يتناول هذا الكتاب أحد موضوعات القانون العام بالغة الأهمية، حيث يتناول بالشرح والتحليل الرقابة القضائية على دستورية القوانين، مع بيان الملامح الرئيسية لتلك الرقابة، وزاد من أهمية هذا الكتاب أن مؤلفه هو أحد أهم القضاة الذين تولوا رئاسة المحكمة الدستورية العليا المصرية على مدى تاريخها، وهو المستشار الدكتور عوض المر (1933-2004م)، والذي تولى رئاسة المحكمة في الفترة من 1 يوليو 1991- 30 يونيو 1998.
وقد فضلنا أن نورد مقدمة المؤلف للكتاب كاملة، لحرصه فيها على بيان عدد من الملامح التي يُقام عليها بنيان الشرعية الدستورية، وذلك على النحو الآتي:
1- تباشر المحكمة الدستورية العليا في مصر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح. وقد عهد إليها الدستور بهذا الاختصاص، وأفردها بتوليه، حتى تنفرد به.
ومنذ إنشائها، وهي تواجه الدستور باعتباره وثيقة نابضة بالحياة، لا ترتبط مفاهيمها بلحظة زمنية معينة. وإنما تتفاعل مع عصرها، وفق القيم التي ارتضتها الجماعة لتحدد على ضوئها مظاهر سلوكها وضوابط حركتها؛ آخذة في اعتبارها أن النظرة الأعمق لحقوق مواطنيها وحرياتهم، لا يجوز عزلها عن التنظيم المقارن في الدول الديموقراطية، بما يرد عنها عدوان السلطة وانحرافها، ويقيم لها ضماناتها، فلا يكون بَصَرُها بأبعاد رقابتها على الشرعية الدستورية، إلا متطورًا بمفاهيمها.
٢- وكان لازمًا أن تأخذ المحكمة الدستورية العليا وهي تتولى التفسير النهائي لأحكام الدستور- بأمرين في اعتبارها:
أولهما: أن النصوص الدستورية لا تعتبر مجرد نصوص توجيهية يطبقها المشرع أو ينحيها وفق إرادته. ولكنها قواعد قانونية بمعنى الكلمة لا تعبر عن آمال في الفراغ، ولا عن صرخة في بيداء. وإنما تنقل أمال المواطنين إلى صورة واقعية يعايشونها ويفيدون منها، وهي بذلك لا تتحول عن نزعتها الإيجابية التي تتغير بها ملامح الحياة، ويُعاد تشكيلها على ضوئها.
ثانيهما: أن غموض بعض نصوص الدستور أو فرطحتها، ما كان ليحول دون مباشرة المحكمة الدستورية العليا لولايتها. وربما أعانها ذلك على أن تستخلص منها معان أكفل لحقوق المواطنين وحرياتهم، وأن تتوافر للدستور بالتالي المرونة اللازمة التي تقتضيها مواجهة أوضاع متغيرة بطبيعتها.
٣- ولا شبهة في أن الرقابة على الشرعية الدستورية- وعلى ضوء ما أصابها من تطور، واقتحامها مسائل تتعقد جوانبها وتتباين الآراء حولها- لم تعد اجتهادًا قائمًا فقط على إعمال حكم العقل، بل صار قوامها في كثير من ملامحها حقائق علمية تجعلها من أفرع القانون التي تستقل عن غيرها في جوهر أحكامها. وما يميزها اليوم هو اتساع دائرة تطبيقها لتشمل فروع القانون المختلفة بغض النظر عن موضوعها.
ذلك أن الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا تتناول النصوص القانونية جميعها، ما كان منها مدنيًا أو تجاريًا أو جنائيًا أو عماليًا أو ضرائبيًا، أو واقعًا في إطار مسائل الأحوال الشخصية؛ وإن تعين الفصل في دستوريتها على ضوء مناهج الرقابة على الشرعية الدستورية ومعاييرها التي تساندها المفاهيم الديموقراطية، في صحيح معانيها، بما يكفل صون حقوق المواطنين وحرياتهم التي تمثل من النفس البشرية جوهرها، والتي يرتد تشويهها بخطاهم إلى الوراء، فلا يقدمون لأمتهم من جهدهم شيئًا.
