يسر موقع «حوارات الشريعة والقانون» أن يقدم لقرائه للمرة الأولى على الشبكة هذا المقال النادر بشقَيه لفضيلة العلامة الشيخ عبد العزيز المراغي (1901–1950م) -عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف-، والذي كُتب في منتصف القرن العشرين ليتناول رؤية الإسلام الأصيلة لنظام الحكم وفلسفة الدولة مقارنة بالنظم السياسية الحديثة. يستهل الكاتب مقاله بتشخيص الأزمات الإنسانية الناتجة عن الصراعات الدولية والنزعات الاستعمارية في تلك الفترة، مبيّنًا كيف يقدم الإسلام نموذجًا عالميًا متكاملًا يقوم على مفهوم «الأخوة البشرية» العابرة للحدود الجغرافية والعرقية، ويهدف إلى إقامة حكومة عادلة ترعى حقوق الناس وتتجاوز عيوب القصور التطبيقي في النظم الفاشية والبلشفية والديمقراطيات الغربية.
وفي الجزء الثاني، يتصدى المقال لواحد من أبرز الإشكالات المفاهيمية المزعومة في الفكر السياسي المعاصر، وهو ادعاء اتصاف الحكم الإسلامي بـ «الثيوقراطية» أو «التفويض الإلهي». حيث يُفنّد الشيخ المراغي هذه الشبهة جليًا، مؤكدًا أن نظام الحكم في الإسلام ينطلق من مبدأ «الشورى»، وأن رئيس الدولة ليس إلا وكيلاً عن الأمة وأجيرًا لمصالحها يخضع للمحاسبة والمسؤولية الشعبية؛ مما يمنح هذا المقال الفريد أهمية بالغة في تقديم قراءة فقهية ودستورية مُعمّقة تقارن بين فلسفة الحكم في الشريعة الإسلامية والنظريات القانونية الحديثة كالعقد الاجتماعي.
قال الله تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم»، وقد يكون ذلك الدمار الذي خلفته حروب دامية، ومساجلات مستمرة بين الجماعات والشعوب خلال ذلك الجزء الأول من هذا القرن فاتحة عهد تنعم فيه البشرية، إن لم يكن برخاء مادي فعلى الأقل براحة روحية بعد تلك الأزمات النفسية، والهزات العصبية التي اجتاحت الأمم والأفراد ربع قرن أو يزيد، وقد تنبهت الإنسانية بعد عظيم الكوارث التي مرت بها إلى العمل على تفادي صراع آخر لا يعرف مصدره ولا مورده، ولا يدرى أوله ولا آخره، والله يقول: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة»، وإن له في كل ذلك لمقصدًا وحكمة، وإنه ليبتلي بالحسنات والسيئات لعل العالم يرجع عن غيه حين يدرك أن وراء تقديره تقديرًا، ووراء سلطانه سلطانًا لا يغلب ولا يقهر، وفوق منطقه الضعيف الذي ينظر للحوادث وللعالم نظرة فردية نفعية، منطق المدبر الأعظم للكائنات، وهو ينظر إليها في مجموعها وتبيان أزمانها، وتغاير أمكنتها على أنها وحدة متكافلة في خيرها وشرها، مهما ضَؤُل في نظر الناظر أفرادها.
وقد بدأ العالم يرسل الصيحة إثر الصيحة مبشرًا بنظام عالمي جديد غير ذلك العالم الممزق الأوصال، المهلهل النسج، الذي لم يعرف -رغم تقدمه المادي في خلال ربع القرن الأخير، تقدمًا سيطر به على أصغر شيء في الوجود، وغير به، وسيغير، مجرى الحياة للأفراد والجماعات- إلا التعاسة والشقاء والخراب والدمار والفوضى التي كادت تهد بنيانه من القواعد، وإلا صرخات غُلب فيها الضعيف على أمره، وأطل منها الشيطان بقرنه يقرع الحق بالباطل، وقد ضاعت صرخات الشعوب في طلب استقلالها، وتبددت في غمرة من شهوة التوسع والاستعمار، التي أظلت الأقوياء ممن بيدهم الحول والطول، وتعطلت خطوات التقدم نحو الغاية المنشودة.
