الفردانية والحرية والقانون*

By أ. نبيل عبد الفتاح** كانون2/يناير 19, 2026 293 0

الحداثة القانونية تمثل أحد أهم إنجازات التحولات في الفكر الغربي نظريًا وتطبيقيًا في ظل أطر الرأسمالية الغربية وتشكلات مفهوم الأمة والفرد والفردانية، والعلامة المفصلية على تجسيدات وتجليات مفهوم التقدم، وتأثيراتها على التفاعل مع الحداثة الفلسفية والسياسية والاجتماعية في النماذج الديمقراطية الليبرالية التمثيلية، ومن ثم كانت، ولا تزال -حتى التحول إلى النيوليبرالية الرأسمالية الكونية- دولة القانون والحق أحد محركات تطور العلاقة الجدلية بين الرأسمالية وتطوراتها، وبين القانون والحرية. كانت البنى الرأسمالية، ومصالح القوى المسيطرة على الإنتاج وعلاقاته وفوائضه، تفرض مصالحها على السلطات التشريعية والتنفيذية، التي تنحاز لها في تفضيلاتها للمصالح المتصارعة، وتفرضها في القوانين التي تنتجها وتقررها، وتنفذها السلطة التنفيذية وأجهزتها المختلفة. من ثم كانت القوانين تعبيرًا عن المصالح المسيطرة في الرأسمالية الليبرالية.

مع تطور الرأسمالية والنظم الليبرالية التمثيلية، ومعها الثقافة السياسية، ظهرت وتنامت أدوار الطبقات العاملة والفلاحين، والنقابات والجماعات المعبرة عن مصالحهم، وأيضًا الأحزاب السياسية الحاملة لمصالحهم أو بعضها، والمعبرة سياسيًا عنهم في الحياة السياسية والانتخابات العامة، وأيضًا الدور المهم الذي قامت به الصحف والمجلات، على نحو أدى إلى تبلور وتجسد هذه المصالح سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ومن ثم إلى تبني بعض هذه المصالح لاعتبارات تتصل بالاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول الأوروبية، وثقافاتها القانونية الإنجلوساكسونية واللاتينية والألمانية. من هنا دخل مفهوم التوازن بين المصالح المتصارعة والمتعارضة في الثقافة القانونية للمشرعين والسياسيين، والميل نسبيًا في عديد الأحيان إلى مراعاة بعض مصالح الطبقات الوسطى والعمالية والفلاحية في بعض من التشريعات المختلفة في بعض المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما تنامى مع دولة الرفاه ونظام الضمانات الاجتماعية.

ظل القانون الوضعي الغربي –أيًا كانت الفلسفة القانونية وتقاليدها ومرجعياتها التاريخية- هو تعبير عن مصالح القوى المسيطرة والرأسمالية وأقطابها ومؤسساتها وشركاتها وأرباحها واستثماراتها وفوائضها، مع مراعاة بعض مصالح الطبقات الاجتماعية الوسطى والشعبية العاملة والفلاحية. مع تطور الثقافة السياسية الليبرالية، والانفصال والتمايز بين الوضعي/ القانوني، وبين الميتاوضعي -الديني وعقائده ومقدساته وسردياته التاريخية وأخلاقياته-، خرج الميتاوضعي الديني عن عمليات إنتاج التشريعات، وباتت السياسات التشريعية رهينة صراعات القوى والطبقات الاجتماعية وسلطات الدولة وأجهزتها وصراعاتها وتنافساتها، التي تمثل أحد أبرز سمات الدولة القومية الليبرالية ودينامياتها وتطوراتها. أدت الصراعات بين المصالح المتعارضة إلى تطور الثقافات السياسية الليبرالية التي أدت إلى ميلاد الفردانية والفرد كفاعل اجتماعي، ومن ثم إلى نشأة المجتمعات المدنية بين الدولة والمجتمع والأفراد، ودورها الفاعل في الدفاع وحماية مصالح القوى الاجتماعية والجماعات المهنية والوظيفية وغيرها.

