مسكن الزوجية هو مصطلح حديث ورد في قوانين الأحوال الشخصية العربية وهو يشير إلى البيت الذي أقام فيه الزوجان خلال زواجهما، وهو اصطلاح مركب من "مسكن" و"الزوجية".
المسكن في اللغة اسم مفرد والجمع مساكن، ويقصد به البيت والمنزل، وأصل المسكن من السكن، وهو "ثبوت الشيء بعد تحرك"، ويستعمل في الاستيطان نحو: سكن فلان مكان كذا، أي: استوطنه[1].
يقول ابن منظور: سكن بالمكان يسكن سكنى وسكونا أي: أقام، فهو ساكن من قوم سكان.
وأما الزوجية فهي مصدر مكون من كلمة الزوج مضافا إليها ياء النسبة، وهي بمعنى الزواج، ويقصد بالزوج التداخل بين شيء وآخر حتى يشتبكا ويختلطا ويرتبطا معا - كالذكر بالأنثى، والنوم بالنائم. ولا يقال للشيء زوج إلا وهو مرتبط بآخر ارتباطا ماديا أو معنويا، فهي تطلق على الفرد بهذا القيد، وهو يطلق على امرأة الرجل، وعلى الرجل ذي المرأة[2].
مسكن الزوجية في المنظور الفقهي:
لم يرد في المصنفات الفقهية مصطلح مسكن الزوجية وإنما وردت مصطلحات أخرى تعبر عنه مثل: السكنى أو حق السكنى، والمسكن الشرعي، وبيت الطاعة (عند المالكية).
ومسكن الزوجية حق ثابت للزوجة بموجب عقد الزواج، وهذا باتفاق الفقهاء سواء كان ملكا للزوج أو مستأجرا أو موقوفا عليه أو مستعيرا له لأن الله تعالى جعل للمطلقة الرجعية، وهي زوجة حكما، السكنى على زوجها لقوله تعالى (أسكنوهن من حيث سكنتم) فوجوب السكنى للزوجة أولى[3].
ويربط الفقهاء بين النفقة وبين توفير مسكن الزوجية أو "السكنى"، فكلاهما حق ثابت للزوجة على الزوج؛ يقول أشهب-صاحب الإمام مالك- "إن السكنى حكم يجب بالزوجية كالنفقة فإذا اقتضت الزوجية ثبوت إحداهما اقتضت الأخرى، وإذا لم تقتضه لم تقتض الأخرى"[4]. ويقول ابن نجيم "السكنى من كفايتها فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبها الله تعالى كما أوجب النفقة بقوله تعالى {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم}؛ أي من طاقتكم أي مما تطيقونه ملكا أو إجارة أو عارية إجماعا، وإذا وجبت حقا لها ليس له أن يشرك غيرها فيه".[5]
شروط مسكن الزوجية
أفاض الفقهاء في بيان الشروط الواجب توافرها في مسكن الزوجية، وصاغوا شروطا بعضها محل اتفاق وبعضها ليست كذلك، والمتفق عليها هي:
- أن يكون خاليًا من أهل الزوج، سوى طفله غير المميز، لأن المرأة تتضرر بمشاركة غيرها في بيت الزوجية الخاص بها، ولا تأمن على متاعها، ويمنعها ذلك من معاشرة زوجها، وهذا بالنسبة إلى بيت الزوجية متفق عليه بين الفقهاء[6].
- أن يكون خاليًا من سكنى ضرتها، لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما يثير الخصومة والمشاجرة، إلا إن رضيتا بسكناهما معًا، لأن الحق لهما، ولهما الرجوع بعد ذلك.
- أن يتلاءم مع المستوى المادي للزوجين، يقول ابن عابدين: اعلم أن المسكن أيضا لابد أن يكون بقدر حالهما كما في الطعام والكسوة فليس مسكن الأغنياء كمسكن الفقراء[7].
- أن يكون مشتملا على جميع ما يلزم المعيشة حسب حالهما وأن يكون مجهزا بكافة المرافق اللازمة، وحول هذا يقول منلا خسرو "البيت لا بد أن يكون كامل المرافق"[8].
- أن يكون بين جيران صالحين، حتى تأمن على نفسها ومالها فهؤلاء الجيران يصبحون شهودا في حال وقوع نزاع مع الزوج وهم من يؤنسون وحشتها، وقد علم من كلامهم أن البيت الذي ليس له جيران، ليس بمسكن شرعي كما يقول ابن نجيم.
وتأسيسا على هذا خلصت الموسوعة الفقهية الكويتية إلى تعريف بيت الزوجية بأنه "محل منفرد معين مختص بالزوجة، لا يشاركها أحد في سكناه من أهل الزوج المميزين، وله غلق [باب] يخصه ومرافق سواء كانت في البيت أو في الدار، على ألا يشاركها فيها أحد إلا برضاها".[9]
مسكن الزوجية في المنظور القانوني
على الرغم من أن مصطلح (مسكن الزوجية) من المصطلحات الحديثة التي ظهرت ضمن قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة، إلا أنه ليس هناك تعريف محدد له، وإنما هناك تعريفات متعددة فتذهب المحكمة العليا الليبية -على سبيل المثال- إلى أن "بيت الزوجية هو البيت المملوك أصلا لوالد المحضونين أو الذي يملك حق الانتفاع به"[10].
على حين تذهب محكمة النقض المصرية إلى إنه "المكان الذي كان مشغولا فعلًا بسكن الصغير وحاضنته"[11]، وترى المحكمة إنه يؤخذ فيه "بالمفهوم الضيق، وهو ما خصص للزوجة ولأولادهما وللزوج حال قيام الزوجية، فإذا اشترك آخرون من العائلة الأب أو الأم أو الأخوة في مكان آخر داخل المبنى فهو ليس جزءا من مسكن الزوجية"[12]،
وللمرأة الحق في مسكن وهو يسمى في الاصطلاح القانوني بـ “مسكن الزوجية"؛ إذ يرتب عقد الزواج الصحيح حقوقا للزوجة على زوجها وعلى رأسها الحق في النفقة، طبقا لنص المادة الأولى من قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1920، وتشمل النفقة (الغذاء والمسكن و الكسوة و مصاريف العلاج بالإضافة لكافة المصاريف الأخرى)، وتضيف المادة المشار إليها أنه "لا يعتبر سببًا لسقوط نفقة الزوجة خروجها من مسكن الزوجية دون إذن زوجها في الأحوال التي يباح فيها ذلك بحكم الشرع...".
وليس هناك شروط واضحة لمسكن الزوجية ينص عليها القانون المصري مكتفيا بوصفه بـ "المسكن المستقل المناسب"[13]، لكن قانون الأحوال الشخصية الأردني (رقم 36 لسنة 2010) ينص في المادة (72) منه على أن: "يهيئ الزوج المسكن المحتوي على اللوازم الشرعية حسب حاله وفـي محـل إقامته أو عمله وعلى الزوجة بعد قبض مهرها المؤجل، متابعة زوجها ومساكنته فيه...". كما تنص الـمادة (73) من هذا القانون على أنه: "يجب أن يكون المسكن بحالة تستطيع الزوجة معها القيام بمصالحـها الدينيـة والدنيوية، وأن تأمن فيه على نفسها ومالها".
ولا يشترط القانون أن يكون مسكن الزوجية خاليا عن الأهل، وهذا في معظم قوانين الأحوال الشخصية العربية، وعلى سبيل المثال تنص المادة 25 من القانون رقم 10 الليبي على أنه "يحق لكل من الزوجين أن يسكن معه في بيت الزوجية من تجب عليه نفقته شرعا، ما لم يثبت الإيذاء من المشاركة في السكن بحكم من المحكمة المختصة".[14] وخلافا لذلك ينص قانون الأحوال الشخصية الأردني في المادة 74 على أنه "ليس للزوج أن يسكن أهله وأقاربه معه دون رضا زوجته في المسكن الـذي هيأه لها ولها الرجوع عن موافقتها على ذلك..[15] ".
أما قانون الأحوال الشخصية المصري فلم ينص على هذه المسألة، لكن محكمة النقض استقرت على إن " المسكن الشرعي الذي يلزم الزوج توفيره لزوجته يجب أن يكون مستقلاً، ولا يجوز إجبار الزوجة على السكنى مع أهل الزوج؛ لأن في ذلك ما يمس خصوصيتها ويؤدي إلى حدوث النزاعات، مما لا يتفق مع ما شرعه الله من المودة والرحمة"[16]، وذهبت كذلك إلى إن " من صور الضرر المادي الذي قد يلحق الزوجة من زواج زوجها من أخرى إسكان الزوجة الجديدة في ذات مسكن الزوجة الأولى"[17].
وتلزم قوانين الأحوال الشخصية الأب في حالة انفصاله عن الأم بالطلاق مع وجود صغار لـه منها في حضانتها بالتخلي لهم عن مسكن الزوجية ليتحول إلى مسكن حضانة لهم بقصد إيوائهم فيه على أن تقوم الأم الحاضنة بخدمتهم وفي حالة تعذر ذلك يلتزم الأب بتوفير مسكن بديل[18] وبالتالي لا يجوز الاتفاق بين الزوجين على أن تخلي الزوجة مسكن الزوجية في حالة الطلاق لو كانت حاضنة، حيث يتعارض الاتفاق مع الحقوق المقررة قانونا للمطلقة والمحضونين.
ورغم هذا فإن هناك حالات يقضي فيها القانون بسقوط حق الحاضنة في المسكن، وهي:
- بلوغ الصغير أقصى سن الحضانة للولد والبنت.
- سقوط حق الحاضنة في الحضانة دون وجود حاضنة أخرى ينتقل لها الحق في الحضانة.
- اختيار الحاضنة للبدل النقدي (أجر السكن) عوضا عن استمرار الإقامة بمسكن الزوجية.
- تهيئة المطلق مسكن بديل مناسب في أي وقت سواء كان المسكن مؤجر أو مملوك.
- ثبوت وجود أموال خاصة مملوكة للمحضون تمكنه من استئجار أو تملك مسكن مستقل.
- ثبوت وجود مسكن للحاضنة تقيم فيه ويمكنها حضانة أولادها فيه[19].
وبناء على ما سبق يمكن القول، إن المفهوم الفقهي لمسكن الزوجية أكثر انضباطا وتكاملا فثمة تعريف واضح ومحدد بدقة، متفق عليه بين الفقهاء على اختلاف المذاهب، وثمة شروط واضحة له، أما التعريف القانوني فيقتصر على كونه المكان الذي سكن فيه الزوجين مدة الزوجية، وهو لا يتضمن الشروط التي يتضمنها الفقه؛ ولا يشترط فيه -مثلًا- أن يقتصر على الزوجين دون سواهما أو أن يكون محاطا بجيران صالحين.
___________________________
[1] الراغب الأصفهاني، مفردات القرآن.
[2] محمد حسن صعب، المعجم الاشتقاق، زوج، https://2u.pw/TIX5Sm
[3] محمد سالم رافع علي، بيت الزوجية في الفقه الإسلامي في ظل تنظيمه القانوني في ليبيا والأردن، طرابلس: (مجلة الجامعة الأسمرية، مج35، ع 5، ديسمبر 2022)، ص4.
[4] أبو الوليد الباجي، المنتقى، https://2u.pw/sybC2Q
[5] ابن نجيم، البحر الرائق، https://2u.pw/PXEYFV
[6] الموسوعة الفقهية الكويتية، بيت الزوجية، https://2u.pw/MN89s
[7] ابن عابدين، العقود الدرية، https://shamela.ws/book/21687/70
[8] منلا خسرو، درر الحكام، https://shamela.ws/book/11446/415
[9] الموسوعة الفقهية الكويتية، بيت الزوجية، https://2u.pw/Iq93vD
[10] انظر حكم المحكمة العليا الليبية على: https://2u.pw/xsCQEI
[11] نقض مدني الطعن رقم 2874 لسنة 57 ق – جلسة 22/12/1992.
[12] أشرف مصطفى كمال، موسوعة الأحوال الشخصية: الجيزة: طبعة نقابة المحامين بالجيزة، ج3، ص 846.
[13] المادة (18 ثالثًا) من القانون رقم 100 لسنة 1985.
[14] أفراح العاتي، الحماية القانونية لحق المرأة في الاستقلال ببيت الزوجية دون مشاركة الغير: المادتان 25 و 70 من القانون رقم (10) لسنة 1984 وتعديلاته في الميزان، مجلة الجامعة الأسمرية، مج 35، ديسمبر 2022، ص 72.
[15] فرح أبو حليوه، المسكن الشرعي ولوازمه، متاح على هذا الرابط: https://eadllaw.com/ar/blogs/almskn-alshraay-oloazmh، لكنه يستثني الأبناء غير المميزين والوالدين الفقيرين شريطة عدم الإضرار بالزوجة
[16] "نقض مدني - الطعن رقم 73 لسنة 45 قضائية (أحوال شخصية) - جلسة 24 مارس 1976"
[17] الطعن رقم 238 لسنة 63 قضائية أحوال شخصية.
[18] المادة (18 مكررًا ثالثًا) من القانون رقم 100 لسنة 1985.
[19] نقابة المحامين، متى يسترد الزوج مسكن الزوجية، https://h1.nu/1rXRG