هذا هو التصوير الحقيقي لما عليه العالم اليوم، وهذا هو التصوير الحقيقي لما كان عليه العالم يوم أشرق عليهم ذلك النور الإلهي يحمله محمد عليه الصلاة والسلام هداية للناس، وليؤلف به بين تلك الزمر المتحاربة في أُخُوَّة واحدة، لا في وطن واحد بل في جميع العالم، ومحا الفوارق بين الأجناس والألوان واللغات والحدود الجغرافية، وبين العقائد المختلفة، وآخى بين البشر جميعًا، حتى ليكاد قلب أهل المشرق البعيد يخفق إذا ما اهتز قلب المغرب الأقصى، ولم يتسامَ إلى المركز الذي شغله الإسلام في تلك الناحية أي دين آخر، بل إن النظم التي خلفتها بعض الأديان كانت تعمل على الفرقة والانهيار، بدل الاتحاد والتعاون، ففكرة إدماج البشرية في وطن واحد دون الاهتمام بالأجناس والألوان واللغات أو التقيد بالحدود الجغرافية، هي الهدية التي قدمتها جامعة الإسلام إلى المدنية البشرية، وهي البلسم الوحيد لشفاء تلك الأحقاد الدولية والعداوة البغيضة اللتين ساقتا المدنية والحضارة إلى هوة سحيقة لا يُعرف غورها ونهايتها إلا عالم الغيب والشهادة.
فالإسلام هو الدين الدولي العام، الذي يجمع بين الغربي والشرقي، والأبيض والأسود، والآري والسامي، والهندي والزنجي، ينال كلٌّ نصيبه في الحياة والتقدم ساعة ينطق بالشهادتين، ويقف جنبًا إلى جنب مع أعظم إخوانه مقامًا ومكانة اجتماعية، فالجنس البشري في نظره أسرة واحدة، من الناحية النظرية والناحية العملية.
تلك مقدمة عن الفكرة التي يقوم على أساسها الإسلام، ومعذرة إن كنا قد أطلنا في تقديمها، فهي مقدمة ضرورية، لفهم الفكرة العامة في نظرية الخلافة الإسلامية، التي هي أساس الحكم الإسلامي، ومنها تستمد جميع السلطات في الإسلام، كيانها العملي التنفيذي، فالخلافة في نظر الإسلام رئاسة عامة لشئون المسلمين، وهنا نقطة جديرة بالتنبه، ذلك أن بعض العلماء يفترض العالم كله دارًا واحدة، والخلافة تشبه أن تكون حكومة عالمية، ووجود أمم أو شعوب لا تدين بالإسلام، لا يمنع من أن تكون تلك الشعوب والأمم خاضعة لتلك الحكومة العالمية، فليس من شرط الاندماج في ظل حكومة، أن يكون جميع المنضوين تحت لوائها من دين واحد، ومعنى الحكومة العالمية في الخلافة على ذلك الرأي واضح جدًا.
وهذه الحكومة العالمية هي التي يحاول الدعاة جاهدين تهيئة الرأي العام العالمي لها، مع اختلاف الأشكال والصور، ولكن النتيجة المحتومة واحدة، لا بل إن الدول بدأت تظهر محاولات جدية عملية للوصول إلى فكرة كهذه، وما محاولات الكتل الإقليمية، وبرلمان الدول الغربية، وحلف الأطلنطي، إلا محاولات جزئية للسير إلى تلك الغاية التي أوضحها الإسلام نظريًا وعمليًا، ومن قبل حاول مكيافيلي من كُتاب القرون الوسطى، أن يصور في كتابه (الأمير) ما يجب أن يكون عليه الملك العالمي، ووضح الدوافع التي تدعوه إلى المناداة بهذا الرأي، ولسنا نسبق الحوادث، فنقول: إن ذلك واقع لا محالة، ولكنا أشد تفاؤلًا اليوم منا أمس، بأن فكرة العالمية، والوطن العالمي، هي المصير المحتوم للعالم، والترياق الوحيد لشفاء تلك الأمراض المستعصية.
فالإسلام قد قدم العلاج للتخلص من شرور الحكومات التي عرفتها الأمم التي تدعي لنفسها القوة والغلب، فبعد أن وضع الأساس للأخوة البشرية، وللحكومة العالمية كما أسلفنا، وضع شكل الحكومة، بحيث يدفع مساوئ الحكومات الأخرى، فالفاشية تخبرنا في كلمات مختصرة، أن الحكومة هي الكل في الكل، وما الفرد فيها إلا عبد يعمل وفق مشيئتها.. والبلشفية: شر من هذا، فهي تعمل إلى أقصى حد على تطبيق النظرية الفاشية، فتسلب الإنسان حريته وماله.. أما الديمقراطية فإن ادعاءاتها كنظرية ترن في الآذان الرنين الحلو، ولكنها عند التطبيق العملي تصبح شرًا من أختيها السالفتين، فهي تستعبد -مستترة بأسماء مختلفة- أكثر من نصف الجنس البشري، لا لجريرة إلا ضعفه.
وأهملت في ظلال هذه الحكومات القيم العليا للحياة، فالوطن والحكومة هما الصنمان الجديدان اللذان خر الإنسان المتحضر لهما ساجدًا، وانضم إليهما المال فأصبح المال، والوطن، والحكومة، أصحاب المكان الأسمى في قلب الرجل المتحضر، وعبدها بعد ما صنعها وخلقها بيديه، وبعد أن كان الغرض من الحكومة أن تبطل اضطهاد الناس للناس، وأن تقر العدالة بينهم؛ أصبحت الحكومات أداة ظلم واضطهاد، وما دام في قبضتهم قوة وقنابل فلهم الحق في بسط سيادتهم على الدول الأخرى لكسب المغانم المادية والاقتصادية لدولتهم، فأصبحت النتيجة أن قوات الحكومات المتزايدة التي كان عليها أن تعمل لخير الأفراد، أضحت تستخدم في استرقاق الناس وإيقاع الظلم بهم، أكثر مما تستخدم لإنقاذهم من الظلم ونشر الحق والعدل بينهم، والإسلام يقلب هذه النظريات الخاطئة، ويضع أساس حكومة عادلة لخير البشر ويضع السلطة الحكومية في أيدي رجال يخافون الله ويخشونه، فإحقاق الحق، وخشية الله سبحانه وتعالى، ورعاية حقوق الناس، أهم الصفات اللازمة للحاكم الذي يتولى أمور الناس، وإن القوة الروحية وحدها هي التي تمكن الإنسان من السيطرة على القوة التي تمده بها السلطة الدنيوية، وبغيرها تكون السلطة الدنيوية في خطر.
ولهذا بلغت الإدارة الحكومية الإسلامية في صدر الإسلام -وهي التي جمعت بين القوة الروحية والدنيوية- حدًا من الكمال لم نر مثله في تاريخ الحكومات، وكان رئيس الحكومة يعتبر نفسه مسئولًا أولًا أمام الله، وثانيًا أمام موكليه أو مستأجريه- كما عبر أبو العلاء المعري في قوله: «وعَدُّوا مصالحها وهم أجراؤها».
ولكن ليس معنى ذلك ما فهمه البعض من أن حكومة الإسلام كانت حكومة "ثيوقراطية"؛ أي حكومة دينية، رؤساؤها هم رؤساء الدين، فإن رؤساء الحكومات الإسلامية لم يدر بخلدهم أنهم ممثلو الله في الأرض، ويستدعى بسط تلك الفكرة مقامًا آخر نعرض لها فيه، كما نعرض لتفصيل ما أجملنا عن الخليفة، فإلى الحديث القادم إن شاء الله؟
لتحميل ملف المقال الأول (هنا)
* عبد العزيز المراغي، نظم الحكم كما يراها الإسلام، مجلة "رسالة الإسلام"، السنة الثانية، العدد الثالث، 1950م.
** عضو جماعة كبار العلماء والإمام الخاص للحضرة الملكية.
يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.