثة علمية لدراسة الفلسفة وتاريخ الأديان في فرنسا، وتُوّجت رحلته بحصوله على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف العليا من جامعة "السوربون" بباريس عام 1947م. وتألفت رسالته من دراستين عظيمتين هما: "دستور الأخلاق في القرآن الكريم" و"مدخل إلى القرآن الكريم"، حيث يُحسب له أنه أول من استخلص النظرية الأخلاقية المتكاملة وبناها كبناء معرفي مستقل من خلال القرآن الكريم. عمل أستاذًا في جامعة الأزهر، وكلية أصول الدين، وجامعة القاهرة، ودار العلوم، كما شغل عدة مناصب علمية وثقافية رفيعة. وقد ترك للمكتبة الإسلامية إرثًا فكريًا قيّمًا يتميز بعمق التحليل، والأسلوب البليغ، والحجة المنطقية، ومن أشهر مؤلفاته: النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن، الدين: بحوث ممهدة لتاريخ الأديان. الميزان بين السنة والبدعة. تُوفي -رحمه الله- في يناير من عام 1958م أثناء مشاركته ممثلًا عن مصر في المؤتمر الإسلامي العالمي بمدينة لاهور في باكستان، تاركًا خلفه سيرة عطرة ومدرسة فكرية رائدة جعلت من القرآن الكريم محورها ولبابها. المحرر.
يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.