مقال اليوم ذو أهمية بالغة … وحسبه أنه يذكر بحقيقة نسيها أو تناساها جميع الذين يتحدثون عن تطبيق الشريعة الإسلامية وتقنينها!!
ولا أريد أن أعيد هنا ما قلته هناك.. بيد أنه لابد من كلمات حثيثة وعابرة.. نؤكد فيها أن تحكيم الشريعة الإسلامية، والحكم بها لا يمكن أن يكونا مصدر فزع، ناهيك عن أن يكون مصدر تأخر أو شقاء! كذلك فإن هذا التحكيم وهذا الحكم لن ينجم عنهما انقلاب في حياة الأمة والمجتمع ثم أنهما لن يحتاجا إلى حسابات معقدة.. فشأنهما شأن الإسلام كله الذي جعله الله سبحانه يسرًا، لا يعرف العسر إليه طريقًا!! ففي العقوبات -مثلًا- تؤدى الحدود وظائف اجتماعية، وأخلاقية. وأمنية – لا أقول: أنها تناهت في الحزم فقط، بل وفي السمو أيضًا.. وحين تطالع الضوابط التي شرعها الله لإقامتها يبهرنا فرط رحمته وفرط حكمته وعدالته. فالحدود لا تقام اعتباطًا ولا انتقامًا -بل نظامًا، ورحمةً، وتقويمًا.. وفيما وراء الحدود، فلن تحتاج إلا إلى اضافات أو تعديلات يسيرة، وربما طفيفة، إذ إنها جميعًا تقع تحت طائلة التعزير الذي هو من عمل الاجتهاد الفقهي قديمه وحديثه.
وفي القانونين المدني والتجاري لن نحتاج إلا إلى عزل المعاملات الربوية ثم تبقى بقية القوانين في هذا المجال كما هي، إذ سنراها مسايرة إلى مدى بعيد لفقهنا الإسلامي، وإن احتاجت إلى جديد من الإضافة أو التعديل، فسيغطى الفقه بثرائه المذهل كل هذه الاحتياجات كما يغطيها الاجتهاد.. ثم يجيء دور المجتمع وتعلية سلوكياته العامة وسلوكيات أفراده بحيث تلتقي لقائها السعيد مع روح الإسلام وأخلاقياته وضميره.. وفي هذا المجال لابد من الاعتماد على أسلوب التدرج في التعلية وفى التغيير المتزامنين مع الدعوة الناشطة والدائبة والمستنيرة مستبعدين الطفرة المتهورة.. فتلك كانت طريقة الاسلام في عصر الوحي، وأيام رسوله العظيم. ولقد ضربنا لمنهج الوحي والرسول في التغيير المستأني والحكيم مثلًا بالخمر التي لم يحرمها الإسلام إلا بعد سبعة عشر عامًا من إهلاله ومجيئه..!
****
قلنا إن جميع المنادين بتقنين الشريعة -إلا من رحم ربك- ينسون أو يتناسون أهم وأعظم مجالات هذا التقنين- ألا وهو “نظام الحكم”..! مع أن كل محاولة للتطبيق والتقنين لا تبدأ من هنا، فهي رافضة لنصف الإسلام وملقية به وراءها ظهريًا!!
وإنه لموقف يزكم العقول ويحيرها، ويملأ الأنفس ريبةً وفزعًا حين لا نرى ولا نسمع أي اهتمام بتقنين الشريعة فيما يختص بنظام الحكم، وكأنه مجرد نافلة.. وكأن الإسلام الذي نهتف صباح مساء بأنه “دين ودولة” قد عقم وعجز عن تقديم هذا النظام..!
كل ما يجود به هؤلاء قولهم: إن نظام الحكم في الإسلام، هي الشورى.. ثم ماذا يا سادة؟؟ الشـورى.. ثم ماذا أيضًا؟؟ الشورى!! وكأن كلمة «الشورى» تهويمة، أو تعويذة لا تفتأ حين توضع فوق مجمرة البخور” أن ترسل في الفضاء سحابات من دخانها المعطر ترسم في هذا الجو العبق والمسحور خارطة لنظام حكم لا يرقى إليه نظام..!!
إن العقبة التي تنتظر اقتحامها هي ذي قواعد واضحة ومستبينة ومفصلة لنظام الحكم.. ولقد فصلنا القول في هذا النظام خلال المقالات السبع السالفة وفق ما يفيئه الاسلام- روحًا، ومنهجًا، وتطبيقًا.. سموا هذا النظام ما تشاءون.. سموه الديمقراطية.. سموه: الديمقراطية الإسلامية.. سموه الشورى.. المهم هو المضمون، والمنهج، والتطبيق.
وهذه الثلاثة تعنى -تحت أي اسم- قيام العناصر والأجهزة التي تحقق للأمة سيادتها وحريتها، وهذا يعنى:
أولًا – أن تكون الأمة مصدر السلطات بما فيها السلطة التشريعية -ولن يكون في ذلك أي افتيات على حق الله في التشريع.. لأن كل القضايا التي أفتى فيها النص من كتاب أو سنة متواترة ستبقى له قداسته واحترامه.. أما وراء ذلك فسيكون مرجعنا فيه الفقه الإسلامي المتراحب. والاجتهاد المتجدد.. وهما -الفقه والاجتهاد- من نتاج العقل والفكر، اللذين لا يتنافيان بهذه المثابة مع اعتبار الأمة مصدر السلطات.
ثانيًا – لكي تتعاون السلطات الثلاث -التشريعية، والقضائية، والتنفيذية- تعاونًا يحول دون طغيان إحداهن على الآخرين، كما يحول دون تركيز السلطة العامة والسياسة في قبضة دكتاتور مستبد.. نقول لكي يكون ذلك كذلك، فلابد من الفصل من هذه السلطات.
ثالثًا – إذا كان الحاكم، أو الإمام في الإسلام لا تنعقد إمامته ولا إمارته إلا باختيار الشعب، فإن هذا الحق الذي أكده الإسلام -مبدًأ وسلوكًا- يعطى الشعب -تلقائيًا وبداهةً- حقه في اختيار ممثلين له ونواب عنه، يتشكل منهم “برلمان” حر شجاع يدير خواطره ومناقشاته المستمرة حول قضايا الشعب وحقوقه، يكون عونًا للحاكم إذا استقام، ومقومًا له إذا انحرف- وتكون له الكلمة العليا في كل شئون المجتمع السياسية، والعسكرية والاقتصادية، والاجتماعية- حيث يتكون رأيه النافذ عن طريق الاجماع أو الاغلبية.
رابعًا – لكي يحقق هؤلاء النواب مسئوليتهم أمام الشعب الذي اختارهم وانتخبهم، ثم لكي ينقلوا سيادة الأمة من الشارع إلى داخل البرلمان، لابد أن ينتظم معارضة برلمانية، تقف بالمرصاد لكل جنف من الحاكم ولكل محاولة منه لتجريف سيادة الأمة وسلطان نوابها.
خامسًا – وما دامت مصالح الشعب وقضايا حياته وتقدمه متباينة ومتنوعة تنوع الوسائل التي تحققها، فإن ذلك مدعاة لقيام أحزاب سياسية، تتنافس في خدمته، وتسهم في تكوين وعيه السياسي، بل والديني.
سادسًا – ولابد من قيام صحافة حرة تضمن القوانين العادلة حقها في التعبير، والنقد والرفض.. ولا تخضع في ملكيتها، ولا في تنظيم بيتها لغير القانون.
****
هذه جميعا -عناصر الديمقراطية- وهي جميعًا عناصر الشورى في الإسلام.
وإذا اتفقنا على أنها كذلك، فلابد أن توثق هذه الصورة وهذه الحقيقة بكل تفصيلاتها في الدستور أولا. ثم في قانون، أو قوانين تتصدى [تتصدر] كافة قوانين تطبيق الشريعة وتقنينها.
وإذا لم نفعل، فلنفسح الطريق للرياح التي ستذرو ذرو التراب كل مجهوداتنا ومحاولاتنا وأمانينا..!
إن أول ما يجب تقنينه في شريعة الإسلام هو “نظام الحكم”، القائم على الشورى الواضحة.. لا الشورى الغامضة. وعلى الشورى الملزمة، لا الشورى الهازلة. وعلى الشورى بكل مؤسساتها وعناصرها التي سقناها آنفا..
إن المناخ الصالح التطبيق الشريعة هو ذلك الذي يعيش الشعب فيه سيدًا … لا عبدًا.. وآمنًا، لا خائفًا.. ويكون الحاكم فيه رمزًا للسلطة العادلة.
