موقع حوارات

موقع حوارات

الطعن رقم  ۱۰۸ حكم ٥ ۷ ق  

مكتب فني (سنة ٤ ۱ –  قاعدة  ۳۰ –  صفحة  ۱۳۷)

جلسة ٨ يناير سنة ١٩٩٠

حضر السيد المستشار/ محمد إبراهيم خليل نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ منير توفيق نائب رئيس المحكمة، عبد المنعم إبراهيم، عبد الرحيم صالح وعلي محمد علي.

المحكمة

بعد استماعه للأوراق وسماع التقرير الذي تلاه القاضي القاضي وبعد المدولة.

حيث إن الطعن تم استحضاره شكليا.

وحيث إن الوقائع -على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن- تتحصل على أن بنك الطاعن موجود في مكانه رقم ٩٥٣ بتاريخ ١٩٨٤ مدني كلي بنيف على الشركة المطعون ضدها الحكم القضائي بإلزامها ذلك لأن له مبلغ ١٣٥٠ جنيه وما يستجد من فوائد على مبلغ ٢٦٤٦٥ .610 جنيه بواقع 17% حتى تمام السداد، وقال بيانًا لذلك أنه قد صدر اسماءه الحكم في القسم رقم 2273 لعام 1983 مدني كلي سويف بإلزام المطعون ضدها بوضوح الأخير الثابت في ذمتها تمامًا مصادقة موقعها منها، ولما كان يشارك لها بفوائدها بواقع 17% طبقًا لقرارات البنك المركزي نفاذًا لأحكام المادة 7/د من القانون 12/1975 بدءًا من تاريخ الاستحقاق في 30/6/1981 وجملتها 135 جنيهًا باستثناء ما يستجد، وقد أقامت قضيته السالفة، وبتاريخ 8/3/1986 حكمت محكمة أول درجة برفض ما جاء، وأتى الطاعن بهذا الحكم بالاستئناف رقم 81 قرار 24 قيادته أمام المحكمة بني سويف التي حكمت في 5/11/1986 بتأييد الحكم المختار. الطعن في هذا الحكم هو شخصية النقض، نيابة عن المتهمين الرئيسيين الذين نقضوا الحكم، ورئيسوا الطعن على هذا القاضي في غرفة محاكمة تحديد جلسة لنظره وفيها التزمت بحكم حكمها.

وحيث إن الطعن يرفض سببين ينعى بهما الطاعن على الحكم المطعون فيه الذنب في تطبيق القانون إذ أنشأ قضاءه برفض دعواه على عدم دستورية القانون المدني في التمتع بالمنافع لمعارضها مع شرعية الشرعية والمصدر للتشريع لأحكام الدستور، في حين أن القانون الوضعي هو المصدر الرسمي للتشريع أم المحاكمة الشرعية الإسلامية فهي المصدر الذي يستلهم المشرع في قضائه ولا يرجع إليه إلا في حالة عدم وجود نص قانوني يحكم ما.

وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك النص أن في المادة الثانية من الدستور على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ليس واجب العمل بذاته إنما هو دعوة للشارع بحيث تكون هذه الشريعة المصدر الرئيسي فيما يضعه من القوانين. ومن ثم فاناط في تطبيق الشعيرات الإسلامية لدعوته وإفراغ مبادئها السمحاء في نصوص القوانين التي يلتزم القضاء على تطبيقاتها بدأ من تاريخ الترخيصه السلطة الشرعية لريانها، والقول بغير ذلك يؤدي إلى التكامل بين الالتزام والقضاء على القانون الوضعي وباتباع الضوابط الشرعية التي تتبى مع حدود ولايته، ونؤكد هذا النظر أنه لما كان الدستور المصري قد حدد السلطات الدستورية وأوضح حصريا كل منها، وتم الفصل بين السلطات هو السيطرة على النظام الدستوري مما اضطره إلى أنه لا يجوز له أن يتجاوز ما قرره الدستور فقط القانون الأسمى، حيث تعمل وظيفة السلطة والسيطرة على تشغيله. تطبيق قوانين جديدة والآن يجب عليها تشغيلها، ويفضلًا عن ذلك، المادة ١٩١ من الدستور وتقرر أن كل ما قررته القوانين واللوائح من تحميل قبل صدور هذا الدستور يظل صحيحًا وافذًا، ومع ذلك يجب تفعيلها أو تعديلها وفقًا للقواعد المقررة في هذا الدستور، ومن ثم لا يوجد مجال هنا للتحدي بأحكام الشريعة الإسلامية ما دام أن السلطة القضائية لم تتقن مبادئها في وضعي. لما كان ذلك، بموجب الدستور الدستوري العالي قد قضت بجلسة 4/5/1985 برفض عدم دستورية نص المادة 226 من القانون المدني ونشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 16/5/1985، ولم يتم حذف الحكم المطعون فيه رغم ذلك على الحكم المنتهي فيما بعد من إهدار نص المادتين ٢٢٦، ٢٢٧ من القانون المدني لمعارضهما مع شرعية الشريعة الإسلامية التي أقرها الدستور مصدرًا رئيسيًا للتشريع، يمكن أن يكون قد يخالف القانون وأخطاء في تطبيقه بما في ذلك يوجب نقضه.

الاجندة – محكمة النقض المصرية 2023

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

باسم صاحب السمو أمير الكويت

الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح

المحكمة الدستورية

بالجلسة المنعقدة علنًا بالمحكمة بتاريخ ١٥ من محرم ١٤٣٩هـ الموافق 5 أكتوبر ٢٠١٧م.

برئــاســة الــسيــــد الـــمـــســتــشــار/ يوسف جاسم المطاوعة رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين/ خالد سالم على ومحمد جاسم بن ناجي
وخالد أحمد الوقيان وإبراهيم عبد الرحمن السيف
وحــــضــــــــــور الـســـيــــــــد/ عبد الله سعد الرخيص أمين سر الجلسة

صدر الحكم الآتي:

في الطعن المباشر بعدم دستورية القانون رقم (۷۸) لسنة (۲۰۱٥)

في شأن البصمة الوراثية. المرفوع من: مرزوق خليفة مفرج الخليفة.

والمقيد في سجل المحكمة الدستورية برقم (٦) لسنة ٢٠١٦ “طعن مباشر دستوري”.

الوقائع

أقام الطاعن (مرزوق خليفة مفرج الخليفة) طعنًا -أمام هذه المحكمة- بطريق الادعاء الأصلي المباشر بعدم دستورية القانون رقم (۷۸) لسنة ٢٠١٥ في شأن البصمة الوراثية، وذلك بموجب صحيفة أودعت إدارة كتاب هذه المحكمة بتاريخ 13/6/2016، حيث قيد الطعن في سجلها برقم (٦) لسنة ۲۰۱٦، وأسس الطاعن طعنه على سند من القول بأن القانون المطعون عليه قد صدر مستهدفًا إنشاء قاعدة بيانات لحفظ البصمات الوراثية للعينات الحيوية التي تؤخذ من الأشخاص الخاضعين لأحكامه، تستعين بها الجهات المختصة في تحديد هوية المشتبه فيهم والتعرف على أصحاب الجثث المجهولة، فألزم من خلاله جميع المواطنين والمقيمين والزائرين وكل من دخل الأراضي الكويتية بإعطاء العينة اللازمة لإجراء فحص البصمة الوراثية متى طلب منهم ذلك، حيث تناول القانون في المادة (1) منه النص على أنه في تطبيق أحكام هذا القانون تكون للكلمات والعبارات التالية المعاني الموضحة قرين كل منها:

البصمة الوراثية: هي خريطة الجينات البيولوجية الموروثة والتي تدل على شخصية الفرد وتمييزه عن غيره، وتمثل السمات البيولوجية أو الخط الجيني للمواقع غير المشفرة عالية التبيان في الحمض النووي الكروموزومي التي تنتج من تحليل الحمض النووي بالعينات البيولوجية. العينة الحيوية: الجزء الذي يؤخذ من الجسم البشري أو إفرازاته الحيوية بهدف إجراء المقارنة لتحديد الشخصية. قاعدة بيانات البصمة الوراثية: نظام حاسب آلي تخزن فيه البيانات التي تحوي السمات الوراثية للحمض النووي للأشخاص المخزن بياناتهم. الوزير: وزير الداخلية. الوزارة: وزارة الداخلية.

وألزمت المادة (۲) وزارة الداخلية بإنشاء قاعدة بيانات تخصص لحفظ البصمات الوراثية الناتجة عن العينات الحيوية التي تؤخذ من الأشخاص الخاضعين لهذا القانون، وأحالت المادة (۳) من القانون للائحة تنفيذية تنظيم أحكام أخذ العينات الحيوية المنصوص عليها في المادة السابقة، متطلبة تلك المادة أن يتم التسجيل بقاعدة بيانات البصمة الوراثية خلال سنة من تاريخ إصدار هذه اللائحة، على أن يصدر وزير الداخلية قرارًا بالتنسيق مع وزارة الصحة بتحديد المكلفين بأخذ العينات الحيوية والأماكن المحددة لذلك، وألزمت المادة (٤) الأشخاص الخاضعين لأحكام هذا القانون بإعطاء العينة اللازمة لإجراء الفحص متى طلب منهم ذلك، وخلال الموعد المحدد لكل منهم، مع التزام جميع جهات وأجهزة الدولة بمعاونة المختصين على أخذ العينات الحيوية اللازمة، وأبانت المادة (٥) حالات الاستعانة بقاعدة بيانات البصمة الوراثية، وأضفت المادة (٦) السرية على البيانات المسجلة بتلك القاعدة، كما أسبغت عليها صفة المحررات الرسمية، وأجازت المادة (٧) تبادل البيانات والمعلومات بشأن البصمات الوراثية مع الجهات القضائية الأجنبية والمنظمات الدولية وفقًا لأحكام القوانين المعمول بها في الدولة بشرط المعاملة بالمثل، وتكفلت المواد (۸) و(۹) و(۱۰) بتحديد العقوبات الجزائية عن الأفعال المؤثمة طبقًا لهذا القانون وحددت المادة (۱۱) نطاق سريان ذلك القانون والمخاطبين بأحكامه، وعهدت المادة (۱۲) إلى مجلس الوزراء -وبناء على عرض الوزير المختص- إصدار اللائحة التنفيذية للقانون وذلك في خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل به، ونصت المادة (۱۳) على العمل بهذا القانون اعتبارًا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

وبنى الطاعن طعنه في القانون سالف الذكر على سند حاصله ما يلي:

أولاً: أن عبارات نصوص هذا القانون قد جاءت بالغة العموم والسعة ومفتقدة للتحديد الجازم لضوابط تطبيقها، ومفتقرة إلى عناصر الضبط والإحكام الموضوعي، منطوية على خفاء وغموض وتجهيل يؤدي إلى الالتباس في معناها، ويُثار الجدل في شأن حقيقة محتواها، وأن هذا التجهيل يفضي إلى الإخلال بحقوق كفلها الدستور كتلك المتعلقة بالحرية الشخصية المنصوص عليها في المادة (۳۰) من الدستور، إذ فرض على المواطنين والمقيمين والزائرين وكل من دخل الأراضي الكويتية إجراء فحص البصمة الوراثية متى طلب منهم ذلك، وفي خلال الموعد المحدد لكل منهم، وألزمهم بإعطاء العينة الحيوية لهم بقوة القانون ودون إرادتهم، أو موافقتهم، أو إجازتهم السابقة، وذلك لحفظها قاعدة البيانات رغم تعلق ذلك بحق لهم هو من الحقوق اللصيقة بالشخص بموجب في إنسانيته وأدميته.

ثانيًا: إهدار القانون لأصل البراءة التي جُبل الإنسان عليها والذي حرص الدستور على النص عليه في المادة (٣٤) منه.

ثالثًا: مخالفة القانون لمبدأ شخصية العقوبة المنصوص عليه في المادة (٣٣) من الدستور، إذ فرض تطبيق العقوبات الواردة في القانون في حالة الامتناع عن إعطاء العينة الحيوية، ولو كان الامتناع عن إعطاء تلك العينة لمن له عليهم ولاية أو وصاية أو قوامة، في حين أنه قد تتوافر لديهم الأهلية اللازمة لتوقيع العقوبة عليهم، إذ لا تلازم بين الولاية على النفس أو المال وبين انعدام المسئولية الجنائية للخاضع للولاية، وأن الامتناع عن إعطاء العينة قد يكون من جانبهم وراجعًا إليهم، على الرغم من أن الأصل في شرعية العقوبة أن بينها وبين شخصية العقوبة صلة لا تنفصم، فهما ترتبطان بمن كان مسئولاً عن ارتكاب الجريمة، فالأصل في الجريمة أن عقوبتها لا يتحملها إلا المسئول عنها قانونًا، ذلك بأن الشخص لا يحمل إلا وزر نفسه، ولا يُدعى إلى حمل وزر غيره، فعاقبة الجريمة لا يؤخذ بها إلا من جناها، ولا يُعاقب عنها إلا شخص من قارفها، فضلاً عن أن من شأن تطبيق ذلك في حالة امتناع من هو في ولاية المكلف بها عن إعطاء العينة، أن يسود الخلاف والشقاق بين الأب وأبنائه في الأسرة الواحدة، بدلاً من جو التماسك والوفاق، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض الأسرة، والإخلال بوحدتها، وهدم كيانها، لتصبح الأسرة كيانًا مهددًا، ضعيف في أواصره، قاصرًا عن أداء دوره، متعارضًا مع ما أكده الدستور في المادة (۹) منه على أن الأسرة أساس المجتمع ووجوب الحفاظ على كيانها وتقوية أواصرها.

رابعا: مخالفة القانون لمبدأ فصل السلطات، إذ فوض السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الداخلية بوضع أحكام أخذ العينات الحيوية على الرغم من عدم جواز التفويض التشريعي في المسائل المحجوزة أصلاً للمشرع، وهو ما أكدته المادة (٥٠) من الدستور والتي لم تُجز لأي سلطة النزول عن كل أو بعض اختصاصها المنصوص عليه في الدستور، فضلاً عن أن ما تضعه السلطة التنفيذية من أحكام بخصوص أخذ العينات يترتب عليه عقوبات جزائية، وهو ما يخالف المادة (۳۲) من الدستور التي تقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون بما يسفر عن مخالفة جلية للدستور.

خامسا: أن القانون المطعون عليه توسع في نصوصه في تحديد أوجه الاستعانة بالبصمة الوراثية فجعل منها تحديد هوية المشتبه فيهم والتعرف على ذويهم، وكذلك أية حالات أخرى تقتضيها المصلحة العليا للبلاد، فأقحم بذلك أمر التعرف على ذوي المشتبه فيهم دون داع، وبغير تحديد للمقصود أصلاً بالمشتبه فيهم، كما جاءت عبارة (المصلحة العليا للبلاد) عامة، مطلقة، مرنة، بالغة السعة، بما يُفسح المجال لتأويل معناها، وإدخال العديد من الأفعال في مدلولها على نحو يبرز معه وجه أخر من وجوه عدم الدستورية.

وأضاف الطاعن بأنه كويتي الجنسية ومن المخاطبين بأحكام هذا القانون، كما أن من شأن تطبيقه عليه أن يكون احتمال الإضرار به راجحًا بإنزال العقوبة عليه في حالة امتناع ولديه القاصرين -وهما في سن الأهلية الجزائية- عن إعطاء العينة لإجراء البصمة الوراثية لهما، وهو مما يوفر له المصلحة الشخصية المباشرة في الطعن على ذلك القانون بعدم الدستورية.

وحيث إن هذا الطعن قد عرض على المحكمة -في غرفة المشورة- بتاريخ 17/10/2016، وقررت تحديد جلسة 21/12/2016 لنظره، وتم قيد الطعن في سجل المحكمة برقم (٦) لسنة ۲۰۱٦ “طعن مباشر دستوري” وجرى نظره على الوجه المبين بمحاضر جلساتها، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيه بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة وبعد المداولة.

حيث إنه مما ينعاه الطاعن في طعنه بعدم الدستورية على القانون رقم (۷۸) لسنة ٢٠١٥ في شأن البصمة الوراثية أنه قد صدر مخالفاً للدستور، إذ ألزم جميع المواطنين والمقيمين والزائرين وكل من دخل الأراضي الكويتية بإعطاء العينة اللازمة لإجراء الفحص متى طلب منهم ذلك وخلال الموعد المحدد لكل منهم، وفرض عقوبة على من يمتنع عمدًا ودون عذر مقبول عن إعطاء تلك العينة، وذلك بقصد إنشاء قاعدة بيانات للبصمة الوراثية تخصص لحفظ البصمات الوراثية الناتجة عن العينات الحيوية التي تؤخذ من هؤلاء الأشخاص الخاضعين لأحكامه، وذلك وفق نصوص تضمنها القانون صيغت بعبارات بالغة السعة والعموم، مفتقدة إلى التحديد الجازم لضوابط تطبيقها، منطوية على إخلال بالحرية الشخصية، وانتهاك خصوصيته، وحقه في حماية جسده من الاعتداء بالمخالفة للمادتين (۳۰) و(۳۱) من الدستور، وهو ما يصم القانون برمته بعدم الدستورية.

وحيث إن المادة (۲) من القانون رقم (۷۸) لسنة ٢٠١٥ في شأن البصمة الوراثية تنص على أن “تنشأ بوزارة الداخلية قاعدة بيانات للبصمة الوراثية، وتخصص لحفظ البصمات الوراثية الناتجة عن العينات الحيوية التي تؤخذ من الأشخاص الخاضعين لهذا القانون”.

وتنص المادة (٤) من ذات القانون على أنه “لا يجوز للأشخاص الخاضعين لأحكام هذا القانون الامتناع عن إعطاء العينة اللازمة لإجراء الفحص، متى طلب منهم ذلك وخلال الموعد المحدد لكل منهم…”.

كما تنص المادة (۸) من القانون على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من امتنع عمدا ودون عذر مقبول عن إعطاء العينة الحيوية الخاصة به أو بمن له عليهم ولاية أو وصاية أو قوامة”.

وتنص المادة (۱۱) منه على أن “تسري أحكام هذا القانون على جميع المواطنين والمقيمين والزائرين وكل من دخل الأراضي الكويتية على النحو الذي تنظمه اللائحة التنفيذية”.

وحيث إن الدستور أكد الحرية الشخصية كحق طبيعي من حقوق الإنسان، فنص في المادة (۳۰) منه على أن “الحرية الشخصية مكفولة”، ونص في المادة (۳۱) على أنه “لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون. ولا يعرض أي إنسان للتعذيب أو للمعاملة الحاطة بالكرامة”، دالاً بذلك على اعتبار الحرية الشخصية أساسًا للحريات العامة الأخرى وحق أصيل للإنسان، ويندرج تحتها تلك الحقوق التي لا تكتمل الحرية الشخصية في غيبتها، ومن بينها حق الفرد في صون كرامته والحفاظ على خصوصياته التي يحرص على عدم تدخل الناس فيها بعدم امتهانها وانتهاك أسراره فيها إعمالًا لحقه في احترام مناطق خصوصيته، ذلك أن ثمة مناطق وجوانب خاصة بالفرد تمثل أغوارًا لا يصح النفاذ إليها. وينبغي دومًا ألا يقتحمها أحد ضمانًا لسريتها وصونًا لحرمتها، فكل ما يتعلق بخصوصية الفرد هو جزء من كيانه لا يجوز لأحد أن يناله أو يطلع عليه إلا بإذنه الصريح. وإذا كان تنظيم الحرية الشخصية يقع في نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، إلا أنه من غير الجائز أن يفرض المشرع تحت ستار هذا التنظيم قيودًا يصل مداها إلى حد نقض هذا الحق أو الانتقاص منه أو إفراغه من مضمونه.

وحيث إنه من المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أنه وإن كان غموض النصوص التشريعية عامة يعيبها، إلا أن غموض النصوص لا سيما المتعلقة منها بنصوص جزائية خاصة وانغلاق فهمها يصمها بعدم الدستورية، لما يمثله ذلك من إخلال بالجوانب القانونية الجزائية بقيمها وضوابطها وأهدافها وقواعدها الإجرائية، والتي تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان المشرع بموجب المواد سالفة البيان من قانون البصمة الوراثية رقم (۷۸) لسنة ۲۰۱٥ قد فرض على جميع المواطنين والمقيمين والزائرين وكل من دخل الأراضي الكويتية التزاماً بإعطاء العينة الحيوية اللازمة لإجراء فحص البصمة الوراثية متى طلب منهم ذلك وخلال الموعد المحدد لكل منهم، وفرض عقوبة على كل من يمتنع منهم عن إعطاء تلك العينة عمداً ودون عذر مقبول، وأوجب تسجيل نتائج الفحوصات التي تجرى في هذا الشأن في قاعدة بيانات البصمة الوراثية التي تنشأ بوزارة الداخلية وتخصص لحفظ جميع البصمات الوراثية، مما مؤداه أن تصبح هذه السجلات التي تحوي قاعدة بيانات البصمات الوراثية بمثابة سجلات تكشف أمور الحياة الخاصة لكل من تواجد على الأراضي الكويتية، باعتبار أن البصمة الوراثية لكل إنسان تحوي كل صفاته الشخصية التي تميزه عن غيره وتوضح نسبه وعائلته والأمراض الوراثية فيها، وأسراره الطبية الدفينة، وهو ما يمثل انتهاكا صارخًا للحرية الشخصية التي حرص الدستور على صونها، كما جاءت النصوص المشار إليها عامة يطبق حكمها على جميع الأشخاص سالفي البيان، ودون رضاهم بشأن ما أمروا به أو حتى صدور موافقة أو إجازة سابقة منهم تتعلق بحق لهم، هو من الحقوق اللصيقة بالشخص بموجب إنسانيته وآدميته منتهكا القانون حق الفرد في الخصوصية، كما أطلق القانون التحليل دون أن يقصره على إعطاء الحد الأدنى الضروري من المعلومات، والذي يكفي لتحقيق الغاية التي صدر من أجلها القانون ودون أن يبين القانون مآلها بعد الوفاة، أو كيفية ووسيلة تصنيف المعلومات المأخوذة من البصمات الوراثية، أو يُسبغ الحماية الواجبة على العينات ذاتها مكتفيًا بتقرير سريتها في حين أن الأمر مختلف ما بين الحماية والسرية، وهو ما يعيب القانون ويصمه بعدم الدستورية. ولا يغير من ذلك ما قد يسهم فيه ذلك القانون عند تطبيقه من الحفاظ على الأمن والمساعدة في كشف الجرائم وتحديد ذاتية مرتكبيها والتعرف على هوية الجثث المجهولة، إذ أن ممارسة الدولة لحقها في حماية الأمن العام يحده حين ممارسته حق الفرد الدستوري في كفالة حريته الشخصية، بما يقتضيه ذلك من الحفاظ على كرامته واحترام مناطق خصوصيته بعدم امتهانها أو انتهاك أسراره فيها دون مقتضى. وهو ما يتعين معه القضاء بعدم دستورية المواد (۲) و (٤) و(۸) و(١١) من القانون رقم (۷۸) لسنة ٢٠١٥ في شأن البصمة الوراثية.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكانت باقي مواد القانون سالف البيان إنما تتعلق بتعريف العبارات الواردة بالقانون، وإصدار لائحته التنفيذية وكيفية الاستعانة بقاعدة بيانات البصمة الوراثية وسرية بياناتها وكيفية تبادلها مع الجهات الأجنبية، وعقوبة إفشاء أسرارها وتزوير محررات متعلقة بها، وهي ترتبط بالنصوص المقضي بعدم دستوريتها ارتباط لزوم لا يقبل التجزئة بحيث لا يتصور وجودها بدونها، ومن ثم فإن القضاء بعدم دستورية المواد الأولى يرتب سقوط باقي مواد القانون سالفة البيان تبعًا لذلك، دون حاجة -من بعد- إلى التعرض إلى باقي ما أثاره الطاعن من مناع بعدم دستورية باقي نصوص القانون لزوال تلك النصوص التي كانت محلاً لهذه المناعي بقضاء هذه المحكمة بعدم الدستورية، وسقوط باقي مواد القانون.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولاً: بعدم دستورية المواد (۲) و ( ٤ ) و ( ٨) و (١١) من القانون رقم (۷۸) لسنة ٢٠١٥ في شأن البصمة الوراثية.

ثانيًا: بسقوط باقي مواد القانون لارتباط هذه المواد بالمواد المقضي بعدم دستوريتها ارتباط لزوم لا انفصام فيه.

أمين سر الجلسة رئيس المحكمة

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم صاحب السمو أمير الكويت

الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح

المحكمة الدستورية

جلستنا المنعقدة بالمحكمة بتاريخ 30 ذو القعدة ١٤٢٨هـ موافق ۱۰ ديسمبر ۲۰۰۷م.

بـرئـــاســة الـســـيـــد الــمـستشــار/ راشد عبد المحسن الحماد رئـــيــــــس الـــمــحـــكـــمــــــــــة

وعضوية السادة المستشارين/       يوسف غنام الرشيد وفيصل عبد العزيز المرشد كاظم محمد المزيدي 

وريد يعقوب الشـراح

وحـــــضـــــــــــور الـــــســــــيـــــــد/ فيصل عيد الشريدة أمين سر الجلسة

في القضية المرفوعة من المحكمة الجنائية (الدائرة الإدارية الأولى) في القضاء رقم (314) نهائياً 2006 إداري / 1:
المرفوعة من:

  1. جاسم عبد الله جاسم الحمود.
  2. جاسم كاظم عبد الله جاسم .
  3. خالد جاسم محمد أرحيل الشمري.

ضــــد:

  1. وكيل وزارة الشئون الاجتماعية كما هو الحال
  2. رئيس مجلس خدمة المدنية

والمقيدة بسجل المحكمة الدستورية برقم (۷) نهائي ۲۰۰۷ "دستوري".

الوقائع

حيث حصلت على الحقائق -حسبما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق- أن دعت إلى إنشاء رقم (۱۰۷٩) منذ ٢٠٠٥ إداري /٣، الحكم الحكم: أصلي: بقرار إلغاء مجلس الخدمة المدنية رقم (۱۱) تماما ۲۰۰۵ بالإضافة إلى وظائف الموظفين الكويتيين العاملين بالجهات وهي حملة مؤهلة للمحاسبة أو الحقوق أو القانون، واعتبارها مفهوما لم يكن كافيا، واحتياطيا: بتسويق أدواتهم بمساواتهم فيما بينهم وظائف مستقلة من حملة تحديد الحقوق أو القانون مع ما يترتب على ذلك من القمع.

وبيانًا لذلك قال المدعون المتخصص يعمل بوزارة الشئون الاجتماعية بوظيفة (باحث قانوني)، الأول منذ تاريخ 20/6/1995، المعتمد من 30/1/1999، يختار من 1/3/1997، ويحملون مؤهلين جامعيًا في الشريعة، وقد قرروا مجلس الخدمة المدنية رقم (11) لمدة ۲۰۰۵ متضمنًا قصر تطبيق المتطلبات المالية، على الرغم من أن الموظفين الكويتيين يتقنون العمل بشكل مستقل مع الجهات الحكومية من حاملي الحقوق أو القانون متحكمًا، الموظفون الكويتيون الذين يفرضون ضوابطهم القانونية، على الرغم من أن تصنيفهم الوظيفي ضمن إطار المسؤولية القانونية لما أسفرت عن ديوان خدمة دينية، بما في ذلك التمييز بين الحملة المدنية، أو القانون والحملة، والقوانين العامة للأشخاص ذوي الوظائف، يصممون جماعة المطعون فيه بعيب مخالفة القانون، مما فضلوا صدوره مشوبًا بعيب الانحراف في استخدام السلطة، وتباين المؤيدون تظلموا من تنافسوا. المشار إليه لم يتلقوا ردا على تظلمهم، فقد أقاموا دعوا طلباتهم سالفة البيان.

ونظروا في نظر المحكمة حدد المدعون طلباتهم بشكل نهائي بحقهم في دراسة النتائج التي قرروها بقرار مجلس الخدمة المدنية رقم (١١) بحلول ٢٠٠٥ وأسوة بالموظفين الكويتيين حصلوا على مؤهلات الحقوق أو القانون. جلسة 31/5/2004 حكمت المحكمة بقبول اعتبارها، ورفضها موضوعًا، فاتخذ المعمدون هذا الحكم بالاستئناف رقم (314) بحكم 2006 إداري /1، ونظر هذا النظر في دفع الطاعن الثالث لعدم صدور قرار مجلس الخدمة المدنية رقم (11) نهائي ۲۰۵ ولا وظائف ومكافآت الموظفين الكويتيين حملة الخريجين المؤهلين للتخصصات المحاسبية أو الحقوق أو القانون في الهيئات الحكومية، وذلك فيما يتعلق باشتراكه في هذه العضوية من تفرقة -في منح مكافأة المستوى الوظيفي ومكافأة التشجيعية- بين حملة مؤهل الحقوق أو القانون ولها إجازة جامعية مجانية من خريجي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية على الرغم من وظائفهم العمال، حيث انضمت فرقة تشترك مع المادتين (۲۹) و (۱۷٩) من الدستور خلالها بمبدأ العمل، فضلا عن أن من الكون المساس بالحقوق المحظورة، وجلسة 24/6/2007 صدور حكم المحكمة بقبول القبول وتشكيلها، ووقف الفصل في موضوع المطالبة، وإحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل في مدى دستورية قرار مجلس الخدمة المدنية رقم (11) نهائي ۲۰۰٥، وذلك بتاريخ 23/7/2005، وتأسيسها على أنه قد سبق لديوان الخدمة المدنية العامة 1999 أن وضع المسميات الوظيفية لأداء الوظائف التخصصية، محددًا مجموعة وظائف القانون، مرجعية الوظائف، وظائف الشئون الإسلامية، وتخصيص هذه الوظائف حسب أنواع العمل الرئيسية والفرعية وفقًا لمتطلبات الجهاز الحكومي، كما تم ترتيبها وتحديد متطلباتها، وما لها من مواصفات محددة، وقد أورد رقم (6) الذي انظم مجموعة وظائف القانون والسياسة والشؤون الإسلامية، تعريفًا للمقصود بالمؤهلات التخصصية اللازمة لشغل هذه الوظائف وهي تخصصات علمية في مجال القانون والشريعة، وبالتالي أضحى متميزون بالقضاة الشرعيين المستوفيين لشروط واضحة في أحكام أسوة بأقرانهم الأصليين على مؤهل الحقوق أو القانون، حيث تم تعيينهم في هذه الوظائف، وتمت ترقيتهم لها، واكتسبوا مركزًا قانونيًا ذاتيًا لا يجب المساس به، غير اختلافنا عن الممتعون فيه متضمنًا منح الشاغلين للوظائف الشرعية التخصصية مكافأة المستوى الوظيفي والمكافأة التشجيعية، وقصر هذا الاستحقاق على حملة ترشيح الحقوق أو القانون أوم دون شاغليها حملة قضائية شرعية على الرغم من مركزهم القانوني على الرغم من ذلك، مركزهم القانوني ويامهم بواجبات تلك المهام ومسئولياتها بما فيها من تمييز غير مشرف -من وجهة النظر القضائية- ينافي للمختصين بين المساهمين في الحقوق، كما أن من المتمكن والمساندين المساهمين في استحقاق جميع الوظائف المقررة لوظائفهم قانونًا، مما يتبنى تجانسًا حزبيًا شبه غير دستوري لمخالفته ممارسة المادتين (۲۹) و(۱۷٩) من الدستور، فضلًا عن أن الفصل في موضوع يختلف المطروح إنما يدور حول انطباق العمل المتعاون فيه على المتكاملين، الأمر الذي يقتضي إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية لبيان مدى حدوث هذا الاختراع -باعتباره الأساسية للتطبيق- مع القانون.

وقد ورد ملف القضايا إلى إدارة هذه المحكمة، وتخضع لها بسجلها برقم (۷) لعام ٢٠٠٧ “دستوري”، وتمت مراعاة ذوي الشأن لذلك، وتودع الطاعن الثالث مذكرتين طلب في ختامهما الحكم لعدم دستورية قرار مجلس الخدمة المدنية رقم (۱۱) لسبب ٢٠٠٥ بدأ بتاريخ 23/7/2005، وذلك بفضل اشتراكه في هذا التشجيع من إبانه بالعدالة والمساواة بعد البعديات الفاحصين من حملة شرعية القانون من نطاق تطبيقه، وقصره للميزات المالية تقدم به نظرهم المسجلين حملة الحقوق المؤهلة أو القانون لمخالفة ذلك لأحكام الدستور، كما أودع الطاعن الثالث حافظتي مستندات طويتا على صور ضوئية من الكاتب الذي كتب تقريره بالقرار المرسوم فيه، وأودعت إدارة الفتوى والتشريع، ورأى أن الحكومة طلبت في ختامها الحكم الأصلي: عدم قبول قرار الدستورية لتجهيل بالمسألة الدستورية، ولانتفاء المقبولين، واحتياطياً: برفض الولاية.

وقد نظرت هذه المحكمة في الوجه المبين بمحضر الجلسة، وأشار الطاعن الثالث إلى الوثيقة الثالثة وتعقيبًا على ما ورد بمذكرة الحكومة سالفة الذكر، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة 12/10/2007، وصرحت لمن يشاء تقديم خلال مذكرة عشرة أيام، ولم يقدم أحد أي مذكرات خلال هذا الهدف، حيث انتهت جلسة الحكم اليوم.

المحكمة

بعد الترجمة على الأصول، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.

حيث إن إدارة الفتوى والتشريع لا يجوز قبول القانون الدستوري على سند من القول حكم الإحالة إلى المحكمة الدستورية قد يقتصر على إحالة الأمر إليها للفصل في مدى دستورية قرار مجلس خدمة المدنية رقم (۱) نهائي ۲۰۰٥ برمته، دون تحديد أو النص بيان أو النصوص التي شابها عيب عدم دستورية في هذا التشجيع وأوجه مخالفتها للدستور، حتى يمكن تحديد الدستورية على الضوء تحديدًا كافيًا بما في ذلك التجهيل بها، فضلًا عن أن من شارك في صدور حكم عدم دستورية تطوعي يعتبر أساسًا أساسًا لمطالبة (المدعين) في إفادة من تشغيله ، ويجرد دعواهم الموضوعية من سندها، الأمر الذي تنتفي معه مصلحتهم في الطعن بعدم الدستورية، بما يستوجب القضاء بعدم الاختصاص الدستوري.

وحيث إن هذا الدفع مردود بما في ذلك هو ثابت من الأصول من أن الدفع عدم دستورية المثار أمام محكمة الموضوع - على ضوء ما أبداه (المدعون) في طلباتهم المركزية- لم ينصرف إلى ما هو محدد به برمته، نريد إنشاء نطاق الدفع فيما بعد شامله هذا التشجيع من القراءة المرغوبة تقدم المالية على حق مؤهل الحقوق أو القانون الذين يتمتعون بالقدرة على تقديم الرخصة دون رخصة تقديم الطلبات للقانون الخاص الذين يجرون ذاتهم، كما أن حكم الإحالة جاء مفصحًا عن وظيفة المخالفة التي علقت بالقرار الطعين في هذا الخصوص، والنصوص الدستورية التي تساندها، كافيًا فيما يتعلق به في هذا الأمر للدلالة على أن العيب المسمى به والذي حق بالقرار محل الطعن إنما يتعلق بموقف إلى الإعاقة الذي يمنع في عدم دمجها حكمًا في هذا تداخل دعا إليها إيراده حتى تنأى بـه عن مخالفة تحميل الدستور، ومنبئًا -حكم الإحالة- عن زوم الفصل في سيادة الدستورية للفصل في الموضوعية، والذي عمل على تشجيع المطالبين فيه -بالصيغة التي أفرزها- دون إفادة (المدعين) بأحكامه، وبالتالي فإن المصلحة (المدعين) في الدستورية -التوصل إلى تأكيد طلباتهم في دعواهم الموضوعية- تكون متحققة، مما يغدو الدفع المثار من إدارة الفتوى والتشريع في هذا الموضوع غير قائم على أساس سليم، ومن ثم متعينا رفضه.

وحيث إن إجراءات الإحالة إلى هذه المحكمة قد استوفت أحكامها قانونًا.

وحيث إن الثابت من الأوراق أن مجلس الخدمة المدنية أصدر القرار رقم (۱۱) لسنة ۲۰۰۵ بشأن وظائف ومكافآت الموظفين الكويتيين حملة المؤهل الجامعي تخصص محاسبة أو حقوق أو قانون في الجهات الحكومية، متضمنًا منح الموظفين الكويتيين حملة المؤهل الجامعي تخصص حقوق أو قانون المعينين على درجات مجموعة الوظائف العامة بجدول المرتبات العام، العاملين في مجال التخصص، الشاغلين للوظائف القانونية التخصصية الواردة بالجدول رقم (۲) المرافق لهذا القرار، والشاغلين لوظائف إشرافية على هذه الوظائف مكافأة مستوى وظيفي، ومكافأة تشجيعية بالفئات الواردة بالجدول رقم (۳) المرافق لهذا القرار، كما منح القرار الموظفين الكويتيين حملة المؤهل الجامعي تخصص حقوق أو قانون المعينين على درجات مجموعة الوظائف القيادية بجدول المرتبات العام العاملين في مجال التخصص مكافأة تشجيعية، هذا وقد نص القرار على أن تأخذ كل من مكافاة المستوى الوظيفي والمكافأة التشجيعية حكم المرتب، فتصرف كاملة أو مخفضة تبعًا له، على أن يتم وقف صرف هذه المكافآت في حالة نقل أو ندب الموظف إلى وظيفة أخرى لا تدخل ضمن الوظائف القانونية التخصصية الواردة بالجدول رقم (۲) المشار إليه، كما نص القرار أيضًا على عدم جواز الجمع بين هذه المكافآت أية بدلات أو مكافآت مقررة لهذه التخصصات، وكذلك المكافآت التي تصرف بصفة شخصية، وقد اشتمل الجدول رقم (۲) المرافق لهذا القرار على بيان بالوظائف القانونية التخصصية المتدرجة فنيًا، متضمنًا تحديد كل وظيفة منها، وشروط شغلها، مبينًا قرين كل منها فئة مكافأة المستوى الوظيفي المقررة لها، وقد ذيل هذا الجدول بملاحظات تضمنت الإشارة إلى أنه “يقصد بالمؤهلات التخصصية الواردة بشروط شغل الوظائف في هذا الجدول التخصصات في مجال الحقوق أو القانون”، كما احتوى الجدول رقم (۳) المرافق لذات القرار -والمتعلق بالمكافأة التشجيعية للموظفين الكويتيين حملة المؤهل الجامعي تخصص حقوق أو قانون الذين يعملون في مجال التخصص- على بيان بدرجات الوظائف، موضحًا قرين كل درجة منها فئة المكافأة المقررة لها.

وحيث إن مبنى النعي على القرار سالف الذكر -حسبما يبين من الأوراق وحكم الإحالة- أنه قد انطوى على تمييز بين الموظفين الكويتيين الذين يشغلون وظائف قانونية في الجهات الحكومية من حملة مؤهل حقوق أو قانون وبين الموظفين الكويتيين من حملة مؤهل الشريعة الشاغلين لذات الوظائف بهذه الجهات، إذ أفرد للطائفة الأولى معاملة مالية خاصة، وأورد القرار فيما اشتملته نصوصه حكمًا بتقرير أحقيتهم في صرف مكافأة مستوى وظيفي ومكافأة تشجيعية تضاف إلى المرتب الذي يتقاضونه، مستبعدًا القرار من نطاق تطبيقه أفراد الطائفة الثانية، على الرغم من أن وضعهم الوظيفي يستوي مع الطائفة الأولى مثلًا في المركز القانوني ويشغلون أيضًا وظائف قانونية، حيث منح القرار بمقتضى هذا الحكم الطائفة الأولى تلك الميزة وهذا الحق، ومنعه عن الطائفة الأخرى، دون أن يكون لهذه المغايرة في تلك المعاملة من سند يستقيم معه وجه معتبر لحرمانهم منها، إذ عول القرار على المؤهل الدراسي المتطلب لشغل الوظائف القانونية كشرط للإفادة من هذا الحكم دون أن يتعدى أثره إلى من توافرت فيهم شروط شغل هذه الوظائف من قبل، وما فتئوا شاغلين لها، فضلًا عن أنهم ما برحوا يعملون في مجال هذا التخصص، مسقطًا القرار أحقيتهم في هذه المعاملة المالية دون مبرر أو سبب موضوعي مقبول، ومخلًا بأوضاع ومراكز قانونية تكاملت عناصرها واستوفيت مقوماتها في ظل قواعد قانونية كانت سارية قبل صدور القرار، بما يمثل ذلك إهدارًا لما تقتضيه المساواة بين هاتين الطائفتين في مجال تطبيقه، فضلًا عن مساسه بالحقوق المكتسبة، وذلك بالمخالفة الأحكام المادتين (۲۹) و(۱۷۹) من الدستور.

وحيث إن مبدأ المساواة من المبادئ الدستورية العامة المقررة في معظم النظم الدستورية، وهو مبدأ مسلم به حتى مع خلو نصوص بعض الدساتير من الإشارة الصريحة إليه، بحسبان أنه يستخلص ضمنًا من مجموعة المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون. هذا المبدأ حضت عليه الأديان السماوية، وتضمنته المواثيق الدولية، ويعتبر ركيزة أساسية للحقوق والحريات جميعًا، ودعامة من دعامات المجتمع، وميزانًا للعدل والإنصاف، لذا فقد حرص الدستور على التأكيد عليه حيث تناوله في عدد من نصوصه، فنص عليه صراحة في المادة (۲۹) منه التي قضت بأن “الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو الدين “وهو النص المتمم لنص المادة (۷) من الدستور الذي يقضي بأن “العدل والحرية والمساواة من دعامات المجتمع”، ولنص المادة (۸) الذي يقضي بأن “تصون الدولة دعامات المجتمع وتكفل الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص للمواطنين، ولا جدال في أن ما تضمنه نص المادة (۲۹) سالف البيان هو حكم عام وخطاب موجه إلى جميع سلطات الدولة، تلتزم به السلطة التشريعية فيما تسنه من قوانين، كما تلتزم به السلطة التنفيذية فيما تصدره من لوائح وقواعد تنظيمية وقرارات فردية، كما تلتزم به السلطة القضائية فيما تتولاه متعلقًا بشئون العدالة وقضائها بين الناس.

والمساواة في جوهرها تعني التسوية في المعاملة بين المتماثلين وضعًا أو مركزًا، والمغايرة في المعاملة بين المختلفين وضعًا أو مركزًا، والمقصود بمبدأ المساواة لدى القانون هو أن يكون الجميع أمام القانون سواء لا تفرقة بينهم أو تمييز، فالحقوق والمزايا التي يمنحها القانون وينعم بها الناس يستظلون بها وفق قواعد موحدة، وتحظى من القانون بحماية واحدة وبدرجة متساوية، والواجبات والالتزامات التي يفرضها القانون على الناس يخضع لها الجميع على السواء دون تفرقة بينهم أو أن يقيل القانون أحدًا منها، كما أن المساواة في مجال الوظيفة العامة تعني أن يتساوى الجميع فيما يتعلق بشروط التعيين فيها وشغلها، وذلك وفقًا لمقاييس موحدة لدى توافرها، وأن يعامل الموظفون ذات المعاملة من حيث الحقوق والواجبات والمزايا المقررة للوظيفة وفق قواعد موحدة، إلا أنه يتعين في هذا المجال التفرقة بين التمييز غير الجائز، وبين التقسيم أو التصنيف الجائز والذي تنطوي عليه بعض التشريعات التي تخص جماعة أو أفرادًا أو فئة أو طائفة بحكم قانوني خاص أو معاملة خاصة، والتقسيم أو التصنيف الجائز ينبغي أن يرتب المعاملة أو الحكم القانوني الخاص بها على أساس توفر صفة معينة، أو وجود واقعة خاصة ومتميزة تربطها بالنتيجة التي يرتبها هذا الحكم رابطة منطقية يمكن الوقوف عليها وتحديدها، بحيث لا تكون منفصلة عن النتيجة التي يرتبها الحكم.

لما كان ذلك، وكان البين من القرار المطعون فيه أنه بعد أن قام بتصنيف الوظائف القانونية في الجهات الحكومية وتقسيم هذه الوظائف وبيان مسمياتها، أفرد لشاغليها معاملة مالية خاصة بالنظر إلى طابع هذه الوظائف ونظام العمل فيها، وقصر القرار تطبيق المعاملة المالية الواردة به على الموظفين الكويتيين حملة المؤهل الجامعي تخصص حقوق أو قانون، المعينين على درجات مجموعة الوظائف العامة بجدول المرتبات العام، العاملين في مجال التخصص، الشاغلين للوظائف القانونية، دون غيرهم من الموظفين الكويتيين حملة المؤهل الجامعي تخصص شريعة، المعينين على درجات مجموعة الوظائف العامة بجدول المرتبات العام، الشاغلين لذات الوظائف القانونية، والذين تم معاملتهم على أساس الاعتداد بمؤهلهم في مجال التخصص، حيث أقام القرار التفرقة في المعاملة بين الآخرين وبين الأولين، على الرغم من أنه من المسلمات -كأصل عام- أن شغل الوظيفة العامة ينسحب أثره على الوظيفة بجميع التزاماتها ومزاياها المقررة قانونًا، وذلك تحقيقًا للعدالة والتي لا تستقيم موجباتها إلا بتحقق المساواة في المعاملة بين جميع الموظفين الذين يقومون بالعمل ذاته، وهو الأمر الذي لا يجوز معه لمجلس الخدمة المدنية -في استعماله للسلطة المخولة له قانونًا في تقرير المزايا الوظيفية- أن يتخذ من المنح أو المنع أداة للتفرقة بين الموظفين الذين تماثلت مراكزهم القانونية، واتحدت عناصرها وخصائصها، لا سيما إذا كانت هذه العناصر تم الاعتداد بها مرتبًا عليها أثر قانوني، لا يتصور مع توافرها وتولد المراكز القانونية عنها، أن ينتقص من المزايا التي ربطها بوجودها، وإلا خرج الأمر من دائرة المواءمة ونطاق الملاءمة ليدخل من باب التمييز الذي يخل ولا شك بمبدأ المساواة وبميزان العدل والإنصاف.

وحيث إن غاب عنها ما تباشرها هذه المحكمة هي رقابة عليها إبطال حقوقها المخالفة للدستور، إعفاءً لم تبدأ الشرعية واختارًا لموجباتها ومقتضياتها، اعتصامًا بأحكام الدستور، سواء أكان الإخلال بالحقوق في هذه الترخيصات مقصودًا أم توقيع عرضًا، وسواء كان إهدار هذه الحقوق جاء بها صريحًا في إقرارها ، أو ضمناً غير واضحاً مستفاداً من السكوت عن النص على حكم يستلزم أن يشركه بالضرورة -من الناحية الدستورية- هذه القوانين حتى تعتبرها مخالفة الدستور، وتستقيم لها شرعية، والتي يجب ثانياً استواء قانونيتها على هدي منها.

وحيث إن المتحدون فيه يمكن أن تسعى لتحقيق أقصى استفادة من العمل القانوني مع الجهات الحكومية، وقصر الإفادة من تلك الجهود على حملة تقديم الحقوق أو القانون الشاغلين لهذه المهام في تاريخ العمل به، وحجب تلك الفكرة عن الحملة القانونية المسموح بها للسماح في ذات التاريخ ولا تباينت مؤهلاتهم الجامعية، باسم الجميع في المركز القانوني المتماثل، فهمون وظائف جزئية، وهم متحدون في مقايضةهم في هذا التخصص، الأمر الذي يقتضي منه وحدة القاعدة القانونية واجبة التطبيق في حقهم، ويؤسس هذا التمييز تمييزًا غير مشرف تتنافر به الخطوط الدقيقة التي تحددها إننا نعتمد على القواعد القانونية التي تحكمها وحدات هذه الكلمات المختصرة عن الإنضمام إليها، مناقضاؤك ترغب في الحصول على يكفل قانوني قانوني مكافئ للمتخصصين القانونيين المختلفين، وبالتالي ومن ثم قد يأتي مخالفًا لـ (۲۹) من الدستور.

وترتيبًا على ما يجب تقديمه إلى القضاء لعدم دستورية هذه المنظمة، وذلك فيما يتعلق به من استبعاد الموظفين الكويتيين يحق لهم تقديم طلبات القضاء الشاغلين للوظائف الحقوق والعاملين في مجال التخصص في الهيئات الحكومية- من نطاق تطبيقه.

فلهذه الفكرة

حكمتكورت: عدم دستورية “مجلس الخدمة المدنية رقم (۱۱) لسنة ۲۰۰۵ بالإضافة إلى وظائف ومكافآت الموظفين الكويتيين حملة المؤهلين الجامعيين تخصص محاسبة أو حقوق أو قانون في الهيئات الحكومية”، وذلك فيما يتعلق بتشريعه هذا تطوع من استبعاد الموظفين الكويتيين الحملة المؤهلة للقانون الشرعي -الشاغلين للوظائف القانون والعاملين في المجال التخصصي في المجالات الحكومية- من نطاق تطبيقه.

لامين سر رئيس المحكمة

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم صاحب السمو أمير الكويت

الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح

المحكمة الدستورية

أعلنت الجلسة المنعقدة بالمحكمة بتاريخ 15 من رجب 1443 الموافق 16 فبراير 2022م.

رئــاسة السيـد المـستشـار/ محمد جاسم بن ناجي رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين/ صالح خليفة المريشد وعبد الرحمن مشاري الدارمي

وإبراهيم عبد الرحمن السيف ووليد إبراهيم المعجل

وحــضــــــــور الـــســـيــــــد/ عبد الله سعد الرّخيص أمين سر الجلسة

الحكم القادم:

في الحالات المقيدة في سجل المحكمة الدستورية برقم (5) لسنة 2021 “دستوري”

بعد أن أحالت لجنة فحص الطعون ملف الطعن رقم (9) نهائيًا 2021:

المرفوعة من: حامد جاسم عبد الخضر ابراهيم.

ضد:

العام.

الوقائع

حيث حصلت على الوقائع -حسبما يبين من حكم الإحالة وسائر الأصول- أن الإعداء العام أقام ضد الطاعن (حامد جاسم عبد الخضر إبراهيم) الجنحة رقم (٥٦٥) لسبب ۲۰۲۱ أجنحة – (۳۰۲) نهائي ۲۰۲۰ أجنحة المباحث: في يوم ٢٠٢٠/٣ /6 بدائرة اختصاص الإدارة العامة للمباحث المتخصصة: تختلف بالجنس الآخر (النساء) على النحو المبين بالتحقيقات.

وطلب العام عقابه بالمادة (198) من قانون الجزاء.

النظر في تقديم مقترح بشأن براءة (الطاعن) مذكرة دفع فيها عدم دستورية المادة (198) من قانون الجزاء رقم (16) منذ 1960 المعدلة بالقانون رقم (36) منذ 2007 فيما بعد لا يجوز له من النص على تجريم التشبه بالجنس الآخر، لمخالفة تلك المادة المستخدمة الدستور.

جلسة ٢٠٢١/٨/٢٤ حكم المحكمة حضوريا: برفض الدفع بعدم الدستورية وبتغريم بتهمة (الطاعن) مبلغ (ألف) دينار عن التهمة المنسوبة إليه.

واذ لم يرتض الطاعن قضاء الحكم في العاصمة غير الدستورية برفض الدفع بعدم الدستورية، وقد طعن فيه أمام لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية، تأكد للجنة أن الحكم المعون فيه لم يثبت لوجه النعي الذي أبداه الطاعن آخرا لدفع المادي منه، مما يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والاخلال بحق الدفاع، قد حكمت بجلسة ۲۰۲۱/۱۲/۲۹ بإلغاء الحكم المطلي فيه، وذلك فيما يتعلق برفض الدفع بعدم دستورية المادة (۱۹۸) من قانون الجزاء رقم (١٦) بحكم عون عون رقم (٣٦) بحكم ۲۰۰۷ في شقها، بتجريم التشبه بالجنس الآخر، ويختلف إلى المحكمة الدستورية -بكامل هيئاتها- للفصل فيه،دت وحدة الجلسة لنظره، وحيث تقع في سجل المحكمة الدستورية برقم (5) بحكم ۲۰۲۱ “دستوري”، وتم ترطيب الخصوم بالجلسة المحددة لنظرها.

وقد اعتبرت هذه المحكمة بجلسة ۲۰۲۲/۱/۲٦ على الوجه المبين بمحضرها، مديرة إدارة الفتوى والتشريع، وطلبت في ختامها رفض القضية، وقررت صدور الحكم في الولاية بجلسة اليوم.

المحكمة

 بعد الترجمة على الأصول، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.

وحيث أنه من المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أن نطاق الولاية الدستورية يتحدد بنطاق الدفع غير دستورية المبدى أمام محكمة الموضوع، وفي الحدود التي تقدر فيها المحكمة التي أحالت الدفع جديدته، ولجنة فحص قد أحالت الدفع بدون دستورية المادة (198) من قانون تحديد العقوبة المقررة بالقانون رقم (36) نهائي ۲۰۰۷ فيما يرفضه من تجريم شبهات بالجنس الآخر، بعد أن قدرت أن ما أبداه الطاعن من سبب لماذا يرفضه رفض الفعل المؤجل ثم بشكل صارخ تحويل بما في ذلك دون التباسه بغيره، من أجل أن يحيط النصي بشبهات بشبهات ملحقة بظلال من الشك حول مدى دستوريته، حكماً محدداً لإحالة نطاق الدفع الجديد في هذا الإطار، وبالتالي فإن الدستورية تكون محددة بهذا النطاق وحده.

وحيث إن المادة (198) من قانون الجزاء رقم (16) لسنة 1960 تعدل بالقانون رقم (36) لسنة ۲۰۰۷ يمنع على ذلك “من أتى اشارة أو فعلا بالحياء في مكان عام بحيث يتم حظره أو يسمعه من كان في مكان عام، أو يشبه بالجنس البعض بأي صورة من الصور يعاقب الحلو مدة لا تتجاوز سنة واحدة وغرامة لا تتجاوز ألف دينار أو بإثنتين هاتين العقوبتين”.

وقد قضت المذكرة الإيضاحية في هذا القدر تبريرًا لتعزيز أن “تشبه أي جنس من الجنسين أو الأنثى بالجنس الآخر أمر محرم ومنهي عنه شرعًا فقد قال صلى الله عليه وسلم (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهين بالنساء بالرجال) ولما كان قانون الجزاء لم يتم صراحة على تجريم هذا الفعل، فقد أتى هذا القانون لسد هذه الثغرة ونص صريح بشكل صريح على تجريم من يشبه بالجنس بأي شكل من الأشكال صورة من الصور، ومنها تزي الجنس بملابس الجنس الآخر المقصورة عليه حسب العرف حفل في الكون أو جلوسهشخصية أخرى”.

وحيث إن مبنى النعي على نص المادة (198) من قانون الجزاء سالفة البيان فيما بينها من تجريم التشبه بالجنس الآخر بأي صورة من الصور، أن عبارات النص قد تسمي غير محددة واسعة للأفعال المؤثمة بشكل متزايد بما يحول دون التباسها بغيرها حتى يكون المخاطبون بها بينه من حقيقة أنه يجب عليهم تجنبها ولا يتركها ليتقدموا إليها وعليها، وحلال فهمهم الخاص لمقاصدها محل مراميها على نحو يفضي إلى المتطلب كفلها الدستور.

وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك أن النص في المادة (۳۰) من الدستور على أن “الحرية الشخصية مكسرة” وفي المادة (۳۲) على أن “لا جريمة ولا قصر إلا بناء على قانون …” يدل -وعلى ما بعد منه قضاء هذه هذه المحكمة- على أن ترغب في اختيار الجريمة والعقوبة الذي يخول المشرع بموجب سلطته التقديرية - التي تعتبرها وفقا للدستور- الحق في إنشاء حرية الاختيار فقط التي تناسبها، وما عدا ذلك من كفالة الحرية الشخصية بنيانًا لإقراره، وأساسًا لتأكيده، إلا أن هذه الحرية هي التي تسعى إليها تقيد محتوىواه ومضمونه، بحيث لا يكون الإجرامه إلا بالقدر المطلوب الذي يكفل صونها، ويلزم ذلك أنه يجب أن تكون إدراك الاتجاه ثم محددة بشكل صارم بما بما يحول دون التباسها بغيرها، وأن تكون محددة في بيان الحدود فقط لنواهيها حتى يكون المخاطبون بها بينة من الحقيقة تلك تماما. التي يجب عليهم اجتنابها، ذلك أن الأصل في النصوص الجزائية أن تصاغ في حدود تعريفًا بالأفعال التي تجرمها وتحددها لماهيتها، وألا يكون التجهيل بها موطئًا للإكمال كفلها الدستور.

لما كان ذلك، وتم التحسين الذي جاء بالقانون رقم (36) لسنة 2007 على المادة (198) من قانون الجزاء قد يتماشى مع المعاقب عليها بموجب تلك المادة الجديدة هو “التشبه بالجنس الآخر بأي صورة من الصور”، دون تضمين النص يعتمد موضوعيا منضبطا يتطلب مراعاته ذلك المجال المؤذن ثم قانونا، ويعتبر مشابها بالجنس الآخر ولا يعد كذلك، بل يعرف عبارته وفي كل مكان والاتساع يمكن تحميلها بأكثر من معنى، على نحو قد تتعدد معه تأويلاته، وما أوردته المذكرة الإضاحية متعددة من صور التشبه التي لاحظتها منها (تزي الجنس بملابس الجنس الآخر المقصورة عليه حسب العرف في جميع أنحاء العالم أو تواجده شخصيه أخرى) يكشف عن مدة الاتساع الذي يمكن أن ضبط عليه هذه الاستراحة، وافتقادها إلى عناصر الإحكام الموضوعي، وانطوائها على خفاء وغموض قد يختفي معه في الكثير من دائرة التأثيم، إذ أصبح معتمدًا الأمر في النهاية متروكًا للجهات القائمة على تطبيق القانون وفقًا لتقديرها وتحكم يقيدها، وبالتالي قد يؤول في التطبيق إلى مجموعة العنان بسبب التمييز، وهو ما يتأبى مع ما حرص عليه الدستور من كفالة الحرية الشخصية وونها.

الأمر الذي يكون معه النص المطعون فيه بالصيغة التي فرغت فيها، قاصرًا عن تحديد المؤذنة من خلال معيار منضبط لها، مفتقدًا إلى التحديد الجازم لضوابط تطبيقه، فيكون سهل قد أخل بالحرية الشخصية التي كفلها الدستور صدرًا إذن (ثلاثون) منه، بما في ذلك لا يلزم القضاء معه منع دستوريته.

لذلك

حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة (198) من قانون العقوبات رقم (16) بحكم 1960 المعدل بالقانون رقم (36) بحكم ۲۰۰۷ فيما لا يمنعه من تجريم “التشبه بالجنس الآخر بأي صورة من الصور”.

أ مين سرسر رئيس المحكمة

الهيئة التي أصدرت الحكم ونطقت به هي الهيئة المبينة بصدره الهيئة التي سمعت المرافعة وتداولت في الحكم ووقعت على مسودته فهي هيئة الهوية التالية:

بحضور السيد المستشار/ محمد جاسم بن ناجي رئيس تكساس
وعضوية السادة المستشارين/ فؤاد خالد الزويد وصالح خليفة المريشد
وعبد الرحمن مشاري الكورمي ووليد إبراهيم المعجل

أ مين سرسر رئيس المحكمة

 

(الدعوى رقم 8 لسنة 17 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”)

نص الحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 18 مايو 1996 الموافق 30 ذو الحجة 1416هـ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر (رئيس المحكمة)

وحضور السادة المستشارين: محمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين (أعضاء)

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي على جبالي (رئيس هيئة المفوضين)

وحضور السيد/ حمدي أنور صابر (أمين السر)

أصدرت الحكم الآتي في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 8 لسنة 17 قضائية “دستورية”. المحالة من محكمة القضاء الإداري بالحكم الصادر عنها في الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية.

المقامة من

السيد/ ….

 بصفته وليا طبيعيا على ابنتيه …

ضد

1- السيد/ وزير التعليم

2- السيد/ مدير مديرية التعليم بالإسكندرية

3- السيدة/ مديرة مدرسة إيزيس الثانوية بنات بالسيوف

الإجراءات

ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، بإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع -حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل في أن السيد/ … كان قد أقام أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية – وبصفته وليا طبيعيا على ابنتيه … – الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية ضد وزير التعليم، طالبا فيها الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي الصادر بالامتناع عن قبول ابنتيه هاتين بإحدى المدارس الثانوية. وقال شرحًا لدعواه، إنه كان قد توجه بهما إلى مدرسة إيزيس الثانوية للبنات بالسيوف، إلا أنه فوجئ بطردهما منها تأسيسا على صدور قرار من وزير التعليم يمنع الطالبة المنتقبة من دخولها بالمخالفة لحكم المادتين 2، 41 من الدستور التي تنص أولاهما: على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي لكل تشريعاتها، وتكفل ثانيتهما: صون الحرية الشخصية وتحول دون المساس بها.

وقد قضت محكمة القضاء الإداري – وأثناء نظرها الشق العاجل من الدعوى – أولا: بقبول الدعوى شكلا، وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه فيما تضمنه من منع ابنتي المدعي من دخول مدرستهما منتقبتين، وألزمت الإدارة المصروفات وأمرت بتنفيذ الحكم بموجب مسودته بغير إعلان. ثانيا: إحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 والمفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994. وأقامت محكمة القضاء الإداري قضاءها على أن القرار المطعون فيه، قد صدر استنادا إلى قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 الصادر في 17/8/1994 متضمنا تحديد هيئة الزي المدرسي من حيث لونه وشكله ومكوناته، ومفسرا بمقتضى قراره رقم 208 لسنة 1994، وإن الفصل فيما إذا كان هذان القراران – وقد انطويا على قواعد عامه مجردة – يخلان بحرية العقيدة التي كفل الدستور أصلها بنص المادة 46، مما يدخل في ولاية المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، لتكون كلمتها في شأن اتفاقهما أو تعارضهما مع الدستور، قولا فصلًا، مما يقتضى إحالة الأوراق إليها – وعملا بالبند (أ) من المادة 29 من قانونها – وذلك للفصل في دستورية هذين القرارين.

وحيث إن البين من قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المشار إليه، أنه نص في مادته الأولى على أن يلتزم تلاميذ وتلميذات المدارس الرسمية والخاصة، بارتداء زي موحد وفقا للمواصفات الآتية: أولا: الحلقة الابتدائية “بنين وبنات” مريلة تيل لجميع التلاميذ باللون الذي تختاره المديرية التعليمية – يمكن ارتداء بنطلون في فصل الشتاء يكون موحدا ومناسبا طبقا لما تحدده المديرية التعليمية. ويجوز استبدال المريلة بقميص وجونلة بطول مناسب بالنسبة للبنات، وقميص وبنطلون بالنسبة للبنين مع ارتداء بلوفر أو جاكت في فصل الشتاء وفق ما تقرره المديرية التعليمية. – حذاء مدرسي وجورب مناسب بلون الزي المختار. ثانيا: الحلقة الإعدادية: 1- التلاميذ: بنطلون طويل – قميص بلون مناسب – في فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية. 2 – التلميذات: بلوزة بيضاء -مريلة من قماش تيل (دريل) بحمالات باللون الذي تختاره المديرية التعليمية- في فصل الشتاء يمكن أن يكون قماش المريلة صوفا، ويمكن كذلك أن ترتدي التلميذة بلوفر أو جاكت بلون المريلة. ويجوز استبدال المريلة بقميص طويل بطول مناسب – حذاء مدرسي وجورب بلون مناسب للزي المختار. يمكن بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر أن ترتدي التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذي تختاره المديرية التعليمية. ثالثا: المرحلة الثانوية وما في مستواها: 1- التلاميذ: بنطلون طويل – قميص بلون مناسب – في فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية. 2- التلميذات: بلوزة بيضاء – جونلة تيل بطول مناسب بلون تحدده المديرية التعليمية – في فصل الشتاء يمكن أن تكون المريلة صوفا، كما يمكن أن ترتدي التلميذة بلوفرا أو جاكيتا بلون المريلة – يمكن بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر، أن ترتدي التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذي تختاره المديرية التعليمية – حذاء مدرسي وجورب بلون مناسب للزي المختار.

وتكفل المادتان الثانية والثالثة من هذا القرار، إعلان الزي المدرسي المقرر على تلاميذ كل مدرسة وتلميذاتها في مكان ظاهر قبل بدء العام الدراسي بشهرين على الأقل، ولا يجوز لمن يخالف حكم المادة الأولى من هذا القرار من تلاميذها أو تلميذاتها دخول مدرستهم أو الانتظام فيها وبمراعاة أن يكون زيهم مناسبا في كل الأحوال سواء في مظهره أو أسلوب ارتدائه.

وحيث إن وزير التعليم أصدر بعد القرار الأول – وإزاء ما التبس بمعناه من غموض – قرارا ثانيا مفسرا للقرار السابق ومحددا فحواه، ومن ثم نص القرار اللاحق -وهو القرار رقم 208 لسنة 1994- على أن يقصد بالعبارات التالية -في تطبيق أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994- المعاني المبينة قرين كل منها. أولا: بالنسبة إلى تلميذات المرحلتين الإعدادية والثانوية: 1- بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر: أن يكون ولي الأمر على علم باختيار التلميذة لارتداء غطاء الشعر، وإن اختيارها لذلك وليد رغبتها دون ضغط أو إجبار من شخص أو جهة غير ولي الأمر، وعلى ذلك لا تمنع التلميذة من دخول مدرستها إذا كانت ترتدي غطاء للشعر، وإنما يحل لها الدخول، على أن يتم التحقق من علم ولي الأمر. 2- غطاء الشعر: الغطاء الذي تختاره التلميذة برغبتها بما لا يحجب وجهها. ولا يعتد بأية نماذج أو رسوم توضيحية تعبر عن غطاء الشعر بما يناقض ذلك. ثانيا: بالنسبة للتلميذات في جميع مراحل التعليم الثلاث: أن يكون الزي مناسبا في مظهره وأسلوب ارتدائه: المحافظة في الزي بما يرعى الاحتشام، وبما يتفق مع تعاليم وأخلاق مجتمعهن. وكل زي يخرج على هذا الاحتشام، يكون مخالفا للزي المدرسي، ولا يسمح للتلميذة التي ترتديه بدخول مدرستها.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية -بعد تعديلها في سنة 1980- من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتمخض عن قيد يجب على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل عليه في تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل – ومن بينها أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994، المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 المطعون عليهما – فلا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان، إذ هي عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هي إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيما لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزما ضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، تطويرا لقواعد عملية تكون في مضمونها أرفق بالعباد وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي تشرع الأحكام لتحقيقها، وبما يلائمها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولا ولا مطلوبا، ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية في المسائل المختلف عليها ليس لها في ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعا ثابتا متقررًا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى، وإنكارا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد. بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبا. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالإتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء استقر عليها العمل زمنا. وتلك هي الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها – وفيما لا نص عليه – بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التي ينافيها أن يتقيد ولي الأمر في شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعا قد جاوزتها.

وحيث إن من المقرر -على ضوء ما تقدم- أن لولي الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما في ذلك أن المصالح المعتبرة، هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد – مضمونا ونطاقا – على ضوء أوضاعها المتغيرة. يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيرًا ما قرروا أحكاما متوخين بها مطلق مصالح العباد، طلبا لنفعهم أو دفعا لضرر عنهم أو رفعا لحرجهم، باعتبار أن مصالحهم هذه، تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها. وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوما لها لا يجوز اقتحام آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها. ولا يجوز بالتالي أن يكون تنظيم هذه الحقوق، مناقضا لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفا ومبررًا.

وحيث إن البين من المطاعن التي نسبتها محكمة الموضوع إلى القرار المطعون فيه، وكذلك تلك التي طرحها الطاعن عليها باعتباره والد الطالبتين اللتين طردتا من مدرستهما لتنقبهما، أنها لا تتعلق بأزياء البنين من طلبة المراحل الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية وما في مستواها من ناحية هيئتها ومكوناتها، ولكنها تتناول أصلا ما تقرر لطالباتها من أزياء سواء في مظهرها أو مواصفاتها أو أسلوبهن في ارتدائها، وكذلك ملامح وخصائص خُمِْرهن، لتنحصر المناعي الدستورية في هذا النطاق لا تتعداه. وحيث إن القرار المطعون فيه، قد قرر لكل فتاة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التي نص عليها، هيئة محددة لزيها تكفل في أوصافها الكلية، مناسبتها لها، ولا يكون موضعها من بدنها كاشفا عما ينبغي ستره منها، بل يكون أسلوبها في ارتدائها كافلا احتشامها، ملتزما تقاليد وأخلاق مجتمعها.

وحيث إن الشريعة الإسلامية -في تهذيبها للنفس البشرية وتقويمها للشخصية الفردية- لا تقرر إلا جوهر الأحكام التي تكفل بها للعقيدة إطارا يحميها، ولأفعال المكلفين ما يكون ملتئما مع مصالحهم المعتبرة، فلا يبغونها عوجا، ولا يحيدون أبدا عن الطريق إلى ربهم تعالى، بل يكون سلوكهم أطهر لقلوبهم، وأدعى لتقواهم. وفي هذا الإطار، أعلى الإسلام قدر المرأة، وحضها على صون عفافها، وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال، لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها، وعلى الأخص من خلال تبرجها، أو لينها في القول، أو تكسر مشيتها؛ أو من خلال إظهارها محاسنها إغواءً لغيرها، أو بإبدائها ما يكون خافيا من زينتها. وليس لها شرعا أن تطلق إرادتها في اختيارها لزيها، ولا أن تقيم اختيارها هذا بهواها، ولا أن تدعى تعلق زيها بدخائلها، بل يتعين أن يستقيم كيانها، وأن يكون لباسها عونا لها على القيام بمسئوليتها في مجال عمارة الأرض، وبمراعاة أن هيئة ثيابها ورسمها، لا تضبطهما نصوص مقطوع بها سواء في ثبوتها أو دلالتها، لتكون من المسائل الاختلافية التي لا ينغلق الاجتهاد فيها، بل يظل مفتوحا في إطار ضابط عام حددته النصوص القرآنية ذاتها إذ يقول تعالى “وليضرين بخمرهن على جيوبهن” “ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها” “يدنين عليهن من جلابيبهن” “ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن” ليخرج لباس المرأة بذلك عن أن يكون من الأمور التعبدية التي لا تبديل فيها، بل يكون لولي الأمر السلطة الكاملة التي يشرع بها الأحكام العملية في نطاقها، تحديدا لهيئة ردائها أو ثيابها على ضوء ما يكون سائدا في مجتمعها بين الناس مما يعتبر صحيحا من عاداتهم وأعرافهم التي لأي صادم مفهومها نصا قطعيا، بل يكون مضمونها متغيرا بتغير الزمان والمكان، وإن كان ضابطها أن تحقق الستر بمفهومه الشرعي، ليكون لباس المرأة تعبيرًا عن عقيدتها.

وحيث إن تنازع الفقهاء فيما بينهم في مجال تأويل النصوص القرآنية، وما نقل عن الرسول من أحاديثه صحيحها وضعيفها، وإن آل إلى تباين الآراء في شأن لباس المرأة، وما ينبغي ستره من بدنها، إلا أن الشريعة الإسلامية – في جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها – تتوخى من ضبطها لثيابها، أن تعلي قدرها، ولا تجعل للحيوانية مدخلا إليها، ليكون سلوكها رفيعا لا ابتذال فيه ولا اختيال، وبما لا يوقعها في الحرج إذا اعتبر بدنها كله عورة مع حاجتها إلى تلقي العلوم على اختلافها، وإلى الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التي تختلط فيها بالآخرين، وليس متصورا بالتالي أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن يطلب منها على وجه الاقتضاء، أن تكون شبحا مكسوا بالسواد أو بغيره، بل يتعين أن يكون لباسها شرعا قرين تقواها، وبما لا يعطل حركتها في الحياة، فلا يكون محددًا لجمال صورتها، ولا حائلا دون يقظتها، ومباشرتها لصور النشاط التي تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازنا بين الأمرين، ومُحَدَّدا على ضوء الضرورة، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفا صحيحين. ولا يجوز بالتالي أن يكون لباسها، مجاوزا حد الاعتدال، ولا احتجابا لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافا، ولا إسدالا لخمارها من وراء ظهرها، بل اتصالا بصدرها ونحرها فلا ينكشفان، مصداقا لقوله تعالى “وليضربن بخمرهن على جيوبهن” واقترانا بقوله جل شأنه بأن “يدنين عليهن من جلابيبهن” فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا مالا يعد عورة، وهما وجهها وكفاها، بل وقدماها عند بعض الفقهاء “ابتلاء بإبدائهما” على حد قول الحنفية، ودون أن يضربن بأرجلهن “ليعلم ما يخفين من زينتهن”. وقد دعا الله تعالى الناس جميعا أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا، وهو ما يعني أن التزامها حد الاعتدال، يقتضي ألا تصفها ثيابها ولا تشي بما تحتها من ملامح أنوثتها، فلا يكون تنقبها مطلوبا منها شرعا طلبا جازما، ولا سترها لزينتها شكلا مجردا من المضمون، بل يتعين أن يكون مظهرها منبئا عن عفافها، ميسرا لإسهامها المشروع فيما يعينها على شئون حياتها، ويكون نائيا بها عن الابتذال، فلا يقتحمها رجال استمالتهم إليها بمظاهر جسدها، مما يقودها إلى الإثم انحرافا، وينال من قدرها ومكانتها.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان تحريم أمر أو شأن من الشئون، لا يتعلق بما هو محتمل، بل بما يكون معلوما بنص قطعي، وإلا ظل محمولا على أصل الحل؛ وكان لا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعا أن يكون احتجابا كاملا، متخذا نقابا محيطا بها منسدلا عليها لاُ يظِْهر منها إلا عينيها ومحجريهما، فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وقدميها عند البعض، لا يكون تأويلا مقبولا، ولا معلوما من الدين بالضرورة، ذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا يتصل بهذه الأجزاء من بدنها، بل إن كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها، ويفرضون نوعا من الرقابة على سلوكها، وهو كذلك أكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها، وأدعى لرفع الحرج عنها. وما ارتآه البعض من أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، مردود بأن مالكا وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية عنه، والمشهور عند الشافعية، لا يرون ذلك. والرسول عليه السلام يصرح بأن بلوغ المرأة المحيض، يقتضيها أن يكون ثوبها ساترا لبدنها عدا وجهها وكفيها.

وحيث إن استقراء الأحكام التي جرى بها القرار المطعون فيه، يدل على أن لكل طالبة أن تتخذ خمارًا تختاره برغبتها، ولا يكون ساترا لوجهها، على أن يشهد ولي أمرها بأن اتخاذها الخمار غطاء لرأسها، ليس ناجما عن تدخل آخرين في شئونها بل وليد إراداتها الحرة، وهي شهادة يمكن أن يقدمها بعد انتظامها في دراستها. كذلك دل هذا القرار، على أن زيها ينبغي أن يكون مناسبا مظهرا وطرازا – لا بمقاييسها الشخصية – ولكن بما يرعى احتشامها، ويكون موافقا لتقاليد وأخلاق مجتمعها. ولا يجوز أن يكون أسلوبها – في مجال ارتدائها لزيها – دالا على فحشها. ولا يناقض القرار المطعون فيه – في كل ما تقدم – نص المادة الثانية من الدستور، ذلك أن لولي الأمر – في المسائل الخلافية – حق الاجتهاد بما ييسر على الناس شئونهم، ويعكس ما يكون صحيحًا من عاداتهم وأعرافهم، وبما لا يعطل المقاصد الكلية لشريعتهم التي لا ينافيها أن ينظم ولي الأمر – في دائرة بذاتها – لباس الفتاة، فلا يكون كاشفًا عن عورتها أو ساقيها، ولا واشيًا ببدنها، أو منبئًا عما لا يجوز إظهاره من ملامحها، أو نافيًا لحيائها، وهو ما توخاه هذا القرار، حين ألزم كل تلميذة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التي نص عليها، بأن يكون زيها مناسبًا حائلًا دون تبذلها، ناهيًا عن عريها أو إظهار مفاتنها، بل إن أسلوبها في ارتداء زيها يتعين فوق هذا، أن يكون ملائمًا لقيمها الدينية التي تندمج بالضرورة في أخلاق مجتمعها وتقاليده. كذلك فإن خمارها وفقًا لهذا القرار، ليس إلا غطاء لرأسها لا يحجب وجهها وكفيها، وإن كان متراميًا إلى صدرها ونحرها، فلا يكفي أن تلقيه من وراء ظهرها.

 وحيث إن النعي على القرار المطعون فيه، مخالفته لحرية العقيدة التي نص عليها الدستور في المادة 46، مردود بأن هذه الحرية – في أصلها – تعني ألا يحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها، أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها، أو ممالأة إحداها تحاملًا على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو ازدرائها، بل تتسامح الأديان فيما بينها، ويكون احترامها متبادلًا. ولا يجوز كذلك في المفهوم الحق لحرية العقيدة، أن يكون صونها لمن يمارسونها إضرارًا بغيرها، ولا أن تيسر الدولة – سرا أو علانية – الانضمام إلى عقيدة ترعاها، إرهاقا لآخرين من الدخول في سواها، ولا أن يكون تدخلها بالجزاء عقابا لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها. وليس لها بوجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزًا لبعضها على البعض. كذلك فإن حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية ممارسة شعائرها، وهو ما حمل الدستور على أن يضم هاتين الحريتين في جملة واحدة جرت بها مادته السادسة والأربعون بما نصت عليه من أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية، مكفولتان. وهو ما يعني تكاملهما، وأنهما قسيمان لا ينفصلان، وأن ثانيتهما تمثل مظاهر أولاهما باعتبارها انتقالًا بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها في الوجدان، إلى التعبير عن محتواها عملًا ليكون تطبيقها حيًا، فلا تكمن في الصدور، ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا قيد عليها، وأن ثانيتهما يجوز تقييدها من خلال تنظيمها، توكيدا لبعض المصالح العليا التي ترتبط بها، وبوجه خاص ما يتصل منها بصون النظام العام والقيم الأدبية، وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه لا ينال من حرية العقيدة، ولا يقوض أسسها أو يعطل شعائر ممارستها ولا يناهض جوهر الدين في الأصول الكلية التي يقوم عليها، بل يعتبر اجتهادا مقبولا شرعا لا يتوخى غير تنظيم رداء للفتاة – في دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل الدراسية التي حددها – بما لا ينتقص من حيائها أو يمس عفافها، أو يشي بعوراتها، فإن هذا القرار يدخل في دائرة تنظيم المباح، ولا يعد افتتائا على حرية العقيدة.

وحيث إن ما ينعاه المدعي من إخلال القرار المطعون فيه بالحرية الشخصية بمقولة أن قوامها الاستقلال الذاتي لكل فرد بالمسائل التي تكون أكثر اتصالا بمصيره وتأثيرًا في أوضاع الحياة التي اختار أنماطها، لتكتمل لشخصيته ملامحها، مردود بأنه حتى وإن جاز القول بأن مظهر الشخص من خلال الأزياء التي يرتديها، يبلور إرادة الاختيار التي تمثل نطاقًا للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها، إلا أن إرادة الاختيار هذه، ينبغي قصر مجال عملها على ما يكون لصيقًا بالشخصية، مرتبطًا بذاتية الإنسان في دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية في أدق توجهاتها، وأنبل مقاصدها، كالحق في اختيار الزوج وتكوين الأسرة، وأن يتخذ الشخص ولدًا، ولا يجوز بالتالي بسطها إلى تنظيم محدد، ينحصر في دائرة بذاتها، يكون الصالح العام ماثلًا فيها، ضبطا لشئون هؤلاء الذين يقعون في محيطها، ويندرج تحتهم طلبة المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية وطالباتها، وهو ما يعني أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن يفرض المشرع “في دائرة بذاتها” قيودا على الأزياء التي يرتديها بعض الأشخاص “في موقعهم من هذه الدائرة” لتكون لها ذاتيتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون في مظهرهم عمن سواهم، ليكون زيهم موحدا، متجانسا ولائقا، دالا عليهم ومُعَرفا بهم، وميسرا صورًا من التعامل معهم، فلا تكون دائرتهم هذه نهبا لآخرين يقتحمونها غيلة وعدوانا، ليلتبس الأمر في شأن من ينتمون إليها حقا وصدقا.

 وحيث إن التعليم وإن كان حقا مكفولًا من الدولة، إلا أن التعليم كله – وعلى ما تنص عليه المادة 18 من الدستور – خاضع لإشرافها، وعليها بالتالي أن ترعى العملية التعليمية بكل مقوماتها، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها، وأن يكون تنظيمها لشئون طلبة بعض المعاهد وطالباتها مبررا من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم، والأغراض التي توخاها وارتبط بها، وهو ما تحقق في واقعة النزاع الراهن على ضوء الشروط التي حددها القرار المطعون فيه لأزياء المراحل التعليمية الثلاث التي نص عليها، ذلك أن هذا القرار لم يطلق أزياء طلبتها وطالباتها من القيود، بل جعل رداءهم محتشمًا موحدًا وملائمًا، فلا يندمجون في غيرهم، أو يختلطون بمن سواهم، بل يكون زيهم في معاهد هذه المراحل، معرفا بهم دالًا عليهم، كافلا صحتهم النفسية والعقلية، وبما لا يخل بقيمهم الدينية، فلا يتفرقون بددًا.

وحيث إن القرار المطعون فيه لا يناقض أحكام الدستور من أوجه أخرى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوةِ.

صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره، أما المستشار عبد الرحمن نصير الذي سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع مسودة الحكم، فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار محمد عبد القادر عبد الله.

قضية رقم 7 لسنة 8 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”

مبادئ الحكم: المتعة – تدخل – حضانة – دستور – شريعة إسلامية – قانون – قانون مكمل للدستور – مجلس الشورى

نص الحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة 15 مايو سنة 1993م

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر

رئيس المحكمة

والسادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله

أعضاء.

وحضور السيد المستشار/ محمد خيري طه عبد المطلب

رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد

أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 7 لسنة 8 قضائية “دستورية”.

الإجراءات

بتاريخ 18 مارس سنة 1986 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبا الحكم بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1985 برمته شكلا، وفي الموضوع الحكم بعدم دستورية مواد هذا القانون خاصة مادته الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية، وكذلك ما أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هي المواد 5 مكررا في فقرتيها الأولى والثالثة و11 مكررا و18 مكررا ثالثا و23 مكررا في فقرتيها الثانية والثالثة.

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، دفعت فيها بعدم قبول الدعوى، كما طلبت رفضها وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل في أن المدعى عليها الرابعة كانت قد أقامت الدعوى رقم 1141 لسنة 1985 شرعي كلي الجيزة ضد المدعى بطلب تمكينها من الاستقلال بمسكن الزوجية المبين بالأوراق لحضانتها ابنها منه، “هيثم” ومنع تعرضه لها في ذلك. كما كانت المدعى عليها نفسها قد أقامت الدعوى رقم 1140 لسنة 1985 شرعي كلي الجيزة بطلب الحكم لها قبل المدعى بمتعة تعادل نفقة عشر سنين. وإذ دفع المدعى -في الدعوى الماثلة- أمام محكمة الموضوع في هاتين الدعويين كلتيهما بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وكانت محكمة الموضوع قد صرحت له برفع الدعوى الدستورية -بعد أن قدرت جدية دفعه- فقد أقام الدعوى الماثلة.

وحيث إنه بجلسة 4 من يوليه سنة 1992 حضر الأستاذ … المحامي وطلب قبول تدخله منضما إلى المدعي في طلباته في شأن المادة 18 مكررًا (ثالثًا) المتعلقة باستقلال الصغار وحاضنتهم بمسكن الزوجية.

وحيث إن المدعي ينعى على القانون رقم 100 لسنة 1985 -المشار إليه- صدوره بالمخالفة للأوضاع الشكلية التي تطلبتها المادة 194 من الدستور، على أساس أن مجلس الشورى وفقا لحكمها يختص بدراسة واقتراح ما يراه كفيلا بالحفاظ على المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا وتندرج تحتها الأسرة التي نص الدستور في مادته التاسعة على أنها أساس المجتمع، وأن قوامها الدين والأخلاق والوطنية بما مؤداه أن إغفال عرض القانون رقم 100 لسنة 1985 المشار إليه على مجلس الشورى قبل تقديمه إلى السلطة التشريعية لإقراره، إنما ينحل إلى إهدار لشكليه جوهرية لا يقوم هذا القانون سويا على قدميه بتخلفها.

وحيث إن الباب السابع من الدستور -المضاف بعد تعديله في 22 مايو سنة 1980- تضمن أحكاما جديدة خص الدستور بها مجلسا وليدا أنشأه لأول مرة هو مجلس الشورى، وأفرده بها، وبوجه خاص فيما يتعلق باختصاصاته، وكيفية تشكيله، ومدة عضويته، ومدى مسئولية رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء أمامه، وشروط حله، وقد حدد الدستور اختصاص هذا المجلس في مادتين هما المادتان 194 و195 منه، وبهما أخرج الدستور من ولايته ممارسة الوظيفة التشريعية التي ينعقد الاختصاص بها لمجلس الشعب دون غيره، وقصر مهمته على مسائل بذاتها يؤخذ رأيه فيها، وأخرى يتولى دراستها مبديا وجهة نظره في شأنها، وفي هاتين الحالتين كلتيهما، عين الدستور هذه المسائل تعيينا دقيقا، وحددها حصرا مما مؤداه امتناع الإضافة إليها أو التبديل فيها أو القياس عليها.

وحيث إن البين من هاتين المادتين أن أولاهما تتناول ولاية مجلس الشورى في شأن المسائل الكفيلة بالحفاظ على ثورتي 23 يوليو سنة 1952 و15 مايو سنة 1971، وكذلك تلك المتعلقة بدعم الوحدة الوطنية وصون السلام الاجتماعي وحماية قوى الشعب العاملة في تحالفها ومكاسبها الاشتراكية، وإرساء المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا، وضمان حقوق المواطن وحرياته وأدائه لواجباته العامة، وتعميق النظام الاشتراكي الديمقراطي وتوسيع مجالاته. وتقتصر مهمة المجلس في شأن هذه المسائل جميعها على دراستها وقوفا على جوانبها، واستظهارا لوجهات النظر المتباينة في مجالها، وعرضها معززة بأدلتها مقرونة بما يراه صائبا منها محققا للمصالح التي قصد الدستور إلى حمايتها، ولا تعدو مهمته بالتالي -في نطاق دراسته للمسائل التي عينتها المادة 194 من الدستور- مجرد معاونة الدولة -من خلال سلطاتها المختلفة وتنظيماتها المتعددة- على أن تتخذ قراراتها في شأن هذه المسائل محيطة بشتى زواياها، واعية بآثارها الإيجابية وانعكاساتها السلبية، وذلك كله في إطار من الموضوعية المنزهة عن الميل، أو الانحياز لوجهة نظر بذاتها لا تعززها الحقائق العلمية، ومن ثم تنحل الدراسة التي يجريها مجلس الشورى للمسائل التي حددتها المادة 194 من الدستور، إلى غوص في أعماقها تجلية لجوانبها المختلفة بلوغا لغاية الأمر فيها، وهي بعد دراسة يقوم بها المجلس غالبا بمبادرة من جانبه. وليس ثمة التزام على أية جهة بطلبها منه، وهو يقرر كذلك أولوياته في مجالها ويستقل بتقدير ما يراه ملحا منها. وقيمتها العملية لا خفاء فيها. لأنها تتناول مسائل لها خطرها بقصد اقتحام مشكلاتها، والتوصل إلى حلول واقعية لها توطئه للعمل بها كلما كان ذلك ممكنا ومفيدا.

وبالتالي لا يعتبر عرض أي موضوع مما يندرج تحتها على هذا المجلس التزاما مترتبا بحكم الدستور، وآية ذلك أن الدستور حرص على أن يفصل بصورة قاطعة بين مهمة المجلس وفقا لنص المادة 194 من ناحية، وبين الولاية التي يباشرها في إطار المادة 195 منه من ناحية أخرى، مما مؤداه أن هاتين المادتين لا تختلطان ببعضهما، ولا يجوز القول بامتزاجهما، إذ لو صح ذلك لأدمجهما الدستور في مادة واحدة يكون اختصاص مجلس الشورى في شأن المسائل التي تندرج تحتها محيطا بها جميعا، أيا كان نطاق هذا الاختصاص أو الأغراض التي يتوخاها، وهو ما قام الدليل على نقيضه، ذلك أن المادة 195 من الدستور قوامها أن يؤخذ رأي مجلس الشورى وجوبا في مسائل بذواتها غير التي حددتها المادة 194 منه، ولها من الأهمية والخطر ما يقتضي أن يكون عرضها عليه كي يقول كلمته فيها، أمرا محتوما. وتنحصر هذه المسائل في كل اقتراح يكون متعلقا بتعديل مادته أو أكثر من مواد الدستور، وكذلك كل مشروع لقانون يكون مكملا للدستور، وكل معاهدة يكون موضوعها صلحا أو تحالفا أو متعلقا بحقوق السيادة أو من شأنها التعديل في النطاق الإقليمي للدولة، وكل مشروع يتناول الخطة العامة للدولة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكل مشروع قانون يحيله إليه رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى أية موضوعات يحيلها رئيس الجمهورية إليه وتتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشئون العربية أو الخارجية. وهذه المسائل التي حددتها المادة 195 من الدستور، يجمعها أن الدستور قدر حيوية المصالح المرتبطة بها، وأن اتخاذ قرار فيها قبل أن يدلي مجلس الشورى برأيه في نطاقها بعد عرضها عليه تكتنفه محاذير واضحة مرجعها رجحان أن يصدر هذا القرار متسرعًا أو مبتسرًا.

ومن ثم كان عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها وجوبيا باعتبار أن ذلك شكلية جوهرية لا يجوز إهمالها أو التجاوز عنها، بالنظر إلى دقة المسائل التي عينتها المادة 195 وما يقتضيه بحثها من تعمق، وبوجه خاص في جوانبها المتعلقة بالتنمية في مجالاتها المختلفة، وبالحدود الإقليمية للدولة التي تمتد إليها سيادتها، وبالشرعية الدستورية التي ترسي الدولة عليها دعائمها. متى كان ما تقدم، وكانت مشروعات القوانين المكملة للدستور من بين المسائل التي يتعين عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية الأصلية ممثلة في مجلس الشعب، فإن إقرار السلطة التشريعية لقانون مكمل للدستور دون إتباع هذا الإجراء لن يقيله من عثرة مخالفته للأوضاع الشكلية التي تطلبتها المادة 195 من الدستور، ولن يرده بالتالي إلى دائرة المشروعية الدستورية في جوانبها الإجرائية، إذ يعتبر القانون الصادر على خلافها مفتقرا إلى مقوماتها كإطار لقواعد قانونية اكتمل تكوينها، ويقع من ثم مشوبا بالبطلان.

وحيث إن “القوانين المكملة للدستور” وإن نص الدستور على حتمية عرض مشروعاتها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها، إلا أن إيراد الدستور لهذه العبارة لم يقترن بما يعين على إيضاح معناها بما لا خفاء فيه، فحق على هذه المحكمة أن تبين المقصود بها قطعًا لكل جدل حولها، ولضمان إرساء العلاقة بين مجلس الشعب – ومجلس الشورى على أسس ثابتة تكفل مباشرة كل منهما لولايته في الحدود التي رسمها الدستور لهما – فلا يجور أحدهما على الآخر مفتئتا على اختصاصاته الدستورية، مقتحما تخومها، وكان لا مقابل لعبارة “القوانين المكملة للدستور” في الدساتير المصرية السابقة على الدستور القائم، وليس ثمة أعمال تحضيرية يمكن الارتكان إليها في تجلية معناها، ولا شبهة كذلك في أن انبهامها آل إلى غموض المعايير التي قيل بها ضبطا لفحواها وتحريا لدلالتها، وكان المشروع لا زال عازفا عن التدخل في هذا المجال سواء باعتناق معيار منها أو بإبدالها بمعيار من عنده يمزج بينهما أو يقوم على أنقاضها، إلا أن ذلك كله لا يجوز أن يحول بين هذه المحكمة وبين مباشرة ولايتها في مجال إعمال النصوص الدستورية، إذ هي التي يقوم من خلال تفسيرها على ربطها ببعض على ضوء المقاصد الحقيقية التي ابتغاها الدستور منها، وبما يرد عنها الغموض، بما مؤداه أن النصوص الدستورية جميعها غير مستعصية على التحديد من ناحية، وأنه يتعين من ناحية أخرى أن يكون لكل منها مجال يعمل فيه، متكاملا في ذلك مع غيره من النصوص. ومن المحقق، فإن عبارة “القوانين المكملة للدستور” وإن كانت جديدة كل الجدة، فريدة في بابها، ولا تعرفها الدساتير المقارنة، إلا أنها تحمل في أعطافها ضوابط تحديد معناها، ذلك أن الدستور من ناحية قد ينص في مادة أو أكثر من مواده على أن موضوعا معينا، يتعين تنظيمه بقانون، أو وفقا للقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون.

بيد أن صدور قانون في هذا النطاق لا يدل بالضرورة -ومن ناحية أخرى- على أن أحكامه مكملة للدستور، ذلك أن الموضوع الذي أحال الدستور في تنظيمه إلى القانون، قد لا تكون له طبيعة القواعد الدستورية، وليس له من صلة بها، بل يعتبر غريبا عنها وخارجًا بطبيعته عن إطارها. ومن ثم لا يكفي لاعتبار تنظيم قانوني معين مكملا للدستور أن يصدر إعمالاً لنص في الدستور، بل يتعين -فوق هذا- أن تكون أحكامه مرتبطة بقاعدة كلية مما تتضمنها الوثائق الدستورية عادة كتلك المتعلقة بصون استقلال السلطة القضائية بما يكفل مباشرتها لشئون العدالة دون تدخل من أية جهة. فالقاعدة المتقدمة -وما يجري على منوالها- مما تحرص الدساتير المختلفة على إدراجها في صلبها، باعتبار أن خلوها منها يجردها من كل قيمة، فإذا اتصل بها تنظيم تشريعي قرر الدستور صدوره بقانون، أو وفقا للقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون، دل ذلك على أن هذا التنظيم مكمل للدستور.

ولا كذلك النصوص التشريعية التي لا تربطها صلة عضوية بتلك القواعد الكلية، كالقانون الذي يصدر إعمالا لنص المادة 14 من الدستور محددا أحوال فصل العاملين بغير الطريق التأديبي، والقانون الصادر في شأن العفو الشامل على ما تقضي به المادة 149 من الدستور أو في شأن تنظيم التعبئة العامة وفقا لنص المادة 181 منه، فالتنظيم التشريعي الصادر في الحدود المتقدمة، ليس مرتبطا بأية قاعدة من القواعد الدستورية بمعنى الكلمة، بل يفتقر هذا التنظيم إلى العنصر الموضوعي الذي يدخل القانون الصادر به في عداد القوانين المكملة للدستور، ولازم ذلك أن شرطين يتعين اجتماعهما معا لاعتبار مشروع قانون معين مكملا للدستور، أولهما: أن يكون الدستور ابتداء قد نص صراحة في مسألة عينها على أن يكون تنظيمها بقانون، أو وفقا لقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون، أو طبقا للأوضاع التي يقررها، فإن هو فعل، دل ذلك على أن هذا التنظيم بلغ في تقديره درجة من الأهمية والثقل لا يجوز معها أن يعهد به إلى أداة أدنى. ثانيهما: أن يكون هذا التنظيم متصلا بقاعدة كلية مما جرت الوثائق الدستورية على احتوائها وإدراجها تحت نصوصها وتلك هي القواعد الدستورية بطبيعتها التي لا تخلو منها في الأعم أية وثيقة دستورية، والتي يتعين كي يكون التنظيم التشريعي مكملا لها أن يكون محددا لمضمونها مفصلا لحكمها مبينا لحدودها، بما مؤداه أن الشرط الأول وإن كان لازما كأمر مبدئي يتعين التحقق من توافره قبل الفصل في أي نزاع حول ما إذا كان مشروع القانون المعروض يعد أو لا يعد مكملا للدستور، إلا أنه ليس شرطا كافيا، بل يتعين لاعتبار المشروع كذلك، أن يقوم الشرطان معا متضافرين، استبعادا لكل مشروع قانون لا تربطه أية صلة بالقواعد الدستورية الأصلية، بل يكون غريبا عنها مقحما عليها. ودلالة اجتماع هذين الشرطين أن معيار تحديد القوانين المكملة للدستور، والتي يتعين أن يؤخذ فيها رأي مجلس الشورى قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية، لا يجوز أن يكون شكليا صرفا، ولا موضوعيا بحتا، بل قوامه مزاوجة بين ملامح شكلية، وما ينبغي أن يتصل بها من العناصر الموضوعية، على النحو المتقدم بيانه.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان قانون الأحوال الشخصية المطعون عليه، لا يتناول موضوعا نص الدستور على أن يكون تنظيمه بقانون، فإنه أيا كان وجه الرأي في شأن اتصال النصوص التشريعية التي تضمنها قانون الأحوال الشخصية بقاعدة دستورية بطبيعتها أو انفكاكها عنها، فإن مراعاة الشكلية المنصوص عليها في المادة 195 من الدستور لا يكون واجبا من زاوية دستورية، إذ يتعين دوما لاعتبار نص تشريعي مكملا للدستور -وعلى ما سلف بيانه- أن يكون قد تناول مسألة يعتبر موضوعها متعلقا بقاعدة دستورية بطبيعتها متى نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، وهو ما تخلف في واقعة النزاع الماثل، الأمر الذي يكون معه النعي على القانون محل الطعن -من هذا الوجه- مفتقرا إلى الدعامة التي يستند عليها حريا بالرفض.

وحيث إن المدعي يقرر كذلك أن الأحكام التي انتظمها القانون رقم 100 لسنة 1985 في مادته الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 -المشار إليه- وكذلك ما أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هي المواد 5 مكررا في فقرتيها الأولى والثالثة و11 مكررا و18 مكررا و18 مكررا(ثالثا) و23 مكررا في فقرتيها الثانية والثالثة -جميعها معيبة بما يبطلها لمخالفتها المادتين الثانية والتاسعة من الدستور، بالإضافة إلى خروجها على قاعدة عرفية استقر عليها العمل حاصلها أن المسلمين لا يخضعون في أحوالهم الشخصية لغير شريعتهم.

وحيث إن قضاء المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطا لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في الدعوى الدستورية لازما للفصل في مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة –بأكملها أو في شق منها- في الدعوى الموضوعية، فإذا لم يكن له بها من صلة، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة. ومن ثم لا يكون لقيام المصلحة الشخصية المباشرة التي تعتبر شرطا لقبول الدعوى الدستورية، أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفا في ذاته للدستور، بل يتعين أن يكون هذا النص -بتطبيقه على المدعي- قد أخل بأحد الحقوق التي كفلها على نحو ألحق به ضررا مباشرا. إذ كان ذلك، فإن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يغدو متصلا بالحق في الدعوى، ومرتبطا بالخصم الذي أثار المسألة الدستورية، وليس بهذه المسألة في ذاتها منظورًا إليها بصفة مجردة، وهو بذلك يعتبر محددا لفكرة الخصومة في الدعوى الدستورية مبلورا نطاق المسألة الدستورية التي تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ومؤكدا ضرورة أن تكون المنفعة التي يقرها القانون هي محصلتها النهائية، ومنفصلا دوما عن مطابقة النص التشريعي المطعون عليه للدستور أو مخالفته لقيوده ونواهيه، ومستلزما أبدا أن يكون الفصل في المسألة الدستورية موطئا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المدعى ينعى على المواد 5 مكررا بفقرتيها الأولى والثالثة و11 مكررا و23 مكررا بفقرتيها الثانية والثالثة التي أضافتها المادة الأولى من القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 مخالفتها للدستور، وكانت دعويا الموضوع المقامتان من المدعى عليها الرابعة ضد المدعي -واللتان أثير فيهما الدفع بعدم الدستورية- قد توخيتا الحكم باستقلالها وصغيرها منه بمسكن الزوجية حتى تنقضي حضانتها له بالإضافة إلى القضاء لها قبله بمتعة تماثل نفقة مدة حددتها -فإن الفصل في دستورية المواد 5 مكررا بفقرتيها الأولى والثالثة و11 مكررا و23 مكررا بفقرتيها الثانية والثالثة لن يكون لازما للفصل في الطلبات الموضوعية المطروحة أما محكمة الموضوع، إذ ليس لهذه المواد من صلة بتلك الطلبات، بما مؤداه انتفاء ارتباطها بالمصلحة الشخصية المباشرة -وهي شرط قبول الدعوى الدستورية ومناطها- وآية ذلك أن أولى هذه المواد تقرر التزام المطلق بأن يوثق إشهار طلاقه، وتحدد الآثار المترتبة على الطلاق وتاريخ سريانها، أما ثانيتها فغايتها ضمان إعلام كل زوجة على العصمة بالزواج الجديد وتقرير حقها في طلب التطليق من زوجها، وكذلك ضوابط حق الزوجة الجديدة في طلبه، وتبين ثالثتها العقوبة الجنائية التي يتعين توقيعها على المطلق عند مخالفته الأحكام المنصوص عليها في المادة 5 مكررا المشار إليها، متى كان ذلك، فإن المصلحة في الطعن على المواد السالف بيانها، تكون متخلفة.

وحيث إن المدعي ينعى على الفقرة الأولى من المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 بعد تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985 -المشار إليهما- مخالفتها للدستور، وذلك فيما تنص عليه من أن “ينتهي حق حضانة النساء ببلوغ الصغير سن العاشرة وبلوغ الصغيرة سن اثنتي عشرة سنة، ويجوز للقاضي بعد هذه السن إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة حتى تتزوج في يد الحاضنة دون أجر حضانة إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك”.

وحيث إن البين من المذكرة الإيضاحية لهذا النص أن تتبع المنازعات الدائرة في شأن الصغار يدل على أن المصلحة هي في استقرارهم حتى يتوافر لهم الأمان والاطمئنان وتهدأ نفوسهم فلا ينزعوا من يد حاضنتهم، وأنه لا يجوز للقاضي مد فترة الحضانة إلا أن تكون مصلحة الصغير أو الصغيرة في بقاء الحضانة بيد النساء وذلك مع التزام الأب بنفقة المحضون الذاتية من طعام وكساء ومسكن وغير ذلك إلى جانب ما يقضي به العرف أو ما يقوم مقامه، مع حرمان الحاضنة من أجر الحضانة في المدة التي تمتد إليها بأذن القاضي، وبمراعاة أن الغاية التي توخاها المشرع بالفقرة الأولى من المادة 20 – المشار إليها – هي منع الخلاف بين الأب والحاضنة على نزع الحضانة في سن غير مناسبة بقصد النكاية دون رعاية لصالح الصغار، وما يقتضيه الاستقرار النفسي اللازم لسلامة نموهم وحسن تربينهم، وأن السند الشرعي لهذه الأحكام هو مذهب الإمام مالك.

وحيث إن النعي بمخالفة الفقرة الأولى من المادة 20 -المشار إليها- للدستور غير سديد، ذلك أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية بعد تعديلها -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- من سريان حكمها على التشريعات الصادرة بعد العمل به -ومن بينها أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985- مؤداه أنه لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، فهذه الأحكام وحدها هي التي لا يجوز الاجتهاد فيها، وهي تمثل من الشرعية الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلا أو تبديلا. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعا لتغير الزمان والمكان، إذ هي عصية على التعديل ولا يجوز الخروج عليها. وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هي إطارها العام وركائزها الثابتة التي تفرض متطلباتها دوما بما يحول دون إقرار آية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإهدارا لما علم من الدين بالضرورة.

وعلى خلاف هذا، الأحكام الظنية سواء في ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد إلى سواها، وهي تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيما لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعا. ولا بد أن يكون هذا الاجتهاد واقعا في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، مقيما الأحكام العملية بالاعتماد في استنباطها على الأدلة الشرعية، متوخيا من خلالها تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن الحضانة –في أصل شرعتها- هي ولاية للتربية، غايتها الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته. والأصل فيها هو مصلحة الصغير، وهي تتحقق بأن تضمه الحاضنة -التي لها الحق في تربيته شرعا- إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه وصيانته، ولأن انتزاعه منها -وهي أشفق عليه وأوثق اتصالا به وأكثر معرفة بما يلزمه وأوفر صبرا- مضرة به إبان الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره والتي لا يجوز خلالها أن يعهد به إلى غير مؤتمن يأكل من نفقته، ويطعمه نزرا، أو ينظر إليه شزرا. وحين يقرر ولي الأمر حدود هذه المصلحة معرفا بأبعادها، فذلك لأن الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية -القطعية في ثبوتها ودلالتها- لا تقيم لسن الحضانة تخوما لا يجوز تجاوزها، انطلاقا من أن تربية الصغير مسألة لها خطرها، وأن تطرق الخلل إليها –ولو في جوانبها- مدعاة لضياع الولد. ومن ثم تعين أن يتحدد مداها بما يكون لازما للقيام على مصلحته، ودفع المضرة عنه، باعتبار أن مدار الحضانة على نفع المحضون، وأن رعايته مقدمة على آية مصلحة لغيره، حتى عند من يقولون بأن الحضانة لا تتمحض عن حق للصغير، وإنما يتداخل فيها حق من ترعاه، ويعهد إليها بأمره.

ولولي الأمر بالتالي أن يقدر ما يراه خيرا للصغير وأصلح له، بمراعاة أن حقه في الحضانة لا يعتبر متوقفا على طلبها ممن له الحق فيها، وأن ما يصون استقراره النفسي ويحول دون إيذائه، ويكفل تقويمه، من المقاصد الشرعية التي لا يجوز المجادلة فيها، وأن النزول عن الحضانة بعد ثبوتها لا يحول دون العودة إليها. بل إن من المجتهدين من يقول بجواز حمل الحاضنة عليها -بافتراض اجتماع شروطها فيها- كلما كان ذلك ضروريا لصيانة الصغير وحفظه. وقد دل الفقهاء -باختلافهم في زمن الحضانة- وهي الفترة الواقعة بين بدئها وانتهاء الحق فيها -على أن مصلحة الصغير هي مدار أحكامها، وأنها من المسائل الاجتهادية التي تتباين الآراء حولها، كل من وجهة يعتد فيها بما يراه أكفل لتحصيل الخير للصغير في إطار من الحق والعدل.

ولئن كان المتقدمون لا يقدرون للحضانة مدة معينة تنتهي بانتهائها، وإنما يركنون إلى معايير مرنة بطبيعتها ضابطها هو انتهاؤها عند السن التي يبلغها الصغير أو الصغيرة مميزين قادرين على الوفاء بحاجاتهما الأولية مستغنيين تبعا عن خدمة النساء، وكان آخرون من بعدهم قد حدوا للحضانة سنا معينة تنتهي ببلوغها قطعا لكل جدل حولها، إلا أن استقراء أقوال هؤلاء وهؤلاء يدل على أن اجتهاداتهم في شأن واقعة انتهاء الحضانة، مدارها نفع المحضون -صغيرًا كان أم صغيرة- ويتعين بالتالي أن يصار إلى كل ما يصلحه ويكفل وقايته مما يؤذيه، وتربيته إنماء لمداركه ولإعداده للحياة، وبوجه خاص من النواحي النفسية والعقلية، وكان الأصل في حضانة الصغير والصغيرة -على ما تقدم- هو تعهدهما بالرعاية بما يحول دون الإضرار بهما، تعين ألا تكون سن الحضانة محددة بقاعدة جامدة صارمة لا تأخذ في اعتبارها تغير الزمان والمكان، أو تغفل في مجال تطبيقها ما يقتضيه التمييز في نطاق الحضانة بين الصغير والصغيرة بالنظر إلى طبيعة كل منهما، وخصائص تكوينه، ودرجة احتياجه إلى من يقوم على تربيته وتقويمه، وما تتطلبه الذكورة والأنوثة من تنمية ملكاتهما.

وفي ذلك قدر من المرونة التي تسعها الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية المستجيبة دوما للتطور، توخيا لربطها بمصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، وأعرافهم المتغيرة، التي لا تصادم حكما قطعيا، وهي مرونة ينافيها أن يتقيد المشرع بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعا قد جاوزتها، وتلك هي الشريعة في أصولها ومنابتها، شريعة مرنة غير جامدة يتقيد الاجتهاد فيها – بما يقوم عليه من استفراغ الجهد للوصول إلى حكم فيها لا نص عليه- بضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها. ولئن صح القول بأن أهمية الاجتهاد ولزومه لا يوازيها إلا خطره ودقته، فإن من الصحيح كذلك أن لولي الأمر الاجتهاد في الأحكام الظنية بمراعاة المصلحة الحقيقية التي يقوم برهانها من الأدلة الشرعية، وهو ما نحاه النص التشريعي المطعون فيه، ذلك أن السن الإلزامية للحضانة التي حددها -وهي عشر سنين للصغير واثنتا عشرة سنة للصغيرة- لا تعدو أن تكون تقريرا لأحكام عملية في دائرة الاجتهاد بما لا يصادم الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة ومبادئها الكلية، إذ ليس ثمة نص قطعي فيها -في ثبوته ودلالته- يقرر للحضانة سنا لا يجوز لولي الأمر أن يتخطاها، وإنما مرد الأمر في تعيينها إلى ما يترخص ولي الأمر في تقديره مقيدا في ذلك بمصلحة المحضون بما يراه أكفل لها وأدعى لتحقيقها، وبما يحول دون إعناته.

وهو في ذلك لا يصدر عن نظرة تحكمية، بل غايته رفع الحرج وفق أسس موضوعية قدر معها أن مصلحة المحضون لازمها عدم ترويعه بانتزاعه من حاضنته، بما يخل بأمنه واطمئنانه ويهدد استقراره، وأن وجود الولد -ذكرا كان أو أنثى- في يدها سواء قبل بلوغ السن الإلزامية للحضانة، أو بعد بلوغها -حين يقرر القاضي أن المصلحة تقتضي إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة حتى تتزوج- لا يغل يد والدهما عنهما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما، وكان النص المطعون عليه قد تناول أمورا تنظيمية، وتقرر لمصلحة مشروعية يستجلبها،

وقد قال المالكية بما لا يناقض مضمونه بذهابهم إلى أن حضانة الصغير تنتهي إذا بلغ عاقلا غير زمن، وأن أمد الحضانة للصغيرة حتى يدخل بها زوجها، وكان النص التشريعي المطعون عليه قد صدر مستلهما مقاصد الشريعة الكلية، غير مناقض لمقوماتها الأساسية، واقعا في نطاق توجيهاتها العامة التي تحض على الاجتهاد في غير أحكامها القطعية في ثبوتها ودلالتها. إذ كان ذلك، فإن قالة مخالفة هذا النص للمادة الثانية من الدستور لا يكون لها محل.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان ما قررته المادة 18 مكررًا (ثالثًا) -التي أضافها القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية- من إلزامها الزوج المطلق بأن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم مسكنا مستقلا مناسبا، إنما يدور وجودا وعدما مع المدة الإلزامية للحضانة التي قررتها الفقرة الأولى من المادة 20 المطعون عليها، فإن حق الحاضنة في شغل مسكن الزوجية إعمالا للمادة 18 مكررًا (ثالثًا) المشار إليها، يعتبر منقضيا ببلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتي عشرة سنة.

متى كان ذلك، وكان البين من الصورة الرسمية لشهادة ميلاد “…” -ابن المدعي من مطلقته- وهي الشهادة المرفقة بملف الدعوى الموضوعية – أنه ولد في 9 من ديسمبر سنة 1979، فإنه يكون قد جاوز أمد الحضانة الإلزامية، ولم يعد لحاضنته بالتالي أن تستقل مع صغيرها هذا بمسكن الزوجية بعد طلاقها، بما مؤداه انتفاء مصلحة المدعي في الطعن على الأحكام التي تضمنتها المادة 18 مكررا ثالثا آنفة البيان. ولا ينال مما تقدم قالة أن للقاضي أن يأذن للحاضنة بعد انتهاء المدة الإلزامية للحضانة بإبقاء الصغير في رعايتها حتى الخامسة عشرة، والصغيرة حتى تتزوج إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك، ذلك أن ما يأذن به القاضي على هذا النحو، لا يعتبر امتدادا لمدة الحضانة الإلزامية، بل منصرفًا إلى مدة استبقاء تقدم الحاضنة خلالها خدماتها متبرعة بها.

وليس للحاضنة بالتالي أن تستقل بمسكن الزوجية خلال المدة التي شملها هذا الإذن، ذلك أن مدة الحضانة التي عناها المشرع بنص الفقرتين الأولى والرابعة من المادة 18 مكررًا ثالثًا – والتي جعل من نهايتها نهاية لحق الحاضنة وصغيرها من مطلقها في شغل مسكن الزوجية – هي المدة الإلزامية للحضانة على ما تقدم، وغايتها بلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتي عشرة سنة. وببلوغها يسقط حقها في الاستقلال بمسكن الزوجية ليعود إليه الزوج المطلق منفردا في الانتفاع به إذا كان له ابتداء أن يحتفظ به قانونا. ولا محاجة في القول بأن مجرد توافر المصلحة عند رفع الدعوى الدستورية يعتبر كافيا لقبولها ولو قام الدليل على تخلفها قبل الفصل فيها، ذلك أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن توافر شرط المصلحة في الدعوى عند رفعها، ثم تخلفه قبل أن يصدر حكمها فيها، مؤداه زوال هذه المصلحة، ذلك أيا كانت طبيعة المسألة الدستورية التي تدعى المحكمة الدستورية العليا لتقول كلمتها في شأنها.

وحيث إنه عن طلب التدخل الانضمامي، فإنه لما كانت الخصومة في هذا الطلب تعتبر تابعة للخصومة الأصلية، وكان قضاء هذه المحكمة في الدعوى الماثلة قد خلص إلى انتفاء مصلحة المدعي فيها في الطعن بعدم دستورية حكم المادة 18 مكررا(ثالثا) سالفة البيان – فإن عدم قبول الدعوى الدستورية في هذا الشق منها يستتبع بطريق اللزوم انقضاء طلب التدخل الانضمامي، وهو ما تقضى به المحكمة.

وحيث إن المادة 18 مكررًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة إليه بالقانون رقم 100 لسنة 1985 -المشار إليهما- تنص على أن “الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها بدون رضاها ولا بسبب من قبلها، تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل، وبمراعاة حال المطلق يسرا وعسرا وظروف الطلاق ومدة الزوجية، ويجوز أن يرخص للمطلق في سداد هذه المتعة على أقساط”.

وحيث إن المدعي ينعى على هذا النص مخالفته أحكام الشريعة الإسلامية على سند من أن المتعة لا تستحق للمطلقة إلا بشروط ثلاثة هي ألا يسبق الاتفاق على مهرها وألا يدخل زوجها بها وألا يختلي بها خلوة صحيحة قبل طلاقها – هذا إلى أن نفقة العدة هي المقصودة بالمتعة. وهي كذلك أجر لزواج محرم هو الزواج الموقوت. فضلا عن أنها تقيد الحق في الطلاق المعتبر خالصا للزوج. ولا يعدو تقريرها أن يكون شرطا جزائيا مترتبا على إيقاع الطلاق في ذاته. ولا تعرف الشريعة الإسلامية حدا أدنى لها.

وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أن الأصل تشريع المتعة هو النصوص القرآنية التي تعددت مواضعها، منها قوله تعالى “وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين” التي نحا الشافعي في أحد قوليه وكذلك الظاهرية إلى وجوبها، وأيدهم في ذلك آخرون باعتبار أن “حقا” صفة لقوله تعالى “متاعا” وذلك أدخل لتوكيد الأمر بها. هذا بالإضافة إلى أن عموم خطابها مؤداه عدم جواز تخصيص حكمها بغير دليل، وسريانه على كل مطلقة سواء كان طلاقها قبل الدخول بها أم بعده، فرض لها مطلقها مهرا أم كان غير مفروض لها. وجماهير الفقهاء على استحبابها بمقولة افتقارها إلى أمر صريح بها. كذلك فإن تقرير المتعة وجوبا أظهر في آية أخرى إذ يقول تعالى في المطلقة غير المفروض لها ولا مدخول بها “ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتدر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين” بمعنى أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن. والأمر بالإمتاع فيها ظاهر، وإضافة الإمتاع إليهن تمليكا – عندمن يقولون بوجوبها- لا شبهة فيه. وانصرافها إلى المتقين والمحسنين لا يدل على تعلقها بهم دون سواهم، بل هو توكيد لإيجابها باعتبار أن الناس جميعا ملزمون بالامتثال إلى أمر الله تعالى وعدم الانزلاق في معاصيه.

وحيث إن البين من استقراء أقوال الفقهاء في شأن دلالة النصوص القرآنية الوارد في شأن “المتعة” أنهم مختلفون في نطاق تطبيقها من ناحية، وفي وجوبها أو استحبابها من ناحية أخرى، وما ذلك إلا لأن هذه النصوص ظنية في دلالتها، غير مقطوع بمراد الله تعالى منها، وجاز لولي الأمر بالتالي الاجتهاد فيها تنظيما لأحكامها بنص تشريعي يقرر أصل الحق فيها، ويفصل شروط استحقاقها بما يوحد تطبيقها، ويقيم بنيانها على كلمة سواء ترفع نواحي الخلاف فيها ولا تعارض الشريعة في أصولها الثابتة أو مبادئها الكلية.

وحيث إن النص التشريعي المطعون فيه شرط لاستحقاق المتعة شرطين، أولهما: أن تكون المرأة التي طلقها زوجها مدخولا بها في زواج صحيح. وثانيهما: ألا يكون الطلاق برضاها أو من جهتها، وهما شرطان لا ينافيان الشريعة الإسلامية سواء في ركائزها أو مقاصدها، ذلك أن تشريع المتعة يتوخى جبر خاطر المطلقة تطبيبا لنفسها ولمواجهة إيحاشها بالطلاق، ولأن مواساتها من المروءة التي تتطلبها الشريعة الإسلامية، والتي دل العمل على تراخيها لا سيما بين زوجين انقطع حبل المودة بينهما. ولا كذلك المرأة التي تختار الطلاق أو تسعى إليه، كالمختلعة والمبارئة، أو التي يكون الطلاق من قبلها بما يدل على أنه ناجم عن إساءتها أو عائد إلى ظلمها وسوء تصرفها، إذ لا يتصور – وقد تقررت المتعة إزاء غم الطلاق -أن يكون إمتاعها – في طلاق تم برضاها أو وقع بسبب من قبلها- تطبيبا لخاطرها، ولا أن يصلها زوجها بمعونة مالية تزيد على نفقة العدة تخفيفا لآلامها الناجمة عن الفراق.

وما قرره المدعي من أن المتعة لا تستحق إلا للمرأة غير المدخول بها قبل طلاقها، مردود بأن الله تعالى ناط بعباده المتقين الذين يلتزمون بالتعاليم التي فرضها صونا لأنفسهم عن مخالفته، بأن يقدموا لكل مطلقة متاعا يتمحض معروفا بما مؤداه استحقاقها الإمتاع، ولو كان ذلك بعد الدخول بها، كذلك فإن أمهات المؤمنين المدخول بهن، هن اللاتي عنتهن الآية الكريمة التي يقول فيها سبحانه “يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا”. وما قرره النص التشريعي المطعون عليه من أن المتعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسرًا وعسرًا وعلى ضوء ظروف الطلاق ومدة الزوجية مستلهما بذلك في أسس تقديرها قوله تعالى “ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره”، ومستبعدا الآراء التي تقيسها على المهر وتراعي فيها حال الزوجة بالتالي، ومقررا حدا أدنى لها في إطار التكافل الاجتماعي لضمان ألا يقل ما يعود على المرأة منها عما قدره ولي الأمر لازما لتمتيعها بعد طلاقها دون رضاها، ومن غير جهتها، ذلك أن غربتها بالطلاق تؤلمها وتمزق سكينتها، وقد تعرضها لمخاطر تفوق طاقة احتمالها، وغالبا ما يقترن طلاقها بالتناحر والتباغض وانقطاع المؤدة ، فحق ألا يكون أدناها متناهيا في ضآلته صونا للحكمة من تشريعها لا سيما أن من الفقهاء من حدد أدنى ما يجزئ فيها، ومنهم من حدد أرفعها وأوسطها.

وليس في النصوص القرآنية ما يفيد أن الله تعالى قد قدرها أو حددها، بما مؤداه جواز تنظيمها بما يحقق للناس مصالحهم المعتبرة شرعا. ولئن كان النص التشريعي المطعون عليه لا يورد حدا أقصى لتلك المعونة المالية التي يقدمها الرجل لمن طلقها، إلا أن ذلك أدخل إلى الملاءمة التي لا تمتد إليها الرقابة الدستورية، ولا يجوز أن تخوض فيها، لا سيما أن من الفقهاء من يقول بأنه ليس للمتعة عندهم حد معروف لا في قليلها أو كثيرها. كذلك فإن أمر تقديرها فيما يجاوز حدها الأدنى موكول إلى المحكمة المختصة تجيل فيه بصرها معتمدة في تحديد مبلغها على أسس موضوعية لا تفرضها تحكما أو إعناتا، من بينها أن يكون هذا التحديد دائرا مع حال مطلقها يسرا وعسرا، إذ هي متاع تقرر معروفا ولمصلحة لها اعتبارها. والمتقون الممتثلون إلى الله تعالى الطامعون في مرضاته مدعوون إليها، بل ومطالبون بها، باعتبارها أكفل للمودة، وأدعى لنبذ الشقاق وإقامة العلائق البشرية على أساس من الحق والعدل. كذلك فإن اعتداد النص التشريعي بمدة الزوجية وظروف الطلاق في مجال تقدير المتعة الواجبة، لا يتوخى فرض قيود غير مبررة على الحق في الطلاق، وإنما قصد المشرع -بإضافة هذين العنصرين إلى حال المطلق يسرا وعسرا- أن تكون المعونة المالية التي تتبلور المتعة في مبلغها، واقعية قدر الإمكان بما لا إفراط فيه أو تفريط، وهو ما يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض أحكام الدستور أو يخل بضوابطه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولاً: بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية نصوص المواد 5 مكررًا بفقرتيها الأولى والثالثة و11 مكررًا و18 مكررًا (ثالثًا) و23 مكررًا بفقرتيها الثانية والثالثة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية.

ثانيًا: برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن على المادتين 18 مكررا و20 فقرة أولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 -المشار إليهما- وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

برياسة السيد المستشار/ فوزي احمد المملوك – نائب رئيس المحكمة وعضوية السيد المستشار/ محمد عبد الرحيم نافع – نائب رئيس المحكمة والسادة المستشارين: حسن غلاب ومحمد أحمد حسن والصاوي يوسف.

(71)
الطعن رقم 6382 لسنة 53 القضائية

 (1) اشتباه. جريمة “أركانها”. إثبات “بوجه عام”. حكم “تسبيبه. تسبيب غير معيب”. ماهية الاشتباه في حكم المادة الخامسة من القانون 98 لسنة 1945؟
الاشتباه والسوابق. قسيمان في إبراز حالة الاشتباه.
السوابق تكشف على الاتجاه الخطر. لا تنشئه.
جواز الاعتماد على الاتهامات المتكررة لإثبات حالة الاشتباه متى كانت قريبة البون نسبيًا وتكشف عن خطورة المتهم.
 (2) اشتباه. حكم “تسبيبه. تسبيب غير معيب”. إثبات “بوجه عام”.
استعانة المحكمة في عد المتهم مشتبها فيه بشواهد من صحيفة سوابقه. صحيح ولو كانت قبل العمل بالقانون 110 لسنة 1980. علة ذلك؟
(3) تشرد. اشتباه. جريمة “أركانها”. حكم “تسبيبه. تسبيب غير معيب”.
جريمة التشرد. مناط قيامها في حق النساء؟
تبرئة الطاعنة من جريمة التشرد. لا يمنع من إدانتها عن تهمة الاشتباه. متى توافرت موجبات ذلك.

 (4) شريعة إسلامية. دستور. إثبات “شهود”. نقض “أسباب الطعن. ما لا يقبل منها”. قانون “تفسيره”. النص في المادة الثانية من الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. هي دعوة للشارع كي يتخذها مصدرًا رئيسيًا فيما يستنه من قوانين. أحكام الشريعة الإسلامية. متى تكون واجبة التطبيق؟

 (5) إجراءات “إجراءات المحاكمة”. اشتباه. قانون “تفسيره”.
عدم وجود نصوص ملزمة لبيان كيفية جلوس الخبيرين المنصوص عليهما المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 المعدل. أو تحظر محادثتهما القاضي. أثر ذلك؟

————

1 – لما كان من المقرر على ما جرى به قضاء محكمة النقض – أن المادة الخامسة من القانون رقم 98 لسنة 1945 في شأن المتشردين والمشتبه فيهم – إذ عدت مشتبها فيه من حكم عليه اكثر من مرة في احدى الجرائم الواردة به – ومنها الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 10 لسنة 1961 في شان مكافحة الدعارة – أو اشتهر عنه لأسباب مقبولة بانه اعتاد ارتكاب هذه الجرائم فقد دلت بذلك على أن الاشتباه حالة تقوم في نفس خطره قابله للإجرام وهذا الوصف بطبيعته ليس فعلا يحس به من الخارج ولا واقعة مادية يدفعها نشاط الجاني إلى الوجود وإنما افترض الشارع بهذا الوصف كمون الخطر في شخص المتصف به ورتب عليه محاسبته وعقابه.

كما دلت على أن الاشتهار والسوابق قسيمان في إبراز هذه الحالة الواحدة متعادلان في إثبات وجودهما وأن السوابق لا تنشئ بذاتها الاتجاه الذي هو مبنى الاشتباه وإنما هي تكشف عن وجوده وتدل عليه أسوة بالاشتهار ومن ثم جاز الاعتماد على الاتهامات المتكررة التي توجه إلى المتهم – ولو لم تصدر بشأنها أحكام ضده – متى كانت قريبة البون نسبيا وكانت من الجسامة والخطورة بما يكفي لاقتناع القاضي بان صاحبها خطر يجب التحرز منه. لما كان ذلك، وكانت الطاعن لا تنازع في أن الاتهامات التي عول عليها الحكم المطعون فيه بين ما عول – كانت قائمة بالفعل عند صدور الحكم – فان ما تثيره بشأن عدم نهائية الأحكام الصادرة فيها يكون في غير محله.
2 – لا جناح على المحكمة إن هي استعانت في عد المتهم مشتبها فيه بشواهد من صحيفة سوابقه ولو كانت قبل العمل بالقانون رقم 110 لسنة 1980 – الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم والذى أضاف جرائم القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة إلى الحالات التي يجوز توفر حالة الاشتباه بها – ذلك أن المقصود هو مجرد الاستدلال على كمون الخطر في نفس صاحبه عند المحاكمة وذلك لا يعد بسطا لآثار هذا القانون على وقائع سابقة على صدوره لأن المتهم في الواقع وحقيقة الأمر لا يحاكم عن سوابقه الماضية وإنما يحاكم عن الحالة القائمة به وقتئذ ما دام أن القاضي وهو بصدد بحث حالة المتهم القائمة ومحاسبته على اتجاهه الحاضر قد دلل على ما يصل ماضيه هذا بحاضره القائم.
3 – لما كان الحكم المطعون فيه – قد برر قضاءه بتبرئة الطاعن من تهمة التشرد استناداً إلى أنها تحوز (شقة) تؤجرها للغير مفروشة وتدر عليها دخلا يفي بحاجتها ويفيض على نحو لا تتوافر معه جريمة التشرد في حق الطاعن والتي لا تقوم في حق النساء إلا أن كانت الوسيلة غير المشروعة هي دون غيرها مصدر معيشتها – وبالتالي فلم ينف الحكم المطعون فيه عن الطاعنة اعتيادها ارتكاب الأفعال المخالفة للقانون رقم 10 لسنة 1961 بما تقوم معه تهمة الاشتباه بغض النظر عما اذا كانت تجنى مالا من وراء ذلك أم لا – ما دام أن الحكم قد افصح عن اطمئنانه بأنها تعول في معيشتها على مصدر رزق مشروع تنتفى معه جريمة التشرد، ومن ثم فلا تناقض بين ما أنتهى إليه الحكم المطعون فيه من تبرئة الطاعنة من التهمة الأولى وإدانتها عن الثانية.
4 – لما كان ما نص عليه الدستور في المادة الثانية منه من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع – ليس واجب الإعمال بذاته – وإنما هو دعوة للشارع كي يتخذ الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا فيما يستنه من قوانين ومن ثم فان أحكام تلك الشريعة لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص الدستور المشار إليه إلا اذا استجاب الشارع لدعوته وأخرج هذه الأحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها إلى مجال العمل والتنفيذ لما كان ذلك فان ما تثيره الطاعنة في شأن نصاب الشهادة التي عول الحكم المطعون فيه عليها يكون على غير سند من القانون.
5 – لما كان القانون لم ينظم بنصوص ملزمة كيفية جلوس الخبيرين المنصوص عليهما في المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 المعدل بالقانون رقم 110 لسنة 1980 ولم يحظر عليهما محادثة قاضي الدعوى بل على النقيض فانه قد جعل منهما عونا له بما يستتبع بداهة إمكان تبادل الحديث بينهما وبينه بالجلسة دون أن يكون في ذلك ما يشوب إجراءات المحاكمة بما يعيبها، ومن ثم فان ما تثيره الطاعنة في هذا الشأن يكون غير سديد.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنة – بأنها أولا: عدت متشردة بأن لم تكن لها وسيلة مشروعة للتعيش. ثانيا: عدت مشتبها فيها اذ اشتهر عنها لأسباب مقبولة بأنها اعتادت ارتكاب بعض الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 10 لسنة 1961 في شأن مكافحة الدعارة (تسهيل واستغلال) على النحو المبين بالتحقيقات. وطلبت عقابها طبقا للمواد 1، 2/ 1، 4، 5، 7، 6/ أ، 8، 9، 16 من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 المعدل بالقانونين رقمى 157 لسنة 1959، 110 لسنة 1980 الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم، ومحكمة جنح….. قضت حضوريا ببراءة المتهمة من التهمة الأولى المسندة إليها، وبإيداعها احدى مؤسسات العمل لمدة ستة أشهر مع النفاذ عن التهمة الثانية.
فاستأنفت كل من المتهمة والنيابة العامة. ومحكمة…. الابتدائية – بهيئة استئنافية – قضت حضوريا – أولا: بقبول استئناف النيابة العامة والمتهمة شكلا. ثانيا: وفى موضوع الاستئنافين برفضهما وتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به بلا مصاريف جنائية.
فطعنت المحكوم عليها في هذا الحكم بطريق النقض…. الخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعنة بجريمة الاشتباه فقد شابه القصور في التسبيب والتناقض فيه والخطأ في تطبيق القانون واعتراه الفساد في الاستدلال والبطلان في الإجراءات – ذلك أنه عول في إدانة الطاعنة على الأحكام الصادرة ضدها مع أنها لم تصبح نهائية وهو ما تمسك به المدافع عنها والتفت عنه الحكم – وأقام قضاءه بثبوت حاله الاشتباه في حق الطاعنة حملا على سبق اتهامها بمخالفة القانون رقم 10 لسنة 1961 – لوقائع تمت قبل إضافة هذه المخالفات للمادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 – بموجب القانون رقم 110 لسنة 1980 – وبذا فقد اعمل لقانون عقابي أثرا رجعيا وهو ممتنع. كما قضى ببراءة الطاعنة من تهمة التشرد على سند من أن لها مصدر رزق مشروعا بما كان يقتضي بتبرئتها من تهمة الاشتباه. وعول الحكم على الدليل المستمد من أقوال محرر المحضر – وهو دليل غير جائز شرعا لكونه دون حد النصاب العددي للشهادة طبقا للشريعة الإسلامية التي جعلها الدستور المصدر الرئيسي للتشريع.

هذا إلى أن الأوراق خلت مما يفيد تأدية كل من الخبيرين اليمين القانونية أمام محكمة الموضوع وسمحت محكمة أول درجة لهما بالجلوس إلى جوار قاضى الدعوى والتحدث معه – وأخيرا فقد تقاعست النيابة العامة عند استلام مذكرة دفاع الطاعنة أمام المحكمة الاستئنافية – في فترة حجز الدعوى للحكم – فلم تتسلمها إلا في 26 فبراير سنة 1981 بينما صدر الحكم المطعون فيه في أول مارس سنة 1981 وهو ما يعنى أن هذه المذكرة لم تكن بين يدي المحكمة عند إصدار الحكم. وكل ذلك مما يعيب الحكم ويوجب نقضه.
من حيث إن النيابة العامة اتهمت الطاعنة بأنها في ليلة 30 من أكتوبر سنة 1980 – أولا: عدت متشردة بأن لم تكن لها وسيلة مشروعة للتعيش. ثانيا: عدت مشتبها فيها إذ أشتهر عنها لأسباب مقبولة بأنها اعتادت ارتكاب بعض الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 10 لسنة 1961 في شأن مكافحة الدعارة (تسهيل واستغلال) على النحو المبين بالتحقيقات. وطلبت عقابها بالمواد 1، 2/ 1، 4، 5/ 7، 6/ أ، 8، 9، 16 من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 المعدل بالقانونين رقمي 157 لسنة 1959، 110 لسنة 1980 الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم. ومحكمة أول درجة قضت حضوريا ببراءتها من التهمة الأولى وبإيداعها بإحدى مؤسسات العمل لمدة ستة أشهر مع النفاذ عن التهمة الثانية – فاستأنفت النيابة العامة هذا القضاء كما استأنفته الطاعنة – فقضى بقبول الاستئنافين شكلا ورفضهما موضوعا. وقد بين الحكم الابتدائي المؤيد والمكمل بالحكم المطعون فيه – وقائع الاتهام – وانتهى إلى إدانة الطاعنة – اطمئنانا منه الى شهادة رجل الضبط بمحضر الضبط وبتحقيقات النيابة التي تأيدت بالاتهامات السابقة للطاعنة.

لما كان ذلك، وكان من المقرر على ما جرى به قضاء محكمة النقض – أن المادة الخامسة من القانون رقم 98 لسنة 1945 في شأن المتشردين والمشتبه فيهم – اذ عدت مشتبها فيه من حكم عليه اكثر من مرة في احدى الجرائم الواردة به – ومنها الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 10 لسنة 1961 في شأن مكافحة الدعارة – أو أشتهر عنه لأسباب مقبولة بأنه اعتاد ارتكاب هذه الجرائم فقد دلت بذلك على أن الاشتباه حالة تقوم في نفس خطره قابله للإجرام وهذا الوصف بطبيعته ليس فعلا يحس به من الخارج ولا واقعة مادية يدفعها نشاط الجاني إلى الوجود وإنما افترض الشارع بهذا الوصف كمون الخطر في شخص المتصف به ورتب عليه محاسبته وعقابه.

كما دلت على أن الاشتهار والسوابق قسيمان في إبراز هذه الحالة الواحدة متعادلان في إثبات وجودهما وأن السوابق لا تنشئ بذاتها الاتجاه الذي هو مبنى الاشتباه وإنما هي تكشف عن وجوده وتدل عليه أسوة بالاشتهار ومن ثم جاز الاعتماد على الاتهامات المتكررة التي توجه إلى المتهم – ولو لم تصدر بشأنها أحكام ضده – متى كانت قريبة البون نسبيا وكانت من الجسامة والخطورة بما يكفي لاقتناع القاضي بأن صاحبها خطر يجب التحرز منه.

لما كان ذلك، وكانت الطاعن لا تنازع في أن الاتهامات التي عول عليها الحكم المطعون فيه بين ما عول – كانت قائمة بالفعل عند صدور الحكم – فان ما تثيره بشأن عدم نهائية الأحكام الصادرة فيها يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان لا جناح على المحكمة ان هى استعانت في عد المتهم مشتبها فيه بشواهد من صحيفة سوابقه ولو كانت قبل العمل بالقانون رقم 110 لسنة 1980 – الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم والذي أضاف جرائم القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة إلى الحالات التي يجوز توفر حالة الاشتباه بها – ذلك أن المقصود هو مجرد الاستدلال على كمون الخطر في نفس صاحبه عند المحاكمة وذلك لا يعد بسطا لآثار هذا القانون على وقائع سابقة على صدوره لان المتهم في الواقع وحقيقة الأمر لا يحاكم عن سوابقه الماضية وإنما يحاكم عن الحالة القائمة به وقتئذ ما دام أن القاضي وهو بصدد بحث حالة المتهم القائمة ومحاسبته على اتجاهه الحاضر قد دلل على ما يصل ماضيه هذا بحاضره القائم – لما كان ذلك – وكان البين من مطالعة الحكم الابتدائي المؤيد والمكمل بالحكم المطعون فيه – أن المحكمة قد ربطت بين ما شهد به رجل الضبط من نشاط مؤثم للطاعنة – بعد العمل بالقانون رقم 110 لسنة 1980 – وبين سابق اتهاماتها في وقائع من ذات طبيعة هذا النشاط – فإنها تكون قد طبقت حكم القانون بما لا يقال معه أنها أعملت للقانون أثرا رجعيا ويضحى ما تنعاه الطاعنة في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه – قد برر قضاءه بتبرئة الطاعن من تهمة التشرد استناداً إلى أنها تحوز (شقة) تؤجرها للغير مفروشة وتدر عليها دخلا يفي بحاجتها ويفيض على نحو لا تتوافر معه جريمة التشرد في حق الطاعن والتى لا تقوم في حق النساء إلا أن كانت الوسيلة غير المشروعة هي دون غيرها مصدر معيشتها – وبالتالي فلم ينف الحكم المطعون فيه عن الطاعنة اعتيادها ارتكاب الأفعال المخالفة للقانون رقم 10 لسنة 1961 بما تقوم معه تهمة الاشتباه بغض النظر عما اذا كانت تجنى مالا من وراء ذلك أم لا – ما دام أن الحكم قد افصح عن اطمئنانه بأنها تعول في معيشتها على مصدر رزق مشروع تنتفى معه جريمة التشرد، ومن ثم فلا تناقض بين ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من تبرئه الطاعنة من التهمة الأولى وإدانتها عن الثانية.

لما كان ذلك، وكان ما نص عليه الدستور في المادة الثانية منه من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع – ليس واجب الإعمال بذاته – وإنما هو دعوة للشارع كي يتخذ الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا فيما يستنه من قوانين ومن ثم فان أحكام تلك الشريعة لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص الدستور المشار إليه إلا اذا استجاب الشارع لدعوته وأخرج هذه الأحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها إلى مجال العمل والتنفيذ لنما كان ذلك فان ما تثيره الطاعنة في شأن نصاب الشهادة التي عول الحكم المطعون فيه عليها يكون على غير سند من القانون.

لما كان ذلك، وكان القانون لم ينظم بنصوص ملزمة كيفية جلوس الخبيرين المنصوص عليهما في المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 المعدل بالقانون رقم 110 لسنة 1980 ولم يحظر عليهما محادثة قاضى الدعوى بل على النقيض فانه قد جعل منهما عونا له بما يستتبع بداهة إمكان تبادل الحديث بينهما وبينه بالجلسة دون أن يكون في ذلك ما يشوب إجراءات المحاكمة بما يعيبها، ومن ثم فان ما تثيره الطاعنة في هذا الشأن يكون غير سديد.

أما ما تنعاه بخلو الأوراق مما يفيد تأديتهما لليمين القانونية، فمردود بأن الحكم المطعون فيه لم يعول في قضائه بالإدانة على رأى لأيهما بما تنتفي معه مصلحة الطاعنة في إثارته ويضحى نعيها في خصوصه غير مقبول.

أما ما تأخذه الطاعنة على النيابة العامة من تأخرها في استلام مذكرة دفاعها في فترة حجز الدعوى للحكم – فذاك نعى لا يستهدف قضاء الحكم ويخرج عن استدلاله بما يجعله في غير محله فضلا عن أن تاريخ استلام النيابة العامة لهذه المذكرة – على ما تسلم به الطاعنة في أسباب طعنها جاء سابقا على صدور الحكم المطعون فيه بما يعني أن دفاعها كان تحت بصر محكمة الموضوع وقت إصدار الحكم بما يجعل ما تثيره في غير محله. لما كان ما تقدم، فان الطعن برمته يكون على غير أساس متعينًا رفضه موضوعًا.

في الثامن عشر من شهر مايو لسنة 1996م؛ أسست المحكمة الدستورية العليا -تفصيلا- لموقفها تجاه مفهوم “مباديء الشريعة الإسلامية” الوارد في المادة الثانية من الدستور، وأوضحت دور ولي الأمر في التشريع وفقا لهذا المفهوم.

نص الحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 18 مايو 1996 الموافق 30 ذو الحجة 1416هـ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر

رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين: محمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين

أعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي على جبالي

رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدي أنور

صابر أمين السر

أصدرت الحكم الأتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 8 لسنة 17 قضائية “دستورية”. المحالة من محكمة القضاء الإداري بالحكم الصادر عنها في الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية.

المقامة من

السيد/ ….

 بصفته وليا طبيعيا على ابنتيه …

ضد

1-  السيد/ وزير التعليم

2- السيد/ مدير مديرية التعليم بالإسكندرية

3- السيدة/ مديرة مدرسة إيزيس الثانوية بنات بالسيوف

الإجراءات

ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، بإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن السيد/ … كان قد أقام أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية – وبصفته وليا طبيعيا على إبنتيه … – الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية ضد وزير التعليم، طالبا فيها الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي الصادر بالامتناع عن قبول ابنتيه هاتين بإحدى المدارس الثانوية. وقال شرحا لدعواه، إنه كان قد توجه بهما إلى مدرسة إيزيس الثانوية للبنات بالسيوف، إلا أنه فوجئ بطردهما منها تأسيسا على صدور قرار من وزير التعليم يمنع الطالبة المنتقبة من دخولها بالمخالفة لحكم المادتين 2، 41 من الدستور التي تنص أولاهما: على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي لكل تشريعاتها، وتكفل ثانيتهما: صون الحرية الشخصية وتحول دون المساس بها. وقد قضت محكمة القضاء الإداري – وأثناء نظرها الشق العاجل من الدعوى – أولا: بقبول الدعوى شكلا، وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه فيما تضمنه من منع ابنتي المدعي من دخول مدرستهما منتقبتين، وألزمت الإدارة المصروفات وأمرت بتنفيذ الحكم بموجب مسودته بغير إعلان. ثانيا: إحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 والمفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994. وأقامت محكمة القضاء الإداري قضاءها على أن القرار المطعون فيه، قد صدر استنادا إلى قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 الصادر في 17/8/1994 متضمنا تحديد هيئة الزي المدرسي من حيث لونه وشكله ومكوناته، ومفسرا بمقتضى قراره رقم 208 لسنة 1994، وإن الفصل فيما إذا كان هذان القراران – وقد انطويا على قواعد عامه مجردة – يخلان بحرية العقيدة التي كفل الدستور أصلها بنص المادة 46، مما يدخل في ولاية المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، لتكون كلمتها في شأن اتفاقهما أو تعارضهما مع الدستور، قولا فصلاً، مما يقتضى إحالة الأوراق إليها – وعملا بالبند (أ) من المادة 29 من قانونها – وذلك للفصل في دستورية هذين القرارين. وحيث إن البين من قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المشار إليه، أنه نص في مادته الأولى على أن يلتزم تلاميذ وتلميذات المدارس الرسمية والخاصة، بارتداء زي موحد وفقا للمواصفات الآتية: أولا: الحلقة الابتدائية “بنين وبنات” مريلة تيل لجميع التلاميذ باللون الذي تختاره المديرية التعليمية – يمكن ارتداء بنطلون في فصل الشتاء يكون موحدا ومناسبا طبقا لما تحدده المديرية التعليمية. ويجوز استبدال المريلة بقميص وجونلة بطول مناسب بالنسبة للبنات، وقميص وبنطلون بالنسبة للبنين مع ارتداء بلوفر أو جاكت في فصل الشتاء وفق ما تقرره المديرية التعليمية. – حذاء مدرسي وجورب مناسب بلون الزي المختار. ثانيا: الحلقة الإعدادية: 1- التلاميذ: بنطلون طويل – قميص بلون مناسب – في فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية. 2 – التلميذات: بلوزة بيضاء – مريلة من قماش تيل (دريل) بحمالات باللون الذي تختاره المديرية التعليمية – في فصل الشتاء يمكن أن يكون قماش المريلة صوفا، ويمكن كذلك أن ترتدي التلميذة بلوفر أو جاكت بلون المريلة. ويجوز استبدال المريلة بقميص طويل بطول مناسب – حذاء مدرسي وجورب بلون مناسب للزي المختار. يمكن بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر أن ترتدي التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذي تختاره المديرية التعليمية. ثالثا: المرحلة الثانوية وما في مستواها: 1- التلاميذ: بنطلون طويل – قيمص بلون مناسب – في فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية. 2- التلميذات: بلوزة بيضاء – جونلة تيل بطول مناسب بلون تحدده المديرية التعليمية – في فصل الشتاء يمكن أن تكون المريلة صوفا، كما يمكن أن ترتدي التلميذة بلوفرا أو جاكيتا بلون المريلة – يمكن بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر، أن ترتدي التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذي تختاره المديرية التعليمية – حذاء مدرسي وجورب بلون مناسب للزي المختار.

وتكفل المادتان الثانية والثالثة من هذا القرار، إعلان الزي المدرسي المقرر على تلاميذ كل مدرسة وتلميذاتها في مكان ظاهر قبل بدء العام الدراسي بشهرين على الأقل، ولا يجوز لمن يخالف حكم المادة الأولى من هذا القرار من تلاميذها أو تلميذاتها دخول مدرستهم أو الانتظام فيها وبمراعاة أن يكون زيهم مناسبا في كل الأحوال سواء في مظهره أو أسلوب ارتدائه.

وحيث إن وزير التعليم أصدر بعد القرار الأول – وإزاء ما التبس بمعناه من غموض – قرارا ثانيا مفسرا للقرار السابق ومحددا فحواه، ومن ثم نص القرار اللاحق – وهو القرار رقم 208 لسنة 1994 – على أن يقصد بالعبارات التالية – في تطبيق أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994 – المعاني المبينة قرين كل منها. أولا: بالنسبة إلى تلميذات المرحلتين الإعدادية والثانوية: 1- بناء على طلب مكتوب من ولي الأمر: أن يكون ولي الأمر على علم باختيار التلميذة لارتداء غطاء الشعر، وإن اختيارها لذلك وليد رغبتها دون ضغط أو إجبار من شخص أو جهة غير ولي الأمر، وعلى ذلك لا تمنع التلميذة من دخول مدرستها إذا كانت ترتدي غطاء للشعر، وإنما يحل لها الدخول، على أن يتم التحقق من علم ولي الأمر. 2- غطاء الشعر: الغطاء الذي تختاره التلميذة برغبتها بما لا يحجب وجهها. ولا يعتد بأية نماذج أو رسوم توضيحية تعبر عن غطاء الشعر بما يناقض ذلك. ثانيا: بالنسبة للتلميذات في جميع مراحل التعليم الثلاث: أن يكون الزي مناسبا في مظهره وأسلوب ارتدائه: المحافظة في الزي بما يرعى الاحتشام، وبما يتفق مع تعاليم وأخلاق مجتمعهن. وكل زي يخرج على هذا الاحتشام، يكون مخالفا للزي المدرسي، ولا يسمح للتلميذة التي ترتديه بدخول مدرستها.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية – بعد تعديلها في سنة 1980 – من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتمخض عن قيد يجب على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل عليه في تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل – ومن بينها أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994، المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 المطعون عليهما – فلا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً.

 ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ هي عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هي إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دوماً بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكاراً لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيما لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دوماً واقعا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزما ضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، تطويرا لقواعد عملية تكون في مضمونها أرفق بالعباد وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي تشرع الأحكام لتحقيقها، وبما يلائمها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولا ولا مطلوبا، ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية في المسائل المختلف عليها ليس لها في ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعا ثابتا متقرراً لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى، وإنكارا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد. بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبا. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالإتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء استقر عليها العمل زمنا. وتلك هي الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها – وفيما لا نص عليه – بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التي ينافيها أن يتقيد ولي الأمر في شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعا قد جاوزتها.

وحيث إن من المقرر – على ضوء ما تقدم – أن لولي الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما في ذلك أن المصالح المعتبرة، هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد – مضمونا ونطاقا – على ضوء أوضاعها المتغيرة. يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيراً ما قرروا أحكاما متوخين بها مطلق مصالح العباد، طلبا لنفعهم أو دفعا لضرر عنهم أو رفعا لحرجهم، باعتبار أن مصالحهم هذه، تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها. وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوما لها لا يجوز اقتحام آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها. ولا يجوز بالتالي أن يكون تنظيم هذه الحقوق، مناقضا لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفا ومبرراً.

وحيث إن البين من المطاعن التي نسبتها محكمة الموضوع إلى القرار المطعون فيه، وكذلك تلك التي طرحها الطاعن عليها باعتباره والد الطالبتين اللتين طردتا من مدرستهما لتنقبهما، أنها لا تتعلق بأزياء البنين من طلبة المراحل الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية وما في مستواها من ناحية هيئتها ومكوناتها، ولكنها تتناول أصلا ما تقرر لطالباتها من أزياء سواء في مظهرها أو مواصفاتها أو أسلوبهن في ارتدائها، وكذلك ملامح وخصائص خُمِْرهن، لتنحصر المناعي الدستورية في هذا النطاق لا تتعداه. وحيث إن القرار المطعون فيه، قد قرر لكل فتاة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التي نص عليها، هيئة محددة لزيها تكفل في أوصافها الكلية، مناسبتها لها، ولا يكون موضعها من بدنها كاشفا عما ينبغي ستره منها، بل يكون أسلوبها في ارتدائها كافلا احتشامها، ملتزما تقاليد وأخلاق مجتمعها.

وحيث إن الشريعة الإسلامية – في تهذيبها للنفس البشرية وتقويمها للشخصية الفردية – لا تقرر إلا جوهر الأحكام التي تكفل بها للعقيدة إطارا يحميها، ولأفعال المكلفين ما يكون ملتئما مع مصالحهم المعتبرة، فلا يبغونها عوجا، ولا يحيدون أبدا عن الطريق إلى ربهم تعالى، بل يكون سلوكهم أطهر لقلوبهم، وأدعى لتقواهم. وفي هذا الإطار، أعلى الإسلام قدر المرأة، وحضها على صون عفافها، وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال، لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها، وعلى الأخص من خلال تبرجها، أو لينها في القول، أو تكسر مشيتها؛ أو من خلال إظهارها محاسنها إغواءً لغيرها، أو بإبدائها ما يكون خافيا من زينتها. وليس لها شرعا أن تطلق إرادتها في اختيارها لزيها، ولا أن تقيم اختيارها هذا بهواها، ولا أن تدعى تعلق زيها بدخائلها، بل يتعين أن يستقيم كيانها، وأن يكون لباسها عونا لها على القيام بمسئوليتها في مجال عمارة الأرض، وبمراعاة أن هيئة ثيابها ورسمها، لا تضبطهما نصوص مقطوع بها سواء في ثبوتها أو دلالتها، لتكون من المسائل الإختلافية التي لا ينغلق الاجتهاد فيها، بل يظل مفتوحا في إطار ضابط عام حددته النصوص القرآنية ذاتها إذ يقول تعالى “وليضرين بخمرهن على جيوبهن” “ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها” “يدنين عليهن من جلابيبهن” “ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن” ليخرج لباس المرأة بذلك عن أن يكون من الأمور التعبدية التي لا تبديل فيها، بل يكون لولي الأمر السلطة الكاملة التي يشرع بها الأحكام العملية في نطاقها، تحديدا لهيئة ردائها أو ثيابها على ضوء ما يكون سائدا في مجتمعها بين الناس مما يعتبر صحيحا من عاداتهم وأعرافهم التي لأي صادم مفهومها نصا قطعيا، بل يكون مضمونها متغيرا بتغير الزمان والمكان، وإن كان ضابطها أن تحقق الستر بمفهومه الشرعي، ليكون لباس المرأة تعبيراً عن عقيدتها.

وحيث إن تنازع الفقهاء فيما بينهم في مجال تأويل النصوص القرآنية، وما نقل عن الرسول من أحاديثه صحيحها وضعيفها، وإن آل إلى تباين الآراء في شأن لباس المرأة، وما ينبغي ستره من بدنها، إلا أن الشريعة الإسلامية – في جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها – تتوخى من ضبطها لثيابها، أن تعلي قدرها، ولا تجعل للحيوانية مدخلا إليها، ليكون سلوكها رفيعا لا ابتذال فيه ولا اختيال، وبما لا يوقعها في الحرج إذا اعتبر بدنها كله عورة مع حاجتها إلى تلقي العلوم على اختلافها، وإلى الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التي تختلط فيها بالآخرين، وليس متصورا بالتالي أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن يطلب منها على وجه الإقتضاء، أن تكون شبحا مكسوا بالسواد أو بغيره، بل يتعين أن يكون لباسها شرعا قرين تقواها، وبما لا يعطل حركتها في الحياة، فلا يكون محدداً لجمال صورتها، ولا حائلا دون يقظتها، ومباشرتها لصور النشاط التي تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازنا بين الأمرين، ومُحَدَّدا على ضوء الضرورة، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفا صحيحين. ولا يجوز بالتالي أن يكون لباسها، مجاوزا حد الاعتدال، ولا احتجابا لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافا، ولا إسدالا لخمارها من وراء ظهرها، بل اتصالا بصدرها ونحرها فلا ينكشفان، مصداقا لقوله تعالى “وليضربن بخمرهن على جيوبهن” واقترانا بقوله جل شأنه بأن “يدنين عليهن من جلابيبهن” فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا مالا يعد عورة، وهما وجهها وكفاها، بل وقدماها عند بعض الفقهاء “ابتلاء بإبدائهما” على حد قول الحنفية، ودون أن يضربن بأرجلهن “ليعلم ما يخفين من زينتهن”. وقد دعا الله تعالى الناس جميعا أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا، وهو ما يعني أن التزامها حد الاعتدال، يقتضي ألا تصفها ثيابها ولا تشي بما تحتها من ملامح أنوثتها، فلا يكون تنقبها مطلوبا منها شرعا طلبا جازما، ولا سترها لزينتها شكلا مجردا من المضمون، بل يتعين أن يكون مظهرها منبئا عن عفافها، ميسرا لإسهامها المشروع فيما يعينها على شئون حياتها، ويكون نائيا بها عن الابتذال، فلا يقتحمها رجال استمالتهم إليها بمظاهر جسدها، مما يقودها إلى الإثم انحرافا، وينال من قدرها ومكانتها.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان تحريم أمر أو شأن من الشئون، لا يتعلق بما هو محتمل، بل بما يكون معلوما بنص قطعي، وإلا ظل محمولا على أصل الحل؛ وكان لا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعا أن يكون احتجابا كاملا، متخذا نقابا محيطا بها منسدلا عليها لاُ يظِْهر منها إلا عينيها ومحجريهما، فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وقدميها عند البعض، لا يكون تأويلا مقبولا، ولا معلوما من الدين بالضرورة، ذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا يتصل بهذه الأجزاء من بدنها، بل إن كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها، ويفرضون نوعا من الرقابة على سلوكها، وهو كذلك أكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها، وأدعى لرفع الحرج عنها. وما ارتآه البعض من أن كل شئ من المرأة عورة حتى ظفرها، مردود بأن مالكا وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية عنه، والمشهور عند الشافعية، لا يرون ذلك. والرسول عليه السلام يصرح بأن بلوغ المرأة المحيض، يقتضيها أن يكون ثوبها ساترا لبدنها عدا وجهها وكفيها.

وحيث إن استقراء الأحكام التي جرى بها القرار المطعون فيه، يدل على أن لكل طالبة أن تتخذ خماراً تختاره برغبتها، ولا يكون ساترا لوجهها، على أن يشهد ولي أمرها بأن اتخاذها الخمار غطاء لرأسها، ليس ناجما عن تدخل آخرين في شئونها بل وليد إراداتها الحرة، وهي شهادة يمكن أن يقدمها بعد انتظامها في دراستها. كذلك دل هذا القرار، على أن زيها ينبغي أن يكون مناسبا مظهرا وطرازا – لا بمقاييسها الشخصية – ولكن بما يرعى احتشامها، ويكون موافقا لتقاليد وأخلاق مجتمعها. ولا يجوز أن يكون أسلوبها – في مجال ارتدائها لزيها – دالا على فحشها. ولا يناقض القرار المطعون فيه – في كل ما تقدم – نص المادة الثانية من الدستور، ذلك أن لولي الأمر – في المسائل الخلافية – حق الاجتهاد بما ييسر على الناس شئونهم، ويعكس ما يكون صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم، وبما لا يعطل المقاصد الكلية لشريعتهم التي لا ينافيها أن ينظم ولي الأمر – في دائرة بذاتها – لباس الفتاة، فلا يكون كاشفاً عن عورتها أو ساقيها، ولا واشياً ببدنها، أو منبئاً عما لا يجوز إظهاره من ملامحها، أو نافياً لحيائها، وهو ما توخاه هذا القرار، حين ألزم كل تلميذة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التي نص عليها، بأن يكون زيها مناسباً حائلاً دون تبذلها، ناهياً عن عريها أو إظهار مفاتنها، بل إن أسلوبها في ارتداء زيها يتعين فوق هذا، أن يكون ملائماً لقيمها الدينية التي تندمج بالضرورة في أخلاق مجتمعها وتقاليده.كذلك فإن خمارها وفقاً لهذا القرار، ليس إلا غطاء لرأسها لا يحجب وجهها وكفيها، وإن كان مترامياً إلى صدرها ونحرها، فلا يكفى أن تلقيه من وراء ظهرها.

 وحيث إن النعي على القرار المطعون فيه، مخالفته لحرية العقيدة التي نص عليها الدستور في المادة 46، مردود بأن هذه الحرية – في أصلها – تعني ألا يحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها، أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها، أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو ازدرائها، بل تتسامح الأديان فيما بينها، ويكون احترامها متبادلاً. ولا يجوز كذلك في المفهوم الحق لحرية العقيدة، أن يكون صونها لمن يمارسونها إضراراً بغيرها، ولا أن تيسر الدولة – سرا أو علانية – الانضمام إلى عقيدة ترعاها، إرهاقا لآخرين من الدخول في سواها، ولا أن يكون تدخلها بالجزاء عقابا لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها. وليس لها بوجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها على البعض . كذلك فإن حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية ممارسة شعائرها، وهو ما حمل الدستور على أن يضم هاتين الحريتين في جملة واحدة جرت بها مادته السادسة والأربعون بما نصت عليه من أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية، مكفولتان. وهو ما يعني تكاملهما، وأنهما قسيمان لا ينفصلان، وأن ثانيتهما تمثل مظاهر أولاهما باعتبارها انتقالاً بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها في الوجدان، إلى التعبير عن محتواها عملاً ليكون تطبيقها حياً، فلا تكمن في الصدور، ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا قيد عليها، وأن ثانيتهما يجوز تقييدها من خلال تنظيمها، توكيدا لبعض المصالح العليا التي ترتبط بها، وبوجه خاص ما يتصل منها بصون النظام العام والقيم الأدبية، وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه لا ينال من حرية العقيدة، ولا يقوض أسسها أو يعطل شعائر ممارستها ولا يناهض جوهر الدين في الأصول الكلية التي يقوم عليها، بل يعتبر اجتهادا مقبولا شرعا لا يتوخى غير تنظيم رداء للفتاة – في دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل الدراسية التي حددها – بما لا ينتقص من حيائها أو يمس عفافها، أو يشى بعوراتها، فإن هذا القرار يدخل في دائرة تنظيم المباح، ولا يعد افتتائا على حرية العقيدة.

وحيث إن ما ينعاه المدعي من إخلال القرار المطعون فيه بالحرية الشخصية بمقولة أن قوامها الاستقلال الذاتي لكل فرد بالمسائل التي تكون أكثر إتصالاً بمصيره وتأثيراً في أوضاع الحياة التي اختار أنماطها، لتكتمل لشخصيته ملامحها، مردود بأنه حتى وإن جاز القول بأن مظهر الشخص من خلال الأزياء التي يرتديها، يبلور إرادة الاختيار التي تمثل نطاقاً للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها، إلا أن إرادة الاختيار هذه، ينبغي قصر مجال عملها على ما يكون لصيقاً بالشخصية، مرتبطاً بذاتية الإنسان في دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية في أدق توجهاتها، وأنبل مقاصدها، كالحق في اختيار الزوج وتكوين الأسرة، وأن يتخذ الشخص ولداً، ولا يجوز بالتالي بسطها إلى تنظيم محدد، ينحصر في دائرة بذاتها، يكون الصالح العام ماثلاً فيها، ضبطا لشئون هؤلاء الذين يقعون في محيطها، ويندرج تحتهم طلبة المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية وطالباتها، وهو ما يعني أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن يفرض المشرع “في دائرة بذاتها” قيودا على الأزياء التي يرتديها بعض الأشخاص “في موقعهم من هذه الدائرة” لتكون لها ذاتيتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون في مظهرهم عمن سواهم، ليكون زيهم موحدا، متجانسا ولائقا، دالا عليهم ومُعَرفا بهم، وميسرا صوراً من التعامل معهم، فلا تكون دائرتهم هذه نهبا لآخرين يقتحمونها غيلة وعداونا، ليلتبس الأمر في شأن من ينتمون إليها حقا وصدقا.

 وحيث إن التعليم وإن كان حقا مكفولاً من الدولة، إلا أن التعليم كله – وعلى ما تنص عليه المادة 18 من الدستور – خاضع لإشرافها، وعليها بالتالي أن ترعى العملية التعليمية بكل مقوماتها، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها، وأن يكون تنظيمها لشئون طلبة بعض المعاهد وطالباتها مبررا من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم، والأغراض التي توخاها وارتبط بها، وهو ما تحقق في واقعة النزاع الراهن على ضوء الشروط التي حددها القرار المطعون فيه لأزياء المراحل التعليمية الثلاث التي نص عليها، ذلك أن هذا القرار لم يطلق أزياء طلبتها وطالباتها من القيود، بل جعل رداءهم محتشماً موحداً وملائماً، فلا يندمجون في غيرهم، أو يختلطون بمن سواهم، بل يكون زيهم في معاهد هذه المراحل، معرفا بهم دالاً عليهم، كافلا صحتهم النفسية والعقلية، وبما لا يخل بقيمهم الدينية، فلا يتفرقون بدداً.

وحيث إن القرار المطعون فيه لا يناقض أحكام الدستور من أوجه أخرى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوةِ.

صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره، أما المستشار عبد الرحمن نصير الذي سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع مسودة الحكم، فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار محمد عبد القادر عبد الله.

واستند الرفض على قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994.

المصد: 

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع عشر مــــن ديسمبر سنة 2022م، الموافق الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة 1444 هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر                   رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمـــد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني             نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري    رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ محمـد ناجي عبد السميع                   أمين السر

أصدرت الحكم الآتي:

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 94 لسنة 26 قضائية “دستورية”

المقامة من:

صبحي بشرى جورج إسكندر

ضــد

1 – رئيــــــــس الجمهوريــــــــــــــــــــة

2 – وزيــــــــــــــــــــر الماليـــــــــــــــــــــــــة

الإجراءات:

  بتاريخ السابع والعشرين من أبريل سنة 2004، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم 111 لسنة 1975 ببعض الأحكام الخاصة بشركات القطاع العام، المستبدلة بالقانون رقم 112 لسنة 1976، وما تضمنته المادة الثانية من القانون الأخير من نفاذ هذا التعديل بأثر رجعى اعتبارًا من تاريخ العمل بالقانون الأول، وبسقوط قرار وزير المالية رقم 113 لسنة 1978 فيما نصت عليه مادته الثالثة من حلول المصلحة العامة للضرائب “ضرائب النقل بالإسكندرية”، في حق إيجار الشقة رقم (5) بالعقار (21) شارع طلعت حرب الإسكندرية، محل مؤسسة النقل البحري الملغاة.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

المحكمـــــة

            بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 5928 لسنة 2000 مدني كلي، أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية، مخاصمًا فيها المدعى عليه الثاني، بصفته الرئيس الأعلى لمصلحة الضرائب، ومراقب عام مأمورية ضرائب ثان شرق الإسكندرية، طالبًا الحكم بإخلاء الشقة والغرفة المبينتين بأصل الصحيفة، والتسليم. وقال بيانًا لدعواه: إنه خلف خاص لملاك العقار الكائنة به العين محل النزاع، وأن المدعى عليه الثاني يضع يده عليها دون سند، مما حدا به إلى إقامة دعواه السالفة. ندبت المحكمة خبيرًا أودع تقريره مضمنًا إياه: أنه بموجب عقد الإيجار المؤرخ 1/4/1970، استأجرت المؤسسة المصرية العامة للنقل البحري العين محل النزاع من الحارس العام على أموال الخاضعين للأمر العسكري رقم 138 لسنة 1961، ونفاذًا لقرار التخلي والإفراج النهائي رقم 200 لسنة 1976، تسلم سلف المدعي هذا العقار في 10/3/1976، ثم أصدر وزيــــــر المالية قــــــراره رقــــــم 113 لسنة 1978 بتاريخ 30/5/1978، بحلول المصلحة العامة للضرائب محل المستأجر الأصلي في حقوقه، وتنازل له عن عقد إيجار العين محل النزاع اعتبارًا من 1/7/1978، ثم آلت إلى المدعي ملكية العقار من ورثة المالك الأصلي بموجب عقدي البيع المؤرخين30/5/1994 و21/6/1995، المقضي بصحتهما ونفاذهما في الدعوى رقم 2270 لسنة 1997 مدني كلي الإسكندرية. تدوولت الدعوى بالجلسات، وبجلسة 26/3/2003، حكمت المحكمة برفض الدعوى، استنادًا إلى ما استخلصته من الأوراق من وجود موافقة صريحة من ورثة المالك الأصلي على هذا الحلول. طعن المدعي على الحكم أمام محكمة استئناف الإسكندرية بالاستئناف رقم 2426 لسنة 59 قضائية. وبجلسة 23/12/2003، قدم المدعي مذكرة ضمنها دفعًا بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم 111 لسنة 1975 المستبدلة بالقانون رقم 112 لسنة 1976، وما تضمنته المادة الثانية من القانون الأخير، من نفاذ هذا التعديل بأثر رجعي، اعتبارًا من تاريخ العمل بالقانون رقم 111 لسنة 1975، لمخالفتهما نصوص المــــــــواد (7، 32، 34) من دستور 1971. وإذ قدرت تلك المحكمة جدية الدفع، وصرحت للمدعي برفع الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة.

وحيث إن الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم 111 لسنة 1975 ببعض الأحكام الخاصة بشركات القطاع العام، المستبدلة بالمادة الأولى من القانون رقم 112 لسنة 1976 بتعديل بعض أحكام القانون الأول قد نصت على أنه

ولوزيـــــر المالية أن يحل إحدى الجهـــــــــات الحكومية أو الهيئات العامة أو شركات القطاع العام محل المؤسسات الملغاة في حق إيجار الأماكن التي تشغلها“.

ونصت المادة الثانية من القانون رقم 112 لسنة 1976 المشار إليه على أنه “يُنشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويُعمل به من تاريخ العمل بالقانون رقم 111 لسنة 1975”.

ونص قــرار وزير المالية رقــــــم 113 لسنة 1978 فـــــي المــــــــادة (3) منــه، – التي تم نشرهــــــــــــا في الوقائع المصرية، العدد 184 بتاريخ 8/8/1978- على أن

“تحل المصلحة العامة للضرائب (ضرائب النقل بالإسكندرية) في حق إيجار الشقة رقم (5) بالعقار (21) شارع طلعت حرب بالإسكندرية محل مؤسسة النقل البحري الملغاة “.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطًا لقبول الدعوى الدستورية، ومناطها، أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت رحي النزاع الموضوعي تدور حول طلب المدعي الحكم بإخلاء مصلحة الضرائب من العين محل التداعي، مع التسليم، وكان النصان المطعون فيهما قد خولا وزير المالية، أن يحل بأثر رجعى، إحدى الجهات الحكومية أو الهيئات العامة أو شركات القطاع العام محل المؤسسة الملغاة، في حق إيجار الأماكن التي تشغلها، دون اشتراط موافقة المؤجر، وكان العقار محل التداعي مؤجرًا للمؤسسة المصرية العامة للنقل البحري بالعقد المؤرخ 1/4/1970، ثم حلت محلها المصلحة العامة للضرائب “ضرائب النقل بالإسكندرية” في حق إيجار الوحدة المشار إليها في الدعوى الموضوعية، بموجب قرار وزير المالية رقم 113 لسنة 1978، إعمالاً لنص المادتين المطعون عليهما، ومن ثم تتوافر للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة في اختصام هذين النصين، لما للقضاء في دستوريتهما من أثر مباشر وانعكاس أكيد على الطلبات المطروحة في الدعوى الموضوعية، وقضاء محكمة الموضوع فيها، ويتحدد نطاق الدعوى المعروضة فيما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم 111 لسنة 1975 ببعض الأحكام الخاصة بشركات القطاع العام المستبدلة بالمادة الأولى من القانون رقم 112 لسنة 1976، وعجز المادة الثانية من القانون الأخير، فيما تضمنتاه من تخويل وزير المالية أن يحل إحدى الجهات الحكومية محل المؤسسات العامة الملغاة في حق إيجار الأماكن التي تشغلها، بأثر رجعى، اعتبارًا من تاريخ العمـــــــــل بالقانــــــــون رقم 111 لسنة 1975. ولا ينال من توافر المصلحة في الدعوى المعروضة انتهاء العمل بالنصين المطعون فيهما بعد إلغاء القانون رقم 111 لسنة 1975 بمقتضى القانون رقم 97 لسنة 1983 بإصدار قانون هيئات القطاع العام وشركاته؛ إذ المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلغاء النص التشريعي المطعون فيه، لا يحول دون الفصل في دستوريته بالنسبة لمن طُبق عليهم خلال فترة نفاذه وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة لهم.

      حيث إن المدعي ينعى على النصين المطعـــــــــون فيهما أنهما خولا وزير المالية، بقرار منه، أن يحل بأثر رجعى، إحدى الجهات الحكومية محل المؤسسات العامة الملغاة في حق إيجار الأماكن التي تشغلها، منشئًا بذلك علاقة إيجارية مؤبدة، دونما اعتداد بإرادة المؤجر، ودون موافقته، مخلاً بذلك بالتوازن بين طرفي العلاقة التعاقدية، حائلاً بين المالك والانتفاع بملكه، وهو ما يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية فيما رسمته من حدود لخلافة الأموال، ويشكل عدوانًا على الملكية الخاصة، وانتقاصًا من الحرية الشخصية، وإخلالاً بمبدأ المساواة، مما يوقع هذين النصين في حمأة مخالفة المواد (2، 7، 32، 34، 40، 41) من دستور 1971.

     وحيث إن مؤدى النصين المطعون فيهما، هو تخويل وزير المالية الحق في أن يحل، بأثر رجعي، إحدى الجهات الحكومية محل المؤسسات العامة الملغاة في إيجار الأماكن التي كانت تشغلها، ولو كانت شروط الإجارة الأصلية تحول دون النزول عنها إلى الغير إلا بموافقة المؤجر الصريحة أو الضمنية، وعلي الرغم من انتهاء مدد عقود إيجار تلك المؤسسات، وذلك نزولًا على نص المادة (21) من القانون رقم 52 لسنة 1969 – المعمول بأحكامه في شأن إيجار الأماكن خلال مدة نفاذ النصين المطعون فيهما – والتي قصرت الامتداد القانوني على عقود إيجار الأماكن المؤجرة لغرض السكنى دون غيرها، وقبل أن تدركها أحكام الامتداد القانوني للأعيان المؤجرة لغير غرض السكنى، المنصوص عليها في القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، التي رددتها – من حيث المبدأ – القوانين أرقام 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر و6 لسنة 1997 ببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية و10 لسنة 2022 بشأن بعض الإجراءات ومواعيد إخلاء الأماكن المؤجرة للأشخاص الاعتبارية لغير غرض السكنى.

 وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضــــــــع لأحكام الدستور القائم دون غيره. إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون الدستور القائم، وحمايته من الخروج على أحكامه التي تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة، ومع ذلك فإذا كان الدستور القائم ليس له أثر رجعي، فإنه يتعين إعمال أحكام الدستور السابق، الذى صدر التشريع المطعون عليه في ظل العمل بأحكامه، طالما أن هذا التشريع قد عمل بمقتضاه إلى أن تم إلغاؤه أو استبدال نص آخر به خلال مدة سريان ذلك الدستور. متى كان ذلك، وكان النصان المطعون فيهما قد صدرا وانتهى العمل بهما في ظل الدستور الصادر سنة 1971، ومن ثم فإن النظر في أمر دستوريتهما يخضع لأحكامه.

      وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، طبقًا لنص المادة الثانية من الدستور الصادر سنة 1971 بعد تعديلها في 22/5/1980، لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرض فيه هذا الإلزام، بحيث إذا انطــــوى أي منهــــا على مــــا يتعارض مــــع مبادئ الشريعة الإسلامية يكــــون قد وقــــع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعــــات السابقة على ذلك التاريــــخ، فلا يتأتى إعمال حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها؛ لصدورها قبل نفاذ هذا التعديل، في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا، واجب الإعمال، ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية، وهو القيد الذى يبقى قائمًا وحاكمًا لتلك التشريعات. متى كان ذلك، وكان النَّصان المطعون عليهما قد صدرا وعُمل بهما في تاريخ سابق على 22/5/1980، الذي حدده الدستور لالتزام التشريعات بمبادئ الشريعة الإسلامية، فإن النعي بمخالفتهما لنص المادة الثانية من دستور سنة 1971 يكون في غير محله.

      وحيث إن السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، وإن كان الأصل فيها هو إطلاقها، فإن القيود التي قد يفرضها الدستور لصون هذه الحقوق من صور العدوان المحتمل عليها، هي التي تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز أن يتداخل التنظيم التشريعي فيها هادماً للحقوق التي يكفلها الدستور، أو مؤثراً في محتواها بما ينال منها، ومن ثم تمثل هذه الدائرة مجالاً حيويًّا لا يتنفس الحق إلا من خلالها، ولا يكون تنظيم هذا الحق ممكنًا من زاوية دستورية إلا فيما وراء حدودها الخارجية، ليكون اقتحامها مجانبًا لتنظيمه، وعدوانًا عليــــــــه أدخــــــــل إلى مصادرتــــــــه أو تقييده.

      وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونًا للحرية الشخصية، التي لا يقتصر ضمانها على تأمينها ضد صور العدوان على البدن، بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة من إرادة الاختيار وسلطة التقرير التي ينبغي أن يملكهـــا كل شخص، فلا يكون بها كائنًا يحمل على ما لا يرضاه، بل بشرًا سويًّا.

      وحيث إن حرية التعاقد هذه، فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، فإنها كذلك وثيقة الصلة بالحق في الملكية، وذلك بالنظر إلى الحقوق التي ترتبها العقود فيما بين أطرافها، أيًّا كان الدائن بها أو المدين بأدائها. بيد أن هذه الحرية – التي لا يكفلهـــــــــــــــــا انسيابهــــــــــا دون عائق، ولا جرفهــــــــا لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها – لا تعطلها تلك القيود التي تفرضها السلطة التشريعية عليها بما يحول دون انفلاتها من كوابحها، ويندرج تحتها أن يكون تنظيمها لأنواع من العقود محددًا بقواعد آمرة تحيط ببعض جوانبها، غير أن هذه القيود لا يسعها أن تدهم الدائرة التي تباشر فيها الإرادة حركتها، فلا يكون لسلطانها بعد هدمها من أثر.

      وحيث إن مكنة استغلال الأعيان ممن يملكونها من خلال عقود إجارة إنما تعني حقهم في اختيار من يستأجرونها من ناحية، والغرض من استعمالها من ناحية أخرى، وكانت حريتهم في هذا الاختيار جزءًا لا يتجزأ من حق الاستغلال الذي يباشرونه أصلاً عليها. وكان من المقرر أن لحقوق الملكية – بكامل عناصرها – قيمًا مالية يجوز التعامل فيها، وكان الأصل أن يظل مؤجر العين متصلاً بها، فلا يعزل عنها من خلال سلطة مباشرة يمارسها آخرون عليها بناء على نص في القانون، فإن هذا النص يكون مهدرًا حق الملكية، متضمنًا عدوانًا على الحدود المنطقية التي تعمل الإرادة الحرة في نطاقها، فلا تستقيم الحرية الشخصية – في صميم بنيانها – بفواتها، ولا تكون الإجارة إلا إملاء يناقض أسسها، ولا يعدو ذلك أن يكون عدوانًا على حق الملكية، وإخلالاً بأحد عناصرها، وافتئاتًا كذلك على ما هو مفترض من أن الأصل في النصوص القانونية التي اقتضتها الضرورة أن يكون إعمالها بقدر توافر موجباتها.

وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن حق المستأجر ما زال حقًّا شخصيًّا، مقصورًا على استعمال عين بذاتها، فيما لا يجاوز المنفعة التي أُعدت لها، فلا يمتد هذا الحق إلى سلطة استغلالها، وكان تدخل المشرع بموجب النصين المطعون فيهما في إحلال الغير محل المستأجر الأصلي في استعمال العين المؤجرة دون موافقة مؤجرها، يناقض حق الأخير في قصر استغلالها عليه، نزولاً على الحدود المنطقيـة التي تعمـل الإرادة الحرة في نطاقها.

وحيث إن الأصل في عقود القانون الخاص، ابتناؤها على علائق تتكافأ بشأنها مصالح أطرافها، فلا يميل ميزانها في اتجاه مناقض لطبيعتها، إلا بقدر الضرورة التي يتعين أن تخلى مكانها – عند فواتها – لحرية التعاقد، وهى الأصل في العقود جميعها ولا يجوز بالتالي النظر إلى القوانين الاستثنائية التي نظم بها المشرع العلائق الإيجارية بوصفها حلاً نهائيًّا ودائمًا لمشكلاتها، فلا يتحول المشرع عنها، بل عليه أن يعيد النظر فيها، ذلك أن القيود التي يفرضها المشرع عليها، إنما تنال بصورة خطيرة من حق الملكية، ويكاد عصفها بمحتواها، أن يعطل تمامًا أحد عناصرها ممثلاً في استعمال الشيء محلها.

     وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أنه وإن كان مبدأ المساواة أمام القانــــــون لا يعني معاملــــــة المواطنين جميعًا وفق قواعد موحدة، ذلك أن التنظيم التشريعي قد ينطوي على تقسيم أو تصنيف أو تمييز سواء من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض أو من خلال المزايا التي يمنحها لفئة دون غيرها، فإن مناط دستورية هذا التنظيم ألا تنفصل نصوصه التي ينظم بها المشرع موضوعًا معينًا عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخى تحقيقها بالوسائل التي لجأ إليها منطقيًّا وليس واهيًا أو واهنًا أو منتحلاً، بما يخل بالأسس التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًّا، ومن ثم فإذا ما قام التماثل في المراكز القانونية التي تنتظم بعض فئات المواطنين، وتساويهم بالتالي في العناصر التي تكونها، استوجب ذلك وحدة القاعدة القانونية التي ينبغي تطبيقها في حقهم، فإن خرج المشرع عن ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية، سواء كان خروجه هذا مقصودًا أو وقع عرضًا.

      متى كان ما تقدم، وكان نص الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم 11 لسنة 1975 المستبدلة بالمادة الأولى من القانون رقم 112 لسنة 1976، المطعون عليه، قد خول وزير المالية إنشاء علاقة إيجارية، بإحلال إحدى الجهات الحكومية – التي لا تقبل شخصيتها القانونية انقضاء – بديلاً عن مؤسسة عامة كانت تستأجر العين ذاتها في غير غرض السكنى، وزالت شخصيتها الاعتبارية بإلغائها وانتهاء أعمال تصفيتها، دون الاعتداد بإرادة مؤجر العين في إنشاء علاقة إيجارية –بديلاً عن أخرى منتهية– ما كان ليقبلها، لو لم يفرضها عليه النص المطعون فيه، مناقضًا حقه في استغلال العين على الوجه الذي تكفله مقتضيات حرية التعاقد، بوصفها فرعًا من الحريـــــــــة الشخصيــــــــة، ولينحل النص المطعون فيه – بهذه المثابة – إلى عدوان على حـــــــق الملكية، من خـــــــلال إهـــــــدار عنصر جوهـــــــري من عناصرها، متخطيًا بإقراره حدود سلطة المشرع في تنظيم هذا الحق، منافيًا ضوابط توازن العلائق الإيجارية التي تحقق مصالح أطرافها، ليقيمها علي قاعدة التضامن الاجتماعي، مناقضًا مبدأ المساواة بين مراكز قانونية متكافئة لمؤجرين في استغلال أعيان انتهت عقود إيجارها، فألزم النص المطعون فيه، فئة منهم بإيجار وحداتهم إلى جهات حكومية بديلاً عن مؤسسات عامة أُلغيت، ولا كذلك الحال بالنسبة لغيرهم ممن انتهت علاقاتهم الإيجارية بمستأجرين آخــــــرين، مما يصم النص المطعــــــون فيه – في النطاق المحدد سلفًا – بمخالفة أحكام المواد (7، 32، 34، 40، 41) من دستور 1971.

      وحيث إن دستور 1971 اختص السلطة التشريعية بسن القوانين وفقًا لنص المادة (86) منه، واختص السلطة القضائية بالفصـــــــل فـــــــي المنازعـــــــات على نحـــــــو ما فصلته المـــــــادة (165) منه، ومن ثم فإن اختصـــــــاص السلطة التشريعية بســـــــن القوانيـــــــن لا يخولها التدخل في أعمال أسندها الدستور إلى السلطة القضائية وقصرها عليها، وإلا كان هذا افتئاتًا على عملها، وإخلالاً بمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية. وكان من المقرر أنه ليس لازمًا لإنكار العدالة وإهدار متطلباتها أن يقع العدوان على موجباتها من جهة القضاء ذاتها، ذلك أن السلطة التشريعية أو التنفيذية قد تفرض من العوائق ما يحول دون بلوغ الترضية القضائية، سواء عن طريق حرمان الشخص من إقامة دعواه، أو من نظرها في إطار من الموضوعية، ووفق الوسائل القانونية السليمة، ومن ثم لا يعتبر إنكار العدالة قائمًا في محتواه على الخطأ في تطبيق القانون، وإنما هو الإخفاق في تقديم الترضية القضائية الملائمة، وهو ما يتحقق بوجه خاص إذا كانت الوسائل القضائية المتاحة لا توفر لمن استنفدها الحماية اللازمة لصون حقوقه، أو كانت ملاحقته لخصمه للحصول على الترضية القضائية التي يأملها، لا طائل من ورائها.

      وحيث إن دستور 1971، قد أورد في شأن حق الدفاع نصوصًا تضافرت جميعها، لتؤكد أن هذا الحق ضمانة أساسية تحول دون الإخلال بحقوق الفرد وحرياته. وهي بعد تؤمن لكل مواطن حماية متكافئة أمام القانون وتفرزها الأبعاد القانونية لحق التقاضي، الذي قرر الدستور في المادة (68) منه، انصرافه إلى الناس كافة، ملقيًا على الدولة التزامًا أصيلاً بأن تكفل لكل متقاضٍ نفاذًا ميسرًا إلى محاكمها للحصول على الترضيــــــــــة القضائية التي يقتضيهـــــــا رد العدوان على الحقـــــــــوق التي يدعيهـــــــا أو الإخلال بالحرية التي يمارسها.

      وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تقرير المشرع الأثر الرجعي – حتى وإن توافرت شروطه الشكلية – لا يجوز أن يكون مصادمًا للتوقع المشروع من جانب أصحاب الحقوق، إذ يُعد عمل المشرع حالئذٍ نوعًا من المداهمة والمباغتة، مفتقرًا لمبرراته، وفقًا لمفهوم العدالة الاجتماعية، وعدوانًا على الملكية الخاصة من خلال انقطاع بعض عناصرها دون مسوغ.

متى كان ذلك، وكان العوار الدستوري الذي شاب نص الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم 111 لسنة 1975 بعد استبدالها بالقانون رقم 112 لسنة 1976، عُمل به بأثر رجعي، بمقتضى عجز المادة الثانية من القانون الأخير، فإن هذا النص يكون قد باغت المؤجر في إحياء علاقة إيجارية انتهت قانونًا، كما فرض على محكمة الموضوع القضاء باستمرار العلاقة الإيجارية للجهة الحكومية التي يحلها وزير المالية في حق الإجارة بديلاً عن المؤسسة العامة الملغاة، دون أن يكون للمحكمة سلطة تقديرية في مراقبة الضوابط الموضوعية لهذا الحلول القانوني، والتي خلا منها النص المطعون فيه، متسلطًا بهذا النص التشريعي على عمل من أعمال السلطة القضائية، مخلاً في فرضه بحق التقاضي، وبحق المؤجر في إبداء دفاعه، مباغتًا له بقاعدة قانونية آمرة تنال من الترضية القضائية في غايتها النهائية، ومن ثم يضحى هذا النص مخالفًا أيضًا لأحكام المواد ( 64، 65، 68، 69، 165) من دستور سنة 1971.

      وحيث إن قرار وزير المالية رقم 113 لسنة 1978 يرتبط ارتباطًا غير قابل للانفصال عن المادتين المقضي بعدم دستوريتهما، فإن الحكم بسقوطه ترتيبًا على زوال السند القانوني لإصداره يكون حتميًّا.

وحيث إن هذه المحكمة تقديرًا منها بأن إعمال الأثر الرجعي للقضاء بعدم دستورية النصين الطعينين قد يُفضي إلى تحمل الجهات الحكومية بأعباء مالية جسيمة مقابل شغلها أعيانًا انتهت مدد عقود إيجارها، فإن المحكمة تُعمِل الرخصة المخولة لها بنص الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانونها، وتحدد اليوم التالي لنشر هذا الحكم تاريخًا لإنفاذ آثاره دون إخلال باستفادة المدعي منه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولاً: بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم 111 لسنة 1975 ببعض الأحكام الخاصة بشركات القطاع العام المستبدلة بالمادة الأولى من القانون رقم 112 لسنة 1976، وعجز المادة الثانية من القانون الأخير، فيما تضمنتاه من تخويل وزير المالية أن يحل إحدى الجهات الحكومية محل المؤسسات العامة الملغاة في حق إيجار الأماكن التي تشغلها من تاريخ العمــــــل بالقانون رقم 111 لسنة 1975.

ثانيًا: بسقوط المادة الثالثة من قرار وزير المالية رقم 113 لسنة 1978.

ثالثًا: بتحديد اليوم التالي لنشر هذا الحكم تاريخًا لإنفاذ آثاره.

رابعًا: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

أمين السر                                               رئيس المحكمة

اخترنا أن نبدأ بحكم المحكمة الدستورية العليا المصرية الذي حددت فيه المحكمة النطاق الزمني لسريان النص الدستوري المقرر لمصدرية مبادىء الشريعة الإسلامية للتشريع (المادة الثانية من الدستور)، حيث قضت المحكمة -للمرة الأولى- بأن هذا النص بات ملزمًا للمشرع فقط منذ سريان التعديل الدستوري سنة ١٩٨٠م، وبأن هذا الإلزام لا يسري فيما يتعلق بالنصوص التشريعية التي صدرت قبل هذا التعديل، عكس النصوص الصادرة بعده، وهو القضاء الذي اعتمدته المحكمة منذ صدور هذا الحكم حتى وقتنا هذا.

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

 بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 4 مايو سنة 1985م الموافق 14 شعبان سنة 1405هــ.

برئاسة السيد المستشار/ محمد على بليغ                                        رئيس المحكمة

وحضور السادة المستشارين: مصطفى جميل مرسى وممدوح مصطفى حسن ومنير أمين عبد المجيد ورابح لطفى جمعة وشريف برهام نور وواصل علاء الدين                                          أعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور/ أحمد محمد الحفني           المفوض

وحضور السيد/ أحمد على فضل الله                                           أمين السر

أصدرت الحكم الآتي:

  في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 20 لسنة 1 قضائية “دستورية “. ( 7 لسنة 9 ق عليــــا )

المرفوعة من

 السيد / رئيس جامعة الأزهر

ضد

1 – السيد / رئيس الجمهورية

2 – السيد / رئيس مجلس الوزراء

3 – السيد / رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب

4 – السيد / عاطف فؤاد جوده بصفته وارثا لوالده المرحوم فؤاد جوده

الإجراءات

بتاريخ 31 مايو سنة 1978 أودع المدعى بصفته صحيفة الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبًا الحكم بعدم دستورية نص المادة (226) من القانون المدني.

وقدمت إدارة قضايا الحكومة مذكرة طلبت فيها، أصليًا: الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى واحتياطيًا: بعدم قبولها وفى الموضوع برفضها.

وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، حيث التزمت هيئة المفوضين رأيها، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة 6 إبريل سنة 1985، وفى هذه الجلسة قررت المحكمة مد أجل النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.

” المحكمة “

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى بصفته كان قد أقام الطعن رقم 461 لسنة 22 قضائية أمام المحكمة الإدارية العليا طالبًا إلغاء الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 1465 لسنة 35 قضائية بإلزام ووزير الأوقاف وعميد كلية الطب بصفاتهم بأن يدفعوا لمورث المدعى عليه الرابع مبلغ 592,112 – جنيه باقي ثمن آلات جراحية تم توريدها إلى كلية الطب جامعة الازهر- والفوائد القانونية عن هذا المبلغ بواقع 4% من تاريخ المطالبة القضائية. وأثناء نظر الطعن دفع المدعى بصفته بعدم دستورية المادة (226) من القانون المدني. فقضت المحكمة الإدارية العليا بجلسة 3 إبريل سنة 1978 بوقف الفصل في الطعن ليرفع المدعى دعواه الدستورية فأقام الدعوى الماثلة.

وحيث إن الحكومة دفعت بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى استنادا إلى أن جامعة الأزهر تتبع الأزهر الذي يعد من الأشخاص المعنوية العامة وبالتالي فهي من جهات الحكومة التي اعتبرها المشرع من ذوي الشأن في القضايا الدستورية، فلا يجوز لها الطعن بعدم دستورية التشريعات على أساس أنها تشارك في وضعها وعليها الدفاع عن سلامتها. هذا بالإضافة إلى أن المنازعة الماثلة – وهي تقوم بين جهتين حكوميتين- تندرج تحت المنازعات التي تختص الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة – دون غيرها- بإبداء الرأي الملزم للجانبين فيها عملًا بالمادة (66) فقرة (د) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972.

وحيث إن هذا الدفع مردود بأن الدستور بيّن على وجه التحديد المقصود بالحكومة بما نص عليه في المادة (153) من أن “الحكومة هي الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة وتتكون الحكومة من رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم” وإذا كان هذا التعريف لا يدخل في مدلوله الأزهر باعتباره الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي أثبت لها القانون الشخصية المعنوية بما نص عليه صراحة في المادة السادسة من القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها من أن “يكون للأزهر شخصية معنوية عربية الجنس”… ومن ثم، فأن جامعة الازهر- وهى إحدى هيئاته – لا ينطبق عليها معنى الحكومة على النحو الذى عناه المشرع في المادة (35) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 والذى نص فيه على أن “تعتبر الحكومة من ذوى الشأن في الدعاوى الدستورية ” مستهدفًا ذلك تمكينها من أن تقول كلمتها في الطعون الموجهة إلى التشريعات التي تكون قد أصدرتها أو شاركت في وضعها.

لما كان ذلك. وكانت هذه المحكمة – من ناحية أخرى – هي المختصة وحدها بنظر الدعوى الدستورية الماثلة إعمالًا للمادة (175) من الدستور والمادة (25) من قانون المحكمة الدستورية العليا المشار إليه – اللتين عقدتا لها دون غيرها ولاية الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح بما ينتفي معه القول بأنها من المنازعات التي تختص بها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة – ومن ثم، فإن الدفع بعدم الاختصاص يكون في شقيه على غير أساس متعين الرفض.

وحيث إنه عما دفعت به الحكومة أيضًا من عدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة تأسيسًا على أن شيخ الأزهر هو الذي يملك وحده تمثيل جامعة الأزهر باعتبارها من الهيئات التي يشملها الأزهر، وأن القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم التقاضي وتجيز لرئيسها تمثيلها لدى المحاكم، فأنه إذ كانت المادة (39) من القانون رقم 103 لسنة 1961 المشار إليه تنص على أن “يتولى إدارة جامعة الأزهر “1- مدير جامعة الأزهر (رئيس جامعة الأزهر منذ العمل بالقانون رقم 51 لسنة 1972) 2- (مجلس الجامعة). كما تنص المادة (42) منه على أن “يتولى مدير الجامعة إدارة شئون الجامعة العلمية والادارية والمالية ، وهو الذى يمثلها أمام الهيئات الأخرى …” فان مؤدى ذلك: أن القانون أسند إلى رئيس الجامعة صفة النيابة عنها في جميع صلاتها بالهيئات الأخرى والتي تدخل في عمومها الهيئات القضائية ، وما يتفرع عن هذه النيابة من أهلية التقاضي فيما يتعلق بتلك الصلات ومن بينها التعاقد على شراء معدات لكليات الجامعة وما قد ينشأ عنها من منازعات قضائية، وهو الحال الذى اقتضى اختصاص المدعى بصفته في الدعوى الموضوعية – وترتب على إثارة الدفع بعدم الدستورية فيها – إقامة المدعى بصفته للدعوى الماثلة، ومن ثم فإن الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة يكون على غير أساس.

– وحيث إن الدعوى استوفت أوضاعها القانونية. وحيث إن المدعى بصفته ينعى على نص المادة (226) من القانون المدني أنها إذ تقضى باستحقاق فوائد محددة القدر عن مجرد التأخر في الوفاء بالالتزام النقدي تكون قد انطوت على مخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية التي أصبحت طبقًا للمادة الثانية من الدستور “المصدر الرئيسي للتشريع”. وذلك باعتبار أن تلك الفوائد تمثل زيادة في الدين بغير مقابل، فهي الربا المتفق على تحريمه أخذًا بقوله تعالى “وأحل الله البيع وحرم الربا” وهو من الأحكام الشرعية المقطوع بها ثبوتًا ودلالة والتي أصبحت بموجب المادة الثانية من الدستور في مصاف القواعد القانونية الوضعية التي من شأنها نسخ ما كان سابقًا عليها متعارضًا معها من نصوص التشريعات الوضعية نسخًا ضمنيًا، إذ صارت بذاتها واجبة الأعمال دون حاجة إلى صدور تشريع يقننها.

وحيث إن القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 في 16 يوليو سنة 1948 والمعمول به ابتداء من 15 أكتوبر سنة 1949 ينص في المادة (226) منه – محل الطعن – على أنه “إذا كان محل الالتزام مبلغًا من النقود، وكان معلوم المقدار وقت الطلب وتأخر المدين في الوفاء به، كان ملزمًا بأن يدفع للدائن على سبيل التعويض عن التأخر فوائد قدرها أربعة في المائة في المسائل المدنية وخمسة في المائة في المسائل التجارية. وتسري هذه الفوائد من تاريخ المطالبة القضائية بها، إن لم يحدد الاتفاق أو العرف التجاري تاريخًا آخر لسريانها، وهذا كله ما لم ينص القانون على غيره”.

وحيث إنه يبين من تعديل الدستور الذي تم بتاريخ 22 مايو سنة 1980 أن المادة الثانية أصبحت تنص على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”. بعد أن كانت تنص عند صدور الدستور في 11 سبتمبر سنة 1971 على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع” والعبارة الأخيرة من هذا النص لم يكن لها سابقة في أي من الدساتير المصرية المتعاقبة ابتداءً من دستور 1923 وحتى دستور سنة 1964.

وحيث إن الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح- المنوطة بالمحكمة الدستورية العليا- تستهدف أصلًا صون الدستور القائم وتأكيد احترامه وحمايته من الخروج على أحكامه. وسبيل هذه الرقابة التحقق من التزام سلطة التشريع بما يورده الدستور في مختلف نصوصه من ضوابط وقيود ومن ثم فإنه يتعين – عند الفصل فيما يثار في شأن التشريعات من مطاعن تستهدف نقض قرينة الدستورية – استظهار هذه الضوابط والقيود وتحديدها وذلك للتعرف على مدى مخالفة تلك التشريعات لها.

وحيث إنه يبين من صيغة العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور- بعد تعديلها على نحو ما سلف – إن المشرع الدستوري أتى بقيد على السلطة المختصة بالتشريع قوامه إلزام هذه السلطة – وهى بصدد وضع التشريعات – بالالتجاء إلى مبادئ الشريعة لاستمداد الأحكام المنظمة للمجتمع، وهو ما أشارت إليه اللجنة الخاصة بالإعداد لتعديل الدستور في تقريرها إلى مجلس الشعب والذى أقره المجلس بجلسة 19 يوليه سنة 1979 وأكدته اللجنة التي أعدت مشروع التعديل وقدمته إلى المجلس فناقشه ووافق عليه بجلسة 30 إبريل سنة 1980 إذ جاء في تقريرها عن مقاصد تعديل الدستور بالنسبة للعبارة الأخيرة من المادة الثانية بأنها “تلزم المشرع بالالتجاء إلى أحكام الشريعة الإسلامية للبحث عن بغيته فيها مع إلزامه بعدم الالتجاء إلى غيرها، فإذا لم يجد في الشريعة الإسلامية حكمًا صريحًا، فإن وسائل استنباط الأحكام من المصادر الاجتهادية في الشريعة الإسلامية تمكن المشرع من التوصل إلى الأحكام اللازمة والتي لا تخالف الأصول والمبادئ العامة للشريعة “.

ولما كان مفاد ما تقدم، أن سلطة التشريع اعتبارا من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور في 22 مايو سنة 1980- أصبحت مقيدة فيما تسنه من تشريعات مستحدثه أو معدله لتشريعات سابقة على هذا التاريخ، بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية وبحيث لا تخرج – في الوقت ذاته – عن الضوابط والقيود التي تفرضها النصوص الدستورية الأخرى على سلطة التشريع في صدد الممارسة التشريعية. فهي التي يتحدد بها- مع ذلك القيد المستحدث – النطاق الذي تباشر من خلاله المحكمة الدستورية العليا رقابتها القضائية على دستورية التشريعات. لما كان ذلك وكان إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع على ما سلف بيانه لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذى فرض فيه الإلزام بحيث إذا انطوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها لصدورها فعلًا من قبله، أي في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا واجب الإعمال ومن ثم، فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن أعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية. ويؤيد هذا النظر ما أوردته اللجنة العامة في مجلس الشعب بتقريرها المقدم بجلسة 15 سبتمبر سنة 1981 والذى وافق عليه المجلس من أنه “كان دستور سنة 1971 أول دستور في تاريخنًا الحديث ينص صراحة على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، ثم عدل الدستور عام 1980 لتكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وهذا يعنى عدم جواز إصدار أي تشريع في المستقبل يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، كما يعنى ضرورة إعادة النظر في القوانين القائمة قبل العمل بدستور سنة 1971 وتعديلها بما يجعلها متفقه مع أحكام الشريعة الإسلامية ” واستطرد تقرير اللجنة إلى أن “الانتقال من النظام القانوني القائم حاليًا في مصر والذى يرجع إلى أكثر من مائة سنة إلى النظام الإسلامي المتكامل يقتضى الإنابة والتدقيق العملي، ومن هنا، فإن تقنين المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تكن مألوفة، أو معروفة، وكذلك ما جد في عالمنا المعاصر وما يقتضيه الوجود في المجتمع الدولي من صلات وعلاقات ومعاملات، كل ذلك يستأهل الروية ويتطلب جهودًا، ومن ثم فان تغيير النظام القانوني جميعه ينبغي أن يتاح لواضعيه والقائمين عليه الفترة الزمنية المناسبة حتى تجمع هذه القوانين متكاملة في إطار القرآن والسنه وأحكام المجتهدين من الأئمة والعلماء…”.

وحيث إن ما ذهب إليه المدعى من أن مقتضى تعديل المادة الثانية من الدستور هو جعل مبادئ الشريعة الإسلامية قواعد قانونية موضوعية واجبة الإعمال بذاتها ومن فورها على ما سبق هذا التعديل من تشريعات بما يوجب نسخ ما يتعارض منها مع تلك المبادئ، فإن هذا القول مردود بما سبق أن عرضت له المحكمة عن حقيقة المقصود من ذلك التعديل، وهو أنه قيد استحدثه الدستور على سلطة المشرع في شأن المصادر التي يستقى منها أحكامه – التشريعية وإنه لا يمكن إعماله إلا بالنسبة للتشريعات اللاحقة على فرضه دون التشريعات السابقة كما ينقض القول ما تضمنته الأعمال التحضيرية لمشروع التعديل على ما سلف إيضاحه من أن المنوط به إعمال القيد المشار إليه هو السلطة المختصة بالتشريع، بالإضافة إلى أن المشرع الدستوري لو أراد جعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة في الدستور على وجه التحديد أو قصد أن يجرى إعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التي تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة إلى إفراغها في نصوص تشريعية محددة مستوفاه للإجراءات التي عينها الدستور، لما أعوزه النص على ذلك صراحة، هذا فضلًا عن أن مؤدى ما يقول به المدعى من الإعمال المباشر لمبادئ الشريعة الإسلامية عن طريق تلك المحاكم لا يقف عند مجرد إهدار ما قد يتعارض مع هذه المبادئ من التشريعات السابقة المنظمة لمختلف النواحي المدنية والجنائية والاجتماعية والاقتصادية بل إن الأمر لابد وأن يقترن بضرورة تقصى المحاكم للقواعد غير المقننة التي يلزم تطبيقها في المنازعات المطروحة عليها بدلًا من النصوص المنسوخة مع ما قد يؤدى إليه ذلك من تناقض بين هذه القواعد ويجر إلى تهاتر الأحكام وزعزعة الاستقرار.

وحيث إن إعمال المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها – على ما تقدم بيانه، وإن كان مؤداه: إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي لما يضعه من تشريعات بعد التاريخ الذى فرض هذا الإلزام بما يترتب عليه من اعتباره مخالفًا للدستور إذا لم يلتزم بذلك القيد، إلا أن قصر هذا الإلزام على تلك التشريعات لا يعنى إعفاء المشرع من تبعة الإبقاء على التشريعات السابقة – رغم ما قد يشوبها من تعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية ، وإنما يُلقي على عاتقه من الناحية السياسية مسئولية المبادرة إلى تنقية نصوص هذه التشريعات من أية مخالفة للمبادئ سالفة الذكر، تحقيقًا للاتساق بينها وبين التشريعات اللاحقة في وجوب اتفاقها جميعًا مع هذه المبادئ وعدم الخروج عليها.

وحيث إنه ترتيبًا على ما تقدم، ولما كان مبنى الطعن مخالفة المادة (226) من القانون المدني للمادة الثانية من الدستور تأسيسًا على أن فوائد التأخير المستحقة بموجبها تعد من الربا المحرم شرعًا طبقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية التي جعلتها المادة الثانية من الدستور المصدر الرئيسي للتشريع، وإذ كان القيد المقرر بمقتضى هذه المادة – بعد تعديلها بتاريخ 22 مايو سنة 1980 والمتضمن إلزام المشرع بعدم مخالفة الشريعة الإسلامية – لا يتأتى إعماله بالنسبة للتشريعات السابقة عليه حسبما سلف بيانه، وكانت المادة (226) من القانون المدني الصادر سنة 1948 لم يلحقها أي تعديل بعد التاريخ المشار إليه، ومن ثم، فإن النعي عليها، وحالتها هذه – بمخالفة حكم المادة الثانية من الدستور وأيًا كان وجه الرأي في تعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية – يكون في غير محله. الأمر الذي يتعين معه الحكم برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى بصفته المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيهًا مقابل أتعاب المحاماة.

 

المصدر:

الموقع الرسمي للمحكمة الدستورية العليا