العقل القانوني النصوصي .. وأزمات الدولة العربية*

By أ. نبيل عبد الفتاح** كانون2/يناير 26, 2026 307 0

نظرة طائر على الحياة اليومية العربية، تشير إلى تمدد الفوضى في بعض المدن والأرياف والبوادي، حيث ارتفاع معدلات الانفجار السكاني، والزيادات المستمرة للسيارات العامة والخاصة، ويثور السؤال الذي يتردد دائمًا دون توقف: أين القانون الذي ينظم علاقة «المواطن» بالقانون؟ لماذا لا يهتم الفكر القانوني والسياسي بمسألة الدولة والقانون والحرية والفوضى في عالمنا العربي حال استقرار وقوة النظام السياسي التسلطي؟ لماذا يقارن المثقفون، وغيرهم من المتعلمين، بين سيادة القانون في المجتمعات الأكثر تقدمًا في شمال العالم، وبين الفوضى واللانظام في حياتنا اليومية العربية؟

المقارنات بين وضعية القانون واحترام المواطنين لقواعده في المجتمعات الغربية المتقدمة، مختلفة تمامًا عن بعض الحالات العربية وثقافة الفوضى، ومرجع ذلك إلى الأنظمة القانونية – اللاتينية، والأنجلوساكسونية، والألمانية الجرمانية- وعلى الرغم من جذورها التاريخية في القانون الروماني والثقافة اليهودية المسيحية، هي أهم إبداعات العقل الفلسفي والقانوني والسياسي الحداثي الأوروبي والأمريكي، ومن ثم كان القانون تعبيرًا عن الحداثة والتحديث، ومن ثم تطورات النظام الاجتماعي والسياسي، والثقافة المدنية والرأسمالية، وهي تجارب تاريخية بالغة الصعوبة والتعقيد حتى الرأسمالية النيوليبرالية. من ثم كانت هذه التجارب وليدة صراعات طبقية ضارية من الإقطاع إلى البورجوازية والرأسمالية، وتشكل البنى الطبقية والأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني والفردانية والفرد، والحريات الشخصية والعامة، وهي تشكلات كانت وراءها صراعات وكفاح من الطبقات الوسطى والعمالية والفلاحية والمواطنين، والأحزاب والجماعات، ولا تزال. ومن ثم لم تسقط القوانين نسبيًا من أعلى السلطة على المواطنين، وإنما كانت القوانين جزءًا من السعي لتحقيق مصالح كل طبقة أو فئة اجتماعية لمصالحها عبر ممثليها من الأحزاب السياسية والجماعات النقابيّة والمهنية، في ظل مجتمعات شهدت ثورات كبرى، وأيضًا مسألة الحرية كجزء من الثقافة السياسية والقانونية، وتنظيمها على نحو يؤدي إلى ضمانات لتحقيقها في الواقع الموضوعي ومشكلاته.

القوانين الحديثة في عالمنا العربي، جاءت قبل الاستقلال وبعده، من المرجعيات الأوروبية والدول التي استعمرت بلداننا –فرنسا وبريطانيا وإيطاليا-، وهي قوانين ولدت من أرحام الليبرالية الغربية، والعلمانية، والتمايز بين القوانين والأديان، ومن حركة الطبقات الاجتماعية نحو صون الحريات والمصالح الاجتماعية في ظل الطبقة المسيطرة ودفاعها عن مصالحها، وتبني مصالح القوى الاجتماعية الأخرى لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وأيضًا الوعي القانوني لدى الأفراد بأهميته في تنظيم الحريات، وأيضًا في حمايتها وتحقيق الاستقرار والأمن المجتمعي. في بعض مجتمعاتنا العربية، لم تكن البنيات الاجتماعية متبلورة كطبقات لأنها مجتمعات انقسامية، وللقيود المختلفة على الحريات تحت نير الاستعمار، أو النظم التسلطية بعد الاستقلال. بدا القانون الغربي الحديث في الوعي شبه الجمعي وكأنه غريب عن ثقافة الأعراف والتقاليد والقواعد المستمدة من القواعد الدينية العقيدية والعرفية الشعبية.

الفكر السياسي العربي – الليبرالي، والقومي، والماركسي - لم يكن يهتم كثيرًا بمسألة الدولة والقانون والحريات العامة والفردية إلا قليلًا، وركز على قضايا السيادة الوطنية، ومفاهيم الحرية، والاستقلال الوطني، وقضايا التبعية، وضرورة التنمية المستقلة، لا سيما عقب الاستقلال والصراع بين الكتلة الرأسمالية الغربية والكتلة السوفيتية الاشتراكية والصين وحركة عدم الانحياز. ركز الفكر السياسي القومي والماركسي على التنمية المستقلة والحقوق الاجتماعية ومفاهيم العدالة الاجتماعية، وبعضهم ركز على نقد النظم السياسية، وقلة – من الماركسيين – ركزت على القانون وأهميته في تنظيم الحريات وعلاقته بالمصالح المسيطرة بعد الاستقلال.

الفقه القانوني الوضعي في كليات الحقوق ركز على تقاليد الدرس الأكاديمي الأوروبي الشكلاني الوضعي في دراسة القوانين – العام الدستوري والإداري، والقانون الخاص المدني والتجاري والأحوال الشخصية.. إلخ - في نزعة تجريدية وعامة لقواعد القانون في حالة انفصال عن الأبعاد الطبقية والاجتماعية والوعي الفردي والجمعـي بالقوانين وأهميتها، أو في علاقتها بالثقافات الشعبية في المجتمع العربي، ومن ثم لم تحدث متابعات لدراسات علم الاجتماع القانوني في الدراسات الغربية أو بعض من استمداداتها في كتابات بعض من أساتذة علم الاجتماع العرب على قلتها. بعض الكتابات القانونية الماركسية القليلة المترجمة وبعضها المؤلف الذي يعيد إنتاجها، تناولت نظريًا مسألة القانون والدولة البورجوازية المسيطرة، وأثرها على مضمون المصالح المسيطرة التي يحميها القانون وقواعده، وهي كتابات مستمدة من متن القانون النظري الماركسي على عمومياته وتجريداته النظرية فقط، دونما ترجمة لتطبيقات هذه الأطروحات الفلسفية القانونية على الواقع الفعلي في المجتمعات الغربية، أو إنزالها تطبيقًا على علاقة القوانين بالدولة السوفيتية –السابقة -، والدول الشيوعية قبل انهيارها! من ثم ظلت محض كتابات نظرية وتجريدية وفلسفية عامة، وذات طابع تبشيري، ومحدودة التأثير لدى القانونيين من الماركسيين، أو لدى «الكوادر» الحزبية للأحزاب الشيوعية العربية، ومن ثم لم تكن على قائمة اهتماماتها الأيديولوجية والسياسية إلا قليلًا في مناقشة بعض القوانين، ومرجع ذلك أيضًا أن غالب هذه الأحزاب كانت محجوبة عن الشرعية السياسية والقانونية، أو جزءًا من ائتلافات و«جبهات قومية».

مع تبني النظم السياسية العربية النيوليبرالية الرأسمالية، زاد تضخم القوانين والنزعة التجريمية والعقابية في عديد المجالات، وهو ما أدى إلى فجوات بين الوعي الجمعي وانهمار التشريعات واللوائح التنظيمية والقرارات الإدارية، على نحو فاقم الفجوات الواسعة ما بين غالبية «المواطنين» وبين القانون ومصالحهم الاجتماعية، وهو ما ساهم في تمدد قانون الفوضى واللانظام والمكانة، على الرغم من التجريم والعقاب الذي فقد بعضًا من ردعه العام والخاص في بعض المجتمعات والدول العربية، في عالم وواقع مضطرب.

 

* نبيل عبد الفتاح، العقل القانوني النصوصي .. وأزمات الدولة العربية، جريدة الأهرام، 15 يناير 2026، https://bit.ly/49wBbWE

** هو صحفي وباحث مصري، متخصص في شؤون الجماعات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، حصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1974، ثم الماجستير من جامعة السوربون الفرنسية في صراع الحضارات عام 1984. كان يشغل منصب مساعد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلي أن أصبح رئيس مركز تاريخ الأهرام في 12 أغسطس عام 2009 بقرار من الدكتور عبد المنعم سعيد وهو مختص في شئون الجماعات الإسلامية ورئيس تقرير الحالة الدينية في مصر، وله عدة كتب في هذا المجال منها: المصحف والسيف، وسياسات الأديان، والحرية والمراوغة، النص والرصاص، وبالإنجليزية "العنف المحجوب"، وأخرى.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الثلاثاء, 03 شباط/فبراير 2026 09:22

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.