وليس ثمة ضرر ولا خطر يحيقان بالإسلام وبالمسلمين مثل تطبيق الشريعة وتقنينها في ظل حكم مطلق، ودكتاتورية مستبدة غاشمة… فهنالك يحمل الإسلام أوزار وأصار وجرائم هذا النوع من الحكم الدعي والبغي!! وتتحول الشريعة السمحة الغراء إلى (غابة) تعج بكل ذي مخلب وناب.. كما تتحول إلى (قفاز) يستخدمه الحاكم المستبد في ارتكاب جرائمه حتى لا تظهر بصماته الواشية!! وإني لأذكر حكمة رائعة للإمام شيخ الاسلام “ابن تيمية”، يقول فيها: “ليس إمامًا للمسلمين ولا أمينًا على شرع الله، من يطلب الشريعة ليؤسس بها لنفسه سلطانًا بانيًا، ولا من يرشو بأمواله كيما يحصل على الإمامة..!
إن قيام الشريعة وتنفيذ أحكامها في ظل حكم ديمقراطي عادل وأمين ورشيد يجعل منها واحةً، ومرفًأ، وهناءً وفيضًا من السعادة والطمأنينة لا يغيض.. في حين أن استخدام دكتاتور مستبد لها ولنصوصها ولاجتهاداتها، واستغلالها في التمكين لحكمه الطاغي وأهوائه المريضة والحاقدة لن يعدوا أن يكون تحريفًا لدين الله، وكلمة حق يراد بها باطل!!
إنّا لنرسل البصر كرتين إلى هذا الطراز من بعض حكام المسلمين، فينقلب إلينا البصر خاسئًا وهو حسير!!
****
لقد أوردت في مقالاتي السابقة الكثير المبارك من النصوص، ومن الوقائع التي شهدها عصر الوحي، وقول الرسول الله -صلي عليه وسلم- وعمله، وعمل خلفائه الراشدين.. أوردت من ذلك كله ما يؤكد أن الشورى في الإسلام ليست كلمات يتلمظ بها المبطلون، إنما هي نظام المتكامل وثق الرسول وخلفاؤه مبادئه، ثم طبقوا هذه المبادئ، في النماذج التي كانت تلائم وتوائم أعراف ذلك العصر البعيد.
فمثلا- لم يشهد ذلك العصر قيام “برلمانات”، في مستوى “برلمانات” اليوم، بيد أنه شهد من الشورى ومن حق الأمة في الاختيار وفي اتخاذ القرار ما يجعل هذا النظام البرلماني أصدق تعبير عن هذا الذي كان.. بل لقد منحنا أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب”، نموذجًا مناسبًا لما نسميه اليوم بالبرلمان.
يقول الأخ الفاضل الدكتور عبد الحميد اسماعيل الأنصاري في كتابه القيم “الشورى وأثرها في الديمقراطية”:
“لما فتح الله على المسلمين أرض السواد -الشام والعراق- طلبوا من “عمر” -رضي الله عنه- أن يقسم الأرض المفتوحة عليهم باعتبارها غنيمة.. والغنائم تقسم وفق نص الآية الكريمة في سورة الأنفال.. ولكن أمير المؤمنين “عمر” رأى -مجتهدًا- أن الأرض ليست من الغنائم التي تنطبق عليها الآية الكريمة، ووافقه على ذلك بعض كبار الصحابة- منهم “على وعثمان، وطلحة، ومعاذ”، وخالفه آخرون من كبار الصحابة أيضًا- منهم “عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وبلال”، وحاول “عمر” إقناع مخالفیه برأيه فما اقتنعوا.. هنالك جمع المسلمين في المدينة للنظر في الأمر، حيث استقر الرأي على الاحتكام إلى عشرة من الانصار من ذوي الرأي- خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج”.
ويستمر المؤلف في ذكر الواقعة، لنرى أمير المؤمنين يشرح لهذه “اللجنة” التي أحال المؤتمر إليها دراسة القضية.. يشرح لها حجته قائلًا: “أرأيتم هذه الثغور؟ لا بد لها من رجال يلزمونها.. أرأيتم هذه المدن العظام؟ لابد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار الطعام عليهم.. فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الارض ومن عليها؟؟ كيف نقسمها لهؤلاء، وندع من يجيء بعدهم؟؟
وينتهي الأمر باللجنة وبالمؤتمر إلى الموافقة -بعد الاقتناع الكامل- على رأى “عمر”.