4- بيد أن لهذه الرقابة مشكلاتها وأهمها:
أن إعادة كتابة الدستور Rewriting the Constitution غير تطويره. ذلك أن إحداث دستور جديد منفصل كلية عن الدستور القائم، ليس مما تتوخاه الرقابة القضائية على الدستورية التي تنحصر مهمتها في فهم الدستور، وتطوير أحكامه عند الاقتضاء في نطاق دائرة يرتبط فيها هذا التطوير بالنصوص المعمول بها، مع إعطائها معان تكفل مفاهيمها الأكثر تقدمًا، ليظل الدستور صامدًا في مواجهة أنماط التغيير التي تطرأ على المجتمع، فلا يكون عصيًا على تلبيتها.
أن التفسير الحق للدستور، إنما يتمثل في النظرة الأشمل للنصوص التي يتضمنها، والتي ترتبط جميعها بوحدة عضوية تجمعها بما يكفل تكاملها. فلا يبدو جزرًا متناثرة، وإنما يقربها التفسير الصحيح لها -وبافتراض تعارضها- من بعضها.
أن كل تفسير النصوص الدستور، ينبغي أن ينطلق من تصور مبدئي مؤداه، أن أكثر معانيها ضمانًا لرقى الجماعة، هي التي ينبغي التزامها وقوفًا عندها.
ويتحقق ذلك بالإطلال على الأفاق الجديدة التي ترتبط فيها دستورية القيود على حقوق الأفراد وحرياتهم، بضرورتها، وفى الحدود التي تتسامح فيها النظم الديموقراطية.
ذلك أن خضوع الدولة بكل تنظيماتها للقانون، مؤداه أن يتحدد مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدول القانونية عليها، وتتقيد هي بها على ضوء مستوياتها التي التزمتها الدول الديموقراطية باطراد في مجتمعاتها، واستقر العمل على انتهاجها في مظاهر سلوكها على تباينها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في الدول الديموقراطية.
أن تنوع حقوق المواطنين وحرياتهم التي يكفلها الدستور، يفترض تطبيقها بما يحقق الأغراض المقصودة منها؛ وأن ترتبط دستورية القيود عليها، بقدر ملائمتها لضمان مباشرتها بصورة أفضل.
كذلك فإن الحقوق والحريات التي يحميها الدستور تتكامل مع بعضها، وتتكافأ في منزلتها القانونية.
فلا تتدرج فيما بينها، وإن كان من المسلم أنها لا تتعادل في أهميتها، ولا في قدر إسهامها في تطوير مجتمعها. بل يكون لكل منها دور يوافق الأغراض التي رصد عليها.
أن الدستور يكفل لحقوق المواطنين التي نص عليها في صلبه الحماية من جوانبها العملية لا من معطياتها النظرية.
ولئن جاز القول بأن ضمانها يتحقق من خلال تدابير متنوعة من بينها تلك التي تتخذها جهة الإدارة؛ إلا أن الوسائل غير القضائية تقصر في كل الأحوال على أن تقدم لمن يلوذون بها، الترضية التي يأملونها، ويقتضونها جبرًا من المدينين بها. ويظل أثر هذه الترضية كذلك مقصورًا على من طرق أبوابها.
ولا كذلك جهة الرقابة على الشرعية الدستورية التي يكون لها من حيادها واستقلالها ومن انفرادها بالفصل في المسائل الدستورية ومن الحجية المطلقة لأحكامها التي تقيد الدولة بكل فروعها والناس أجمعين؛ ومن تكافؤ المناقضين أمامها؛ ما يؤهلها لفرض سيادة الدستور كأساس وحيد لمشروعية السلطة، وليس مجرد ضمان لحرية الفرد.
أن جهة الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية، لا تردد دومًا القيم السائدة في الجماعة وقت صدور الدستور. إذ لو جاز أن يفسر الدستور بعد سنين من تطبيقه، على ضوء القيم التي عاصرها، لصار الدستور معبرًا عن مفاهيم لم يعد للجماعة شأن بها.
فإذا لم يعدل الدستور ليواكبها، ظل واقعًا على جهة الرقابة على الدستورية، مهمة الاستجابة للأوضاع المتغيرة التي تعايشها، لا عن طريق إجهاد نصوص الدستور وافتعال معان لها لا يتصور ربطها بها؛ وإنما من خلال النظر إلى مضامين هذه النصوص، وقراءتها بصورة أكثر تقدمًا على ضوء نظرة واقعية لا تحيلها إلى جمود يسلبها حقائق الحياة، بل يعد إليها شرايين جديدة تُعينها على الصمود.
إن أكثر ما يؤرق المعنيين بالمسائل الدستورية، أن الفقهاء لا يوجهون عادة اهتمامهم إلى جوانبها العملية، مما أحال دراستهم بشأنها إلى محاولة للتأصيل والتنظير من زاوية مجردة؛ وعلى ضوء شروح نظرية لا تنهل من الأوضاع الواقعية؛ ولا تؤثر في أنماط الحياة داخل الجماعة؛ وكأنهم يلقون دروسهم من شرفة عالية؛ وفي فراغ يحيط بها.
ولم يكن هذا النهج مقبولاً من المحكمة الدستورية العليا في مصر التي أقام جهدها -وبالرغم من حداثة نشأتها- لكثير من المسائل صروحها؛ ولحقوق الأفراد وحرياتهم الحماية الحقيقية من خلال حلول قضائية حازمة منحتها ثقة مواطنيها بها، وجعل دورها متعاظمًا ومؤثرًا في فروع القانون جميعها، معدلاً كثيرًا من جوهر أحكامها، ناقلاً إليها مفاهيم جديدة لم تألفها، تبلورها آفاق مترامية تقصر عن بلوغها حرفية نصوص الدستور.
وما كان لها أن تصل إلى غايتها هذه، بغير دفاعها عن الحق والحرية كطريق لا تبديل فيه، مما سارع بخطاها كقوة لها ثقلها من الناحيتين السياسية والقانونية، وكرائدة لحماية أكثر فعالية لحقوق مواطنيها وحرياتهم، نفاذًا إلى عقولهم قبل قلوبهم، وإثراء لحقل القانون بوجه عام، وعلى الأخص من خلال مفاهيم جديدة توافر القضاء المقارن على تطبيقها في مجال الشرعية الدستورية، وإن أغفلها بعض الفقهاء في مصر.
5- ولئن ظل خصوم المحكمة الدستورية العليا، يناجزونها علهم يقوضون بنيانها، إلا أن صراعهم معها كان ميلاً لأهوائهم، وممالأة للسلطة نكولاً عن الحق، وتشويهًا لكل عمل صادق. ولـــم يكن ما ادعوه من عدوانها على السلطة التشريعية، وتقويضها لاختصاصاتها التقديرية، وإضرارها بمصالح عريضة لمواطنيها، وإخلالها بأوضاعهم الاجتماعية التي استطال ثباتها، إلا بهتانًا.
فالمحكمة لا يعنيها أن تنازع السلطة التشريعية في مواقفها، إلا إذ جاوزت الحدود التي رسمها الدستور للقوانين التي تقرها.
وتباشر المحكمة ولايتها هذه -لا وفق مقاييس تصطنعها- بل على ضوء ضوابط موضوعية تستلهمها من فهمها للدستور؛ وربطها بين نصوصه؛ وتحليلها لغاياتها؛ وعلى الأخص في مجال القيم التي اعتنقها المجتمع في مجموع أفراده؛ وبمراعاة أن حقوق مواطنيها وحرياتهم، لا تتحدد وفق ضوابط إقليمية، ولا على ضوء نزعة أحادية، بل بوصفها واقعة في إطار منظومة دولية لها خصائصها.
