الفقه الإسلامي والفقه الروماني لا تأثر بينهما*

By الشيخ عبد الله المراغي** يوليو 30, 2026 9 0

لقد عرضت للبحث في هذه الآونة الشبهة التي علقت بأذهان مشترعي أوربا وهي أن الفقه الإسلامي مشتق من الفقه الروماني لوجود تشابه كبير بينهما، وقد كتبنا نحن مقالا في هذا الموضوع في العدد الأول من هذه السنة صفحة ٢٣.

وقد نشرنا في العدد الثالث بحثا ممتعا لفضيلة الشيخ السيد عفيفي، فاستكمالا لكل ما ينشر في هذا الباب ننقل مقالا قيما نشره حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الله المراغي وجه فيه البحث وجهة جديدة جديرة بالنظر، وتعتبر مكملة لهذا الموضوع. قال حضرته:

لقد طال الجدل وكثر النقاش من مدة غير قصيرة بين الباحثين في الصلة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني، فذهب بعضهم إلى تأثر الفقه الإسلامي بأبحاث الفقه الروماني ونظرياته مستندا إلى سبق تاريخ القانون الروماني وارتقاء النهضة التشريعية الرومانية في عصورها المتعاقبة قبل ظهور فجر الإسلام، فلما جاء الإسلام وأراد أن يؤسس مدنية وحضارة في جميع نواحي العمران اقتبس النظم التشريعية من القانون الروماني. ويشهد لهذه النظرية أيضا وجود الشبه القوي بل والاتحاد في بعض الأحكام الواردة في القانون الروماني والفقه الإسلامي.

وذهب البعض الآخر إلى عكس هذه النظرية مدعين تأثر القانون الروماني بالفقه الإسلامي، وذلك البعض يستند إلى أن الفقه الروماني وإن كان سابقا في الزمن إلا أنه في بعض عصوره المتأخرة قد طفر طفرة غير طبيعية لم تكن نتيجة للفقه الروماني الموجود قبلها، بل كانت هذه الطفرة وليدة التأثر بالفقه الإسلامي لوجود الاتصال بين الحضارة الإسلامية والحضارة الرومانية، فنقل بعض فقهاء الرومان شيئا من الفقه الإسلامي إلى فقههم، وبذلك وجد التلقيح وتداخلت القوانين. واعتمدوا في إثبات تلك النظرية إلى وجود التشابه التام في بعض الأحكام بين التشريعين، وهذا مجمل أدلتهم في عكس النظرية السابقة، وخلصوا من ذلك إلى تأثر الفقه الروماني بالفقه الإسلامي.

ولما كنت أزهريا بطبعي، وقد ألممت من جهة أخرى ببعض أبحاث الفقه الروماني وتاريخه في عصوره المختلفة، وجدت نفسي مضطرًا إلى الكلام في هذا الموضوع. وها أنا ذا أدلي دلوي بين الدلاء، وأصوب سهمي نحو الحقيقة التي أعتقدها، راجيا أن أصل بتلك المساهمة إلى تركيز هذه الحقيقة في نفسي، أو العدول عنها بالدليل الصحيح إلى حقيقة أخرى. وإلى القارئ رأيي بأدلته:

إنني أعتقد اعتقادًا صادقًا أن الفقه الإسلامي ما لبس ثوبا مستعارًا، وما سكن دارًا بطريق الاغتصاب منذ نشأته إلى الآن. وأتمنى أن يتم له استقلاله ويَطَّرِد رقيه.

ومنشأ تلك العقيدة في نفسي هي البراهين القاطعة التي لو عرضت على المكابر المعاند لأذعن لها وصدق بها؛ إذ لو تتبعنا الفقه الإسلامي في تطوراته لوجدناه مصاحبا للقانون الطبيعي بدون شذوذ أو طفرة، فمقدماته سارت بطريقة طبيعية، ونتائجه حذت حذوها بدون تعثر أو وثوب. ذلك أن الفقه الإسلامي قد وجد في جزيرة العرب عماده كتاب الله الكريم الذي نزل منجما على وفق الحوادث والتدرج في التشريع، وقد كان ينزل به الوحي الصادق على النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم. والقرآن أول مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، لا يستطيع عاقل أن ينكر علينا قدسيته وعدم انتسابه لمخلوق.

وقد حوى هذا الكتاب المقدس جميع نواحي التشريع من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية وعقوبات وتشريعات للسلم والحرب والمواريث، وتلك التشريعات تارة كانت واضحة مفصلة عرفت أحكامها، وتارة أخرى كان بعضها في حاجة إلى تفصيل وتوضيح من الرسول الأكرم.

فالمسلمون في فجر الإسلام ما عرفوا فقها رومانيا ولا تشريعا رومانيا، بل كانوا محصورين في الجزيرة وما جاورها لا يفزعون عند وقوع الحوادث التي تتطلب أحكاما إلا إلى رسولهم وكتابهم.

وقد كانت للرسول أقضية كثيرة جمعت في كتب متعددة، فقد كان منبع الفقه الإسلامي في ذلك العهد من كتاب الله وسنة رسوله.

فإذا بحثنا في الطريقة التي نزل بها القرآن والتي جمع بها والتي وصل بها إلينا وجدناها أقوى طريق عرفه البشر في ثبوت الحقائق، فلا تعدلها نظرية الثبوت عند ديكارت أو روسو أو غيرهما من فلاسفة الغرب والشرق، فقد تحقق في طريق نقل القرآن التواتر الذي يحيل العقل كذب إخباراته، ذلك هو عصر النبي عليه السلام.

وكان يرسل هداته ودعاته إلى الجهات التي أذعن أهلها إلى الإسلام، ولا يطلب من رسوله أن يتلمس تشريعه إلا من الكتاب والسنة، فإن لم يجد فيهما يجتهد ويستنبط. فلم يكن المشرع الإسلامي يعتمد على مدد أجنبي أو مصدر روماني. فأنت ترى الرسول لما أراد أن يرسل معاذًا إلى اليمن يستدعيه قبل الإرسال ليرى خلاصته واستعداده للقيام بأعباء وظيفته والاضطلاع بمهامها، فيقول له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ فيجيب المرشح للوظيفة بقوله: أقضي بكتاب الله، فيقول المرسل: فإن لم تجد في كتاب الله تعالى؟ فيقول المرشح: أقضي بسنة رسوله، فيعيد عليه السؤال بقوله: فإن لم تجد في سنة رسوله؟ فيجيب المرشح بقوله: أجتهد في رأيي ولا أقصر. فيأخذ المرسل نشوة الفرح والوثوق بكفاءة مرشحه فيقول: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله.

وإذا انتقلنا بعد هذا إلى عصر الخلفاء الراشدين نجدهم قد ساروا في التشريع على النهج الذي وضعه مشرعهم الأعظم، ونرى كبار الصحابة قد أشربت نفوسهم تعاليم الإسلام، واستعدت عقولهم، وقويت ملكاتهم على التشريع، فقاموا به خير قيام، بل قد تخصص بعضهم في بعض المباحث الفقهية، كما جاء ذلك في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ قام خطيبا فقال: «أيها الناس من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله جعلني له قاسما وخازنا».

ونرى عمر رضي الله عنه يرسل أبا موسى الأشعري إلى البصرة ويضع له دستورًا عاما ولائحة للقضاء ويحدد له مصادر التشريع، فإذا هي كتاب الله، وسنة رسوله، واجتهاده، واستنباطه الأحكام للحوادث التي تجد، وقياسها على الحوادث الماضية المعروفة لديه. وقد عرف عدد كبير من الصحابة والتابعين بالفقه والقدرة على التشريع: كعبد الله بن عمر وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وغيرهم. هذا ما كانت عليه الحال في عهد الصحابة والتابعين إلى منتهى القرن الأول الهجري.

ثم لما جاء القرن الثاني وجدت فيه ظاهرة جديدة وروح وثابة إلى وضع القواعد التشريعية التي تبنى عليها المسائل الجزئية، فقد ظهر أبو حنيفة بالكوفة وتلاميذه أبو يوسف ومحمد وغيرها، وأخذوا يؤسسون المذهب الحنفي، ثم تلا ذلك وجود الإمام مالك بالمدينة، وكان له أتباع وتلامذة. وبعد ذلك ظهر الإمام الشافعي المولود بغزة من أعمال عسقلان سنة ١٥٠ هـ ثم أعقبه الإمام الرابع أحمد بن حنبل. وقد أسس هؤلاء الأئمة مذاهبهم على الكتاب والسنة. وظهر في ذلك العهد مصدر آخر من مصادر التشريع وهو الإجماع الذي أثبتوا صحته كدليل من أدلة الشرع بقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ حيث قالوا إن اتباع غير سبيل المؤمنين هو مخالفة الإجماع، وبأحاديث متعددة تحرم الخروج على الجماعة. وقد اشتد الجدل وكثر حول القياس وكيفية إثبات الأحكام به. وقد أراد كل إمام أن يضع لمذهبه الضوابط والمقاييس حتى يجمع جزئيات المسائل تحت أصل من الأصول الثابتة.

وبذلك نشأ عند الفقهاء فن جديد سمي بعلم الأصول، وهو الذي جعل أساسا لاستنباط الأحكام الشرعية. وقد دَوَّن هؤلاء الأئمة وتلاميذهم الكتب التي جمعت أحكام كل مذهب: فدوَّن أبو يوسف ومحمد مذهب أبي حنيفة في كتب معروفة لا تزال مطبوعة إلى اليوم، ككتاب الخراج، وكتاب الآثار لأبي يوسف، وكتاب السير الكبير، وغيره من الكتب التي ألفها الإمام محمد. وقد قام بعض الفقهاء باختصار بعض مؤلفات الإمام محمد وجمعها في كتاب واحد، كما فعل ذلك الحاكم الشهيد في كتابه المسمى بالكافي.

وقد وضع الإمام مالك وتلاميذه مثل ما وضع أبو حنيفة، فقد ألف الإمام مالك كتاب الموطأ وجمع فيه كثيرًا من أحكام مذهبه، وألَّف بعده عبد الله بن الحكم المصري كتاب المختصر الكبير، وألَّف محمد بن سحنون كتابه المشهور بالجامع، وغير هؤلاء ألفوا كتبا كثيرة في مذهب الإمام مالك. وسار الإمام الشافعي في جمع مذهبه على هذا المنوال، فقد ألَّف بنفسه كتاب الأم الجامع لأغلب أحكام المذهب، وألف كتاب الرسالة في أدلة الأحكام، وللبويطي تلميذ الشافعي كتاب المختصر الكبير والمختصر الصغير، وكتاب الفرائض، وللمزني أيضا مختصر صغير وكبير. ولا زالت هذه الكتب معروفة في العصور الإسلامية يرجع إليها فقهاء المسلمين ولا يعرفون غيرها.

ولو تتبعنا نشأة الأئمة وكيف تعلموا العلم ومن أين أخذوه لوجدناهم نشأوا في بلاد لا علاقة لها ببلاد الرومان، وتعلموا على أيدي المسلمين. فالسلسلة التشريعية الإسلامية ابتدأت أول حلقاتها بالكتاب والسنة، ثم امتدت الحلقات بالخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ثم بظهور الأئمة المجتهدين بعد ذلك وما استنبطوه من الأحكام المدونة في كتبهم وكتب تلاميذهم. وقد ظلت هذه الأحكام متناقلة إلى عصرنا الحاضر لا يستطيع أحد أن يدعي أنها تأثرت بأي مؤثر خارجي.

ونستطيع أن نخلص من كل هذا إلى أن مصادر التشريع الإسلامي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن فقهاء المسلمين ما جلسوا إلى معلم روماني، وما قرءوا كتبا رومانية، لأن التاريخ الصحيح يدلنا على أن الوقت الذي وجدت فيه النهضة التشريعية الإسلامية حتى وصلت إلى أرقى درجاتها، لم يكن معاصرا لرقي الدولة الرومانية، بل كانت الدولة الرومانية في عهد الانحطاط والتقهقر في جميع أجزائها؛ إذ إن الفقه الروماني قد ضعف بموت الإمبراطور جستنيان سنة ٥٦٥م والإسلام قد بدأ من بعد ذلك بنصف قرن، ولا يستطيع أحد أن يدعي انتقال الفقه الروماني بعد هذا التاريخ إلى جزيرة العرب التي نشأ فيها الفقه الإسلامي. بل يجمع المؤرخون على أن الفقه الروماني ظل بعد هذا التاريخ مجهولا عند جميع الناس حتى عند أهل أوربا أنفسهم، لأنه في ذلك التاريخ لم تكن الطباعة معروفة، والقوانين ظلت منحصرة في دائرة ضيقة جدا في أيدي مؤلفيها أو ورثتهم، أو في الكنائس وما شابهها. والمقطوع به أنها لم تتجاوز محيط الدائرة التي وجدت فيها حتى أوائل النهضة الأوربية التي ظهرت فيها الطباعة وأمكن بعث هذه القوانين والحصول عليها من الأماكن التي كانت مقبورة فيها، وذلك كله كان من مبدأ القرن الخامس عشر الميلادي إلى الآن.

فالمدة التي كان الفقه الروماني مجهولا فيها بالأدلة القاطعة كان الفقه الإسلامي في عصوره الذهبية؛ إذ إن الفقه الإسلامي بدأ في القرن السابع الميلادي واستكمل نموه في هذا القرن وفي القرن التاسع والعاشر اللذين ظهر فيهما الأئمة المجتهدون، ودونت فيه الكتب المبسوطة في مذاهب الأئمة الأربعة. فالتاريخ الصحيح يدلنا على أن النهضة الإسلامية جاءت بعد اضمحلال النهضة الرومانية التي انتهت بموت جستنيان سنة ٥٦٥م.

وما نشأ عند بعض الباحثين من اعتقادهم بتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني لأن الفقه الروماني سابق في الوجود على الفقه الإسلامي، فهذا منشأ خاطئ سببه عدم التعمق في البحث، فإن السبق في الوجود الزمني لا يجعل دليلا على التأثر، فكم من لاحق يأتي بالعجائب والمبتكرات التي لم تجل بخاطر من سبق. وأقوى دليل على هذا هي المخترعات التي جدت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا العصر، فلم يكن عند القرن الماضي أي تفكير في اللاسلكي والراديو والمناطيد والتلفزيون وغير ذلك من المخترعات، ومع هذا لا يستطيع عاقل أن ينسب هذه المخترعات إلى أهل القرون الماضية. فالسبق الزمني لا يقوم دليلا على التأثر إلا إذا وجدنا الاتصال الحقيقي والاستمداد والامتزاج بين السابق واللاحق، كما حصل ذلك في الدولة التركية، فإنها أخذت قانونها الحديث عن القانون السويسري، وكما حصل في مصر، فإنها أخذت قانونها المدني عن القانون الفرنسي، وكما يحصل في العمل بدساتير بعض الدول في دولة أخرى.

والفقه الإسلامي لم يكن في تطوره وليد هذا التأثر، وليس هناك أي مستند صحيح لإثبات التأثر على هذا النحو، فليس من المسلمين فقيه نقل قانون الرومان على هذه الطريقة، ولم تكن هناك بعثات أرسلت من جزيرة العرب في القرن السابع والثامن والتاسع الميلادي، وهي عصور النهضة التشريعية الإسلامية، فقد أنشأت الحضارة الإسلامية المستقلة في المكان والتفكير والتعليم. ووجود الشبه بين المباحث في التشريعين لم يكن وليد التأثر، وذلك لأن المباحث القانونية التي تناولها المشرعون في البحث هي تابعة لوجود الإنسان بحالة نظامية، فقد عرفت هذه المباحث الفقهية الحديثة مثل الأحوال الشخصية والعقوبات والمواريث عند قدماء المصريين وعند الإغريقيين والكلدانيين وغيرهم من الأمم التي سبقت الرومان. فوجود المباحث الرومانية في الفقه الإسلامي لا علاقة له بتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني. فاتحاد الألفاظ في التشريعين لا يدل على أن مدلول تلك الألفاظ يتحد في التشريعين، لأن المباحث الفقهية الإسلامية كما أسلفنا مستمدة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهي قانون سماوي ليس للبشر دخل في تأسيس أصوله، بخلاف القوانين الأخرى فإن أُسسها وأصولها قد وضعت بأيدي المشرعين، وهي قابلة للتغيير في أصولها وفروعها، بخلاف الأسس الإسلامية فإنها لا يعتريها التغير لأنها وضعت صالحة للبشر منذ أنزلت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وقد يفهم بعض الناس أن أسس الشريعة الإسلامية لا تستطيع أن تجاري الزمن وأن تثبت أحكاما للحوادث التي تتجدد؛ وهذا فهم خاطئ، لأن الشريعة الإسلامية جاء فيها جواز إثبات الأحكام بالقياس والإجماع، وهما كفيلان بإثبات الأحكام على ممر الزمن، فلا تجد حادثة في الوجود إلا ويستطيع الفقهاء إثبات حكم لها.

فإذن يثبت لنا مما أسلفنا من البيان استقلال التشريع الإسلامي، وأن سبق الفقه الروماني عليه لا يقتضي تأثيره فيه، وأن اتحاد الألفاظ التشريعية بين الفقهاء لا يقتضي اتحاد مدلولها ولا اتحاد واضعها، وبذلك تزول الشبه التي وجدت عند بعض الباحثين من القول بتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني.

ونستطيع بعد أن ألممنا بتاريخ الفقه الإسلامي وبينا عدم تأثره بالفقه الروماني، أن نلم أيضا بالفقه الروماني ونثبت عدم تأثره بالفقه الإسلامي، فقد اصطلح المشرعون الغربيون على إطلاق الفقه الروماني على القواعد التي عملت بها الأمة الرومانية في العصور المختلفة منذ نشأتها حتى وفاة الإمبراطور جستنيان. وقد قسم بعضهم هذه المدة إلى ثلاثة أقسام، والبعض الآخر إلى أربعة، وبعضهم قسمها إلى قسمين، والبعض الآخر إلى خمسة، واتفقوا جميعا على أن هذه المدة ابتدأت من سنة ٧٥٣ قبل الميلاد، وهو تاريخ بناء مدينة روما، وانتهت بموت الإمبراطور جستنيان سنة ٥٦٥ بعد الميلاد. وكانت وفاته قبل ظهور الإسلام بنصف قرن تقريبا، وإذن قد وجدت القوانين الرومانية، وأخذت أدوارها المختلفة، وتعددت فيها المباحث الفقهية، ووضعت أحكام الأحوال الشخصية، وأحكام العقوبات، وأحكام المواريث، وغير ذلك من مباحث القوانين التي تناولها فقهاء القوانين الحديثة.

وسنقصر الكلام على تقسيم واحد من التقاسيم السابقة وهو تقسيم جيبون الذي قسَّم تاريخ القانون الروماني إلى أربعة عصور، فجعل الأول يبتدئ من تاريخ تأسيس روما وينتهي بتدوين قانون الاثني عشر لوحا، وجعل الثاني يبتدئ من هذا التاريخ وينتهي بعهد الإمبراطور سيسرون، وجعل الثالث يبتدئ من هذا التاريخ وينتهي بعهد الإمبراطور اسكندر سيفر، وجعل الرابع يبتدئ من هذا التاريخ وينتهي بوفاة جستنيان.

وقد جرى في تقسيمه هذا على تقسيم الأدوار الطبيعية للإنسان، فجعل العصر الأول بمنزلة دور الطفولة، والعصر الثاني بمنزلة دور الشباب، والعصر الثالث بمنزلة دور الكهولة، والعصر الرابع هو دور الهرم. وعلى كل حال لم يكن مخالفا لغيره من أصحاب التقاسيم الأخرى، لاتفاقهم جميعا على أن مصباح التشريع الروماني قد انطفأ بموت الإمبراطور جستنيان.

وشبهة بعض القائلين بتأثر الفقه الروماني بالفقه الإسلامي ترجع إلى أن الرومان لما أرادوا وضع قانون الألواح الاثني عشر كونوا لجنة لوضعه، وهذه اللجنة اتفق المؤرخون بأنها كانت على علم بالقانون اليوناني، فإن كثيرًا من القواعد المقررة بقانون الاثني عشر لوحا مأخوذ بعضها من قوانين سولون التي درسها في مصر، وكان للقوانين المصرية تأثير غير مباشر في القوانين الرومانية. وهذه النظرية على فرض صحتها فإن هذا التأثير لم يكن بين القوانين الرومانية والفقه الإسلامي، لأن الفقه الإسلامي في هذا التاريخ لم يكن على ظهر الأرض فضلا عن أن يكون في مصر، فإن قانون الاثني عشر لوحا وضع في القرن الرابع قبل الميلاد وقبل ظهور الإسلام بتسعة قرون تقريبا.

والطفرة التي ظهرت في تقدم القوانين الرومانية في عهد جستنيان لم تكن كذلك وليدة التأثر بالفقه الإسلامي، لأن عهد جستنيان كان قبل ظهور الإسلام بنصف قرن، والتقدم الذي حدث في عهد جستنيان لم يكن طفرة في الواقع بل هو وليد التقدم الطبيعي، إذ إن القانون الروماني كان في دوره الرابع منذ وجوده، وهذه المدة التي كانت قد مضت عليه تبلغ أكثر من عشرة قرون، وهي كفيلة بوصول المدنية إلى أرقى درجاتها.

وحينئذ أستطيع أن أقطع بعد كل هذا بأن الفقه الإسلامي لم يتأثر بالفقه الروماني السابق عليه لعدم وجود الصلة بين مشرعي الإسلام وفقهاء الرومان. وكذلك أستطيع القطع بأن الفقه الروماني وإن تأثر بالقوانين المصرية فإنه لم يتأثر بالفقه الإسلامي لسبق القانون الروماني على الفقه الإسلامي، كما يعطينا ذلك التاريخ الصحيح.

 

لتحميل ملف المقال (هنا)

 

* الشيخ عبد الله مصطفى المراغي، الفقه الإسلامي والفقه الروماني، مجلة الأزهر، السنة الثامنة، العدد السادس (غالبًا)، 1356ه/ 1937م.

** العلامة الجليل الشيخ عبد الله مصطفى المراغي (1903- 1965م)، شقيق الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، وقد أنجبت هذه الأسرة الكريمة عددًا من العلماء. وُلِدَ سنة ١٩٠٣م بالمراغة، وبها نشأ، فحفظ القرآن الكريم وبعض مبادئ العلوم، ثم رحل إلى الأزهر الشريف، فحصل على الشهادة الابتدائية، ودرس في قسم التخصص القديم. وتتلمذَ فيه للعلامة الجليل الشيخ عيسى منون، وكان يدرّس لهم علم الأصول من كتاب مسلم الثبوت، وكان قد تحول إلى مدرسة القضاء الشرعي. ولما ألغي، تحوّل إلى الأزهر فأتم به دراسته الثانوية، ثم تقدم لامتحان شهادة العالمية من الخارج، فحصل عليها سنة ١٩٢٦م، ثم التحق بتخصص القضاء الشرعي في الأزهر، فحصل عليه سنة ١٩٣٦م. ثمّ عمل بوزارة الأوقاف، وفي لجنة الفتوى، ولم يزل حتى صار مديرًا لقسم المساجد بوزارة الأوقاف مدة طويلة، ومفتشا للعلوم الدينية بالمعاهد الأزهرية. ومن مؤلفاته: (الفتح المبين، في طبقات الأصوليين)، و(حقوق أهل الذمة)، و(الزواج والطلاق في جميع الأديان)، و(أفضل منهاج، في إثبات الإسراء والمعراج)، و(الشهاب، في توضيح الكتاب)، بالاشتراك مع الشيخ عبد القادر يوسف، في فقه السادة الأحناف، و(التشريع الإسلامي لغير المسلمين)، و(حقوق المرأة في الشريعة الإسلامية)، و(العظات البينات)، و(الخطب الحديثة: ديوان خطب)، وكل ذلك مطبوع. (نقلًا بتصرف عن موقع وزارة الأوقاف المصرية، متاح على هذا الرابط: https://2u.pw/hAfrYk).

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الخميس, 30 يوليو 2026 18:47

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples