أثر الدين في النظم القانونية: دراسة مقارنة بين الإسلام والمسيحية*

By د. فاطمة محمد عبد الوهاب** تشرين1/أكتوير 11, 2023 1693 0

تمثل هذه الدراسة، التي أعدتها الباحثة فاطمة محمد عبد العليم عبد الوهاب لنيل درجة الدكتوراه تحت إشراف الدكتور صوفي أبو طالب، محاولة جادة للاشتباك مع واحدة من أعقد الإشكاليات في فلسفة القانون، وهي جدلية العلاقة بين "المقدس" و"الوضعي"، أو الدين والقانون. تنطلق الأطروحة من إشكالية جوهرية تتمحور حول تتبع الجذور العقدية للنظم القانونية، في محاولة لتفكيك السردية العلمانية التي تفترض قطيعة تامة بين تطور القانون وبين الدين. وتتجاوز الدراسة مجرد السرد التاريخي لتتبنى منهجًا تحليليًا مقارنًا، يسعى لاستقصاء كيف شكّل الدين الإسلامي والمسيحي البنية التحتية للقوانين القديمة والمعاصرة، وصولًا إلى إثبات أطروحة مركزية مفادها أن الدين هو المصدر الأصيل والأول للقاعدة القانونية، وأن محاولات الفصل التام بينهما في العصر الحديث قد أدت إلى اختلالات قيمية واجتماعية، مما يستدعي إعادة النظر في "علمنة القانون" والدعوة للعودة إلى الأصول الدينية للتشريع، لا سيما في النموذج الإسلامي الذي يقدم نسقًا شموليًا لا يعرف تلك الثنائية الغربية بين الدين والدولة.

بالفصل التمهيدي؛ قدمت الباحثة تأسيس يكرس لتأصيل المفاهيم الكبرى، حيث تبدأ الباحثة بتشريح ظاهرة "الدين" كنزعة فطرية أصيلة في النفس البشرية، مستعرضة النظريات الفلسفية والأنثروبولوجية المختلفة حول نشأة الدين (من التطورية إلى المؤلهة)، لتخلص إلى نقد الرؤى المادية والتأكيد على "فطرة التوحيد"، ثم تنتقل في سردية متصلة لمناقشة "العلمانية" بوصفها إشكالية غربية المنشأ نتجت عن الصراع التاريخي مع الكنيسة، موضحة كيف أدى هذا السياق الأوروبي الخاص إلى تهميش الدين وحصره في المجال الخاص، ومقارنة ذلك بالموقف الإسلامي والماركسي، لتنتهي في هذا التمهيد إلى إثبات العلاقة العضوية والتاريخية بين الدين والقانون، وكيف أن القواعد القانونية الأولى ولدت في أحضان المعابد وعلى ألسنة الكهنة كأحكام إلهية ملزمة.

في القسم الأول من الكتاب، الذي يختص بدراسة "أثر الدين في النظم القانونية القديمة"، حيث تغوص الباحثة في عمق التاريخ لتقارن بين أثر الإسلام في البيئة العربية (التقاليد العرفية قبل الإسلام ثم التشريع الإسلامي) وأثر المسيحية في البيئة الرومانية (القانون الروماني)، وينقسم هذا القسم داخليًا إلى بابين رئيسيين؛ يتناول الأول "نظام الأشخاص"، محللة كيف صاغ الدين مفاهيم الأهلية والأسرة والقرابة، بينما يعالج الباب الثاني "نظام الأموال"، متتبعة أثر المعتقدات الدينية في نشأة مفاهيم الملكية والعقود وتحريم الربا، لتؤكد عبر هذا السرد التاريخي أن القوانين الوضعية القديمة لم تكن سوى صدى للمعتقدات الدينية السائدة.

وبالقسم الثاني، الذي يناقش "التحول عن تطبيق الشريعة والقانون الكنسي وأثره في القوانين المعاصرة"، وهو الجزء الذي يربط التاريخ بالواقع المعاصر، تستعرض الباحثة في هذا الجزء كيف تراجع دور الدين كمصدر رسمي للقانون في الدول الغربية (عبر تهميش القانون الكنسي) وفي الدول الإسلامية (عبر التأثر بالقوانين الغربية)، ثم تنتقل في الباب الأخير لطرح رؤيتها حول "موجبات العودة"، مناقشة الضرورة الاجتماعية والأخلاقية لإعادة الاعتبار للشريعة الإسلامية والقانون الكنسي كمصادر ملزمة، ومقدمة رؤية استشرافية لإمكانية تطبيق ذلك في النظم المعاصرة لإنقاذ المجتمع من السيولة القيمية التي خلفتها العلمانية القانونية.

وبشكل عام؛ يرتكز البناء النظري للكتاب على شبكة من المفاهيم المركزية التي صيغت بدقة، يأتي في مقدمتها مفهوم "القانون الكنسي"، الذي تستخدمه الباحثة للإشارة إلى النظام التشريعي الذي طورته الكنيسة الكاثوليكية لتنظيم حياة الجماعة المسيحية، وتميزه عن القانون المدني. كما يبرز مفهوم "العلمانية" لا كمجرد فصل للدين عن الدولة، بل كحركة تاريخية وفلسفية نشأت في سياق غربي محدد لإزاحة "المقدس" لصالح "الزمني"، ومقابلها يظهر مفهوم "الفطرة" الذي توظفه الباحثة كأداة تفسيرية لنشأة الدين والقانون معًا، معتبرة أن التدين غريزة تسبق الاجتماع السياسي. وأخيرًا، يحضر مفهوم "الأصل الإلهي للقانون" كركيزة نظرية تناقض نظريات العقد الاجتماعي، حيث ترى أن الإلزام القانوني الأول كان نابعًا من الخوف من العقاب الأخروي قبل أن يتحول إلى جزاء مادي دنيوي.

ختامًا، يمثل هذا العمل إضافة نوعية للمكتبة القانونية العربية، وتكمن قيمته الحقيقية في قدرته على البرهنة -عبر الاستقراء التاريخي والمقارن- على أن "علمنة القانون" هي استثناء تاريخي وليست القاعدة، وأن النموذج الإسلامي يمتلك خصائص بنيوية تجعله عصيًا على الفصل بين التشريعي والعقدي. ورغم أن الدراسة قد توغلت كثيرًا في الجوانب التاريخية والأنثروبولوجية لنشأة الدين مما قد يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن صلب القانون الوضعي، إلا أن هذا التأسيس كان ضروريًا لخدمة الأطروحة المركزية، مما يجعل الكتاب مرجعًا هامًا في فلسفة القانون وتاريخ النظم، ووثيقة دفاعية رصينة عن صلاحية الشريعة كنظام قانوني متكامل.

 

لتحميل ملف رسالة الدكتوراه (هنا)

 

* فاطمة محمد عبد الوهاب، أثر الدين في النظم القانونية: دراسة مقارنة بين الإسلام والمسيحية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، دار النهضة العربية، القاهرة: 2001م.

** أستاذة فلسفة القانون وتاريخه بكلية الحقوق جامعة بني سويف، وتُعد أول سيدة تترشح لمنصب عميد الكلية. تشغل حاليًا منصب وكيل الكلية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، وسبق لها تولي منصب وكيل الكلية لشؤون الدراسات العليا والبحوث. تمتلك مسيرة أكاديمية حافلة بدأت بتعيينها معيدة عام 1989، وصولًا إلى درجة الأستاذية عام 2020، ولديها العديد من الأبحاث العلمية والمؤلفات القانونية، بالإضافة إلى خبرات واسعة في العمل العام، حيث كانت عضوًا في المجلس القومي للمرأة بمحافظة بني سويف ومحامية لدى محكمة النقض والدستورية العليا.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 03 كانون2/يناير 2026 19:02

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.