كتاب "التشريع الإسلامي وأثره في الفقه الغربي"*

يُعد كتاب "التشريع الإسلامي وأثره في الفقه الغربي" مصنفًا تشريعيًا وتاريخيًا رائدًا للعالم الكبير الدكتور محمد يوسف موسى (1317-1383هـ)، أحد كبار علماء الأزهر الشريف. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف عام 1441هـ/2020م بتقديم علمي منهجي قيّم للمفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد عمارة.

وذكر د. عمارة في مقدمته أن في هذا الكتاب "التشريع الإسلامي وأثره في الفقه الغربي" نرى الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى فقيهًا في الشريعة الإسلامية، وفي القوانين الوضعية، القديم منها والحديث، الغربي منها والشرقي، وصاحب قدرة ملحوظة على المقارنة بين هذه المنظومات القانونية، وصاحب ملكة علمية في هذه المقارنات.

ونظرًا لأن الكتاب لم ينقسم في هيكله إلى أبواب وفصول تقليدية، بل إلى موضوعات متوالية تحت عناوين مختلفة، فضلنا أن نستعين بما ضرب د. عمارة -في مقدمته المطولة- من أمثلة جلية على هذه الحقائق، أبرز من خلالها أهم معالم الكتاب وأفكاره:

- لكل أمة وحضارة مقومات ذاتية تميزها وتطبع معامل نهضتها وتقدمها، وعلى رأس هذه المقومات تأتي اللغة والدين والنظم الصالحة والأخلاق والتقاليد الفاضلة، وهي الركائز التي يجب على الأمة الحريصة على النجاح والسيادة التمسك بها والحرص عليها.

- للتشريع الإسلامي مقومات تميزه عن غيره؛ فالوحي الإلهي (القرآن والسنة) هو الأساس الحقيقي للقانون الإسلامي، ولذلك تتمتع الأحكام الفقهية باحترام عظيم ووازع نفسي عميق لدى المؤمنين بها (مسلمين وغير مسلمين) لا يتوفر لأي قانون وضعي آخر، نظرًا لما يرافق التشريع الإسلامي من ممهدات وضمانات تقنع المخاطب بأن التزامه بالقانون يحقق رضا الله ورسوله وثوابه في الدنيا والآخرة.

- الجانب الأكبر من التشريعات الفقهية التفصيلية نزل في السور المدنية التي تمثل أكثر من ثلث القرآن بقليل، حيث كان من الضروري اعتماد التشريع على السنة النبوية الشارحة بجانب القرآن؛ فالكتاب الكريم جاء بالقواعد العامة والأحكام الإجمالية، بينما كان على الرسول صلى الله عليه وسلم دور الشارح الملهم من الله الذي يفصل هذا الإجمال ويحدد تلك القواعد العامة ويعمل تحت رعاية الله وعصمته.

- السنة النبوية هي كالتفسير والبيان للقرآن وتأتي تالية له في الرتبة والاحتجاج، مؤكدًا أن الدعوة المعاصرة للاكتفاء بالقرآن والاستغناء عن السنة هي دعوة مضللة تخفي كوامن الإلحاد والرغبة في التحلل من أحكام الشريعة، مشيدًا بالجهود العلمية غير المسبوقة في تاريخ الأديان والعلوم التي بذلها علماء الحديث لنقد المرويات وتمييز صحيحها.

- سلط الكتاب الضوء على عوامل المرونة والسعة والتطور التي تضمن بقاء التشريع وصلاحيته لمختلف الأزمنة والأمكنة بجانب ثبات أصوله؛ ومن أهم هذه العوامل: "الاستحسان" الذي يمثل عدولًا عن القياس الجلي لقياس خفي أو دليل شرعي أقوى رعاية للمصلحة، و"المصالح المرسلة" التي تهدف إلى جلب المنافع ودفع المضار الحقيقية والضرورية للمجتمع بما لا يعارض مقاصد الشريعة وأدلتها المعروفتين.

- انتقد المؤلف بشدة حالة التبعية القانونية المؤلمة للغرب وأخذ تشريعاتنا عنهم وكأننا أمة بلا مقومات ذاتية أو شريعة خالدة لا مثيل لها، مؤكدًا أن وسائل تطور الفقه غنية كالإجماع والقياس والمصالح المرسلة ورعاية العرف الصالح، وبها يمكن صياغة فقه متطور يتناول مشاكل العصر ومسائله بالبحث والحلول الشرعية.

- لتحقيق هذه النهضة والتحرر من ربقة التقليد والجمود، يرى المؤلف أنه لا بد من الرجوع إلى فقه الصحابة والتابعين والوقوف على منهجهم المرن في فهم النصوص وتشخيص الواقع، داعيًا بصفة خاصة إلى تلبية الحاجة الملحة لإنشاء "مجمع للتشريع الإسلامي" (على غرار مجمع اللغة العربية) يفتح باب الاجتهاد من جديد ويضم كبار علماء الشريعة المشهود لهم ورجال القانون الوضعي المتدينين، لدراسة المعاملات المالية الحديثة والشركات والتأمين والبنوك، وجعل الشريعة الإسلامية الأساس الأول لكافة القوانين في البلدان العربية والإسلامية.

- نبه المؤلف إلى أن الشريعة الإسلامية هي شريعة أمة ومجتمع كامل بكافة أطيافه وليست شريعة طائفة بعينها، فغير المسلمين المقيمين ببلادنا لهم ما لنا من الحقوق وعليهم ما علينا من الواجبات في العقوبات والمعاملات.

- أثبت د. موسى بالبحث التاريخي استقلالية الفقه تمامًا عن القانون الروماني وأثره الإيجابي اللاحق في القوانين الغربية كقانون نابليون الفرنسي.

- دعا المؤلف إلى التفرقة الحاسمة بين التقليد الأعمى المنهي عنه وبين "الاتباع" الممدوح الذي يعني احتذاء منهج الصحابة والتابعين في طرق استدلالهم واستنباطهم للأحكام الشرعية، مبرزًا الحاجة الشديدة إلى الاجتهاد.

 

يمكنكم الاطلاع على الكتاب كاملا وتحميله من هنا

 

* محمد يوسف موسي، التشريع الإسلامي وأثره في الفقه الغربي، تقديم: أ.د. محمد عمارة، الطبعة الأولى، القاهرة: الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، 1441هـ / 2020م.

** د. محمد يوسف موسى (1317–1383هـ/ 1899–1963م): فقيه ومفكر مصري وأحد كبار علماء الأزهر المجددين. جمع في تكوينه المعرفي بين العالمية الأزهرية (1925م) ودكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة السوربون بدرجة مشرف جدًا (1947م). درّس الفلسفة بكلية أصول الدين بالأزهر، ثم تولى رئاسة قسم الشريعة بكلية الحقوق بجامعة عين شمس، وكان خبيرًا بلجنة الفلسفة بمجمع اللغة العربية ومستشارًا بوزارة الأوقاف ومؤسسًا لمجلة "منبر الإسلام". عُرف بمشروعه في الإصلاح التعليمي والتجديد الفقهي والوصل بين الشريعة والفلسفة، وتُرِك وراءه أكثر من أربعين مؤلفًا رائدًا في الفقه والأخلاق والفلسفة المقارنة..

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الجمعة, 31 يوليو 2026 20:49

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples