المرحوم الدكتور عبد الحميد بدوي*

By الدكتور عبد الرزاق السنهوري أيار 02, 2026 19 0

سيدي الرئيس – سيداتي – سادتي:

منذ خمسة عشر عامًا وقفت هذا الموقف، أؤبن أحد اثنين، لم تر مصر مثلهما في القرن العشرين سمو مكانة في القانون، وعلو قدر في القضاء والتشريع. منذ خمسة عشر عامًا وقفت أؤبن عبد العزيز فهمي، عضو المجمع، ومؤسس محكمة النقض، والعملاق الذي جلس على عرش القضاء في مصر بعد أن جلس على عرش المحاماة، وبعد أن حلَّق في سماء القانون، لا يتعلق ند بأذياله، ولا يلحق أحد بغباره. وكان من حظي -بل كان من سوء الحظ- أن أقف اليوم أؤبن العملاق الثاني. ولا يمكن أن يذكر عبد العزيز فهمي دون أن يذكر عبد الحميد بدوي. فعبد الحميد ثاني اثنين إذ هما طليعة رجال القانون، يطبعان بطابعهما الفذ أجيالا متعاقبة من رجال القانون.

هذان العملاقان، اللذان سادا عالم القانون في الشرق العربي نصف قرن كاملًا، يختلفان طبعًا ومزاجًا، حتى ليكاد أحدهما أن يكون نقيض الآخر. عبد العزيز حاد المزاج، عنيف الطبع، يصبر قليلا ثم يندفع. يعيش في الجلبة والضوضاء فلا يراهما يتنافران مع طبعه. إذا أحاطت به الجماهير، فهو لها وهي له، وإن كان لا يعتمد على الجماهير ولا يؤمن بها. أما عبد الحميد بدوي فهو هادئ المزاج، غير عنيف، يصبر طويلا ثم لا يندفع. يكره الجلبة والضوضاء، ويعزف عنهما بطبعه. ويعلو بأرستقراطية تفكيره وعلو ثقافته عن مستوى الجماهير، فهو لا يألفها وهي لا تألفه. هذا الفرق الجوهري في المزاج والطبع بين الرجلين، هو الذي أخذ بكل منهما في طريق غير الطريق الذي سلكه الآخر.

لم يألف عبد العزيز فهمي الوظيفة، بل أسرع إلى تركها. وعمل في المحاماة، حيث يتسع هذا الميدان الحر لمواهبه الفذة. فما لبث أن أصبح من أنبه المحامين صيتًا، وأعلاهم اسمًا. ثم انخرط في الحركة الوطنية، فما لبث أن أصبح من أكبر زعماء هذه الحركة. ولما عاد إلى الوظيفة، جلس من القضاء في مقعد الرياسة، وأسس محكمة النقض، فكانت أحكامه مدوية لا في الأوساط القضائية فحسب، بل فيها وفي أوساط الجماهير، حتى عرف رجل الشارع من هو هذا الرجل الذي يلقى من فوق منصة القضاء أجَلّ الدروس وأسماها في العدالة والوطنية.

ونجح عبد الحميد بدوي في الوظيفة إلى أبعد حدود النجاح، وهي لا تتنافر مع طبعه، فما لبث أن أصبح أسيرًا لنجاحه في الوظيفة. وبقي فيها محتجبًا عن الجماهير، لا يعرفه رجل الشارع، إلا في الحدود التي يعرف فيها أسماء الكبراء والعظماء من أهل هذا البلد. دخل الحركة الوطنية كما دخلها عبد العزيز فهمي، ولكنه دخلها يمثل الموظفين في هذه الحركة ويقوم عنهم بنصيبهم فيها. ثم دخل السياسة، ولكنه دخلها في غير جلبة ولا ضوضاء، فكان وراء المفاوضات التي دارت بين مصر وإنجلترا. ثم دخل السياسة من الباب الرسمي، فصار وزيرًا غير مرة، وعُين عضوًا في مجلس الشيوخ. ولكنه سرعان ما سئم حياة السياسة الصاخبة، فاعتصم منها بمنصب في القضاء، ولكن أين؟ أفي محكمة النقض المصرية، كما فعل عبد العزيز فهمي حيث بقي متصلًا بالأوساط المصرية، بل وبالجماهير؟ كلّا، إنه اختار مكانه في أعلى محكمة أرستقراطية في العالم، محكمة العدل الدولية، بعيدًا عن الجماهير، بل بعيدًا عن الأوساط القانونية المصرية. ولم يكن دخول هذه المحكمة سهلًا على مصري، لولا أن هذا المصري كان عبد الحميد بدوي. ذلك أن الفقيد كان علمًا من الأعلام التي ترفرف في سماء الفكر والعلم والقانون. فكان معروفًا جد المعرفة في أوساط الصفوة المختارة من رجال الفكر والعلم والقانون، ليس في مصر فحسب، وليس في الشرق العربي فحسب، بل أيضًا في زهرة الأوساط الدولية في أوربا وفي أمريكا. وهذا هو الذي يسر له دخوله في محكمة العدل الدولية. وهكذا عاش عبد الحميد بدوي بعيدًا عن الجماهير طوال حياته، يعزف عنها بحكم انصرافه إلى أعمال الفكر المضنية التي كانت تقتضيها منه الوظيفة، ثم بحكم هذه الأرستقراطية الفكرية التي تميزت بها ثقافته. عاش بعيدًا عن الجماهير بحكم وظيفته، ثم بحكم ثقافته.

كان نجاح عبد الحميد بدوي في الوظائف التي تولاها نجاحًا منقطع النظير. وقد دخل الحياة العامة عن طريق الوظيفة، وبقي في الحياة العامة مدة طويلة وهو في الوظيفة، حتى لقد قضى زهرة شبابه والجزء الأكبر من عمره والوظيفة تستأثر به. وبقيت ميادين الحياة الحرة محرومة من خدماته، ولو طرقها لكان فارسها المجلى. وقد كبرت الوظيفة به، ولم يكبر هو بالوظيفة. بل لقد عاش، كما قدمت، أسيرًا لنجاحه في الوظيفة. ولم يكن عبد الحميد بدوي ينتمي إلى أسرة عريقة في الأرستقراطية، ولكنه كان هو نفسه أرستقراطيًا، أرستقراطيًا في مكانته، أرستقراطيا في ترفعه وأنفته، وهذه هي الأرستقراطية الحقة.

وإذا كان الفقيد ينتمي بأسرته إلى الطبقة الوسطى، فهذه الطبقة من الأمة -من كل أمة- هي عمودها الفقري. وليس لأمة أن تؤمل في النهوض بغير جهود الطبقة الوسطى من رجالها. ففي هؤلاء الرجال يوجد العلماء والفنيون، ورجال الفكر والأدب، ورجال الصناعة والتجارة، وعمد النهضة الاقتصادية والنهضة الفكرية، يوجد كل شخص قادر على أن ينهض بالأمة وأن يسير بها قدمًا إلى الأمام. ألم يكن أحمد عرابي، ومحمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، وسعد زغلول، ومصطفى كامل، وطلعت حرب، وعبد العزيز فهمي، وعبد الحميد بدوي، ومئات آخرون غيرهم، وهم قادة مصر وأعلامها في تاريخها الحديث، ينتمون إلى الطبقة الوسطى؟ وسموا الطبقة الوسطى بما تشاؤون من الأسماء، سموها الطبقة البورجوازية، أو سموها الطبقة الرأسمالية، فهي هي دائما الطبقة الوسطى، فهي هي دائما العمود الفقري للأمة. وعندي أن الخير ليس هو في إنزال الطبقة الوسطى إلى منزلة الطبقة الدنيا، بل الخير هو في رفع الطبقة الدنيا إلى منزلة الطبقة الوسطى. وإذا أريد للأمة أن تتوحد في طبقة واحدة، فهذه الطبقة ينبغي أن تكون هي الطبقة الوسطى.

وكان عبد الحميد بدوي، وهو أحد المنتمين إلى الطبقة الوسطى، سيد جيله دون منازع، في غير ما جلبة ولا ضوضاء. وله في ميدان الجهاد الوطني الصامت مآثر لا تنسى. فهو وراء جميع المفاوضات المتعاقبة التي دارت بين مصر وإنجلترا، منذ أن عرضت إنجلترا على مصر مشروع ملنر، وكانت ملوك مصر، وجميع الحكومات المصرية المتعاقبة، تثق به ثقة لا حد لها. لجأ إليه الملك فؤاد، بالرغم مما كان بينهما من جفوة، في أهم عمل كان يعنيه، وهو تصفية حسابه مع الخديوي عباس. ولجأت إليه الحكومة الوفدية، وكانت لا تعتبره من رجالها، ولكنها لم تجد مناصًا، في مؤتمر مونتريه، من الالتجاء إلى قدرته الممتازة وكفايته الفذة.

ومما يؤثر عن الفقيد أنه كان، في كل عمل يتولاه، أصغر من تولى هذا العمل سنًا في الجيل الذي عاش فيه. حصل على شهادة البكالوريا في سن السابعة عشرة، في جيل كان لا يحصل فيه على هذه الشهادة إلا من بلغ العشرين أو جاوزها. وحصل على شهادة الليسانس في الحقوق وهو في سن الحادية والعشرين، وعلى درجة الدكتوراه في القانون وهو في سن الخامسة والعشرين وفي هذه السن نفسها عين مدرسًا في مدرسة الحقوق الخديوية. ثم تولى الوظائف المتعاقبة التي تولاها بعد ذلك، وهو أصغر أقرانه سنًا. حتى لقد ولى منصب المستشار الملكي وهو في سن الخامسة والثلاثين، وولى منصب كبير المستشارين الملكيين وهو في التاسعة والثلاثين. وقد حدثني أحد المستشارين الملكيين أنهم قعدوا يومًا يسنون قانونًا يتضمن فيما يتضمن الحد الأدنى لسن من يعين مستشارًا ملكيًا. فرأى بعض منهم أن يرتفع بهذه السن إلى ما فوق الأربعين. وكان عبد الحميد بدوي يرأس الاجتماع، فاستحيا المجتمعون أن يرفعوا سن المستشار إلى ما فوق الأربعين، وهم يرون رئيسهم وقد بلغ منصب المستشار في سن الخامسة والثلاثين، وبلغ منصب الرياسة وهو دون الأربعين.

ولا أستطيع في هذا الوقت القصير المحدود أن أحيط بحياة الفقيد، فلا مناص إذن من أن أقتصر هنا على مجرد الإشارة إلى المعالم البارزة في هذه الحياة الضخمة. ويمكن أن نقسم حياة عبد الحميد بدوي إلى حياته في المحيط المصري، وحياته في المحيط الدولي. ونبدأ بحياته في المحيط المصري، وكان له فيها نوعان متواليان من النشاط: نشاط فني ونشاط سياسي.

والنشاط الفني في حياة عبد الحميد بدوي هي الناحية البارزة التي سمت به، فجعلته في الصدر من رجال القانون والفتوى والتشريع. فكانت الألسنة تلهج باسمه في كل مكان، وتتناقل رجال القانون أحاديثه وفتاواه، وتشير إليه الأيدي أنى حل وأنى رحل، حتى ليصح أن يقال عنه، في هذا الأفق القانوني، إنه الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. ونعرض في عجالة سريعة إلى تاريخ حياته:

ولد الفقيد في مدينة الإسكندرية سنة ١٨٨٧، ونشأ في هذه المدينة، وهي منبت رأسه ومقر أسرته. وقد انتقل والده إلى المدينة المنورة ليقيم فيها. وأخذ معه الفقيد وهو في الثامنة من عمره، وأرسله إلى مدرسة صغيرة بالمدينة تعلم فيها القرآن واللغة العربية والحساب. ولم تطل إقامة الأب بالمدينة، بل رجع إلى الإسكندرية ومعه الفقيد وقد بلغ إذ ذاك العاشرة. فأدخله إحدى مدارس جمعية العروة الوثقى، وكان من تلاميذها إذ ذاك محمود فهمي النقراشي. وتلقى الفقيد تعليمه الثانوي في مدرسة رأس التين بالإسكندرية. وأقف قليلًا عند مدينة الإسكندرية وعند مدرسة رأس التين بالذات. ففي هذه المدينة، وفي هذه المدرسة، نشأ ثلاثة من أعلام القانون في مصر. أولهم عبد الحميد بدوي، والثاني زميله وصديقه أحمد أمين عميد كلية الحقوق والمستشار بمحكمة النقض، والثالث عبد الحميد أبو هيف أول فقيه في مصر شق للفقه المصري طريقه الحديث. ونال الفقيد شهادة البكالوريا في سنة ١٩٠٤، وكان ترتيبه الأول. والتحق بمدرسة الحقوق الخديوية وحصل على شهادة الليسانس في سنة ١٩٠٨، وكان ترتيبه الأول كذلك. وممن حصل معه على الليسانس في نفس السنة أحمد ماهر وحسن نشأت وعبد الرحمن الرافعي ومحمد نجيب الغرابلي. وكان عبد الخالق ثروت إذ ذاك هو النائب العام، فعين الفقيد في نفس السنة التي تخرج فيها مساعدا للنيابة بمحكمة طنطا الكلية، ثم نقله في السنة نفسها إلى محكمة استئناف مصر حتى تتسنى له المرافعة في بعض القضايا الكبرى كقضية عبد العزيز جاويش. ولم يبق الفقيد في النيابة العامة غير سنة واحدة، إذ اختير في عام ١٩٠٩ عضوًا في أول بعثة إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه في القانون. وأتم الفقيد بعثته في جامعة جرينوبل سنة ١٩١٢، فكان من أوائل المصريين الذين حصلوا على درجة الدكتوراه في القانون، وقد حصل عليها بأرفع لقب ممكن وبأعلى تقدير مستطاع. وحصل على هذه الدرجة معه في السنة نفسها الدكتور عبد الحميد أبو هيف رحمه الله رحمة واسعة، والدكتور بهي الدين بركات أطال الله بقاءه.

وتولى الفقيد تدريس القانون في مدرسة الحقوق الخديوية سنتين اثنتين، من ٥ أكتوبر سنة ١٩١٢ إلى أول مايو سنة ١٩١٤. ثم اختاره عبد الخالق ثروت، وكان قد أصبح وزيرًا للحقانية، مديرًا لمكتبه. وقد كشف عبد الخالق ثروت عن عبقرية عبد الحميد بدوي وما هو عليه من كفاية فذة فانتزعه من سلك التدريس، وأكاد أقول اختطفه منه. وأية خسارة أصابت الفقه المصري، إذ انتزع منه عبد الحميد بدوي. لقد كان فقيهًا بطبعه، فقيهًا بثقافته، ولا أعرف عقلًا في القانون أصفى ولا أنقى ولا أعمق من عقل عبد الحميد بدوي.

وما أنس لا أنسى، وأنا طالب في الحقوق، وقد أتاحت لي الظروف أن أشهده يومًا في نادي المدارس العليا، وهو النادي الذي كان يضم إذ ذاك صفوة رجال مصر وأرسخهم قدما في الثقافة والتفكير. دخلت النادي، والقوم يبحثون مسألة من المسائل القانونية العويصة. ويحتدم النقاش وتصطرع الآراء، ويعلو الأصوات جميعًا صوت أجش، هو صوت المحامي أحمد عبد اللطيف. وكان إذ ذاك من أكبر المحامين مكانة، وأنبههم صيتًا، وأقواهم حجة، وأكثرهم جلبة وضوضاء، ولا يكاد أحد يسمع له صوت إلى جانب صوته. ونحن طلاب الحقوق نقعد من هؤلاء الأساتذة الكبار مقعد التلميذ المتعلم، ونسمع صوت أحمد عبد اللطيف يجلجل ويدوي، فيملأ نفوسنا رهبة وإكبارًا. وتخرس الحجج أمام حجته، ويدير عينيه في المكان منتصرًا فخورًا. وإذا بشاب دون الثلاثين، هو عبد الحميد بدوي، ينبري لأحمد عبد اللطيف. وفي صوت هادئ متزن، نافذ النبرات، عميق الأثر، يقارعه الحجة بالحجة والدليل بالدليل، في سلسلة محكمة الحلقات من منطق قانوني لا يدحض، وبلسان عذب جذاب يتدفق فصاحة وحسن بيان. ويتوغل في النقاش، فتستنير المسألة ولكن في ضوء غير الذي ألقاه عليها أحمد عبد اللطيف. والقوم جلوس ينصتون، مبهوري الأنفاس مشدودين إلى المتحدث، لا تفارقه عيونهم. ويتغير الجو رويدًا رويدًا، وتزيد الناس إعجابًا بالمتحدث وتحمسًا له، وعبد الحميد بدوي لا يغير من صوته، بل يبقى الصوت الهادئ الرزين المتزن. وأحمد عبد اللطيف يتململ، ثم ينزعج، ثم يأخذ في مقاطعة المتحدث بصوته الأجش. ولكن عبد الحميد بدوي كان قد كسب القضية، وكسب معها إجلال الناس وتحمسهم، فينفجرون له تصفيقًا. ويأخذني أنا التأمل والتفكير، لماذا يترك هذا الشاب العبقري كرسي الأستاذية وهو فقيه بطبعه، فقيه بثقافته، فقيه بعقله!

وتجيء ثورة سنة ١٩١٩، ويشارك الفقيد في الثورة عن طريق عضويته في لجنة الموظفين. وهي اللجنة التي كانت تقود الموظفين وتبصرهم بواجباتهم الوطنية، في وقت كان فيه الشعور الوطني يتدفق عارمًا، يكتسح كل ما يقف في طريقه من عقبات وحوائل. وكان جزاء أعضاء هذه اللجنة أن نقلوا من وظائفهم العالية إلى أدنى منها، وشتت بعضهم في الأقاليم. وكان نصيب الفقيد، من هذا التنزيل وهذا التشتيت، أن نقل قاضيًا في محكمة طنطا. ورب ضارة نافعة، فقد كسب القضاء الوطني في عبد الحميد بدوي قاضيًا فذًا، علت أحكامه حتى بلغت القمة من نصاعة البيان، وقوة الحجة، ودقة التحليل.

ثم يعين الفقيد سكرتيرًا عامًا لمجلس الوزراء. ويذهب عدلي إلى لندن يفاوض الإنجليز، فلا يجد أفضل من الفقيد يجعله على رأس الأمانة العامة لوفد المفاوضات. وكانت هذه هي أول مشاركة للفقيد في المفاوضات المصرية، وسيعقب هذه الخطوة خطوات أوسع وأخطر.

وأصدر الإنجليز تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، وقد جاء فيه أن تلغى الحماية وأن تستقل مصر، وأن يكون نظامها الدستوري نظامًا نيابيًا. فألف عبد الخالق ثروت، رئيس الوزارة إذ ذاك، لجنة لوضع مشروع هذا الدستور برئاسة حسين رشدي. ودخل عبد الحميد بدوي، وكان قد نقل مستشارًا ملكيا كما سيجيئ، عضوًا في هذه اللجنة، وكانت تسمى لجنة الثلاثين بمقدار عدد أعضائها. ولعل الفقيد كان، قبل موته، هو العضو الوحيد الباقي من هؤلاء الأعضاء. ويتلاقى في هذه اللجنة عملاقًا القانون في مصر، عبد العزيز فهمي وعبد الحميد بدوي، الأول جاوز سن الشباب، والثاني لا يزال شابًا. ويكون عبد العزيز فهمي هو الروح المحركة للجنة، يضع مشروع الدستور، ويعرضه على زملائه أعضاء اللجنة ويناقشهم فيه، ويدافع عنه بنشاط الشباب وعقل الشيوخ، وعبد العزيز كان دائما فتى في عزيمته حتى بعد أن بلغ سن الشيخوخة. ويقف إلى جانبه عبد الحميد بدوي يكافح ويناضل ويقرع الحجة بالحجة، ويساهم في وضع نظام دستوري يقر الحياة الديمقراطية في مصر على دعائم راسخة من الحريات العامة وحقوق الأفراد. ويطلع على الناس دستور سنة ١٩٢٣، فيستقبلونه بين مادح وقادح، وبين حامد وناقد، وبين مؤيد ومفند. وقد يقوم شك في أن هذا الدستور قد جاء على شيء من الضيق، أو أن يكون ثوبًا فضفاضًا. ولكن الذي لا شك فيه أنه الدستور الذي عاشت مصر بحوله حياة ديمقراطية حقة، ومارست الأمة بفضله حقوق سيادتها، وتمتعت الأفراد في ظله بحرياتها العامة.

وينقل الفقيد، في ٥ أكتوبر سنة ١٩٢٢، إلى لجنة قضايا الحكومة مستشارًا ملكيا لوزارة الأشغال وهو في سن الخامسة والثلاثين، ولجنة قضايا الحكومة هذه اسم متواضع لأعمال هامة خطيرة، وهذه الأعمال تشمل الفتوى والتشريع والدفاع عن الحكومة فيما يرفع عليها أو منها من القضايا، وهي أعمال كما نرى جد خطيرة. وقد أنشئت لجنة القضايا معاصرة للنظام القضائي الحديث، بسبب إنشاء المحاكم المختلطة وخضوع الحكومة لقضاء هذه المحاكم. فاقتضى الأمر أن يكون هناك جهاز قانوني قوي، يفتي الحكومة في مشاكلها القانونية، ويعد لها مشروعات القوانين، ويترافع عنها أمام القضاء. فأنشئت لجنة القضايا قبيل إنشاء المحاكم المختلطة، في سنة ١٨٧٤. وكان المستشارون الذين يعينون في أقسام القضايا في العادة من رجال القانون الأجانب، ومن أكبر هؤلاء الرجال مكانة، وأرسخهم قدما في القانون. وكان أبرز هؤلاء المستشارين وقت أن عين عبد الحميد بدوي مستشارًا ملكيًا، رجلًا إيطاليًا من أعلام رجال القانون، هو بيولا كازيللي، ومعه أعلام آخرون من رجال القانون الأجانب يعملون مستشارين ملكيين في أقسام القضايا المختلفة. لذلك كان تعيين عبد الحميد بدوي مستشارًا ملكيًا في هذه السن الصغيرة، بين هؤلاء الأعلام من رجال القانون الأجانب، فتحًا مبينًا، وظفرًا عظيمًا، لرجال القانون المصريين. ويروي الأستاذ صليب سامي، في مقال له عن إدارة قضايا الحكومة نشر في الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية، في صدد تعيين الفقيد مستشارًا ملكيًا، ما يأتي: «من المأثور عن تعيين بدوي باشا بلجنة قضايا الحكومة أن المرحوم عدلي باشا عرض في شيء من التردد على مسيو بيولا كازيللي تعيين بدوي بك مستشارًا ملكيًا مساعدًا. ولم يكن سبب تردد عدلي باشا في العرض شكه في كفاية مرشحه، وإنما تقليد لجنة القضايا في قصر عضويتها على الأجانب. ولكن مسيو كازيللي أجابه على الفور: لا يا دولة الباشا، إن لجنة القضايا لا تقبل أن يعين بدوي بك مستشارًا ملكيًا مساعدًا، ولكنها تكون سعيدة جدًا لو قبل (هو) أن يكون مستشارًا ملكيًا. وهكذا دخل بدوي بك لجنة القضايا». ثم يوالي الأستاذ صليب سامي مقاله، فيقول: «ومن المأثور عن تقدير زملاء بدوي باشا له أن مسيو فرانسوا بيتري، مستشار قسم قضايا المالية، تحدث عنه يوما لزملائه يقول: يخيل إلى أن لجنة القضايا لا تزال محتفظة بتشكيلها الأول؛ إذ إن المستمع لحديث بدوي بك، إذا ما أغمض عينيه، لا يتردد لحظة في الجزم بأن المتكلم مشترع أوربي حاذق».

وقد كان الفقيد أول مصري يعين مستشارًا ملكيًا، واستطاع بفضل كفايته الفذة أن يرفع رأس مصر أمام كبار رجال القانون الأجانب. واسمعوا الآن شهادة أخرى، شهادة عبقري في عبقري، شهادة عبد العزيز فهمي في عبد الحميد بدوي، سجلها عبد العزيز في جلسة استقبال الفقيد في مجمعنا هذا، إذ يقول: «عبد الحميد بدوي باشا لم أتصل به كثيرًا في شبابه وفي مراحله الأولى، وإنما اتصلت به في سنة ١٩٢٥، حينما كنت وزيرا للحقانية. وكانت اللجنة الاستشارية -لجنة القوانين- تعقد برياسة وزير الحقانية، وكان رئيس قلم القضايا في ذلك العهد الأستاذ الكبير كازيللي، وكان معه من المستشارين رجال أقوياء جدا في فقه القانون. كان معه واتليه وروستي وغيرهما من الفقهاء الأجانب الكبار، وكان معه عبد الحميد بدوي، فالذي أشهد به وأقرره أنهم كانوا إذا تناقشوا في مسألة من المسائل، وأخذ الرأي فيها يضطرب، كان عبد الحميد بدوي يفوقهم جميعًا رأيًا، وكانوا جميعًا يخضعون لما يبدي من الرأي. تأتي الكلمة فكل يبدي فيها رأيه، وكل يناقش في رأيه هذا. وعبد الحميد بدوي متى أبدى رأيًا أيده، فخضع لرأيه الجميع. وهذه شهادة أقررها، كما أقررها بين يدي الله». هذه شهادة عبد العزيز فهمي، يقولها في عبارات بسيطة خالصة، يقررها أمام أعضاء المجمع، كما يقررها بين يدي الله. وهي شهادة تدل على ما أظهره الفقيد من تفوق عظيم في عمله الجديد.

وكان لهذا التفوق أثره البالغ، وجزاؤه السريع؛ إذ نه لما حان وقت تقاعد بيولا كازيللي رئيس قلم القضايا في سنة ١٩٢٦، لم تجد الحكومة خيرا من الفقيد بين رجال القانون المصريين والأجانب، ليحل محل الرئيس المتقاعد. وعين عبد الحميد بدوي في السنة نفسها، في أول مايو سنة ١٩٢٦، رئيسا للجنة القضايا وكبيرًا للمستشارين الملكيين، ولما يبلغ سن الأربعين. حتى إنه ليصدق عليه قول حافظ إبراهيم، بعد شيء من التحوير:

وفي القانون صرت لنا نبيا ... وما دانيت حد الأربعينًا

وبذلك قفزت مصر قفزة جبارة، بفضل كفاية عبد الحميد بدوي، إلى أعلى مناصب القانون في أعمال الإدارة. والخارق للعادة في كل هذا، هو أن مصريًا من رجال القانون، هذه السن الصغيرة، يدخل فجأة في أدق الأعمال القانونية، ويدخلها من أعلى درجات السلم، دون سابق مران أو ممارسة، وينجح هذا النجاح المنقطع النظير، في هذا الوقت القصير. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

ويبقى عبد الحميد بدوي رئيسًا للجنة قضايا الحكومة وكبيرًا للمستشارين الملكيين طوال المدة الباقية له من حياته الفنية في مصر. وفي هذا المنصب الخطير تتجلى مواهبه القانونية في الفتوى والتشريع، أروع ما تكون صقلًا، وأصفى ما تكون معدنا، وأنقى ما تكون جوهرًا. فلم يكن يستعصى عليه حل أعوص المسائل القانونية، إذ كان دائما يجد لها الحل السليم، في منطق مرتب، وتحليل دقيق. وكان يغوص في أعماق أكثر المسائل تعقيدًا، وأشدها خفاء وغموضا، فإذا هي تنقلب إلى حقائق بديهية، لا خفاء فيها ولا غموض. وكل ذلك في عبارات سلسة جذابة، تتدفق جزالة وعذوبة، فتخلب لب القارئ أو السامع. ومع ذلك تراه في بعض الأحيان يعتذر في تواضع، عن بعض ما يكتب، بأنه ورد على حد قوله: «كما جاء لا كما يجب».

وتجري المفاوضات في المسألة المصرية أربع مرات متوالية، وعبد الحميد بدوي في منصبه الكبير قريب منها في جميع الأحوال. وهو إذا كان لم يشترك في مفاوضات مصطفى النحاس في سنتي ١٩٣٠ و١٩٣٦، فإنه في أغلب الظن عاون عبد الخالق ثروت في المفاوضات التي أجراها في سنة ١٩٢٧، وهو على وجه التحقيق كان وراء مفاوضات محمد محمود في سنة ١٩٢٩، من أولها إلى آخرها. وهو الذي صاغ عباراتها بقلمه المعروف، حتى ليتراءى لك وجه الفقيد من خلال السطور. وذلك فيما عدا بعض عبارات كيل له فيها الثناء، لم يشأ الفقيد أن يكتبها، فكتبها رئيس الوزراء بقلمه.

وهناك أمران آخران استأثر فيهما عبد الحميد بدوي بالفضل كله، اضطلع في الأمر الأول منهما بكل العبء، واضطلع في الأمر الثاني بالدور الرئيسي فيه. ففي سنة ١٩٣٠ أراد إسماعيل صدقي، رئيس الوزارة إذ ذاك، أن يبدل بدستور سنة ١٩٢٣ دستورًا آخر اعتقد أنه أصلح لمصر من الدستور الأول. وقام عبد الحميد بدوي بالعبء كله، فوضع مشروع دستور سنة ١٩٣٠ ومذكرته الإيضاحية، ولم يقتصر على المساهمة فيه كما فعل في دستور سنة ١٩٢٣. ولم يقدر لدستور سنة ١٩٣٠ البقاء طويلًا، فذهب مع الوزارة التي أصدرته، وعاد دستور سنة ١٩٢٣، وقد رسخت دعائمه بعودته. أما الأمر الثاني الذي قام الفقيد بالدور الرئيسي فيه، فهو مؤتمر إلغاء الامتيازات الأجنبية الذي انعقد في مونتريه سنة ١٩٣٧، تنفيذا لمعاهدة سنة ١٩٣٦. ولعل هذا العمل كان أجل الأعمال التي قام بها العهد الماضي. وإذا كانت معاهدة سنة ١٩٣٦ قد كفلت لمصر استقلالها السياسي، فإن هذا الاستقلال كان مشوبًا بكثير من القيود. أما الاستقلال القضائي والتشريعي والإداري الذي كفلته معاهدة مونتريه لمصر فقد كان استقلالًا صافيًا لا شائبة فيه، ولا نزال ننعم بنتائجه الشهية الضخمة إلى اليوم، وإلى ما بعد اليوم. والصانع الأول لمعاهدة مونتريه هو عبد الحميد بدوي، وهذه المعاهدة هي من أجل أعماله، بل لعلها أجل أعماله. والغريب أن الوزارة الوفدية التي كانت قائمة وقت عقد مؤتمر مونتريه، ولم تكن على علاقة طيبة بالفقيد، ولكنها لم تكن تستطيع أن تستغنى عنه في هذا الأمر الخطير، أرادت أن تلحقه بوفد مصر لدى المؤتمر ولكن باعتباره مستشارًا للوفد لا عضوًا فيه. ولم يكن عبد الحميد بدوي ليقبل هذه المهانة، فقد كان من أبرز خصائص الفقيد أنه كان يعرف قدر نفسه، وسنراه لا يطأطئ رأسه لإنسان ولو كان هذا الإنسان ملكا. فأبى الوضع الذي أرادته له الوزارة، ولو أدى ذلك إلى عدم حضوره المؤتمر. ونزلت الوزارة أخيرًا عند واجبها، ورجعت إلى التصرف السليم، فعينته عضوًا في الوفد، فكان أبرز الأعضاء جميعًا، وأرسخهم قدمًا، وأكثرهم إحاطة بالمسائل الشائكة التي تنطوي عليها الامتيازات الأجنبية، وكان هو كما قدمت الصانع الأول لمعاهدة مونتريه.

ومن الأعمال الأخيرة التي قام بها الفقيد وهو في منصب كبير المستشارين الملكيين أن وضع، مع لجنة قضايا الحكومة، مشروعًا لإنشاء مجلس الدولة في سنة ١٩٣٩. على أن هذا المشروع ظل معلقًا حتى سنة ١٩٤١، إذ استبدلت به لجنة القضايا مشروعًا آخر. ولم يكد هذا المشروع الآخر ينشر في الصحف حتى قام الاعتراض عليه من كل جانب، وقيل إنه إذا أنشئ مجلس الدولة فستصبح السلطة التنفيذية داخلة في وصايته، وإن المجلس بما يملكه من إبطال القرارات الإدارية سيخل بالمسئولية الوزارية أمام البرلمان، وأنه سيفسد أمور الموظفين وستتركز فيه سلطات لم تمنح لهيئة من قبل. ويقول الفقيد معقبًا على ذلك في مقاله المنشور في العدد الأول من مجلة مجلس الدولة: «ولا أدري أهذه الخصومة أملتها الأهواء الحزبية ممن يرى أن إنشاء هذه الهيئة نوع من تسميم الآبار، أم أملاها خوف الجديد، أو الحرص على الاحتفاظ بالسلطة الإدارية ومستلزماتها كاملة. على أن هذه الصيحات لم تكن لتحول دون المضي في إنفاذ المشروع لو لم تجد لها صدى بين الوزراء أنفسهم، فإن مجرد الشعور بأن عملًا إداريًا ينسب إلى الوزير أو إلى رئيس المصلحة سيمكن أن يعرض للنقد والتجريح في المحاكم، وأن الحكم بمخالفته للقانون سيستتبع، لا قضاء بتعويض تدفعه خزانة الحكومة، بل قضاء بإبطال يمس كرامة الحكام وهيبة الإدارة، أثار نفور الكثير منهم من المشروع. لذلك رؤي من الخير التربص إلى فرصة أخرى، تكون النفوس قد تهيأت فيها لقبول هذه البدعة. ولعلنا كنا ننتظر طويلًا لو لم يقيض الله لمشروع سنة ١٩٤١ فاضلًا من أفاضل النواب، ممن صح إيمانهم بالمصلحة العامة، ووهب الشجاعة والقدرة على الدفاع عن رأيه، فتبناه وقدمه على أنه اقتراح من أحد أعضاء البرلمان. حينذاك رأت الحكومة من الأولى أن يكون الأمر بيدها، فقدمت مشروعًا يبدو أنه هو الذي جرت عليه المناقشة، وانتهى الأمر بإقرار قانون سنة ١٩٤٧».

هذا هو تاريخ إنشاء مجلس الدولة، يرويه الفقيد في أمانة تامة، ودون أي تحيز. ولو قدر للمشروع الذي وضعه الفقيد في سنة ١٩٣٩ أن ينفذ وقت وضعه فيصير قانونا، ويقوم مجلس الدولة في ذلك الوقت، لكان من المحقق أن يختار الفقيد، وكان إذ ذاك في سن الثانية والخمسين، الرئيس الأول للمجلس. ولأسس عبد الحميد بدوي مجلس الدولة على دعائم قوية، كما أسس عبد العزيز فهمي محكمة النقض على قواعد راسخة متينة. وكان من حق الفقيد على مصر، ومن حق مصر على الفقيد، أن يقوم هو بتأسيس مجلس الدولة، فتجنى مصر من وراء ذلك أعظم الكسب وأكبر النفع. ولكن القدر شاء غير ذلك، ويقول الفقيد في ختام مقاله: «ولم أشهد مولد المجلس ولا تنفيذ القانون الخاص به، ولا أعلم إن كان قد شهده أو اشترك فيه كثير من القدامى الذين عرفوا أقسام القضايا وخبروا ماضيها وذاقوا حلوها ومرها. ولكني لا أشك في أن كل من ولوا أمره لم يراعوا في ذلك التنفيذ إلا ما اعتقدوه المصلحة العامة».

والآن وقد وصلت إلى ختام حياة الفقيد الفنية في مصر، وقد انتهت في أواخر سنة ١٩٤٠ عندما دخل وزيرًا للمالية في وزارة حسين سري، أقف قليلًا أمام هذه الحياة الفنية الضخمة، أستقصي ما خلفته لنا من آثار ومؤلفات. للفقيد محاضرات في قانون العقوبات المقارن نشرها في سنة ١٩١٤، وهو في مقتبل حياته الفنية. وله أبحاث، منها بحث في مركز الوارث في الشريعة الإسلامية، وبحث ثان في أثر الامتيازات في القضاء والتشريع بمصر وقد نشر في الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية، وبحث ثالث في نظام المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وبحث رابع في حرية القول في مصر وهي محاضرة نشرت في مجلة مصر المعاصرة وشهد لها الدكتور طه حسين يوم استقبال الفقيد في المجمع بأنها من أروع ما قرأ من ناحية العلم العميق والدرس المستقصي. ولكن هذه الآثار، على علو قيمتها، ليست شيئًا يذكر إلى جانب ما تفرق في إضبارات الوزارات والدواوين وملفاتها من فتاوى قيمة وآثار خالدة، وما للفقيد من بحوث دستورية ومذكرات تفسيرية للتشريعات الهامة، وما خلفه وراءه من جهود فنية في مؤتمر مونتريه وفي المفاوضات المتعاقبة في المسألة المصرية، وما تركه من بحوث في المسائل الدولية، وما شارك فيه من قضاء في محكمة العدل الدولية. وقد كانت أعمال الفقيد الهامة تمنعه من أن يخصص وقتًا منظمًا للكتابة، إذ كانت مشاغله كثيرة تستغرق أكثر وقته. وكان يرأس كثيرًا من الجمعيات العلمية والخيرية، ويبذل فيها الكثير من وقته ونشاطه، وذلك كجمعية الاقتصاد والإحصاء والتشريع التي نجتمع في قاعتها اليوم وجمعية القانون الدولي وجمعية القانون الإداري والجمعية الخيرية الإسلامية. وما بقي له بعد ذلك من وقت قليل، كان يقضيه في القراءة. وهو خير من يجيد فن القراءة. وقد حدثني أحد أقاربه المتصلين به اتصالًا وثيقًا أن القراءة كانت عند الفقيد فنًا. فيستطيع أن يمسك بكتاب يحتوي على مئات من الصفحات، وفي ساعات قليلة يحيط بما في هذا الكتاب من سمين وغث، فيترك الغث ويطيل النظر في السمين. ولما لم يكن عند الفقيد وقت مخصص للكتابة، فقد كان يستعيض عن ذلك بأن يخلق لنفسه فرصًا يكتب فيها. فكان يستجيب عادة لمن يتقدم إليه في مقال يكتبه، أو في كلمة يقدم بها كتابًا. فوجب إذن، إلى جانب ما تقدم، استقصاء مقالاته ومقدماته، وهي كثيرة منتشرة في المجلات والكتب.

ومن حق الفقيد على رجال القانون والفكر أن يقوم نفر منهم بجمع هذه الآثار المتفرقة، في كتاب أو كتب، تستوعب ما خلفه الفقيد من ثروة فكرية ضخمة، ولكنها ثروة متفرقة، بعضها مشتت، وبعضها مدفون. وما أروعها وأجملها تلك الهدية التي يتقدم بها من يجمع هذه الآثار إلى الأجيال المتعاقبة، التي أتت وستأتي جيلًا بعد جيل، تنظر آثار الفقيد، فتدرك ما انطوت عليه من فكر عميق، ولمحات نفاذة، وعقل راجح دقيق.

وننتقل الآن إلى النشاط السياسي للفقيد في المحيط المصري، وإلى نشاطه في المحيط الدولي. ونوجز لضيق الوقت القول في ذلك.

ترك الفقيد النشاط الفني إلى النشاط السياسي في أواخر سنة ١٩٤٠، عندما قبل أخيرًا أن يدخل في وزارة حسين سري. وأقول عندما قبل أخيرًا، لأن الفقيد كثيرًا ما عرضت عليه الوزارة من قبل فكان يرفضها، ويأبى إلا أن يبقى في عمله الفني. وبدلًا من أن يقبل الوزارة لنفسه كان يؤثر أن يرشح غيره لهذا المنصب. ولعله كان وراء ترشيحات كثيرة لرجال عملوا معه واختبر قواتهم ومواهبهم، فزج بهم إلى المناصب الوزارية. ولما اشتد الضغط عليه في سنة ١٩٤٠، قبل أخيرًا أن يكون وزيرًا للمالية. ولكنه اشترط شروطًا أهمها الاحتفاظ بمنصبه في لجنة قضايا الحكومة خاليًا، حتى إذا شاء عاد إليه. وعين عضوًا في مجلس الشيوخ في مناسبة دخوله الوزارة. وبقي وزيرًا للمالية إلى ما قبيل استقالة وزارة حسين سري في أوائل سنة ١٩٤٢. ولم يكن إلا القليل من يعلم بما وقع من جفوة بينه وبين القصر. كان عبد الحميد بدوي، الرجل الفني الأول في مصر، معتصمًا بفنه، مستندًا منه إلى ركن ركين. فكان القصر، وكانت الحكومة، وكانت مصر كلها، في أشد الحاجة للانتفاع بهذا الفن، ومن ثم كان القصر لا يقصر نحوه في ود ولا ترحيب. أما عبد الحميد بدوي الرجل السياسي، وبخاصة وزير المالية وهو الوزير الذي يحتك كثيرًا بالقصر ويتلقى كل يوم رغائبه، فشيء آخر. كان عليه أن يسير في الركب كسائر الوزراء، وليس له أن يعتز بكفاية أو مكانة. ولكن عبد الحميد بدوي رجل يعرف قدر نفسه، ألم أقل لكم إنه كان لا يطأطئ رأسه لإنسان ولو كان هذا الإنسان ملكًا. فلم يطأطئ رأسه، وكان يوم عيد اعتاد القصر أن يجري فيه التشريفات الكبرى على حد تعبير ذلك العهد. والوزراء وكبار رجال الدولة يمرون واحدًا بعد الآخر أمام صاحب العرش يحيونه، وعبد الحميد بدوي يمر بينهم. فإذا به يستوقف، وتوجه إليه عبارات تنطوي على شيء من عدم الارتياح. فيبادر إلى تقديم استقالته في الحال، ويخرج من الوزارة عالي الرأس موفور الكرامة. ويقال له لقد احتفظت بمنصبك كبيرًا للمستشارين الملكيين خاليًا لتعود إليه عندما تشاء، فهلا عدت إليه؟ فيجيب ولا هذا، فمن آثر كرامته على المنصب الوزاري، يؤثرها على أي منصب آخر. وترك الفقيد الوزارة والوظيفة، واعتكف يستجم طوال المدة الباقية من الحرب، إلى سنة ١٩٤٥.

وتولى المغفور له محمود فهمي النقراشي رياسة الحكومة، وكان يجل الفقيد ويكبره إكبارًا عظيمًا، حتى لقد سمعته يقول: من أراد أن يعرف كيف يكون القانون أداة طيعة تفتح مغالق الأمور، وتيسر الصعب المستعصي، فلينظر إلى عبد الحميد بدوي وهو يشرع للدولة، فيجئ تشريعه الحل الحاسم والقول الفصل. وأراد النقراشي أن يعزز وزارته بإدخال عبد الحميد بدوي فيها، وقد استرضى ولي الأمر وما كان له إلا أن يرضى. وكذلك رضي الفقيد عن طيب خاطر ـــ-كان من ناحيته يجل النقراشي ويبادله إكبارًا بإكبار- أن يدخل في الوزارة في سنة ١٩٤٥ وزيرًا للخارجية. ومن هذا المنصب بدأ يخرج من المحيط المصري، ويطل على المحيط الدولي. وقد أطل على المحيط الدولي يوم ذهب على رأس الوفد المصري باعتباره وزيرًا للخارجية، إلى مؤتمر سان فرنسسكو ليساهم في وضع ميثاق الأمم المتحدة. وكانت مصر قد دخلت الحرب أخيرًا إلى جانب الحلفاء في وزارة المغفور له أحمد ماهر فأصبحت بذلك عضوًا مؤسسًا في هيئة الأمم، ومن حقها أن تحضر مؤتمر سان فرنسسكو للمساهمة في وضع ميثاق أكبر هيئة عالمية. وذهب عبد الحميد بدوي إلى المؤتمر، وذهب معه إبراهيم عبد الهادي، فكانا موضع إعجاب المحافل الدولية التي قدرت فيهما العقل الراجح، والذهن الصافي، والتفكير القانوني المستقيم.

وفي أثناء ذلك العام -عام ١٩٤٥- حظي مجمعنا بدخول الفقيد عضوا فيه. وفي جلسة استقباله، يوم ٢٩ أكتوبر سنة ١٩٤٥، ألقى كلمة من آياته البينات، دل بها على أن فقهه في اللغة العربية يداني فقهه في القانون.

وانتقل الفقيد بعد ذلك إلى المحيط الدولي، إذ رشح ليكون قاضيًا في محكمة العدل الدولية، فاستقال من وزارة الخارجية بعد أن دخل قاضيًا في أكبر محكمة دولية عالمية عليا. وكان أول شرقي عربي يختار لهذا المنصب الجليل، بل هو الشرقي العربي الوحيد الذي اختير لهذا المنصب حتى اليوم. وكان ذلك في سنة ١٩٤٦، ولم يبلغ الستين من عمره، فكان من أصغر قضاة هذه المحكمة العليا سنًا، إن لم يكن أصغرهم جميعًا. وما لبث كعادته أن ظهر تفوقه بين قضاة محكمة العدل في أقضيته وأحكامه في مسائل القانون الدولي، وعاد سيرته الأولى رجلا فنيا. ولكنه هنا، في هذه المرحلة الأخيرة من حياته، قد جاوز بفنه الحدود الإقليمية والمحيط المصري، وخرج إلى المحيط الدولي. فأصبح رجلًا عالميًا، بين عشرة أو عشرين من أبرز رجال القانون في العالم.

ومع ذلك فقد عشنا حتى رأينا اليوم الذي فيه يرشح عبد الحميد بدوي لجائزة الدولة التقديرية، فلا ينالها. لم يكن عبد الحميد بدوي في حاجة إلى جائزة تشهد بفضله ومكانته، وقد كان هو حجة على الجائزة، وليست الجائزة حجة عليه. وإذا كان لابد من جائزة تهدى لذكرى الفقيد، فتعالوا معي يا رجال القانون في مصر جميعًا -واسمحوا لي في هذا المقام أن أتكلم باسمكم- نقدم في خشوع وإجلال، لذكرى الفقيد الراحل، أثمن جائزة تهدى لأكبر عبقرية في القانون ظهرت في مصر في العصر الحديث.

وبعد عشر سنين قضاها الفقيد في المحكمة الدولية العليا، انتخبته المحكمة في سنة ١٩٥٥ ليكون نائبا لرئيسها. وبقي نائبًا لرئيس محكمة العدل الدولية من سنة ١٩٥٥ إلى سنة ١٩٥٨. وبعد انتهاء مدة نيابته لرياسة المحكمة بقي سبع سنين أخرى، فيكون قد قضى في أكبر محكمة عالمية، قبل أن يدخله الرحمن في رضوانه، زهاء عشرين سنة.

ويموت عبد الحميد بدوي ولا تكاد الصحف المصرية تذكر خبر موته، وإذا ذكرته ففي أضيق نطاق. ويقوم عنها بهذا الواجب الصحافة العالمية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس الأمن الدولي. ففي مجلس الأمن يقوم ممثلو الدول العظمى، ومنها أمريكا وإنجلترا وروسيا، بتأبين الفقيد. فيقول ممثل إنجلترا، وهو يعزي وفد الجمهورية العربية المتحدة، إن عبد الحميد بدوي كان رجلًا بارزًا من رجال القانون، وقاضيًا لامعًا من قضاة محكمة العدل الدولية. ويقول ممثل أمريكا إن وفاة عبد الحميد بدوي خسارة فادحة لمهنة القضاء. ويقول ممثل روسيا لقد كان اسم عبد الحميد بدوي علما يهتدي به كل من يعنى بالقانون الدولي. ويتمثل ممثل الدولة الأردنية العزاء، قائلًا إن وفاة عبد الحميد بدوي خسارة العالم العربي كله.

هذا هو الفقيد تؤبنه أكبر هيئة عالمية. ثم انظروا بعد ذلك إلى المجد الشاهق كيف يواريه التراب، وإلى الركن الشامخ كيف يدفن تحت الثرى، وإلى الحصن المنيع كيف يصبح أثرا بعد عين،

وإلى الجبال الشم كيف يزيلها *** عادى الردى بإشارة فتزول

سيداتي، سادتي:

إن عبد الحميد بدوي يتمثل فيه جيل من الأجيال التي تعاقبت على هذه الأمة، جيل عاش في عهد الاحتلال والسيطرة الإنجليزية، وامتد به الأجل إلى أن شاهد هذه السيطرة تتقلص شيئًا فشيئًا، حتى زالت إلى غير رجعة. وكانت الأمة المصرية دائبة الجهاد في سبيل استقلالها، وكان عبد الحميد بدوي في الصف الأول من المجاهدين. وقد اختار ميدانا لجهاده ما يتفق مع مزاجه وكفايته. ولا يتفق مع مزاجه أن يكون زعيمًا شعبيًا يتجه إلى الجماهير، ويلهب مشاعرهم بالخطب الرنانة. فهو، مع كونه يجيد الخطابة والحديث إلى أبعد حدود الإجادة، يعزف بطبعه كما قلت عن المواقف الشعبية. وكان جهده الأكبر يتركز في ميدان الفكر والثقافة، وقد أدى إلى بلاده أجل الخدمات في هذا الميدان. ولعلي لا أعرف مصريًا بلغ الدرجة التي بلغها الفقيد في الثقافة، لا في القانون فحسب، بل فيه وفي جميع المجالات الأخرى من علم وأدب وتاريخ وسياسة. يساعده على ذلك اطلاع واسع لا يكاد يدانيه فيه أحد، وسيطرة كاملة على لغات ثلاث لا أظن أحدًا بلغ مبلغه هو من السيطرة عليها. ولعلي لا أخطئ إذا دعوت عبد الحميد بدوي بزعيم الأرستقراطية الفكرية في الجيل الذي عاش فيه.

وهنا أقف قليلًا عند هذا الجيل الذي عاش فيه عبد الحميد بدوي، فهو جيل مخضرم، عاصر عهد الاحتلال، وأدرك عهد الاستقلال. فكسب من العهد الأول التؤدة والتبصر والاتزان، وأن يحسب حسابًا للعواقب. وكسب من العهد الثاني الحماس والتطلع والأقدام، وأن يثب الوثبة بعد الأخرى على حد قول الشاعر العربي:

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه *** ونكب عن ذكر العواقب جانبًا

ولعل الخير هو في الجمع بين مزايا العهدين. فالأمة مجموع من العهود يكمل بعضها بعضًا. وليس لأمة أن تجمد على ماضيها لا تتحرك إلى الأمام، والأمة التي تصاب بهذا الشلل مقضى عليها بالفناء. وكذلك ليس لأمة أن تتنكر لماضيها، وأن تجحد ما يكون هذا الماضي قد اشتمل عليه من محامد ومفاخر. فحاضر الأمة ليس إلا تكملة لماضيها، وما الحاضر إلا ابن الماضي بلبنه اغتذى، وفي ظله ترعرع.

سيداتي – وسادتي:

كل نفس ذائقة الموت، هذا هو قضاء الله، ولا راد لقضائه:

يدفن بعضنا بعضًا وتمشى *** أواخرنا على هام الأوالي

ونحن هنا في هذا المجمع، نتوالى في الدخول واحدًا بعد الآخر، ثم نولى في الخروج واحدًا بعد الآخر. وقد تعودنا في مجمعنا هذا أن نقف الوقفة بعد الوقفة، نستقبل عزيزًا أتى، أو نودع عزيزًا رحل. ومن وقف ليودع العزيز الراحل، سيأتي لا شك يومه ليكون هو العزيز الراحل. وهكذا الدنيا:

بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا *** فإذا به خبر من الأخبار

وقد أتى يومك يا عبد الحميد، لأرثي فيك قوة العقل، وأين العقل الذي يقرب من قوة عقلك! ولأودع فيك صفاء الذهن، وأين الذهن في مثل صفاء ذهنك! ولأؤبن فيك العبقرية الفذة، وأين العبقرية التي تسمو إلى مكان عبقريتك!

وأنت الخالص الذهن المصفى *** أزكيه ومثلي من يزكي

إن خسارة المجمع فيك لا تعوض، فطبت حيًا، وطبت ميتًا. وسلام عليك يوم استقبلت في هذا المجمع، وسلام عليك يوم تودع فيه، وسلام عليك يوم تبعث حيًا.

 

لتحميل ملف المقال (هنا)

 

* د. عبد الرزاق السنهوري، المرحوم الدكتور عبد الحميد بدوي، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، ج21، 1966م، ص159-174.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 02 أيار 2026 11:35

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.