نبذة عن الكتاب

لا يزال مفهوم الشريعة أسيراً للمنظور الاستشراقي المهيمن على حقل الدراسات الإسلامية, سواء تلك التي أنجزها مستشرقين غربيين أو محليين.

في هذه الدراسة التي تصدر لأول مرة في نسختها العربية عن مركز نماء, يحاول وائل حلاق تحرير مفهوم الشريعة من قبضة هذا المنظور, حيث قام بتجلية الإشكالات المفاهيمية المحيطة بمفهوم ((الشريعة)) والنابعة في المقام الأول من ((الورطة)) الجذرية التي يطلق عليها نيتشه: ((تقنين اللغة)), إذ إن مهمة اللغة بحسبه ليست مهمة هينة, وليست مجرد مهمة تواصلية, وإنما هي مهمة خطيرة, مهمة ((تقنينية)) ويختار حلاق ثلاثة مفاهيم مركزية في هذا السياق للنمذجة على هذه الورطة: ((القانون)), و((الإصلاح)), و((الديني)).

في مستهل الدراسة يقدم حلاق تحليلاً معمقا في سيسيولوجيا الشريعة, مبينا الأسس الاجتماعي التي تنهض عليها الشريعة, والتي تشترط عملها, من خلال فحص الطبيعة ((الشعبوية)) للمعرفة الشرعية, وفحص نظام القضاء في المجتمع الإسلامي, مقارنة بنظام القضاء في الدولة الحديثة, ومبيناً كذلك الأسس الأخلاقية للشريعة, منمذجاً في المقام الأول بمسألة الطلاق, وبأحوال الأقليات الدينية.

رسالة ماجستير للباحث بلخير سديد بعنوان “الحماية الجنائية للرابطة الأسرية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: دراسة مقارنة”، يستهدف فيها بيان مدى التكامل بين التشريعات الجنائية والقوانين الخاصة بنظام الأسرة في تحقيق مقصد الحفاظ على كيان الأسرة وترابطها، وبيان صلاحة الفقه الإسلامي في مكافحة جرائم الأسرة، وأن التطبيق الجزئي لأحكام الفقه الإسلامي لا يكفي للوصول إلى الغايات والمقاصد المنشودة، بسبب اتصافه بالشمول والتكامل.

رابط تحميل الرسالة من هنا

كتاب (أصول القانون) أو (المدخل إلى دراسة القانون) للدكتور عبد الرزاق السنهوري رحمه الله رئيس مجلس الدولى سابقًا والفقيه الدستوري المعروف والدكتور أحمد حشمت أبو ستيت رحمه الله أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق، بدأ الكتاب بمقدمة عن الهدف من دراسة أصول القانون، وعناية الأمم عبر العصور بهذا العلم، وأهميته ونطاقه ومناهج البحث فيه، والعلاقة بينه وبين غيره من المعارف.

انتظم الكتاب بعد ذلك في ثلاثة أبواب، تناول الأول طبيعة القانون بالحديث عن المذاهب القانونية والمذاهب الاجتماعية، ثم عرض الباب الثاني لمصادر التشريع مميزًا بين المصادر التاريخية والمصادر الرسمية والمصادر التفسيرية، وجاء الباب الثالث عن أنواع القانون، مفرقًا بين القانون العام والقانون الخاص .

_______

احصل على نسخة إلكترونية من الكتاب عبر الرابط

كتاب نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي للدكتور حسين حامد حسان رحمه الله، وهو في الأصل الأطروحة التي نال بها شهادة العالمية “الدكتوراة” من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وقد نشرتها دار النهضة العربية بالقاهرة، وهذه نسخة إلكترونية متاحة على موقع الدكتور رحمه الله

_____________

نبذة عن كتاب “مدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي” للدكتور حسين حامد حسان:

لقد اتجه اهتمام المشرِّعين في العالم كله إلى دراسة الفقه الإسلامي، بسبب ما فيه من مبادئ سامية ونُظُم عادلة قادرة على تحقيق التوازن بين مصالح الفرد والجماعة، مع ما يمتاز به من دقة في الصِّياغة، وبراعة في الأسلوب لا يدانيه فيهما فقهٌ آخر، إلا أن دراسة الفقه الإسلامي وتاريخه ضرورية في البلاد الإسلامية التي تجعل الشريعة الإسلامية مصدر التَّشريع الرئيس؛ لأن كل القوانين والنظم ستؤخَذُ منه. ولقد جاء هذا الكتاب في قسمين: الأول منهما مدخل لدراسة الفقه الإسلامي، وهو خاصٌّ بتاريخ هذا الفقه ومصادره، والأدوار التي مرَّ بها وما انتهت إليه في العصر الحاضر، وثانيهما: دراسة لأهم نظريات الفقه عبر الدراسة التطبيقية لنظرية العقد، حيث عرف المؤلِّف العقد وذكر أنواعه، ودرس أركانه وشروطه والحقوق والالتزامات التي يرتِّبها بالنِّسبة لعاقديه.

___________

رابط تحميل النسخة الإلكترونية للكتاب من هنا

يتناول هذا الكتاب تحوّلات بعض الرؤى الجزئية -الأمريكية والأوروبية- التي تدرس الإسلام المعاصر، كونه مزاحمًا دينيًا وسياسيًا في واقع العلاقات الحضارية والثقافيّة والسياسية المعاصرة.

يقف المؤلف عند عدد من الرؤى الأمريكية التي تسعى إلى توجيه الدعوة للتصورات السياسية الأمريكية المغالية في عدائها للإسلام المعاصر بضرورة إعادة النظر في نواياها تجاهه؛ كما يتناول عددًا آخر من الرؤى في ألمانية والسويد وفرنسا، التي تصبّ في المجرى التصحيحي ذاته، وهو المجرى الذي يسميه المؤلف “رؤى ما بعد الاستشراق”.

ويختتم الكتاب بقراءات في فكر المثاقفة عن الإسلام وحداثة الغرب الأولى؛ وعن العلاقة بين الإسلام والعولمة في ضوء جدليّة الاجتهاد والتنافذ مع العصر؛ وعن موضوع الإسلام والمثاقفة الجديدة، كذلك يتطرق إلى عولمة الهوية، ويؤشر إلى مخرج لأزمة العلاقة بين العقل والتاريخ.

من مقدمة الكاتب:

“ها هي الألفية الثانية مضت بما فيها من أحداث ووقائع كانت على الدوام تغير مجرى التاريخ وتتحكّم في تحولاته ومصائر البشر فيه، ومثلما كانت الأديان قوة فاعلة في كل هذه المجريات، ها هي الأديان تعود اليوم قوة أكثر فاعلية في التاريخ عامة، وفي تاريخ تصارع القوى خاصة، ومنذ نحو نصف قرن تقريبًا عاد الإسلام، كأحد الأديان الأكثر مزاحمة بين الأديان الأخرى، إلى حيز التداخل والتفاعل مع اتجاهين يبدوان في الظاهر متباعدين نسبة إلى الحس العام لدى المسلمين وغيرهم، إذ نلاحظ العودة إلى البعد السياسي المزاحم في الفكر الإسلامي من جهة وإلى الانفتاح على واقع الإسلام المعاصر في علاقاته المتبادلة مع الأديان والثقافات الأخرى ودخوله بطرق جهادية ونضالية مزاحمة مع القوى الحضارية والثقافية من جهة أخرى. إنَّ هذا التداخل الجديد بشكليه كان موضع اهتمام الغرب المسيحي واليهودي المعاصر على السواء، بل ومخاوفه وقلقه، فأخذ تسميات عدة، منها: الإسلام السياسي، الأصولية الإسلامية، الإرهاب الإسلامي، الرهاب الإسلامي، واشتقاقات أخرى مثل الإسلاموية والرهبوية الجديدة وغيرها، حسب سياقات التعبير اللغوية والرؤى التأويلية إلى ظاهرة الإسلام المعاصرة.

خلال هذا الاهتمام، اعتمد الغرب المعرفة والمؤسسة بكل عطاءيهما التداولي لقراءة الإسلام المعاصر وتعددت أوجه الرؤى، منها ما هو سلبي وآخر إيجابي، لكن الأول هو الغالب على مدى عقود طويلة. إلا أن متغيرات العصر حتمت ظهور رؤى جديدة كان منها أن تعيد المركزية الغربية النظر في موجهاتها بإزاء الإسلام المعاصر، فالذي جرى في الأدبيات الغربية التي تدرس الظاهرة الإسلامية المعاصرة أنها غالبًا ما تسقط مفاهيمها الخاصة بالمزاحمات الدينية اليهودية والمسيحية في دار الغرب على الديانة الإسلامية، فمصطلح «الأصولية» هو نتاج للماكنة المعرفية الأمريكية حين ظهوره مطلع القرن العشرين. كما أن ما ساعد على ولادة رؤى إيجابية، نطلق عليها رؤى ما بعد الاستشراق، هو وجود الجاليات الإسلامية الوفيرة في عددها داخل الدول الأوروبية والغربية الأخرى، حيث تبين -عن كثب- للغرب أن حدة الإرهاب عند المسلمين هي أقل مما يتصوّرون في الماضي عندما عززت المؤسسة الاستشراقية هذا التصور رغم وجود إحصائيات ترى إن 10% من الإرهابيين في العالم هم من المسلمين.

إن توصيف الأسباب التي أدت إلى تحوّل الرؤية الغربية إلى الإسلام، يتطلب جهدًا كبيرًا، فأسباب الواقع التي أشرت إليها تجاورها أسباب فكرية وفلسفية، فهناك من سعى إلى تقويض المركزية الغربية مثل الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا” الذي نقض المركزية الغربية ودعا إلى فك المركز باتجاه الأطراف، لكن هذا اليهودي أراد فك المركز لفرض خلق مراكز أُخرى تتحكم في مصير جغرافية ما، ومثال إسرائيل، وجودها في قلب الوطن العربي هو أنموذج لدعوته، كما أن دعوة الرؤية البنيوية الى إحلال العلاقة تتضمن دعوة صريحة للتفكير بالآخر كما هو دون مسبقات رؤيوية، إلى جانب ذلك هناك رؤية “ميشيل فوكو” الفيلسوف الفرنسي الذي اقترح تجاوز المناطق المعرفية التقليدية التي انكب عليها الفكر منذ أكثر من ألفي عام إلى غيرها، وهي دعوة ضمنية إلى دراسة الهامش، والأطراف الحضارية والثقافية على ضوء منهجيات استقرائية وفي أمريكا ومنذ الستينات دعا مارشال هو دغسون إلى ضرورة إعادة النظر بالإسلام المعاصر واللجوء إلى مفاصله برؤية مختلفة.

ها هنا، في فصول هذا الكتاب نستقري الرؤى الجديدة في نظرتها إلى الإسلام من خلال اتجاهاتها الثلاثة وبالتالي المواقف الأمريكية في نظرتها إلى الإسلام المزاحم أو الإسلام السياسي والأصولي، فهناك رؤى إيجابية نجدها في الرؤية الأمريكية العامة تجاه الإسلام، لدى مارشال هو دغسون ووليم زارتمان وصاموئيل هنتنجتون كدالة سلبية تفرض المقارنة بين المواقف (السلبية والإيجابية)، ثم ديل إيكلمان وتيموثي ميتشل وجون ايسبوسيتو وغراهام فولر.

في الفصل الثاني عكفتُ على استقراء مواقف أوروبية جديدة ومختلفة في نظرتها إلى الإسلام المعاصر، بدأت بالرؤى الألمانية لدى جيرنوت روتر، ثم فريدمان، بوتنر وليس بعيدًا عن ألمانيا استقرأت رؤية مختلفة قادمة من السويد هذه المرة مع “إنجمار كارلسون” وهو يدرس الإسلام المعاصر على ضوء جدلية الخوف المتبادل بين الغرب والإسلام، بعد ذلك التوقف عند واحدة من أهم رؤى الاختلاف في المنظور الفرنسي إلى الإسلام المعاصر تلك هي مساهمة الباحث الفرنسي الكبير برتراند بادي، الذي دعا إلى نقض الحداثة الشمولية والالتفات إلى الحداثات الهامشية ومنها تجربة الحداثة في البلدان الإسلامية الحديثة والمعاصرة

إنَّ هذه الرؤى مجتمعة أحسبها معبّرة عن رؤى جديدة لدى الأمريكان والأوروبيين في دراسة الإسلام المعاصر، كنتُ قد أسميتها في كتاب سابق لي (برؤى ما بعد الاستشراق) كونها تنحو إلى الاختلاف في قراءة الظاهرة الإسلامية وبقدر ما تستند إلى منزع تأويلي نراها تركن إلى الاستقراء والمعاينة المباشرة لمعطيات هذه الظاهرة.

إيمانًا مني بأننا مثلما ننظر أيضًا ونتابع بجد وبإخلاص الرؤى المغايرة للرؤى السلبية، لا بد أن نفيد منها ونستخلص ما يمكن أن يسوغ لنا الحوار مع الغرب على أساسها ضمن منطلقات التعارف البشري والحضاري والثقافي. ليس القصد من هذا الكتاب الاحتفال بهذه الرؤى ولا التبشير مجددًا بالفكر الغربي حول الإسلام، مع مهمة ذات قيمة ثقافية وفكرية ضرورية، إنما القصد هو المتابعة لفكر الاختلاف ومعطيات المثاقفة الجديدة لا أكثر.

لقد اختتمت الكتاب بفصل ثالث يتضمن قراءات أخرى في فكر المثاقفة عن الإسلام وحداثة الغرب الأولى، ثم العلاقة بين الإسلام والعولمة في ضوء جدلية الاجتهاد والتنافذ مع العصر وقراءة في موضوع الإسلام والمثاقفة الجديدة، وختمت الكتاب بشيء عن عولمة الهوية ومخرج لأزمة العلاقة بين العقل والتاريخ”.

رابط الكتاب للاطلاع

__________________

* المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت، الطبعة الأولى، 2001م.

** كاتب وفيلسوف عراقي متخصص في الفلسفة الألمانية، ولد في الكوفة عام 1959. ودرس الفلسفة في عدد من الجامعات العربية، وصدرت له عشرات المؤلفات في الرواية والفلسفة والدراسات النقدية من أبرزها كتاب (فتنة الأسلاف: هيدغر قارئًا كانط)، وكتاب (إنسان التأويل).

 

العنوان: الأخلاق في عصر الحداثة السائلة.

المؤلف: زيجمونت باومان.

ترجمة: سعد البازعي، بثينة الإبراهيم.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: أبو ظبي.

الناشر: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة- مشروع كلمة.

تاريخ النشر: 2016.

الوصف المادي: 333 ص.، 21 سم.

الرقم الدولي الموحد: 978- 9948-13-526-5

أشار المترجمان في مقدمتهم أن “زيجمونت باومان” (1925) هو من قام باستبدال مفهومي “الحداثة” و”ما بعد الحداثة” بمفهومي “الحداثة الصلبة” و”الحداثة السائلة”. فقد رأى “زيجمونت باومان” بأن صلابة المرحلة التي اتفق المحللون على تسميتها بـ “مرحلة الحداثة” ذابت، فتداخلت الحدود وتراخت السمات وازدادت ضبابية حتى صار من الممكن أن نتحدث عن سيولة سواء أكان ذلك في حدود الدول أم معالم المجتمع أم سمات الهوية الفردية أم خصائص الثقافات. ولم تعد صلابة حداثة التنوير قائمة بل حلت محلها حداثة سائلة هي ما يقصده الآخرون بـ “ما بعد الحداثة” وما يسميه باومان بمرحلة “الحداثة السائلة”.

والكتاب الذي بين أيدينا، والذي يتعرض لمفهوم السيولة أو ما بعد الحداثة على المستوى الأخلاقي يتكون من مُقدمة وستة فصول. سنتطرق بعرضٍ وافيٍ لها في السطور التالية.

المقدمة

يسعى الكاتب من خلال مؤلفه هذا إلى العثور على طرق جديدة من التفكير في أوضاع العالم الذي نعيش فيه، فهو يحاول تطوير أدواتنا الإدراكية حتى نتمكن من الإمساك بعالم يواصل التغير بشكل أسرع مما نستطيع بطرق تفكيرنا الحالية أن نتكيف معه، فيرى الكاتب أن الحاجة أصبحت ملحة إلى إطار جديد يُمكنه استيعاب تجربتنا وتنظيمها بطريقة تسمح بإدراك المنطق الذي يحكم تلك التجربة.

ويوضح الكاتب هنا الفرق بين الخريطة الإدراكية لكل من الجيل الأقدم والجيل الأحدث، تلك الخريطة التي تعكس العبور من مرحلة بناء الدولة في تاريخ الدول الحديثة أو مرحلة الحداثة الصلبة بحدودها السيادية المحصنة إلى مرحلة التعدد الثقافي والتدفق البشري عبر الحدود أو إلى الحداثة السائلة.

ويوضح الكاتب أنه لا توجد دولة لا تواجه تحدي الدمج بين السكان المحليين والوافدين، وأصبح الرهان الأكبر يدور حول الاعتراف بالآخر، حيث أن كل مدينة اليوم هي تجمع لاختلافات إثنية ودينية، مما يستدعي توترات داخلية وخارجية. هذا الأمر يتطلب وضع قواعد للتعاضد الدولي من أجل مواجهة هذا التحدي.

ويؤكد الكاتب أن مركزية المركز قد تفتتت وخرائط العالم التي رسمنا عليها الكيانات السياسية تراجعت أهميتها، وفي محاولة خاطئة للإمساك بشئون هذا العالم هناك إصرار على المحافظة على أدواتنا المفاهيمية القديمة مثل المركز والأطراف، والسلم الهرمي، والأولوية والثانوية.

ويرصد الكاتب هنا طبيعة الاستعمال المتزايد لكلمة “الشبكة” -للتعبير عن الأوضاع الاجتماعية- بدلًا من كلمات مثل الأنظمة والبنى والمجتمعات والجماعات التي كانت سائدة في مرحلة الحداثة الصلبة، فمفهوم الشبكة يعكس إدراك متزايد حول ضبابية الكليات الاجتماعية عند الأطراف، وأنها غير موجودة ولكنها في حالة تشكل. كما يرصد الكاتب أن في مجتمع “الحداثة السائلة”، تميل الحشود إلى أن تحل محل الجماعات -بما لها من قادة، وطبقات، والتقاط الأوامر- فليس للحشد مكان مُحدد، وليس له مركز؛ وتُحرِكه أهداف متغيرة ومتحركة، وتتحقق راحة الاحتشاد في الأمن الذي يوفره العدد، فالاعتقاد بأن اتجاه الفعل قد جرى اختياره بشكل مُناسب، نظرًا لأن عددًا كبيرًا من الناس يسيرون بمقتضاه.

ثم ينتقل الكاتب إلى مفهوم الهوية وعملية صناعة الذات والصعوبات التي تواجه الإنسان من أجلها في عالم متغير، فالهوية هي نتاج عمليات مختلفة ومتزامنة من التفاعل الاجتماعي، والتفاعل الاجتماعي ليس عملية أحادية الاتجاه وإنما هو نتاج لتفاعل مستمر بين الحنين إلى الحرية الفردية وصناعة الذات من ناحية، والرغبة في الأمان الذي يمنحه ختم الموافقة الاجتماعية. والتوتر بين الاثنين مستمر. والتنظير حول الهويات في عالم الحداثة السائلة يستخدم كلمات مثل الاقتلاع والاجتثاث والفصل، وهي تشير إلى تحرر الفرد من مجتمع الولادة. إلا أن الجذور التي تجتث من التربة من المحتمل أن تذوي وتموت، ولذلك يفضل الكاتب استخدام مجاز “إلقاء المرساة ورفعها”، فمجاز المرساة يعبر عن تشابك الاستمرار والانقطاع في عدد متزايد من الهويات المعاصرة.

وهنا يتعرض الكاتب إلى مفهوم “تجمعات الانتماء” و”المجتمعات الدامجة”، ويرى أن مفهوم “المجتمع الدامج” مفهوم موروث من العصر الشمولي، وهو يُشير إلى المسعى المنظم لتحصين الحدود التي تفصل “الداخل” عن “الخارج”، في حين أن تجمعات الانتماء هي مرافِقة للفردانية، أي يمكن تشبيهها بسلسلة محطات في مسار الأنا. إلا أن الانتماء -في رأي الكاتب- هو أحد وجهي العملة، والوجه الآخر هو الانفصال والمعارضة الذي يتطور غالبًا إلى استياء وصراع مكشوف. فتحديد العدو عنصر أساسي للتماهي مع “كيان الانتماء”.

أما الاختلاف بين مفهومي “الانتماء” و”المجتمعات الدامجة”، يرى الكاتب أن ليس لدى مرجعيات الانتماء -على نقيض المجتمعات التقليدية الدامجة- أدوات لقياس مدى إخلاص الأعضاء؛ ولا هي معنية بمطالبة الأعضاء بولاء ثابت وإخلاص لا يتزعزع. فالانتماء إلى كيان واحد، في “النمط الحداثي السائل”، قد يُشترك فيه ويُمارس بشكل متزامن مع الانتماء إلى كيانات أخرى في أي صيغة أخرى مُمكنة، من دون أن يستدعي ذلك أي شجب أو خطوات قمعية. نتيجة لذلك فقدت الارتباطات الكثير من شِدتها.

من هنا جاء إعادة تصوير ظاهرة “الهجنة الثقافية” بوصفها فضيلة ومؤشرًا على التميز، بدلًا من أن تكون -كما كان يُنظر إليها في الماضي القريب جدًا- بوصفها رذيلة وعلامة على إما الدونية الثقافية أو هبوط طبقي خليق بالشجب. في الموازين الطارئة للتفوق الثقافي والاحترام الاجتماعي، يغلب أن يحتل المهجنون مراتب عليا حيث تصبح “هجينيته” وسيلة رئيسية للتحرك إلى الأعلى سوسيوثقافيًا. بينما يُنظر إلى التمسك بالقيم وأنماط السلوك الثابتة على أنه مؤشر على الدونية السوسيوثقافية والحرمان.

ويؤكد الكاتب في نهاية المقدمة على عدد من النقاط منها:

  • هناك درجة غير مسبوقة من التحرر من القيود، هذا النوع من التحرر أقرب إلى أن يكون توفيقًا بين “مبدأ اللذة” و”مبدأ الواقع”.
  • لا شك أن العولمة أصبحت الاَن حتمية وفي مسار يستحيل عكسه. لقد تم الوصول إلى نقطة اللاعودة. إن علاقاتنا فيما بيننا واعتمادنا على بعضنا البعض صار ظاهرة عالمية. فكل ما يحدث في مكان يؤثر على حياة الناس وفرصهم في العيش في مكان اَخر. لا حدود سيادية، مهما كبرت، أو كثر سكانها، وإمكاناتها، تستطيع بمفردها أن تحمي ظروفها المعيشية، أو أمن سكانها. إذن فاعتماد بعضنا على بعض يحدث على امتداد الكرة الأرضية ولذا فنحن مسؤولون عن بعضنا البعض.
  • ضرورة أن يتحلى المثقفون بالأمل، والشجاعة، والإصرار، في دراسة الأوضاع الإنسانية المتغيرة، وأن تحتل هذه المسألة أهمية كبيرة من جانبهم، فيقومون بدراسة كل التهديدات والفرص التي تُواجه إنسانيتنا المُشتركة.

الفصل الأول

 أي فرصة للأخلاق في عالم استهلاكي معولم؟

يبدأ باومان هذا الفصل بتحليل التناقض الذي كان سائدًا في مرحلة الحداثة الصلبة بين فردانية المرء وسعيه للحرية وحبه لذاته وبين القيود المفروضة عليه من خلال القواعد المعيارية بوصفها ضرورية ومفيدة للتجمع الإنساني.

ولكن بمجيء مجتمع الحداثة السائلة تم تدمير نظام الضبط المعياري، فتحرر السلوك الإنساني من التنميط القسري وتم تصعيد مفهوم اللذة التي لا حدود لها، فحلت الإثارة محل القسر، والإغراء محل فرض الأنماط السلوكية، وإثارة رغبات جديدة محل الضبط المعياري. وبذلك تم تحرير اللذة من ضوابط الماضي وفتحها للاستهلاك الربحي في الأسواق. فأصبح معظم الآلام الإنسانية -في عصر الاستهلاك والحداثة السائلة- صادرة عن فائض أو قلة الإمكانات المادية، بدلًا من التضاد بين المسموح والممنوع أخلاقيًا، وأصبح الاكتئاب الفردي وليد رعب العجز المادي بدلًا من أن يكون وليد رعب الذنب نتيجة كسر القواعد القيمية كما كان في الحداثة الصلبة.

ويؤكد باومان أن مفهوم المسئولية الذي كان في الماضي مرتبطًا بالواجب الأخلاقي والاهتمام بالآخر، ارتبط اليوم بتحقيق الذات، فأصبح الاستثمار في الذات هو مشروع الفرد الوحيد. هنا قامت السوق الاستهلاكية بتجريد مفهوم التكاتف الاجتماعي الذي يعززه الوجود المشترك من قيمته. وإذا كان العلماء في الماضي يرون أن المجتمع بدعة اخترعت لجعل الاجتماع الإنساني المسالم ممكنًا لكائنات أنانية بالولادة، فإن الحداثة السائلة جعلت من المجتمع حيلة لجعل الحياة الأنانية قابلة للتحقيق لكائنات أخلاقية بالولادة، وذلك بالحد من المسئوليات تجاه الآخرين.

 من ناحية أخرى يشير الكاتب إلى أننا أصبحنا نعيش في مجتمع معولم من المستهلكين، ومن المحتم أن يؤثر السلوك الاستهلاكي على كل وجوه حياتنا، فالكل اليوم يعيش تحت ضغط أن نستهلك أكثر، وبذلك صرنا سلعًا في أسواق الاستهلاك.

ويرسم باومان هنا صورة لحياة الإنسان في المجتمع الاستهلاكي حيث يتعرض المرء لقصف متواصل من الإعلانات حتى يقتنعوا بحاجتهم الحتمية لهذه السلع المعلن عنها، ولشراء ما يظنون أنهم يحتاجونه فإنهم يعملون لساعات أطول لكسب مزيد من المال، ولكونهم بعيدين عن أسرهم لتلك الساعات الممتدة فإنهم يعوضون غيابهم هذا بهدايا ثمينة تكلف مزيد من المال، وهو ما أسماه أحد العلماء بـــ”تمدية الحب”، أي جعل الحب ماديًا. ويضيف باومان أن هذا الانفصال العاطفي والغياب الجسدي عن المنزل يجعل أفراد الأسرة الواحدة غير قادرين على تحمل حتى الخلافات التافهة مما يحتمه العيش تحت سقف واحد. لقد أدى الانشغال بالحصول على مزيد من المال لشراء ما يُظن أنه ضروري لتحقيق السعادة إلى عدم وجود وقت للحوار والتفاهم والمشاركة والتعاطف.

إذن فسيادة المجتمع الاستهلاكي قد أدى إلى أمرين: أولهما ذبول التكافل الإنساني في المجتمعات، والثاني اضمحلال قيم التراحم والتشارك في الأسرة. فالعولمة الاستهلاكية أصبحت تحديا أخلاقيًا.

 كما يوضح باومان أن مع تزايد “سيولة” الأوضاع الاجتماعية، وتزايد ضِعف الروابط الإنسانية، وأجواء الحيرة، وعدم الأمان، والخوف غير الواضح الذي نعيش فيه، فقد ساد شعورًا بـ “الاستياء” تجاه الغرباء؛ وهم الناس غير المألوفين، والذي يصعب التنبؤ بما سيفعلونه، وهم تجسيدات حية لسيولة العالم. وبين الغرباء المُستاء منهم، يحتل الصدارة اليوم “اللاجئون” وأولئك المنفيون من الأجزاء الفقيرة في الأرض. إنهم يطرقون أبواب الغرب، ويهددون أمانهم وهدوئهم –وفقًا للكتاب الغربيين-.

ومهما كان الذي تعنيه “العولمة”، فإنها تُعني أننا جميعًا يعتمد بعضنا على بعض. لم تعد المسافة تعني الكثير الاَن. ما يحدث في مكان قد تكون له نتائج عولمية، ويمكن لأفعال البعض أن تتحرك على مسافات هائلة من المكان والزمان. ومهما كانت محلية مقاصدهم، سُيخطئ الفاعلون أن يلغوا من حساباتهم العوامل العولمية، لأنها قد تُقرر نجاح أو فشل تلك الأفعال. ما نفعله (أو نحجم عن فعله) قد يؤثر على أحوال الحياة (أو الموت) لأناس في أماكن لن نزورها وأجيال لن نعرفها.  لقد أنتجت عملية العولمة حتى الاَن شبكة من الاعتماد المشترك التي اخترقت كل بقعة وزاوية من الكرة الأرضية.

الفصل الثاني

 القتل الباتر … أو إرث القرن العشرين وكيف نتذكره

في هذا الفصل يركز الكاتب على موضوع الهولوكوست أو الإبادة الجماعية أو القتل الباتر كنماذج صارخة للفشل الأخلاقي لمرحلة الحداثة الصلبة. فإذا كان في مطلع الحقبة الحديثة، كان يُنظر إلى الطبيعة بوصفها مصدرًا رئيسيًا للشرور التي تُحيط بالحياة البشرية، مثل الفيضانات وموجات الجفاف والمجاعات والأوبئة التي تضرب بدون سابق إنذار، ارتأى البعض أنه يُمكن تجنب ذلك من خلال السعي نحو “عملية التحضر”، فالدولة بوصفها حاملة للقوة السيادية” ستقوم في النهاية بالدفاع عن مواطنيها ضد قوى الطبيعة المخيفة وضد شرورها الكامنة.

لكن في أربعينيات القرن العشرين قام النازيون بحركة قتل جماعي لليهود، فيما سمي “الهولوكوست” (المحرقة) أو “جينوسايد” (إبادة جماعية). وظهر مصطلح جديد يُسمى “القتل الباتر – Categorical Murder” للإعدام الجسدي للرجال والنساء والأطفال، وهذا فقط لمجرد كونهم ينتمون إلى فئة من البشر غير صالحة للنظام المستهدف.

وفي الأعوام التي تلت الحرب العالمية الثانية حدثت موجات جديدة من القتل الجماعي الموجه ضد جماعات إثنية، وعرقية، ودينية يمكن وصفها بأنها “هولوكوست” اَخر.

وتتميز الإبادة الجماعية عن الحروب بطبيعتها الفردية، فهي النقيض المباشر للمعركة أي للمواجهة بين قوتين، ففي الإبادة الجماعية تكون الأهداف المتوقعة للعنف محددة من طرف واحد ومحرومة من حق الرد ويتم القضاء عليها لمجرد أنهم صنفوا على أنهم كائنات ينبغي إفناؤها.

ويوضح الكاتب أن هذه النظرة وتلك الرؤية كانت في صميم النظام الجديد، ذلك النظام الذي أعطى لنفسه الحق في تقرير من يستحق أن يحيا ومن لا يستحق. فادعاء الحق بالضم أو الاستثناء من عالم الحقوق القانونية والالتزامات الأخلاقية كان جوهر السيادة للدولة الحديثة.

ووفقًا للكاتب، لقد جعلت الحداثة وإخضاع السلوك الإنساني لسيطرة العقل الأداتي الهولوكوست مُمكنًا، بينما كان الحكم الشمولي “أي السيادة المطلقة والكاملة” هو الذي نقل تلك الإمكانية إلى حيز التنفيذ. كل ذلك حدث في قلب أوروبا، التي نظرت إلى نفسها على أنها تُمثل قمة التقدم التاريخي والضوء الذي يهتدي به بقية البشر الأقل تحضرًا والأقل استعدادًا للتحضر.

ويرى الكاتب أن ثمة أمل قبل خمسين أو ستين عامًا أن تُسبب المعرفة البشعة بالهولوكوست صدمة توقظ البشرية من نُعاسها الأخلاقي وتجعل المزيد من الإبادات الجماعية مُستحيلًا. لكن لم يحدث ذلك، لقد أثبت الهولوكوست قدرته على الإغراء بالمزيد من الإبادات الجماعية للوصول إلى “حلول نهائية”.

 يوضح “باومان” هنا أن القراءات المقدسة أو المبتذلة لرسالة الهولوكوست تفقد التجربة قدرتها على إفادة الجماعات الأخرى منها لتجنب من خلال إنكار قيمة الحوار والتشارك في تجارب الجماعة. فالتقديس والابتذال يفقدان التجارب قدرتها التنويرية الكامنة في خصوصيتها.

 ويؤكد “باومان” في هذا الفصل أن المشكلات الإنسانية على كوكب معولم يمكن مقاربتها وحلها فقط على يد إنسانية متضامنة. وحيث لا توجد حواجز قانونية أو مؤسسية قادرة على صد الأفعال الإبادية بشكل فعال، فإن دفاعنا الوحيد ضدها –وفقًا للكاتب- سيعتمد على الرفع الأخلاقي من شأن الأفراد والمجتمعات على حد سواء، وعلى الضمير الحي روحيًا، وعلى الإرادة القوية لفعل الخير. ويرى الكاتب أننا بحاجة “لمحاكمة عادلة، وحكم عادل” يعني حكم القانون؛ حكم يساوي بين الجميع، قانون لا حزبي وغير فاسد. لكن في كوكبنا السريع والفوضوي المتعولم، ليست تلك القوة واضحة إلا من خلال غيابها.

الفصل الثالث

 الحرية في حقبة الحداثة السائلة

في هذا الفصل يوضح الكاتب إنه على مدى القرنين أو الثلاثة التي مضت منذ تلك القفزة الكبيرة التي سميت “مجيء العصر الحديث” أو بداية مرحلة التنوير، سار التاريخ باتجاه لم يخطط له أحد، بل لم يتمنَ أحد أن يسير فيه. حيث أن هذه المرحلة بدأت بتصميم إنساني أن يكون التاريخ تحت إدارة وسيطرة بشرية معتمدين في ذلك على العقل الذي نُظر اليه بوصفه أقوى أسلحة الإنسان. فمشروع الحداثة قائم على إحلال الحرية الفردية والجماعية محل الخضوع لتقلبات الطبيعة وأشكال القسر التي يصنعها الإنسان.

فقد كان شعار “الحرية، المساواة، الأخوة” حين أعلن لأول مرة في الثورة الفرنسية تعبيرًا دقيقًا عن فلسفة حياة وإعلان نوايا.  فهي مبادئ اعتُقِد أنها كل ما يحتاجه البشر للسعي نحو السعادة. ويفرد باومان هنا مساحة لمناقشات فلاسفة التنوير بشأن الحرية وعلاقتها بالسعادة في ضوء الفكرة القائلة إن “الإنسان المثالي هو ذلك الذي يجرؤ أن يفكِّر لنفسه ساحقًا تحت قدميه التعصُّب والتقاليد والمعتقدات الشعبية، باختصار أن يسحق كل ما يستعبد الروح”. وكان الاعتقاد بأنه بمجرد أن يسمع الناس تلك الدعوات إلى الحرية الروحية فإن انهيار العبودية الجسدية سيتبع. أما على الجانب السياسي فإن المواطنة والجمهورية والديمقراطية هم وسيلة الخلاص الذي كان التنوير باعثًا له.

إلا أنه في أقل من قرن وصل التقدم المستمر نحو حرية الفرد في التعبير والاختيار إلى النقطة التي شعر فيها الكثيرون أن فقدان الأمن أصبح ثمنًا باهظًا للفردنة والخصوصية في البحث عن السعادة. وبدأ الطلب على الحياة الآمنة يزداد وإن كان ثمنها شيء من النقص في الحرية الشخصية. فانتقلت الصيغة للسعي نحو السعادة من “الحرية، المساواة، الأخوة” إلى “الأمن، المساواة، الشبكة”. أما بالنسبة لمبدأ المساواة فقد تغلب عليه مفهوم التوازي. ففكرة التساوي في الثروة وفي أنماط المعيشة وفي التطلعات المستقبلية توارت وحل محلها في ظل الحداثة السائلة التنوع اللامحدود وحق الإنسان في الاختلاف من دون أن يكون ذلك سببًا في حرمانه من الكرامة والاحترام. فالتوازي يعني السماح فقط بجلوس الجميع إلى الطاولة دون وجود أي قواعد للعبة. أخيرًا تأتي الشبكة، فإن كانت الأخوة قد تضمنت وجودًا مسبقًا لبنية لها سلوك ومبادئ ومواقف مشتركة، فإن الشبكة تولد أثناء العمل وتظل حية فقط نتيجة للأفعال الاتصالية المتوالية.

ثم ينتقل باومان إلى مفهوم “فن الحياة” بمعنى جعل حياة الإنسان عملًا فنيًا من تأليفه وعلاقة ذلك بالتحولات التي حدثت في الفنون الجميلة بتغير العصور. فيرى أنه لكي يمارس المرء فن الحياة في عالم الحداثة السائلة، يتطلب الأمر أن يكون في حالة تغير دائم، وأن يستمر في عملية إعادة تعريف للذات وأن يتوقف عن أن يكون ما كان عليه بالأمس. ويضيف باومان بأنه -وفي مجتمعنا الاستهلاكي- لن يتم إجبارك على محاكاة أسلوب العيش الذي توصي به عروض السوق، بل سيتم ذلك عبر رغبتك الشخصية، لكن لو حاولت التوقف عن تلك المحاولة أو قاطعت عروض السوق فسوف تعاقب بالطرد والنبذ خارج حلبة السباق لتصير وحيدًا في مواجهة مخاوفك الاقتصادية وشعورك بتدني مكانتك الاجتماعية.

  ويختتم باومان الفصل بالتأكيد على فكرة “الكيان الاجتماعي” والذي هو أقصى أشكال التجسد الحديث لفكرة المجتمع، وهو ترتيب مؤسسي لتأمين جماعي يحول دون سقوط المجتمع في البؤس وتحوُل المرء إلى “فائض اجتماعي” محروم من الاحترام.

الفصل الرابع

 حياة عجولة … تحديات الحداثة السائلة للتعليم

يتطرق الكاتب في بداية هذا الفصل لإعلان نُشر عام 2005 في مجلة أزياء واسعة الانتشار حول “ستة مظاهر أساسية” للأشهر القادمة “من شأنها أن تبقيك مواكبًا للموضة”؛ ورأى الكاتب في هذا الإعلان أنه صُمم بطريقة مُحددة ليختصر كل المخاوف التي أحدثها المجتمع الاستهلاكي، من حيث أولًا أن مواكبة الموضة التي يتبعها الآخرون المرموقون هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الاحترام والثقة بالنفس واليقين أنك على الطريق الصحيح، وهنا يكتسب المرء الانتماء، أي القبول والاندماج مع الآخرين. ثانيًا إن هذا الوعد محدود الصلاحية، أي أن عليك بالإسراع، وسيلزمك التجديد بعد انقضاء الأشهر المعلن عنها. هذا يعني أن هناك اختيار بين ستة نماذج إلا أن الاختيار إلزامي، كما أن القيود المفروضة على خياراتك ليست قابلة للنقاش.

ويرى الكاتب أن المبدأ الأخلاقي للحياة الاستهلاكية هو “وهمية الشعور بالإشباع”. ويتم ذلك من خلال الحط من حاجات الأمس والسخرية منها وتقبيحها بدلًا من خلق حاجات جديدة. ويعتبر هؤلاء الذين يشترون فقط ما يحتاجونه يُعدون “مستهلكين ناقصين”، وبالتالي فهم “منبوذون اجتماعيًا” كما أشار “تالكوت بارسونز”.

ورأى الكاتب أن سر كل نظام اجتماعي ناجح يكمن في تحويل “الشروط الوظيفية” إلى دوافع سلوكية للأفراد. وقد يحدث هذا بوضوح عبر حشد الدعم العام أو من خلال عملية مُفعمة بمؤثرات مُختلفة مثل “التعبئة الروحية”، “التثقيف المدني”، و”التلقين الإيديولوجي”، كما كان عليه الأمر في المرحلة الصلبة من الحداثة في المجتمع الإنتاجي، حيث تم الإعلاء من شأن الإشباع المؤجل على الحساب الإشباع الفوري، وتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد من خلال تقديم حاجات الكل على حاجات أفراده وتقديم سعادة الأغلبية على سعادة الأقلية.

وقد ذهب فرويد إلى أن الحضارة تصان عبر القمع، لأن الحضارات تعني القيود، والقيود كلها بغيضة، إن إحلال سلطة المجتمع محل سلطة الفرد تشكل خطوة حاسمة للحضارة. وقد قام علماء الاجتماع بابتكار منهج جديد للتحضر، ليكون وسيلة بديلة لاستمرار نظام السيطرة المسمى بالنظام الاجتماعي مع تحقيق قدر كبير من الحرية للأفراد ويكون أقل إثارة للنزاع نسبيًا. هذا النمط الجديد من التحضر صوَر الإلزام بالاختيار على أنه حرية الاختيار، وأحل مهرجانات من الوحدة والانتماء الجماهيري محل الشمولية، مما يكون أكثر إمتاعًا وإبهاجًا. فلم يعد الخضوع للشمولية واجبًا معتنقًا بالإكراه وشاقًا ومزعجًا، بل تحولت إلى تسلية جماعية ممتعة. 

وهنا يخلص أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية “توماس هيلاند إريكسن” إلى أن “طغيان اللحظة” هي (السمة الأكثر بروزًا للمجتمع المعاصر وبدعته الأكثر ابتكارًا) ويزعم إن عواقب العجلة المُفرطة ساحقة، إذ يخضع كل من الماضي والمستقبل إلى طغيان اللحظة، وحتى “الحاضر” مُهدد لأن اللحظة القادمة تحل بسرعة جدًا بحيث يصعب العيش في الحاضر، وهذا منبع لا ينضب من التوتر. وبالتالي فإنسان ما بعد الحداثة هو إنسان تزامني يعيش في الحاضر فقط، ولا يلقي بالًا لتجارب الماضي، ولا النتائج المستقبلية لها.

بعد ذلك تطرق الكاتب في الفصل ذاته لـ “وفرة المعلومات”، فرأى أن خلال السنوات الثلاثين الماضية تم انتاج معلومات تفوق ما أنتج خلال ال 5000 سنة الماضية، فأصبحت “المهارة الأساسية في مجتمع المعلومات تنطوي على حماية النفس من 99.99% من المعلومات المعروضة والتي لا يرغب بها المرء”. وأصبح هناك شلالًا عشوائيًا من المعلومات لا سياق له بحيث أصبحت الجزئيات هي المهيمنة. 

ويرى الكاتب أن القيمة الأكثر خصوصية للمجتمع الاستهلاكي هي “الحياة السعيدة”، فربما يكون مُجتمعنا الاستهلاكي هو المجتمع الوحيد في تاريخ البشرية الذي يعد بالسعادة في الحياة الدنيوية أي بسعادة دائمة وغير مؤجلة. ويُنظر إلى الإجابة على سؤال: هل أنت سعيد؟ على أنها الاختبار النهائي لنجاح أو فشل المجتمع الاستهلاكي. وتوصلت الدراسات إلى أن الشعور بالسعادة يتعاظم مع ازدياد الدخل حتى درجة معينة، وفوق هذه الدرجة التي تحقق الحاجات الأساسية أو الطبيعية يتلاشى التلازم بين الثروة والسعادة. هنا يتضح فشل الاستهلاك كنشاط غائي ومصدر للسعادة. 

ثم تطرق الكاتب لمعنى الوقت في زمن الحداثة السائلة، وهنا تطرق لمصطلحي “الثقافة اللحظية” و”الثقافة العجولة”. ويرى الكاتب أن الوقت في عصر المجتمع الاستهلاكي ليس دوريًا ولا خطيًا كما كان في المجتمعات السابقة ولكنه “نقطي” مفتت إلى مجموعة من الأجزاء المنفصلة. ويمكن أن تعاش كل نقطة باعتبارها بداية جديدة، قد تكون بداية مهدرة أو خيالية أو زائفة. ولهذا تميل الحياة اللحظية أن تصبح حياة عجولة لاقتناص الفرص قبل ضياعها. 

ويقول الكاتب إذا كانت الحياة ما قبل الحداثة هي تمرين يومي على الخلود النهائي، فإن الحياة في الحداثة السائلة هي تمرين يومي على الفناء الكوني حيث لا شيء في ذلك العالم مُلزم بالدوام. فالرغبات التي تعتبر اليوم مفيدة وضرورية تصبح تاريخًا قبل أن تستقر لفترة كافية لتتحول إلى عادة وحاجة، فلا شيء يبدو غير قابل للاستبدال، فكل شيء يولد موسومًا بالموت الوشيك، ويخرج من خط الإنتاج مصحوبًا بتاريخ صلاحية مطبوع أو مفترض.

ووفقًا للكاتب فإن فرط السيولة أدى إلى هشاشة حضارية، فنحن في حضارة الإسراف والحشو والتبذير وتصريف المخلفات. ويرى الكاتب أن الثقافة في الحداثة السائلة لم تعد تبدو كثقافة تعلم وتراكم، كما كانت في الماضي، ولكنها تبدو اليوم كثقافة انسلاخ وانقطاع ونسيان، “ثقافة نادي القمار” كما أطلق عليها أحد العلماء.

وفي نهاية الفصل ينتقد الكاتب بُعد وانصراف الناس عن السياسة، وفقدان الاهتمام بالعملية السياسية، وفي هذا السياق، أوضح الكاتب أن حريات المواطنين ليست ممتلكات يحوزونها مرة واحدة للأبد، بل إنها تُغرس وتترسخ في التربة الاجتماعية والسياسية، التي تحتاج تخصيبًا وسقاية يوميًا، والتي ستجف وتتفتت ما لم تراقب يوميًا.

الفصل الخامس

بين الرمضاء والنار … أو الفنون بين الإدارة والأسواق

يتناول “باومان” في بداية هذا الفصل مفهوم “الثقافة” قائلًا أن مصطلح الثقافة قد دخل اللغة باعتباره اسمًا لنشاط هادف، وبات يعني في استخدامه الشائع، الطريقة التي يختلف بها نوع من السلوك البشري “المُنظم بمعايير” عن نوع اَخر تحت رؤية مُختلفة. وظهر مفهوم “الثقافة” في اللغة بعد مفهوم حديث مهم اَخر بأقل من قرن، وهو مفهوم “الإدارة” الذي يعني تسيير الأمور بطريقة لم يكن لها أن تسير دونها، وإعادة توجيه الأحداث بحسب رغبة المرء وتخطيطه.

ويرى الكاتب أن الثقافة “معارِضة للإدارة”، وأن الصراع بينهما حتمي. لكنه يشير إلى أن الخصوم يحتاجون بعضهم بعضًا، فالفنون تحتاج الإدارة لأن مهمتها لا يمكن أن تنجز من دونها.

وتعد الفنون الوحدات الأولية للثقافة، ووفقًا للبعض فإن “الفن ليس محاولة للهروب من الواقع لكنه محاولة لإحيائه”. لا يعتبر الاستهلاك السريع والذوبان في عملية الاستهلاك الآني غاية المنتجات الثقافية ولا معيار لقيمتها. فقد كان المفهوم الكلاسيكي للثقافة الذي تزامن رواجه مع مرحلة الحداثة الصلبة هو أنه أداة فاعلة في “الحفاظ على النمط”، وتحقيق حلم الإدارة في مقاومة التغيير من خلال إخضاع الفنانين للقوانين والمعايير التي أرسوها، وبالتالي يقصون أجنحة الخيال الفني ويعارضون المبادئ التي تقود إبداع الفنانين.

أما في حقبة الحداثة السائلة، حقبة سلمت نفسها لزوبعة الوجود الاستهلاكي، فقد تم إخضاع الإبداع الثقافي لمعايير السوق الاستهلاكية، حيث أصبحت شهرة الفنان تساوي شهرة “العلامة التجارية”، وأصبح للمبدع تاريخ إنتاج وصلاحية، ما ينذر بولادة ونشوء “ثقافة النبذ أو الهدر” الدائر عبثها المدمر في عصر الحداثة السائلة، على عكس الحقبة السابقة من الحداثة الصلبة التي كانت تحيا بحثًا عن “الخلود”. فالحداثة السائلة لا تضع لنفسها هدفًا ولا ترسم خطًا للنهاية، وبعبارة أدق، إنها تُحدد جودة الاستمرار وفقًا لسرعة الزوال فقط.

ويتعرض الكاتب في آخر هذا الفصل إلى معنى الجمال بين مرحلتي الحداثة الصلبة والحداثة السائلة، فإذا كان الجمال يعتبر أحد التصورات التي وجهت الفنانين إلى ما وراء العالم القائم، وكانت قيمته متضمنة في سلطته الهادية، فإن الجمال في مجتمع الحداثة السائلة قد واجه المصير الذي لاقته كل المُثل الأخرى، فالمهم أن يكون مناسبًا للاستهلاك الحالي السريع، ففقد العلاقة بينه وبين الخلود، وتموضع الجمال في الموضة الحالية، وبالتالي فإن الجميل ملزم بالتحول إلى قبيح في اللحظة التي تحل فيها الموضة الجديدة.

الفصل السادس

جعل الكوكب مضيافًا لأوروبا

 ينهي باومان كتابه بمحاولة وضع رؤية تنظيرية للعلاقات الإنسانية على هذا الكوكب. إذ تطرق لفكرة “إيمانويل كانط” حول مفهوم “المواطنة العالمية” والتعايش السلمي بين البشر، حيث يصبح الاتحاد بين البشر على طريقة المواطنة هو المحطة التي اختارتها الطبيعة وظروف الكون لنا. وبالتالي سننظر إلى “الضيافة” على أنها المفهوم الأعظم الذي علينا جميعًا بدرجة متساوية أن نتبناه. فإذا كانت الأخلاقيات من نتاج العقل، كما أرادها كانط أن تكون، فإن الضيافة هي -لابد أن تكون أو يجب أن تكون عاجلًا أو اَجلًا- القاعدة الأولى في سلوك الإنسان. كذلك يري “هايدجر” أن الضيافة هي فريضة كونية، ورغم غيابها فهي كانت “دائمًا هناك”.

ورغم أن العديد من المؤلفين لم يلقى بالًا حينها لأفكار كانط حول الضيافة، والمواطنة العالمية، لكن تحديات المرحلة الحالية فرضت على كثير من الدراسات أن تقتبس من كتاب كانط.

ثم تطرق الكاتب لهيمنة أوروبا التي سادت العالم على مدى القرون الخمسة الماضية، وكانت هيمنة أوروبا العسكرية والاقتصادية قوية لدرجة جعلها هي المرجعية لأي تقييم. وكان يكفي أن تكون أوروبيًا لكي تحظى بمعاملة مميزة ويتم وضعك في أعلى منزلة في أي مكان خارج أوروبا. غير أن ذلك لم يعد قائمًا الآن، بل يتسم العصر الحالي بالوعي المتزايد بالذات، ولم تعد الشعوب تُظهر تعبدًا لأوروبا، ولكنهم الآن يظهرون إحساسًا متناميًا بقيمتهم الذاتية وطموحهم للحصول على مكانة بارزة في عالم يتجه إلى تعددية في المراكز والثقافات.

كما تؤكد باومان أن حتى وقت قريب كانت أوروبا هي المركز وباقي العالم هامشًا، وكان المرء يعرف أوروبا بناءً على “مهمتها العولمية”. وقد جعلت أوروبا من البلاد الأخرى أسواقًا لتصريف منتجاتها، ومصدرًا للعمالة غير المكلفة والمطيعة، وللطاقة والمعادن الرخيصة. لكن الكاتب يرى أن كل ذلك انتهى الآن، فقد انتهت الحلول العالمية للمشاكل الأوروبية المحلية. ومن هنا جاء فقدان أوروبا المفاجئ لثقتها بنفسها، وسعيها للبحث عن “هوية أوروبية جديدة” وفي “إعادة تحديد دور” أوروبا في اللعبة الكوكبية التي تغيرت فيها القواعد والمصالح على نحو جذري وما تزال تتغير بتأثير أوروبي محدود، إن كان لها أي تأثير.

لقد صار من الشائع إلقاء اللوم لفقدان أوروبا لهيمنتها الاقتصادية والعسكرية على النهوض المذهل للولايات المتحدة واحتلالها موقع القوة العظمى الوحيدة عالميًا ومركز الإمبراطورية العالمية، فكل الطرق الاَن تؤدي إلى واشنطن.

ثم يناقش الكاتب مسألة كون الولايات المتحدة الأمريكية هي إمبراطورية العالم، والتطورات السياسية والاقتصادية على الصعيد العالمي وظهور الإرهاب ومحاربته، ويرى باومان بأن التبعات المأسوية التي يعاني منها العالم تتحمَّلها الولايات المتحدة الأميركية نتيجة سياساتها التي تعتمد القوة العنيفة لا العلاقات الإنسانية، ولذلك يدعو باومان إلى جعل “الكوكب مضيافًا لقيم وأساليب أخرى من الوجود أكثر من تلك التي تمثلها القوة العسكرية الأميركية العظمى وتروِّج لها”.

ويرى الكاتب أن أوروبا الآن تتبع منطقان متكاملان (وربما متناقضان) في التعامل مع الأزمة العالمية، وهما منطق التحصين المحلي، ومنطق المسئولية العالمية التي تتطلب إعادة تشكيل شبكة الاعتماد المتبادل والتفاعل المشترك … ويقول باومان أن مهمة أوروبا الوحيدة الآن لاستعادة مكانتها من جديد؛ هي مهمة روحية وثقافية لنشر الأخلاق والقيم والمبادئ التي اكتسبتها واختبرتها على مدار تاريخها الحديث عبر العالم.

____________________

* المصدر: أحمد محمد علي، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، مركز خطوة، 16 يوليو 2023، https://2u.pw/GvMAEQz.

** ماجستير في العلوم السياسية، جامعة القاهرة.

كتب نيكولو مكيافيلي (1469 -1526) كتابه “الأمير” Il Principe عام 1513 ونشر الكتاب عام 1532 أي بعد ست سنين من وفاته.  وقد قصد منه إهداءه إلى أمير من أسرة “مديشي” في مدينة فلورنسا الإيطالية، ومن المشكوك به أن هذا الإهداء قد حصل أو أن هذا الكتاب كان له دور ما في مسير الأحداث في إيطاليا، لكن الكتاب -كما هو معلوم- نال شهرة واسعة ترافقت مع سمعة سيئة، واختزلت أفكاره في مقولة موجودة بالفعل في الكتاب: “في كافة أعمال البشر -وخاصة الأمراء- فإن الغاية تبرر الوسيلة” (ص 91).

وقد احتاج مكيافيلي إلى قرنين أو ثلاثة من بعد ليجد “تقديره العادل” في الغرب، حيث يًعد مؤسسًا لعلم السياسة الحديث أو هو “معلم الطبقات الصاعدة أصول الحكم” بحسب تعبير المفكر الإيطالي الشهير غرامشي! وفي عرضنا هذا نريد المساهمة في إيصال القارئ العربي إلى الأرضية المعرفية التي تستند إليها بالفعل السياسة الحديثة، ويشكل كتاب مكيافيلي عرضًا موجزًا كثيفًا لها. دون أن نستبعد مقدرة ثقافتنا العظيمة على تقديم نماذج أكثر إنسانية للممارسة السياسية.

يعالج مكيافيلي في الكتاب طرق الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، وعبر الكتاب (باستثناء الفصل الأخير الذي يدعو فيه إلى تحرير إيطاليا) لا ترى إلا أن هذا الهدف هو “الفضيلة الوحيدة” التي يجب أن تخدمها كل الفضائل والرذائل معًا! وفي اعتقادي أن الكتاب لو كان هذا هو الوحيد الذي يميزه لما استحق شهرته الواسعة، ولصح فيه ما قاله محمد علي (1769 – 1848) -حاكم مصر الشهير ومؤسس مصر الحديثة- عندما أراد مترجم أرمني أن يقرأ عليه كتاب الأمير، وبعد أن استمع قليلاً أحس بالملل وقال للمترجم: “لا يوجد في الكتاب شيء لا أعرفه وأنا أعرف حيلاً أكثر من هذه”!

أعتقد أنه ما من طاغية من طغاة العالم كان بالفعل في حاجة إلى “نصائح” الكتاب، فهم بدون حاجة إليه يطبّقون طرقه في الوصول إلى السلطة وممارستها، لكن الكتاب ذو دلالة كبيرة بالفعل لأنه يشكل أول عمل مكتوب يوضح بصورة صريحة جلية منطق السياسة المعاصرة (التي أسّسها الغرب ونقلها للآخرين). وفي عمل مكيافيلي نجد بصورة واضحة صريحة لا نفاق فيها ولا مجاملة مبدأ فصل السياسة عن الأخلاق والقيم المتجاوزة لمصلحة النظام السياسي. وبهذا يعد الكتاب آية من آيات “العقلانية” كما تفهمها الحضارة الغربية الحديثة، أي المبدأ الذي يسميه الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري “العلمانية الشاملة”، والتي تعني، لا فصل الدولة عن الدين، بل فصل القيم الأخلاقية المطلقة عن الحياة كلها.

يُعد كتاب “الأمير” آية من آيات “العقلانية” كما تفهمها الحضارة الغربية الحديثة، حيث فصل السياسة عن الأخلاق والقيم المتجاوزة لمصلحة النظام السياسي.

ينطلق المؤلف من أنه يريد وصف الواقع كما هو وليس الواقع المثالي كما يتخيله هذا الكاتب أو ذاك: “لا أود الوصول إلا إلى الحقيقة وليس تخيلها، وإن الأصح هو أن نكتب ما يفيد الآخرين وليس ما نتخيله، فقد تخيل الكثيرون جمهوريات لم ترها عين إنسان أو تخطر على ذهن آخرين غيرهم وليس لها وجود في الحياة التي نحياها، وشتان بين حياتنا كما نحياها وبين ما ينبغي أن تكون” (ص 78).

يتألف الكتاب (وهو صغير الحجم) من ستة وعشرين فصلاً تتناول أنواع الحكومات المختلفة بحسب طرق الوصول إلى السلطة فيها (بين من وصل إلى السلطة بالوراثة ومن وصل إليها بجهوده الخاصة أو بالاستعانة بقوى خارجية أو داخلية)، وينثر المؤلف ملاحظاته وقراءاته للتجارب المختلفة القريبة والبعيدة ويحدد من منظوره لماذا نجح بعض الأمراء في الاحتفاظ بالسلطة وأخفق آخرون، ثم ينتقل للحديث عن العلاقة مع الجيش وأنواع القوى التي يستعين بها الحاكم من قوى عسكرية خاصة به أو قوى يستأجرها وهي قوى المرتزقة أو قوى يستعين بها من حكام آخرين، ويبحث في كيفية الاحتفاظ بالولايات الجديدة التي ضمها الأمير إلى إمارته، ويوصي باستعمال طريقة الاستيطان في فقرة مهمة جدًا أعتقد أنها تلقي ضوءًا على دوافع المشاريع الاستيطانية في العصر الحديث وآخرها كان المشروع الاستيطاني الصهيوني (انظر الكتاب ص 26 – 27).

يبحث الكتاب في كيفية الاحتفاظ بالولايات الجديدة التي ضمها الأمير إلى إمارته، ويلقي ضوءًا على دوافع المشاريع الاستيطانية في العصر الحديث.

ثم يبحث في موضوع أخلاق الأمير ومدى ضرورة التزام الأمير بالأخلاق التي يثني عليها الناس، ودائمًا من منظور تأثير ذلك على هدف الاحتفاظ بالسلطة وتقويتها وتوسيعها إن أمكن، ثم يبحث مسائل من نوع علاقة الأمير بالمستشارين ومن الذين يجب أن يستشيرهم وما طرق الاستشارة، ثم يبحث مسألة دور الحظ في النجاح السياسي، ثم ينهي الكتاب بدعوة الأمير الذي يهدي إليه الكتاب إلى استلام المبادرة لتحقيق تحرير إيطاليا من “البرابرة”.

يناقش الكتاب دومًا الأفعال لا من منظور الحكم الأخلاقي المطلق الذي يمكن أن يطلق عليها، بل من منظور ملاءمتها لتأدية الغاية التي رأيناها، وهي غاية الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، وفي سبيل ذلك لا يناصر المؤلف القتل العشوائي للناس لكنه يراه ضروريًا عند لزومه! قتل أولفرتو خاله جيوفاني الذي رباه ومعه أعيان المدينة التي استقبلته بحفاوة والمؤلف يبرر ذلك: “كان جميع من قتلهم يستطيع إفساد الموقف لو ظلوا أحياء كما أنه حصّن نفسه بالجديد من الأنظمة سواء المدنية أو العسكرية بطريقة تجعله لا يأمن على نفسه فقط خلال عام واحد يقضيه في مدينة “فيرمو” ولكنه أيضًا يصبح مصدر خوف لجميع جيرانه” (ص 54). وينصح المؤلف من يستولي على ولاية جديدة أن يرتكب الجرائم “الضرورية” مرة واحدة لكي لا يضطر أن يعود إليها في وقت آخر!

وفي رأيه أن “الأخطاء” يجب أن ترتكب دفعة واحدة أما المزايا فيجب إعطاؤها إلى الرعايا جرعة جرعة حتى يستمتعوا بها ويشعروا بفائدتها! ( ص 55).

يدرس المؤلف العلاقات بين أطراف ثلاثة في الإمارة: الشعب والنبلاء (الأرستقراطية) والأمير. وهو يرى أن الأمير الذي يحصل على السلطة عن طريق مساعدة الشعب يحتفظ بها بصورة أسهل ممن يحصل عليها عن طريق تأييد النبلاء، فمحبة الشعب سهلة لأنه لا يريد سوى العدل أما محبة النبلاء فصعبة وهم يرون أنفسهم أندادًا للأمير بخلاف الشعب! (ص 58).

وعبر الفصول ينصح المؤلف الأمير أن لا يعتمد إلا على قواه الخاصة، وأن يظل على حذر ممن يساعده في الوصول إلى السلطة. وفي كثير من الحالات على الأمير أن يصفّي من ساعدوه ويبني قواه الخاصة المؤلفة من أناس أحسن هو إليهم ولم يحسنوا هم إليه! على أنه لا يغفل الإشارة إلى فوائد محبة الشعب للأمير خصوصًا في حالات مهاجمة العدو، ولكنه دومًا ينظر إلى هذه المحبة بعين التشكك وينصح الأمير بوسائل “لدعمها” من إغراء أحيانًا وتخويف أحيانًا أخرى! وسنذكر المزيد عن هذا بعد قليل.

يحذر المؤلف من الاستعانة بالمرتزقة وهو يعيد خراب إيطاليا إلى هذه الاستعانة (ص 67)، وعنده أن الاستعانة بقوى حكام آخرين هي بعد أسوأ لأن هؤلاء “إن خسروا المعركة تكون أنت قد هزمت وإن ربحوها ستبقى أسيرًا لتلك القوات” (ص 72). ويختصر رأيه بالقول إن خطورة المرتزقة هي أنهم جبناء وخطورة القوى الغريبة المستعان بها أنها شجاعة! (ص 73). وهو يعيد رأيه هذا بطرق مختلفة: “الأمير المحنّك يفضل الهزيمة بقواته الخاصة على النصر على يد قوات الآخرين” (ص 73)، “إن استخدام أسلحة الآخرين غير مجد أيضًا وقد تعوقك أو تشل حركتك أو تشكل عبئًا عليك” (ص 74)، “لا سلامة لأمير يحتمي بقوات مسلحة غير قواته الوطنية” (ص 74).

 الأمير النموذجي هو الأمير الذي يفكر في الحرب حتى في أوقات السلم: “ينبغي للأمير ألا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب، ونظامها… فهذا هو الفن الوحيد اللازم لمن يتولى القيادة”.

الأمير النموذجي هو الأمير الذي يفكر في الحرب حتى في أوقات السلم: “ينبغي للأمير ألا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب، ونظامها… فهذا هو الفن الوحيد اللازم لمن يتولى القيادة” (ص 77) وهو يقول إننا لن نرى رجلاً مسلحًا يطيع رجلاً أعزل!

