موقع حوارات

موقع حوارات

طارق البشري

تشرين1/أكتوير 08, 2023

المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري هو مفكر ومؤرخ وفقيه وأحد أبرز القانونين المصريين المعاصرين، شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري ورئيسا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عدة سنوات، وترك ذخيرة من الفتاوى والآراء الاستشارية التي تميزت بالعمق والتحليل والتأصيل القانوني الشديد، كما تميزت بإحكام الصياغة القانونية، ولا زالت تلك الفتاوى إلى الآن تعين كلا من الإدارة والقضاة والمشتغلين بالقانون بشكل عام على تفهم الموضوعات المعروضة عليهم.

ولد المستشار البشري في 1 نوفمبر 1933 في حي الحلمية في القاهرة في أسرة البشري التي ترجع إلى محلة بشر في مركز شبراخيت في محافظة البحيرة في مصر. تخرج طارق البشري من كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1953م عين بعدها في مجلس الدولة، واستمر في العمل به حتى تقاعده سنة 1998 من منصب نائب أول لمجلس الدولة ورئيسا للجمعية العمومية للفتوى والتشريع.

بدأ تحوله إلى الفكر الإسلامي بعد هزيمة 1967م وكانت مقالته “رحلة التجديد في التشريع الإسلامي” أول ما كتبه في هذا الاتجاه، وتتابعت مؤلفاته من أبحاث وكتب إلى أن وافته المنية في السادس والعشرين من فبراير عام 2021م.

من أعماله:

أولًا: الكتب:

  1. الحركة السياسية في مصر 1945 – 1952
  2. الديمقراطية والناصرية
  3. سعد زغلول يفاوض الاستعمار: دراسة في المفاوضات المصرية – البريطانية
  4. المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية
  5. الديمقراطية ونظام 23 يوليو 1952 – 1970
  6. دراسات في الديمقراطية المصرية
  7. بين الإسلام والعروبة – الجزء الأول
  8. بين الإسلام والعروبة – الجزء الثاني 1988
  9. منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي
  10. مشكلتان وقراءة فيهما
  11. ماهية المعاصرة
  12.  الحوار الإسلامي العلماني
  13. الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر
  14.  الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.
  15. نحو تيار أساسي للأمة
  16. نحو إسلامية المعرفة في الفكر السياسي المعاصر
  17. محمد علي ونظام حكمه
  18. القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء
  19. قراءات فكرية وهموم مصرية
  20. حوارات مع طارق البشري

ثانيًا: الأبحاث والمقالات:

  1. الجماعة الوطنية في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية
  2. منهج النظر في دراسة القانون مقارنًا بالشريعة
  3. ملاحظات منهجية حول موضوع التجديد في الفقه الإسلامي
  4. الفقه الإسلامى والنظم القانونية في واقعنا العربي المعاصر
  5. إعادة تنظيم الدولة ومشاكل البناء الديمقراطي
  6. الإسلام والعصر: ملامح فكرية تاريخية
  7. حركة الفكر الإسلامي المعاصر خلال القرن العشرين

ثالثًا: المحاضرات:

  1. مقاصد الشريعة والقانون الدستوري
  2. جهود السنهوري في تقنين الفقه الإسلامي

عوض محمد عوض

تشرين1/أكتوير 08, 2023

أستاذ القانون الجنائي بجامعة الإسكندرية، ولد في الخامس عشر من إبريل عام 1929 بمدينة المنصورة، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1953، وسافر إلى إيطاليا وحصل على دبلومة التعمق في القانون الجنائي (المعادلة للدكتوراة) من جامعة روما عام 1961.

عُين مندوبًا مساعدًا بمجلس الدولة عام 1953

تدرج في السلك الأكاديمي بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية إلى أن صار رئيسًا لقسم القانون الجنائي عام 1987، وهو الآن أستاذ متفرغ بالجماعة نفسها.

أهم أعماله:

محمد سلام مدكور

تشرين1/أكتوير 08, 2023

أحد علماء الإصلاح والتجديد في القرن العشرين ، كان قد تولى رئاسة قسم الشريعة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وتولى كذلك التدريس في مراحل الدراسات العليا، وانتدب فترة للتدريس في جامعة الكويت،من سنة ١٩٧٨وحتى سنة ١٩٨٢، وقد تخصص في الفقه شارك في إعداد موسوعة الفقه الإسلامي، وكتب الكثير من الكتب الفقهية والاصولية المهمة، كما نشر كثيراً من الأبحاث المحكمة والمقالات في جريدة الاهرام ومجلة الرسالة والعربي واشرف على الكثير من الرسائل، وتخرج على يديه الكثير من العلماء الكبار، ومنهم: وهبة الزحيلي، ومحمد اديب الصالح.

أهم أعماله:

  • مباحث الحكم عند الأصوليين
  • المدخل إلى الفقه الإسلامي: تاريخه ومصادره ونظرياته العامة
  • مناهج الاجتهاد في الإسلام في الأحكام الفقهية والعقائدية
  • عقود التأمين…ما حكمها في الفقه الإسلامي؟
  • التقليد والاتباع في الاسلام والرأي في اتباع الناس مذاهب
  • الاجتهاد في الدين واجب في كل زمان ومكان
  • الاختلافات الفقهية ومناهج الفقهاء
  •  استنباط الأحكام

صوفي أبو طالب

تشرين1/أكتوير 08, 2023

ولد في يناير عام ١٩٢٥ بمحافظة الفيوم، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام ١٩٤٦، وحصل على دبلوم القانون العام عام ١٩٤٧، ثم حصل من جامعة باريس على دبلوم تاريخ القانون والقانون الروماني عام ١٩٤٩ ، ودبلوم القانون الخاص عام ١٩٥٠، كما حصل على الدكتوراة عام ١٩٥٧ .    

تدرّج في وظائف هيئة التدريس بكلية الحقوق جامعة القاهرة حتى وصل إلى درجة أستاذ ورئيس قسم تاريخ القانون، وعُيِّنَ نائبًا لرئيس جامعة القاهرة في الفترة من عام ١٩٧٣ حتى عام ١٩٧٥ ، ثم أصبح رئيسًا لها في الفترة من عام ١٩٧٥ حتى عام ١٩٧٨، وصار عضوًا بمجلس الشعب عن دائرة طامية بالفيوم عام ١٩٧٦، شغل منصب رئيس مجلس الشعب من نوفمبر عام ١٩٧٨ حتى فبراير عام ١٩٨٣، وله عدد من المؤلفات أهمها:

  • تاريخ النظم القانونية والاجتماعية
  • بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني
  • تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول العربية

سيد عبد الله علي حسين

تشرين1/أكتوير 08, 2023

ولد بقرية تدعى تيدا مركز كفر الشيخ في مارس 1889م، وحصل على شهادة العالمية من الأزهر الشريف عام 1917م، قبل أن يسافر إلى ليون بفرنسا، حيث درس الحقوق والقانون لمدة أربع سنوات حصل بعدها على الليسانس في القانون عام 1925م، وعمل محاميا شرعيا لمدة 12 سنة، ثم عين وعمره 48 

سليمان محمد الطماوي

تشرين1/أكتوير 08, 2023

ولد في سبتمبر عام 1921 في مركز طما بمحافظة سوهاج، وحصل على درجة الدكتوراة من جامعة السربون بفرنسا 1949، ثم عمل مدرسا للقانون بجامعة الاسكندرية عام 1949، ثم أستاذًا للقانون العام بكلية الحقوق جامعة عين شمس عام 1953 ، ثم صار عميدًا للكلية ذاتها منذ 1973 وحتى 1981 ثم أستاذا متفرغا حتى 1996 ، وتولى عددًا من المناصب، منها:

  • رئيس للجان القانونية التى أعدت قوانين الإدارة المحلية
  • أمين عام ورئيس للشعبة المصرية للمعهد الدولى للتنمية
  • عضو للجان وضع مشروع دستور مصر 1971
  • رئيس لتحرير مجلة العلوم الإدارية
  • عضو الامانة الفنية للمجلس الأعلى للجامعات
  • عضوا لمجلس الشورى من 1980 حتى 1995 ثم عضوا للمجالس القومية المتخصصة .

وله مؤلفات تزيد عن الخمسين، من أهمها:

  • النظرية العامة للقرارات الإدارية
  • الأسس العامة للعقود الإدارية
  • عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة: دراسة مقارنة
  • نظرية التعسف فى استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة)

مفهوم العدالة

أيلول/سبتمبر 15, 2023

ترادف كلمة عدالة كلمة Justice في اللغة الإنجليزية وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية Jus بمعني حق أو قانون، وفي اللغة العربية العدالة تعني الاستقامة، والعدالة هي إحدى الفضائل الأربع الكبرى التي سلم بها الفلاسفة في العصور القديمة. وهذه الفضائل هي الحكمة والشجاعة والاعتدال والعدالة.
ولقد قدم كل من أفلاطون وأرسطو تحليلًا لمفهوم العدالة أضحى ذا تأثير بالغ في تحديد مسار الفكر السياسي حول هذا المفهوم حتى يومنا هذا. ولقد جاء تحليل أفلاطون لمفهوم العدالة ردًّا على قول السفسطائيين على لسان تراسيماخوس بأن العدالة هي مصلحة الأقوى. فلقد دحض أفلاطون مقولتهم هذه ورفضها تمامًا في الجمهورية مؤكدًا أنه لا يجب ولا يجوز أن يكون هناك تواز بين الحق من جانب والقوة من جانب آخر. فالقوة في رأيه، لا تبرر الحقوق ولا تفرضها ثم مضى أفلاطون يعلن رأيه في ماهية العدالة فأعطاها صيغة سياسية عندما شرح أن العدالة هي أن يحصل كل فرد على ما هو حق له بمعني أن يعرف كل فرد وأن يؤدي ما هو مؤهل له بالطبيعة وألا يتدخل فيما هو حق للآخرين أي من هم مؤهلون للقيام به. فالعدالة عند أفلاطون هي السبيل الوحيد لتحقق المدينة الفاضلة حيث يؤدي كل فرد العمل المؤهل له تحت إمرة الفلاسفة الحكماء. وبتأثير هذا التحليل الأفلاطوني لمفهوم العدالة ما زال المفكرون السياسيون المنتمون إلى مدارس سياسية عديدة يؤمنون بأن العدالة هي السمة الأساسية المميزة للنظام السياسي الفاضل، بل ويعتبرها البعض الفضيلة السياسية الجامعة التي تنطوي تحتها وتترتب عليها كافة الفضائل السياسية الأخرى.
أما أرسطو فلقد اعتبر العدالة القضية المحورية للفكر السياسي كله ولقد عرفها بأنها حد وسط بين الظلم المتمثل في الاعتداء على ما يخص الآخرين والظلم المتمثل في اعتداء الآخرين على ما يخصك.
ولقد ميز أرسطو بين ما أسماه عدالة التوزيع وترجع إلى الدولة حيث تعمل على ضمان حصول كل فرد على نصيب عادل من موارد الدولة وعدالة التعويض وترجع إلى القضاء حيث يعمل على تعويض المظلوم من الظالم إما في المعاملات الارادية مثل البيع والإقراض وغير ذلك، أو في المعاملات غير الإرادية مثل السرقة والاعتداء وما إلى ذلك.
ورغم أن أرسطو يؤكد أن المبدأ المراعي في النوعين هو المساواة، إلا أن كثيرًا من المفكرين فهموا أن عدالته في التوزيع تراعي فضل الأفراد فتعطي كلًا على قدر فضله، في حين أن العدالة التعويضية تأخذ الظالم بما أخذ به المظلوم.

ولقد أثر هذا التقسيم الأرسطي لمفهوم العدالة في الفكر السياسي حتى يومنا هذا، وإن كان المفكرون المعاصرون لا ينظرون إلى العدالة التوزيعية والعدالة التعويضية بوصفهما نوعين من أنواع العدالة بل بوصفهما تطبيقين لنفس المفهوم. وعادة ما يبرز التركيز على مفهوم العدالة التعويضية عند الحديث عن القانون وعلاقته بالعدالة، في حين تعظم الإشارة إلى مفهوم عدالة التوزيع عند الحديث عن العدالة الاجتماعية.
إذا أخذنا فكرة عدالة التعويض أولًا وجدنا أنها كانت الفكرة المسيطرة على الفكر السياسي الخاص بمفهوم العدالة وحتى الثورة الصناعية. فقبل هذه الثورة ساد الفكر السياسي اتجاه قوي يربط بين العدالة من ناحية والقانون من ناحية أخرى ذلك أن القانون كان يعتبر الجسد الذي يتضمن مجموعة القواعد والمبادئ التي تحدد أشكال العلاقات بين الأفراد وتعين حقوق الأفراد المالية وغير المالية، وكان هذا الجسد القانوني مكونًا هامًا من مكونات البناء الاجتماعي في عصور ما قبل الثورة الصناعية. والعدالة وفقًا لهذا الاتجاه، هي احترام هذه المبادئ والقواعد والحقوق، فهذا الاتجاه يعتبر أن العدالة هي الفضيلة التي تحمي النظام الاجتماعي القائم حيث لكل فرد مركزه ووضعه القانوني المحدد. أما فيما يتعلق بالجانب العقابي المفهوم العدالة التعويضية فقد أكد أنصار هذا المفهوم أنه لابد من توافر ثلاثة شروط حتى يمكن أن نتكلم عن عدالة العقاب؛ الشرط الأول هو ان العقاب لا بد أن يقع على هؤلاء الذين أثبتت الإجراءات القانونية أنهم مذنبون دون النظر لاعتبارات العفو أو الرحمة أو تخفيف العقاب. الثاني أن العقوبات لابد أن تختلف باختلاف الجرائم. والثالث أنه لا بد أن يتناسب العقاب مع الجريمة.
وجنبًا إلى جنب مع مفهوم العدالة التعويضية هذه بدأت تظهر شيئًا فشيئًا مناقشات حول العدالة تذكر بمفهوم أرسطو عن عدالة التوزيع وهو ما مهد لظهور مفهوم العدالة الاجتماعية وتسيده للفكر السياسي في العصر الحديث خاصة منذ بدايات القرن التاسع عشر. ويرتكز مفهوم العدالة الاجتماعية على افتراضين أساسيين: الأول هو أن العمليات الاجتماعية تخضع لقوانين بشرية يمكن صياغتها وبالتالي فإنه يمكن عن طريق إعادة صياغة تلك القوانين إعادة تشكيل المجتمع، والثاني أن الحكومات كمصدر قوة وصاحبة سلطة يمكنها أن تنفذ إعادة تشكيل المجتمع هذا.
والمفكرون السياسيون الذين يتحدثون عن العدالة الاجتماعية ينقسمون إلى فريقين؛ الفريق الأول يناقش مفهوم العدالة الاجتماعية من جهة الاستحقاق والتقدير. أما الفريق الآخر فيناقشها من جهة الحاجة والمساواة.
أما العدالة الاجتماعية من جهة الاستحقاق والتقدير فتعني أن المركز الاجتماعي والدخل المادي لكل فرد لا بد أن يكون متناسبًا، بقدر الإمكان، مع مهاراته وكفاءاته.

ولقد ظهر هذا المفهوم أساسًا ليجابه مفاهيم مثل الامتياز بالوراثة ولينادي بمجتمع مفتوح، الفرص فيه متساوية للجميع حتى يبرز من يستأهل الصعود والتألق اعتمادًا على قدراته الذاتية. ولكن ثارت مشكلات عدة تتعلق بمفهوم الاستحقاق وكيف يمكن تحديد التقدير عمليًا حيث أكد بعض المفكرين أن القول بأن قيمة الفرد تحددها مهاراته وقدراته قول غير منطقي، لأن هذه القيمة لا بد أن يحددها ما يبذله من مجهود فعلي ويقف وراء هذه المناقشات الاتجاهان الليبرالي من جانب والاشتراكي من جانب آخر، ففي حين أن الفلسفة الليبرالية تؤكد أن السوق الحرة هي معيار تحديد قيمة الفرد وما يستأهله حيث يعرض كل فرد قدراته فتحدد قيمته وفقًا للعرض والطلب المفتوح، إلا أن المفكرين الاشتراكيين ينتقدون هذا الاتجاه الليبرالي مؤكدين أن السوق يتأثر بعوامل غير العرض والطلب مثل الحظ والبيئة الاجتماعية للعارض وغيرها من العوامل التي ليس لها أي علاقة بمهارات العارض وكفاءته فاقترحوا بالتالي أن تحدد قيمة ما يستأهله الفرد بوسائل مباشرة تقوم عليها الدولة مثل نظام تحديد الأجور في ظل اقتصاد موجه حيث تتولى الدولة مهمة التوزيع بين الأفراد حسب كفاياته ووفقًا للمصلحة العامة.
أما العدالة الاجتماعية من جهة الحاجة والمساواة فتؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا بإعادة توزيع الموارد وفقًا لمدى حاجة الأفراد إليها. ويؤكد أنصار مفهوم العدالة هذا إلى أنه يؤدي إلى سيادة مفهوم المساواة حيث إن إشباع حاجات الأفراد بتنويعاتها المختلفة تجعلهم متساوين بمعنى من المعاني، ولكن الصعوبة الأساسية التي تواجه أنصار هذا المفهوم تكمن في تحديد معنى الحاجة.
فهل الحاجة هي الرغبة والتفضيل، بمعنى أن كل من يرغب أو يفضل الحصول على شيء يكون بالفعل في حاجة إليه؟ وينبع من هذه الصعوبة صعوبة أخرى هي كيف يمكن تحديد ماهية الحاجة مع الاختلاف الشديد في حاجات الأفراد وفقًا للأنماط الحياتية المختلفة؟
وفي مواجهة هذه الصعوبات تبلور اتجاهان فكريان رئيسيان الأول هو الاتجاه الشيوعي الذي يرى أن كل فرد أقدر على تحديد حاجاته وأن على الدولة أن توفر بالفعل الموارد اللازمة لإشباع كل الحاجات بغض النظر عن مدى تباينها، ثم هناك الاتجاه الديمقراطي الاشتراكي الذي يرى أن السلطة العامة في الدولة لا بد أن تكون هي المناطة بتحديد حاجات الأفراد وفقًا للمستويات المعيشية السائدة في المجتمع.