فلا يفسر الدستور بما يجافيها. خاصة بعد أن صار تنظيمها شاملاً من خلال وثائق دولية تُفصل كل حق وكل حرية، وتبين التدابير الفردية والجماعية التي يجوز التدخل بها لصونها، وعلى الأخص في الدول النامية، والدول الأقل نموًا، التي تميل كثرتها إلى العدوان على حقوق مواطنيها وحرياتهم التي صار الإيمان بها في الدول الديموقراطية جزءًا من أعرافها.
6- ولا شبهة في أن ولاية السلطة التشريعية لا تعليها على المحكمة الدستورية العليا التي تراقبها بناء على نصوص الدستور ذاتها، فلا تتقيدان معًا بغير أحكامه، ولا تنجرفان عن القيم التي احتضنها، بل تتوازيان في الخضوع لأوامره ونواهيه.
ولا يتصور بالتالي، أن يقع نزاع ذو شأن بين المحكمة والسلطة التشريعية، ولا أن يتعاملا كخصيمين يتناحران، إذ هما مؤسستان، أقامهما الدستور، ليكون تعاونها وفق أحكامه، قاعدة لا استثناء منها.
والقول بأن قضاء المحكمة الدستورية العليا، قد يتضمن إخلالاً بأوضاع اجتماعية ثابتة، مردود بأن الأوضاع المناقضة للدستور، لا حصانة لها، ولا يصححها قدمها. فضلًا عن أن التسامح مع أوضاع خاطئة، مؤداه تراكمها واتساع دائرة العدوان التي تحيط بها.
7- وتزداد أهمية الرقابة على الشرعية الدستورية كذلك، من خلال انسحابها إلى كل معاهدة دولية تكون مصر طرفاً فيها.
ذلك أن مثل هذه المعاهدة تعتبر قانونًا بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة.
ومن ثم تعامل نصوصها كقانون في مجال الرقابة على الشرعية الدستورية. فلا تخرج عن ولايتها حتى عند هؤلاء الذين يغلبون الطبيعة السياسية للمعاهدة على طبيعتها القانونية، أو ينظرون إليها باعتباره تعبيرًا عن إرادة سياسية لا تجوز إعاقتها.
بل إن نصوص المعاهدة الدولية تثير صعوبة حتى في مجال تفسيرها وتطبيق قواعد القانون الدولي عليها.
ذلك أن القبول بها تراضيا على أحكامها. قد يكون منتفيًا. وقد يثور نزاع في شأن نطاق تطبيقها، أو في مجال النصوص المتحفظ عليها فيها، أو على صعيد جواز تجزئة أحكامها؛ وإمكان وقفها وإنهائها.
وتظل للمعاهدة في كل صور تطبيقها -أيا كان موضوعها- قوة القانون.
واعتبارها كذلك، يخضعها وجوبًا للرقابة القضائية على الشرعية الدستورية، وإن جاز القول بأن مناهج هذه الرقابة وضوابطها في شأن المعاهدات الدولية، ينبغي أن تكون أكثر اتفاقًا. وصلتها بروابط الدول فيما بينها.
فلا تتمحض الرقابة القضائية على دستوريتها، عن مجرد رؤية قانونية لأحكامها. بل تتداخل في تقييمها كل العوامل التي تتصل بمناسبة إبرامها، والأوضاع التي تواجهها، والآثار التي تحدثها في علاقة مصر بغيرها من الدول.
8- أن الحرية الشخصية لا تعتبر قيمة مجردة من حقائقها، ولكنها تمثل من النفس البشرية. أعمق خصائصها.
وأكثر ما يؤثر فيها أن تدل القيود عليها على شهوة التحكم، وعلى الأخص من خلال نصوص جنائية لا تستنهضها الضرورة الاجتماعية، كنص المادة ٨٠/د من قانون العقوبات.
وصار ضروريًا أن تفرض المحكمة الدستورية العليا رقابتها في أكثر أشكالها صرامة على تلك القوانين، خاصة وأن السلطة لا تتمحص امتيازًا لمن يزاولها؛ ولكنه يباشرها نيابة عن الجماعة ولصالحها وبتفويض منها.
ولا يجوز بالتالي أن تتمحض القوانين الجنائية إيلاما غير مبرر؛ ولا أن تكون شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع، متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها؛ ولا أن تكون نافية لضمانة الدفاع؛ ولا أن تنال من أصل براءة المتهم من خلال قرائن تحكمية تفترض بها مسئوليته عن الجريمة؛ ولا أن يساق إلى جزاء يقرره المشرع بأثر رجعي؛ ولا أن تهدر آدميته من خلال عقوبة تتسم بقسوتها، أو ينافي شذوذها مظاهر الاعتدال؛ ولا أن يدان عن الجريمة بوسائل غير قانونية؛ ولا أن تكون الوسائل القانونية؛ إطارًا شكليًا لحقوق صورية في حقيقتها، بما يقوض فرصه في حياة آمنة.
۹- وقد جاوز قضاء المحكمة الدستورية العليا -بمضمونه- حدود إقليمها، وصار لافتًا بأهميته أنظار كثيرين من الفقهاء في الدول الغربية إلى حد قول أحدهم في مؤلفه عن “القاعدة القانونية في العالم العربي” بأن هذه المحكمة -وبالنظر إلى هيكلها وولايتها وكيفية تشكيلها- أثبتت قدرتها أكثر من أية جهة قضائية غيرها، على أن تطور مداخل متماسكة، وأن تتابعها في كل المسائل الدستورية الأساسية التي تواجه بلدها.
Far more than any other judicial body, the Supreme Constitutional Court, by reason of its structure, jurisdiction and composition, has been able to develop and pursue a consistent approach to the fundamental legal issues confronting the country.
وآمل أن تثابر المحكمة الدستورية العليا، على أداء هذا الدور، وألا ينقطع جهدها في ذلك.
١٠- تلك ملامح عريضة لحقائق لا يجوز إغفالها في مجال بنيان الشرعية الدستورية، التي جعل الدستور زمامها بيد المحكمة الدستورية العليا التي ترتبط مهابتها بقوة أحكامها؛ وبإصرارها على أن تكون سيادة الدستور حقيقة واقعة؛ وبنأيها عن أن تكون طرفًا في صراع سياسي عقيم أيـا كان مداه؛ وبحرصها على أن يكون الحق وحده، قاعدة لكل أحكامها.
فالحق بغير القوة وهم خادع؛ والقوة بغير الحق لا تزيد عن أن تكون شهوة وتسلطًا؛ ومزاوجة الحق بالقوة هي الطريق الوحيد لرقابة دستورية أكثر فاعلية، وحزمًا.
ومؤلفي هذا اجتهاد على طريق تتواصل خطاه، وآمل أن يكون صائبًا في أعم المسائل التي تناولها. فإن قصر عن أن يحيط ببعض جوانبها، أو أخطأ في بعض أجزائها، فذلك شأن كل اجتهاد.
وما أراه هو أن أتناول أولاً الرقابة على الشرعية الدستورية في ذاتها؛ من جهة مصدوها وضرورتها وطرائقها ومناهجها، وغير ذلك من خطوطها العريضة.
ثم أعرض في أجزاء تالية لحقوق الإنسان وحرياته المدنية والسياسية. فإذا أذن الله لي بأن أتم بحثها، أعقبتها بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لنصل إلى خاتمة العقد ممثلة في الحقوق الجديدة -كالحق في التنمية- التي تطور بها الجماعة من نفسها ليحيا الفرد في نطاقها متكامل الشخصية حقًا وصدقًا.