لا شك في أن دور المجتمع المدني ووظائفه في الدفاع عن الحقوق والمصالح والحريات العامة، أسهم في حركية النظم الليبرالية الغربية وتطورها في عديد المجالات. ارتبط القانون الغربي الأوروبي والأمريكي –ونظائرهما- بالفلسفة ومرجعياتها ورموزها المتعددة المصادر، والتي ركزت على أهمية القانون في علاقته بالدولة والسياسة والقيم والمصالح، ومن ثم السلطات الحاكمة، من منظور علاقة القانون بالسياسة وأن القانون ليس محض تابعًا آليًا لها، وتناقضاتها، وإنما مؤثر عليها، خاصة في ظل تأصل الحريات العامة والفردية، على نحو جعل من القوانين أحد أبرز الأنساق الداعمة للحريات والدفاع عنها وحمايتها من تغول أي سلطة من السلطات الثلاث، بل ومن بعض القوى الرأسمالية المسيطرة، وذلك في إطار توزيع القوة بين السلطات الثلاث، خاصة استقلال السلطة القضائية وجماعات القضاة، وذلك كركيزة أساسية لحماية الحقوق الفردية والحريات العامة. استقلال القضاء والقضاة –مع تطور الرأسمالية وموازين القوى وصراعاتها والليبرالية وحركية الحياة السياسية- أدى إلى دعم الفردانية والفرد، ودورهما في تطور الحياة السياسية، وأيضًا في إنماء الثقافة السياسية الليبرالية. في جدليات بين السياسة والقانون والاقتصاد.

بات احترام القانون إحدى علامات الديمقراطيات الليبرالية التمثيلية ودولها ومجتمعاتها وأفرادها وجماعاتها، وذلك لاعتبارات أخرى تتكامل مع العوامل السابقة، ويمكن رصد بعضها فيما يلي: تولي نظم التنشئة الاجتماعية، في الأسرة والمدرسة والجامعة.. إلخ أهمية كبيرة على ضرورة احترام القانون في الحياة العامة والفردية وفي العلاقات مع الآخرين. التنشئة السياسية، في المدرسة والجامعة والأحزاب السياسية.. إلخ، تركز على أهمية احترام القوانين في جميع تفاصيلها ومجالاتها، لأنها هي المنظمة للعلاقات الاجتماعية والحامية للحريات والحقوق الفردية والعامة، واحترام أجهزة نفاذ القانون. التكوين الفردي التعليمي والثقافي العام على الوعي بضمانات حماية الحقوق والحريات من القضاء المستقل واللجوء إليه، حال انتهاك هذه الحقوق من أجهزة الدولة أو الأفراد. أسهمت أجهزة الإعلام المسموع والمرئي والصحف والمجلات، في الكشف عن انتهاكات الأفراد أو السياسيين أو أجهزة الدولة القوانين والحريات، أو أشكال الانحراف الوظيفي والفساد الإداري والسياسي على نحو أسهم في تكريس وإنماء حساسية الوعي الفردي والجمعـي باحترام القانون وسيادته على الجميع في الدولة والمجتمع معًا.

علاقات الدولة والقانون والحريات تبدو في طور من السيولة، وبعض من الارتباكات في عالم في طور التحول وفائق السرعة، وتتآكل معه مفاهيم وتقاليد وموروثات وثقافات قانونية وعلميّة وغيرها.

 

* نبيل عبد الفتاح، الفردانية والحرية والقانون، جريدة الأهرام، 8 يناير 2026، https://bit.ly/49wBbWE

** هو صحفي وباحث مصري، متخصص في شؤون الجماعات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، حصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1974، ثم الماجستير من جامعة السوربون الفرنسية في صراع الحضارات عام 1984. كان يشغل منصب مساعد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلي أن أصبح رئيس مركز تاريخ الأهرام في 12 أغسطس عام 2009، وهو مختص في شئون الجماعات الإسلامية، ورئيس تقرير "الحالة الدينية في مصر"، وله عدة كتب في هذا المجال منها: المصحف والسيف، وسياسات الأديان، والحرية والمراوغة، النص والرصاص، وبالإنجليزية "العنف المحجوب".

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 19 كانون2/يناير 2026 18:38

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.