أما أنصار النظرية النفعية فيرفضون مفهوم العدالة الاجتماعية القائم على توزيع الموارد وفقًا للحاجة، كما أنهم يرفضون التوزيع القائم وفقًا للاستحقاق والاستئهال ويؤكدون أن توزيع الموارد في المجتمع يكون عادلًا بالنظر إلى النتائج التي يحققها فإذا ترتب على توزيع تحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الأفراد فهو توزيع عادل بغض النظر عن المبدأ الذي اتبعه.
وربما بسبب هذه الصعوبات التي يثيرها مفهوم العدالة الاجتماعية المستند إلى مفهوم العدالة التوزيعية ظهر اتجاه حديث يرفض أصحابه التمسك بأفكار العدالة الاجتماعية ويطالبون بالعودة إلى المفهوم التقليدي للعدالة بمعنى احترام القانون والحقوق التي يحميها.

المصدر:  إسماعيل مقلد ومحمد ربيع (محررين)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الجزء الأول، ص: 295-296.

مفهوم الشرعية

أيلول/سبتمبر 21, 2023

المقصود بالشرعية في اللغة

شَرعيّة: (اسم) مؤنَّث منسوب إلى شَرْع، وهي مصدر صناعيّ من شَرْع: كون الشيء قائمًا على أساس شرعيّ، واللاَّشرعيَّة: حالة من الفوضى وغياب الشرائع والنظم والعهود تفشَّت اللاَّشرعيّة في كثير من البلدان المعاصرة.

وبين الشرعية والشريعة جناس كامل لفظاً ومعني، فكلاهما مصدر من فعل واحد هو شرع، والشِراع بالكسر شِراع السفينة وأشرع باباً إلى الطريق أي فتحه إلى الشارع، وشرع فلان إذا اظهر الحق وقمع الباطل.

ومنه يصبح مبدأ الشرعية يطلق من الناحية اللُغوية على مجموعة القواعد الأساسية التي تُشكل أساس نظام معين والتي يمكن من خلالها الحكم على مدى مطابقة ما استحدث في هذا النظام مع أصوله وأسسه، لهذا عبّـر البعض عن الشرعية بالتطابق في القوانين، وعبر عنه البعض الآخر بالاستقامة والإنصاف.

المقصـود بمبـدأ الشرعيــة اصطلاحــًا

يُعّرف فقهاء القانون العام مبدأ الشرعية بأنه “خضوع كلٍ من الحكام والمحكومين للقانون بمعناه الواسع”، بمعني سيادة حكم القانون وخضوع جميع السلطات الحاكمة في الدولة لأحكامه، أي ضرورة أن تكون جميع تصرفات السلطات العامة في الدولة متفقة وأحكام القانون بمدلوله العام، سواء كانت هذه السلطات تشريعية أم قضائية أم تنفيذية.

ومقتضي هذا التعريف أن يستطيع الأفراد ذوي المصلحة والصفة طلب إلغاء جميع أعمال الهيئات العامة وقراراتها الملزمة غير المشروعة، أو طلب وقف تنفيذها أو طلب التعويض عن الأضرار التي تسببها لهم أمام القضاء الإداري المختص، فهـو يعني خضوع الدولة للقانون فـي كل ما تأتيه مـن أعمال وما تُجريه من تصرفات وما تتمتع به من امتيازات.

كما أن من معان الشرعية أن تكون السلطة القائمة متمتعة بقبول المحكومين، بإرادتهم الحرة ودون قهر. فقضية الشرعية هي قضية لماذا يستحق نظام ما أن يتمتع بمظاهر الولاء والالتزام السياسي من قبل أعضائه. ولقد اتفق المفكرون السياسيون على أن السلطة تكون شرعية عندما يكون القائم عليها متمتعًا بحق ممارستها ومن ثم فإن المفهومين المحورين عند دراسة فكرة الشرعية هما السلطة والحق، فمن أهم القضايا التي شغلت المفكرين السياسيين الباحثين في مفهوم الشرعية قضية «السلطات» التي تمارس باسم الدولة أو الحكومة وقضية ما الذي يعطي الدولة «الحق» في أن تمارس تلك السلطات على مواطنيها.

وقضية الشرعية لم تكن مطروحة بهذا الشكل الملح على مسرح الفكر السياسي في العصور الوسطي، ففي هذه العصور كان العالم الذي نحيا فيه يعتبر جزءًا من كل … جزءًا من الكون الذي يسيره الله بنظام معين ولغاية محددة. ومن ثم فإن هذا العالم السفلي له أيضًا وظيفة محددة وغاية معينة رسمها له الله في تناسق مع بقية أجزاء الكون. وكان ينظر بالتالي إلى النظام السياسي -في الدولة الدينية في الغرب- على أساس أنه انعكاس للنظام الكوني والسلطة السياسية على أساس أنها تعبير عن إرادة الله وأصبحت هذه القناعة التي تجعل من النظام السياسي والسلطة السياسية شيئًا مقدسًا على أساس أنهما انعكاس لإرادة الله التي هي مصدر الشرعية الأساسية.

ولكن مع زوال هذا الإطار الفكري بانتهاء العصور الوسطى حدثت أزمة في الفكر السياسي الخاص بالشرعية وبدأ البحث عن أسس جديدة لها. ذلك أنه إذا لم يعد النظام السياسي شيئًا مقدسًا كجزء من نظام كوني حدد الله غايته فكان هو مصدر شرعيته فإن القواعد التي يضعها النظام ويطالب الناس باتباعها أو بالامتناع عن اتباع غيرها ستضحى قيودًا على الحرية غير مرغوب فيها من قبل أعضاء النظام. وأضحى الحل الجديد لإضفاء نوع من الشرعية على هذه القيود يجعلها مقبولة هو أن يكون مصدرها الإرادة الإنسانية، أي إرادة البشر الذين يحيون في ظل النظام وليس الإرادة الإلهية كما كان سائدًا في العصور الوسطى.

ويمكن إجمال النظريات المعاصرة حول قضية الشرعية في ثلاثة اقسام رئيسية، القسم الأول: يضم تلك النظريات التي تحاول إعادة مفهوم الشرعية بالصورة التي كان سائدًا بها في العصور الوسطى مؤكدة أن العالم الذي نحيا فيه في كل مناحيه، ولا يستثنى من ذلك نظمه السياسية، مسير بإرادة الله ويعد تجسيدًا أو انعكاسًا لهدف يعلو فوق إرادة البشر. فهذا النوع من النظريات يقوم من ثم على مقولة أن الشرعية السياسية تستمد من شيء يقع خارج نطاق الأفعال والإرادة الإنسانية، أما القسم الثاني: من نظريات الشرعية فتؤكد أن المجتمعات المعاصرة رغم التحديث الهائل فيها فإنها تستند إلى الأعراف، وأن إجماع الناس على الأعراف التي تحكم علاقة المواطن بالدولة واحترام النظام السياسي لهذا الجانب من الأعراف هو مصدر الشرعية السياسية. أما القسم الثالث من النظريات السياسية الخاص بالشرعية فيؤكد أيضًا دور العرف في الحياة الحديثة، ولكنه يبرز أن العرف يحكم كافة أوجه الحياة في المجتمع ويخلص من ثم إلى أن الأعراف التي تحكم مناحي الحياة كلها، وليس العلاقة بين المواطن والدولة وحسب، هي مصدر الشرعية، فإجماع الناس على طريقة حياة متكاملة وتكريس النظام السياسي لأسلوب الحياة تلك يضحي هو مصدر شرعية.

وهناك أربعة محاور أساسية يدور حولها تحليل مفهوم الشرعية:

المحور الأول يقع في مجال تخصص الفلسفة السياسية ويدور حول التساؤل عن الأسس الفكرية التي تجعل حكومة ما أو السلطات التي تمارسها تلك الحكومة شرعية، وهو تساؤل مواز في جوهره للتساؤل عن الالتزام السياسي، أو ما الذي يلزم المواطن بأن يطيع الحكومة.

أما المحور الثاني فيقع في مجال اهتمام رجل الدولة الممارس، ذلك لأنه لا يمكن لأي سياسي محترف أن يتجاهله ويدور حول التساؤل عما يجعل الناس يؤمنون بأن حكومة ما هي حكومة شرعية.

والمحور الثالث يقع في مجال الدراسات القانونية ويدور حول التساؤل عن المحددات والضوابط القانونية للسلطة الشرعية، وهو تساؤل تخطف إجابته من دولة إلى أخرى باختلاف نظمها السياسية والقانونية.

والمحور الرابع يقع في مجال كل من السياسة العملية والقانون ويدور حول المحددات القانونية التي تضبط عملية تولي السلطة فتضفي عليها سمة الشرعية، فمثلًا تعد الانتخابات الديمقراطية، وفقًا للدستور الأمريكي، هي الوسيلة الشرعية الوحيدة لتولي الرئيس مهام سلطاته في حين أن الصورة تختلف تمامًا في بريطانيا مثلًا وفقًا لقواعد الدستور البريطاني.

ورغم أن الدستور يخدم وظيفة إضفاء الشرعية على السلطة سواء عند توليها الحكم أو في ممارستها الفعلية المهام السلطة، فإن المشكلة الأساسية تظهر عندما لا يكون المواطنون مقتنعين بهذا الدستور أصلًا. وهذا تظهر أهمية المحورين الأول والثاني في التحليل دون المحورين الثالث والرابع فالدستور وحده لا يكفي في إضفاء الشرعية على الحكومة القائمة إذا لم يكن هناك إجماع من الشعب على تقبل الحكومة فنجاح الحكومة في أن تجعل المحكومين يؤمنون بشرعيتها ويقتنعون بهذا طواعية هو أهم معايير نجاح السلطة في اكتساب الشرعية السياسية. وهنا يبرز الفكر الماركسي دور الأيديولوجية في مساعدة النظام السياسي على تحقيق هذه المهمة، فيؤكد هذا الفكر على أن إحدى وظائف الأيديولوجية الرئيسية هو أن تضع المؤسسات والمناصب السياسية القائمة في النظام في إطار يجعل الطاعة والالتزام السياسيين يبدوان وكأنهما السلوك الصائب والمنهج الطبيعي. ومن ثم فإن مهمة إضفاء الشرعية على النظام السياسي تنبع في الدول الماركسية من الدولة ذاتها عن طريق التنشئة السياسية للمواطنين وفقًا لعقيدة معينة موجهة نحو تبرير وجود النظام بالصورة التي يوجد عليها وتبرير أساليبه ووسائله في الحكم. في حين أنه على الجانب الآخر نجد أن النظم المحافظة، ورغم إيمانها بأهمية ومحورية الشرعية لبقاء النظام، إلا أنها ترفض أن تضطلع الدولة بهذه المهمة وتؤمن أن اكتساب الشرعية للنظام لا بد أن يتم باستقلال تام عن العقيدة السياسية والمؤسسات السياسية فتقوم به، ومن ثم المؤسسات المدنية الاجتماعية أو المحلية أو الدينية.

الشرعية في النظام السياسي الإسلامي:

من فقهاء الشريعة الإسلامية من عبّر عن مصطلح الشرعية بمبدأ حاكمية الله في مقابل حاكمية البشر، ومنهم من عبّر عنه بمبدأ سيادة أحكام الشريعة، وعلي الرغم من التباين في تناولت مبدأ الشرعية في النظام الإسلامي إلا إنه ومما لا شك فيه فإن الدولة الإسلامية هي دولة قانونية تقوم على أساس تكريس مبدأ الشرعية، ويوضح القرآن الكريم قانونية الدولة وسيادة القانون في خطابه للرسول صلي الله عليه وسلم، الممثل للولاية والسلطة الشرعية، فيقول سبحانه وتعالي: ]وَإذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إلى إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(، ويقول سبحانه وتعالي: ]ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(.  فهذه الآيات القرآنية وغيرها قد اعتبرت الرسول صلي الله عليه وسلم منفذ ومتبع للشريعة والأوامر الإلهية وليس فوقهما، مما يجعل القانون سيداً وركناً أساسياً في بناء الدولة، ومن ثم فلا شك أن الدولة الإسلامية هي دولة خاضعة للقانون وليست فوق القانون، بل هي منفذة للقانون وقائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد. وأن النظام القانوني في الإسلام قد ورد في الكتاب والسنة ومعه الأهداف الأساسية والقيم العليا للمجتمع الإسلامـي في آن واحد، فالحاكم حين يلتزم في قراراته بالكتاب والسنة إنما يلتزم في نفس الوقت بالنظام القانوني الإسلامي وبالمبادئ الأساسية والأهداف العليا للمجتمع الإسلامي، كما وردت في هذين المصدرين في آن واحد، مـن ثم فإن شرعية السلطة -في النظام الإسلامي- مرهونة من حيث قيامها واستمرارها لا بمجرد الالتزام بالنظـام القانونـي كمـا ورد في الكتاب والسنة فقط، وإنما في الالتزام بالعمل على تحقيق أهـداف المجتمع الإسلامـي العليـا، وبهذا المفهوم يكون هناك فرق جوهري بين الشرعية في النظام الإسلامي عنها في النظام الوضعي، إذ نجد أنه في النظام الوضعي مجرد التزام السلطة في الدولة بنظامها القانوني يكفي لتحقق شرعيتها، في حين أن مبدأ الشرعية في النظام الإسلامـي يعني التزام القائم على السلطة بإقامة مجتمع إسلامـي كما صـور في الكتاب والسنة، وهي بذلك شكلًا وموضوعًا تقع داخل النظام القانوني الإسلامـي، كما أن شرعية السلطة في الدولة الإسلامية مرهـونة في قيامها وفي استمرارها بالتزامـها بالعمـل على إعمال النظام القانوني الإسلامي في جملته دونما تمييز بين أحكامه المنظمة لسلوك المسلم كمواطـن وسلوكه كحـاكم، وبين تلك القيم الأساسية والأهداف العليا التي وردت في الكتاب والسنة.

_________________

المراجع:

  1.  إسماعيل مقلد ومحمد ربيع (محررين)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الجزء الأول، ص: 290-291.
  2. شريف طه، قضايا الشرعية والمشروعيـة بين الشريعـة والقانــون، المعهد المصري للدراسات، 29 نوفمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: .

مفهوم المساواة

أيلول/سبتمبر 20, 2023

المساواة لغة: مصدر قولهم: ساواه يساويه إذا عادله، قال الراغب: المساواة هي المعادلة المعتبرة بالذرع ّوالوزن والكيل، يقال: هذا الثوب مساو لذاك الثوب، وهذا الدرهم مساو لذلك الدرهم، (وهذا التمر مساو لهذا التمر)، وقد يعتبر بالكيفّية، ولاعتبار المعادلة ّالتي فيه (أي في لفظ السواءّ) استعمل استعمال العدل، وتسوية الشيء (بالشيء) جعلهما سواء، إما بالرفعة وإما بالضعة والسوي: يقال فيما يصان عن الإفراط والتّفريط من حيث القدر والكيفّية.

أما اصطلاحًا، فيقصد بالمساواة: “التماثل بين الجميع في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب اللون أو العرق أو الدين أو الحالة الاجتماعية، وتوافر معاملة مساوية لكل بني البشر، وإلغاء الفوارق الموجودة والتي تظهر بحكم الطبيعة”.

يرتكز حق المساواة على حقيقة أن البشر متساوين فيما بينهم، أي: لا يوجد أناس فوق أناس، أو أناس تحت أناس. وهو حق أساسي في المجتمع الديموقراطي، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات لا فضل لأحد على أخر. وهناك فارق بين المساواة والتسوية حيث أن التسوية هي جعل الناس سواسية على خط العمل والكسب، أما المساواة فهي النظر إلى أبناء الجنس البشري على درجة واحدة من القيمة، فالأسود كالأبيض، والقصير كالطويل، والقبيح كالجميل، والعاجز كالقادر، من حيث القيمة الإنسانية، ولا فضل لأحد على الآخر من هذه الناحية.

ويتقاطع مفهوم المساواة مع مفهوم العدل؛ حيث نجد أن كلمة العدل نفسها أخذت معناها -في لسان العرب- من معنى المساواة؛ فالعدل -بالكسر أو الفتح- هو المثل، وعَدَلَ الشيء بالشيءِ أي ساواه به. ثم أُخذ منه معنى القيمة، فالعدل -بالفتح- هو قيمة الشيء، وقيمة الشيء هي أقصى ثمنه! مما يعني أن اللغة نفسها لا يُفهم فيها العدل إلا على أساس المساواة.

وحين يأتي القرآن الكريم ليتبنى هذا اللسان العربي، فإنما يتبناه على شروطه وقواعده. فإذا قال القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة: 48). فإن المعنى لا يقبل منها فداء نظير ما اقترفت من جرم، والنظير هو المثيل المساوي. ليس هذا فحسب، بل إن اللغة تذهب خطوة أخرى في النكاية بالمتلاعبين بها، حين تقول: إن العدل نفسه قد يكون في بعض سياقاته ظلماً وخطيئة؛ مثل أن يعدل العبد بربه آلهة أخرى، أي يساوي بينه وبينها: جاء في القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1). أي يسوون بينه وبين الآلهة الزائفة. وقال ابن عاشور في تفسيره للآية: ومعنى يعدلون يسوون، والعدل التسوية، تقول: عدلت فلاناً بفلان إذا سويته به. ومعنى هذا أن كلمة العدل نفسها -التي يهرب إليها أنصار مقولة الحق الإلهي والامتياز العرقي- تُفسر حسب سياقها، مثل كلمة المساواة سواء بسواء! فمثلما أن بعض المساواة ظلم وبعضها الآخر عدل، فإن بعض العدل حق وبعضه الآخر باطل، بحسب دلالة السياق الذي ترد فيه الكلمة! والسياق الحديث الذي ترد فيه كلمة المساواة هو سياق الحقوق والحريات. والمساواة بهذا السياق مصطلح يؤكد التماثل التام بين الأفراد.

ويستخدم مصطلح المساواة بمعنيين معنى معنوي ومعنى توزيعي، فبالمعنى المعنوي العام: تعني المساواة ضرورة عدم التمييز بين الأفراد في الحقوق والواجبات لأي سبب كان تأسيسًا على مقولة أن الأفراد يولدون متساوين، وعلى نظرية الحقوق الطبيعية التي تقرر أن كل الأفراد -بالطبيعة- لهم القدر نفسه من الحقوق بما يؤهلهم للقدر نفسه من الامتيازات. ويصل مفكرون من أمثال هيلفيتيوس: إلى حد القول بأنه لا توجد اختلافات بين الأفراد حتى في القدرات العقلية والإدراكية وأن ما نلاحظه من تفاوت في هذه القدرات بين البشر إنما يرجع إلى اختلاف مستوي الخدمات التعليمية التي يتلقونها. ولكن يرفض الكثير من المفكرين المساواة بين البشر على أساس أنها مخالفة لقوانين الطبيعة، ثم هناك فريق ثالث من المفكرين يتخذ طريقاً وسطًا بين المؤيدين والرافضين لمفهوم المساواة فنجد إيمرسون: على سبيل المثال يقدم ما اسماه بمبدأ (التعويض) والذي مؤداه أن كل فرد قد لا يمتلك كل ما يملكه فرد آخر وبالنسب نفسها، ولكنه يؤكد أنه وإن كان يفتقد ما يمتلكه الآخر في جانب فإنه يمتلك ما يفتقده هذا الآخر في جانب ثان بحيث تضحى المحصلة النهائية هي أن الأفراد كلهم متساوون إذا ما نظر إلى مفهوم المساواة نظرة كلية.

إضافة إلى هذا المضمون المعنوي لمفهوم المساواة فهناك استخدام آخر له هو استخدام توزيعي: يحاول، تأسيسًا على المعنى الأول، أن يقرر توزيعًا متساويًا للسلع الاقتصادية والفرص الاجتماعية والحقوق السياسية بين الناس. ويرتبط هنا مفهوم المساواة بمفهوم العدالة حيث المقولة الأساسية انه طالما ان الأفراد يولدون متساوين فإن التمييز بينهم في الثروات أو الامتيازات أو الظروف يضحى أمرًا غير عادل.

وإذا نظرنا إلى المساواة السياسية على وجه التحديد لوجدنا أنها تعني أن يكون لكل المواطنين فرص متساوية للمشاركة في كل ما يتعلق بعملية صنع القرار السياسي بوصفهم أندادًا سياسيين، ولقد رأى روسو أن تحقق هذه المساواة السياسية لا يمكن أن يتم إلا عن طريق إلغاء نظم الحكم النيابية التمثيلية والعمل على تضييق نطاق المجتمع إلى أقصى درجة ممكنة بما يسمح بإعادة مفهوم المشاركة السياسية المباشرة -كما كانت مطبقة في أثينا في العصور القديمة. وبحيث يصبح كل مواطن ملمًا بأمور مجتمعه كما يلم بأمور أفراد أسرته المباشرة. وإذا كان الكثير من معاصري روسو قد أدرك صعوبة تقليص المجتمع إلى الحجم الذي تحدث عنه إلا أنهم أكدوا معه أن إلغاء نظام الحكم النيابي هو السبيل الوحيد أمام إيجاد مساواة سياسية حقيقة بحيث يضحى للجميع فرصة للمشاركة في عملية صنع القرار السياسي بصورة مباشرة. ويرى فريق ثالث من علماء السياسة أن المساواة السياسية يمكن تحققها مع وجود حكومة تمثيلية شريطة وجود قنوات ومؤسسات تعمل على أن يكون ممثلو الشعب أكثر قدرة على التعرف وباستمرار على مطالب ورغبات من يمثلونهم مع ضمان استجابة النواب لمطالب الناخبين.

ويرفض البعض مفهوم الحكومة الديمقراطية كلية، سواء تمثيلية أم مباشرة على أساس أنها وان كرست مفهوم المساواة السياسية، بمعنى مشاركة الجميع بصورة من الصور في عملية صنع القرار السياسي، إلا أنها بتمكينها دائمًا لقرار الأغلبية أن يسود فإنها قد تضر بمفهوم المساواة الاقتصادية مثلًا إذا ما قررت الأغلبية حرمان الأقلية من ممتلكاتهم. ومن ثم فإن أنصار هذا الفريق يؤكدون أن الحكومة المركزية هي وحدها القادرة على تحقيق مفهوم المساواة في التوزيع بمعناه الواسع لأنها تضمن أن يصل إلى الجميع القدر نفسه من الخدمات سواء اقتصادية أم تعليمية أم سياسية … الخ. ويرد أنصار الحكومات الديمقراطية بأن نظم الحكم المركزية، وإن كانت تضمن بالفعل قدرًا عاليًا من المساواة الاقتصادية، إلا أنهم يؤكدون أنها تحرم غالبية المواطنين من فرص المساواة السياسية حيث تقصر المشاركة السياسية الحقيقية على نخبة ضيقة من أعضاء الحزب الواحد الحاكم.

ومن أهم الانتقادات التي يقول بها مناهضو مفهوم المساواة التوزيعية أنه لا يمكن تحقيق مبدأ المساواة في التوزيع إلا عن طريق الإخلال بحقوق الملكية الطبيعية. ويشيرون في هذا الصدد إلى تأكيد الماركسية على أنه لا يمكن تحقيق المساواة دون إلغاء الملكية الفردية وتصفية الطبقية. كما أن نيتشه يؤكد على أن تحقيق الذات لا يتم إلا عن طريق المنافسة والصراع والنجاح والفشل وأن هذا بدوره يتطلب الإقرار بوجود قدر مقبول من اختلاف القدرات والمواهب بل والثروات لأن هذه التمايزات هي التي تحفز الناس لدخول حلبة المنافسة. فالمساواة التامة تصب الناس في قوالب متشابهة فتقضي على المواهب.

المساواة في القانون:

ويقتضي هذا المفهوم مساواة الجميع أمام القانون، وذلك عن طريق التزام يقع على كل من يطبق القاعدة القانونية يفرض عليهم ألا يرتكبوا تمييزًا بين الخاضعين للقاعدة القانونية لا تنص عليه هذه الأخيرة، ومن دون شك فإن هذا المظهر للمساواة أمام القانون لا يتعلق بمحتوى العمل التشريعي ذاته، إنما يتعلق فقط بأساليب تطبيقه.

وهذا يعني أن هذا النوع من المساواة لا يفرض على الحكام إلا التزامًا بالامتناع حيث يحظر عليهم أن يرتكبوا أي تمييز بين الأفراد مهما كان نوعه خارج نطاق قاعدة القانون.

وفي الحقيقة أن المساواة أمام قاعدة القانون تكون تاريخيًا التعبير الأول عن المساواة، بحيث تطرح نظامًا قانونيًا يقوم على إبطال جميع أنماط التمييز التي تقترف من قبل القائمين على تطبيق القاعدة القانونية، وقد ظهرت هذه القاعدة لتقضي على التمايزات الاجتماعية التي كانت توجد خصوصًا في النظم الإقطاعية القديمة، ولتطرح مبدأ قانونيًا جوهريًا يقوم على وحدة البنية القانونية التي تطبق على الجميع من دون استثناء، أي ضرورة تطبيق قانون وحيد على الجميع، فإذا كان الأفراد يملكون جميعًا الحقوق نفسها ضمن المجتمع السياسي فإنه من الطبيعي أن يخضعوا لقانون واحد، ولمعيار واحدٍ يطبق على الجميع للتمييز.

وبالتالي فإن الوظيفة الأساسية التي يطرحها مفهوم المساواة أمام قاعدة القانون إنما تتمثل في تجميع كل المواطنين في فلك قانوني واحد، وبغض النظر عن مراكزهم الواقعية التي يشغلونها.

ويعد مبدأ المشروعية الذي يقوم على أساس مطابقة القاعدة القانونية الأدنى للقاعدة الأعلى ضمانًا مهمًا لتحقيق المساواة أمام القانون؛ لأن من شأنه أن يحول دون ارتكاب تغييرات عن طريق الأعمال القانونية الأدنى (لوائح، قرارات فردية، …) بالمخالفة لمقتضى ومضمون القواعد القانونية الناجمة عن الأعمال القانونية الأعلى مثل القوانين.

المساواة في الشريعة الإسلامية:

إن الله تعالى استقل بالخلق والتشريع ليضع أرسخ قاعدة لكفالة حق الناس في المساواة أمام حكمه وشرعه، وقطع بذلك السبيل أمام أي فرد أو فئة من الناس قد تدعي لنفسها الفضل والتميز عن غيرها، وتذهب بالسيادة فتضع لغيرها من الأحكام ما تهواه، ومن أنظمة الحياة ما تشتهيه، سواء أضرها أم لا، ولذلك اختص الله وحده بالتشريع ابتداءً، كما اختص كذلك بالخلق والتكوين قال الله تعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” وقوله تعالي:” وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ”، وإنما اختص الله بالتشريع، لأن التشريع يراد به إصابة الحق ِوالعدل، وعدم التحيز للهوى والشهوات والإنسان مهما وضع من نظم وقوانين، فلا يمكنه إصابة الحق والعدل فيها على الدوام، بل إن أصابه مرة، أخطأه مرات، لأنه تتحكم فيه الأهواء والنزعات، وينتابه النقص والقصور، ولهذا امتلأ التاريخ البشري بأنواع كثيرة من الظلم، في الأحكام التي صنعتها يد الإنسان، أو تدخلت فيها، أما كيف يتساوى الناس أمام الشريعة، فذلك أن خطاب الشرع عام يشمل جميع الناس، حكاما ومحكومين، رجالا ونساء، فالأوامر كلها كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوه، يطالب الجميع بأدائها والقيام بها، فيطالب الراعي بالصلاة ونحوها، كما يطالب بها المرعى، وكذلك النواهي كالسرقة والزنا والقذف، يطالب من الجميع الكف عن ذلك دون استثناء أحد، وهذا معنى المساواة أمام الشريعة.

وقد دلت السنة النبوية في عدد النصوص على معاني المساواة بين البشر جميعًا، فلا يمتاز أحد عن أحد إلا بالتقوي والعمل الصالح، ونجد ذلك في قوله صلي الله عليه وسلم {النَّاسُ سواءٌ كأسنانِ المُشطِ وإنَّما يتفاضلون بالعافيةِ}، وفي خطبة الوداع قال رسول الله صلي الله عليه وسلم{أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى}، وقال أيضًا: {الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللّهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالهِ}.

________________________________

المراجع:

  • أمير بن محمد المدري، المساواة في الإسلام، ص8.
  • دينا سليمان كمال لاشين، حول مفهوم المساواة ابعاد واشكاليات، المركز الديمقراطي العربي، 11يوليو 2019، https://democraticac.de/?p=61684.
  • عصام القيسي، العدل أم المساواة “لعبة اللغة”، الجزيرة نت، 22 نوفمبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: 

مفهوم المؤسسة

أيلول/سبتمبر 21, 2023

المؤسسة في اللغة:

جمع مؤسسات، وهي صيغة جمع المؤنث لمفعول أسَّسَ.

وهي منشأة تؤسس لغرض معين، أو لمنفعة عامة ولديها من الموارد ما تمارس به هذه المنفعة، كدار المسنين أو السجن ونحوهما: مؤسسة علمية/دستورية/خيرية …، أو مؤسسات الجامعة وما يتبع لها من كليات ومعاهد ومكتبات ومراكز بحوث.

المؤسسة في الاصطلاح:

تُعرّف المؤسسة بأنها “كل هيكل تنظيمي مستقل ماليًا، ويخضع لكل من الإطار القانوني والاجتماعي، وهدفها دمج جميع عوامل الإنتاج من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنتاج، أو تبادل السلع، أو تبادل الخدمات المختلفة، وأن المؤسسة باعتبارها منظمة تعتبر في ذات الوقت هيكلًا اجتماعيًا واقعيًا ومتعاملًا اقتصاديًا، وتتبع خصائص تنظيم متكامل”. 

والمؤسسة (بالإنجليزية: Institution): منظمة تم تأسيسها من أجل تحقيق نوع ما من الأعمال، مثل تقديم الخدمات وفقًا لمعايير تنظيمية خاصة في مجال عملها، وتعرف المؤسسة أيضًا بأنها تسعى إلى تحقيق هدف ما، سواء أكان تعليميًا، أو وظيفيًا، أو اجتماعيًا.

ومن التعريفات الأخرى للمؤسسة: “هي إنشاء وتأسيس مكان خاص، أو عام من أجل تطبيق برنامج مُعيّن، أو فكرة ما، ومن الأمثلة على ذلك: مؤسسات رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة”.

ويُعِّرف المفكر الفرنسي موريس هوريو Maurice Hauriou المؤسسة بأنها “فكرة عمل أو مشروع يتحقق ويدوم قانونيًا في وسط اجتماعي، ولتحقيق هذه الفكرة يفترض إيجاد سلطة لديها أجهزة تمكنها من عملية الضبط والتنفيذ، كما يفترض أن تتولد مظاهر تقارب بين أعضاء المجموعة الاجتماعية المعنيين، توجهها أجهزة السلطة وتنظمها أصول وقواعد”.

المؤسسة في القانون:

لا يرتبـط مفهـوم المؤسسـة فـي لغـة القانـون بموضـوع ثابـت؛ لأنـه مفهـوم متحـرك يعـرف بالنظـر إلـى فـرع القانـون الـذي يتواجـد فيـه، فتعريفهـا بالنظـر إلـى القانـون التجـاري يختلـف عنه فـي قانـون العمـل، حيـث تعتبـر فـي القانـون التجـاري وحـدة اقتصاديـة تقـوم علـى مجموعـة مـن الأجهـزة بهـدف الإنتـاج أو التوزيـع، بينمـا ينظـر إليهـا فـي قانـون العمـل علـى أن الأشـخاص -وهـم الأجـراء- يمارسـون نشـاطًا مأجـورًا تحـت سـلطة شـخص آخـر يُدعـى المسـتخدم.

يرتبــط تحديــد الوجــود القانونــي للمؤسســة بظهورهــا بأحــد الأشــكال القانونيــة، كالمؤسســة ذات الشـخص الوحيـد مثـلا، ومـع هـذا لا يتحقـق هـذا الظهـور دائمـًا لأن المؤسسـة قـد تكـون عبـارة عـن نشـاط مصغـر أو مقاولـة حـرة، وقـد تأخـذ المؤسسـة شـكل الشـركة التجاريـة كمـا يمكنهـا أن تنشــأ دون الاعتبار للشــكل التجــاري، وهنــا قــد يرجــع الأمــر لحجمهــا ونــوع النشــاط الــذي تمارســه. وعليــه لا يغطــي مفهــوم الشــركة فــي المقابــل وبالضــرورة مفهــوم المؤسســة فيمكــن للمؤسسـات أن تنشـأ دون أن تأخـذ شـكل الشـركة التجاريـة.

علـى العكـس مـن ذلـك يمكـن أن نجـد عنـد تطبيـق قانـون العمـل مجموعـة مـن الشـركات تحمـل اختلافـات كثيـرة ومـع ذلـك تسـمى مؤسسـة، لكـن بتوظيـف تعريـف المؤسسـة فـي قانـون العمـل أو مـا يعـرف بالهيئـة المسـتخدمة.

ويصعــب إعطــاء تعريــف قانونــي للمؤسســة لســبب بســيط كــون أن المؤسســة هــي مفهــوم اقتصــادي أكثــر منــه قانونــي، ومــع ذلــك يســاعد تصنيفهــا بالنظــر إلــى الأشــكال القانونيــة التــي تظهــر بهــا أو الطابــع الاقتصادي الــذي يغلــب علــى نشــاطها أو طبيعــة ملكيتهــا علــى تحديــد مفهومهــا، وفــي كل الأحــوال يختلــف تعريفهــا بحســب النظــام الاقتصادي المُتبع.

