يمثل كتاب "حقوق الملل ومعاهدات الدول" (تحديدًا القسم الرابع منه المخصص لموضوع "في الحرب")*، الصادر عام 1900م، للكاتب أمين أرسلان**، محاولة رائدة لسد الفراغ في المكتبة العربية -آنذاك- فيما يتعلق بالعلوم السياسية والقانون الدولي، حيث يستعرض بأسلوب أكاديمي وتاريخي قواعد الحرب والسلام والاتفاقيات الدولية المنظمة لها. يقدم هذا المؤلف توثيقًا دقيقًا لتطور المفاهيم القانونية التي تحكم النزاعات المسلحة، ناقلًا للقارئ العربي المبادئ التي استقرت عليها الأمم المتمدنة لضبط ويلات الحرب وتقنين الممارسات العسكرية والدبلوماسية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
يبدأ الكتاب بقسمه الأول مستعرضًا الاختلافات والمنازعات التي تنشأ بين الدول وطرق حلها، حيث يوضح أن هذه الخلافات قد تكون مادية أو سياسية، مفصلًا الطرق السلمية لتسويتها والتي تشمل المفاوضات الدبلوماسية، وعقد المؤتمرات الدولية، واللجوء إلى التوسط والوساطة من قبل دول محايدة. وينتقل المؤلف بعد ذلك لتناول الطرق الشرعية والقانونية المتمثلة في "التحكيم"، مبرزًا أهميته المتزايدة كبديل للنزاع المسلح وتشكيل مجالس تحكيم دولية. كما يناقش هذا القسم الطرق القهرية التي تتخذها الدول كخطوات تصعيدية تسبق الحرب الشاملة، مثل المقابلة بالمثل، والأقاصص (الانتقام)، وحجز المراكب، وفرض الحصار السلمي كأداة للضغط السياسي والاقتصادي.
أما القسم الثاني، فتناول تأصيل مفهوم "الحرب"، مناقشًا آراء الفلاسفة والمؤرخين حول مشروعيتها، مقسمًا إياها إلى حروب برية وبحرية، وحروب هجومية ودفاعية. ويتناول هذا القسم الشرائع المنظمة للحرب التي تهدف إلى تخفيف ويلاتها وتحويلها من وحشية مطلقة إلى صراع تحكمه قواعد إنسانية، مع تفصيل إجراءات إشهار الحرب وطرق الإعلان عنها تاريخيًا وحديثًا. كما يعالج الآثار القانونية المترتبة على بدء القتال، مثل موقف الدول المحايدة، ومصير المعاهدات الدولية السابقة للحرب، وتأثير النزاع على الأفراد، وحقوق الرعايا، والتصرف في الأموال والعقارات، وقطع العلاقات التجارية بين الدول المتحاربة.
يُفرد القسم الثالث الإبحار في تفاصيل "الحرب البرية"، بادئًا بتحديد طرق الهجوم والدفاع المسموح بها وتلك المحرمة دوليًا، مثل استخدام السموم أو الغدر، مفرقًا بين الخديعة العسكرية المشروعة والخيانة. ويشرح هذا القسم القواعد المنظمة للحصار، وقصف المدن، واستخدام الجواسيس والأدلاء، بالإضافة إلى حقوق وواجبات المقاتلين النظاميين والمتطوعين ضمن ما يُعرف بـ "النهضة العامة". ويُولي المؤلف اهتمامًا بالغًا للواجبات الإنسانية تجاه القتلى، والجرحى، والمرضى، مشيدًا بدور جمعيات الصليب الأحمر، ومبينًا القواعد الصارمة لكيفية معاملة أسرى الحرب. كما يناقش حقوق السكان المدنيين (غير المقاتلين)، وطبيعة الاحتلال العسكري وصلاحياته، مبينًا حقوق المحتل في التعامل مع أموال العدو الثابتة والمنقولة، وفرض الضرائب، مع التأكيد على حماية الممتلكات الثقافية والدينية والملكية الفردية، ويختتم هذا القسم بآداب المخابرات والمراسلات بين المتحاربين كحملة الرايات البيضاء وعقد الهدنات.
يخصص المؤلف ما تبقى من فصول وأقسام (ابتداءً من القسم الرابع) لمعالجة "الحرب البحرية" وقضايا الحياد، حيث يوضح المسرح القانوني للعمليات البحرية، والفرق بين السفن الحربية والتجارية، وتطور القوانين التي ألغت ممارسة "القرصنة" المعتمدة من الدول (الكورس). ويتطرق بشمولية إلى أحكام الغنائم البحرية، ومفهوم الحياد الذي يفرض واجبات صارمة على الدول غير المشاركة في النزاع لضمان عدم انحيازها، بالإضافة إلى حقوق الدول المتحاربة في زيارة وتفتيش السفن المحايدة للتأكد من عدم حملها لـ "البضائع المهربة" الموجهة لدعم العدو. ويختتم الكتاب فصوله بتناول قواعد الحصار البحري وشروط صحته، وصولًا إلى كيفية إنهاء حالة الحرب، سواء بالاستسلام أو بإبرام معاهدات الصلح التي تعيد ترتيب العلاقات الودية وتحدد التعويضات وضمانات السلام.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)
* أمين أرسلان، حقوق الملل ومعاهدات الدول: القسم الرابع: في الحرب، القاهرة: مطبعة الهلال، ط. 1، 1900م.
** الأمير أمين أرسلان (1868–1943م) هو دبلوماسي، ورجل دولة، وأديب ومفكر لبناني بارز، يُعد من طليعة الرواد الذين أسهموا في تدوين الفكر السياسي والدبلوماسي العربي الحديث من خلال مؤلفه الرائد "حقوق الملل ومعاهدات الدول" الصادر عام 1900. تنقّل أرسلان في مسيرته المهنية بين العمل السياسي والصحفي في الدولة العثمانية، ثم انخرط في السلك الدبلوماسي ممثلًا لبلاده كقنصل عام في بوينس آيرس بالأرجنتين، حيث استقر هناك وأسس مجلة "الرابطة" التي أصبحت جسرًا ثقافيًا وفكريًا هامًا بين الوطن العربي وأمريكا الجنوبية. تميز نتاجه الفكري بالجمع بين العمق القانوني والنزعة الأدبية والإصلاحية، تاركًا إرثًا غنيًا يوازن بين العمل الدبلوماسي والتأريخ السياسي.