يسلط الدكتور عبد المنعم النمر** في كتابه "الاجتهاد" الضوء على هذه القضية المحورية، وينطلق الكاتب من حقيقة أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، ولكن هذه الصلاحية لا تتحقق بالوقوف عند ظواهر الأحكام الموروثة بل بالتحرك الفكري الدائم لمواجهة المستجدات وتجسير الفجوة بين الفقه والواقع.
وأوضح د. النمر -في مقدمته للكتاب- أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كانوا يتحركون دائمًا وفق عاملين أساسيين: الأخذ بالنصوص القطعية، ومراعاة المصلحة العامة والظروف المحيطة وتغيرها عند استخراج الأحكام. مؤكدًا أن الأئمة الكبار وتلامذتهم لم يقدسوا آراء بعضهم بل اختلفوا رحمةً بالناس وتماشيًا مع تبدل الأحوال.
ودرس د. النمر مفهوم الاجتهاد من الناحية اللغوية والاصطلاحية، وأشار إلى إن نصوص الشريعة تنقسم إلى: نصوص قطعية الدلالة لا مجال للاجتهاد فيها لأن معانيها محددة بوضوح كالعقائد والفرائض الأساسية، ونصوص ظنية الدلالة تحتمل وجوهًا متعددة وهي الميدان الحقيقي للاجتهاد.
ويرفض الدكتور النمر الفهم الخاطئ والشائع لقاعدة "لا اجتهاد مع وجود النص"، موضحًا أن المقصود بالنص هنا هو النص القطعي الدلالة فقط، أما النصوص الظنية فإن وجودها في حد ذاته يستوجب الاجتهاد والتدبر لفهم مراميها وتنزيلها على الواقع.
وأفرد مساحة واسعة لدراسة السنة النبوية وعلاقتها بالاجتهاد، مشيرًا إلى أن السنة تأتي إما مطابقة للقرآن، أو مبينة ومفصلة ومخصصة له، أو منشئة لأحكام جديدة لم ترد في النص القرآني. ويثير تساؤلًا هامًا حول ما إذا كان ما نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم يعد وحيا، موضحًا بالدليل والقرائن والوقائع التاريخية أن تصرفات النبي لم تكن كلها تشريعًا عامًا بوحي مباشر. فالنبي بصفته البشرية كان يجتهد في شؤون الحياة العادية كأمور الزراعة، والطب، والنوم، والطعام، واللباس، وهي أمور جبلية وعادية لا تدخل في الوحي التشريعي الملزم.
ويتناول بعد ذلك قضية الإجماع كأحد الأدلة التشريعية، مبينًا أنه يأتي في المرتبة الثالثة لمنع التشتت والجمود، ولكنه يوضح الخلاف الأصولي الكبير حول إمكانية وقوع الإجماع الفعلي وحجيته المطلقة. ويستعرض مواقف بعض الأصوليين والمحدثين الذين رأوا صعوبة تحقق إجماع حقيقي وشامل لجميع المجتهدين في كل بقاع الأرض، خاصة بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتفرق العلماء. ويبين الكاتب أن الإجماع الذي استند إليه الفقهاء قديمًا في بعض القضايا الاجتهادية مثل التسعير أو قضايا الطلاق الثلاث لم يكن يمنع الصحابة ولا التابعين من مراجعة هذه الأحكام عندما تغيرت المصلحة والظروف، مما يؤكد أن الإجماع في المسائل الاجتهادية والظنية ليس كالنص القطعي المحكم، بل يدور مع المصلحة وجودًا وعدمًا.
وعالج الدكتور النمر سؤال "ولماذا الاجتهاد؟ وهل هناك حاجة إليه؟" موضحا أن الحوادث والوقائع التي تطرأ على الناس متجددة ولا نهائية، بينما النصوص الشرعية متناهية، وبناءً عليه يستحيل حصر الأحكام وتجميدها في قالب زمني محدد دون الاستعانة بالاجتهاد والقياس المتجدد لتغطية تلك المستجدات.
واستعرض الدكتور النمر مسيرة الاجتهاد التاريخية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حرص على تدريب صحابته على ممارسة هذا النشاط العقلي في حياته تمهيدًا لقيامهم بالعبء بعد انقطاع الوحي بوفاته. مستشهدا بالوقائع الشهيرة مثل حديث معاذ بن جبل وقبوله واحتفائه بمنهج معاذ في الاجتهاد برأيه عند غياب النص، وكذلك اجتهاد الصحابة في فهم أمره بالصلاة في بني قريظة وإقراره للطائفتين اللتين اجتهدتا.
وقدم كذلك نماذج من اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم بعد انتقال الرسول للرفيق الأعلى، ويبين كيف كانوا يتعاملون بروح الشريعة ومقاصدها لا بظواهر ألفاظها مجردة. وتطرق كذلك لاجتهادات جيل التابعين الذين ساروا على نهج الصحابة في تقديم المصلحة وإجراء التعديلات التشريعية الضرورية لتنظيم المجتمع ومن هذه الاجتهادات: مسألة التسعير؛ إذ كان الامتناع عن التسعير هو الحكم الأصلي تماشيًا مع موقف الرسول، ولكن عندما استشرى الجشع بين التجار واستغلوا حاجات الناس، أباح التابعون التسعير حماية للمشترين وإقامةً للعدل. وقبول توبة المحارب قبل القدرة عليه وتأثير ذلك على العقوبة، وإباحة إعطاء بني هاشم من الزكاة بعد حرمانهم من نصيبهم المخصص من الغنائم.
وناقش الدكتور النمر أطروحة الفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي حول "المصلحة" وتقديمها على النص في مجال المعاملات عند التعارض. وبسط الفارق بين العبادات التي لا يجوز تبديلها أو تغييرها، والمعاملات التي جعل الشارع مدارها الأصلي تحقيق مصالح الخلق ودرء المفاسد عنهم.
وبحث المبدأ الأصولي "الأحكام تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات". ووضح أن الحكمة الإلهية في تدريج التشريع وفي اختلاف الأحكام بين العهدين المكي والمدني تدل بوضوح على مراعاة الظروف والواقع الاجتماعي والبيئي عند إصدار الأحكام.
ثم انتقل لتعريف "السياسة الشرعية" بوصفها فرعًا أصيلًا يتيح لولاة الأمر والعلماء اتخاذ قرارات تخدم الصالح العام وتدفع الفساد حتى وإن لم تستند لنصوص تفصيلية مباشرة، طالما أنها لا تصطدم بأصل قطعي من أصول الدين. واستشهد بآراء كبار الفقهاء كابن تيمية وابن القيم وابن عقيل، مبينًا كيف وظفوا السياسة الشرعية لتأصيل قوانين العقوبات الإدارية والتعازير وتنظيم شؤون الدولة والمال بما يحفظ الأمن العام ويمنع استغلال الضعفاء وسوء الإدارة.
ويتتبع د. النمر أسباب الجمود وإغلاق باب الاجتهاد، عازيًا ذلك لتدخل السلطة السياسية لفرض مذاهب وتوجهات كلامية معينة ونشوء التعصب المذهبي، وفقدان شجاعة الاستنباط، وتراجع الدعمين المالي والسياسي للمجتهدين. ويقرر جازمًا أنه لا توجد وثيقة شرعية تقضي بإغلاق باب الاجتهاد، بل إن الباب قد سد تدريجيًا نتيجة الكسل النفسي والاستسلام للتقليد وعجز المتأخرين عن تلبية شروط الاجتهاد.
وانتقل د. النمر بعد ذلك إلى مناقشة نماذج للمستجدات المعاصرة وما تستدعيه من اجتهاد فعرض باستفاضة لقضية التأمين وقدم لآراء المجيزين والمانعين، وذكر قضايا أخرى مثل الربا وفوائد البنوك والقروض البنكية.
وأنهي الدكتور عبد المنعم النمر كتابه بدعوة الأمة الإسلامية ومفكريها لاستئناف السير وبعث حركة الاجتهاد العقلي من جديد وتجاوز عقدة النقص الفكري. وأكد أن الاستجابة لتحديات العصر والتحرك الجاد للاجتهاد والتأمل هو السبيل الأوحد لاستعادة الشريعة الإسلامية حيويتها وقيادتها الأخلاقية والتشريعية للحضارة الإنسانية.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)
* النمر، عبد المنعم. الاجتهاد. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987م.
** الدكتور عبد المنعم أحمد النمر (1913–1991) هو عالم دين مصري وأحد مسؤولي الأزهر الشريف، تخرج في كلية أصول الدين عام 1939م ونال شهادة العالمية، وتدرج في العمل الدعوي والإداري حتى عُين وكيلاً للأزهر الشريف عام 1978م، ثم تولى وزارة الأوقاف المصرية في الفترة من 1979 إلى 1980م، إلى جانب عضويته في مجمع البحوث الإسلامية. وتركزت أبرز أعماله التنفيذية في قيادة حملة قانونية لإزالة التعديات واسترداد الأملاك التابعة لهيئة الأوقاف، والإشراف على إدارة البعثات والثقافة بالأزهر، وتنظيم العمل الدعوي في سيناء بعد تحريرها، كما ترك عدة مؤلفات منشورة تبحث في التاريخ والفكر الإسلامي، من أبرزها كتاب "الإسلام في الهند" الذي يوثق تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية، وكتاب "الشيعة، المهدي، الدروز" لبحث نشأة هذه المذاهب، وكتاب "الاجتهاد" في أصول الفقه المعاصر، وكتاب "الإسلام والشيوعية" لمناقشة الفلسفة المادية.
يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.