السلطة في اللغة:
ورد الحديث في معاجم اللغة العربية عن معنى كلمة «السُّلْطَة» في مادة «سَلطَ»، فيقال في اللغة: سَلَّطَ يُسَلِّطُ تَسْلِيْطَ ًا وسَلاطَةً. و(السَّلاطَةُ): القَهْرُ، وقِيل: هو التَّمَكُّنُ من القَهْرِ، والاسم سُلْطَة بالضَّمِّ. و(السُّلْطَةُ) هي التَّسَلُّطُ والسَّيْطَرَة والتَّحَكُّمُ، فيقال: (سَلَّطَهُ): أي أَطلَقَ له السلطانَ والقُدرة. و(سَلَّطَهُ عليه): أي مَكَّنَهُ منه وحَكَّمَه فيه. و(تَسَلَّطَ عليه): تَحَكَّمَ وتَمَكَّنَ وسيْطَرَ، ومنه: تسلَّطَ الأميرُ على البلاد: أي حَكَمَها وسيطَر عليها، وتَسَلَّطَ القويُّ على الضعفاء: تغلَّبَ عليهم وقَهَرَهم. و(التَّسْليطُ): التَّغْليبُ وإِطلاقُ القَهْرِ والقُدْرَةِ، يُقَالُ: سَلَّطَه الله فَتَسَلَّطَ عَلَيْهِم، أَي جَعَلَ له عَلَيْهِم قُوَّةً وقَهْر ًا، وفي التَّنزيلِ العَزيز: }وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ{ (النساء 90).
و(السُّلْطَانُ من كلِّ شيءٍ): شِدَّتُه وحِدَّتُه وسَطْوَتُه، ومِنْهُ اشْتِقاقُ السُّلْطان. و(السُّلْطَانُ): الوالي ذو السَّلاطة، والنّونُ في السلطانِ زائدةً، وأصله من التَّسليط. و(السُّلْطَانُ والسُّلُطَانُ): قُدْرةُ المَلِكِ وقُدرةُ مَن جُعِلَ ذلك له وإِن لم يكن مَلِك ًا، كقولك قد جعلت له سُلطان ًا على أَخذ حقِّي من فلان، والسُّلْطَانُ أيض ًا: القُوَّةُ والقَهْر، أو الحُجَّةُ والبُرهان.
وبناءً على ما تقدم، فإنَّ المدلول اللغوي لمصطلح «السُّلْطَةُ» يتمثل في المعاني الآتية: القُوَّة والقَهْر والغَلَبَة، والقُدْرَة والمُلْك والسُّلْطَان، والتَّسَلُّطُ والتَّغَلُّبُ، والتَّمَكُّن والتَّحَكُّم والسَّيْطَرَة.
السلطة في الاصطلاح:
لما كان مفهوم السلطة يعدُّ من أكثر المفاهيم السوسيولوجية استخدامًا في إطار علم الاجتماع بصفة عامة، وعلم الاجتماع السياسي بصفة خاصة، فإنَّ الدارسين والعلماء والمتخصصين، على الرغم من كثرة الاجتهادات في هذا المجال، لم يتفقوا على تحديد هذا المفهوم اصطلاح ًا، بل إنَّ الكثير من الآراء والاجتهادات تتباين أحيان ًا، وقد تتضارب أحيانًا أخرى.
وعلى أي حال يمكن القول إن «السُّلْطَة» في معناها الاصطلاحي تعني «قدرة شخص على فرض إرادته على الآخرين أو التأثير فيهم»، أو هي على حد تعبير الفقيه الفرنسي جورج بيردو: «قدرة شخص على أن يحصل من آخر على سلوك ما كان ليأتيه هذا الأخير بشكل عفوي (من تلقاء نفسه)»، وهذا ما عبر عنه أيضًا الأمريكي روبرت دال بقوله: «إن قدرة شخص (أ) على شخص (ب)، هي إمكانية (أ) على حمل (ب) على القيام بعمل لم يكن ينوي القيام به لولا تدخل (أ).
ويعرَّف قاموس أكسفورد الإنكليزي السُّلْطَة Authority بأنها تعني: «الحق أو القدرة على إعطاء الأوامر، وصُنْعِ (أو اتخاذ) القرارات، وفرض الطاعة».
السلطة السياسية:
يقصد بالسلطة السياسية، تلك الهيئة المنظمة التي تتولى حكم الشعب والاشراف على مصالحه ورعايتها، وإدارة الاقليم وحمايته وتعميره، وتنظيم استغلال ثرواته. ويقصد بالسلطة السياسية، تلك الهيئة المنظمة التي تتولى حكم الشعب والاشراف على مصالحه ورعايتها وادارة الإقليم وحمايته وتعميره، وتنظيم استغلال ثرواته.
السلطة السياسية في كل مجتمع يؤسسها الحاكمون، وعلى ذلك فهي تعني تارة سلطة الحاكمين واختصاصاتهم، وهذه وجهة نظر مادية، وتعني تارة أخرى الإجراءات التي يمارسها الحكام استنادًا إلى اختصاصاتهم، وهذه وجهة نظر شكلية. وتعني تارة ثالثة، الحكام أنفسهم، وهذه وجهة نظر عضوية. ويذهب (جاك مارتان) إلى ضرورة التفرقة بين القوة والسلطة السياسية، فالقوة هي التي يمكن بواسطتها إجبار الآخرين على الطاعة، بينما السلطة السياسية هي الحق في توجيه الآخرين وأمرهم، والتزامهم بالطاعة.
ويذهب (هانز مورغنثاو) إلى أن السلطة السياسية، هي علاقة نفسية بين من يمارسون السلطة، ومن تمارس عليهم السلطة، وهي تعطي للحاكمين حق مراقبة أفعال المحكومين، من خلال التأثيرات التي تباشرها على عقول وأفكار المحكومين، كما أن أساس خضوع هؤلاء لتأثير السلطة ينبع من مصادر ثلاثة: الأول: توقعهم الحصول على منافع أو مزايا. والثاني: خوفهم من مضار أو مساوئ عدم الخضوع. والثالث: حبهم للنظام أو احترامهم للحاكمين. أما ممارسة هذه السلطة فقد تكون من خلال الأوامر أو التخويف والتهديد، أو الإقناع، أو قد تكون من خلال هيبة الحكام، أو سطوة جهاز أو هيئة، وقد تكون خليطًا من هذه الوسائل مجتمعة. وهناك من يرى أن لمصطلح السلطة السياسية معنيين، الأول معنوي، والثاني مادي. حيث تعني السلطة السياسية بمعناها المعنوي، القوة والقدرة على السيطرة التي يمارسها الحكام على المحكومين، والمتمثلة في إصدار القواعد القانونية الملزمة للأفراد، وفي امكانية فرض هذه القواعد عليهم باستخدام القوة المادية، في حين يتمثل معناها المادي أو العضوي في أجهزة الدولة.
إن السلطة هي ظاهرة ملازمة لكافة المجتمعات البشرية حتى الفوضوية منها وهي تظهر في المجتمعات السياسية من أجل المحافظة على الوجود الجماعي، وحماية سكان المجتمع والدفاع عنه، والدليل على ضرورة السلطة أنه كلما ضعفت السلطة نشأت مكانها أخرى. والسلطة السياسية هي المعيار المميز للدولة عن غيرها من الجماعات السياسية التي لم تصل بعد إلى مستوى الدولة، كالقبيلة والعشيرة، كما أنها تميز الدولة عن غيرها من الوحدات الأخرى.
وفي النظم السياسية المعاصرة هناك ثلاثة أنواع من السلطات:
أولًا: السلطة التنفيذية: يقع على عاتق السلطة التنفيذية تنفيذ ما تقرره السلطتان التشريعية والقضائية ويختلف تشكيل السلطة التنفيذية من نظام إلى آخر. فالنظام الرئاسي يتم به انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب، وبعد ذلك يقوم الرئيس بتعين الوزراء. أما في النظام البرلماني فقد يكون منصب الرئيس أو الملك منصب فخري، عندها يتولى رئيس الوزراء قيادة البلاد. ويتم تشكيل الحكومة من قبل الاغلبية البرلمانية، أو من خلال ائتلاف لمجموعة من الأحزاب السياسية. وينظر إلى التجربة الأمريكية كأفضل تجربة رئاسية في العالم بينما التجربة البريطانية من أفضل النماذج على الطريقة البرلمانية.
ثانيًا: السلطة التشريعية: هي سلطة يتم انتخابها من قبل الشعب مباشرة وبشكل دوري لمدة معينة تختلف من دولة الي أخري، بالإضافة إلى اختلاف عدد النواب. وللسلطة التشريعية نظام للانعقاد والحل والدعوة للانعقاد والاجازة، وتختلف تسميتها من دولة لأخري. قد تتكون السلطة التشريعية من مجلسين إحداهما منتخب والآخر معين أو كلاهما منتخب بحيث يكون لكل حالة مميزات وسلبيات في نفس الوقت، فنظام المجلسين يؤدي في نهاية اليوم إلى سن قوانين وتشريعات بعد مناقشتها بشكل مستفيض وموسع، بينما في نظام المجلس الواحد، تكون هناك سرعة كافية في نظام اعتماد التشريعات والقوانين بسبب عدم الحاجة للذهاب إلى مجلس آخر للنقاش والمداولة.
ثالثًا: السلطة القضائية: والتي تمثلها المحاكم المختلفة بأنواعها المتعددة والتي تبدأ من محاكم البداية والصلح وتنتهي بالمحاكم العليا والمحاكم الدستورية حيث تقوم بالوظائف التالية:
- تنظم العلاقة بين الأفراد.
- تنظم العلاقة بين الأفراد والدولة.
- تفض المنازعات.
- مراقبة السلطتين التشريعية والتنفيذية ومدى التزامهما بالدستور.
- حماية حقوق الناس وحرياتهم الأساسية ومنع انتهاكاتها.
- إقرار مدى دستورية التعديلات التي تتخذها السلطة التشريعية خاصة فيما يتعلق بالتعديلات التي تجري على الدستور.
السلطة في الإسلام:
عبَّر الفقهاء المسلمون عن لفظ السُّلطة بمرادف آخر وهو “الولاية” بمعنى الوالي أو الإمام أو الخليفة أو السُّلطان، … الخ، وبناءً على ذلك، قسَّموا الولاية إلى نوعين: “الولاية العامَّة”، وهي بحقِّ التصرِّف العامِّ على شؤون النَّاس عامَّة كرئيس الدُّولة، و”الولاية الخاصَّة”، وهي الولاية للأفراد بصفتهم الشخصيِّة كولاية الأب على الأبناء، ولأن مفهوم السلطة السياسية أمر متعلّق بـ”الولاية العامة لا “الخاصة”، فقد أرتبط مفهوم الولاية العامة بالعديد من المرادفات وهو ما أشار إليه محمد عبد الحي الكتاني بالقول بأنَّ الخلافة هي: “الرياسة العظمى والولاية العامة الجامعة القائمة بحراسة الدين والدنيا، والقائم بها يسمى الخليفة لأنه خليفة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والإمام ؛ لأنَّ الإمامة والخطبة في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين. لازمة له لا يقوم بها غيره إلا بطريق النيابة عنه. وعليه، فإنَّنا نرى ترادفًا بين ألفاظ الإمامة، والخلافة، والولاية العامة، وإمارة المسلمين، ذلك لأنَّ الخلافة في المصادر والتراث الإسلامي تعني: السلطة السياسية الإسلامية.
ويرتبط مفهوم السلطة على مستوى المعنى” بالعديد من المرادفات الدالة على معنى “القدرة” و”الحجة”، كما يحتوي المفهوم على مستوى الدلالة “المرجعية على العديد من المفردات كـ “الخلافة، والإمامة، والإمارة، والملك، والسلطان والطغيان…إلخ”، المعبرة عن صلاح الحكم وفساده، بالإضافة إلى المفاهيم المرتبطة بالحكم الرشيد كالقول بوجوب السلطة، ومصدرها المستمد من الشَّعب ونهج عملها القائم على الالتزام بالشورى، والبيعة والعدل والحرية والمساواة، والطاعة المشروطة.. الخ.
وعلى الرغم من امتلاك المفهوم لدلالات مرجعية ترسخ قاعدة الأُمَّة كأساس للسلطة، إلَّا أنَّ المسيرة التاريخية للمفهوم استخدمت دلالات جديدة في عدة مستويات؛ فعلى مستوى مفاهيم “الارتباط” انتقلت من “الشورى” و”الرضا” والانتخاب” و”الطاعة المشروطة” إلى “الأحقية” و”الأفضلية” و”القبول” و”النص” و”الطاعة المطلقة”، وعلى مستوى “الألقاب” تبدلت من “نيابة” و”خلافة” عن رسول الله إلى “خليفة” الله وحبل الله” و”قدر الله” و”أمين الله” و”عمود الدين” و”ظل الله”.. الخ، أمَّا على مستوى لغة الخطاب السياسي” فتغيرت هي أيضًا من “الحجَّة” و”الإقناع” إلى “القوَّة” و”القهر” والاستطاعة”.
مفهوم السلطة السياسية مفهوم كلي يتشكل ويتكون من خلال مجموعة مفاهيم رئيسية تشكل رابطة سياسية تنطلق من سلطة الأمة ثم أهل الحل والعقد ممثلي الأمة والحاكم المنتخب من قبلهم. السلطة السياسية تتميز بخصائص منبثقة من الرؤية المعرفية والإطار الحضاري الإسلامي. وترتبط شرعية السلطة السياسية بشروط أهمها: الالتزام بالقيم السياسية الإسلامية، وبالمقاصد العامة للشريعة وفهم السنن الكونية والاجتماعية الحاكمة للوجود الإنساني.
والسلطة السياسية تتميز بخصائص منبثقة من الرؤية المعرفية والإطار الحضاري الإسلامي. وترتبط شرعية السلطة السياسية بشروط واضحة محددة، وهناك ضوابط متعددة تشكل إطارا ينبغي أن تسير فيه السلطة وألا تخالفه، ومن أهمها: الالتزام بالقيم السياسية الإسلامية، وبالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وفهم السنن الكونية والاجتماعية الحاكمة للوجود الإنساني والتجمع البشري.
__________________________
المصادر:
– حسن البحيري، مفهوم السلطة، الموسوعة القانونية المتخصصة، https://2u.pw/ANLWxZJ.
– حكمت نبيل، مبدأ الفصل بين السلطات وتأثيره على النظم الديمقراطية، المركز الديمقراطي العربي، 3 يناير 2017، https://2u.pw/sJ0wV.
– حسان عبد الهادي، مفهوم السلطة وشرعيتها: اشكالية المعنى والدلالة، المؤتمر الدولي الأول للعلوم، جامعة السايمانية، مايو 2017، ص: 72.
– السلطة التشريعية، موسوعة معرفة، https://2u.pw/FwEjcLL.
– إبراهيم غرايبة، السلطة السياسية في الفكر الإسلامي، الجزيرة نت، 3 أكتوبر 2004، https://2u.pw/rKG0nMu.
– خالد فوزي، مفهوم السلطة في الفكر السياسي الإسلامي، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بدمنهور، الجزء الثاني، 2019، ص: 1195-1197.