نُظُمُ الحُكْمِ كَمَا يَرَاهَا الإِسْلَام (2-2)*

By لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز المراغي بك** أغسطس 12, 2026 12 0

يسر موقع «حوارات الشريعة والقانون» أن يقدم لقرائه للمرة الأولى على الشبكة هذا المقال النادر بشقَيه لفضيلة العلامة الشيخ عبد العزيز المراغي (1901–1950م) -عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف-، والذي كُتب في منتصف القرن العشرين ليتناول رؤية الإسلام الأصيلة لنظام الحكم وفلسفة الدولة مقارنة بالنظم السياسية الحديثة. يستهل الكاتب مقاله بتشخيص الأزمات الإنسانية الناتجة عن الصراعات الدولية والنزعات الاستعمارية في تلك الفترة، مبيّنًا كيف يقدم الإسلام نموذجًا عالميًا متكاملًا يقوم على مفهوم «الأخوة البشرية» العابرة للحدود الجغرافية والعرقية، ويهدف إلى إقامة حكومة عادلة ترعى حقوق الناس وتتجاوز عيوب القصور التطبيقي في النظم الفاشية والبلشفية والديمقراطيات الغربية.

وفي الجزء الثاني، يتصدى المقال لواحد من أبرز الإشكالات المفاهيمية المزعومة في الفكر السياسي المعاصر، وهو ادعاء اتصاف الحكم الإسلامي بـ «الثيوقراطية» أو «التفويض الإلهي». حيث يُفنّد الشيخ المراغي هذه الشبهة جليًا، مؤكدًا أن نظام الحكم في الإسلام ينطلق من مبدأ «الشورى»، وأن رئيس الدولة ليس إلا وكيلاً عن الأمة وأجيرًا لمصالحها يخضع للمحاسبة والمسؤولية الشعبية؛ مما يمنح هذا المقال الفريد أهمية بالغة في تقديم قراءة فقهية ودستورية مُعمّقة تقارن بين فلسفة الحكم في الشريعة الإسلامية والنظريات القانونية الحديثة كالعقد الاجتماعي.

 

وَعَدتُ في حديثي الماضي بالكلام على معنى الحكومة الثيوقراطية أو الحكم الإلهي -كما يسمونه-؛ لأن كثيرًا من الكاتبين في نظم الحكم الدستورية وصفوا حكومة الإسلام بأنها حكومة ثيوقراطية دينية، وخلصوا من ذلك إلى أن النظم الديموقراطية العصرية لا تلائم الإسلام، وهو بدوره لا يقرها، وعلى ذلك لا يمكن أن يحقق الإسلام للناس نظامًا متطورًا يرضي حاجاتهم، ويساير الزمن ورقيه وتقدمه.

فما هي الثيوقراطية؟ وهل حكومة الإسلام ثيوقراطية حقًا؟ وهل وضع الإسلام نظامًا جامدًا لا حياة فيه، ولا يرضى الناس عندما يتقدم الزمن؟

الثيوقراطية نظام حكومة دينية ينفذ القائم على رأسها تعاليم إلهية محددة لا يحاسب عليها إلا أمام الله، فلا سلطان لأحد في حسابه، يفعل ما يجب أن يخضع له الشعب، لأن ما يفعله مستمد من أمر الله، أو بوجه أدق من أمر إله. هذا النظام قد عُرف في العالم منذ أقدم العصور: عرفته مصر الفرعونية، وعرفته اليهودية في عهد أنبيائها وقضاتها وملوكها، وعرفته المسيحية في القرون الوسطى. وما نظرية التفويض الإلهي التي عرفها الناس على أنها أحدث النظريات في وجود الدولة إلا صورة من صور هذا النظام.

وخلاصة هذه النظرية أن الدولة أصلها الدين على معنى أن سلطانها يرتكز على سناد سماوي، ويرجع إلى إرادة علوية فوق إرادة البشر.

