موقع حوارات

موقع حوارات

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع مــــن أكتوبر سنة 2021م، الموافق الثاني من ربيع الأول سنة 1443هـ.

 

برئاسة السيد المستشار / سعيد مرعى عمرو                                  رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: محمد خيري طه النجار ورجب عبد الحكيم سليم ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد                               نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى                       رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع                           أمين السر

 

 

أصدرت الحكم الآتي:

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 97 لسنة 30 قضائية "دستورية"*.

 

المقامة من:

عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

ضــــد:

1- رئيس الجمهورية                   2- رئيس مجلس الوزراء

3- وزير العدل                         4- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًا)

5- الممثل القانوني للهيئة القومية للبريد

6- داليا عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

7- دعاء عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

 

الإجـــراءات

      بتاريخ الثالث عشر من مارس سنة 2008، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني، فيما تضمنه من اعتبار الهبة لذي رحم محرم مانعًا من الرجوع في الهبة.

      وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًا: برفضها.

      وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

      ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمــــة

      بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

      حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعى كان قد أقام الدعوى 1360 لسنة 2006 مدني كلى، أمام محكمة بورسعيد الابتدائية، ضد المدعى عليهم الخامس والسادسة والسابعة في الدعوى المعروضة، طالبًا الحكم باعتبار الهبة كأن لم تكن، مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية بما فيها إلغاء التوكيل العام رقم 370/هــ لسنة 2005 توثيق بورسعيد. وقال بيانًــــا لدعواه، إنه وهب لنجلتيه المدعى عليهما السادسة والسابعة نصيبه في تركة زوجته –والدتهما- سعاد أحمد حسن عطية، ويشمل حصة في شقتين بالعقار المبين بصحيفة الدعوى، ومبلغًـــــا ماليًا بدفتر توفير لدى الهيئة القومية للبريد، وشقة يمتلكها بالعقار ذاته، وحرر لهما توكيلًا بالتصرف في تلك الأموال، إلا أنهما قد أغضبهما زواجه من أخرى، أنجبت له ولدين، فقدمتا ضده عدة بلاغات كيدية، كما أقامتا دعوى قضى فيها بإلزامه بأن يؤدى لهما نفقة شهرية، فضلًا عن أنه ملتزم بالإنفاق على زوجته وولديه، وكذا نفقة ومصروفات علاج شقيقه، مما أرهق كاهله، بعد أن زادت التزاماته المالية، الأمر الذي يوفر له العديد من الأعذار للرجوع في هبته، فأقام دعواه بالطلبات السالفة البيان. وأثناء نظر الدعوى بجلسة 29/1/2008، دفع بعدم دستورية نص البند "هـــ" من المادة (502) من القانون المدني، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة.

      وحيث إن المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 تنص على أنه "يرفض طلب الرجوع في الهبة، إذا وجد مانع من الموانع الآتية:

(أ) ............          (ب)...........          (ج) ............    (د) ...........

(هـ) إذا كانت الهبة لذي رحم محرم ..................".

 

وحيث إن من المقــــــرر في قضاء هذه المحكمة أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية –وهي شرط قبولها– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان المدعى يبتغى من دعواه الموضوعية الترخيص له بالرجوع عن هبته لابنتيه، لقيام موجبات ذلك في حقه. وكان نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني يحول دون تحقيق مبتغاه، الأمر الذي يوفر له مصلحة شخصية مباشرة في الطعن على هذا البند في مجال سريانه على هبـــــــــــة أي من الوالدين لولده، وبها يتحـــــدد نطـــــاق هذه الدعـــــوى، دون سائر ما انطوى عليه نص هذا البند من أحكام لطبقات أخرى من ذوي رحم محرم.

وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه مخالفة أحكام المادتين (2، 40) من دستور سنة 1971، المقابلة لأحكام المادتين (2، 53) من دستور سنة 2014، لمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية، التي حضت على البر بالوالدين وعدم عقوقهما، وأكدت معظم مذاهبها على أحقية الوالد في الرجوع عن هبته لولده، دون أية أعذار، فضلًا عن انطواء النص على تمييز غير مبرر، بأن منع الواهب لولده من الرجــــوع في الهبة، حــــال أن غيره مــــن الواهبين يجــــوز لهم الرجــــوع في الهبة إذا توافر عذر يبيح لهم ذلك.

وحيث إن الرقابة الدستورية على القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًـــــا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي وجهها المدعى للنص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– تندرج تحت المناعي الموضوعية، التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي معين لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي. ومن ثم، فإن المحكمة تباشر رقابتها على النص المطعون عليه –الذي مازال ساريًا ومعمولًا بأحكامه– من خلال أحكام دستور سنة 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.

وحيث إن القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، قد خصص الكتاب الثاني منه للعقود المسماة، وأورد في الباب الأول منه العقود التي تقع على الملكية، وأفرد الفصل الثالث منه لعقد الهبة، في المواد من (486) حتى (504)، مبينـــًا فيها أركان الهبة، وآثارها، والرجوع فيها، وموانع الرجوع، معرفـــًا في المادة (486) الهبة بأنها عقد يبرم بين الأحياء، بموجبه يتصرف الواهب في ماله دون عوض، مع جواز أن يفرض الواهب على الموهوب له القيام بالتزام معين. ووفقـــًا للمادة (487)، لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه. ومن خصائص الهبة –على ما أوردت الأعمال التحضيرية للنص المطعـــــون فيه والتنظيم التشريعـــــي للهبة– أنه يجـــــوز الرجوع فيها رضـــــاءً أو قضاءً إذا وجد عذر ولم يوجد مانع، وقد نظمها المشرع مراعيًا هذا الأصل، فأكد في المادة (500) من القانـــــون المدني على أنه "يجـــــوز للواهب أن يرجـــــع الهبـــــة إذا قبل الموهوب له ذلك، فإذا لم يقبل، جاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع، متى كان يستند في ذلك إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع. وتأكيدًا على جواز الرجوع في الهبة، وضع المشرع في المادة (501) من القانون ذاته أمثلة لهذه الأعذار، تيسيرًا على القاضي، كما حدد في المادة (502) من ذلك القانون، حصرًا لموانع الرجوع في الهبة، ومن بينها حالة الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة أي من الوالدين لولده. ومؤدى العبارة الواردة بصدر نص تلك المادة من أن "يرفض طلب الرجوع في الهبة"، نهي القضاة عن التعرض لموضوع الرجوع، أيـــًا كانت الأعذار التي بنى عليها، إذا توافر أحد موانع الرجوع الواردة في تلك المادة، عملًا بقاعدة جواز تقييد القاضي بالزمان والمكان والأحداث والأشخاص. وشرط صحة تلك القاعدة أن يكون النهى مؤسسًـــا على أسباب موضوعية، ترتبط بالغاية المتوخاة منه.

وحيث إنه عن نعى المدعى مخالفة النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده- لمبادئ الشريعة الإسلامية، ونص المادة الثانية من الدستور، فمن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، طبقًا لنص المادة الثانية من الدستور الصادر سنة 1971، بعد تعديلها بتاريخ 22/5/1980 –وتقابلها المادة الثانية من الدستور الحالي الصادر سنة 2014– لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصــــدر بعد التاريخ الذي فُـرض فيه هذا الإلزام، بحيث إذا انطــــــــوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إعمال حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها، لصدورها فعلًا من قبله، في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا، واجب الإعمال، ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية، وهو القيد الذي يبقى قائمًا وحاكمًا لتلك التشريعات، بعد أن ردد الدستور الحالي الصادر سنة 2014، الأحكام ذاتها في المادة الثانية منه.

وحيث كان ما تقدم، وكان نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 لم يلحقه أي تعديل بعد تاريخ 22/5/1980، مما كان لزامه عدم خضوعه لقيد الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والمادة الثانية من الدستور، إلا أنه بالرغم من ذلك، وعلى ما ورد بالأعمال التحضيرية للقانون المدني، فقد استقى المشرع الأحكام الموضوعية للهبة من أحكام الشريعة الإسلامية. وفى شأن مدى جواز الرجوع في الهبة، أخذ بمذهب الفقه الحنفي، الذي أجاز الرجوع في الهبة إذا توافر العذر المبرر، وانعدم المانع، ويشمل عدم جواز الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة الوالد لولده، على سند من أن الغاية من الهبة في هذه الحالة صلة الأرحام، وقد تحققت بصدور الهبة. وإذ كان الرأي الذي تبناه المشرع في هذا الشأن لا يخرج عن كونه اجتهادًا في الفقه الحنفي فقد ذهب مالك والشافعي وابن حنبل وعلماء المدينة إلى جواز رجوع الوالد في هبته لولده، وهو ما يعرف باعتصار الهبة، أي أخذ المال الموهوب قسرًا عن الابن، مستدلين في ذلك بحديث طاووس من أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية أخرى "لا يحل للرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة ويرجع فيها إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية ثالثة "لا يرجع الواهب في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده". وقد دل الفقهاء باختلافهم هذا على عدم وجود نص قطعي الثبوت أو الدلالة، أو بهما معًــا في مبادئ الشريعة الإسلامية، يحكم هذه المسألة، ومن ثم تعتبر من المسائل الظنية التي يرد عليها الاجتهاد، وتلك المسائل بطبيعتها متطورة، تتغير بتغير الزمان والمكان، وإذا كان الاجتهاد فيها وربطها منطقيًّــا بمصالح الناس حقًــا لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق لولي الأمر، ينظر في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها، وبمراعاة أن يكون الاجتهاد دومًــا واقعًــا في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، ملتزمًــا ضوابطها الثابتة، متحريًــا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد الكلية للشريعة، بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مستلزمًــا في ذلك كله حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها، ومن ثم كان حقًــا لولي الأمر عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما، ما لم يكن إثمًــا، وكان واجبًــا عليه كذلك ألا يشرع حكمًــا يضيق على الناس أو يرهقهم في أمرهم عسرًا، وإلا كان مصادمًــا لقوله تعالى "مَا يُرِيدُ اللًّه ليَجعَلَ عَلَيكُم في الدين من حَرَجِ".

وحيث إن نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني، منع الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، وقد ورد هذا النص بصيغة عامة ومطلقة، ليشمل هبة أي من الوالدين لولده. واستقى المشرع هذا المانع من المذهب الحنفي، منتهجًــا بذلك نهجًــا مخالفًــا لاجتهاد باقي المذاهب الإسلامية، معللًا ذلك المانع بتحقق غاية الواهب من الهبة، ممثلة في صلة الرحم. وقد صدَّر المشرع نص تلك المادة بعبارة "يرفض طلب الرجوع في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية ....."، مما مؤداه نهى القضاء عن بحث الأعذار التي قد تحل بالوالد الواهب وتستدعى رجوعه في الهبة، وإن كانت تلك الأعذار من بين الأمثلة التي ورد النص عليها في المادة (501) من ذلك القانون، ومن ذلك: "أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو نحو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه، أو أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من نفقة على الغير". ومؤدى ذلك أن النص المطعون فيه، وإن وقع في دائرة الاجتهاد المباح شرعًــا لولى الأمر، إلا أنه –في حدود نطاقه المطروح في الدعوى المعروضة– يجعل الوالد الواهب في حرج شديد، ويرهقه من أمره عسرًا، ويعرضه لمذلة الحاجة بعد أن بلغ من العمر عتيّا، إذا ما ألمت به ظروف أحوجته لاسترداد المال الموهوب، وامتنع الابن عن إقالته من الهبة، إضرارًا به، مستغلًا في ذلك المانع الوارد بالنص المطعون فيه، الذي يحول بين الوالد والحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة، ضاربًــا عرض الحائط بالواجب الشرعي لبر الوالدين، والإحسان إليهما، وصلتهما، وطاعتهما في غير معصية، والامتناع عن كل ما يفضى إلى قطيعتهما. فضلًا عن أن ما توخاه المشرع من ذلك المانع، بالحفاظ على صلة الأرحام، ينافيه مواجهة حالة جحود الأبناء، وعقوقهم لوالديهم. ومن ثم يكون منع القضاء من الترخيص للوالد بالرجوع في هبته لولده، ولو كان هناك عذر يبيح له ذلك، مصادمًــا لضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، ومخالفًا بذلك نص المادة (2) من الدستور.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القيم الدينية والخلقية لا تعمل بعيدًا أو انعزالًا عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة، بل تعززها وتزكيها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها، ومن أجل ذلك جعل الدستور في المادة (10) منه، قوام الأسرة الدين والأخلاق والوطنية، كما جعل الأخلاق والقيم والتقاليد، والحفاظ عليها والتمكين لها، التزامًــا على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة، والمجتمع ككل، وغدا ذلك قيدًا على السلطة التشريعية، فلا يجوز لها أن تسن تشريعًــا يخل بها، ذلك أنه، وفقًــا لنص المادة (92) من الدستور، وإن كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق والحريات أنها سلطة تقديرية، إلا أن المشرع يلتزم فيما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته اختصاصاته، وأن يراعى كذلك أن كل تنظيم للحقوق، لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو الانتقاص منها، ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها. الأمر الذي يضحى معه النص المطعون عليه، فيما تضمنه من رفض طلب رجوع الوالد في هبته لولده، إذا وجد مانع، مخالفًــا أيضًا – نصي المادتين (10، 92) من الدستور.

وحيث إنه عن النعي بإخلال النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– بحق الواهب لولده، دون غيره مــــن الواهبين لغير ذي رحم محرم، في الحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة عند توافر العذر، فإن ما نص عليه الدستور في المادة (97) من أن "التقاضي حق مصون ومكفــــول للكافــــة"، قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته، من الحقوق العامة المقررة للناس جميعًا لا يتمايزون فيما بينهم في مجال النفاذ إليه، وإنما تتكافأ مراكزهم القانونية في سعيهم لرد الإخلال بالحقوق التي يدعونها ولتأمين مصالحهم التي ترتبط بها، مما مؤداه أن قصر مباشرة حق التقاضي على فئة من بينهم أو الحرمــــان منه في أحــــوال بذاتها، أو إرهاقــــه بعوائــــق منافية لطبيعته، إنما يُعــــد عملًا مخالفًا للدستور الذي لم يجــــز إلا تنظيم هذا الحق، وجعل الكافة ســــــواء في الارتكان إليه، ومن ثم، فإن غلق أبوابــــــــه دون أحدهم أو فريق منهم، إنما ينحل إلى إهداره، ويكرس بقاء العدوان على الحقوق التي يطلبونها، وعدم حصولهم على الترضية القضائية باعتبارها الغاية النهائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على تلك الحقوق.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه في المادة (53) من الدستور الحالي، ورددته الدساتير المصرية المتعاقبة جميعها، بحسبانه ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسًا للعدل والسلام الاجتماعي، غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة، وقيدًا على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، التي لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي تتحد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون خلالها أمام القانون، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية.

وحيث إن الأصـــــل في كل تنظيم تشريعي أن يكـــــون منطويًا علــــى تقسيم، أو تصنيف، أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها، بالوسائل المؤدية إليها، منطقيًـــا، وليس واهيًـــا أو واهنًــا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًا. ومرد ذلك، أن المشرع لا ينظم موضوعًا معينًا تنظيمًا مجردًا أو نظريًا، بل يبغيا بلوغ أغراض بعينها، تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها، يقوم عليها هذا التنظيم، متخذًا من القواعد القانونية التي أقرها، مدخلًا لها، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين في مجال تطبيقها، تحكميًا، ومنهيًا عنه بنص المادة (53) من الدستور.

وحيث كان ما تقدم، وكان الواهبون لأموالهم، على اختلاف حالاتهم، وأغراضهم منها، في مركز قانوني متكافئ، وقد أجاز المشــــرع –على ما سلف بيانه– للواهب الرجوع في الهبة إذا ألمت به ظروف وأعذار تستدعى هذا الرجوع، وامتنع الموهوب له عن إقالته من الهبة، وناط المشرع بالقاضي سلطة تقديرية في شأن بحث جدية الأعذار التي يبديها الواهب في هذا الشأن، ويقضى على ضوء ذلك، إلا أن المشرع خرج عن هذا الأصل، وأورد حالات لمنع الرجوع في الهبة، ضمنها نص المادة (502) من القانون المدني، من بينها هبة الوالد لولده، مانعًــا القضاء من بحث الأعذار التي يسوقها الوالد في هذا الشأن، الأمر الذي يحول بينه والحصول على الترضية القضائية، لمجرد توافر هذه القرابة بينه والموهوب له. فضلًا عن أن الغاية التي توخاها المشرع من ذلك المنع، وهي الحفاظ على صلة الرحم، لم يراع فيها مواجهة عقوق الابن الموهوب له، إذ امتنع طواعية عن إقالة والده من الهبة في هذه الحالة، بما يزكى هذا العقوق، حال أن المشرع أجاز في المادة (501) من القانون المدني الترخيص للواهب بالرجوع في الهبة إذا أخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه. ومؤدى ذلك أن المانع الوارد بالنص المطعون فيه، فضلًا عن عدم ارتباط الوسيلة التي أوردها في ذلك النص، بالغاية المتوخاة منها، فإنه يخل بمبدأ المساواة بين الواهبين المتماثلة مراكزهم في الحصول على الترضية القضائية، وذلك لغير سبب موضوعي، بالمخالفة لنصى المادتين (53، 97) من الدستور.

 

فلهذه الأسباب

      حكمت المحكمة بعدم دستورية نص البند (هــ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، في مجال سريانها على هبة أي من الوالدين لولده، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

أمين السر                               رئيس المحكمة

 

لتحميل ملف حكم المحكمة

_______________________

* نقلا عن الموقع الإلكتروني للمحكمة الدستورية العليا، عبر هذا الرابط: https://2u.pw/0E1hhQ

وقد علق المحامي والباحث أ. وائل أنور بندق على هذا الحكم في صفحته الشخصية بالفيسبوك تعليقا مهما ننقله عنها على طوله:

حكم حديث وهام وخطير للمحكمة الدستورية العليا بشأن الرجوع في الهبة

 (م 502 بند هـ من القانون المدني):

أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا هامًا بعدم دستورية الفقرة (هـ) من المادة 502 من القانون المدني في مجال سريانها على هبة أيٍّ من الوالدين لولده. وقد صدر الحكم بتاريخ 9/10/2021، واتصلت المحكمة الدستورية العليا بالدعوى بناءً على دعوى موضوعية، ملخصها أن رجلًا كان قد وهب إلى ابنتيه نصيبه في ميراث زوجته (والدتهما)، ولما تزوج بعد ذلك وأنجب ولدين، قامت ابنتاه بتقديم بلاغات كيدية ضده ورفع دعاوى نفقة عليه، مما رآه مبررًا للرجوع في الهبة، فأقام عام 2006 دعواه أمام محكمة بورسعيد الابتدائية.
ولما كان البند (هـ) من المادة 502 يمنع الرجوع في الهبة إذا كانت لذي رحم محرم، ومنها هبة الوالد لولده، فقد دفع بعدم دستورية النص، وقدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقامها بالفعل عام 2008، وها هو الحكم قد صدر عام 2021!!

ونود أن نشير إلى عدد من النقاط الهامة في مجال توضيح الحكم والتعليق عليه:

أولًا: عقد الهبة هو عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مالٍ له دون عوض.

ثانيًا: يجوز للواهب الرجوع في الهبة رضاءً إذا قبل الموهوب له الرجوع، كما يجوز الرجوع في الهبة قضاءً بشرط أن يتوافر عذر يبيح الرجوع في الهبة، وأن تنتفي موانع الرجوع فيها. وقد ضرب المشرع أمثلة على العذر المبرر للرجوع في الهبة بما يلي:
(أ) أن يخلّ الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو نحو أحدٍ من أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه.
(ب) أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو أن يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة على الغير.

 (ج) أن يُرزق الواهب بعد الهبة ولدًا يظل حيًا إلى وقت الرجوع، أو أن يكون للواهب ولدٌ يظنه ميتًا وقت الهبة فإذا به حيّ.

ثالثًا: يمتنع الرجوع في الهبة في عدة حالات عددتها المادة 502، حتى لو توافرت الأعذار، ومن هذه الحالات ما ورد في البند (هـ)، وهي الهبة لذي رحم محرم، إذ لا يجوز الرجوع فيها عن طريق التصريح من القضاء، بما يعني أنه يمتنع في حالتنا على الأب أن يلجأ إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة.

رابعًا: يُلاحظ أن إصدار الحكم قد تأخر كثيرًا، وهو ضرر فاحش بفكرة العدالة؛ فقد رفع الأب الدعوى الموضوعية عام 2006، ورفع الدعوى الدستورية عام 2008، وصدر الحكم عام 2021!! أي أن المسألة استغرقت أكثر من خمس عشرة سنة، وهي مدة طويلة جدًا تُعد إنكارًا فاحشًا للعدالة في حق الأب رافع الدعوى.

صحيح أن القضاء الدستوري قضاءٌ عيني يستفيد منه الجميع، سواء أكان من رفع الدعوى أم غيره؛ إلا أن رافع الدعوى هو أولى الناس بالرعاية. ويذكرني هذا الحكم بحكم المحكمة الدستورية بشأن إنهاء عقود الإيجار (القديم) المبرمة للأشخاص المعنوية، والذي صدر بعد عشرين عامًا من رفع الدعوى الدستورية.

خامسًا: يمكن القول إن الحكم قد بُني على سببين:

أولهما: مخالفة النص لمبدأ المساواة، إذ أجاز لمن توافر له العذر الرجوع عن الهبة، ومنعه عمن منح الهبة لذي رحم محرم، حتى لو توافر له العذر، مما يشكل تمييزًا بين المراكز القانونية المتماثلة.

ثانيهما: أن النص وضع عائقًا ومانعًا من موانع التقاضي، إذ حرم الواهب لذي الرحم المحرم من اللجوء إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وأخذًا بهذين السببين، كنا نتمنى على المحكمة الدستورية العليا أن تقضي بعدم دستورية البند (هـ) كاملًا، لا بقصره على هبة أيٍّ من الوالدين لولده، لأن الأسباب التي وردت في الحكم تنصرف إلى البند كاملًا.

سادسًا: كنا نتمنى ألا تخوض المحكمة الدستورية في مسألة رأي الفقه الإسلامي بشأن جواز الرجوع في الهبة لذي الرحم المحرم، والخلاف بين الأحناف والجمهور، لأنها تتدخل بذلك في السلطة التقديرية للمشرع في شأن اختيار الرأي الفقهي الملائم. لا سيما أن هناك أسبابًا أخرى توصلت بها المحكمة إلى النتيجة التي أرادتها، فضلًا عن أن المحكمة ذاتها قد أخرجت هذه المادة من نطاق قيد الالتزام بالشريعة الإسلامية الوارد في المادة الثانية من الدستور، وفقًا للتفسير المستقر عليه من المحكمة، وهو أن القوانين السابقة زمنيًا على نص المادة الثانية من الدستور تفلت من حكمها. وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذا التفسير لنص المادة الثانية من الدستور، إلا أنه قد أصبح التفسير المستقر عليه.

سابعًا: من أهم المبادئ العامة التي وردت بالحكم أن الرقابة الدستورية تتم في إطار الدستور القائم دون غيره، وهو دستور 2014، حتى لو كانت الدعوى قد رُفعت في ظل دستور سابق، وهو دستور 1971، لأن الرقابة الدستورية تستهدف صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة.

ثامنًا وأخيرًا: مفاد هذا الحكم في النهاية ليس حق الوالدين في الرجوع عن الهبة بشكلٍ مطلق، وإنما حق كلٍّ منهما في الرجوع إلى القضاء للتصريح بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وائل أنور بندق
هذا التعليق يعبر عن وجهة نظر كاتبه، وينشر ضمن إطار إثراء النقاش القانوني حول الحكم.

 

 

يواجه الواقع التشريعي والقانوني في عالمنا العربي والإسلامي إشكالية التباين بين المرجعية الشرعية الإسلامية الأصيلة، التي شكّلت عبر قرون أساس النهضة المدنية ومصدرًا للعدالة والاستقرار، وبين القوانين الوضعية الوافدة التي فُرضت في عصور الاستدمار وما بعدها. وقد برزت في هذا السياق محاولات للتأصيل الشرعي لهذه القوانين، عبر ردّها إلى الشريعة الإسلامية وإلى الفقه الآخذ عنها ما أمكن، وكشف ما يصادم منها هذه المرجعية، وهو اتجاه جدير بالاهتمام والتطوير. ومن هنا يقدّم موقع "حوارات الشريعة والقانون" دليلًا بيبليوغرافيًا لأهم المؤلفات التي سلكت هذا المنهج؛ ليكون أداة علمية نافعة للباحثين ورجال القانون، مع تحديثه المستمر بما يستجد من دراسات في هذا الحقل.

وقد رأينا أن نقسم المكتبة التأصيلية على النهج المعاصر، بحسب فروع القانون المختلفة، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون المدني.

ثانيًا:  كتب ودراسات التأصيل الشرعي في فلسفة القانون وتاريخه.

ثالثًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية.

رابعًا:  كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدولي.

خامسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدستوري.

سادسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الإداري.

سابعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القوانين التجارية و(المصرفية).

ثامنًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام قانون المرافعات.

تاسعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام التشريعات الاجتماعية وقانون العمل.

عاشرًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام الأحوال الشخصية.

 

ثانيًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي في فلسفة القانون وتاريخه (الجزء الأول)

  1. أبحاث في التاريخ العام للقانون، بحث الشريعة الإسلامية نشأتها وتطورها وانتشارها، علي بدوي، مطبعة مصر، 1947م.
  2. أثر المصلحة في تشريع الأحكام بين النظامين الإسلامي والإنجليزي، مجيد حميد العنبكي، رسالة ماجستير بكلية القانون والسياسة، جامعة بغداد، متوفرة بكلية الحقوق- جامعة القاهرة، تحت رقم (141/1).
  3. أثر الوعي الإسلامي في النهضة القانونية الأوربية في العصور الوسطى دراسة تاريخية تحليلية، أحمد محمد بخيت، مجلة الأمن والقانون، دبي، السنة التاسعة، العدد الثاني، 1422هـ، 2001م.
  4. الاجتهاد الجماعي وأهميته في مواجهة مشكلات العصر، ودور المجامع الفقهية في تطبيقه، شعبان محمد إسماعيل، دار السلام، الطبعة الأولى، 2011م.
  5. الاجتهاد -النص- الواقع، أحمد الريسوني، الشبكة العربية للأبحاث، مصر، 2013م.
  6. الاجتهاد في الإسلام، أصوله -أحكامه - آفاقه، نادية شريف العمري، مؤسسة الرسالة، مصر، 1985م.
  7. الاجتهاد، محمد مصطفى المراغي، مؤسسة مفكرون للنشر، مصر، 2019م.
  8. الإجماع في الشريعة الإسلامية، أحمد محمد حسن، رسالة ماجستير بكلية الحقوق، القاهرة، (متوفرة بمكتبة الكلية تحت رقم 150 لعام 1952م).
  9. أزمة قاعة البحث القانوني في ضوء سمو القانون الإلهي على التشريع، أحمد محمد حشيش، مجلة مصر المعاصرة، مصر، أكتوبر 2005م، العدد 480.
  10. الاستحسان: حقيقته - أنواعه - حجية تطبيقاته المعاصرة، يعقوب عبد الواهب الباحسين، مكتبة الرشد، الرياض، 2007م.
  11. الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقهها، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، 1408ه/ 1988م.
  12. أصول الفقه الإسلامي، محمد كمال إمام، دار المطبوعات بالإسكندرية، مصر، 2014م.
  13. أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ/1986م.
  14. أصول القانون مقارنة بأصول الفقه، محمد عبد الجواد، منشأة المعارف، مصر، 1991م.
  15. أصول القانون، عبد الرزاق السنهوري، وأحمد حشمت، مطبعة القاهرة، مصر، 1950م.
  16. أهداف القانون بين النظرية والتطبيق، محمد جمال عطية عيسى، المجلة القانونية الاقتصادية، الزقازيق، العدد السابع 1995م.
  17. بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، صوفي أبو طالب، دراسة محمد عمارة، ط الأزهر، 1434هـ.
  18. تأثير الفقه الإسلامي على تكوين القانون الإنجليزي، برهان محمد عطا الله، مجلة قضايا الدولة، العدد 53، يوليو، 2009م.
  19. التاريخ الاجتماعي للقانون في مصر الحديثة- العصر العثماني، محمد نور فرحات، مكتبة الأسرة، مصر، 2012م.
  20. التاريخ العام للقانون في مصر القديمة والحديثة، شفيق شحاتة، المطبعة العالمية، مصر، 1962م.
  21. تاريخ الفقه الإسلامي ونظرية الملكية والعقود، بدران أبو العينين بدران، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999م.
  22. تاريخ الفقه الإسلامي، محمد أحمد سراج، وأحمد فرج حسين، دار المطبوعات بالإسكندرية، مصر، 1999م.
  23. تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، وائل حلاق، ترجمة أحمد الموصلي، دار المدار الإسلامي، ليبيا، 2007م.
  24. تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، صوفي أبو طالب، دار النهضة العربية، مصر، 2007م.
  25. تجديد الفقه الإسلامي، جمال عطية، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الثانية 2002م.
  26. تجديد النظرية العامة للقانون، نحو توظيف أصول الفقه الإسلامي في بناء أصول القانون، مصطفى محمد الجمال، دار الفتح، مصر، 2002م.
  27. تحويل المرجعية التشريعية في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، طارق البشري، القاهرة: مركز البحوث والدراسات الاجتماعية. كلية الآداب- جامعة القاهرة، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، 2002م.
  28. تحويلات الفكر القانوني في العصر الحديث، محمد علي الصافوري، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية كلية الحقوق جامعة المنوفية، مصر، 2014م، العدد 27.
  29. التشريع الإلهي والتشريع الإنساني والقانون في التاريخ القانوني الإسلامي، محمد علي الصافوري، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية بالمنوفية،مصر، عدد أكتوبر، 2002م.
  30. التشريع بين الفكر الإسلامي والنظم الغربية، أبو الوفا محمد أبو الوفا، مجلة مصر المعاصرة، مصر، عدد 453- 454، يناير 1999م.
  31. تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، صوفي أبو طالب، دار النهضة العربية، مصر، الطبعة الثالثة 1990م.
  32. تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر الحديثة: دراسة في التطور القضائي والفقهي والتشريعي، علي عمر الفاروق، رسالة دكتوراه بإشراف محمد كمال الدين إمام، الإسكندرية، مصر، 2012م، رقم (1/314).
  33. تطبيق القوانين الأجنبية في مصر الإسلامية في ضوء فلسفة القانون وتاريخه، أنور حلمي عبد الهادي رسالة دكتوراه بإشراف صوفي أبو طالب، القاهرة 2006م، رقم (2/339).
  34. التطور التاريخي للنظام القانوني في مصر الإسلامية ومشاكل تطبيق الشريعة الإسلامية، محمد محمد أبو سليمة، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، رقم (1/129).
  35. تطور مفهوم العدالة دراسة فلسفية وتاريخية مع التطبيق على بعض القضايا المعاصرة، أحمد عبد الحليم العطار رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة المنوفية، مصر، رقم (586/2).
  36. تفسير النصوص في القانون والشريعة، محمد صبري السعدي، دار النهضةالعربية، مصر، ط1، 1399هـ/ 1979م.
  37. تكوين الشرائع وتاريخ القانون المصري، د عمر ممدوح مصطفى، مطبعة دون بوسكو الإسكندرية، مصر، 1958م.
  38. التنظير الفقهي، جمال الدين عطية، الطبعة الأولى، المؤلف هو الناشر، 1407ه/ 1987م.
  39. دراسة في تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر، فتحي المرصفاوي، دار الفكر العربي، مصر، 1981م.
  40. السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمن تاج، تقديم محمد عمارة، ط الأزهر، مصر، 2013م.
  41. العقل عند الأصوليين، عبد العظيم الديب، دار الوفاء بالمنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1415هـ/ 1995م.
  42. العقيدة والشريعة في الإسلام، تاريخ التطور العقدي والتشريعي في الدين الإسلامي، جولدتسيهر، ترجمة: محمد يوسف موسى، وعلى حسن عبد القادر، وعبد العزيز عبد الحق، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مصر، عام 2013م.
  43. علم أصول الفقه وعلم أصول القانون، محمد زكي عبد البر، حولية كلية الشريعة، جامعة قطر، 1403هـ.
  44. علم أصول الفقه ويليه تاريخ التشريع الإسلامي، أحمد إبراهيم بك، دار الأنصار، مصر، 1939م.
  45. علم أصول الفقه، وخلاصة تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الوهاب خلاف، دار الفكر العربي، 1428هـ/2007م.
  46. علم أصول القانون، عبد الرزاق السنهوري، مطبعة فتح الله، مصر، 1936م.
  47. الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، محمد أحمد سراج، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1997م.
  48. فقه الواقع أصول وضوابط، للدكتور أحمد بوعود، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 2006م.
  49. فلسفة التشريع في الإسلام، صبحي المحمصاني، دار الكشاف، بيروت، 1365ه/ 1946م.
  50. فلسفة النظم القانونية وتطورها، فايز محمد حسين محمد، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2015م.
  51. فن الصياغة الفقهية تشريعًا وفقها وقضاء، عبد القادر الشيخلي، دار الثقافة، عمان، 1995م.
  52. في تاريخ التشريع، كولسون، ، ترجمة محمد أحمد سراج، دار المؤسسات الجامعية، مصر، ط1، 1992م.
  53. القانون الروماني والشريعة الإسلامية، صوفي أبو طالب، ط1، الأزهر، مصر، ذي القعدة، 1434هـ.
  54. القواعد الكلية في الفقه الإسلامي، أحمد يوسف، دار الزهراء، (دون ذكر سنة النشر).
  55. مبادئ تاريخ القانون، صوفي أبو طالب دار النهضة العربية، مصر، 1387هـ - 1967م.
  56. المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 142هـ/2004م.
  57. المدخل إلى السياسة الشرعية، عبد الرحمن تاج، طبعة الأزهر، مصر، 2013م.
  58. المدخل إلى السياسة الشريعة، عبد الأحمد عطوة، تعليق محمد عمارة، طبعة الأزهر، مصر، 2013م.
  59. المدخل لدراسة علم أصول القانون وأصول الفقه، دراسة مقارنة، ماهر عبد المجيد عبود، مؤسسة الضحى، مصر، الطبعة الأولى، 2011م.
  60. المدخل للعلوم القانونية (النظرية العامة للقانون والنظرية العامة للحق)، عبد المنعم البدراوي، دار الكتاب العربي، مصر، 1962م.
  61. المدخل للفقه الإسلامي- تاريخه- نظريته- مصادره العامة، محمد سلام مدكور، دار الكتاب الحديث، مصر، 1969م.
  62. المدخل للفقه الإسلامي، تاريخه، نظريته، مصادره العامة، محمد سلام مدكور، دار الكتاب الحديث، مصر، 1969م.
  63. مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، عبد الوهاب خلاف، دار القلم، دمشق ، 1982م.
  64. مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1425هـ/ 2004م.
  65. المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، مصر، ط3، 2013م.
  66. موسوعة القواعد الفقهية، محمد صدقي بن أحمد البرونو، مؤسسة الرسالة، مصر، الطبعة الأولى، 1424هـ/2003م.
  67. نحو تجديد الفكر الاجتهادي، جمال عطية، مجلة المسلم المعاصر، مصر، العدد 69، 2000م.
  68. نحو تفعيل مقاصد الشريعة، جمال عطية، دار الفكر، دمشق، 1424ه/ 2003م.
  69. الندوة الرابعة عشر بعنوان تطور العلوم الفقهية - فقه العصر - مناهج التجديد الديني والفقهي - محور الأصول النظرية لفقه العصر ومسارات الإصلاح في الفقه والأصول، تقديم عبد المحمود أبـّو. الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد، الســـــودان - 5- 8 أبريــل 2015م.
  70. نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، وائل حلاق، ترجمة رياض الميلادي، دار المدار، ليبيا، 2007م.
  71. نظرات عامة في تاريخ الفقه الإسلامي (تطوره وتأثيره في القوانين الغربية)، محمد أحمد سراج، دار الفكر العربي، مصر، 1991م.
  72. نظرية الحكم الشرعي والقاعدة القانونية، الأساس والخصائص، حسن سالم مقبل، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، (1/159).
  73. نظرية المقاصد الشاطبي، بحث مسالك الاجتهاد المقاصدي، أحمد الريسوني، طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مصر ، 2015م.
  74. الواقع والمثال في الفكر الإسلامي المعاصر، جمال الدين عطية، دار الهادي، لبنان، 2001م.
  75. الوضع القانوني بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، طارق البشري، مقال بمجلة الأزهر، مصر، عدد شوال 2011م.

أولًا: ميلاده

ولد الشيخ الزرقا في مدينة حلب الشهباء سنة (1325هـ - 1907م).وقد نشأ في بيئة إسلامية، وأسرة عُرِفت بالعلم والصلاح، وقد أسس دعائم العلم فيها جده الكبير محمد الزرقا، وورثه ابنه والد شيخنا العلامة أحمد الزرقا، وتسلسل العلم في الأسرة المباركة حتى وصلت الراية إلى صاحب الترجمة، ولم تتوقف عنده بعد وفاته، فقد حملها عنه ابنه الأستاذ الدكتور أنس الزرقا من علماء الفقه والمتخصص في الدراسات الاقتصادية الإسلامية.

 

ثانيًا: مؤهلاته

في سوريا تخرج في:

  • معهد الحقوق العربي (كلية الحقوق).
  • مدرسة الآداب العليا (كلية الآداب).

وتخرَّج في هاتين الكليتين سنة (1933م) وحصل على المرتبة الأولى في كلا التخصصين.

 ثم سافر إلى القاهرة والتحق بكلية الحقوق، وحصل على  الدبلوم العالي في الشريعة (1947م).

 

ثالثًا: الأعمال التي تولاها

  • اشتغل بالمحاماة لمدة عشر سنين بعد تخرجه في كلية الحقوق أمام المحاكم الوطنية والمختلطة الفرنسية بحلب.
  • عُيِّن أستاذًا للحقوق المدنية والشريعة في كلية الحقوق بالجامعة السورية سنة ١٩٤٤م، وبقي فيها أستاذًا للقانون المدني، ورئيسًا لقسمه، وأستاذًا للشريعة الإسلامية إلى حين بلوغه سن التقاعد في آخر عام ١٩٦٦م.
  • اختارته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت سنة (١٩٦٦م) خبيرًا للموسوعة الفقهية، التي قامت الوزارة المذكورة بتنفيذ مشروعها، واستعارته لهذه الغاية من جامعة دمشق، وبقي في الكويت خمس سنوات قائمًا بهذه المهمة، حيث أنجز من مشروع الموسوعة الفقهية مقدارًا، ومعجمًا للفقه الحنبلي يقع في (١١٤٢) صفحة، مرتبًا هجائيًّا، إلى أن توقفت الوزارة في الكويت عن مشروع الموسوعة قبل أن تكملها وتصدرها فيما بعد لتكون مرجعًا لكل دارس للفقه الإسلامي أو مهتم به.
  • دعته الجامعة الأردنية للتدريس في كلية الشريعة، وذلك في عام ١٩٧١م، وظل هناك حتى عام (١٩٨9م) قائمًا بتدريس مادة المدخل الفقهي العام، ومدخل العلوم القانونية، وقواعد القانون المدني الوضعي.
  • شارك في وضع مشروع القانون المدني الأردني الجديد، المستمد من الفقه الإسلامي بصورة أساسية.
  • اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة عضوًا في المجمع الفقهي منذ إنشائه عام (١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م)، وقدم للمجمع عدة دراسات فقهية لمواضيع معاصرة.
  • اختارته إدارة التشريع والبحوث -في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية- عضوًا خبيرًا في لجنة الخبراء، الذين اختارتهم لوضع مشروع قانون مدني موحد للبلاد العربية، مستمد من الفقه الإسلامي ووافٍ بالحاجات الزمنية الحديثة، وذلك منذ عام ١٩٧٨م، ولا تزال اللجنة تواصل عملها.
  • كان أحد أعضاء هيئة التدريس بمعهد الدراسات العربية العليا، قسم الدراسات القانونية، بجانب فقهاء كبار وأجلاء، مثل عبد الرزاق السنهوري ومحمد يوسف موسى، وعبد الوهاب خلاف.
  • كان عضو اللجنة الرسمية التي وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري عام (١٣٧٢هـ - ١٩٥٢م).
  • ساهم في تأسيس كلية الشريعة في جامعة دمشق، ووضع مناهجها عام (١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م)، وكان فيها العديد من جوانب التجديد في تدريس الشريعة الإسلامية.

 

رابعًا: مشروعه الفكري ومنهجه

اهتم الأستاذ الزرقا بالعديد من المجالات التي تخص حاضر الفقه الإسلامي ومستقبله، ومنها:

  • تقريب صياغته حين كتب الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، وأشار إلى ضرورة تعديل صياغة الفقه الإسلامي بما يتناسب مع ذوق العصر.
  • التأصيل للنظريات الكبرى التي تحكم الفكر الفقهي، فقد كتب العديد من النظريات التي أصبحت مرجعًا هامًّا للباحثين والمقارنين على المستوى القانوني والفقهي مثل: نظرية الأهلية، والعرف، والفساد، والالتزام، كما اجتهد في بيان النظريات الفقهية التي تساعد في تطوير القوانين العربية مثل: نظرية التعسف في استعمال الحق.
  • العمل على مراجعة القوانين وإحلال الفكر الفقهي مكانها، ويظهر ذلك جليًّا في تعليقه على القانون المدني السوري، فلا يكاد يترك مادة إلا وبيَّن موقف الفقه الإسلامي منها، ومن ينظر إلى حواشي كتبه الحديثة يجدها كثيرة الإشارة إلى هذا الأمر.
  • الاهتمام بوضع موسوعات للفقه الإسلامي؛ لتيسير مراجعة أحكامه كفكرة الموسوعة الكويتية الذي كان واحدًا من مؤسسيها.
  • اعتنى بالمعاملات الحديثة وخاصة الأعمال المصرفية، واجتهد بصورة قوية في تأصيل المصارف التي تتوافق مع تصور الفقه الإسلامي، فقد كتب بحثًا في تطوير العمل المصرفي في البنوك، كما أشرف على عدد من البنوك التي حاولت تبني المنهج الإسلامي في تعاملاتها.
  • أما عن منهج الزرقا المقارن فيمكن أن نتلمسه من خلال الآتي:

أولًا: يهدف إلى تطوير الفقه الإسلامي، لكنه يرى أن التطوير لا يتعدى حدود الصياغة، ولا يحتاج سوى عملية تنظيمية لأحكامه، يقول الزرقا: "فهدفي أن أقلب صياغة الفقه الإسلامي، فأبني من قواعده ومبادئه نظرية عامة على غرار نظرية الالتزام العامة في الفقه القانوني الأجنبي الحديث؛ خدمة لفقهنا الجليل كي يتجلى ما فيه من جوهر نفيس كان محجوبًا بالأسلوب القديم الذي أصبح عسير الهضم على رجال العصر وفاء للحاجة إلى الطريقة التعليمية الحكيمة في الدراسة الجامعية لهذا العلم، أما الأحكام فقد أغنى التشريع الإسلامي عن كل اقتباس فيها عن أمة أخرى وتشريع غريب بما في الفقه الإسلامي الواسع الأفق من القواعد العامة المتنوعة، والأسس الثابتة التي رسخت فيها فكرة إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، ودرء المفاسد وجلب المصالح، واحترام الإرادات والعقود، ومنع الإكراه وإسقاط ما يترتب عليه، وإزالة الضرر واعتبار الضرورات، ومسؤولية التسبب، وتنويع وتوزيع الضمانات بعدل متوازن، واعتبار العرف والعادات في العقود والأعمال والالتزامات، إلى غير ذلك من المبادئ الأساسية الكثيرة المغنية في التشريع الإسلامي وفقهه".

ثانيًا: يعتمد  الزرقا في عملية المقارنة على المذهب الحنفي، ويتطرق أحيانًا للمذاهب الأخرى حين لا يجد حلًّا، يقول الزرقا: "وقد اتخذت من المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي أساسًا للبحث لأنه المعمول به في القضاء مع الإلمام بالمذاهب الأخرى في بعض المواطن بحسب حاجة البحث".

ثالثًا: اهتم الزرقا في مقارناته بالجانب النقدي في إظهار مدى تفوق الفقه الإسلامي على غيره، ولنا أن نفسر هذا التركيز على نقد القانون الفرنسي أو المصري ذي المرجعية الفرنسية بالظروف المحيطة به، حيث لم يكن الدافع للمقارنة -في المقام الأول- هو الإفادة منها، بل كان الدافع هو رد حالة العدوان التشريعي التي استباحت سوريا في عصره، ولا أدل على ذلك من مقدمته، فقد وضح أنه يحلم بأن يكون هناك قانون مدني مستمد من الفقه الإسلامي، وكتب بحثًا توجيهيًّا بعنوان (قانوننا المدني المنتظر وفضل بنائه من الفقه الإسلامي)، لكن الزرقا -وهو في طريقه إلى هذا العمل- فوجئ بإصدار القانون المدني السوري في عهده عام 1949م، وكان صدور هذا القانون بمساعي السيد أسعد الكوراني، الذي أقنع سيده الذي تولى السلطتين التشريعية والتنفيذية بأن قانونًا مدنيًّا أجنبيًّا بدلًا من التشريع الإسلامي في هذه البلاد هو خير وسيلة لخلود الذكر وعظيم المكانة في نظر الأجانب، وأوهمه أن هذا العمل يجعله كنابليون الذي كان القانون المدني الفرنسي أكثر تخليدًا له من فتوحاته! وقد وجدوا أن القانون المدني المصري الجديد يحقق هذا الغرض؛ لأنه أجنبي أوروبي المصادر، فأصدروه بين عشية وضحاها بجرة قلم، وهدموا بها أعظم صرح فقهي في العالم، وأقاموا بها قانونًا لا مرجع فيه لقاضٍ أو محامٍ أو دارس إلا أصوله واصطلاحاته الأجنبية.

وقد رأى الزرقا أن خير عمل يقوم به بعد هذه الجناية التي جنتها على مجد العروبة الفقهي أيدي شعوبية أثيمة -هو أن يتابع صياغة هذه السلسلة الفقهية الجديدة بتبسيط وإحكام؛ كي يعرف الجيل العربي الحقوقي الجديد ما أفاد وما ضاع، فيفتح له طريق الرجوع بعد أن يملك من المعرفة ما يحكم به على تلك الجناية وجناتها، واستعان الزرقا -في سبيل تحقيق هذا الغرض من المقارنة- بكل الكتب التي تقوم بنقد القانون المصري، ومنها كتاب: نقد مشروع القانون المدني الجديد، وطلب استمداده من فقه الشريعة الإسلامية بمذاهبه المختلفة مع نموذج لكتاب العقد من القانون مستمدًّا من الفقه الإسلامي قام بوضعه جماعة من علماء القانون والشريعة الإسلامية كلية الحقوق بجامعة القاهرة.

والزرقا لا يقف عند مرحلة النقد فقط، بل يرمي إلى أبعد من ذلك حين يقرر أن الفقه الإسلامي أمد الفكر القانوني بالعديد من المصطلحات، "ففي الاصطلاح القانوني الشائع اليوم في عصرنا يسمى انسحاب الأحكام على الماضي (أثرًا رجعيًّا)، ويستعمل هذا التعبير في رجعية أحكام القوانين نفسها كما في آثار العقود على السواء، فيقال: هذا القانون له أثر رجعي، وذاك ليس له، كما يقال: إن بيع ملك الغير بدون إذنه إذا أجازه المالك يكون لإجازته أثر رجعي، فيعتبر حكم العقد ساريًا منذ انعقاده لا منذ إجارته، وليس في القانون اسم لعدم الأثر الرجعي. أما الفقه الإسلامي الغني بلغته ومصطلحاته التي تتجلى فيها عبقرية فقهائه خلال العصور، فيسمي عدم "رجعية الآثار" اقتصارًا "بمعنى أن الحكم يثبت مقتصرًا على الحال لا منسحبًا على الماضي، ويسمي رجعية الأثر (استنادًا) وهو اصطلاح المذهب الحنفي، ويسميه المالكية: "انعطافًا"، وقانوننا المدني الجديد قد اقتبس هذا الاصطلاح من الفقه الإسلامي، فاستعملوا فيه لفظ الاستناد بمعنى الأثر الرجعي".

 

خامسًا: من مؤلفاته

 (أ) الفقه وأصوله.

  • المدخل الفقهي العام.
  • المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي.
  • العقود المسمَّاة في الفقه الإسلامي: عقد البيع.
  • وهذه الكتب الثلاثة صدرت تحت شعار الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد.
  • أحكام الأوقاف (الجزء الأول).
  • نظام التأمين: حقيقته، والرأي الشرعي فيه.
  • الفقه الإسلامي ومدارسه.
  • أحكام الزواج والأحوال المتفرِّعة عنه في سورية.
  • عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.
  • الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقهها.
  • الشمس الجلية في الرد على من أفتى ببطلان أوقاف الذرية.
  • فتاوى مصطفى الزرقا.
  • قرارات الهيئة الشرعية لشركة الراجحي.

 (ب) في القانون والصياغة التشريعية.

  • الفعل الضار والضمان فيه.
  • مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد في عهد الوحدة.
  • صياغة قانونية لنظرية التعسف باستعمال الحق في القانون الإسلامي.
  • شرح القانون المدني السوري: نظرية الالتزام العامة، المصادر: نظرية العقد والإرادة المنفردة.

 

 سادسًا: وفاته

بعد حياة قاربت على المائة من الجهد والاجتهاد والعطاء المتميز توفى شيخنا -رحمه الله- في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وذلك عصر يوم السبت 19/3/1420هـ الموافق 3/7/1999م.

 

 

 

 

 

المراجع:

  • علماء ومفكرون عرفتهم، محمد المجذوب، دار الشروق، مصر، الطبعة الرابعة، 2001م.
  • فتاوى مصطفى الزرقا، مجد مكى، دار القلم بدمشق، سنة (1999م).
  • صياغة قانونية لنظرية التعسف باستعمال الحق في القانون الإسلامي، مصطفى الزرقا، ط. دار البشير بعمَّان، سنة (1983م).
  • وجوب تطبيق الشريعة والشبهات التي تثار حول تطبيقها، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام سعود بالرياض، مطبوعات إدارة النشر والثقافة بجامعة محمد بن سعود، الرياض، (1401/1981م)، وقد شارك الرزقا ببحث قيم في هذا المؤتمر.
  • المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 142هـ/2004م.
  • المصارف: معاملاتها وودائعها وفوائدها، ط. جدة، سنة (1984م)، وقرارات الهيئة الشرعية لشركة الراجحي، ط. الرياض، سنة (1998م)، وكان الشيخ الزرقا عضوًا في الهيئة التي أصدرت القرارات.

يمثل تقنين الفقه الإسلامي أحد أبرز القضايا التي شغلت الفكر القانوني والفقهي في العالم الإسلامي خلال القرنين الأخيرين، إذ ارتبطت هذه الجهود بالسعي إلى إيجاد أطر تشريعية حديثة تستمد مرجعيتها من الشريعة مع قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الدولة الوطنية ومؤسساتها المعاصرة. وقد تنوعت هذه المشاريع بين مبادرات فردية وأخرى رسمية، وتفاوتت في منطلقاتها بين المحافظة على البناء المذهبي التقليدي أو تجاوزه نحو اجتهادات أكثر شمولًا، وهو ما جعل موضوع التقنين مجالًا خصبًا للدراسة والمقارنة.

وتأتي هذه البيبلوجرافيا لتجمع بين دفتيها أهم ما أُنجز من مشاريع تقنين الفقه الإسلامي ودراسات وأعمال حول منهاجية التقنين، بما يتيح للباحثين والمهتمين مرجعًا أوليًا يسهل الاطلاع على هذا النتاج المتنوع. ولا تقتصر أهميتها على حصر المؤلفات، بل تمتد إلى إبراز الاتجاهات الرئيسة التي حكمت هذه المشاريع، والمناهج التي اعتمدتها في اختيار النصوص الفقهية أو في إعادة صياغتها في قوالب قانونية. ويأتي نشر هذه البيبلوجرافيا في موقع "حوارات الشريعة والقانون" في إطار رسالته العلمية الرامية إلى دعم البحث المتخصص، وتيسير الوصول إلى المصادر الموثوقة في قضايا الفكر القانوني والفقه المقارن.