يبحث مكيافيلي في موضوع التزام الأمير بالأخلاق، وهو على مألوف طريقته لا يبحث في الموضوع بصورة مجردة بل يبحث فيه من منظور تأثيره على غاية الاحتفاظ بالسلطة. وهو ينطلق من رؤية متشائمة للطبع البشري: “من الممكن أن نقول عن عامة البشر أنهم ينكرون المعروف ويحبون المراوغة في الحديث ومراؤون… هم أعوانك طالما استفادوا منك… ولكن حين تقترب الأخطار ينقلبون عليك” (ص 86).

من المستحسن أن يبدو الأمير خيّرًا ولكن عليه أن لا يعبأ بانفضاح بعض الرذائل التي يصعب من دونها المحافظة على الولاية وعليه أن يحترس فقط من تلك التي تسبب هلاكه! (ص81). ويفصل القول بأمثلة ملموسة من الفضائل، فسخاء الأمير مرغوب به قبل الوصول إلى السلطة أما الأمير حديث العهد بالسلطة فيضر السخاء به! وسيذكر الناس للأمير إن كان مقتصدًا أنه قام بأعمال عظيمة دون أن يثقل كاهل شعبه بالضرائب، على عكس المفرط في السخاء الذي يستفيد من سخائه أفراد قليلون ولكنه يفتقر فيضطر لفرض الضرائب الباهظة التي تجلب له الكراهية.

وينتقل المؤلف إلى أثر الشدة واللين في قوة السلطة فيرى أن الشدة في مكانها المناسب مع عدد قليل هي أفضل من اللين الذي يتسبب في اضطرابات تسيل لها كثير من الدماء. ومن المستحسن أن يحب الناس الأمير لكنه إن وجب عليه الاختيار بين أن يكون مهابًا وأن يكون محبوبًا فعليه أن يختار المهابة: “إن البشر يترددون في الإساءة إلى من يحبون أقل من ترددهم في إيذاء من يهابون” (ص 87) ويقول “الناس يحبون بمحض إرادتهم الحرة لكنهم يخافون حسب رغبة الأمير”! (ص 88).

ويبحث المؤلف مسألة الالتزام بالعهود والمواثيق فيرى أن الالتزام الدائم بالعهود خطأ فالأمراء الذين حققوا أعمالاً عظيمة هم أولئك الذين لم يلتزموا بالعهود إلا قليلاً! (ص89) “على الأمير ألا يحفظ عهدًا يكون الوفاء به ضد مصلحته” (ص 90) لكن الأمير عليه أن يخفي هذه القناعة بمهارة!

يرى المؤلف أن الإنسان فيه جانب حيواني، وعلى الأمير أن يكون في الوقت نفسه ثعلبًا وأسدًا يخيف كالثاني ويستطيع تجنب الأفخاخ كالأول! (ص 90).

ومن المهم أن يجتنب الأمير شيئين: الاحتقار والكراهية، وضرورة اجتناب الاحتقار يمكن عدها موضوعًا للكتاب كله، أما عن اجتناب الكراهية فيذكر المؤلف أن الأمير لا يجوز له أن يكون جشعًا ويثير عداء الناس بالاعتداء على ملكياتهم أو اغتصاب نسائهم (ص 92). ولعلك ترى أنه حتى مكيافيلي كان أعقل بكثير وأكثر “أخلاقية” عمليًا من حكام كثيرين في زماننا!

يبحث مكيافيلي في فقرة خاصة في دور الحظ ويقول ببصيرة نافذة إن الحظ يشبه نهرًا هائجًا قوي التيار يفر الناس من أمام قوته المخربة، لكنهم إن أقاموا الجسور والمنشآت المناسبة وقت هدوئه سيتمكنون من ترويضه وجعل مياهه تسير في القنوات المناسبة لهم.

ينهي المؤلف كتابه بفقرة تخالف كل ما رأيناه من اتجاه لا يهتم بغير السلطة لذاتها فيناشد الأمير بحرارة أن يكون مخلص إيطاليا: “إن إيطاليا تتضرع إلى الله كي يرسل إليها من يخلصها من قسوة البرابرة وإهاناتهم كما أنها مستعدة للعمل تحت لواء يرفعه أي إنسان ولا أمل لإيطاليا الآن إلا أن يتزعم مقامكم العالي هذا التحرير” (ص 122).

 

استهدف هذا الكتاب -الذي أعده د. فؤاد عبد الله العمر في (948) صفحة من القطع المتوسط، وطبعته دار اقرأ للنشر والتوزيع بدولة الكويت، عام 1440هــــ/2019م في طبعة أولى- دراسة واقع إدارة المؤسسة الوقفية في العالم الإسلامي، ساعيًا إلى بيان محاور تطوير مؤسسة راشدة، تدير الأعيان الوقفية، تتسم بالاستمرارية والفاعلية، وتتوفر فيها الديمومة المالية، والسعة المؤسسية المنشودة؛ بغية تحقيق غايات الوقف ومتطلبات العصر الحديث، ومن ضمنها تقديم خدمة أفضل للفئات المستحقة في المجتمع.

ولأجل ذلك، فقد تكوَّن الكتاب من تسعة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول مقدمة الدراسة وبيان أهميتها، بالإضافة إلى الإشارة إلى مراحل نشأة الوقف والأمانة العامة للأوقاف، والحاجة إليها في دولة الكويت، مع التركيز على مشكلة الدراسة وأداتها، بالإضافة إلى تحليل الدراسات ذات الصلة، وبيان منهجها.

في حين تناول الفصل الثاني من الكتاب تطور الوقف ومؤسسته في التاريخ الإسلامي، والتحديات التي واجهته على مر العصور، وتطور أدائه في التاريخ الإسلامي، وأنواع الواقفين، وحجج الأوقاف وتطورها وأهمية كتابتها وتوثيقها، والأعيان الموقوفة وتطورها، وإدارة الوقف (أو النظارة) ومسؤوليات ناظر الوقف المختلفة، بالإضافة إلى استعراض أهمية الرقابة على الوقف وإجراءاتها ووظائفها، مع التزامها بالأحكام الشرعية وبسلطة القضاء.

وتوقف الفصل الثالث عند بيان أسباب هلاك الأوقاف، وردها إلى عوامل طبيعية مثل: الحرائق، وعوامل بشرية استطرد الكتاب في بيانها، مثل: الحروب والغزوات، والاعتداءات من قِبل الاستعمار والحكام وغيرهم، وسوء الإدارة، والمزالق الأخلاقية من قِبل بعض النظار وبعض القضاة، وغياب الشفافية، والإهمال وعدم العمارة.

كما أبرز الكتاب -في هذا الفصل- جهود الإصلاح وعدم فاعليتها أحيانًا، نظرًا لعوامل عديدة، منها: غياب النموذج المؤسسي، وغياب الديمومة المالية، وتغيرُّ أنواع الحاجات المجتمعية، وضعْف الأوقاف الذرية.

أما الفصل الرابع فقد احتوى على تحليل لتطور إنشاء المؤسسات الوقفية المستقلة، وأهم اتجاهات تشريعاتها ومكونات عملها، بغرض التعرف على دواعيها ومميزاتها، حيث تضمن الفصل تحليلاً وافيًا للمؤسسات الوقفية الحديثة من أبعاد عدة، من ضمنها: الالتزام بالأحكام الشرعية، وتحليل التشريعات، والإدارة، والاستثمار، والموارد، والتصرفات الاستثمارية، وتوزيع الريع، والتنظيم، والموارد المالية،… إلخ.

وأجرى الكتاب في الفصل الخامس منه دراسة تطبيقية لإحدى المؤسسات الوقفية، وهي الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، حيث تناول مراحل تأسيسها والتحديات التي واجهتها، مع التركيز على البيئة التشريعية والرقابية لحسن عملها، وبيان كيفية تحقيق الديمومة المالية والدعم المجتمعي للأمانة العامة للأوقاف، مع تحليل أهم عوامل الفعالية ودروس النجاح والإخفاق في تجربة الأمانة.

وأبرز الكتاب ما قدمته الأمانة العامة للأوقاف من مبادرات مهمة منذ نشأتها، مثل: مبادرتها بتفعيل العلاقات مع الواقفين عر تسهيل إجراءات الواقفين الجدد، والتواصل مع الواقفين والاستفادة من آرائهم، ورعاية أسر الواقفين، وصرف نصيب الورثة في الأوقاف المشركة.

كما وضَّح الكتاب كيفية قيام الأمانة بالتطوير في العديد من المجالات منذ بدايات نشاطها، مثل: تطويرها إستراتيجية مناسبة لتطوير العمل الوقفي، وتطوير مجالات الاستثمار وتوزيع الريع، بالإضافة إلى الاهتمام بمجلس النظار (مجلس شؤون الأوقاف)، الذي تضمن الكتاب تحليلاً لدوره البالغ في قيادة الأمانة نحو الاهتمام بتحسن الأداء وتطوير الفعالية، وتوفر بيئة العمل المناسبة، والمحافظة على سمعة المؤسسة وترسيخ الثقة بها.

واستكمل الفصل السادس الدراسة التطبيقية للمؤسسة الوقفية (الأمانة العامة للأوقاف)، ولكن من زاوية تحليل فعالية الأداء، عبر قياس قدرة المؤسسة الوقفية على تنمية الأصول والاستثمار (الأداء الاستثماري للأوقاف)، وعلى توزيع الريع، وعلى تنمية الموارد والاستمرارية المالية (الأداء المالي- الفاعلية بقياس التكلفة مقابل الأنشطة- تنوع الموارد).

وخلص هذا التحليل لفعالية الأداء إلى اقتراح بعض التوصيات المهمة لتطوير العمل الاستثماري في المؤسسة الوقفية (الأمانة العامة للأوقاف)، مثل: تطوير الإطار المؤسسي لتطوير الأصول الاستثمارية، وتطوير الضوابط المناسبة، مثل: الضوابط الشرعية، والضوابط العامة للاستثمار، بالإضافة إلى كيفية زيادة القدرة الاستثمارية والبناء المؤسسي لإدارة الاستثمار، وتوسيع نطاق الحصول على الفرص الاستثمارية المناسبة، وتطوير نظام المتابعة الدورية للاستثمارات ومتابعة الاستثمارات المتعثرة.

أما الفصل السابع فقد تناول تجربة المؤسسة الوقفية في استخدام التمويل لممارسة حق الأولوية لأسهم أحد المصارف الإسلامية، من خلال دراسة حالة عملية؛ هي حالة الأمانة العامة للأوقاف، نظرًا لنجاح إستراتيجيتها في الاستثمار في الأسهم والأوراق المالية، حيث انتهت تلك الدراسة إلى أن التغير في أسلوب إدارة الأوقاف إلى أسلوب (المؤسسة) مع توفر ترتيبات إدارية أخرى، مثل: الاستقلالية في اتخاذ القرار، والاستعانة بجهات استثمارية في تنفيذ بعض جوانب العملية الاستثمارية، وتنوُّع أصول الأوقاف، ودعم الدولة، ووجود اقتصاد متحرك- كل هذه العوامل أسهمت في تنامي العوائد الوقفية للمؤسسة الوقفية.

وقد أثبت الكتاب صحة هذه الملاحظات، من خلال دراسة عملية لحالة تمويل مصرفي لأحد أصول المؤسسة الوقفية، حيث أوضحت تلك الدراسة أن استخدام التمويل ساهم في تنامي العوائد، وزيادة رأس المال الوقفي للمؤسسة الوقفية حتى بلغ 12.608.126 دينارًا كويتيًّا (بعد تسديد التزامات التمويل كافة)، وذلك على الرغم من الانخفاضات الحادة في الأسواق المالية، خلال فترة التمويل نتيجة الأزمة المالية العالمية.

كما خلصت تلك الدراسة إلى أن التوسع في استخدام التمويل يتطلب وجود الضوابط اللازمة المناسبة لضمان عدم ضياع الأصول الوقفية، مثل: الضوابط الشرعية، والضوابط العامة (المرتبطة بطريقة اتخاذ القرار التمويلي، والإجراءات المرتبطة بالحكم الصالح، والشفافية، والإفصاح) والضوابط الموضوعية (التي تركز على حماية العين الموقوفة وحسن استثمارها).

وتناول الفصل الثامن تحليل أهم العوامل الأساسية المقترح تطبيقها بهدف استحداث مؤسسة وقفية راشدة وفاعلة، أو تطوير ما هو قائم حاليًا، حيث انتهى إلى أن تطوير أي مؤسسة وقفية يمكن أن يتم من خلال محاور ستة. وتضمن هذا الفصل شرحًا تفصيليًّا لكل محور من تلك المحاور، وهي: ملاءمة التشريعات- الموارد واستمرارها- أهداف المؤسسة وغاياتها- فاعلية التنظيم- رُشْد الإدارة- الخدمات المقدمة وتوزيع الريع.

وقد اختُتم الكتاب بالفصل التاسع الذي اقتصر على تلخيص للتوصيات والمقترحات، التي طرحها المؤلف لتطوير إدارة الأوقاف على الوجه المذكور في كل فصل من فصوله، والتي تمت الإشارة إلى بعضها عند الاستعراض السابق لمحتويات كل فصل من فصول الدراسة.

والحقيقة أن الكتاب به الكثير من مواطن القوة، من أبرزها -مثلاً- أن مؤلفه له خبرة عملية كبيرة في إدارة مؤسسات التمويل الإسلامي وفي العمل الخيري بصفة عامة، والوقف بصفة خاصة، حيث تولى عددًا من المناصب القيادية في بعض المؤسسات الوقفية المهمة، بالإضافة إلى دراسته الأكاديمية المتعلقة بالإدارة، حيث حصل على درجة (الدكتوراة) في الإدارة من جامعة (لستر) في المملكة المتحدة.

وقد جاء الكتاب الذي بن أيدينا في سياق اهتمام المؤلف بتطوير منظومة العمل الخيري بصفة عامة، حيث تزامن إصدار الكتاب مع صدور ثلاثة كتب أخرى للمؤلف نفسه، تركز على دراسة إدارة ثلاث مؤسسات -غير مصرفية- قائمة على الأحكام الشرعية، تقوم بثلاثة مجالات من العطاء والرعاية، اهتمت بها الشريعة الإسلامية، ولكن لم تأخذ حظها من التوثيق والممارسة العملية بمثل ما أخذت من التنظير العلمي والإفتاء الفقهي، مما أسهم بدوره في ثراء أطروحات الكتاب الماثل نحو تطوير إدارة الأوقاف، بعد أن جمع بين النظرية العلمية والخبرة العملية، فلم يقتصر على بيان النموذج المؤسسي الفعال في إدارة الوقف، إلا بعد أن درس واقعه بعمق، منذ نشأة الوقف حتى وقتنا الحاضر، واستعان في ذلك بالتطبيق على واحدة من أهم المؤسسات الوقفية في العالم الإسلامي، وهي «الأمانة العامة للأوقاف» التي تتولى إدارة ملف الأوقاف نيابة عن دولة الكويت، التي اختيرت «الدولة المنسقة لجهود الدول الإسلامية في مجال الوقف»، بموجب قرارات المؤتمر السادس لوزراء أوقاف الدول الإسلامية بالعاصمة الإندونيسية جاكرتا في أكتوبر من سنة 1997م.

كما استعان الكتاب كذلك بالخبرات الحديثة والواقعية للتنظيمات الخيرية الغربية المشابهة للوقف، مثل: نظام (الترست)، مما أسفر في النهاية عن توصيات واضحة وتفصيلية باتخاذ تدابير عملية محددة، لتطوير إدارة الوقف في العالم الإسلامي تصلح غالبيتها للأخذ بها في الحال.

ومن ثم فإن هذا الكتاب يُعدّ مرجعًا حقيقيًّا للقائمين على إدارة الوقف في العالم الإسلامي، والمهتمين بتطويرها لتنمية قدراتها على تفعيل دور الوقف في تنمية المجتمعات العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تمكينه من الإسهام بقوة في إثراء العمل الخيري والإنساني بصفة عامة.


* نقلاً عن: مجلة أوقاف، إدارة الدراسات والعلاقات الخارجية بالأمانة العامة للأوقاف- دولة الكويت، ع: 40، السنة الحادية والعشرون، رمضان 1442هـ/ مايو 2021م، ص195-199.

يمثل هذا الكتاب أحد الجهود العلمية المبذولة في سبيل إحياء تراث الأستاذ الدكتور حامد ربيع، وهو موضوع رسالة ماجيستير عن إسهامات أ. د. حامد ربيع في التراث السياسي الإسلامي للأستاذ عبده إبراهيم تحت عنوان: “التجديد السياسي عند حامد ربيع: دراسة في ضوء المنظور الحضاري”، وتأتي هذه الدراسة تجسيدًا لما مثله أ. د. حامد ربيع باهتمامه بمختلف فروع العلوم السياسية من نقلة حضارية للعلوم السياسية في الوطن العربي، فقد اهتم بمختلف فروع العلوم السياسية برؤية منهجية جمعت بين المعرفة الغربية، وقيم وأصالة التراث الإسلامي، وشمولية التراث الإنساني، وأسهمت إبداعاته الفكرية المتنوعة والمتكاملة وثوابته الحضارية ورسالته الكفاحية في الاهتمام بهموم أمته فهو عالم “حمل هم أمته في عقله وفكره وإنتاجه العلمي المتنوع..”، وكانت له رؤية تجديدية تمثلت في موضوعاته التي اهتم بها، وكذلك طريقة تناوله لها، وتعامله معها، في الوقت نفسه الذي امتاز بمنظور حضاري شامل أسهم من خلاله في تقديم رؤية حضارية لعلم السياسة العربي، تتضمن رؤية تجديدية نابعة من قلب الحضارة الإسلامية، وفي هذا السياق فقد جاءت هذه الدراسة “القيمة” للتعرف على جانب من إسهام حامد ربيع  الموسوعية، وقد ركزت على جهوده في التجديد الحضاري من منظور معرفي إسلامي.

وقد قام بتقديم الكتاب أ. د. سيف الدين عبد الفتاح أحد أنجب تلاميذ د. حامد ربيع المباشرين، ومما جاء في هذا التقديم:

” كان إحياء تراث أستاذي الدكتور حامد عبدالله ربيع (رحمة الله عليه) -ولا يزال- واحدًا من أهداف حياتي العلمية الأساسية، ولكم كانت سعادتي كبيرة عندما تحدث معي تلميذي عبده إبراهيم بشأن رغبته في أن يكون موضوع رسالته في الماجستير عن إسهامات أستاذنا الدكتور حامد ربيع في التراث السياسي الإسلامي، وبعد مناقشات ومداولات كثيرة استقر رأينا على أن يكتب في (التجديد السياسي عند حامد ربيع دراسة في ضوء المنظور الحضاري)، ولقد أنجز رسالته على خير ما يكون ولاقت استحسان لجنة المناقشة التي رأت أنها رسالة علمية ممتازة ومتميزة. إن الاهتمام بأستاذنا الدكتور حامد ربيع يحتاج إلى مشروعات بحثية تقوم عليها مؤسسات ومراكز بحثية، وهذا الكتاب وغيره من الكتب –التي سبق وأشرف على إصدارها قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية– إنما تمثل لبنات مقدرة في مشروع إحياء تراث هذا العلم الكبير.

فحامد ربيع هو أحد رواد علم السياسة في مصر والعالم العربي، يمتد مشروعه في مجالات علوم السياسة وقضاياها وتفريعاتها المتنوعة، وتشكل آثاره ومصنفاته ركيزة أساسية في مدرسة علم السياسة العربية، وتعبر عن حقبة تاريخية مهمة هي بمثابة عقدة إستراتيجية في تاريخ أمتنا المعاصر، خصوصا أن هذه الفترة شهدت معظم الأحداث الكبرى التي تشكلت على أساسها المنطقة العربية، ولا تزال متأثرة بها حتى يوم الناس هذا، وبالأخص أحداث وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي/ الصهيوني، والذي أولاه “ربيع” العناية والاهتمام البالغين، وقدم فيه الرؤية الحضارية العميقة الكاشفة عن طبيعة هذا الصراع الذي وصفه ربيع نفسه بالمصيري.

إلا أن إسهام ربيع الأساسي -والذي لا يزال يحتاج إلى دراسة أعمق واهتمام أكبر- يتمثل في إسهاماته في النظرية السياسية والتراث السياسي الإسلامي؛ وهو المقصد الذي وفقني الله تعالى لتحقيقه، وذلك بالقيام على تحرير وإعادة نشر إسهام أستاذنا في هذا المجال محققًا ومدققًا، وقد صدر تحت عنوان (مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي)، وبالرغم من ذلك فإن المجال الربيعي في أفكاره ومدوناته وآثاره لا يزال في حاجة إلى اهتمام أكبر يسهم في الكشف عن جواهره التي لا تقل قيمة وعمقا وثراء عن إسهام كبار المفكرين في النماذج الحضارية الأخرى قديمًا وحديثا.

وبالنسبة إلى النص الربيعي الذي دارت حوله هذه الدراسة، فإنه يلزم النظر إليه بوصفه نصًا حضاريًا جامعًا بين أضلاع مثلث من الخصائص، وهذا المثلث بدوره يشكل مجهر الرؤية والاهتمام للباحث في النص الربيعي بعموم؛ وتتمثل أضلاع هذا المثلث في كفاحية العالم، بنائية الخطاب، وكليات الفكر والنظر”.

وقد اشتملت الدراسة على ثلاثة فصول: الفصل الأول تناول الخريطة الإدراكية للأستاذ الدكتور حامد ربيع، أما الفصل الثاني فقد تناول إسهاماته المنهجية، أما الفصل الثالث فقد تناول مسألة الحضارة الإسلامية والتجديد السياسي عبر قراءة أ. د. حامد ربيع في إطار مقارن مع آخرين من مدرسة المنظور الحضاري.

 

رابط مباشر للكتاب