تلك الإرادة الإلهية هي التي اصطفت من بين الناس مباشرة ملوكًا عليهم يختصون دونهم بالسيادة والسلطان مؤيدين بروح من عند الله الذي اصطفاهم وعهد إليهم بمصالح البشر المكلفين بطاعتهم والائتمار بأمرهم، وأساس الدولة على هذا هو التفويض الإلهي الخارج عن إرادة البشر، ورئيس الدولة على هذا غير محاسب على عمله إلا أمام الله الذي اصطفاه وفضله على عباده. وفي ذلك يقول «لويس الرابع عشر»: "إن سلطة الملوك إنما تستمد من تفويض الخالق، فالله هو مصدر هذه السلطة وبين يديه وحده يؤدي الملوك حسابًا عن استعمالها"، كما قال (لويس الخامس عشر) في مرسوم صدر منه في عام ١٧٧٠م: "إننا لم نتلق التاج إلا من الله، فسلطة عمل القوانين هي من اختصاصنا وحدنا دون تبعية ولا توزيع".

لا بل إن هذه النظرية سادت حتى مستهل هذا القرن، فقد قال «غليوم الثاني» إمبراطور الألمان في عام ١٩١٤م: "إن الملك يستمد سلطته من الله، ولا يقدم حسابه إلا إليه، وإنني على هذا المبدأ أضع سياستي وأعمالي".

وقريب من هذه النظرية أيضًا نظرية العناية الإلهية، وهي لا تختلف في جوهرها عن النظرية السابقة، والفرق بينهما أن إرادة الله على النظرية الأولى تعمل مباشرة فتختار الحاكم، بينما هي -على النظرية الثانية- تعمل بطريق غير مباشر، وبواسطة إرادات الأفراد، تلك الإرادات التي تختار الحاكم مباشرة مسيّرة في هذا الاختيار بالعناية الإلهية.

تلك هي نظرية الثيوقراطية وما لفّ لفّها من نظريات حديثة، فهل كانت نظرية الحكم في الإسلام شيئًا من هذا، وهل كانت الدولة في الإسلام سفينة يقف على دفتها إله يختار شخصًا معينًا ينفذ أوامره الإلهية وهو غير مسئول -كما جاء في عبارة لويس وغليوم- إلا أمامه؟.

الجواب على ذلك: لا.. لا؛ ولكن قضية النفي تحتاج الجزم فيها إلى شيء من التوضيح المتعلق بمركز الرسول عليه الصلاة والسلام كنبي وكإمام، ومركز الخلفاء من بعده، وموقع التشريع الإسلامي من سلطة الخليفة، ومن صلات الشعب بالحاكم، والحاكم بالشعب، ومدى سلطان ذلك الحاكم على الشعب، وإلى أي حد يمكن أن ينفذ الإمام سلطانه على المحكومين، وكيف يكون مسئولًا، وأمام مَن يكون مسئولًا.

والإجابة على هذه الأسئلة توضح تمامًا نظرية الحكم الإسلامي على أساس متين بعد ما لغط فيها الناس جاهلين أو متجاهلين، وبعد ما أكثر الناس من التشدق بنظريات حديثة لا نقرهم عليها، بل نلومهم على عدم التثبت في قضايا الشريعة الإسلامية جملتها وتفصيلها، وإن كانوا لم يتمرسوا بدقائقها، فليكفونا ويكفوا أنفسهم المئونة بالسكوت، أو فليحاولوا -ولو مرة- سؤال أهل الذكر.

أظن أنه أصبح من المعاد الكلام عن تاريخ دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة، ثم جهاده بالمدينة، حتى استقر أمرها، وبدأ الرسول عليه السلام يرسي قواعد الدولة الجديدة، ويبرز مظاهرها الداخلية والخارجية من مكاتبة الملوك والأمراء، وعقد المعاهدات، كما أنه أصبح من الواضح الحديث عن مسألة الدولة، ومكيفات كيانها من وطن وقوة وسيادة.

والإسلام يعتبر -ولو من الوجهة النظرية- وطنه العالم أجمع، فالأصل أن تكون كلمة الله هي العليا، وهي التي تسود -كقانون- شتى بقاع الأرض، وهي التي توحد الناس وتجمع شتاتهم، وهي المؤهل الوحيد للدخول في الجنسية الإسلامية بمعناها الدقيق، فالإسلام كدين وكنظام عام لا يعرف الحدود الجغرافية الضيقة ويوجب تناصر المسلمين في مختلف أرجاء العالم، ويجعلهم -أية سلكوا- مخاطبين بتكاليفه، ولو أن فقهاء المسلمين في العصور المتأخرة قد أذعنوا للأمر الواقع وبينوا كثيرًا من الفروع الفقهية متأثرين فيها بالناحية العملية، فإن ذلك لا يمنع من تقرير المبادئ العامة التي أسلفناها.

ولست الآن بصدد الحديث عن نظام الحكم في الإسلام، وهل هو من أمر الدين أم من أمر الدنيا، فإني أعتقد أنه جدل لفظي، أو خلاف في حال، كما يقول سادتنا العلماء في اصطلاحاتهم.

فالمهم الآن -ولو تاريخيًا- أن ثمت نظامًا للحكم أقره المشرع الإسلامي على نمط أو آخر من طرق التشريع، وكان الأساس فيه هو "الشورى"، حتى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

والذي شدا طرفًا من أصول الفقه يعرف البحث المشهور في جواز اجتهاد الرسول عليه السلام ومداه، وفي أي الأشياء يحصل، ومهما يكن من شيء، فقد ثبت أن الرسول عليه السلام استشار أصحابه في كثير مما يسمى الآن من أمور الدولة، كأمر الأسارى في بدر، وقصة الخندق، وصلح الحديبية، وغير ذلك، وهذا أول مظهر ينفي الثيوقراطية عن نظام الحكم الإسلامي وعن القائم على أمر الدولة والتشريع في الإسلام.

وأمر آخر وراء هذا قد يكون أكثر أهمية في إثبات ما ذهبنا إليه في هذا الحديث وسابقه، ذلك أن الرسول عليه السلام لحق بالرفيق الأعلى ولم يترك نظامًا معينًا لهذه الحكومة، ولم يدع وصية محدودة بشأنها، بل شاء -بعد مشيئة الله- أن يدع هذا الأمر للمسلمين يقلبون فيه وجوه الرأي، ويحلون معضله كما يلائم طبيعة الجو الذي يعيشون فيه، ليبين لهم أن ملاك هذا الأمر الشورى، واختيار أهل الحل والعقد، وأن للمسلمين أن يبينوا تفاصيله في دستور مكتوب أو محفوظ، وأن يضعوا ما يرونه كفيلًا بإسعادهم وتقرير حكمهم على النمط الذي يرضي مزاجهم وعرفهم وتقاليدهم، من نظام دستوري وإداري وغير ذلك، مادام ملتئمًا مع المبادئ العامة التي جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد رسما لهم الخطوط العامة لمعادهم ومعاشهم، وما على المسلمين إلا أن يفصلوا مجمل هذه الخطوط، ويبينوا في ذلك الفراغ ما يظنونه ملتئمًا وحاجتهم ومصلحتهم.

وأي نظام اختاره المسلمون على وفق الفكرة العامة التي رسمها المشرع فهو نظام مقبول، ودستور مرضٍ، فإن وضع المسلمون دستورًا على أحدث النظم، لا يعارض شيئًا مما نص المشرع عليه نصًا صريحًا لا تأويل فيه، فهو دستور محترم مقبول، ما دام يراه أهل الشورى، ويختار تفاصيله أهل الحل والعقد الذين يعرفون حكم الله في تحليله وتحريمه، ويعرفون أن ذلك الذي وضعوه يحقق المبادئ الطبيعية، وحرية الفرد والجماعة التي يستمتع بها الإنسان كإنسان، والتي قررها الشارع الإسلامي في ألف موضع وموضع من تشريعه.

وتلك نقطة جديرة بالعناية أحب أن ألفت لها نظر الذين يقولون عن الحكومة الإسلامية إنها حكومة ثيوقراطية، فليس ثمت -عند التدقيق- فرق بينهم وبيننا، فواضعو الدساتير على النظم الحديثة يضعونها متأثرين بما يقبسون من نظم ودساتير يرونها أرقى الدساتير، وهي لذلك جديرة بالاقتداء والتقليد، لأنها تحقق المثل العليا للديمقراطية، وهي عرضة للتغير على الطريق المرسوم متى جد ما يستدعي تغييرها.

ونحن نقول مثلهم: إن أي دستور يحقق مصلحة البلد على نظام شورى، فنحن نقبله إذا لم يكن فيه ما يصادم النص (المجمع عليه) ولا بد من التنبه لهذا القيد الذي وضعناه بين القوسين، وها هي ذي حكومة الباكستان، وهي من نعلم فتاء وقوة تريد -وقد أعلنت صراحة- أنها ستضع دستورها على أساس إسلامي خالص، وتريد أن تضع نظامًا ماليًا إسلاميًا خالصًا، وقد بدأت تستشير أهل العلم فيما انتوت، والنصوص التي أوجبنا مراعاتها نصوص قامت الأدلة على أنها جديرة بالتقدير لمصلحة الجماعة ومصلحة الفرد. وفوق ما عندنا من نصوص؛ عندنا سوابق من التاريخ متى رجعنا إليها ساعدتنا وأسعفتنا، فما الفرق بيننا وبينهم؟ هم يقولون لا بد أن يحقق الدستور حقوق الإنسان والحريات الطبيعية، ونحن نقول مثلهم على شرط أن تكون على وفق ما يراه المسلمون ملتئمًا مع نصوص الشارع على أي وجه من وجوه الاعتبار الشرعية التي لا أريد أن أدخل في تفاصيلها، فلم يكون نظامنا ثيوقراطيًا، ونظامهم ديمقراطيًا؟ «إن هي إلا أسماء سميتموها».

ثم تأتي بعد هذا مسألة المسئولية: لم يقل أحد من المسلمين إن الخليفة أو أحدًا من وزرائه غير مسئول إلا أمام الله، ولم يقل أحد من الخلفاء مثل ما قال لويس الخامس عشر "إن الخليفة وحده -دون الأمة- له حق إقرار التشريع والتقنين"، فلابد من رأي الجماعة، والخليفة فرد -من بين أفراد- اختير ليقوم بينهم مقام الوكيل في تنفيذ أغراض الموكل، وللموكل في كل وقت محاسبته متى خالف شرطًا من شروط الوكالة المنصوص عليها، أو المعروف بداهة أنها شروط للوكالة، وله عزله من الوكالة على نحو من الأنحاء التي نص عليها الفقهاء ومن كتبوا في الأحكام السلطانية التي بينوا فيها مواطن عزل الخليفة وما يستحق به العزل، وما ينعزل به من تلقاء نفسه، وكيف يحاسب وكيف يقاضى، إلى غير ذلك مما لسنا بسبيل الحديث عنه الآن، وقد نعرض له عند الكلام على تفاصيل هذه المسائل ودقائقها.

وإنك لو نظرت إلى آيات القرآن الكريم لوجدت الخطاب في أغلب الآيات المتصلة بنظام الحياة موجهًا للأمة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ إلى غير ذلك من مئات الآيات والأحاديث الشريفة. والخليفة مسئول كأي فرد أمام الله من ناحية وجوب العمل على وفق الحدود العامة للتشريع، ولكن ذلك أمر آخر غير ما نحن فيه، فلم يترك الخليفة لجزاء الضمير أو العقاب الأخروي فحسب، ولكنه كان ولا يزال -على ضوء القانون الإسلامي- معرضًا لأدق أنواع الحساب، وهو غير معفى من المسئولية التي أسلفت الحديث عنها.

والتاريخ الإسلامي من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام شاهد على الحوادث التي وقف فيها المسلمون ليبرئوا عهدتهم، ويريحوا ضمائرهم، ويحاسبوا المسئولين عما يرونه لا يتفق وما يعتقدون، وإنك لتعجب إذ تسمع أن بعض الصحابة حاوروا الرسول في عبارات وردت في صلح الحديبية لأنهم لا يرونها متفقة مع ما قدموا من جهاد، وبذلوا من أرواح، حتى أرجعهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجادة، مبينًا أن الموقف يقتضي من ناحية الحكمة ما فعل.

كذلك كان شأن الخلفاء والأمراء من بعده حتى عمر -وهو من تعلم شدته- كان يقبل أن تحاسبه العجوز، وقد رجع إلى الحق على يد مرتكب حين اطلع على عورة منه من ظهر البيت لا من بابه، إلى غير ذلك من شواهد لا نريد الإطالة بذكرها.

فمبدأ مسئولية رئيس الدولة أمام الأمة مبدأ مجمع عليه، أو في حكم المجمع عليه وبذلك كان الإسلام متفقًا مع المبادئ التي يسمونها ديمقراطية، وهي من بدائه الإسلام. وإن كان ثمت عيب في طور أو آخر من أطوار التاريخ الإسلامي، فليس العيب عيب الإسلام، وإنما هو عيب الذين ينتسبون للإسلام دون فهم له، ويحاولون أن يسبغوا على تصرفاتهم ثوب التشريع الإسلامي، فيُعرّضوا الإسلام لكلام هو أبعد ما يكون عنه.

فليطمئن الباحثون إلى أن الإسلام دين ديمقراطية كما يلهجون، وأن مبادئه صالحة لمسايرة أرقى العصور على شرط أن يكون على وفق المبادئ العامة الإسلامية؛

- الحق فيه هو الأساس وكيف لا ... والله جل جلاله البناءُ

- والمبادئ العامة التي هي - كما يرى العقلاء - لصالح البشرية عامة، متفقة مع الإسلام.

- وصلة الخليفة بالشعب، صلة الوكيل بالموكل، أو الأجير بالمؤجر. وقد عبر عن ذلك أبو العلاء المعري في قوله:

مُلَّ المقامُ فكم أعاشر أمةً ... أمَرَت بغير صلاحها أمراؤُها

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... وعَدَوْا مصالحها وهم أجراؤُها

ولا شك أن المؤجر من حقه أن يحاسب أجيره على كل ما يبدو منه، وقد جاء في قول عمر وهو يخطب: «لو وجدتم فيَّ اعوجاجًا فقوموه» فيرد عليه واحد من عامة المسلمين: «لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا»، فيقول عمر: «الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بسيفه». فالمسئولية موجودة، وتقويم الشعب للخليفة جائز ولو بحد السيف.

فهل في الدنيا مسئولية كتلك، وهل في الدنيا محاسبة أكثر من هذا، ومن أراد الاستقصاء أكثر من هذا فليرجع إليه في مكانه، فالخليفة مسئول أمام الأمة، وهي تحاسبه، ولها أن تعزله متى رأت في ذلك مصلحة، وهو مختار منها، والأمر لها أولًا وآخرًا، وحقها غير قابل للتنازل أو التحويل. ويكاد رأي المسلمين في نظرتها السياسية في هذه الناحية يشبه نظرية روسو في العقد الاجتماعي، وحق الأمة، وعدم قابليته للتحويل.

وإن كان علماء المسلمين الذين كتبوا في الأحكام السلطانية لم يبينوا طريق المسئولية، فقد أثبتوها جميعًا، وإذا رأت الأمة أن تنظم طريق المسئولية وتضع لها قواعد ونظمًا، فليس الإسلام بمانع من شيء من ذلك بعد ما أعلن أن كل فرد من المسلمين من أي جنس أو لون أو لغة يعرض أن يكون خليفة متى رأى ذلك أهل الحل والعقد. والفكرة العامة في ذلك أن أي تقصير من الخليفة يقوم عوجه رأي الأمة وسلطانها، وأن المصير إليها؛ فلا ضير في أن يكون الخليفة أي شخص كائنًا من كان.

أظننا قد أوفينا على الغاية في هذا الموضوع الذي نراه جديرًا بالتقديم بين يدي البحث الموضوعي في نظام الحكم، وإلى اللقاء في مقال آخر، والسلام؟

 

لتحميل ملف المقال الثاني (هنا)

 

* عبد العزيز المراغي، نظم الحكم كما يراها الإسلام، مجلة "رسالة الإسلام"، السنة الثانية، العدد الرابع، 1950م.

** عضو جماعة كبار العلماء والإمام الخاص للحضرة الملكية.

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الأربعاء, 12 أغسطس 2026 19:02

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples