يمكن تعريف التغريب بأنه تطبيع الأغيار بطابع الغربيين بهدف استتباعهم للغرب، والغرب هنا يكاد يتركز في دول أوروبا الكبرى بامتداداتها في أمريكا، باعتبار أن الأوروبيين هم من استوطنوا أمريكا بعد أن أبادوا سكانها الأصليين من الهنود الحمر.

فإذا كان التغريب في المعاجم العربية يأتي بمعنى النفي عن البلاد، فإن التغريب في الثقافة الغربية يعني النفي عن الزمان وعن التراث الذاتي والإنساني لأجل تيسير عملية الذوبان في العصر الأمريكي الأوروبي وحده؛ سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً.

لقد كان المجال التشريعي من أهم الآليات التي استعملها الغرب لتحقيق أهدافه في تنميط العالم الإسلامي –تحديداً- على هواه ووفقاً لما يحقق مصالح «الرجل الأبيض»، ولذلك كان من الطبيعي أن يعمل بجد على تنحية الشريعة الإسلامية عن مرجعية التشريع والقضاء التي تبوَّأتها على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرناً، لا سيما وهي -بطبيعتها- عصية على التطويع والاحتواء، وتمنح المؤمنين بها الصمود والثبات في مواجهة العواصف التي تحاول أن تقتلعهم من جذورهم حتى لا يصبحوا لقمة سائغة للمتداعين عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها!

فقد استغلت أوروبا الفجوة الكبرى التي حدثت بينها وبين المسلمين في الجوانب المادية والعسكرية خصوصاً لفرض نفوذها السياسي والاقتصادي على العالم الإسلامي منذ نهايات القرن الثامن عشر، ثم بدأت في احتلال دول العالم الإسلامي تباعاً، وكلما احتلت بلداً فيه استبدلت القوانين الوضعية بالشريعة الإسلامية، ليتغرب بذلك التشريع على مستوى المرجعية والمفهوم والمؤسسات والبيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وذلك على الوجه الآتي:  

1- من حيث المرجعية، تحولت مرجعية التشريع من الشريعة الإسلامية إلى المرجعية الغربية، فلم يعد نابعاً من الشريعة، بل مما يحدده الغرب ويختاره، فباتت قوانينه والفقه الآخذ عنها –عملياً- هما الميزان وهما أصل المشروعية في المجتمع الإسلامي؛ وتحولت مصادر التشريع من القرآن والسُّنة والمصادر الاجتهادية التي ترتد إليهما وفق القواعد الأصولية والفقهية التي اعتمدها علماء الشريعة على مدى التاريخ الإسلامي، إلى «التقنينات» التي تصدرها الدولة ممثلة في الجهة المختصة بالتشريع، والمبادئ العامة للقانون والقانون الطبيعي وقواعد العدالة، وغيرها من مصادر القانون.

2- انحسر مفهوم التشريع في الدول المتغربة في معناه الغربي المقتصر على القواعد المنظمة للروابط بين الناس على وجه الإلزام من قبل الدولة، بعد أن كان التشريع يتسع في المفهوم الإسلامي ليشمل كل الأحكام الشرعية الإسلامية التي لها مقتضى عملي في حياة الإنسان بصفة عامة، بما تحتويه تلك الأحكام من عقائد وأخلاق وعبادات ومعاملات كمنظومة تشريعية متشابكة ومتكاملة، لا ترتبط بالضرورة بالدولة كجهة إلزام أو رقابة، بل كانت جهة الإلزام بتلك الأحكام هي القرآن الكريم والسُّنة النبوية وحدهما.

3- أحلَّ الغرب مؤسساته التشريعية والقضائية محل الجهات المختصة بالتشريع الإسلامي، فاستبدل الغرب –ووكلاؤه المتغربون- البرلمانات بالفقهاء، وولى الدولة الحديثة -المستوردة منه والتابعة له- استتباع المؤسسات الدينية المختلفة، وعلى رأسها جهات التعليم الديني، الذي قضى الغرب على تمويله الأهلي عبر نظام الوقف الإسلامي، فحرم الشريعة من علمائها المستقلين، وسلمهم والأوقاف للدولة وسلطتها التنفيذية المتغولة بدورها على المؤسستين التشريعية والقضائية، بعد أن تحكمت فيهما من حيث المنبع والمصب والوظيفة وإطارها!

4- تغيرت البيئة المحيطة بالتشريع، حيث تغرب الواقع الاجتماعي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي والثقافي، وانتقلت العادات الغربية رويداً رويداً إلى بلاد المسلمين، فاختفت الأسرة الممتدة أو غاب الترابط عنها إلا قليلاً، ثم تبعها تفكيك الأسرة النواة كذلك تأسياً بالغرب الذي ما فتئ ينشر ثقافته ويفرضها على مجتمعات العالم فرضاً كي يستتبعها، فإذا بالأخلاق تتحول من الثبات إلى السيولة، ومن الإطلاق إلى النسبية، وإذا بالاقتصاد تغيب عنه العدالة والغايات الإنسانية التي كانت تستهدف إشباع ضروريات الإنسان واحتياجاته؛ فتحول إلى اقتصاد ربوي جشع لا يستهدف غالباً سوى توفير كماليات يمكن الاستغناء عنها دون عناء، أسهمت في تركيز ثروات العالم في يد شرذمة قليلين، مما وسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، بعد أن هيمنت عليه الشركات الدولية الكبرى التي باتت توجه الثقافة كذلك لتصبح استهلاكية وتحول الإنسان نفسه إلى كائن استهلاكي، وفي السياسة تحولت ولاءات المسلمين من الإسلام إلى أراضٍ وحدود إقليمية رسمها «الاستدمار» الغربي للعالم الإسلامي لضمان التفرقة بين المسلمين، فكان طبيعياً أن يبتعد الواقع عن الشريعة الإسلامية، حتى أصبحت غريبة في واقع متغرب!

كيف نقاوم التغريب ونجري تغييرات عكسية؟

لا يعد تغريب التشريع قدراً لا فكاك منه، بل هو بمثابة تحدٍّ يقتضي استنفار الجهود لمقاومته بحكمة لا تستهدف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ومحاكاة الماضي بحذافيره، ولكن تبتغي إعادة المرجعية التشريعية والثقافية للشريعة الإسلامية بأسلوب متدرج، يبدأ بإعادة فهم الإسلام نفسه وتحريره مما ران عليه نتيجة الجهل والتقليد الأعمى وضيق الأفق والتوظيف السياسي والاقتصادي الانتهازي لأحكامه.

ومن أهم معالم هذا التحرير للإسلام إعادة فهمه كدين عالمي لا يخاطب العرب وحدهم، بل يخاطب الناس جميعاً، لا سيما في عالمنا المعاصر الذي بات بمثابة قرية واحدة تجمع بين المستكبرين والمستضعفين، والذين اتُّبعوا والذين اتَّبعوا، والأغنياء والفقراء، والمتقدمين تقنياً والمتأخرين.

ومن معالم هذا التحرير كذلك إبراز الوجه الإنساني الرحيم للشريعة الإسلامية، وتقديم مقاصدها الكلية السامية على أحكامها العقابية، وقيمها الأخلاقية التراحمية في وقت أقام فيه الغرب المعاملات بين الناس على أساس تعاقدي لا رحمة فيه.

فالإسلام يستطيع أن يجبر نقص التشريع الوضعي فيعلي القيم الإنسانية على المصالح المادية، ويعيد الارتباط بين القانون والأخلاق، عبر تقديم نموذجه المعرفي المتفرد الذي يمكن أن يسترشد به أي نظام تشريعي يريد تحقيق مصالح الأنام، عبر الفهم السديد للتوحيد الذي يحرر العباد من تسلط البشر، ويدفع الإنسان إلى التركيز على مهامه الأساسية في هذه الحياة الدنيا، من تزكية واستخلاف وعمران، وإلى استهداف مقاصد عامة تتمثل في حفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل، وإلى الاستعصام بمبادئ حاكمة –مطلقة لا نسبية، وصلبة لا سائلة- مثل العدل والمساوة والشورى والحرية المنضبطة بنصوص شرعية قطعية لا يمكن لبشر تحويرها أو التلاعب بها.  

وهذه منظومة متضافرة من القيم والمقاصد التي تعلو فوق الدساتير والقوانين، وتمثل ثوابت تقف عندها سلطة البشر التشريعية بحيث لا تتحكم فيها الأهواء، فتصبغ شرعية على أفكار وسياسات تقود العالم نحو الهاوية!

كما أنه قد آن الأوان لإعادة الربط بين العقيدة والأخلاق والمعاملات عبر وضع إطار عقدي وأخلاقي لنصوص القوانين حتى يمتثل الإنسان طواعية للقانون، حتى لا يخالفه كلما أمن العقاب، ويمكن أن يجري ذلك عبر وضع مذكرة إيضاحية لكل قانون تؤصل له عقدياً وأخلاقياً، حتى يتقبلها المواطن وينصاع لها عن اقتناع.

ومن الناحية العملية لا يستلزم الأمر إلغاء كل التغييرات التي حدثت في التشريع نتيجة تغريبه، بل يمكن الاستفادة من إيجابيات تلك التغييرات وتجنب سلبياتها، فمن الممكن أن تبقى سلطة البرلمان في التشريع كما هي مع ضم علماء الشريعة الموثوق بهم إلى أهل الخبرة والاختصاص في مجالات التشريع المختلفة لضمان أن تصدر التشريعات عبر اجتهاد جماعي يحرص على موافقتها للشريعة وما تتغياه من تحقيق مصالح الجماعة، مع اشتراط أن تكون تلك البرلمانات ممثلة للأمة بحق لا للحاكم وحده، فتكون بمثابة «أهل حل وعقد» في ثوب جديد.

كما أنه لا ضير في بقاء القضاء بشكله الجديد بشرط تحقيق استقلاليته الكاملة، بحيث «يكون تقدير كل قاضٍ لوقائع النزاع، وفهمه لحكم القانون بشأنها، متحرراً من كل قيد، أو تأثير، أو إغواء، أو وعيد، أو تدخل، أو ضغوط أياً كان نوعها أو مداها أو مصدرها، وكان مما يعزز هذه الضمانة ويؤكدها استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأن تنبسط ولايتها على كل مسألة من طبيعة قضائية»، كما انتهت المحكمة الدستورية العليا المصرية -في أحد أحكامها- بحق.

كما ينبغي العمل على إعادة الاستقلالية إلى المؤسسات الدينية الإسلامية بحيث تكون لعلمائها حصانة القضاة المبتغاة، فلا يوضع عليهم أي قيد عند اجتهادهم في استنباط الأحكام الشرعية وإعلانها، من أي جهة كانت، مما يضمن قيامهم بمهامهم السامية في إقامة العدل وإعلاء حكم الشرع على ما سواه.

نُشر هذا المقال على موقع مجلة المجتمع بتاريخ 8 سبتمبر 2020

صدر هذا الكتاب عن دار نشر ذات السلاسل بالكويت، 1996م، وجاء في مقدمة المؤلف ما يأتي:

إن فكرة هذا الكتاب انبعثت من الحاجة إلى وجود فكر إدارى قائم على المبادئ الحضارية لديننا الإسلامي وتراثنا العربي. وقد رأيت أثناء دراستي للأدبيات الغربية في مجال إدارة الأعمال والإدارة العامة، أن هناك الكثير من الحكمة في تلك الأدبيات -والحكمة ضالة المؤمن- مما يمكن أن يستفاد منه في بناء الطاقة الإدارية الذاتية اللازمة لنمو وتقدم مجتمعاتنا الإسلامية. كما أن عملي ومعاناتي في مجال فريضة الزكاة والتنمية جعلاني أكثر يقينًا بهذه الحقيقة.

ومما لا يخفى على أي قارئ، أن حضارتنا بل حتى فقهنا لم يتسع وينمو إلا بعد بناء الدولة الإسلامية وتشكيل الدواوين والمؤسسات المختلفة اللازمة لنمائها وبقائها. وقد فرض هذا على المسلمين التعامل مع مشاكل معقدة، تستدعى إعمال الفكر وقدح الذهن. ولا أدل على ذلك من التوسع في انتشار الكتب حول الخراج والصدقات، بعدما إزدهرت إيرادات الخراج وتنامى أثرها في زمن الدولة الأموية والعباسية. وهذا يؤكد أن الأمور والقضايا لدى سلفنا الصالح كانت مرتبة بحسب أولويات واحتياجات المسلمين في ذلك الوقت وعلاجًا للمشاكل التي واجهتهم آنذاك. ولا بد للمخلصين من هذه الأمة، أن يقتفوا أثر سلفهم في ذلك إن أرادوا الخير والفلاح.

ولذلك فإن هناك حاجة -كجزء من عملية شاملة للنمو الذاتي- إلى بناء مؤسسات الزكاة والمؤسسات الدينية الأخرى ذات الصفة المالية كالأوقاف، لتقوم بواجبها ولتحقيق أهدافها المنشودة. وكتابنا هذا لبنة أولى ودعوة صريحة لبناء مثل هذه المؤسسات، على ما توصل إليه غيرنا -من حكمة ورأى سديد- وعلى ضوء التوجيهات السامية للكتاب والسنة.

كما أن التوجه نحو إنشاء مؤسسات الزكاة وتشجيع اللجان الأهلية للزكاة، يتوافق مع التوجه العالمي نحو تشجيع المؤسسات غير الحكومية والقطاع الخاص، على القيام بدورها في تنمية المجتمعات التي نعيش فيها. كما ينسجم هذا التوجه مع الاتجاه العام نحو تعبئة الموارد المالية من المجتمعات المحلية، لتقوم بدروها في تنمية وتقدم مجتمعاتها، وبالتالي فإنشاء لجان الزكاة كما أنه فريضة دينية، فهو ضرورة حياتية بالإضافة إلى أنه توجه عالمي.

ولذلك فالكتاب حافل بالمبادئ الأساسية والاعتبارات المهمة في إنشاء أي مؤسسة أو لجنة شعبية للزكاة. والبعض من تلك الاعتبارات، قد تناولتها في أبحاث قدمتها إلى المؤتمر العالمي الثالث للزكاة المنعقد في ماليزيا عام ۱۹۸۹م، والدورة التدريبية لكوادر الزكاة في الخرطوم عام ۱۹۸۹م، ومؤتمر الإدارة العامة من منظور إسلامي المنعقد في طهران عام ۱۹۹۲م، والتي استفدت منها في كتابي هذا. كما حاولت جذب انتباه القارى وقتل الرتابه في المطالعة، من خلال وضع مربعات في داخل كل فصل، تحتوى على معلومات مفيدة مرتبطة بطريق مباشر أو غير مباشر بمواضيع الفصل.

ولو أردنا تشبيه كتابنا هذا بقصة، لقلنا إنها سردت في البداية تجارب وتراث المسلمين في إنشاء المؤسسات. ولم يغفل هذا السرد تجاربهم المعاصرة في الوقت الحاضر، وما قاموا به من جهد متواضع في إحياء هذه المؤسسات. وتستمر القصة، ببيان الهياكل التنظيمية وأسسها وأنواعها في مؤسسات الزكاة وتطبيقاتها في المؤسسات المعاصرة. وحيث إن التخطيط للمستقبل هو أساس الحياة النامية، فتتناول قصتنا بعد ذلك مبادئ التخطيط وإعداد الميزانيات وتنفيذها في مؤسسات الزكاة. وبما أن الهياكل والتخطيط جماد لا أثر له ولا حياة إلا بالموارد البشرية، فلم تغفل قصتنا عن جوانب الحفز في مؤسسات الزكاة وأثره في تعظيم أثر هذه الفريضة.

ولعل أكثر ما تهدف إليه هذه القصة هو أن إعمار الدنيا واجب، بل هو مسلك للآخرة وإن بناء الحياة فن ولا بد لمن ينوى إعمارها أن يتقن فنونها ويسبر أغوارها، ولأولئك كتبت هذه القصة، ولهم ترجى روايتها، والأمل بالله ثم فيهم في تحقيقها في الحياة الدنيا.

وبعد فإن الإتقان وإن كان مطلب الباحثين، إلا أنه بعيد المنال إلا من يسره الله له. وبما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، فأرجو من كل قارئ -بعد قراءته للكتاب- ألا يجاوز ثلاثة: إرشادًا ونصحًا لجوانب الخطأ والغفلة والنسيان، أو الجود بعلم يزيد الكتاب نفعًا وأثرًا، أو الدعاء لمؤلفه عن ظهر غيب. ومن جمع الثلاثة حاز الأمر كله، مصداقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (الدال على الخير كفاعله).

تقسيمات الكتاب:

قسم د. فؤاد عبد الله العمر كتابه إلى خمسة فصول على النحو التالي:

  • الفصل الأول: مقدمة تاريخية لنظم الزكاة وتطور تطبيقها.
  • الفصل الثاني: دراسة مقارنة للهياكل التنظيمية والعملية الإدارية في مؤسسات الزكاة.
  • الفصل الثالث: الهيكل التنظيمي وأسسه وأنواعه في مؤسسات الزكاة.
  • الفصل الرابع: مبادئ التخطيط وإعداد الميزانيات وتنفيذها في مؤسسات الزكاة.
  • الفصل الخامس: التقييم النقدي لنظريات الحوافز المعاصرة: وجهة النظر الإسلامية مع دراسة حالة لنموذج تطبيقي للحوافز في إحدى مؤسسات الزكاة.

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 كتاب قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف هو أحد مؤلفات محمد قدري باشا (1821-1886م)، والذي بذل جهدًا عظيمًا في تقنين مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.

ومحمد قدري باشا هو أحد فقهاء الشريعة والقانون وكبار القضاة في مصر، وكان من أوائل من عنوا بدراسة علوم الفقه والشريعة الإسلامية ومقارنتها بالقوانين الأوروبية، فدرس في الأزهر الشريف، وتتلمذ على يد كبار المشايخ، مثل أستاذه وشيخه رفاعة رافع الطهطاوي، وتولى الوزارة ثلاثة مرات: ناظرًا للحقانية “وزارة العدل”، وزيرًا للمعارف، ثم وزيرًا للحقانية مرة ثانية، وتوفي في 20 نوفمبر عام 1886م.

ولقد كان لنزعته الدينية ودراسته للشريعة الإسلامية والقوانين المقارنة آثرًا كبيرًا على إنتاجه الفكري، والذي يُعد كتاب الأحكام الشرعية في معرفة الأحوال الشخصية على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان على رأس إنتاجه في هذا الشأن.

تناول محمد قدري باشا في هذا الكتاب موضوعات (الوقف)، والذي عرّفه قدري باشا بأنه: “حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على الفقراء، ولو في الجملة، أو على وجه من وجوه البر”، موضحًا أن الوقف بالصفات والقيود والشروط المذكورة في كتب الفقه مما اختص به المسلمون، وإن كانت فكرة الوقف وجدت عند قدماء المصريين وكذلك عند الرومان والجرمان.

ويُذكر أنه لا يوجد كتاب من كتب الفقه الإسلامي –في جميع المذاهب الفقهية- إلا وكان للوقف باب خاص فيه، وعلى الرغم من أن هناك العديد من الكتب التي تناولت موضوع الوقف، إلا أن أهم ما يميز كتاب قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف لمحمد قدري باشا هو الأسلوب المقنن المبسط في عرض جميع أحكام الوقف بطريقة قانونية، ومن ثم يمكن القول بأن هذا الكتاب هو كتاب فريد من نوعه، حيث يجمع بين دفتيه الفقه التراثي، وطريقة القوانين الوضعية والنظم الحديثة فضلاً عن أنه يُعد خطوة هامة نحو تقنين الفقه الإسلامي.

تقسيم الكتاب

وضع محمد قدري باشا هذا الكتاب في (646) مادة، تم تقسيمها إلى سبعة أبواب، وتحت كل باب عدة فصول:

  • الباب الأول: تعريف الوقف، وحكمه، وشروطه، وسنته، وأهليته، ومما يجوز بيعه، والموقوف عليهم.
  • الباب الثاني: بيان الشروط التي يجوز للواقفين اشتراطها، والتي لا يجوز.
  • الباب الثالث: ولاية الوقف وتصرف النظار في أمور الوقف.
  • الباب الرابع: إجازة الوقف.
  • الباب الخامس: في المزارعة والمساقاة والحكر والخلو ونحوها.
  • الباب السادس: عمارة الدور الموقوفة.
  • الباب السابع: في الدعوي والإقرار والشهادة.

رابط تحميل الكتاب (هنا)

ورقة للدكتور محمد سليم العوا نُشرت في مجلة كلية التربية بجامعة الملك سعود عام 1977، يتطرق فيها للظاهرة التي لفتت الأنظار حينذاك حيث تزايد الاتجاه بين المشتغلين بالقانون -تشريعًا وفقهًا- إلى الإفادة من الفكر القانوني الإسلامي في مجالات متعددة، وعلى رأسها المجال الجنائي، وقد أثمر هذا الاتجاه على إقامة عدد من الندوات اهتمت بالتشريع الجنائي الإسلامي.

اقتصر العوا في هذه الورقة أثناء تحليله للنتائج الأولى لهذا الإنتاج العلمي على خمسة مباديء أساسية للتشريع الإسلامي، وهي

1- الصبغة الدينية للتشريع الجنائي الإسلامي.

2- العلاقة بين القاعدة القانونية والقيم الأخلاقية.

3- مبدأ -أو قاعدة- الشريعة “لا جريمة ولا عقوبة بغير نص”.

4- مبدأ عدم رجعية التشريع الجنائي إلى الماضي.

5- المساواة أمام النصوص الجنائية.

رابط تحميل مباشر للدراسة

يتناول هذا الكتاب أحد موضوعات القانون العام بالغة الأهمية، حيث يتناول بالشرح والتحليل الرقابة القضائية على دستورية القوانين، مع بيان الملامح الرئيسية لتلك الرقابة، وزاد من أهمية هذا الكتاب أن مؤلفه هو أحد أهم القضاة الذين تولوا رئاسة المحكمة الدستورية العليا المصرية على مدى تاريخها، وهو المستشار الدكتور عوض المر (1933-2004م)، والذي تولى رئاسة المحكمة في الفترة من 1 يوليو 1991- 30 يونيو 1998.

وقد فضلنا أن نورد مقدمة المؤلف للكتاب كاملة، لحرصه فيها على بيان عدد من الملامح التي يُقام عليها بنيان الشرعية الدستورية، وذلك على النحو الآتي:

1- تباشر المحكمة الدستورية العليا في مصر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح. وقد عهد إليها الدستور بهذا الاختصاص، وأفردها بتوليه، حتى تنفرد به.

ومنذ إنشائها، وهي تواجه الدستور باعتباره وثيقة نابضة بالحياة، لا ترتبط مفاهيمها بلحظة زمنية معينة. وإنما تتفاعل مع عصرها، وفق القيم التي ارتضتها الجماعة لتحدد على ضوئها مظاهر سلوكها وضوابط حركتها؛ آخذة في اعتبارها أن النظرة الأعمق لحقوق مواطنيها وحرياتهم، لا يجوز عزلها عن التنظيم المقارن في الدول الديموقراطية، بما يرد عنها عدوان السلطة وانحرافها، ويقيم لها ضماناتها، فلا يكون بَصَرُها بأبعاد رقابتها على الشرعية الدستورية، إلا متطورًا بمفاهيمها.

٢- وكان لازمًا أن تأخذ المحكمة الدستورية العليا وهي تتولى التفسير النهائي لأحكام الدستور- بأمرين في اعتبارها:

أولهما: أن النصوص الدستورية لا تعتبر مجرد نصوص توجيهية يطبقها المشرع أو ينحيها وفق إرادته. ولكنها قواعد قانونية بمعنى الكلمة لا تعبر عن آمال في الفراغ، ولا عن صرخة في بيداء. وإنما تنقل أمال المواطنين إلى صورة واقعية يعايشونها ويفيدون منها، وهي بذلك لا تتحول عن نزعتها الإيجابية التي تتغير بها ملامح الحياة، ويُعاد تشكيلها على ضوئها.

ثانيهما: أن غموض بعض نصوص الدستور أو فرطحتها، ما كان ليحول دون مباشرة المحكمة الدستورية العليا لولايتها. وربما أعانها ذلك على أن تستخلص منها معان أكفل لحقوق المواطنين وحرياتهم، وأن تتوافر للدستور بالتالي المرونة اللازمة التي تقتضيها مواجهة أوضاع متغيرة بطبيعتها.

٣- ولا شبهة في أن الرقابة على الشرعية الدستورية- وعلى ضوء ما أصابها من تطور، واقتحامها مسائل تتعقد جوانبها وتتباين الآراء حولها- لم تعد اجتهادًا قائمًا فقط على إعمال حكم العقل، بل صار قوامها في كثير من ملامحها حقائق علمية تجعلها من أفرع القانون التي تستقل عن غيرها في جوهر أحكامها. وما يميزها اليوم هو اتساع دائرة تطبيقها لتشمل فروع القانون المختلفة بغض النظر عن موضوعها.

ذلك أن الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا تتناول النصوص القانونية جميعها، ما كان منها مدنيًا أو تجاريًا أو جنائيًا أو عماليًا أو ضرائبيًا، أو واقعًا في إطار مسائل الأحوال الشخصية؛ وإن تعين الفصل في دستوريتها على ضوء مناهج الرقابة على الشرعية الدستورية ومعاييرها التي تساندها المفاهيم الديموقراطية، في صحيح معانيها، بما يكفل صون حقوق المواطنين وحرياتهم التي تمثل من النفس البشرية جوهرها، والتي يرتد تشويهها بخطاهم إلى الوراء، فلا يقدمون لأمتهم من جهدهم شيئًا.

4- بيد أن لهذه الرقابة مشكلاتها وأهمها:

  • أن إعادة كتابة الدستور Rewriting the Constitution غير تطويره. ذلك أن إحداث دستور جديد منفصل كلية عن الدستور القائم، ليس مما تتوخاه الرقابة القضائية على الدستورية التي تنحصر مهمتها في فهم الدستور، وتطوير أحكامه عند الاقتضاء في نطاق دائرة يرتبط فيها هذا التطوير بالنصوص المعمول بها، مع إعطائها معان تكفل مفاهيمها الأكثر تقدمًا، ليظل الدستور صامدًا في مواجهة أنماط التغيير التي تطرأ على المجتمع، فلا يكون عصيًا على تلبيتها.
  • أن التفسير الحق للدستور، إنما يتمثل في النظرة الأشمل للنصوص التي يتضمنها، والتي ترتبط جميعها بوحدة عضوية تجمعها بما يكفل تكاملها. فلا يبدو جزرًا متناثرة، وإنما يقربها التفسير الصحيح لها -وبافتراض تعارضها- من بعضها.
  • أن كل تفسير النصوص الدستور، ينبغي أن ينطلق من تصور مبدئي مؤداه، أن أكثر معانيها ضمانًا لرقى الجماعة، هي التي ينبغي التزامها وقوفًا عندها.

ويتحقق ذلك بالإطلال على الأفاق الجديدة التي ترتبط فيها دستورية القيود على حقوق الأفراد وحرياتهم، بضرورتها، وفى الحدود التي تتسامح فيها النظم الديموقراطية.

ذلك أن خضوع الدولة بكل تنظيماتها للقانون، مؤداه أن يتحدد مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدول القانونية عليها، وتتقيد هي بها على ضوء مستوياتها التي التزمتها الدول الديموقراطية باطراد في مجتمعاتها، واستقر العمل على انتهاجها في مظاهر سلوكها على تباينها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في الدول الديموقراطية.

أن تنوع حقوق المواطنين وحرياتهم التي يكفلها الدستور، يفترض تطبيقها بما يحقق الأغراض المقصودة منها؛ وأن ترتبط دستورية القيود عليها، بقدر ملائمتها لضمان مباشرتها بصورة أفضل.

كذلك فإن الحقوق والحريات التي يحميها الدستور تتكامل مع بعضها، وتتكافأ في منزلتها القانونية.

فلا تتدرج فيما بينها، وإن كان من المسلم أنها لا تتعادل في أهميتها، ولا في قدر إسهامها في تطوير مجتمعها. بل يكون لكل منها دور يوافق الأغراض التي رصد عليها.

  • أن الدستور يكفل لحقوق المواطنين التي نص عليها في صلبه الحماية من جوانبها العملية لا من معطياتها النظرية.

ولئن جاز القول بأن ضمانها يتحقق من خلال تدابير متنوعة من بينها تلك التي تتخذها جهة الإدارة؛ إلا أن الوسائل غير القضائية تقصر في كل الأحوال على أن تقدم لمن يلوذون بها، الترضية التي يأملونها، ويقتضونها جبرًا من المدينين بها. ويظل أثر هذه الترضية كذلك مقصورًا على من طرق أبوابها.

ولا كذلك جهة الرقابة على الشرعية الدستورية التي يكون لها من حيادها واستقلالها ومن انفرادها بالفصل في المسائل الدستورية ومن الحجية المطلقة لأحكامها التي تقيد الدولة بكل فروعها والناس أجمعين؛ ومن تكافؤ المناقضين أمامها؛ ما يؤهلها لفرض سيادة الدستور كأساس وحيد لمشروعية السلطة، وليس مجرد ضمان لحرية الفرد.

  • أن جهة الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية، لا تردد دومًا القيم السائدة في الجماعة وقت صدور الدستور. إذ لو جاز أن يفسر الدستور بعد سنين من تطبيقه، على ضوء القيم التي عاصرها، لصار الدستور معبرًا عن مفاهيم لم يعد للجماعة شأن بها.

فإذا لم يعدل الدستور ليواكبها، ظل واقعًا على جهة الرقابة على الدستورية، مهمة الاستجابة للأوضاع المتغيرة التي تعايشها، لا عن طريق إجهاد نصوص الدستور وافتعال معان لها لا يتصور ربطها بها؛ وإنما من خلال النظر إلى مضامين هذه النصوص، وقراءتها بصورة أكثر تقدمًا على ضوء نظرة واقعية لا تحيلها إلى جمود يسلبها حقائق الحياة، بل يعد إليها شرايين جديدة تُعينها على الصمود.

  • إن أكثر ما يؤرق المعنيين بالمسائل الدستورية، أن الفقهاء لا يوجهون عادة اهتمامهم إلى جوانبها العملية، مما أحال دراستهم بشأنها إلى محاولة للتأصيل والتنظير من زاوية مجردة؛ وعلى ضوء شروح نظرية لا تنهل من الأوضاع الواقعية؛ ولا تؤثر في أنماط الحياة داخل الجماعة؛ وكأنهم يلقون دروسهم من شرفة عالية؛ وفي فراغ يحيط بها.

ولم يكن هذا النهج مقبولاً من المحكمة الدستورية العليا في مصر التي أقام جهدها -وبالرغم من حداثة نشأتها- لكثير من المسائل صروحها؛ ولحقوق الأفراد وحرياتهم الحماية الحقيقية من خلال حلول قضائية حازمة منحتها ثقة مواطنيها بها، وجعل دورها متعاظمًا ومؤثرًا في فروع القانون جميعها، معدلاً كثيرًا من جوهر أحكامها، ناقلاً إليها مفاهيم جديدة لم تألفها، تبلورها آفاق مترامية تقصر عن بلوغها حرفية نصوص الدستور.

وما كان لها أن تصل إلى غايتها هذه، بغير دفاعها عن الحق والحرية كطريق لا تبديل فيه، مما سارع بخطاها كقوة لها ثقلها من الناحيتين السياسية والقانونية، وكرائدة لحماية أكثر فعالية لحقوق مواطنيها وحرياتهم، نفاذًا إلى عقولهم قبل قلوبهم، وإثراء لحقل القانون بوجه عام، وعلى الأخص من خلال مفاهيم جديدة توافر القضاء المقارن على تطبيقها في مجال الشرعية الدستورية، وإن أغفلها بعض الفقهاء في مصر.

5- ولئن ظل خصوم المحكمة الدستورية العليا، يناجزونها علهم يقوضون بنيانها، إلا أن صراعهم معها كان ميلاً لأهوائهم، وممالأة للسلطة نكولاً عن الحق، وتشويهًا لكل عمل صادق. ولـــم يكن ما ادعوه من عدوانها على السلطة التشريعية، وتقويضها لاختصاصاتها التقديرية، وإضرارها بمصالح عريضة لمواطنيها، وإخلالها بأوضاعهم الاجتماعية التي استطال ثباتها، إلا بهتانًا.

فالمحكمة لا يعنيها أن تنازع السلطة التشريعية في مواقفها، إلا إذ جاوزت الحدود التي رسمها الدستور للقوانين التي تقرها.

وتباشر المحكمة ولايتها هذه -لا وفق مقاييس تصطنعها- بل على ضوء ضوابط موضوعية تستلهمها من فهمها للدستور؛ وربطها بين نصوصه؛ وتحليلها لغاياتها؛ وعلى الأخص في مجال القيم التي اعتنقها المجتمع في مجموع أفراده؛ وبمراعاة أن حقوق مواطنيها وحرياتهم، لا تتحدد وفق ضوابط إقليمية، ولا على ضوء نزعة أحادية، بل بوصفها واقعة في إطار منظومة دولية لها خصائصها.

فلا يفسر الدستور بما يجافيها. خاصة بعد أن صار تنظيمها شاملاً من خلال وثائق دولية تُفصل كل حق وكل حرية، وتبين التدابير الفردية والجماعية التي يجوز التدخل بها لصونها، وعلى الأخص في الدول النامية، والدول الأقل نموًا، التي تميل كثرتها إلى العدوان على حقوق مواطنيها وحرياتهم التي صار الإيمان بها في الدول الديموقراطية جزءًا من أعرافها.

6- ولا شبهة في أن ولاية السلطة التشريعية لا تعليها على المحكمة الدستورية العليا التي تراقبها بناء على نصوص الدستور ذاتها، فلا تتقيدان معًا بغير أحكامه، ولا تنجرفان عن القيم التي احتضنها، بل تتوازيان في الخضوع لأوامره ونواهيه.

ولا يتصور بالتالي، أن يقع نزاع ذو شأن بين المحكمة والسلطة التشريعية، ولا أن يتعاملا كخصيمين يتناحران، إذ هما مؤسستان، أقامهما الدستور، ليكون تعاونها وفق أحكامه، قاعدة لا استثناء منها.

والقول بأن قضاء المحكمة الدستورية العليا، قد يتضمن إخلالاً بأوضاع اجتماعية ثابتة، مردود بأن الأوضاع المناقضة للدستور، لا حصانة لها، ولا يصححها قدمها. فضلًا عن أن التسامح مع أوضاع خاطئة، مؤداه تراكمها واتساع دائرة العدوان التي تحيط بها.

7- وتزداد أهمية الرقابة على الشرعية الدستورية كذلك، من خلال انسحابها إلى كل معاهدة دولية تكون مصر طرفاً فيها.

ذلك أن مثل هذه المعاهدة تعتبر قانونًا بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة.

ومن ثم تعامل نصوصها كقانون في مجال الرقابة على الشرعية الدستورية. فلا تخرج عن ولايتها حتى عند هؤلاء الذين يغلبون الطبيعة السياسية للمعاهدة على طبيعتها القانونية، أو ينظرون إليها باعتباره تعبيرًا عن إرادة سياسية لا تجوز إعاقتها.

بل إن نصوص المعاهدة الدولية تثير صعوبة حتى في مجال تفسيرها وتطبيق قواعد القانون الدولي عليها.

ذلك أن القبول بها تراضيا على أحكامها. قد يكون منتفيًا. وقد يثور نزاع في شأن نطاق تطبيقها، أو في مجال النصوص المتحفظ عليها فيها، أو على صعيد جواز تجزئة أحكامها؛ وإمكان وقفها وإنهائها.

وتظل للمعاهدة في كل صور تطبيقها -أيا كان موضوعها- قوة القانون.

واعتبارها كذلك، يخضعها وجوبًا للرقابة القضائية على الشرعية الدستورية، وإن جاز القول بأن مناهج هذه الرقابة وضوابطها في شأن المعاهدات الدولية، ينبغي أن تكون أكثر اتفاقًا. وصلتها بروابط الدول فيما بينها.

فلا تتمحض الرقابة القضائية على دستوريتها، عن مجرد رؤية قانونية لأحكامها. بل تتداخل في تقييمها كل العوامل التي تتصل بمناسبة إبرامها، والأوضاع التي تواجهها، والآثار التي تحدثها في علاقة مصر بغيرها من الدول.

8- أن الحرية الشخصية لا تعتبر قيمة مجردة من حقائقها، ولكنها تمثل من النفس البشرية. أعمق خصائصها.

وأكثر ما يؤثر فيها أن تدل القيود عليها على شهوة التحكم، وعلى الأخص من خلال نصوص جنائية لا تستنهضها الضرورة الاجتماعية، كنص المادة ٨٠/د من قانون العقوبات.

وصار ضروريًا أن تفرض المحكمة الدستورية العليا رقابتها في أكثر أشكالها صرامة على تلك القوانين، خاصة وأن السلطة لا تتمحص امتيازًا لمن يزاولها؛ ولكنه يباشرها نيابة عن الجماعة ولصالحها وبتفويض منها.

ولا يجوز بالتالي أن تتمحض القوانين الجنائية إيلاما غير مبرر؛ ولا أن تكون شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع، متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها؛ ولا أن تكون نافية لضمانة الدفاع؛ ولا أن تنال من أصل براءة المتهم من خلال قرائن تحكمية تفترض بها مسئوليته عن الجريمة؛ ولا أن يساق إلى جزاء يقرره المشرع بأثر رجعي؛ ولا أن تهدر آدميته من خلال عقوبة تتسم بقسوتها، أو ينافي شذوذها مظاهر الاعتدال؛ ولا أن يدان عن الجريمة بوسائل غير قانونية؛ ولا أن تكون الوسائل القانونية؛ إطارًا شكليًا لحقوق صورية في حقيقتها، بما يقوض فرصه في حياة آمنة.

۹- وقد جاوز قضاء المحكمة الدستورية العليا -بمضمونه- حدود إقليمها، وصار لافتًا بأهميته أنظار كثيرين من الفقهاء في الدول الغربية إلى حد قول أحدهم في مؤلفه عن “القاعدة القانونية في العالم العربي” بأن هذه المحكمة -وبالنظر إلى هيكلها وولايتها وكيفية تشكيلها- أثبتت قدرتها أكثر من أية جهة قضائية غيرها، على أن تطور مداخل متماسكة، وأن تتابعها في كل المسائل الدستورية الأساسية التي تواجه بلدها.

Far more than any other judicial body, the Supreme Constitutional Court, by reason of its structure, jurisdiction and composition, has been able to develop and pursue a consistent approach to the fundamental legal issues confronting the country.

وآمل أن تثابر المحكمة الدستورية العليا، على أداء هذا الدور، وألا ينقطع جهدها في ذلك.

١٠- تلك ملامح عريضة لحقائق لا يجوز إغفالها في مجال بنيان الشرعية الدستورية، التي جعل الدستور زمامها بيد المحكمة الدستورية العليا التي ترتبط مهابتها بقوة أحكامها؛ وبإصرارها على أن تكون سيادة الدستور حقيقة واقعة؛ وبنأيها عن أن تكون طرفًا في صراع سياسي عقيم أيـا كان مداه؛ وبحرصها على أن يكون الحق وحده، قاعدة لكل أحكامها.

فالحق بغير القوة وهم خادع؛ والقوة بغير الحق لا تزيد عن أن تكون شهوة وتسلطًا؛ ومزاوجة الحق بالقوة هي الطريق الوحيد لرقابة دستورية أكثر فاعلية، وحزمًا.

ومؤلفي هذا اجتهاد على طريق تتواصل خطاه، وآمل أن يكون صائبًا في أعم المسائل التي تناولها. فإن قصر عن أن يحيط ببعض جوانبها، أو أخطأ في بعض أجزائها، فذلك شأن كل اجتهاد.

وما أراه هو أن أتناول أولاً الرقابة على الشرعية الدستورية في ذاتها؛ من جهة مصدوها وضرورتها وطرائقها ومناهجها، وغير ذلك من خطوطها العريضة.

ثم أعرض في أجزاء تالية لحقوق الإنسان وحرياته المدنية والسياسية. فإذا أذن الله لي بأن أتم بحثها، أعقبتها بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لنصل إلى خاتمة العقد ممثلة في الحقوق الجديدة -كالحق في التنمية- التي تطور بها الجماعة من نفسها ليحيا الفرد في نطاقها متكامل الشخصية حقًا وصدقًا.

رابط مباشر لتحميل الكتاب

يناقش هذا البحث للباحث بدر السحيم مدى تطبيق تشريع مصرفي إسلامي لدى النظم العَلمانية تحديداً، عبر النظر في تشريعاتها العالية والعادية والفرعية، وأهمية التشريعات الإسلامية لمثل هذه الأنظمة المصرفية باتت متزايدة، مع صعوبة إدخال الدِّين في تشريعاتها مقارنة بالأنظمة المصرفية العالمية الأخرى، حيث تهدف الدراسة إلى معرفة أنواع التشريعات المصرفية المطبقة بأنظمتها في الدول العَلمانية، وتوثيق أهم المحاولات التي تم رصدها خلال الفترة الماضية لدى النظم العَلمانية المخففة “کأمريکا وترکيا” ذات الطابع الرأسمالي، والنظم العَلمانية المشددة “کفرنسا والصين” ذات الطابع الاشتراکي، والمعوقات الواردة على کل تشريع مصرفي بتجربته، مع توثيق الإجراءات التشريعية المتخذة في کل بلد، والتطبيقات التي حالت دون تواجده السليم، حيث کانت لکل مدرسة تشريعية طريقة خاصة في تعاملها مع المصارف الإسلامية، تميزها عن غيرها رغم تشابه النظام العَلماني ظاهرياً، مما نتج عن هذا الاختلاف الدقيق تفاوت في التطبيق والتشريع المصرفي الإسلامي المتبع، لذا حرص البحث على تجلية مثل هذه الفروق التشريعية المصرفية بين البلدان الاقتصادية الکبرى، بغية الوصول لمعالجات تضمن حسن التطبيق لتشريع مصرفي إسلامي لديها، مستخدماً لذلک المنهج المسحي والاستقرائي لنصوص التشريع والوقائع المثبتة، مقارناً بين أقدم التطبيقات التي يمکن القياس عليها والمتشابهة فيما بينها، وقد حاولت الدراسة إيجاد صيغة داخلية توافقية، وتعاون مصرفي خارج إقليمها العَلماني؛ استجابة للأحداث التجارية المتسارعة التي تجريها هذه الدول بتشريعاتها المصرفية الحالية مع مناطق الدول الاقتصادية الأخرى، وکذا محاولة وضع مبادئ قانونية لتشريع مصرفي إسلامي موائم لمثل هذه النظم العَلمانية.

نُشر هذا البحث في العدد رقم (29) من مجلة الشريعة والقانون التي تصدر عن كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر

رابط للتحميل المباشر

(١)

قد يكونُ تناولي لهذا الموضوع مما يجري على غير ما يتوقع السادةُ واضعو برامج الندوة، وعلى غير ما فهمت أولًا مما هو مطلوب. بل إنه يجري الآن على غير ما بدأت به دراسة الموضوع، وعلى غير ما شرعت بكتابته في البداية. وموضوعات المحور الثالث في الندوة عن (تدريس القانون والشريعة)، وأول البحوث عن منهج دراسة القانون المقارن، وثانيها عن منهج دراسة الشريعة المقارن، وثالثها الذي تتعلق به هذه الورقة هو عن مناهج دراسة القانون مقارنًا بالشريعة، ومناهج تدريسها تدريسًا مقارنًا، ومدى صلاحية كلٍّ منها. وقد بدأت بالمعتاد والمتوقَّع، وهو مطالعة عيناتٍ للدراسات وكتب التدريس التي اتبعت الأسلوب المقارن، ووقفت كثيرًا بين إمكان اختيار العينات لذلك، وبين إمكان المسح بالقدر المتيسر للجهد الفردي، كما ترددت بين التقاط الظواهر العامة في هذا الشأن، وبين محاولة التدقيق في تفاصيل العملية الفعلية التي تتبع في وضع المقارنة.

ثم فجأة أُلقي في ذهني السؤال: عمّا نريد من هذه الدراسة؟ وما هو معيار التقويم لصحة هذه المناهج أو فسادها؟ ومعيار التقويم هنا يتوقف على إدراك ما نريد. ومن جهة أخرى فإن معيار التقويم لا ترد الحاجة إليه فقط لمعرفة مدى الصواب والخطأ، وإنما هو لازم لاختيار المادة المبحوثة. ونحن لا نستطيع أن نجمع مادة أيِّ بحث إلا إذا كان لدينا معيار مسبق لما نأخذه وما نتركه ممّا نرى له وجه دلالة في السياق المبحوث فنأخذه، أو لا نرى له دلالة مؤثرة في المجال المبحوث فنتركه. وبمعنى آخر إننا لا نستطيع أن نجيب في أمرٍ ما قبل أن ينجلي لنا السؤال عن هذا الأمر.

أول الأسئلة: ما الذي نريد من هذه المقارنة التي نجريها بين القانون والشريعة؟ وإن ما نريده وما نحدده كهدف لنا هو ما يتوقف عليه تقدير مدى صواب منهج المقارنة أو خطئه، وتقدير أفضلية منهج على غيره، لأن المنهج طريق ينتسب إلى الغاية منه. ما الذي نريده من المقارنة؟ في مرحلةٍ ما إذا أردنا إثبات أن الشريعة أفضل من القانون الوضعي من حيث الاستجابة لحاجات الناس. وفي مرحلةٍ أخرى إن أردنا إثبات أن الشريعة أسبق من القانون الوضعي فيما يزهو به هذا القانون من أحكام، وفي مرحلةٍ أخرى إن أردنا إثبات أن الشريعة لا تقل عن القانون الوضعي في تحضّر أحكامها. وما أكثر ما جمع باحثونا بين هذه الدلالات يستخلصونها من مقارناتهم.

بدأت المقارنة مع الشكِّ الذي أصاب العقل المسلم من قدرة الفكر السائد في مجتمعه على تحقيق النهضة المرجوّة، بعد أن بهرته الغلبة الغربية وانتصارها على المسلمين بحكوماتهم ونظمهم، وبعد أن بهرته ما رآه من نظم وممارسات في المجتمعات الأوروبية، فقام يستنهض أمّتَه بعقد المقارنة وباستخلاص ما قدَّر نفعه لدى الغرب ينقله ويستخلصه ويعمل على ضمّه واستيعابه في أطره المرجعية الإسلامية ومعايير احتكامه المستمدة من هذه الأطر. نجد هذا فيما يظهر لنا من اجتهادات الشيخ محمد عبده ومن يشاكله.

وقد تعدَّلت القوانين والنظم إلى ما صارت به مأخوذةً عن قوانين الغرب ونُظمه، وإلى ما جرت به في إطار المرجعيات الغربية. وكان لا بدّ لتسويغ هذه النقلة الخطيرة أن تُجرى الكتاباتُ والأقوال بعدم جدارة الشريعة الإسلامية لأن تحكم مجتمعًا يريد النهوض وهو في القرن العشرين، وأن أحكامها التي ظهرت منذ بضعة عشر قرنًا قد صارت من تراث الغابرين. وجاء ردّ العقل الإسلامي على ذلك بعقد المقارنة بين أحكام الشريعة وأحكام القانون، لإثبات أفضليتها وأسبقيتها، أو على الأقل لإثبات أنها لا تزال صالحة لحكم مجتمعات تعيش في القرن العشرين. ومن هنا جرت البحوث المقارنة لإثبات هذه الصلاحية وهذه المواكبة الزمنية لما اعتُبر من ملامح المعاصرة في القرن العشرين. نجد هذا فيما يظهر لنا من اجتهادات أمثال أساتذتنا الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ علي الخفيف ممن درسوا في مدرسة القضاء الشرعي ومن على شاكلتهم.

إنني هنا لا أؤرِّخ، ولكنني أكتفي بالإشارة إلى السياق العام، آملًا أن يساعد ذلك على أن يظهر في النهاية وجه ما أريد أن أطرحه. وأنا في صدد رسم ملامح هذا السياق العام، إنما يجري مني القول بتعميمات قد لا تخلو من عدم الدقة، لأن التعميم يوجب قدرًا من التجريد يتخفف من التفاصيل وممّا يعتبر أوضاعًا عارضة، لذلك كان التعميم دائمًا لا يخلو من مجازفات ومن تعارض الصورة الكلية للعديد من التفصيلات العارضة.

 

***

(٢)

لما ساد التشريعُ الآخذ عن قوانين الغرب ونُظمه، ظهر مطلب العودة إلى الشريعة الإسلامية، ظهر بالتدريج، لأن العقل المسلم لم يكن يتصوّر في البداية أن تلك القوانين والنظم الغربية وضعت لتسود المجتمعَ كله ولتحل محل الشريعة الإسلامية؛ نظر إليها في البدايات على أنها نظم وافدة تقف بجوار الشريعة ولا تعقِبها. يشهد على ذلك في مصر مثلاً أن القوانين الآخذة عن الغرب عندما صدرت في سنة ۱۸۸۳ وأنشئت المحاكم الأهلية لتطبيقها، لم يتضمن كل ذلك أن المحاكم الأهلية هي جهة القضاء ذات الولاية العامة، وأن الناس استصحبوا مع هذا السكوت أن الولاية القضائية العامة باقيةٌ للقضاء الشرعي، كما يشهد به أن وزيرين منهما عليّ مبارك وافقا على سن تلك التشريعات وإصدارها إقناعًا للأجانب بأن يستغنوا بها عن المحاكم المختلطة لأنها تطبّق قوانينَ آخذةً من مواردهم، فتكون مصر بهذا الإصدار قد استردّت سيادتها القضائية وبعضًا من سيادتها التشريعية وإن بقيت مقيدة، لأن القضاء الأصلي تقيمه حكومة مصر دون مشاركة للحكومات الأجنبية في التقنين، ولأن القانون الأصلي تصدره الحكومة المصرية دون توقف على مشيئة الدول صاحبة الامتيازات، وإن كانت إرادة الحكومة المصرية مقيدة بأن تصدر تلك التشريعات من موارد الغرب وتشريعاته. ثم اكتسبت تلك المحاكم الأهلية الولاية العامة بعد إنشائها بعدد من السنين، وكان الاستعمار البريطاني قد مد جذوره في الأرض المصرية مع خواتيم القرن التاسع عشر. وكان الفكر العلماني قد صارت له مؤسساته ودعاته، سواء في مدارس الدولة أو في دوريات الثقافة أو في الصحف السيارة.

من هنا بدأت المطالبة بالعودة إلى الشريعة الإسلامية كشريعة حاكمة وإلى القضاء الشرعي الذي يطبقها بوصفه صاحب الولاية العامة. بدأت هذه المطالبة فيما قبل الحرب العالمية الأولى كمطلب، لا أقول مطلبًا مهنيًا، ولكن أقول إنه كان يدور على أسس فقهية وفكرية واجتماعية، ويتردد الحديث بشأنه بين رجال الصفوة من العلماء وغيرهم. ثم تطور الأمر بعد الحرب العالمية الأولى وبعد قيام ثورة ۱۹۱۹، وبعد انكشاف أن التحول الذي يجرى في المجتمع المصري وغيره من مجتمعات المسلمين لا يقتصر على استبدال قوانين بقوانين ولا على الاستعاضة عن تنظيم قضائي بتنظيم آخر، ولكنه يمتد تحويلًا لأسس الشرعية والمرجعية كلها في المجتمع؛ فالجامعة الإسلامية تسقط والهوية التي تقوم على أساس الإسلام تذوى، والتكوين العلماني يسود، وبدا أن الشريعة الإسلامية -وهي ركن النظم الإسلامية- إنما أريد إقصاؤها لا لعوار أو نقص أو قصور في تنظيمها للمجتمع وتثقيفها البشر، ولكن أريد بإقصائها تغييب شعور الجماعة بذاتها وتفكيك قوى التماسك لها كجماعة ذات هوية وموقف حضاري وتاريخ ممتد. ومن هنا بدأ مطلب العودة إلى الشريعة الإسلامية يتحول من مطلب فقهِي مهني اجتماعي إلى مطلب سياسي، وجرى ذلك على أيدي الحركات السياسية الإسلامية التي ظهرت مع نهاية العشرينات من القرن الحالي، وهو لا يزال كذلك.

لقد صار تطبيق الشريعة الإسلامية، أو العودة إلى الاحتكام إليها، «مسألة» أو «قضية»، وصارت هذه المسألة تُعالج في مجالين: مجال فكري يقوم بإعداد البحوث والدراسات وبذل الجهود للمواءمة بين أحكام الشريعة الإسلامية وأوضاع الواقع المعاش ومطالبه، وبإجراء المقارنات بين أحكام القوانين الوضعية والأحكام التي تفتق عنها الفقه الإسلامي أو التي يمكن أن يتفتق عنها؛ ومجال سياسي يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية ويحشد النفوس للمطالبة بها ويقف حارسًا على هذه الدعوة، ويبين مدى ارتباط الشريعة والاحتكام إليها بالموقف العقدي الإسلامي، ومدى ما يطرأ من نقص على إسلامية المسلم إن ابتعد عن الاحتكام إلى شرع الله، وما يلحق المجتمع الإسلامي من عوار في هذه الحالة. ومن الطبيعي أن كلا المجالين يؤثر في الآخر ويتأثر به، فهو يغذيه ويتغذى بنتاجه.

على أني أجازف بالقول، إنه وإن كان كلا النشاطين، كل في مجاله يتجه إلى جمهور يتلقى عنه، وكل منهما يستخدم الأدوات الصالحة لهذا التوجه، سواء بالبحث العلمي بالنسبة للنشاط الفكري، أو بالدعوة بالنسبة لمجال النشاط السياسي، فإن كلا منهما كان يستبطن في وعيه أن الغاية المرتجاة هي أن تتبنى الدولة هدف العودة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وأن يستعيد المجتمع المسلم شريعته بواسطة سلطة الدولة وعن طريق قراراتها الملزمة القادرة وحدها على تحقيق هذا الأمر.

كان ولا يزال الهدف المستبطن هو تقنين الشريعة الإسلامية، أي صياغة أحكامها صياغةً قانونية معاصرة، لتصدر بها قوانين وقرارات من الدولة، وتكتسب شرعية سيادتها من إقرار الدولة لها وإصدارها لأحكامها، ووقوفها كافلةً تطبيقها حارسةً على حسن إعمالها. وهنا ظهرت العقبةُ الكنود التي تزداد كل حين امتناعًا، كلما ازدادت مع الوقت المطالبة بعودة الشريعة الإسلامية إلحاحًا وانتشارًا.

وهنا أحاول أن أقترب من لبّ ما أردت من هذه الورقة أن تطرحه، وهو في ظني ما يتوقف عليه تقرير منهج الدراسة المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.

 

***

(3)

يجدر بنا أن نفرق ونميّز بين الدولة من حيث هي هيئة وهيكل تكوين وأسلوب أداء، وبين العاملين بها من ناس متخصصين تتوزع عليهم التخصصات كل فيما تأهّل له، وتنقسم بينهم الأعمال نوعيات ومستويات ليتجمّع الأداء الكلّي بعد ذلك من مجمل ما أفضت إليه تلك الأعمال، وهو يتجمّع مُصطبغًا بالهدف الكلّي، أو بواحد من الأهداف الكلّية التي نُيط بالدولة أداؤها وتُحدد بها الغرض من قيامها. مثال ذلك المدرسة أو المعهد العلمي؛ تتوزع الدراسة فيه أقسامًا وفروعًا معرفية، ويقوم بذلك رجال متخصصون كلٌّ في مجاله، ولكن الأداء العام الإجمالي هو ما يصوغ عقل الطالب ويشكّل الحصيلة العامة أو المنتج النهائي، ومن هنا يجري التمييز بين المدرسة عمومًا وبين أفراد القائمين عليها، فهم ليسوا سواءً، وما يصدق عليها يتعلق بالغرض المقصود وبحصيلة الأداء العام، وهو لا يصدق بالضرورة على العاملين بها أفرادًا وفرَقًا.

بهذا التمييز الواجب، يمكن القول بأن الدولة الحديثة في مثل بلادنا الشرقية عمومًا قد بلورتها الصناعة التاريخية منذ وُجِدت في القرنين التاسع عشر والعشرين، وبلورتها حصيلة العلاقة العضوية مع النفوذ الغربي المهيمن، وبلورتها -واحدٌ من أهدافها الأساسية المتضمنة في أدائها الوظيفي وصياغاتها الفكرية- أن تكرّس النزعتين القطرية والإقليمية، وأن تؤكّد الوجه العلمانيَ الوضعيَّ للمشرب الفكري، وأن تصفّي المؤسسات الاجتماعية التقليدية التي كانت تتشكّل بها وحدات الانتماء الاجتماعية، محلية كانت أو مهنية أو مذهبية، والتي كانت تحفظ التوازن الاجتماعي للجماعة، وأن تحلّ السلطة المركزية محلّ التكوينات الجماعية الفرعية، وأن تحتكر العمل العام من دون هيئات الإدارة الذاتية كالطوائف والنقابات والملل وغيرها، وأن تمتلك على سبيل الاختصاص المحجوز سلطةَ إدارة المجتمع وشؤون الأمة بغير شريك لها من دونها من هيئات المجتمع المنظمة لجماعاته الفرعية.

وليس غير التوجّه العلماني الوضعي هو ما يكفِل للدولة إمكان تحقيق كل هذه الوظائف، لأنها لابدّ لقيامها بكل هذه المهام أن تمتلك السلطة منفردةً فقط، ولكن أن تمتلك مصدر السلطة؛ لا أن تمتلك مكنة التشريع فقط، ولكن أن تمتلك مصدر التشريع، أي أن تكون هي مصدرَ الشرعية لما تقيمه في المجتمع من نظم وهيئات ولما تسنّه من قيم وأحكام. والدولة الحديثة تنظر إلى علاقتها بالجماعة وبالمجتمع بوصفها قوامًا عليهما وذات وصاية؛ وهذا أمر إن لم يظهر في الصياغات الفكرية النظرية لقيامها وتكوينها، ولا يظهر في الفكر السياسي والفكر الدستوري الذي تستند إليه، إلا أنه يظهر واضحًا في ممارستها لوجوه أنشطتها المختلفة؛ فهي أبدًا مصدرُ الشرعية لأيٍّ من أنواع النشاط التي تمارسها العامة والجماعات المختلفة، سواء في التعليم أو الصحة أو البناء أو العمل أو ممارسة المهن أو الزراعة أو الصناعة أو الري أو فتح المحال العامة -فنادق أو مطاعم أو متاجر... إلخ- وسواء نشاط التبرع أو أعمال الخير أو إقامة الجمعيات أو طبع الكتب أو إنشاء الصحف أو الخطابة... إلخ. لا شيءٌ من ذلك إلا ويحتاج إلى ترخيص من جهةٍ ما من جهات الدولة، ويصدر ذلك بواسطة قانون ينظمه، والقانون تصدره الدولة ذاتها من الهيئة المختصة بالتشريع فيها.

والقانون يصدر مستندًا في مرجعيته إلى إجراءات إصداره عن طريق أجهزة الدولة، وإلى ما تقدّره هذه الأجهزة من مصلحة في الإصدار، ومن ثم فإذا كانت الدولة الحديثة ذات سلطةٍ فقيرة فيما تذكر النظريات الدستورية ونظريات علم السياسة، فهي مقيدة بما تنشئه من قوانين، أي هي مقيدة بعضها من بعض؛ أي سلطتها التنفيذية بسلطتها التشريعية، بواسطة سلطتها القضائية التي تنظر إلى ممارسات السلطة التنفيذية في ضوء ممارسات السلطة التشريعية لتقضي بما تنفذه السلطة التنفيذية، والدولة باعتبارها جماع تلك السلطات الثلاث فهي مقيدة بإرادتها ومشيئتها الذاتية ولا يرد عليها القيد من خارجها من إطار مرجعي عام خارجي يهيمن عليها، مثلما يحدث عندما نتكلم عن وجوب إعادة الدولة بأحكام الشريعة الإسلامية، إذ تصير الدولة محكومةً بمرجعية خارجةٍ عنها لم تصنعها الدولة بذاتها. ومن ذلك يظهر وجه القول بأن العلمانية هي من خصائص الدولة الحديثة في مجتمعاتنا، وهي من مقتضيات هذه الدولة ومن أركان تكوينها. وهي خاصية لصيقة بها متضمنة في مواد بنائها، ومن هنا استطاعت الدولة أن تحوّل المجتمع إلى أن يصير من ممتلكاتها وأصولها الثابتة، ومن هنا صار المجتمع تابعًا وملحقًا بالدولة وليس العكس، لأنها تملك عليه لا سلطة التشريع له فقط، ولكنها تملك مصدرية سلطة التشريع له...

من هنا يظهر التعارض الرئيسي بين مطلب تطبيق الشريعة الإسلامية وبين الدولة بالصياغة التي تقوم عليها هياكلها وبالوظائف التي تقوم بها هيئاتها الحديثة.

 

لتحميل ملف الدراسة

 

________________________

* بحث قدم لندوة انعقدت بجامعة قطر في ديسمبر سنة 1995، ونُشر بصحيفة الحياة اللندنية على ثلاث حلقات في الأسبوع الأول من مارس سنة 1996، كما نشر أيضا في كتاب البشري: الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، دار الشروق، الطبعة الأولي، القاهرة: 1996.

** المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري (1933–2021) قاضٍ وفقيه قانوني ومؤرخ مصري بارز، شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، ورأس لجنة التعديلات الدستورية عقب ثورة 25 يناير 2011. عُرف بعمق فكره القانوني والإصلاحي، وبدراساته في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي والعلاقات بين التيارات الإسلامية والعلمانية، ومن أبرز مؤلفاته الحركة السياسية في مصر 1945–1952 والمسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، وسلسلة كتب أصدرها تحت عنوان رئيسي «في المسألة الإسلامية المعاصرة» بدأ صدورها سنة 1996م بالعناوين التالية: ماهية المعاصرة، الحوار الإسلامي العلماني، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.

 

 

تستهدف هذه الورقة محاولة التعرف على إشكالية العلاقة بين القانون والدين ومبدأ المواطنة في الدستور المصري خاصة بعد أن نصّت المادة الثانية من الدستور- بعد تعديلها سنة 1980- على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع .

نشرت هذه الورقة للدكتور الراحل محمد نور فرحات في العدد رقم (80) من مجلة فصول الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

رابط للتحميل المباشر

مقال يعود لقرابة عشرين عام للبروفيسور الكندري وائل حلاق الفلسطيني الأصل مترجم ومنشور في موقع “مؤمنون بلا حدود”، وقد صدر المقال ضمن كتاب جماعي بعنوان (التشريع الإسلامي وتحديات الحداثة)، ويستهدف مناقشة تاريخ الشريعة ووضعها الإبستمولوجي والقانوني خلال سياقيْن مختلفين؛ السياق التقليدي القديم من جهة، والسياق الحديث المختلف جذريا عن الفضاء التاريخي والمعرفي والأنطولوجي والاجتماعي الذي نشأت فيه وتطورت وازدهرت معه، من جهة أخرى.

ومن خلال ردّه الصريح والواضح على دعاة إعادة تطبيق الشريعة في العصر الحالي، عرض الكاتب الأسباب الموضوعية لأفولها (بوصفها نظاما قانونيا) منذ عصر النهضة الحديثة، من جرّاء اختراق الحداثة القانونية والسياسية والحضارية عموما لبلدان العالم الإسلامي، ثمّ أبرز محاولات الجمع الاعتباطي بين مرجعيتيْن مختلفتيْن في القانون، آلت في نهاية المطاف إلى بناء منظومة قانونية وطنية مختلة وهجينة ومتضاربة ومعقدة ومفتقد للانسجام، بل تتسم أحيانا بعسر الفهم والاستيعاب وفق وجهة بعض رجال القانون المحدثين، ممن تلقوا تكوينا حديثا في القانون.

وفي هذا الصدد، استعرض حلاق مظاهر الإصلاح التي طغى عليها التلفيق والترقيع، سواء عبر مزج القديم بالحديث أو مزج آراء المذاهب لحلّ معضلات تشريعية معاصرة. وقد عكست تلك الأساليب والآليات انعداما للوعي بالتحوّلات التاريخية من جهة، وعدم التحمّس لإحداث قطيعة معرفية في مرجعيات التشريع والقانون.

يمكنك مطالعة البحث كاملًا من هنا

من الملاحظ أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى وقتنا الراهن والمسلمون أسرى لثنائيات مفرقة صراعية لا تزال محلا للسجال، أسهمت بقوة في القضاء على ثورات الوعي التي قام بها المجددون، فضلا عن ثورات الشعوب لنيل حريتها واستقلالها وتحقيق آمالها في العيش الكريم، وآخرها ما سميت بـ “ثورات الربيع العربي” التي انطلقت في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين؛ إذ سرعان ما نشبت صراعات كبيرة حول ثنائية “الدولة الدينية” و”الدولة المدنية”! مما أحدث استقطابًا حادًا أسهم بقوة في تفريق الثوار وفض جمعهم ومكن منهم من يقفون حائطًا صلدًا يحول بينهم وبين تحقيق أحلامهم النبيلة، فإذا بهم يعودون أشد ضراوة واستخفافًا بالشعوب وأكثر تبعية للقوى الاستعمارية الكبرى التي يبدو أنها شرعت في العودة من جديد للاحتلال العسكري المباشر لدول العالم الإسلامي بعد أن اكتفت منذ منتصف القرن العشرين بالاحتلال غير المباشر للعقل والإرادة.

كيف وقعنا في فخ ثنائيات التيه؟

الواقع أن التتبع التاريخي لحال الفكر الإسلامي يدلنا على أن جدلية الثنائيات قد ظهرت من قديم، وكان من أبرزها ثنائية العقل والنقل، أو الرأي والحديث، غير أن هذه الثنائيات قد تميزت بأنها كانت مجرد تعبير عن اتجاهات فكرية وفقهية متكاملة وغير صراعية في غالبها، ولم تكن مصدرًا مفضيًا إلى التيه، بل نبعًا للثراء والتلاقح الفكري، لاسيما وقد كان ظهورها مصاحبًا لريادة نهضوية شاملة للحضارة الإسلامية.

أما في العصر الحديث فالمتأمل في حال العالم الإسلام –بعمق وإنصاف- سيكتشف ظهور ثنائيات ذات طبيعة مختلفة تمامًا، يصح وصفها بأنها كانت عبارة عن استجابة غير سوية لصدمة الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، والتي كشفت عن هزيمة حضارية كبرى أمام الأوروبيين، فإذا بقادة الفكر والثقافة والسياسة ينقسمون وتنشب بينهم صراعات -تزيد الضباب ضبابًا والتيه تيها- حول ثنائيات -نظرية بحتة غالبًا- تدور معظمها حول دور الدين والموروث الثقافي في عملية النهوض المنشود، وذلك تحت عناوين مفرقة كثيرة تطرح معظمها أسئلة خارج مقرر النهوض، وتقيم صراعًا مفتعلا بين أسئلة النهضة والهوية والعمل والأخلاق، بدلا من أن يتركز النقاش حول كيفية الالتفاف حول سبيل واحد يرتكز على قيم موحدة (بفتح الحاء وبكسرها) مثل الاستقلال الحضاري، والحرية، والعدل، والعمران، والمساواة، والشورى.

هناك نماذج وافرة لثنائيات التيه التي أحاطت بعملية الإصلاح الحضاري وأطاحت به، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر-: القديم والحديث، الأصالة والمعاصرة، العقل والنقل، الدين والعلم، الإسلام والعلمانية، الديني والسياسي، الخصوصية والعالمية، الشريعة والقانون، الديمقراطية والشورى، الإسلام والحكم، الإسلام والقومية العربية، الدولة الدينية [الإسلامية] والدولة المدنية… إلخ.

ولعل ثنائية الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي –كنموذج- كانت من أبرز الثنائيات الصراعية التي ثارت حولها نزاعات مفتعلة، وكانت محلا للمزايدة فيما بين الحركات السياسية الساعية إلى السلطة، والتي استغلتها كثير من الأنظمة العربية الحاكمة في الإلهاء عن استبدادها وتغولها وتبعيتها المشينة للقوى الاستعمارية الكبرى.

والمدهش أن الفروق بين الشريعة الإسلامية والقانون ليست بالضخامة التي كان يصورها المتصارعون أو يتصورونها، وأحكامهما الفرعية لا تتناقض تناقضًا صريحًا إلا في مسائل محدودة (رغم أهميتها بالطبع)، ولذلك حين جلس الشرعيون والقانونيون (ومن ضمنهم مسيحيون!) لسن قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية -أو على الأقل غير مناقضة لها- في لجان شكلها البرلمان المصري لهذا الغرض في الفترة من 1978-1982م، لم يوجد أثر يذكر في الواقع العملي لهذا الصراع المفترض بين الشريعة والقانون، ولم يثر خلاف واحد (معلن على الأقل) بين المجتمعين استنادًا للهوية الدينية أو الثقافية بل وانتهت اللجان من عملها كاملا دون ضوضاء أو ضجيج!

هذه الحالة النموذجية تبين إلى أي مدى يمكن أن تؤسس الثنائية المفرقة على معطيات غير واقعية، وأنها من الممكن أن تكون محلا للنقاش لا للسجال المنبني على وضع كل منها في مقابل الأخرى غفلة عن إمكانية الجمع بينهما، وهو أمر يرجع في ظني إلى تسييس النقاش حول قضايا ثقافية بطبيعتها، كان الأجدر أن يتولاها المتخصصون لا الإعلاميون والسياسيون.

الهجر هو الحل

نعم الحل هو الهجر والإعراض؛ أي تجاوز هذه الثنائيات إلى غير رجعة وتجاهلها، والتركيز -بدلا من الوقوع في فخاخها- على المشكلة الأساسية التي يعاني منها العرب والمسلمون منذ قرون، وهي تقهقرهم إلى ذيل الأمم حتى أوشكوا على الخروج من التاريخ، بل ومن الجغرافيا كذلك!

وهذا الحل نادى به ضمنيًا من قبل، المفكر الجزائري “مالك بن نبي” الذي ركز على المشكلات الكبرى التي يتعين على المسلمون أن ينتبهوا إليها، ولا يلههم عنها أحد، وجمعها كلها تحت عنوان واحد، وهو “مشكلات الحضارة”، وهو العنوان الذي ألف تحته كل كتبه القيمة، التي سبرت أغوار التخلف في العالم الإسلامي وكشفت كيف يستغله الآخرون للهيمنة عليه، أو بمعنى آخر، وعلى حد تعبيره: “القابلية للاستعمار والاستعمار” (انظر على سبيل المثال كتبه: “شروط النهضة”، و”وجهة العالم الإسلامي”، و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” وغيرها).

وعلى الرغم من أن “المنظور الحضاري” لمشكلات العرب والمسلمين لم يقتصر على مالك بن نبي وحده، بل هناك آخرون نبهوا إليها، مثل: على عزت بيجوفيتش، وعلي شريعتي، ومحمد الغزالي، وعبد الوهاب المسيري ومنى أبو الفضل، إلا أننا نلحظ أن هذا الفكر العميق الشامل لم تكن له الريادة ولم يُلتفت إليه إلا قليلا، حتى أننا نستطيع أن نطلق عليه مسمى “الفكر المهجور”، وعلى المنادين به “المفكرين المنبوذين” الذين نبذهم التخلف ومن يرسخونه معًا عن وعي وقصد أو بدونهما، بل وحورب معظمهم من المعرقلين للفكر الحضاري في الداخل والخارج، وانظر إلى ما رواه كل من مالك بن نبي وعلي شريعتي عما تعرضوا له من إهمال وتضييق ومكر سيئ في كثير من كتاباتهم للتحقق من ذلك!

على أية حال فإن هجر ثنائيات التيه سيحدث تلقائيًا عند تحديد قيمنا وأهدافنا الكبرى والتوحد خلفها، مما سيدفعنا إلى التركيز على تحقيقها عوضًا عن الالتفات إلى تلك الثنائيات؛ فمثلا: حين يثير أحد ثنائية الشريعة والقانون علينا أن نتحدث بدلا من ذلك عن سيادة القانون (سواء كان مستمدًا من الشريعة الإسلامية من عدمه، فالتفكير في هذا الأمر مرحل إلى حين استعادة الأمة لسيادتها)، وإذا أثار البعض ثنائية الدولة الدينية والدولة المدنية فعلينا أن نقول بل “الدولة العادلة” التي لا تظلم أحدًا، مسلما كان أو غير مسلم، وإذا حدثنا أحدهم عن القديم والحديث، سنرد بأن ما يحقق نهضتنا سنأخذ به قديمًا كان أو حديثًا أو خليطًا بينهما!

وعلى المنوال المتقدم سوف نتخلص تدريجيًا من سجالية تلك الثنائيات لمصلحة أهدافنا الحضارية الكبرى، وهي أهداف لا يختلف عليها إثنان بشرط رشدهما وفقههما للأولويات الحضارية وترتيبها.

نُشر المقال على موقع إسلام أون لاين