 

  1. الاتجاهات التشريعية في قوانين البلاد العربية، شفيق شحاتة، معهد جامعة الدولة العربية، مصر، 1960م.
  2. أثر القواعد الفقهية في التشريع والتقنين الحديث، محمد خير حسب الرسول، (بدون بيانات نشر).
  3. أثر تقنين الفقه الإسلامي على حرية الاجتهاد، بوسطلة شهرزاد، مجلة الشهاب، الجزائر، المجلد/العدد: مج7ـ ع3، 2000م.
  4. أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد والتقنين، عبد الله بن حمود العزي، ورقة بحثية مقدمة بتاريخ 27 مارس 2008م، مقدمة إلى وزارة الأوقاف والشئون المعنوية بسلطنة عمان.
  5. أثر مجلة الأحكام العدلية في القوانين المدنية العربية، مجلة الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية، جامعة محمد بوضياف المسيلة، الجزائر، عدد8، 2023م.
  6. أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، محمد إبراهيم، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية دار العلوم، مصر، 2015م.
  7. الاجتهاد الجماعي في مجلة القضاء العدلية: قراءة في منهج اللجنة التوجيهية، خالد محمد عبد ه، مجلة الاجتهاد والتجديد، مركز الدراسات القانونية الإسلامية، الدوحة، 2020م.
  8. الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، محمد قدري باشا، دراسة محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد، ط1، دار السلام، مصر، 2006م.
  9. أحكام المعاملات المالية في المذهب الحنبلي، محمد زكي عبد البر، دار التراث، مصر، ط2، 1418هـ، 1998م.
  10. أحكام المعاملات المالية في المذهب الحنفي، عرض منهجي، محمد زكي عبد البر، مكتبة التراث، مصر 1997م.
  11. الأسس الفقهية لمجلة الأحكام العدلية، أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2012م.
  12. أسس تقنين الفقه الإسلامي ومنهجيته، العبد لاوي، إدريس العلوي، أكاديمية المملكة المغربية، ع 20، 2003م.
  13. الإسلام وأوضاعنا القانونية، عبد القادر عودة، دار الكتاب العربي، 1970م.
  14. الإسلام وتقنين الأحكام، عبد الرحمن عبد العزيز القاسم، دار القلم، 1985م.
  15. الإشكاليات بين التقنين والتطبيق في الشريعة الإسلامية، هلال بن محمد بن ناصر الراشدي، ورقة مقدمة لندوة "تطور العلوم الفقهية في عُمان: التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي الحديث المعاصر"، سلطنة عُمان، 2008م.
  16. أضواء على تقنين الشريعة الإسلامية، المستشار عبد العزيز الهندي، دار الهداية، 1987م.
  17. الأعمال التحضيرية لدستور 1971م (فيما يخص المادة الثانية المتعلقة بمصدرية الشريعة)، مجلس الشعب المصري، دار الكتب والوثائق القومية، 1971م.
  18. الأعمال التحضيرية للقانون المدني (ما يتعلق بمصدرية الشريعة)، لجنة إعداد القانون المدني المصري برئاسة السنهوري، دار الكتب المصرية، 1948م.
  19. بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون: تقنين الشريعة الإسلامية، محمد عبد الجواد محمد، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1411هـ (1991م).
  20. تأثير مجلة الأحكام العدلية في التقنينات العربية، دراسة تطبيقية على عقد التحكيم، فاطمة محمد سليم العوا، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، القاهرة، 1999م.
  21. تجديد الفقه الإسلامي، جمال الدين عطية، ووهبة الزحيلي، دار الفكر، 1999م.
  22. تجديد النظرية العامة للقانون، نحو توظيف أصول الفقه الإسلامي في بناء أصول القانون، مصطفى محمد الجمال، دار الفتح، مصر، 2002م.
  23. التشريع والفقه في الإسلام: تاريخًا ومنهجًا، مناع بن خليل القطان، مكتبة وهبة، 1422هـ (2001م).
  24. التشريع وسن القوانين في الدولة الإسلامية (دراسة تحليلية)، محمد أحمد مفتي، سامي صالح الوكيل، دار النهضة الإسلامية، 1992م.
  25. تطبيق الشريعة الإسلامية في العالم الإسلامي، عبد الناصر توفيق العطار، دار النهضة العربية، القاهرة، 1990م.
  26. تطبيق الشريعة بين التنظير والواقع، أحمد الخمليشي، مجلة المسلم المعاصر، 2002م.
  27. التعليق على نصوص القانون المدني، بمذاهب الفقه وأحكام القضاء الحديثة في مصر والأقطار العربية، أنور العمروسي، دار المطبوعات العربية، مصر، (بدون تاريخ نشر).( أصَّل في كثير منه من الفقه الإسلامي).
  28. تقنين أحكام الشريعة: حكمه ومراحله، عيسى فتح الله أحمد، مجلة الحق للعلوم الشرعية والقانونية، جامعة بني وليد، كلية القانون، لبيا، ع1، 2014م.
  29. تقنين أحكام المعاملات المالية الإسلامية تحت مجهر الواقع: دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة هايدي عيسى حسن عليم، مجلة الاقتصاد الإسلامي،ع513، 2023م.
  30. تقنين أصول الفقه الإسلامي، محمد زكي عبد البر، دار إحياء التراث العربي، 1988م.
  31. تقنين الأحكام الشرعية ودورها في إثراء المنظومة القانونية الجزائرية، عبد المجيد بوكركب.
  32. تقنين الأحكام الشرعية، أبو الفتوح، أبو المعاطي، مجلة العلوم الإسلامية، ع3، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، المغرب، 1992م. .
  33. تقنين الأحكام الشرعية، مشعل عيادة عسكر، مجلة مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، مصر، مج22، ع64.
  34. تقنين الشريعة الإسلامية بين المجتمع والدولة، إبراهيم البيومي غانم، مجلة الأزهر، مصر، العدد 12، لعام 84.
  35. تقنين الشريعة الإسلامية: نطاقه وأسلوبه، محمد كمال عبد العزيز، مجلة المحاماة، 1988م.
  36. تقنين الشريعة بين التحليل والتحريم، عبد الرحمن بن سعد الشثري، دار الفضيلة، 2005م.
  37. تقنين الشريعة في مجلس الشعب، محمد عمارة، ط الأزهر، مصر، 1434هـ.
  38. تقنين الشريعة يبدأ من هنا، خالد محمد خالد، مجلة حقوق الإنسان العربي، 1985م.
  39. تقنين الشريعة: أضراره ومفاسده، عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام، مطابع دار الثقافة، مكة المكرمة، 1959م.
  40. تقنين الفقه الإسلامي كخطوة لتوحيد التشريعات في البلاد العربية والإسلامية، حسام حشاد، (بدون بيانات نشر).
  41. تقنين الفقه الإسلامي: المبدأ والمنهج والتطبيق، محمد زكي عبد البر، دار إحياء التراث، قطر، 1986م.
  42. تقنين الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر، 1984م.
  43. تقنين الفقه الجنائي الإسلامي، الحاج سالم محمد البشير، مجلة المسلم المعاصر، مصر، مج40، (ع157، 158)، 2015م.
  44. تقنين الفقه المالكي، جمعة محمود الزريقي، مؤتمر الإمام مالك الدولي، الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية، مركز البحوث والدراسات العلمية، لبيا، 2013م.
  45. التقنين الفقهي والعولمة، محمد بن إبراهيم بوزغيبة، مجلة الإحياء، كلية العلوم الإسلامية، الجزائر، ع6.
  46. التقنين بين الشريعة والقانون، محمد عمر سعيد العامودي، قافلة الزيت، مج 18، ع 3، شركة أرامكو - إدارة العلاقات العامة، 1970م.
  47. التقنين في مجلة الأحكام العدلية، محمد الحسن البغا، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، جامعة سوريا، العدد الثاني، مجلد 25، 2009م.
  48. التقنين كما يبدو في مجلة الأحكام العدلية، محمد الحسن البغا، مجلة كلية الشريعة، جامعة دمشق، 2007م.
  49. التقنين من الفقه الإسلامي، أسسه وضوابطه، القانون المدني أنموذجا، عبد الغفار عبد الله حسين الفرجاني، مجلة العلوم الشرعية، ع5، الجامعة الأسمرية الإسلامية، كلية العلوم الشرعية بمسلاتة، لبيا، 2018م.
  50. توحيد الأمة العربية بتطوير شرائعها وفقا للميثاق، عبد الحليم الجندي، مجلة هيئة قضايا الدولة، مصر، العدد السابعة يوليو 1963م.
  51. توحيد القوانين في دول الخليج العربية عن طريق تقنين الشريعة الإسلامية، محمد عبد الجواد، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1991م.
  52. توحيد القوانين في دول الخليج العربية عن طريق تقنين الشريعة الإسلامية، محمد عبد الجواد، منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، 1991م.
  53. توحيد تقنينات الأزهر للشريعة الإسلامية، عبد الناصر توفيق العطار، مكتبة وهبة، 1995م.
  54. توضيح الأحكام في شرح مجلة الأحكام، حمود شكري الآلوسي، ط المكتبة العلوية، بغداد، 1320ه.
  55. جامع الأدلة على مواد المجلة، عزتلو نجيب بك، ط لبنان، 1905م.
  56. جهود تقنين الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، مؤسسة الرسالة، 1408هـ (1987م).
  57. جهود مجلس الشعب المصري في تقنين الفقه الإسلامي، عبد العزيز فتحي، مجلة اتحاد الجامعات العربية للدراسات والبحوث القانونية، مصر، العدد الحادي والعشرون، 1997م.
  58. حركة تقنين الفقه الإسلامي، عامر بن عيسى اللهو (بدون بيانات نشر).
  59. الدر المختار على مواد مجلة الأحكام، محمد بك المليجي، ط المطبعة الخيرية، القاهرة، 1310ه.
  60. دراسة موجزة عن مجلة الأحكام العدلية، شامل الشاهين، دار غار حراء، دمشق، ط1، 2004م.
  61. دراسة نقدية لمحاولات تقنين الفقه الإسلامي، محمود سامي جمال الدين، ورقة مقدمة لندوة "تطوير العلوم الفقهية في عُمان"، سلطنة عُمان، 1429هـ (2008م).
  62. درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر باشا، تعريب المحامي فهمي الحسيني، دار عالم الكتب، مصر، 2003م.
  63. السياق التاريخي والقانوني لتقنين الشريعة الإسلامية، طارق البشري، دار الشروق، 2011م.
  64. شرح مجلة الأحكام العدلية، أحمد جودت باشا، ط المطبعة الأميرية، الآستانة، 1302ه.
  65. شرح مجلة الأحكام العدلية، خليل بن شاهين، ط المكتبة التجارية، القاهرة، 1328ه.
  66. شرح مجلة الأحكام العدلية، رستم بك، الطبعة المطبعة، إسطنبول، سنة 1306هـ (1888م).
  67. شرح مجلة الأحكام العدلية، عبد الحميد حقي بك، ط المطبعة العثمانية، إسطنبول، 1305ه.
  68. الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتقنين، عبد الحليم الجندي، مجلة إدارة قضايا الحكومة، العدد الأول يناير 1966م.
  69. الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع، عبد الحليم الجندي، مجلة إدارة قضايا الحكومة، مصر، السنة 10 العدد الأول، يناير 1966م.
  70. الشريعة الإسلامية مصدرًا للتقنين المدني العراقي، دراسة تأصيلية فقهية مقارنة، سه ركه وت سليمان عمر أبو بكر، كلية الحدباء، الموصل، 2002م.
  71. الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في البلاد العربية: الماضي والحاضر والمستقبل، صوفي أبو طالب، مجلة اتحاد الجامعات العربية للدراسات والبحوث القانونية، 1416هـ (1995م).
  72. الشريعة الإسلامية ومدى صلاحيتها للحلول محل القوانين الوضعية وكيفية ذلك، علي علي منصور، ضمن كتاب "الوثائق والدراسات الخاصة بتطبيق الشريعة الإسلامية في ليبيا"، دار الكتاب الليبي، 1980م.
  73. صوفي أبو طالب رئيس مصر الأسبق ومشروع تقنين الشريعة الإسلامية، مقال بمجلة العرب (على الشبكة الدولية)، زينب الروبي، 9 ديسمبر، 2017م.
  74. الصياغة الفقهية في العصر الحديث دراسة تأصيلية، هيثم بن فهد بن عبد الرحمن، دار التدمرية وابن حزم، مصر، الطبعة الأولى، 2012م. ( تناول في مبحث كبير عملية التقنين).
  75. صياغة موجزة لمشروع دستور إسلامي، أبالأعلى المودودي، مكتبة الشباب المسلم، 1957م.
  76. فتح الغفار الجامع بين الأنظار في شرح مواد مجلة الأحكام، محمد سعيد بك، ط المطبعة العثمانية، بيروت، 1308ه.
  77. الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع، محمد عبد الظاهر حسين، دار الفكر العربي، 1999م.
  78. الفقه الإسلامي في طريق التجديد، محمد سليم العوا، مقال بجريدة الأزهر، مصر، ربيع الأول 1435ه.
  79. الفقه الإسلامي والتغير القانوني في البلاد الإسلامية في القرن العشرين، محمد أحمد سراج، بحث منشور بـ"حولية "أمتي في العالم"، 2002م.
  80. الفقه الإسلامي ومدى استجابة علماء المسلمين لتطبيقه على ما استجد من أحداث ووقائع، محمد عز العرب برحيلي، جامعة محمد الخامس (رسالة ماجستير غير منشورة)، 1998م.
  81. الفكر القانوني الإسلامي بين أصول الشريعة وتراث الفقه، محمد فتحي عثمان، دار الشروق، 1995م.
  82. في منهجية التقنين: أفكار أولية، محمد كمال الدين إمام، ورقة مقدمة لمؤتمر "التقنين والتجديد"، مسقط، سلطنة عُمان، 2008م.
  83. القانون الإسلامي وطرق تنفيذه، أبو الأعلى المودودي، دار القلم، 1967م.
  84. قانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف، محمد قدري باشا، دراسة وتحقيق محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد، دار السلام، ط1، 2006م.
  85. القانون المدني العربي، عبد الرزاق السنهوري، مجلة اتحاد الجامعات العربية للدراسات والبحوث القانونية، 1416هـ (1995م).
  86. القانون المدني في ثوبه الإسلامي، شرح مفصل لأحكام التقنينات العربية المستمدة من الفقه الغربي والمستمدة من الفقه الإسلامي وتطبيقاتها القضائية، مصطفى محمد الجمال، ط1، 1996م.
  87. قبل تقنين الشريعة كأساس لتطبيقها، محمد فتحي عثمان، مجلة المسلم المعاصر، 1397هـ (1977م)، وكذلك تم نشره بمجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، كلية الحقوق والعلوم السياسية ع3، 2014م.
  88. قوانين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، برئاسة د. صوفي أبو طالب، دار ابن رجب والفوائد، ط1، 2013م.
  89. كتاب المعاملات في الشريعة الإسلامية والقوانين المصرية، أحمد أبو الفتوح، ط البوسفور، 1913م.
  90. مجلة الأحكام الحنبلية، أحمد بن عبد الله القاري، المحققون: عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان ومحمد إبراهيم أحمد علي، دار مطبوعات تهامة، 1401 هـ/ 1981م.
  91. مجلة الأحكام العدلية، لجنة مكونة من عدة علماء وفقهاء في الخلافة العثمانية، بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، دار ابن حزم، 2021م .
  92. مجلة العدل والعدلية: بين تقنين الفقه والتحديث الساقط، محمد عبد الله الهرّاس، مجلة جامعة أم القرى للشريعة والدراسات الإسلامية، الرياض، العدد 62، 1440هـ (2019م).
  93. مجلة القضاء العدلية ودورها في تدوين الفقه الإسلامي، رسالة ماجستير، لسمر عبد الله العلي، جامعة اليرموك (الأردن)، 2013م.
  94. المدخل للعلوم القانونية وفقا لقوانين دولة الامارات العربية المتحدة وأحكام الشريعة الإسلامية، على نجيدة دبي، كلية الشرطة، ط1، 2002م .
  95. المذهبية الفقهية وأثرها في تقنين حقوق الأسرة في الأقطار العربية: دراسة تحليلية مقارنة، محمد أمنو البوطيبي مجلة المذهب المالكي. (بدون بيانات نشر).
  96. مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان، قدري باشا المطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق، القاهرة، ط2، 1308هـ - 1891م.
  97. مسوغات تقنين الفقه الإسلامي في العصر الراهن، بوزغار دليلة، مجلة الشريعة والاقتصاد، ع10، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، كلية الشريعة والاقتصاد، الجزائر، 2016م.
  98. مشروع القانون المدني العراقي، عبد الرزاق السنهوري، 1951م، (وزارة العدل العراقية) (دون بيانات نشر).
  99. مشروع القانون المدني الموحد في البلاد العربية، شفيق عناني، معهد الدراسات العربية، مصر، 1965م.
  100. مشروع تقنين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، اللجنة التحضيرية لتقنين الشريعة الإسلامية بإشراف مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، 1972م.
  101. المصالح المرسلة كمبدأ من مبادئ تقنين الشريعة، صوفي أبو طالب، مجلة الأزهر، مارس 2013م.
  102. مقال محمد صادق فهمي في المؤتمر الثاني للمحامين العرب، 1956م، المنعقد تحت عنوان "الحق والعروبة" (بحث في الفقه والقانون المقارن)، طبع تحت إشراف المحامين بمصر.
  103. من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي، مقالات السنهوري، عدد خاص بمجلة القانون والاقتصاد، جامعة القاهرة.
  104. من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي، مقالات السنهوري، عدد خاص بمجلة القانون الاقتصاد، مصر، 2007م.
  105. مناهج التجديد لدى فقهاء عُمان المعاصرين وأثره في التقنين الفقهي، مصطفى بن صالح باجو، بحث مقدم لندوة "تطور العلوم الفقهية في عُمان"، 2008م.
  106. مناهج تقنين الفقه الإسلامي في القانون المدني، بلقيس عبد الله سلمان، مجلة جامعة الكوفة كلية القانون، العراق، مج16، ع57.
  107. منهج النظر في دراسة القانون مقارنًا بالشريعة، طارق البشري، مقال بمجلة الأزهر، شعبان 1433هـ.
  108. منهجية التشريع الإسلامي، حسن الترابي، مجلة المسلم المعاصر، العدد 48، (1400هـ/1980م).
  109. منهجية تقنين الشريعة الإسلامية، عبد الكبير عبد الباقي، مجلة مجمع البحوث الاسلامية، مصر، مج45، 2010م.
  110. المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (حول تقنين الفقه)، شوال 1383هـ.
  111. موسوعة السنهوري: مقالات بمناسبة مرور أربعين عامًا على صدور التقنين المدني المصري، بإشراف محمود نجيب حسني رئيس جامعة القاهرة، (مطبعة جامعة القاهرة، والكتاب الجامعي، 1989م).
  112. نظرية الفقه في الإسلام، محمد كمال إمام، دار النهضة العربية، 1980م.
  113. نظرية القاعدة القانونية والقاعدة الشرعية، عبد المنعم فرج الصدة، معهد الدراسات العربية، مصر، 1970م.
  114. النهاية في شرح مجلة الأحكام العدلية، محمد نجيب الهلباوي، ط دار الكتب المصرية، القاهرة، 1925م.
  115. هل كانت مجلة قانون العدل بداية نهاية الفقه؟، رشيد بن عبد الله، مجلة الفقه والقانون، جامعة قطر، 2021م.
  116. واجبنا نحو القانون عبد الرزاق السنهوري، مجلة الاقتصاد، مصر، العدد الخاص للسنهوري، 1992م.
  117. الوافي في شرح القانون المدني المصري، سليمان مرقس، دار النهضة العربية، مصر، ط6 (احتوى على تأصيلات شرعية جادة).
  118. وجوب تنقيح القانون المدني المصري، وعلى أي أساس يكون هذا التنقيح بمناسبة العيد الخمسين للمحاكم الأهلية، عبد الرزاق السنهوري، مقالات السنهوري، طبعة القاهرة 1992م.
  119. الوحدة القانونية أساس القومية العربية، عبد الحليم الجندي، مجلة إدارة قضايا الحكومة، مصر، سنة 7 العدد 3 سبتمبر، 1963م.
  120. ورقة عمل لندوة تقنين الشريعة الإسلامية، جمال الدين عطية، جامعة قطر، كلية الشريعة، 1966م.
  121. ورقة عمل لندوة تقنين الشريعة الإسلامية، جمال الدين عطية، جامعة قطر، كلية الشريعة، 1966م.
  122. الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، طارق البشري، دار الشروق، 1996م.

يبرز اسم الدكتور صوفي أبو طالب في تاريخ مصر الحديث كأحد الشخصيات القانونية والسياسية البارزة التي جمعت بين العلم والعمل، وبين الفكر والتطبيق. فمنذ أن تولى رئاسة مجلس الشعب عام 1978، قاد مشروعًا طموحًا لتقنين الشريعة الإسلامية، مسعىً لم يتحقق إلا بفضل منهجه العلمي المتوازن الذي جمع بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي. هذا المقال يستعرض مسيرة هذا الرجل الذي لم يقتصر دوره على التشريع، بل امتد ليشمل التعليم والبحث، مؤكدًا أن إرثه الفكري لا يزال حاضرًا في الساحة القانونية المصرية.

أولًا: ميلاده وتعليمه

ولد الدكتور صوفي أبو طالب في (27 يناير 1925م) في مركز طامية بمحافظة الفيوم.

  • فقد تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1946م، وحصل منها أيضًا على دبلوم القانون العام في 1947م، وأُوفد في بعثة إلى فرنسا في عام 1948م.
  • حصل على الدكتوراه في القانون من باريس في عام 1950م، ، ونال جائزة أفضل رسالة دكتوراه من ذات الجامعة،
  • حصل على "دبلوم قوانين البحر المتوسط" من جامعة روما عام 1959م.

 

ثانيًا: أعماله ووظائفه

  • تدرج في السلك الجامعي حتى تولى منصب رئاسة جامعة القاهرة.
  • نال أبو طالب عضوية مجلس الشعب، عن دائرة طامية، الفيوم عام 1976م، وتم انتخابه رئيسًا للجنة التعليم بالمجلس.
  • تولى رئاسة مجلس الشعب عام 1978- 1982م، وبعد تركه رئاسة المجلس استمر في العمل الأكاديمي أستاذًا لفلسفة القانون وتاريخه بكلية الحقوق جامعة القاهرة، ثم عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية.
  • كان يعمل رئيسًا للجنة التشريعات الاقتصادية "بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي" في جامعة الأزهر في عام 2002م.
  • تمكن من إصدار قرار جمهوري بإنشاء فرع لجامعة القاهرة فرع الفيوم، فكانت كلية التربية أولى الكليات التي أنشئت بالفيوم، وتم تكريمه لدوره البارز بالجامعة، فسُمي أكبر مدرج بكلية التربية باسمه، ثم توسعت الكليات إلى أن أصبحت جامعة الفيوم جامعة مستقلة.
  • شارك في إنشاء قسم الدراسات القانونية بكلية الشريعة جامعة الأزهر.
  • شغل مناصب أخرى فرعية مثل: مستشار لجامعة أسيوط، عضوية "المجلس القومي للتعليم"، وعضو منتخب "باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي" عام 1975م، وكان عضوًا في "المجلس الأعلى للفنون والآداب"، ومقررًا للجنة تاريخ القانون للمجلس الأعلى للفنون والآداب، وعضوًا بمجلس إدارة "جمعية الاقتصاد والتشريع".
  • فترة توليه رئاسة الجمهورية: كان أبو طالب وقت اغتيال الرئيس السادات يشغل منصب رئيس مجلس الشعب، ولذا تولى منصب رئاسة الجمهورية مؤقتًا إلى حين انتخاب الرئيس، وذلك وفقًا لدستور (1971م) الذي نص على أن يتولى رئيس مجلس الشعب منصب رئيس للجمهورية، في حال خلو المنصب، وإذا كان المجلس منحلًّا حل محله رئيس المحكمة الدستورية العليا، وذلك بشرط ألا يُرشَّح أيهما للرئاسة.

 

ثالثًا: مشروعه الفكري ومنهجه

(1) تقنين الشريعة: تولى الدكتور صوفي أبو طالب رئاسة مجلس الشعب في الفترة من (4 نوفمبر عام 1978م حتى 1 فبراير عام 1983م)، وفي تلك الفترة سعى الرئيس السادات إلى تقنين الشريعة الإسلامية، وكلف رئيس مجلس الشعب بمهمة إعداد مدونة قانونية مستمدة بالكامل من الشريعة، وبدأ العمل الفعلي للتقنين في عام 1978م، واستعان الدكتور صوفي أبو طالب بصفوة من العلماء المتخصصين من الأزهر والقضاة، وأساتذة كلية الحقوق، والفقهاء الدستوريين، وبعض الخبراء من المسلمين والمسيحيين، وتم تقسيم العمل إلى لجان يرأس كل لجنة أحد أعضاء مجلس الشعب إلى جانب هؤلاء الخبراء، وارتكزت خطة العمل على عدم التقيد بالراجح في مذهب معين، بل الأخذ بالرأي المناسب من أي مذهب من المذاهب الفقهية، وبدأ التقنين على أبواب الفقه وتقسيماته، وما لم يكن له حكم في كتب الفقه لجأ الخبراء إلى مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام، وفي حالة تعدد الآراء الفقهية للمسألة الواحدة تختار اللجنة حكمًا منها مع ذكر الآراء الأخرى ومصادرها على هامش الصفحة؛ ليرجع إليها من يشاء، ومع حلول عام 1982م تم الانتهاء من جميع أعمال التقنين وعرضت على مجلس الشعب المصري، وحظيت بالموافقة عليها بالإجماع من أعضاء المجلس المسلمين والمسيحيين، وهو ما سجلته مضابط المجلس.

أنتجت لجان مجلس الشعب خمسة مشروعات للقوانين طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية وهي: مشروع قانون المعاملات المدنية (1136 مادة)، ومشروع قانون إجراءات التقاضي والإثبات (71 مادة)، ومشروع قانون العقوبات (630 مادة) ومشروع قانون التجارة (776 مادة) ومشروع قانون التجارة البحرية (443 مادة). وكان من المفترض أن يبدأ المجلس مناقشة هذه المشروعات مادة مادة، لكن فجأة توقف كل شيء، ودُفنت هذه التجربة دون إبداء أي سبب.

(2) اعتنى الدكتور صوفي كثيرًا بقضية تطبيق الشريعة ، وسعى - بكل ما أوتي من علم - لإبراز النظام القانوني للشريعة الإسلامية، وبين الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها مشروعه في مؤلفاته ومؤتمراته التي ترأسها.

(3) الاعتناء بالمقارنة: لقد اعتنى الدكتور صوفي بالمقارنات التشريعية، ولكنه كان يتميز بمنهج خاص يتضح في النقاط التالية:

  • يسعى الدكتور صوفي أبو طالب من مقارناته إلى إبراز استقلال التشريع الإسلامي عن غيره من النظم خاصة القانون الروماني، وذلك هو الهدف الأكبر عنده، ، يقول الدكتور صوفي: "إننا أمام مشكلة طال فيها الأخذ والرد منذ نهاية القرن الماضي - يقصد مشكلة تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني - ولكن لم يستقر فيها الرأي بعد، فالذين قالوا بالتأثر لم يبحثوا المسألة بحثًا موضوعيًّا منزهًا عن الهوى، والذين نادوا بعدم التأثر لم يبحثوا المسألة من كل نواحيها، بل تعرضوا لها لا كبحث مستقل قائم بذاته بل بمناسبة بعض الأبحاث القانونية الأخرى؛ ولذلك لم يتعمقوا في دراسة المسألة ولم يحيطوا بكل جوانبها".
  • في قضية نفي التأثير والتأثر اعتادت الكتابات أن تنفي أو تثبت الأمر من خلال تتبع الفروع الفقهية بين النظم كما فعل العلامة السنهوري، لكن أبو طالب نفى الأمر من خلال التتبع التاريخي للنظم، ثم أتت المسائل القانونية كأمثلة يدعم بها ما نتجت عنه الدراسة التاريخية، وكشف الدكتور صوفي أبو طالب عن هذا المنهج في إحدى أبحاثه، حيث ذكر أن البحث "يتعرض لكيفية نشأة الشريعة الإسلامية محاولًا تقصي المصادر التي يظن أن الفقهاء المسلمين عرفوا من خلالها القانون الروماني البيزنطي؛ ليبين أنه لم يقم أي دليل على إمكان تعرف الفقهاء المسلمين على القانون الروماني بأية وسيلة من الوسائل، وأن الشريعة الإسلامية نشأت -بعيدة كل البعد- عن أي مصدر روماني... ثم الوقوف على مواطن التشابه -إن وجدت- واستظهار مواطن الاختلاف -وما أكثرها- بين القانون الروماني والفقه الإسلامي، سواء فيما يتعلق بنظم القانون الخاص، أم القانون العام، أم قانون العقوبات".

ولعل هذا الخلاف بين المنهجين (منهج السنهوري وأبي طالب) ناتج من تأثير التخصص، فالسنهوري رجل قانوني يهتم بالتشريعات والدساتير، فالتطبيقات هي التي تشغل حيزًا كبيرًا من حياته، أما الدكتور صوفي فهو متخصص في دراسة فلسفة القانون وتاريخه، فالمحطات التاريخية هي التي يقف عندها. ولا شك أن المنهجين يكمل كل منهما الآخر، ويدعم نتائج ما توصل إليه كل طرف في تخصصه.

  • حين يضع أبو طالب يده على مواضع التشابه يحاول جاهدًا إظهار الفروق بينهما، إما من خلال التطبيق، أو من خلال فلسفة النظام؛ لذلك عقد فصلًا عن النظم التي قيل بتشابهها، وكلمة "قيل" - كما هو معروف- توحي بضعف الرأي غالبًا، ومن الأمثلة على ذلك نظام الشفعة، فقد قيل: إن نظام الشفعة منحدر من نظام الاسترداد المعروف في القانون البيزنطي، وقد اعتدل بعضهم وقال بأن هذا النظام البيزنطي اتخذه الفقهاء المسلمون نموذجًا لهم في نظام الشفعة، ولكن هذا الرأي أثبتت الأبحاث عكسه، فلا علاقة بين نظام الشفعة في الفقه الإسلامي ونظام الاسترداد إلا من حيث الغرض الذي يرميان إليه وهو دفع الأذى والضرر، ووحدة الغرض هذه لا تفسر إلا بوحدة الظروف الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العربي وفي المجتمع الروماني، فنظام الشفعة كان معروفًا في المجتمع العربي قبل الإسلامي، والعرب لم يكن لهم أدنى صلة بالقانون البيزنطي، فقد نقلت دواوين الفقه أن "الْأَصْل فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ إذَا اشْتَرَى حَائِطًا أَوْ مَنْزِلًا أَوْ شِقْصًا مِنْ حَائِطٍ أَوْ مَنْزِلٍ أَتَاهُ الْمُجَاوِرُ أَوْ الشَّرِيكُ فَشَفَعَ لَهُ فِي أَنْ يُوَلِّيَهُ إيَّاهُ لِيَتَّصِلَ لَهُ الْمِلْكُ أَوْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ الضَّرَرُ حَتَّى يَشْفَعَهُ فِيهِ فَسَمَّى ذَلِكَ شُفْعَةً وَسَمَّى الْآخِذَ شَفِيعًا وَالْمَأْخُوذَ مِنْهُ مَشْفُوعًا عَلَيْهِ" . أما عن نقطة الخلاف فالنظام الروماني يلزم صاحب الحكر إذا أراد بيع حقه بالحصول على موافقة مالك الأرض المستحكرة، ولهذا الأخير الخيار بين أمرين: له أن يرفض الموافقة على البيع، وفي هذه الحالة يلتزم هو بشراء حق الحكر بنفس الثمن الذي عرضه المشتري، أما إن وافق على البيع فله الحق في الحصول على رسم قدره 2% من الثمن من المشتري.
  • اهتم الدكتور صوفي أبو طالب بالقوانين القديمة بصورة أكبر من القوانين الحديثة، كما أنه اهتم بالمنبع الذي انحدرت منه القوانين الفرعية، فهو دائمًا يذكر الشرائع اللاتينية والجرمانية، وهكذا في مقابل الشريعة الإسلامية، ولا تعنيه -بصورة كبيرة- القوانين الحديثة التي انبثقت منها، مثل القانون السويسري وغيره، مع ملاحظة أن أكثر القوانين مقارنة في أبحاث الدكتور صوفي تعلقت بالقانون الروماني.

 

رابعًا: من مؤلفات د. صوفي أبو طالب

  • بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، دراسة، محمد عمارة، ط الأزهر، 1434هـ.
  • الوجيز في القانون الروماني، دار النهضة، 1964م.
  • تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، دار النهضة العربية، 1972م.
  • حالة المرأة القانونية في البلاد العربية (بالفرنسية)، 1977م.
  • الاشتراكية والديمقراطية، 1977م.
  • تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، دار النهضة، الطبعة الثالثة، 1990م.
  • محاضرات ألقاها حول تطبيق الشريعة (مجموعة)، مكتبة كلية الحقوق.
  • قوانين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، (برئاسة د. صوفي أبو طالب)، دار ابن رجب والفوائد، ط1، 2013م.
  • مبادئ تاريخ القانون، دار النهضة العربية، 1387هـ - 1967م.
  • السلطة التشريعية في مصر، تكوينها ومقوماتها، المجلة الجنائية القومية، يوليو 2005م، العدد الثاني المجلد، 48.
  • الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في البلاد العربية (الماضي والحاضر والمستقبل). مجلة اتحاد الجامعات العربية، عام 1995م.
  • المصالح المرسلة كمبدأ من مبادئ تقنين الشريعة، مجلة الأزهر، مارس 2013م.

 

خامسًا: التكريم والجوائز

حصل الدكتور صوفي أبو طالب على العديد من الجوائز منها "وسام الشرف" من الحكومة الفرنسية عام 1977م، ووسام "الشرف" من هيئة البرلمانيين الناطقين باللغة الفرنسية 1980م، ووسام الجمهورية من حكومة السودان 1982م، ووسام النيل 1983م و"جائزة الدولة التقديرية" 1990م.

 

سادسًا: وفاته

توفي د. صوفي أبو طالب فجر يوم (21 فبراير 2008م) في ماليزيا، عندما كان يشارك في الملتقى العالمي الثالث لرابطة خريجي الأزهر حول العالم في كوالالمبور‌.

 

المراجع

  • أثر الوعي الإسلامي في النهضة القانونية الأوربية في العصور الوسطى دراسة تاريخية تحليلية"، أحمد محمد بخيت، مجلة الأمن والقانون، دبي، السنة التاسعة العدد الثاني، 1422هـ - 2001م.
  • تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، د. صوفي أبو طالب، دار النهضة، 1428هـ، 2007م.
  • تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، للدكتور صوفي أبو طالب، دار النهضة، الطبعة الثالثة 1990م.
  • تطبيق الشريعة في مجلس الشعب، عاطف مظهر، تقديم إبراهيم بيومي.
  • تطبيق القوانين الأجنبية في مصر الإسلامية في ضوء فلسفة القانون وتاريخه، أنور حلمي عبد الهادي رسالة دكتوراه بإشراف د. صوفي أبو طالب، القاهرة 2006 رقم (2/339).
  • تقنين الشريعة في مجلس الشعب، د. محمد عمارة، ط الأزهر، 1434هـ.
  • التملك بالشفعة وطبيعته القانونية: دراسة مقارنة في القانون والشريعة: رسالة دكتوراه في القانون، موسى سلمان صالح، رقم (2/049) جامعة القاهرة، كلية الحقوق 1983م.
  • الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، د. صوفي أبو طالب، تقديم د. محمد عمارة، ط الأزهر، 3012م.
  • الشفعة علمًا وعملًا: أ.د. نبيل إبراهيم سعد، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1997م.
  • صوفي أبو طالب رئيس مصر الأسبق ومشروع تقنين الشريعة الإسلامية، مقال بمجلة العرب (على الشبكة الدولية)، زينب الروبي، 9 ديسمبر، 2017م.
  • مقال بمجلة القانون والاقتصاد، العدد الخاص، 1990م.

 

يشكل الدكتور شفيق شحاتة (1896–1976م) محطة محورية في مسار الدراسات الفقهية والقانونية العربية الحديثة، إذ جمع بين عمق الإحاطة بالمصادر الكلاسيكية ورؤية تجديدية منهجية قادرة على ربط التراث بمطالب العصر. فقد انكبّ في أطروحاته وكتاباته على إخراج نظرية الالتزامات من الإطار المدرسي الضيق إلى مستوى نظرية عامة قابلة للتطبيق والمقارنة، كما أسهم في تقارب لغة الفقه مع مصطلحات القانون الحديث، وجسَّد ذلك في دراساته للتشريع الإسلامي والتاريخ القانوني وفي مداخلاته المنهجية حول حرية التعاقد، وانتفاء الشكلية، ودور العرف والقاضي في التطبيق. وتميز فكره بقدرة نقدية بناءة؛ إذ لم يكتفِ بتشخيص الازدواجية التشريعية أو التقسيمات التقليدية، بل قدّم مقترحات عملية لتوحيد مصادر التشريع وتجديد النظام القضائي الإسلامي، مع احترام لأصول الفقه والالتزام بروح العدالة والاستقرار الاجتماعي. ولذا فإن قراءة أعماله لم تعد مجرد دراسة تاريخية لنظرة قانونية، بل مادة غنية لمناقشة تقاطعات الشريعة والقانون المقارن وإعادة صياغة مبادئ فقهية قادرة على تلبية متطلبات التشريع والفقه في العالم العربي المعاصر.

 

أولاً: المولد والنشأة والدراسة:

ولد شحاتة في مصر في أوائل القرن العشرين (1896–1976) لأسرة مسيحية، فهو مصري قبطي، ومن المحتمل أن تكون عائلته قد نشأت في لبنان أو سوريا، وقد تخرج في إحدى المدارس الفرنسية في القاهرة، علمًا بأن المصادر التي بين أيدينا لا تقطع ببدايات حياته.

أما عن دراسته فقد التحق شحاتة بعد المرحلة الثانوية بكلية الحقوق، ثم واصل دراسته ببرنامج دبلوم الدراسات العليا بكلية القاهرة عام ۱۹۲۹م، وحصل على شهادة الدراسات العليا في القانون العام والخاص في عامي (۱۹۳۰–۱۹۳۱م)، وكتب شحاتة أطروحته للدكتوراة بين عامي (۱۹۳۰–١٩٣٦م). وعقب الانتهاء منها قام بتدريس القانون المدني وتاريخ القانون في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، وأشرف على العديد من الرسائل، ولعل أهمها: "دراسة في نظرية بطلان التصرف القانوني في القانون المدني المصري (1953م)" للحقوقي الكبير جميل متولي الشرقاوي، الذي صار فيما بعد من أعلام القانون في مصر والعالم العربي. وفي الخمسينيات من القرن العشرين شغل كرسيًا في الكولاج دي فرانس في باريس، حيث قام بتدريس الشريعة الإسلامية وتاريخ القانون.

 

ثانيًا: خصائص التشريع الإسلامي في فكر د. شفيق شحاتة

يرى شحاتة أن الشريعة هي مجموعة الأحكام التي استقرت في كتب الفقه الإسلامي بعد أن تأسست المذاهب الفقهية المختلفة في عهد العباسيين، وهي تضم بين جناحيها جميع مسائل القانون الخاص والقانون العام، ووضعت للجنايات حدودًا أي عقوبات، وفرضت التعزير فيما وراءها. ويعتبر المذهب الحنفي أقدم المذاهب جميعًا.

أما عن خصائص الشريعة الإسلامية والروح العامة التي تسري فيها، فمن خلال استقراء شحاتة الفقه الإسلامي اتضح أن هناك نزعات تمثل الروح العامة للفقه الإسلامي، وهي تتمثل في الآتي:

  • عالمية الفقه الإسلامي: "إن الفقه الإسلامي قام وترعرع في مدى أجيال عديدة وساد في مختلف الأقطار التي جمعتها المدنية العربية، تلك المدنية التي تركت آثارًا خالدة في جميع مناحي العلوم والفنون، فليس من الغريب أن يكون أثرها كذلك في ناحية التفكير القانوني، وقد ظهر هذا التفكير في صورة من أبهى صوره، ولا تزال آثار هذا الفكر من أنفس ما يدخر الشرق في التراث العلمي".
  • الصبغة القانونية: أن التشريع الإسلامي لا يمنع مصدره الديني من اعتباره تشريعًا بالمعنى الصحيح، ذلك أننا إذا نظرنا إلى ماهية القاعدة القانونية في هذا التشريع ألفيناها تتضمن جميع العناصر التي تلاحظ في القواعد القانونية.
  • التوازن بين النزعتين الفردية والجماعية: حيث يذهب البعض إلى أن هناك نصوصًا كثيرة ترمي إلى حماية مصالح الجماعة، لكن شفيق شحاتة لا يعتمد على هذه الرؤية بصورة كبيرة في نسج تصوراته حول الفقه؛ ذلك أن التشريع الإسلامي اصطبغ في الأصل بصبغة دينية، فهو يرمي بطبيعته إلى توفير السعادة للفرد، وهذه هي الغاية التي يسعى إليها كل تشريع، وإذا حدث وغلبت مصلحة الجماعة، فليس ذلك في الواقع إلا لكونها تتضمن في نفس الوقت مصلحة الفرد، ولعل شفيق شحاتة كان مناهضًا للنزعة الاشتراكية في مصر كما هو واضح من مجموع كلامه.
  • السعي وراء العدالة المطلقة عن طريق تحقيق المساواة، وقد ظهرت هذه النزعة في نظرية الالتزام، ومنها المساواة بين المتعاقدين، على أن الفقهاء قد توغلوا في هذا الاتجاه إلى أقصى حدوده، مما يكشف عن الهدف الأسمى لهذا النظام وهو تحقيق العدالة.
  • تحقيق الاستقرار المجتمعي: فعند النظر إلى غالبية مباحث المعاملات نجد من مقاصدها أنها ترمي إلى الابتعاد عن كل ما من شأنه خلق القلق أو المنازعات في المعاملات؛ لذلك هم ينفرون من الغرر بكافة صوره، وقد توسعوا في بيان أحكام الجهالة الفاحشة واليسيرة، وذلك كله اتقاءً للمنازعات.

 

ثالثًا: حيوية الفقه الإسلامي في دراسات د. شفيق شحاتة

من خلال تتبع مؤلفات شحاتة نجد أنه في كثير من النقاط والمواضع حاول أن يشير إلى مظاهر حيوية الفقه الإسلامي، ومن ذلك:

  • الاستدلال العقلي بجوار الدور الأساسي للنصوص: يرى شحاتة أن التقسيم المشهور بين أهل الرأي والحديث ليس له معنى، فجميع المذاهب تلجأ إلى الاستدلال العقلي، فعلى سبيل المثال فإن نظرية المصالح المرسلة عند المالكية والاستصحاب عند الشافعية تؤديان إلى ما يؤدي إليه الاستحسان ذاته عند الحنفية، وهذا التقسيم وإن كان مذكورًا في كتب التاريخ، فهو يثبت حقيقة واحدة وهي أن الفقه الإسلامي قد انتابه ما انتاب غيره من التشريعات؛ ففيها جميعًا يتجاذب المفسرون تياران، تيار التوسيع وتيار التضييق.
  • حرية التعاقد: على خلاف ما هو شائع عن الفقه في الوسط الغربي أن الفقهاء تناولوا العقود عقدًا عقدًا وأوضحوا سبب مشروعيتها؛ مما يعني أن ما خرج على خلاف ذلك ممنوع، وهذا تصور خاطئ عن الفقه، فكل توافق إرادتين ينتج أثره ما دام لا يخالف قاعدة من القواعد الموضوعية، بل يذهب شفيق إلى أن العقد في حالات ما قد ينتج أثره ولو خالف قاعدة ما؛ استنادًا إلى العرف أو الإجماع مثل: التعارف على عقد الإجارة، أو الاستصناع مع أنهما مخالفان للقواعد المقررة، وفي الحقيقة أن العرف والإجماع استندا إلى مصلحة الجماعة التي أباحت هذه المخالفات بقدر الضرورة.
  • انتفاء الشكلية: فالعقد ينعقد وتنشأ الالتزامات دون حاجة إلى طقوس خاصة من حركات أو إشارات أو مراسيم، ويعتبر هذا من المميزات الأساسية للتشريع الإسلامي.
  • المساحة المرنة للقاضي: فالشريعة الإسلامية في نظر شحاتة لم تكن في تطبيقها جامدة رغم اتكائها على نصوص مقدسة، فهي سايرت مقتضيات الزمان والمكان، صحيح أن القاضي يرجع في الأصل إلى مؤلفات وضعها الفقهاء، لكن يلاحظ أن القاضي لا يرجع فقط إلى ما في الكتب من نصوص، بل هو يطبق أحكام العرف والعادة، فكل ما ورد مطلقًا يفسره العرف.

واستكمالًا للروح المرنة التي يتمتع بها الفقه الإسلامي، يشير شحاتة إلى أنه في بعض الأزمنة ظهر بجوار القاضي نوع من القضاء لا يتقيد بالنصوص الفقهية، اسمه "صاحب المظالم" ووظيفته النظر في الشكاوى التي يتقدم إليه بها الناس من تصرفات الحكام، وكان يفصل فيما هو معروض عليه مستوحٍيًا روح العدالة والإنصاف، وذلك أن الناظر في المظالم يكون أفسح مجالًا وأوسع مقالًا، ويوجد أيضًا "المحتسب" الذي يراقب الأسواق والطرق ويمنع الغش.

ولنا على كلام شحاتة تعليقان: الأول: أن هذه الوظائف على الرغم من أنها كانت لا تلتزم بالنصوص كما يدعي، فكانت تستلهم الروح العامة للفقه، والأمر الثاني أنه يكشف بجلاء كيف كانت العدالة متوفرة في كل مكان، وكانت عملية ضبط المجتمع محكمة حتى لا يتكدس العمل أمام القاضي الأصلي فيتعطل مجرى العدالة أو يئسَن.

 

رابعًا: عوامل النهوض التشريعي عند شحاتة

حاول شحاتة أن يقدم مجموعة من الاقتراحات التي تمكن المجتمع العربي من استرداد عافيته القانونية من جديد؛ متجاوزًا عملية النقد إلى عملية الترقية والبناء، وهي تدور حول الآتي:

  • محو الازدواج القائم في البلاد العربية؛ حيث نجد الأحوال الشخصية منظمة تنظيمًا مستقلًا تمامًا عن الأحوال العينية، فالأولى ترجع إلى الفقه الإسلامي، والثانية ترجع إلى القوانين الأجنبية.
  • توحيد المصادر بالنسبة إلى فروع القانون؛ بحيث يصبح القانون كله عربي النشأة والتطبيق.
  • الاهتمام بعمليات التنظير؛ حتى لا نكون منعزلين عن الواقع التشريعي العالمي فعلينا أن نضع النظريات الجديدة التي تفي بحاجات العصر في ضوء التاريخ وفي ضوء القانون المقارن، وبذلك لا يكون هناك قطع بيننا وبين ماضينا وحاضرنا، ولا بيننا وبين العالم الذي نعيش فيه؛ فيجب التخلص من القانون الفرنسي ذي النزعة الفردية المطلقة.
  • العمل على توحيد القوانين العربية، وأن نهتدي بتجارب ناجحة لا تملك من مقومات التوحيد أكثر مما نملك؛ وهو يشير إلى لجنة فقهاء القانون الفرنسي والإيطالي التي عزمت أن تضع قانونًا موحدًا للالتزامات لما بين البلدين من تشابه في الجنس والتاريخ والمصدر.
  • العمل على إعادة النظام القضائي الإسلامي مع تحديثه، فللأسف تم إنشاء المحاكم الأهلية للقضاء على المحاكم المختلطة، لكنها عادت ووجهت نصلها للمحاكم الشرعية، وقُوِّدت من اختصاصها، وقد كان من المرجو أن يتم صنع نظام هجين يأخذ نظم الإدارة من المحاكم الوطنية، والجوهر من المحاكم الشرعية للعمل على نهضة النظام القضائي.

 

خامسًا: أثر أطروحات د. شفيق شحاتة على تطوير الصياغة الفقهية والقانونية

  • كان أول ابتكار قدمته أطروحة شحاتة لنيل درجة الدكتوراة هو العنوان ذاته "النظرية العامة"، التي غزت جُلَّ الكتابات العربية في هذه الجزئية، وبعد هذا المصطلح تمكن شحاتة من نحت مصطلحات أخرى أصبحت مع مرور الوقت من العرف الفقهي المعاصر، وقربت لغة الفقه من لغة القانون، كمصطلح حرية التعاقد، وتحمل التبعة، ونظرية الضرر.
  • صححت كتابات شحاتة كثيرًا من مسارات بعض الكتابات التي خاضت هذا المضمار، ولم تفلح بصورة كبيرة، فعلى سبيل المثال كانت كتابات شحاتة تقدم مخططًا أكثر تفصيلًا من جاء بكتاب أحمد أبو الفتوح باشا المعنون "الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية في القضاء والاقتصاد والقانون (والذي نشرته مطبعة الجامعة عام 1913م)، حيث عمل شحاتة على إحداث توازن يحمد بين النظرية الإسلامية للالتزامات ومعايير الانضباط الأوروبية.
  • أوضحت رسالته مدى الاهتمام العميق بالفقه الحنفي في الديار المصرية، لكنه تجاوزها بصورة ملحوظة في بحثه للحديث عن الفقه الإسلامي، وعدم حبسه في مدرسة واحدة أو إطار أصولي واحد، وقد أثر هذا الاتجاه بدوره في الأوساط العلمية، وعاد بالنفع الجم على الفقه والحياة مع أنه كما ناقشنا سابقًا لم يلتزم بهذا الإطار النظري الذي وضعه عند دراسة الفقه الإسلامي.
  • لقد تخطت أطروحة شحاتة جميع المحاولات التي سبقتها في إبراز نظرية الالتزام الإسلامية؛ حيث اعتمد على بحث أوسع في المصادر الكلاسيكية لتأسيس حجته، وبيَّنت الرسالة مدى أصالة الحديث عن نظريات عامة في خطاب الفقه الإسلامي ومشروعيته.
  • جسدت إنجاز مهم في مصر إلى يومنا هذا، وهو تطبيق القانون المقارن ذي الطابع الفرنسي، لا سيما الأسلوب الذي طوره "إدوارد لامبير" في دراسة الفقه الإسلامي الكلاسيكي. ومن خلال تطوير تصور بنيوي وقاطع جديد للقانون الإسلامي الخاص. طوَّر شحاتة آلية عملت على التمهيد لإجراء تغييرات لاحقة في قضايا العقد، والجريمة المدنية، والملكية وغيرها من الموضوعات القانونية.
  • استطاع شحاتة إقناع أساتذته وزملائه في قسم الشريعة بكلية القاهرة بأهمية التركيز على مفهوم الالتزام وتوحيد معناه، واستخدامه مبدأ أول في تنظيم الجزء الأعظم من القوانين الخاصة في المعاملات، وهكذا يكون شحاتة قد دفع خطاب الفقه المصري الإسلامي في اتجاه واحد: التنظير حول الالتزام والعقد. وفي الوقت نفسه ضاعفت أطروحته من مجال الانقسام في كلية القاهرة بين مؤيدي المنهجية ذات الطابع الفرنسي في مجال الفقه وأنصار المنهج الإسلامي الأكثر أصولية من خريجي المعاهد الإسلامية العليا في مصر.

 

وقد نال الدكتور شفيق شحاته الكثير من الإطراءات على ما قدمه من علم نافع، سواء في الشريعة الإسلامية والفقه المستنبط منها، أو في مجال القانون الوضعي، ومن ذلك ما كتبه عنه المستشار الجليل طارق البشري -رحمه الله-، إذ كتب يقول: "من أساتذتي في كلية الحقوق الدكتور شفيق شحاتة، درستُ عليه مرَّتين، في السنة الأولى بالكلية درَّس لنا تاريخ القانون، واستنَّ في تدريس المادة على عهده سُنَّة لم تعرف من قبله ولا من بعده. فمن قبل كان تاريخ القانون يدرس فيه قوانين حمورابي، والقانون الروماني، وما أشبه؛ أما هو فقد جعل المادة أساسها تدريس برديات فرعونية لعقود ومعاملات استخلص منها نظامًا قانونيًّا، ودرس لنا بعد ذلك في سنة الليسانس النهائية مادة التأمينات العينية (كالرهون وما أشبهها)، وكتابه فيها شديد التركيز تشعر منه فعلًا بأثر كبير للفقه الإسلامي في صياغاته شديدة التركيز، شديدة الاختصار، كثيفة المعاني. فقد كان أعجوبة من أعاجيب التدريس وقتها. وعلمنا وقتها أن رسالة الدكتوراه التي نال بها درجة الدكتوراه من كلية الحقوق في جامعة القاهرة كانت عن نظرية الالتزامات في الفقه الحنفي، وكان المشرف عليه أحد أساتذة الشريعة الكبار في الكلية هو الشيخ أحمد إبراهيم".

 

سادسًا: من أهم مؤلفات د. شفيق شحاتة

تنوعت مؤلفات شفيق شحاتة في مجال القانون بين التاريخ والقانون المدني بنظرياته، ومن أهم هذه المؤلفات التي توصلت إليها:

  • الاتجاهات التشريعية في قوانين البلاد العربية، معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية، 1960م.
  • أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين من المصريين، معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية، 1957م.
  • تاريخ القانون الخاص في مصر، المطبعة العالمية، 1950م.
  • النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية، وهي رسالته للدكتوراه، 1936م.
  • التاريخ العام للقانون في مصر القديمة والحديثة، المطبعة العالمية، 1958م.
  • تاريخ حركة التجديد في النظم القانونية في مصر منذ عهد محمد علي، عيسى البابي الحلبي، 1961م.
  • النظرية العامة للتأمين العيني، المطبعة العالمية، القاهرة، 1955م.
  • محاضرات في النظرية العامة للحق، 1949م.
  • كتاب الأصل "المبسوط" لمحمد بن الحسن الشيباني، حققه وعلق عليه شفيق شحاتة، ج1، القسم الأول: كتاب البيوع والسلم، مطبعة جامعة القاهرة، القاهرة، 1954م.
  • قاموس قانوني اقتصادي "فرنسي- عربي"، وضعه محمد نصر الدين وخليل صابات ومحمد عبد الحميد عنبر، راجعه شفيق شحاتة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1961م.
  • نظرية الالتزامات في القانون الروماني، 1963م، مكتبة سيد عبد الله.
  • نظرية النيابة في القانون الروماني والشريعة الإسلامية، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، عين شمس، 1959م.
  • في القانون المقارن وفي طريقة دراسته، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، عين شمس، 1961م.
  • حوالة الحق في القوانين العربية، مطبوعات معهد الدراسات العربية، 1945م.

أولًا: تعريف الحياد

 يُعرف الحياد بأنه: الوضع القانوني لدولة تختار عدم المشاركة في نزاع مسلح قائم بين دول أخرى، مع التزامها بالامتناع عن تقديم أي دعم عسكري أو سياسي أو اقتصادي لأطراف النزاع، وبواجبات محددة نصت عليها اتفاقيات لاهاي لعام 1907، أهمها: عدم السماح باستخدام أراضيها أو مواردها في العمليات الحربية مع احتفاظها -في المقابل- بالحقوق المقررة لها، مثل حرمة إقليمها وعدم التعرض لمصالحها.

 ويُعد الحياد موقفًا قانونيًا وسياسيًا في آن واحد، يُفترض أن الدولة تلتزم بقواعد صارمة لضمان عدم انحيازها لأي طرف.

 

ثانيًا: أسس الحياد في القانون الدولي

تستند قواعد الحياد إلى مجموعة من الأسس القانونية، وأهمها:

  • العرف الدولي:

يُعد العرف الدولي المصدر التاريخي الأساسي لقواعد الحياد، حيث تطورت ممارسات الدول المحايدة خلال الحروب الأوروبية، وقد تم تدوين الكثير من هذه الأعراف لاحقًا في معاهدات.

  • اتفاقيات لاهاي لعام 1907م:

حيث تضمنت الإطار القانوني الرسمي الرئيسي المنظم للحياد في القانون الدولي الحديث.

  • مبدأ السيادة:

للدولة الحق في اختيار موقفها من النزاعات المسلحة، بما في ذلك اتخاذ موقف الحياد، طالما لم تكن طرفًا في معاهدات تحالف أو دفاع مشترك تُلزمها بالمشاركة.

 

ثالثًا: واجبات الدولة المحايدة

  • منع أطراف النزاع من استخدام أراضيها لأغراض عسكرية.
  • منع تجنيد المقاتلين أو إرسال الأسلحة من أراضيها.
  • احتجاز القوات المسلحة لأطراف النزاع التي تلجأ لأراضيها.
  • احترام الحظر البحري المشروع الذي يفرضه أحد أطراف النزاع.
  • عدم السماح بمرور قوافل عسكرية أو أسلحة عبر أراضيها.

 

رابعًا: حقوق الدولة المحايدة

  • حقها في حماية أراضيها ومصالحها من أي اعتداء من أطراف النزاع.
  • حقها في التجارة مع أطراف النزاع، شريطة ألا تكون البضائع من الممنوعات الحربية.
  • حقها في الاحتجاج على أي انتهاك لحيادها.

 

خامسا: أنواع الحياد

  • الحياد الدائم: وهو حياد مُعلن ومُعترف به دوليًا، ويُلزم الدولة بعدم الدخول في أي تحالفات عسكرية.
  • الحياد المؤقت: تتخذه الدولة في نزاع معين دون أن يكون موقفًا دائمًا، مثل حياد بعض الدول في الحرب العالمية الثانية أو في النزاعات الإقليمية.

ومن زاوية أخرى قد يكون الحياد اختياريًا أو إلزاميًا بأن يُفرض عليها بموجب معاهدات أو قرارات دولية.

الحياد في الفقه الإسلامي

الحياد من القضايا التي لم تفرد لها الأدبيات الفقهية مؤلفًا أو بابًا، مما دفع رجال الإحياء التشريعي للم شتاتها من الفروع الفقهية، والتصرفات النبوية، مع تتبع سير الدولة الإسلامية؛  ليقيموا نظرية مكتملة الأركان لهذا المفهوم.

أولًا: مفهوم الحياد في الفقه

مصطلح الحياد: عرَّفه العرب قديمًا بمعنى "الاعتزال"،  وهو يعني: عدم الانضمام لأي من الدول المتنازعة[1].

 

ثانيًا: المستند الشرعي للحياد

رغم أن مصطلح "الحياد" لم يرد في النصوص الشرعية بصيغته القانونية الحديثة، إلا أن الفقه الإسلامي أرسى قواعد شرعية وأحكامًا عملية تُجيز الامتناع عن القتال، أو عقد الهُدَن ومن هذه المستندات:

  • آيات القرآن الكريم: مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء:90). فهذا النص صريح وواضح في أن من يريد الحياد يناله، وهو يتوافق مع المبادئ العامة في الفقه التي تدعو للسلم، ومراعاة المصالح.
  • السنة النبوية: فواقعة صلح الحديبية النموذج العملي للهدنة بدل القتال، فالنبي ﷺ اختار تعليق القتال وعقد الصلح رغم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مستعدين للقتال، وهذا يُعد تطبيقًا عمليًا لما يشبه الحياد الاستراتيجي، مستندًا إلى المصلحة العليا.
  • قواعد الفقه الكلية، ومنها:
  • قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، فإذا كان القتال يؤدي إلى مفاسد أعظم (كإراقة دماء المسلمين، أو تمكين الظالم)، فإن الامتناع عنه -أي الحياد- يكون واجبًا.
  • قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، فلا يجوز أن يُسبب انحياز المسلم لطرف في نزاع ضررًاعلى نفسه أو على غيره، ففي هذه الحالة يكون الحياد موقفًا شرعيًا.
  • قاعدة "المصلحة المرسلة" فيجوز للمسلمين عقد الهُدَن، أو التحالفات، أو الامتناع عن القتال إذا كان فيه مصلحة راجحة، حتى لو لم يرد فيه نص خاص ما دام لا يخالف نصًا أو إجماعًا.

 

ثالثًا: صور الحياد، وأحكامه في الفقه

يختلف حكم الحياد في الفقه الإسلامي حسب الحالة التي يندرج تحتها وفقًا للتوضيح التالي:

أولًا: إذا كانت هناك معركة بين المسلمين وغيرهم، ورفض قوم (أو دولة) المشاركة بين الطرفين، فهنا يجب أن يوافق المسلمون على حياد تلك الدولة. بنص القرآن: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء:90).

ثانيًا: أن يكون النزاع بين طافئتين من المؤمنين، ففي هذه الحالة لا يجوز الحياد، بل يجب الإسراع للمصالحة، وجمع الشمل، فإن بغت إحداهما على الأخرى يجب الانضمام إلى الدولة المعتدَى عليهم حتى تتراجع الدولة الباغية وتستجيب للصلح العادل.

ثالثا: أن يكون النزاع بين دولة إسلامية، وغير إسلامية، وهنا لا يجوز الحياد، بل يجب الانضمام للدولة المسلمة نصرة، وتأييدًا.

رابعًا: أن يكون الحياد بين دولتين غير مسلمتين، وهنا يوجد تفصيل:

  • أن تكون إحدى الدولتين ليست علاقتها مع المسلمين علاقة سلم، ولكن سكنت الحرب، فهنا يجب الموادعة، إلا إذا تبين أنها تأخذ هدنة لاستكمال حربها ضدنا.
  • أن يكون بين المسلمين وإحدى المتنازعتين معاهدة نصرة في الحرب، فهنا يُعد الحياد خيانة، ويجب نصرتهم.
  • ألا تكون هناك معاهدة أو حرب مع إحدى الدولتين المتنازعتين، فهنا يجب الحياد.

ويشير أبو زهرة إلى أنه يجب عدم الحياد في هذه الحالة الأخيرة إذا تبين ظلم إحداهما؛ لأن الإسلام جاء لنصرة المظلوم، لكنه خفف من صرامة هذا الحكم حين أوكل حكم هذه الحالة لرؤية الدولة بما يرعى مصالح المسلمين دينًا ودنيا.

 

مقارنة بين نظرية الحياد في  القانون الدولي والفقه الإسلامي

تتشابه نظرية الحياد في الفقه الإسلامي والقانون الدولي في بعض الجوانب، ويختلفان في نقاط جوهرية، فمفهوم الحياد يكاد يكون واحدًا في الفكرين، لكن آليات التطبيق ودوافعه قد تكون متباينة، ويتضح ذلك بصورة جلية في النقاط الآتية:

  • يُبنى الحياد في القانون الدولي على مبدأ السيادة الوطنية، وعدم التدخل كحق للدولة، لكنه يُبنى في الفقه الإسلامي على المصلحة الشرعية، وتحقيق العدل، ودرء الفتنة، ومقاومة البغي، كواجب ديني وأخلاقي، فالحياد في الإسلام ليس موقفًا سلبيًا من الصراع، بل هو موقف إيجابي مشروط بالحكمة والمصلحة وعدم الإضرار.
  • يستند الحياد في القانون الدولي إلى مصادر قانونية وضعية، أهمها: الاتفاقيات الدولية، والعرف الدولي، ومبدأ السيادة، ويُنظر إليه كحق من حقوق الدولة المستقلة في اختيار موقفها من النزاعات. ولا يهتم بالقيم الخُلقية حتى لو كان أحد أطراف النزاع ظالمًا ؛ لأن القانون الدولي لا يتدخل في تقدير "العدل" أو "الظلم" في الحرب، بل ينظم العلاقات بين الدول المتحاربة والمحايدة.

أما في الفقه الإسلامي، فالمرجعية هي الوحي -القرآن والسنة- ثم الاجتهاد الفقهي القائم على مقاصد الشريعة. فلا يُقبل موقف الحياد، أو الامتناع عن القتال إذا كان يؤدي إلى نصرة الباطل، أو إضعاف الحق، أو إراقة دماء المسلمين.

  • في القانون الدولي، يُشترط لإعلان الحياد أن تعلن الدولة موقفها صراحة أو يُعترف به ضمنًا، وأن تلتزم بعدم التحيز، ومنع استخدام أراضيها، وعدم توريد الأسلحة، ومعاملة الأطراف بالمساواة. وإذا خرقت هذه الالتزامات تفقد صفة الحياد، وتتعرض للمساءلة الدولية.

أما في الفقه الإسلامي، فالضوابط أعمق وأعقد. فمثلًا: يجوز عقد الهدنة مع العدو الكافر إذا كان فيها مصلحة للمسلمين، كما في صلح الحديبية، حتى لو كان العدو ظالمًا. ويجوز إعطاء الأمان لفرد أو وفد من العدو، ويحرم خيانته. ويحرم نصرة الباغي أو الظالم، بل يجب على المسلم أن يعتزل الفتنة إن لم يستطع إنصاف المظلوم. ولا يجوز الحياد إذا كان يؤدي إلى إقرار الظلم أو إضعاف شريعة الله.

وهكذا، فإن الحياد في الإسلام مشروط بـنية صالحة ومصلحة راجحة، وعدم الإضرار بالدين.

 

المراجع

  • أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية، دراسة مقارنة، إسماعيل كاظم العيساوي، مكتبة الرشد، الرياض، 2016م.
  • أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية، حامد سلطان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1968م.
  • أساليب فض تنازع القوانين ذي الطابع الدولي في الإسلام، عنايت عبد الحميد، دار النهضة، 2017م.
  • انفصال جزء من إقليم الدولة: دراسة فى إطار القانون الدولي والفقه الإسلامي، عبد الرحمن محمد حمود الوجيه، طبعة جامعة القاهرة، 2003م.
  • التحفظ على المعاهدات الدولية، في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، عبد الغني محمود، دار الاتحاد العربي، بدون سنة نشر.
  • حالات عدم الوفاء المشروع بالتعهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، يحيى محمد علي عبد الله، جامعة القاهرة، بدون سنة نشر.
  • حماية المدنيين والأعيان المدنية وقت الحرب، جمعة شحود شباط، ط جامعة القاهرة،2003م.
  • العلاقات الدولية في الإسلام ، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، 2017م.
  • العلاقات الدولية في الإسلام، محمد حميد الله، ترجمة، محمد أحمد سراج، دار نهوض، الكويت، 2022م.
  • العلاقات الدولية في الإسلام، إبراهيم عبد الحميد، ضمن الأعمال الكاملة لطبعة دار الإفتاء، إشراف محمد كمال إمام، وشوقي علام، 2017م.
  • العلاقات الدولية في السنة النبوية، أحمد أبو الوفا، دار النهضة، 2009م .
  • قانون الحرب أو القانون الدولي الإنساني، نعمان عطا الله الهيتي، دار رسلان، 2008م.
  • القانون الدولي الإنساني، دراسة مقارنة بالشريعة عبد الغني محمود، دار النهضة.
  • القانون الدولي العام دراسة تأصيلية، محمـد سعـادي، منشأة المعارف، 2020م.
  • قانون حقوق الإنسان في الفكر الوضعي والشريعة الإسلامية، عبد الواحد محمد الفار، دار النهضة.
  • قواعد السلوك الدبلوماسي في الإسلام، عبد القادر سلامة، دار النهضة العربية، 1999م.
  • المعاهدات الدولية في الشريعة الإسلامية، أحمد ابو الوفا، دار النهضة، 2007م.
  • المنظمات الدولية، في القانون والفكر الإسلامي، صلاح عبد البديع شلبي، دار النهضة العربية، 2010م.

                                                                                                                   

 

 

أولاً: التعريف في القانون الدولي

هو: "نظام تعاقدي بين دولتين أو أكثر، يقوم على اتخاذ تدابير عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية لمواجهة أي عدوان على إحداها باعتباره عدوانًا على جميع الأطراف، في إطار مبدأ التضامن الجماعي".

وقد تجسد هذا المفهوم بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 51 الخاصة بالدفاع الشرعي الفردي والجماعي)، وكذلك في مواثيق المنظمات الإقليمية مثل: حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وجامعة الدول العربية عبر معاهدة الدفاع المشترك.

 

ثانيًا: أسس الدفاع الدولي المشترك

1- الشرعية الدولية:

يجب أن يتم الدفاع المشترك في إطار احترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خاصة فيما يتعلق بحظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي.

2- مبدأ التضامن الجماعي:

فالاعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على جميع الدول الأطراف، مما يستوجب ردًا جماعيًا منسقًا.

3- التوافق والالتزام التعاهدي:

يقوم الدفاع المشترك على معاهدات أو اتفاقيات رسمية، تُلزم الدول باحترامها وتنفيذها.

4- الأمن الجماعي:

يعتمد على فكرة أن استقرار وأمن كل دولة مرتبط بأمن المجموعة كلها، مما يعزز السلام الإقليمي والدولي.

5-التوزيع المتوازن للأعباء:

أي إنَّ الدول المشاركة تتقاسم التكاليف العسكرية والمالية والسياسية بشكل عادل وفق قدراتها

6-التكامل بين الوسائل:

الدفاع لا يكون عسكريًا فقط، بل يشمل التعاون في المجالات الأمنية، الاستخباراتية، الاقتصادية، والإعلامية لمواجهة الأخطار.

 

ثالثًا: أهداف الدفاع الدولي المشترك

  1. ضمان التأمين ضد أي عدوان.
  2. تقليل احتمالات الحرب من خلال الردع.
  3. التعاون العسكري والسياسي بين الدول.
  4. مواجهة الحروب، ولاسيما الحروب الجديدة، مثل: الإرهاب، الحرب السيبرانية، والصراعات الهجينة.

 

رابعًا: التحديات التي تواجه اتفاقيات الدفاع المشترك

  1. الاختلافات في اتخاذ القرارات.
  2. تباين المحفزات والدوافع والمصالح مع الدول غير المنضمة إلى الحلف.
  3. التباين في الطموح العسكري.
  4. المسائل المتعلقة بالاقتصاد أو الشؤون الداخلية أو الشؤون المالية بين الدول الأعضاء.

 

خامسًا: أبرز اتفاقيات الدفاع العربي المشترك

  1. معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي (1950):

-أُقرت في إطار جامعة الدول العربية في 18 يونيو 1950.

-تنص على أن أي اعتداء مسلح على دولة عربية يُعتبر اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، وتلتزم الدول بالرد المشترك.

- تضمنت أيضًا إنشاء مجلس دفاع عربي مشترك للتنسيق العسكري.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وسوريا (1955م):

- عُقدت لمواجهة النفوذ الغربي والإسرائيلي في المنطقة.

- نصت على التعاون العسكري وتبادل الدعم في حال تعرض أي طرف لعدوان.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والأردن (1957م):

- هدفت إلى مواجهة التهديدات الإسرائيلية بعد العدوان الثلاثي (1956م).

- تضمنت التزامات بالتنسيق العسكري وتبادل المساعدة الدفاعية.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والعراق والأردن (1958م) – (ضمن إطار الاتحاد العربي بعد وحدة مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة):

-أكدت التعاون العسكري والسياسي لمواجهة التحديات الأمنية.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي (1984م):

- عُرفت بإنشاء قوة "درع الجزيرة" كقوة دفاع مشترك.

- تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على بقية الدول الأعضاء.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان (2025م):

- تأتي في إطار "سعي البلدين لتعزيز أمنهما وتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم".

- كما تهدف إلى "تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء".

- نصت الاتفاقية على أن "أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما"، كما نصت على التنسيق في مواجهة التهديدات المشتركة: خصوصًا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، والتطرف، وأي تهديدات لأمن الخليج أو شبه القارة الهندية.

 

الدفاع المشترك في الفقه الإسلامي

أولا: تعريف اتفاقيات الدفاع المشترك في الفقه الإسلامي وسندها:

هي عهود أو مواثيق تُبرم بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين غيرهم من الدول والجماعات، غايتها التناصر والتعاون العسكري ضد أي اعتداء خارجي، وفق ضوابط الشرع. وهي ترتكز على نصوص أصيلة منها:

  • قوله تعالى:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [سورة الأنفال: جزء من الآية رقم 72].

2- قوله ﷺ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" (رواه البخاري ومسلم).

3- إجماع الفقهاء، فإذا اعتُدي على بلد من بلاد المسلمين وجب على بقية المسلمين نصرته (فرض كفاية يتحول إلى فرض عين عند الحاجة).

4-كما تندرج تحت مبادئ فقهية عميقة كمبدأ التكافل الدفاعي الذي يجمع الأمة الإسلامية في مواجهة العدوان.

5- وثيقة المدينة المنورة التي نصّت على أن "المؤمنين يد على من سواهم".

 

ثانيًا: صور اتفاقيات الدفاع المشترك في الإسلام

1-اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدول الإسلامية:

وهو الأصل في هذه الاتفاقيات، وأصل العلاقة بين المسلمين حتى بدون اتفاق.

2-اتفاقات الدفاع المشترك مع غير المسلمين:

والأصل فيها التأقيت، والاحتكام للمصلحة؛ فهي جائزة مثلا إذا كان الهدف دفع العدوان المشترك، ولها أمثلة منها:

معاهدة النبي ﷺ مع خزاعة ضد قريش، وكذلك صلح الحديبية وما تلاه.

 

ثالثًا: الضوابط العامة لاتفاقيات الدفاع المشترك في الإسلام:

  • أن يكون الهدف رد العدوان المشروع لا العدوان والظلم.
  • ألا يترتب عليها تنازل عن ثوابت الدين أو استقلال المسلمين.
  • أن تكون القيادة للمسلمين أو في إطار يضمن عدم ذوبان الهوية.
  • الالتزام بالعهود والمواثيق لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} (سورة الإسراء، جزء من الآية رقم 34).

 

مقارنة بين مفهوم الدفاع المشترك في الفقه والقانون

1- الدفاع المشترك واجب شرعي في الإسلام على الأمة، يتجاوز حدود الدولة القُطرية، ولا يحتاج حسب أصول الإسلام إلى اتفاقيات، وإن كانت جائزة، وغير ممنوعة، بخلاف القانون الدولي، فالأصل أن كل دولة تدافع عن نفسها، ولا يحدث التناصر إلا باتفاق مشروط.

2-وضع الفقه الإسلام مجموعة من القواعد التي تضمن أن يكون الدفاع المشترك موجها في الاتجاه الصحيح، كرد العدوان ونصرة المظلوم، أما القانون الدولي، فقد يتخذ قرارات بناء على مصالح اقتصادية أو سياسية لا تراعي البعد الإنساني، ولا تحترم العدالة .

3-طبيعة الالتزام في الفقه الإسلامي هو التزام ديني وأخلاقي، أما القانون الدولي فهو التزام قانوني وسياسي قابل للتفاوض.

 

المراجع:

  1. آلية الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي في ضوء التحديات الراهنة، محمد حسن أحمد جاد. مجلة مصر المعاصرة، المجلد 110، العدد 533 - الرقم التسلسلي 4، أكتوبر 2019م.
  2. التجربة والخطأ في استراتيجية الدفاع العربي المشترك، جميل الجبوري. مجلة "شؤون عربية" التابعة لجامعة الدول العربية. العدد 21، نوفمبر 1982م.
  3. تاريخ الوحدة العربية بين زمنين، د أحمد يوسف أحمد، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، فبراير، 2018م.
  4. نحو استراتيجية سياسية واقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه العراق في مرحلة ما بعد الحرب د. عبد العزيز بن صقر مركز خليج للأبحاث، 1 يناير، 2004م.
  5. دور حلف شمال الاطلسي بعد الحرب الباردة، نزار الحيالي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2003م.
  6. الأمن الجماعي في جامعة الدول العربية، أحمد علي سالم، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016م.
  7. آثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق. 1998م.
  8. أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، 1982م.
  9. في النظام السياسي للدولة الإسلامية، محمد سليم العوا، دار الشروق، 2006م.
  10. العلاقات الدولية في الإسلام، محمد حميد الله، ترجمة: محمد أحمد سراج، مركز نهوض، بيروت- لبنان، 2022م.

 

أقامت الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع حلقة نقاشية بعنوان: "الاعتراف ليس دائمًا سيد الأدلة"، حاضر فيها المستشار بهاء المُري، رئيس محكمة الجنايات بالمنصورة، وذلك يوم الخميس الماضي الموافق 18/9/2025م. وقد كان لموقع حوارات الشريعة والقانون حضور فعال في هذه الحلقة.

 

ما الذي استهدفته الحلقة؟

استهدفت الحلقة النقاشية مناقشة أحد أبرز القضايا المطروحة على الساحة التشريعية والقضائية في المجال الجنائي، والمتمثلة في القاعدة الراسخة التي تعتبر الاعتراف "سيد الأدلة"، بحيث يغلق بمجرده الباب أمام القاضي لمواصلة التحقيق والتقصي.

وخلال مداخلته، أوضح المستشار بهاء المري أن هذه القاعدة لم تعد ملائمة في صورتها التقليدية، وأنها تستوجب إعادة نظر وتعديل؛ لأن الاعتراف قد لا يعكس الحقيقة دائمًا، إذ قد يصدر بدافع المحاباة لشخص آخر، أو بدافع الشفقة والرحمة، أو طمعًا في منفعة ما، أو حتى تحت وطأة الضغوط والإكراه.

 

أمثلة واقعية توضح المخاطر

وضرب المستشار أمثلة على ذلك، أبرزها واقعة اعترفت فيها امرأة بأنها أغرقت طفلها في الماء. لكن القاضي، الذي لم يجد في هذا الاعتراف ما يطمئن إليه قلبه، قرر الاستمرار في التحقيق. ومع المزيد من المناقشة، أقرت الأم في النهاية بأن طفلها مات غريقًا دون أي تدخل منها أو من غيرها، وأن اعترافها الأول كان بدافع الشفقة على وليدها، حتى لا تتعرض جثته للتشويه أثناء فحص الطب الشرعي.

هذا المثال –كما أشار المستشار– يعكس خطورة الاكتفاء بالاعتراف كدليل قاطع، ويدعو إلى مراجعة القاعدة التقليدية بما يضمن تعزيز دور القاضي في البحث والتحقيق، وصولًا إلى الحقيقة التي تبرئ البريء وتدين المذنب دون لبس أو ظلم.

 

مقترح التشريعي

طرح مركز العضو المنتدب خلال الحلقة النقاشية مقترحًا – كان قد تقدّم به أحد المشاركين – وحظي باستحسان المنصة. وجوهره أن الشخص الذي يعترف على نفسه كذبًا، ثم تكشف التحقيقات عدم صحة اعترافه، لا ينبغي أن يُترك بلا عقوبة، بل يجب أن يُحاسب رادعًا. فالاعتراف الكاذب يضلل العدالة، ويتستر على الجاني الحقيقي، ويشجع غيره على تكرار الفعل، بينما التمييز يبقى قائمًا لمن يعترف تحت التهديد أو الإكراه، فذلك له وضع مختلف.

المقترح شبّه الاعتراف الكاذب بالبلاغ الكاذب؛ فإذا كان الأخير جريمة لأنه يرهق السلطات، فإن الأول أشد خطرًا لأنه يربك العدالة ويضلل القضاء.

من جانبه، علّق القاضي بهاء المري على المقترح قائلًا إن القانون لا يتضمن نصًا صريحًا يعاقب مثل هذه الحالات، لكنه وصف الطرح بأنه "مقترح جدير بالاهتمام ويستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار". وقد فتح هذا التصريح باب التساؤلات حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحركات فعلية لترجمة الفكرة إلى نصوص تشريعية تُغلق ثغرة قانونية طالما أثارت الجدل.

 

موقف الشريعة الإسلامية:

تشير الشريعة الإسلامية إلى أن الاعتراف يعد من أقوى الأدلة وأوضحها في إثبات الحقوق أو الجرائم، لكونه إقرارًا صريحًا من المتهم على نفسه. ومع ذلك، فإن صحة الاعتراف واعتباره حجة شرعية يشترط أن يكون صادرًا عن إرادة حرة وواعية، خاليًا من أي إكراه أو ضغط مادي أو معنوي، وأن يكون مطابقًا للواقع وواضحًا من أي غموض.

ويؤكد الفقه الإسلامي على أن الاعتراف يجب أن يُقارن دائمًا مع الأدلة المادية الأخرى، خاصة في القضايا الجنائية، لضمان صدقه. كما يشدد على شروط صدور الاعتراف عن شخص بالغ وعاقل، ووضوحه ودقته، بحيث يمنح القاضي حرية التقدير في قبول الاعتراف كدليل، مع مراعاة منع البطلان إذا ثبت أي ضغط أو نقص في الفهم.

 

ثغرة قد تستوجب التعديل التشريعي

وبذلك تكون الحلقة النقاشية قد سلطت الضوء على تحدٍ قانوني مهم: كيف يمكن للمحاكم التعامل مع الاعترافات الكاذبة دون المساس بحقوق الأفراد أو تعطيل مسار العدالة. وما بين المقترحات التشريعية وردود القضاة، يَبْرُز سؤالًا جوهريًا: هل ستتخذ السلطات خطوات عملية لترجمة هذه الأفكار إلى نصوص قانونية واضحة، تغلق ثغرات طالما أثارت الجدل؟ يبدو أن الشارع القانوني على موعد قريب مع نقاشات قد تُفضي إلى تعديل جذري في مفهوم "سيد الأدلة"، لتصبح العدالة أكثر صرامة وحيادية في آن واحد.

أصدرت الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) في مطلع سبتمبر 2025 قرارًا رسميًا يقضي بأن سياسات وإجراءات إسرائيل في قطاع غزة «تتوافق مع التعريف القانوني للإبادة الجماعية» الوارد في المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. وقد جاء القرار عقب تصويت أعضاء الجمعية، ووصفت رئيستها هذه الخطوة بأنها «بيان حاسم من خبراء المجال» يربط بشكل صريح بين عدد من السياسات والعمليات العسكرية الجارية على الأرض وبين المقوّمات القانونية للجريمة المعروفة بـ "الإبادة الجماعية".

يدعو القرار، المؤلف من ثلاث صفحات، إسرائيل إلى «الوقف الفوري لجميع الأعمال التي تشكّل إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة». وتشمل هذه الأعمال: «الهجمات المتعمّدة على المدنيين وقتلهم، بما في ذلك الأطفال، والتجويع، ومنع دخول المساعدات الإنسانية والمياه والوقود وغيرها من المواد الأساسية لبقاء السكان، فضلًا عن العنف الجنسي والإنجابي، والتهجير القسري».

كما يوضّح القرار السلوكيات والأفعال التي اعتبرتها الجمعية متوافقة مع عناصر المادة الثانية، ومنها: قتل أفراد من الجماعة، إلحاق أذى جسيم أو اضطراب نفسي بهم، فرض ظروف معيشية تؤدي إلى الإبادة الجزئية أو الكاملة (بما في ذلك التجويع وحرمان المساعدات الأساسية)، اتخاذ إجراءات لمنع الولادات أو تعريض النساء للعنف الجنسي المرتبط بالتناسل، وأخيرًا التهجير القسري ونقل السكان. وقد أشار القرار بوضوح إلى ممارسات بعينها مثل: «قتل المدنيين بمن فيهم الأطفال»، و«التجويع والحرمان من المساعدات الإنسانية والمياه والوقود»، و«العنف الجنسي والاعتداءات على الخصوبة»، و«الترحيل القسري» باعتبارها عناصر تؤكد هذا التوصيف.

وتندرج هذه الأفعال ضمن الأركان الخمسة المكوِّنة لجريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، التي تعرّفها بأنها: «أي فعل من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية».

وتشمل الأفعال الخمسة المحددة في الاتفاقية:

أولًا: قتل أعضاء من الجماعة، ويتضمن هذا التعريف القتل المباشر لأفراد المجموعة المستهدفة بناءً على انتمائهم القومي أو العرقي أو الديني.

ثانيًا: إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأعضاء الجماعة، ويشمل هذا التعريف الإصابات الجسدية الخطيرة والصدمات النفسية والعقلية التي تُلحق بأفراد المجموعة المستهدفة.

ثالثًا: إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا، ويركز هذا التعريف على خلق ظروف حياتية قاسية ومدمرة بهدف القضاء على المجموعة.

رابعًا: فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، ويتعلق هذا التعريف بمنع التناسل والإنجاب داخل المجموعة المستهدفة.

خامسًا: نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى، ويشير هذا التعريف إلى النقل القسري للأطفال من مجموعتهم الأصلية إلى مجموعات أخرى.

 

الأدلة والوقائع الميدانية:

الحجج العملية والإحصائية التي استندت إليها الجمعية تضمنت الإشارة إلى حجم الخسائر البشرية، والدمار واسع النطاق في البنية التحتية، ونتائج مراقبة الجوع وغياب الإغاثة في أجزاء من القطاع. وهي عناصر وثقتها تقارير إعلامية ووكالات إنسانية عند تفسيرها لظروف المعيشة والقدرة على البقاء في غزة. وربطت الجمعية بين هذا السياق وتوافر القصد (intent) الجزئي أو الكلي لاستهداف مجموعة قومية/وطنية، وهو عنصر محوري في تعريف الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية 1948.

وفي معرض تطبيق التعريفات على الحالة الفلسطينية، أوضحت إميلي سامبل، عضوة المجلس التنفيذي للجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، أن ما تقوم به إسرائيل في غزة «يتماشى مع جميع المعايير المندرجة تحت تعريف الإبادة الجماعية»، مضيفة أن «الجمعية لا تركز على أحدها فقط». ويعني هذا التقييم أن الأفعال الإسرائيلية تندرج ضمن جميع الفئات الخمس المنصوص عليها في الاتفاقية.

كما شددت سامبل على أن «الفارق الجوهري في مفهوم الإبادة الجماعية هو النية الكامنة وراء استهداف مجموعة معينة»، مؤكدة أن «هذا ما يتحقق فيما نشهده، وهو يتجاوز بكثير ما يمكن أن يُعزى إلى الحرب أو الدفاع عن النفس». وهو ما يؤكد أن الأفعال المرتكبة تتخطى نطاق الأعمال العسكرية المشروعة، وتنطوي على نية مبيتة لاستهداف الشعب الفلسطيني.

أما الأدلة والوقائع الميدانية، فإن التقييم العلمي للجمعية يستند إلى ما وثقته مؤسسات مستقلة. ووفقًا للدكتور تيموثي ويليامز، نائب رئيس الجمعية، فإن الوضع في غزة «يستوفي بوضوح المعايير القانونية الدولية لتعريف الإبادة الجماعية». وتشمل الأدلة: مقتل أكثر من 59,000 شخص، وإصابة ما يزيد على 143 ألفًا جسديًا أو نفسيًا، والتدمير شبه الكامل للبنية التحتية بما في ذلك النظام الصحي والأراضي الزراعية والمستودعات، وتضرر نحو 90% من المباني السكنية. وهذه المعطيات تشير، بحسب ويليامز، إلى «نية واضحة لجعل الحياة مستحيلة في قطاع غزة".

ويبرز في هذا السياق استخدام التجويع كأداة للإبادة؛ إذ يركّز التقرير بشكل خاص على هذه الوسيلة. فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة ارتفاع حصيلة ضحايا «التجويع والحصار الإسرائيلي» إلى 348 شخصًا، بينهم 127 طفلًا، مع «وفاة 9 أشخاص بسبب سوء التغذية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية». ويُعدّ هذا الواقع تطبيقًا مباشرًا للتعريف الثالث للإبادة الجماعية المتعلق بإخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية مدمرة.

 

آلية اتخاذ القرار وردود الفعل:

من الناحية الشرعية ومنهجية العمل الجمعي داخل IAGS، أشار تقرير الجمعية إلى أن القرار حاز موافقة 86% من المصوّتين، من بين عضوية تقارب 500 عضو، وذلك مع مستوى محدّد من المشاركة في التصويت. وقد استُخدمت هذه النسبة المرتفعة بين المشاركين كدليل على اتفاق خبراء الحقل على هذا التقييم، رغم أن نسبة الإقبال على التصويت نفسها كانت محدودة نسبيًا قياسًا بإجمالي العضوية، وهو ما لفتت إليه بعض التقارير الصحفية عند تغطية تفاصيل عملية التصويت.

أما على المستوى السياسي، فقد ردّت إسرائيل برفض قاطع لوصف الأحداث بـ«الإبادة»، معتبرة البيان مسيّسًا ومبنيًّا على معلومات مغلوطة، في حين لا تزال هناك إجراءات قضائية دولية جارية (منها قضايا أمام محاكم دولية) تتعلق بتقديم تقييمات قانونية مستقلة لمزاعم الإبادة وجرائم الحرب.

 

أهمية القرار:

يحمل قرار الجمعية أثرين رئيسيين:

الأول، بُعد علمي وأكاديمي يُضاف إلى سلسلة مواقف صادرة عن منظمات حقوقية وضغوط دولية بشأن ما يجري في غزة؛

والثاني، أثر قانوني وسياسي محتمل، إذ يمكن أن تُستَخدم تصريحات خبراء الإبادة الجماعية لدعم مطالب دبلوماسية وقضائية، أو لمناشدات ترمي إلى منع تصدير الأسلحة ووقف أعمال يُعتقد أنها ما تزال تضرّ بالمدنيين.

وفي نص قراراتها، طالبت الجمعية إسرائيل بوقف جميع الأفعال التي تُشكّل إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية، كما شدّدت على مسؤولية الدول الموقّعة على اتفاقية الإبادة الجماعية في التدخّل لمنع ارتكاب هذه الجرائم أو المساعدة في وقفها.

 

السياق القانوني الدولي:

يأتي هذا التقييم في إطار قانوني دولي أوسع، إذ تواجه إسرائيل حاليًا دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي. وكانت جنوب أفريقيا قد رفعت في ديسمبر 2023 دعوى ضد إسرائيل متهمةً إياها بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وفي يناير 2024، أصدرت المحكمة أمرًا احترازيًا حثّت فيه إسرائيل على اتخاذ جميع التدابير الممكنة «لتفادي وقوع إبادة في عملياتها العسكرية بغزة، بما في ذلك توفير مساعدات إنسانية كافية لتجنب المجاعة».

ومن المهم عند قراءة هذا القرار التمييز بين التقييم الأكاديمي/المنهجي الذي يصدر عن خبراء الإبادة الجماعية، وبين مرحلة الإثبات القضائي أمام محكمة دولية مختصة. فالتقييم الأكاديمي يقدّم قراءة مبنية على مؤشرات تاريخية وقانونية وسلوكية، لكنه لا يُعدّ حكمًا قضائيًا نهائيًا. أما الفصل القانوني بشأن ثبوت جريمة الإبادة أو تحديد مسؤولية أشخاص بعينهم، فهو من اختصاص المحاكم المخوّلة التي تطبّق قواعد الإثبات والإجراءات القضائية.

مع ذلك، أضاف قرار الجمعية وزنًا معنويًا ودلاليًا كبيرًا إلى النقاش الدولي حول الوضع الإنساني في غزة وسبل الاستجابة العاجلة.

 

التأثير الأكاديمي والسياسي:

أشار سيرغي فاسيلييف، أستاذ القانون الدولي في الجامعة المفتوحة بهولندا، إلى أن القرار يعكس أنّ «هذا التقييم القانوني بات سائدًا في الأوساط الأكاديمية، ولا سيما في مجال دراسات الإبادة الجماعية». ويُعد هذا الإجماع الأكاديمي ذا أهمية بالغة في تشكيل الرأي العام الدولي وممارسة الضغط على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر حزمًا.

كما أكد الدكتور تيموثي ويليامز أن قرارات الجمعية يمكن أن تُستخدم كغطاء علمي وأساس أخلاقي من قبل البرلمانيين والأكاديميين والسياسيين الساعين إلى تحدي مواقف حكوماتهم، ولا سيما تلك التي تواصل دعم إسرائيل رغم تزايد التقارير الحقوقية.

 

المصادر:

  1. Stephanie van den Berg, Israel is committing genocide in Gaza, scholars' association says, Reuters, September 2, 2025, https://reut.rs/4mPENqS
  2. قرار بالإجماع من “الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية” بشأن غزة.. وحماس تعلق، الجزيرة مباشر، 1 أغسطس 2025، https://bit.ly/45PZigY
  3. جمعية علماء الإبادة: "إسرائيل" تنفذ جميع أشكال الإبادة الجماعية بغزة.. والاحتلال يرد، عربي 21، 2 سبتمبر 2025، https://bit.ly/4gcYsyy
  4. الدبابات الإسرائيلية تتوغل في غزة... وعلماء دوليون يؤكدون حصول «إبادة جماعية»، الشرق الأوسط، 1 سبتمبر 2025، https://bit.ly/4m3fnou
  5. أكبر جمعية دولية معنية بأبحاث الإبادة: إسرائيل استوفت المعايير القانونية لارتكاب إبادة جماعية في غزة، بي بي سي، 1 سبتمبر 2025، https://bbc.in/4ncx9Xb
  6. هذا ما قالته عضوة جمعية علماء "الإبادة الجماعية" لـCNN حول أفعال إسرائيل بغزة، سي إن إن العربية، 2 سبتمبر 2025، https://cnn.it/4gaVVVt
© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples