صدر كتاب "الأحوال الشخصية"، للشيخ محمد أبو زهرة عام 1957م (القاهرة: دار الفكر العربي).
والشيخ محمد أبو زهرة (1898 - 1974م) هو عالم وفقيه إسلامي مصري بارز، بل يعد أحد أكبر أعلام الفقه والشريعة في القرن العشرين. شغل منصب أستاذ للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وعُين عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف. تميز بغزارة إنتاجه العلمي الذي شمل عشرات المؤلفات في الفقه، والأحوال الشخصية، وتاريخ المذاهب الإسلامية، إلى جانب سير الأئمة الكبار. عُرف الشيخ بمواقفه الشجاعة في قول الحق، واجتهاداته التجديدية التي جمعت بين أصالة التراث ومواكبة قضايا العصر الحديث.
استهل الشيخ أبو زهرة كتابه بتمهيد تاريخي وقانوني يعرض فيه جذور تطبيق المذهب الحنفي وأسباب انفراده في القضاء المصري، متتبعاً التطور التشريعي لقوانين الأحوال الشخصية في مصر، لا سيما القوانين الصادرة في الأعوام 1920 و1923 و1929 والمقترحات الخاصة بتقييد تعدد الزوجات. بعد هذا التأصيل التشريعي، انتقل المؤلف لتعريف الزواج وبيان حكمته ووصفه الشرعي، ثم تناول مرحلة "الخطبة" بوصفها مقدمة للزواج، محللاً أحكامها، وموقف الفقه والقانون من مسألة العدول عن الخطبة وما يترتب عليها من تعويض عن الضرر واسترداد للهدايا وفقاً لآراء الفقهاء والعمل القضائي المعاصر.
انتقل الشيخ أبو زهرة بعد ذلك إلى القسم الأول والذي يُعنى بـ "إنشاء عقد الزواج"، حيث حلَّل أركان العقد وشروط الانعقاد والصحة والنفاذ واللزوم، مفصلاً القول في صيغة العقد ومدى جواز العقد بغير اللغة العربية، ومؤكداً على مبدأ تأبيد الزواج وبطلان الأنكحة المؤقتة كزواج المتعة. وفي ذات القسم، درس الشيخ أبو زهرة بإسهاب شرط الشهادة في الزواج والخلاف الفقهي حوله، ثم أفرد مساحة واسعة لبيان "المحرمات" وتقسيمها إلى محرمات على التأبيد بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضاع، ومحرمات تحريماً مؤقتاً كالجمع بين المحارم وتجاوز العدد المسموح به من الزوجات، متطرقاً كذلك لأحكام زواج المسلم بالكتابية وموانع زواج المسلمة بغير المسلم. وعقب ذلك، عالج الشيخ أبو زهرة موضوع "الولاية في الزواج" بأقسامها المختلفة وحق الإجبار، مع التركيز على الخلاف الفقهي البارز، خاصة رأي الإمام أبي حنيفة، في استقلال المرأة البالغة بتزويج نفسها، ليختتم هذا القسم بمناقشة أحكام الوكالة في الزواج ومفهوم "الكفاءة" وشروطها ومن يملك حق التمسك بها.
في القسم الثاني، عالج الشيخ أبو زهرة "حكم عقد الزواج وآثاره"، مبتدئاً بالتفريق الدقيق بين العقد الصحيح والعقد غير الصحيح (الباطل والفاسد) والآثار المترتبة على الدخول بشبهة. وتوسع الكتاب في بيان آثار العقد الصحيح من حيث الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، لينتقل بعدها إلى معالجة الالتزامات المالية، وعلى رأسها "المهر"، مبيناً أحكام المسمى منه ومهر المثل، وحالات تعجيله وتأجيله، وما يؤكد المهر كاملاً كالخلوة الصحيحة، وحالات تنصيفه أو سقوطه. ويرتبط بذلك تفصيل الشيخ أبو زهرة لمسألة "متاع البيت" (الجهاز) والخلاف حول ملكيته بين الزوجين. ثم انتقل المؤلف إلى دراسة "النفقة الزوجية"، موضحاً أسباب وجوبها، ومعايير تقديرها، ومسقطاتها كنشوز الزوجة، وصولاً إلى أحكام مقاصة دين النفقة، ليختتم القسم ببيان طرق إثبات الزواج شرعاً وقانوناً وأحكام أنكحة الذميين الفاسدة في نظر الإسلام.
أما القسم الثالث، فقد خصصه الشيخ أبو زهرة لموضوع "إنهاء الزواج"، حيث بدأ بالتفريق المنهجي بين الفسخ والطلاق، ثم غاص في أحكام الطلاق بأنواعه (السني والبدعي، الرجعي والبائن)، ودرس الإشكاليات الفقهية المعقدة كالطلاق المعلق، والطلاق الثلاث بلفظ واحد، والطلاق في مرض الموت. وإلى جانب الطلاق بلفظ الزوج، عرض الشيخ أبو زهرة أشكالاً أخرى للفرقة كالخلع والظهار والإيلاء واللعان. واستحوذ "التفريق بحكم القاضي" على اهتمام بالغ في هذا القسم، حيث شرح الشيخ أبو زهرة بالتفصيل الحالات التي يتدخل فيها القضاء لإنهاء العلاقة الزوجية، كالتفريق لعدم الإنفاق، أو للعيب، أو للضرر والشقاق، أو لغياب الزوج وحبسه، مقارناً في ذلك بين المذاهب الفقهية ونصوص القانون، لينتهي هذا القسم ببيان قواعد إثبات الطلاق وأحكام "العدة" بأنواعها المختلفة ونفقة المعتدة.
في القسم الرابع، تناول الكتاب "حقوق الأولاد" بوصفها الثمرة الطبيعية لعقد الزواج والآثار الممتدة له، وبدأ بأحكام ثبوت النسب وقواعد الحد الأقصى والأدنى لمدة الحمل، وثبوت النسب في النكاحين الصحيح والفاسد، وأحكام الإقرار بالبنوة والأبوة. ووفق المنطق التشريعي انتقل الشيخ أبو زهرة بعد ذلك إلى معالجة حقوق الطفل الأساسية المتمثلة في "الرضاعة" وأحكام أجرتها، ثم "الحضانة" وشروط ثبوتها للنساء والرجال، وأحقية الحاضنين وترتيبهم ومكان الحضانة، ليتوج هذا القسم بدراسة شاملة لـ "نفقة الأولاد والأقارب" وشروط وجوبها وترتيب الملزمين بها بناءً على اليسار والقرابة الموجبة للإنفاق.
اُختتم الكتاب بملحق أو قسم أخير يُعنى بـ "الحجر والولاية"؛ حيث نظم الجانب المالي والأهلية، فشرح الشيخ أبو زهرة مفهوم الحجر وأسبابه كالصغر والجنون والسفه وذي الغفلة. وفرق الكتاب بوضوح بين الولاية على النفس والولاية على المال، مبيناً تصرفات الأب والجد ومحدودية صلاحياتهم في أموال القصر، وانتهى بعرض أحكام "الوصاية"، وتعيين الوصي المختار ومحاسبته وعزله، ليغلق الشيخ أبو زهرة موسوعته ببيان أحكام "المفقود" ومتى يحكم القاضي بموته وما يترتب على ذلك من آثار مالية وشخصية كتقسيم تركته واعتداد زوجته.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)