أليس هذا نموذجًا للبرلمان؟ وهل لو كانت أعراف الزمان والمكان تألف -منذ ألف وأربعمائة عام- النظام البرلماني في حقيقته وصورته اليوم، أكان الاسلام سيرفضه؟ لقد نقل عمر “نظام الدواوين” عن الروم إبَّان حكمهم في الشام.. أفمن الاثم أن ننقل النظام البرلماني عن الديمقراطيات المعاصرة في الغرب؟!
وما يقال عن “برلمان”، يُقال عن المعارضة.. فللمعارضة في الإسلام قدم صدق، ومقام عظيم!!
حسبنا نزول الرسول على رأى المسلمين في كل ما اختلف فيه الرأي بينه وبينهم.. وحسبنا قول خليفته في خطبة الافتتاح التي استهل بها عهده: “وإن أسأت فقوموني”.. وحسبنا قول “عمر”: “الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بسيفه”..!! وحسبنا ذلك السلوك العام للخلفاء الراشدين، وللخليفة الخامس “عمر بن عبد العزيز” تجاه المعارضة التي هي جزء وثيق من الشورى، وواحد من أهم التعبيرات عنها.
وأما الأحزاب السياسية، فما دام هناك ما تفرضه طبائع الأشياء من تعدد وجهات النظر، وتعدد أساليب العمل تجاه قضايا الأمة ومشكلاتها -لا سيما في عصرنا الذي نعيشه- فإن قيامها لا يدحضه أي نص من قرآن ولا من سنة.. كما أنه ليس ثمة اجماع ولا قياس يوحيان برفضها. والقاعدة الفقهية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”، فمن كان معه من الشرع ما ينقل الإباحة هنا.. إلى المنع والحظر فليأتنا به..!!
إن الأحزاب السياسية ليست ترفًا، إنما هي ضرورة لضمان حرية الرأي، وحرية النقد، وحق المعارضة.. كما أنها اليوم ضرورة لتوعية الشعب سياسيًا، وتكوين القيادات السياسية الصالحة للنهوض بأعباء حكم صالح حين تُدعى لهذا.. ولو لم يكن ثمة دليل على مشروعية الأحزاب إلا أنها من المصالح المرسلة لكان هذا حسبها..
يقول أخونا الفاضل الشيخ محمد الغزالي في كتابه القيم: “مائة سؤال عن الإسلام”:
“الأمة الإسلامية مصدر السلطات التي تنشأ بين ظهرانيها.. أعنى أنها وحدها صاحبة الحق في اختيار الرجال الذين يلون أمرها، وصاحبة الحق في محاسبتهم على ما يقومون به من أعمال. وفي معاقبتهم إن أساءوا، وعزلهم إذا شاءت.. كذلك الشورى في الإسلام، فهي مبدأ مقرر وفريضة محكمة. ولابد من انشاء أجهزتها، وتنظيم إشرافها على شئون الدولة، وتمكينها من تقليم أظافر الاستبداد الفردي وضمان مصالح الجماهير.. إن أجهزة الشورى المنظمة، والمحترمة، والملزمة، هي التي تحفظ حدود الله، وتأخذ على أيدي الظلمة.. وتقي الأمة شرهم، وتنفذ قول الرسول الكريم: “إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”..!!
ثم يقول عن تعدد الأحزاب: “إذا رأى البعض أن الإسلام لا يوجبها، فهو أيضًا لا يحرمها.. هب أن جماعة من الناس تخيرت من مذاهب الفقه الاسلامي أن تؤخذ الزكاة من جميع الزروع والثمار.. وأن تبقى المناجم مِلكًا لأصحابها على أن يؤخذ منها الخمس.. وأن يسوى بين دية الرجل والمرأة.. وأن تباشر المرأة بنفسها عقد زواجها.. وأن تُقبل شهادتها في الدماء والأعراض كما تُقبل في الأموال.. إلخ، ثم وضعت هذه الجماعة منهاجها هذا وعرضته على الأمة، أيكون هذا التصرف ارتدادًا عن الإسلام؟! وهب أن جماعة من الناس رأت أن تضع منهجًا لتصنيع البلاد، أو رأت اتحاد بلادها مع غيرها في أقاليم منفصلة.. أو رأت انشاء سوق إسلامية مشتركة.. أو رأت تطوير أساليب عرض الإسلام مستخدمة في ذلك إمكانات الحكم.. فما الذي يمنع من إنشاء حزب لتحقيق ذلك، سواء ضاق به الخليفة أو رضي.. أليس ذلك أفضل من الاغتيال والكبت والاحتيال وتمكين الجهال من الإمساك بدقة الأمور..”؟!
هذه كلمات داعية رشيد لا ينال دينه وفقهه أدنى اتهام.
****
ولقد أوردت في مقالاتي السابقة تلك القواعد الفقهية والمذهبية، كقول الإمام “ابن القيم”: “ليس للحق ولا للعدل طريق واحدة، فكل طريق يحق الحق ويقيم العدل فهو شرع الله، وأمره، ورضاه..!! وقول شيخ الاسلام (ابن تيمية)- “ليس من حق أحد أن يلزم الناس برأيه واجتهاده، عملا بقول “عمر”: (لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة)- وقول الإمام “الطوفي الحنبلي”: “إذا تعارض النص مع المصلحة، قدمت المصلحة على النص لأنه ما جاء إلا لرعاية مصالح العباد..!!
إن في الشريعة الاسلامية وفقهها الأثير والغزير، ما يجيز -إن لم يحض- على قيام الأجهزة والمؤسسات الديمقراطية التي ذكرناها، والتي تجعل من نظام الشورى في الاسلام حقيقةً، وواقعًا، وملاذًا.. ثم إننا نملك حق الاجتهاد الذي فتح الإسلام جميع أبوابه، وتركها مفتوحة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هذا الاجتهاد حق ثابت لكافة أجيال الأمة المسلمة وجميع عصورها بنص حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله”.. إذن فلكل جيل من أجيال المسلمين عدوله الذين يحق لهم الاجتهاد وصولًا إلى تحقيق مقاصد الشريعة وهديها.
وبعد، فمرة أخرى أقول: إن أي محاولة لتطبيق الشريعة الاسلامية، لا تبدأ -أولا وقبل كل شيء- بتطبيق وتقنين نظام الحكم وفق مبادئ الإسلام العظيمة القائمة على تقديس الحرية، وجعل سلطة الأمة فوق سلطة الحاكم- ستكون عبئًا على الإسلام ذاته، الذي سيحمل آنئذ كل أوزار الحاكم المستبد وكل جرائمه..!!
وعلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ألا يصدقوا أي حاكم يفرض عليهم حكمًا مستبدًا مطلقًا تحت عنوان “تطبيق الشريعة”..!! فالشريعة من هذا براء!! وإذا أراد المبشرون بالشريعة والداعون في صدق إلى تطبيقها ألا يكونوا كمن يحرث في البحر، وألا يلحقوا بدينهم سوء السمعة وسوء المنقلب، فليبدأوا من هنا.. من تقنين نظام الحكم وفق الشورى الصحيحة.. تقنينًا مفصلًا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من هذا النظام إلا بيَّنها وأحصاها..
فالشورى الملزمة، والبرلمان الممثل للأمة تمثيلًا صادقًا، والمعارضة التي تكبح جماح الحاكم وجموحه، والأحزاب التي تتبلور في مناهجها أهداف الشعب القريبة والبعيدة، والفصل بين السلطان.. كل هذه من صميم الشورى كنظام سياسي متكامل يستلهم مقاصد الشريعة ويحترم روح المعاصرة.. وحين نستهل تقنين الشريعة بـ “بسم الله الرحمن الرحيم” فيجب أن يتلوها مباشرة، وقبل أي شيء آخر، القانون الذي يفصل حقوق وواجبات وشكل نظام الحكم الذي تهتف به الديمقراطية والشورى.
هذا نذير يجيء في أوانه.. وكلمة حق أقولها والحاجة إليها أعظم ما تكون.. والحمد لله الذي وفق، وهدى، وأعان.
* مقال منشور ضمن الكتيب غير الدوري: حقوق الإنسان العربي، والذي تصدره المنظمة العربية لحقوق الإنسان، في 30 من مارس 1985م، ص7-12 (وقد نشره الكتيب نقلا عن مجلة المصور المصرية، التي سبق أن نشرت المقال المذكور بتاريخ 14 من مارس 1985م، ضمن حلقات حديث أ. خالد محمد خالد عن “الديمقراطية والإسلام”، المقال الثامن).