وتصنــف المؤسســة بالنظــر إلــى الشــكل القانونــي )إلي مؤسسات فردية أو شركات تجارية للأموال أو الأشخاص، في حين تصنف بالنظـر إلـى الطابـع الاقتصادي إلـى صناعيـة، فلاحيـة، تجاريـة، خدماتيـة أو حرفيـة لتشـترك فـي مجملهـا فـي اعتبارهـا وحـدة منظمـة أو مهيكلـة تقـوم علـى تجميـع وسـائل بشـرية وماديـة مـن أجـل الإنتـاج أو التوزيـع أو تقديـم الخدمـات، أو حتــى القيــام بنشــاط الاستيراد، بينمــا تقســم بحســب طبيعــة الملكيــة فيهــا إلــى مؤسســات عامــة ومؤسسـات خاصـة، وإذا كانـت المؤسسـة الخاصـة لا تطـرح إشـكالًا مـن حيـث الطابـع الاقتصـادي والإطــار القانونــي، فــإن الأمــر لا يبــدو كذلــك علــى الأقــل بالنســبة للإطــار القانونــي للمؤسســة العموميـة.

المؤسسة في المجال العام:

أما المؤسسات في المجال العام حديثا؛ فإن التنظيمات الحديثة تنتهي إلى تحديد جهات ثلاثة يتوزع بينها العمل العام أو النشاط العام، بحيث يكون من يصدر القرار أو يصوغ الإرادة العامة غير من ينفذ هذه الإرادة غير من يشرف على صحة تطبيقها.

فالمؤسسة الأولى التشريعية: وهي مصدر القرار العام وهي تتكون بطريقة تمكنها من أن تقوم بهذه الوظيفة، إذ يكفل لها أسلوب اختيار أعضائها أن تكون على علاقة مباشرة بقوى الرأي العام الموجودة في المجتمع، وتمارس عملها بإجراءات تتيح لها أن تكون بقدر الإمكان جهازًا متصلا بالرأي العام وخارجها، عن طريق اتصال أعضاء هذا الجهاز بالمؤسسات ذات الشأن في المجتمع.

والمؤسسة الثانية: هي المؤسسة التنفيذية، وهي تتعلق بالإدارة والتنفيذ، وتخضع في عملها للسياسة التي تقررها الهيئة التشريعية، فهي أداة لتنفيذ هذه السياسة وأداة لإدارة العمل اليومي. ومؤسسة التنفيذ تُبنى بطريق هرمي، رئاسي، حيث تقوم رئاسة مفردة أو قليلة من حيث عدد الأشخاص، وتقوم باختيار الأشخاص في الوظائف الأدنى نزولا من قمة الهرم إلى أسفله وقاعدته العريضة، وحركة الدفع ترد من أعلى إلى أسفل، فالسياسات ترسم في المستويات الأعلى كما أن الإشراف والرقابة يأتيان من المستويات الأعلى للمستويات الأدنى منها وهكذا. وهذا هو أسلوب التشكيل الذي يتلاءم مع الوظيفة التنفيذية التي تأتي بعد اتخاذ القرارات ورسم السياسات. ولذلك تعتمد على إصدار الأوامر للتنفيذ، وهذا هو شأن الوزارات والمصالح المختلفة وهو كذلك الشأن بالنسبة لأجهزة الضبط كالشرطة والجيش.

والمؤسسة الثالثة: هي “القضاء” وتختلف نظمنا القائمة في طريقة تعيين القضاة ولكن يبقى أنه جهاز يراقب الشرعية ويقضى بها، سواء في تعاملات الأفراد أو في عقاب المجرمين أو في رقابة نشاط السلطات العامة. وهو يتكون من وحدات متماثلة في الأساس يتوزع العمل عليها حسب التوزيع المحلى للأعمال (في المناطق المختلفة) أو التوزيع النوعي الذي تنشأ به محكمة لكل من أنواع القضايا المدنية والجنائية والتجارية… وهكذا. والقضاء الآن جهاز محصور النشاط في تطبيق القوانين والقرارات التي تصدرها جهة التشريع، وفى الإشراف على سلامة تطبيق تلك القرارات على الوقائع والأنشطة المختلفة، وهو يمارس عمله في النظم القائمة الآن وفقا لمجموعة كبيرة من الإجراءات المحددة سلفا، والتي نظمتها القوانين المختلفة.

أما المؤسسات في المجال العام من المنظور الإسلامي؛ فقد فصل في شرحها المستشار طارق البشري، حيث ننقل عنه تفصيلاً ما أورده حول هذا الأمر لأهميته في هذا المقام، وذلك على النحو الآتي:

 الشائع أن النظام الإسلامي لم يعرف تعدد المؤسسات في المجال العام التي توزع عليها السلطة، ومرد ذلك أن أسس النظام الإسلامي تختلف اختلافًا جذريًا عن أسس النظام السائد الآن من حيث إن النظام الحديث نظام وضعي لا يعترف بشريعة أو شرعية للحكم منزلة من السماء، في حين أن النظام الإسلامي يبدأ من مقولة أساسية هي مصدرية السماء لتشريع الأرض وانعكس ذلك على شكل المؤسسات وتوزيع السلطات. فالهيكل التشريعي في النظم الإسلامية كان يصدر عن هيئات جد مختلفة عما تخيلته النظرة الوضعية العلمانية في توزيعها للسلطة. وأن الهيكل التشريعي كان في النظر الإسلامي أكثر بعدًا عن هيمنة السلطة التنفيذية.

أما بالنسبة للمؤسسة القضائية فإن النظام الإسلامي يتصور الوظيفة القضائية جزءًا من الولاية العامة التي يمارسها «الإمام» وذلك حسبما نعرف من وقائع النظم الإسلامية وحسبما يثبت فقهاء «الأحكام السلطانية»، وقد كان الخلفاء الراشدون يقضون بأنفسهم فيما يتنازع فيه الناس من أمور. كما أن للإمام أن يعين القضاة وله أن يسمح للولاة والأمراء في الأقاليم أن يعينوا القضاة في الأقاليم التي يتولون عليها. وهذا الوضع ما يثير الكلام حول شمولية الحكم الإسلامي وأن القضاء تابع لسلطات الحكم التنفيذي، بحسبان أن القاضي إنما يستمد ولايته من إنابة الأمير أو الوالي له. كما أن التصور الفقهي في الإسلام جعل الإمام صاحب السلطة التنفيذية، وأن مهمة التشريع بعيدة عن مجال هيمنته وإشرافه وليست خاضعة له. وذلك لا يجرى بموجب توزيع السلطة كما يرسمه النظام الوضعي، ولكن بموجب سابقة الإقرار بأن التشريع منزل من الله سبحانه وتعالى بالقرآن والسنة. وسلطة الحاكم مقيدة ليس فقط بموجب التوازنات بين المؤسسات المختلفة، إنما هو قيد يستمد من الأصل العام المعترف به في المجتمع الإسلامي وهو الخضوع للشريعة، وأن الحاكم لا يملك تغيير هذا القانون وأن ليس لأية مؤسسة من مؤسسات الدولة أن تعدله. والقاضي في هذا التصور وإن تولى وظائفه بالإنابة من الإمام أو من الوالي، فهو لا يخضع لمن عينه عندما يستقى أحكامه مباشرة من القرآن والسنة وباجتهاده من هذين المصدرين.

إن المؤسسة التشريعية في النظم الغربية تعرف وظيفتين، الأولى: أنها المؤسسة التي تصدر التشريعات والقوانين في المجتمع والوظيفة الثانية: أنها المؤسسة التي تراقب أعمال السلطة التنفيذية ولها عليها وجه إشراف ونوع سطوة تختلف في حجمها ونوعها حسب الدول والمجتمعات. وقد أشرنا إلى الوظيفة الأولى وما يقابلها في النظم التي عرفها التاريخ الإسلامي، وتبقى الوظيفة الثانية وقد أشرنا من قبل إلى دور مؤسسة القضاء كرقيب على الشرعية، سواء “الشرعية الوضعية” المعروفة في النظم الغربية، أو “الشرعية الإسلامية” المستمدة من أصول التشريع الإسلامي. ولكن الرقابة التي يكفلها الجهاز القضائي في أي من النظامين لا تكفي؛ لأن الجهاز القضائي حسب الأصل الغالب فيه لا يتحرك إلا إذا قام نزاع يعرض عليه وهو لا يتحرك حسب الغالب أيضًا إلا في صدد ارتكاب الجرائم أو انتهاك الحقوق.

أما ما يتصل بحسن أعمال السياسات المختلفة أو سوئها وما يتعلق بالحض على المعروف ومنع المناكر بعامة ومراعاة المصالح للجماعة والأفراد. فهذه دائرة أوسع كثيرا من اختصاص الجهات القضائية وفى النظم الغربية توجد المؤسسة التشريعية التي تقوم بالدور الرقابي بالنسبة لسياسات الحكومات. كما توجد أجهزة أخرى لرقابة النشاط الإداري الجهاز الدولة في الأعمال اليومية المرسلة التي يقوم بها، وهي أنواع رقابة تتنوع في كل نظام، فمنها الرقابة الذاتية التي تنشئها أية مؤسسة بداخلها لتراقب عمل رجالها، ومنها إيجاد أجهزة لرقابة مركزية على مستوى الدولة كلها لتراقب أجهزة الدولة التنفيذية على تنوعها وتعددها، فتكون أجهزة لرقابة الشؤون المالية أو لمراقبة الشرعية في سلوك عمال الدولة ومنها أجهزة رقابة خارجية أي تراقب أجهزة التنفيذ وتنتمي إلى سلطة بعيدة عن السلطة التنفيذية. وفي هذا الصدد هناك نوعين من هذه الرقابة مما عرفه تاريخ التنظيمات الإسلامية. أحدهما يشكل داخل الجهاز الحاكم ويشكل قمة الرقابة الذاتية السلطة الدولة. والثاني: له وجه اتصال بالحركة الشعبية مما يمكن أن يقوم بدور رقابة خارجية على جهاز الدولة وعلى حياة المجتمع كلها والأول هو ديوان المظالم، والثاني هو نظام الحسبة.

ومن الملاحظ أن التدوين الفقهي والتاريخي قد نقل إلينا تلك التقسيمات العامة في المؤسسات والمناصب التي توزع عليها عمل الدولة التنفيذي، مثل الإمامة وزارة التفويض وزارة التنفيذ، الإمارة (الولاية على إقليم)، إمارة الجيش القضاة المظالم، المحتسب … إلخ. ونجد الفقه يعتني ببيان شروط التولية لكل من هذه المناصب، وبما لكل من صلاحيات في العمل، ولكننا لا نجد تحديد العلاقات بين كل من هذه المناصب والآخر، كما لا نجد رسما للعلاقات التي تنشأ وراء كل منصب منها، ذلك أن أيًا من هذه المناصب لا يتصور أن يمارس فرد واحد كل صلاحياته لضخامتها وسعتها. والمؤكد أن كل من يلى واحدا من هذه المناصب، إنما يستعين بأفراد آخرين ينوبون عنه في بعض المهام ويعينونه فيما يقوم أعمال، بمعنى أن كلا من هذه المناصب لابد أن ينشأ له مؤسسة أو جهاز يقوم به، ويقف صاحب الولاية على رأسه هذا الجهاز، كما لا نجد أن الفقه اعتنى ببيان طريقة بنائه والسمات العامة لتوزيع الأعمال بداخله والعلاقات المتبادلة بين العاملين فيه وبينهم وبين رؤسائهم وطريقة تعيينهم وغير ذلك، كما أننا نقرأ عن أهل الحل والعقد، وأحيانًا عن أصحاب أو أهل الشورى، وأحيانا يتكلم البعض عن “المجتهدين” ، ولكننا لا نصادف أي بيان لتكوين تنظيمي لأى من هذه الأعمال، ولا نجد أن مجلسًا أنشئ على وجه الاستمرار للقيام بعمل منها، أو أن نظامًا اتبع في استطلاع آراء أي من هذه الجماعات في أي من الأوقات. ويبدو أن الأمر كان يجرى بأسلوب تلقائي، وأنه كان يتم بالتحري الشخصي أو جمع من يتيسر جمعه ممن يعتبرون أهل الحل والعقد لاستطلاع آرائهم وفق المشيئة الفردية للحاكم وحسبما يراه مناسبًا وحسب ما يتعارف عليه الناس في كل زمان أو مكان بالنسبة لمن يعتبر من ذوي الرأي أو ذوي المكانة الاجتماعية، بمعنى أنه لم يرد على هذا النوع من الأعمال العامة شيء من الضبط الفقهي أو التكوين المؤسسي التنظيمي الذي يوجد هيئة معينة مكونة من أشخاص تبين صلاحياتهم وتحدد طريقة عملهم معا. إن الفقه الإسلامي في مجال القانون الدستوري والإداري؛ لم يعن ببحث تكوين المؤسسات والكيانات التنظيمية ذات الصفة الثابتة نسبيا. ولا نجد جهة حددت تشكيلها من عناصر متعددة إلا ديوان المظالم. ولم يكن هذا النقص عيبًا تتسم به أعمال الفقهاء، ولكنه كان سمة ظاهرة في أسلوب تنظيم الأعمال الإدارية بعامة على مدى تاريخي طويل جدا، حيث كانت الوظيفة أو المنصب يندمج في شخص القائم به، وكانت العلاقات بين الرئيس والمرؤوس تندمج في علاقة تنطوي على نوع من التبعية الشخصية، وتمارس من خلال هذه العلاقات الشخصية ونقصد بالعلاقات الشخصية هذا النمط من العلاقات الذي يجرى بأسلوب عفوي طليق من الضوابط الموضوعية المرسومة التي السلطة تحدد أسلوبه وإجراءاته. وكثيرا ما تكون أدوات العمل كالمقار التي يتم فيها والأوراق وغير ذلك مما يقع في حوزة العامل شخصيًا. كما أن الأعمال الإدارية الصغيرة كانت أقرب للحرف التي يمارسها الشخص ويدرب عليها أبناءه وعادة ما يتولونها من بعده، مثل أعمال «الصرافة» أي جمع الضرائب، وأعمال مسح الأراضي وتنظيمها وغير ذلك. وعرفت أعمال الإدارة العليا أيضا نوعا من التوارث من الآباء إلى الأبناء بشرط اعتماد الوالي بطبيعة الحال. ولم تعرف كثيرا فكرة تقسيم العمل الواحد إلى عديد من العناصر التي توزع على أفراد متخصصين في كل من هذه التقسيمات.

أما الفكر الإداري الحديث فقد عرف أسلوبًا آخر في العمل، هو الأسلوب غير الشخصي وهو الأسلوب المؤسسي المتجرد من الشخصنة، وهو يستند في بدايته على تجريد المنصب أو الوظيفة عن شخص العامل بها، فهو يرسم خريطة للوظائف وللمهام المطلوبة في أي عمل، ثم يختار لكل منها من يقوم بها من العاملين حسب مؤهله وتخصصه. والوظائف بهذه الكيفية تحدد وتوزع على أسلوب نوعي يتعلق بنوع العمل المطلوب تأديته، وأسلوب محلى يتعلق بالإقليم المطلوب أداء المهام به. وأسلوب رأسي بين رئيس ومرؤوسين. وترسم مستويات للعمل تعلوها مستويات أخرى للتوجيه والإشراف، وهكذا، وكل ذلك يتخذ شكله في صورة تنظيمات وقرارات مكتوبة وتعتمد الإدارة الحديثة بعامة، على الوثائق المكتوبة التي تحفظ أصولها، وبهذا ينفصل العمل الوظيفي عن النشاط الشخصي للقائم به، فتصير المعلومات اللازمة للقيام بالعمل، والخبرة التي تتراكم بشأنه، يصير كل ذلك مودعا في جهة وليس حبيس التجربة الشخصية للموظف. وبهذا يمارس العمل وفق أصول موضوعية أو شبه موضوعية وفي إطار سلطة مقيدة لمن يقوم به، وتنفصل أدوات العمل ومنشآته وأماكن مزاولته عن الملكية الخاصة بمن يقوم به. كما يقوم النظام الحديث على أساس تميز علاقة المرؤوس عن الرئيس، فهو يعين وفقا الضوابط ومعايير معروفة سلفا، وعلاقاته بجهة العمل محددة سلفا من حيث صلاحيات العمل وحجم الراتب وأسلوب زيادته من حيث طريقة ترك العمل. ولم يعد عزل التفويض يعنى عزل من كان عينهم في أعمالهم كما يذكر في كتب الأحكام السلطانية.

ومن هذه الملاحظات يتبين أن أسلوب العمل ممارسة، وطريقة السلطة قد تغيرت عن الوضع القديم من جانبين:

أولًا: تقسيم العمل الواحد عبر العديد من الأجهزة والهيئات.

ثانيًا: حلول القرار الجماعي بهذه الهيئات محل قرار الفردي.

وهذا مما يعبر عنه بحكومة الهيئات والمؤسسات في مقابل حكومة الأشخاص التي عرفتها النظم السابقة. وهذا الوجه من وجوه التنظيم للعمل العام هو ما يتعين إثراء النظام الدستوري والإداري الإسلامي به.

_______________________________

المصادر:

– طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2007، ص:53-80.

– عبد الله قادية، الإطار القانوني للمؤسسة العمومية في الجزائر كعون اقتصادي، مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية، المجلد 16، العدد 1، يونيو 2019، ص: 611-612.

– تعريـف المؤسـسة وخـصائـصها، المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، 11 أكتوبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://www.almerja.com/reading.php?idm=186353. –  محمود حديد، المؤسسة، الموسوعة العربية: الفلسفة وعلم الاجتماع والعقائد، المجلد 20، ص 11، https://arab-ency.com.sy/ency/details/10544/20.