علاقة الأخلاق بالشريعة الإسلامية والقانون الوضعي (1-2)*

تمتاز الشريعة الاسلامية عن الشرائع الوضعية بتناول أصولها وقواعدها علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بنفسه فوق تناولها لما تعرضت له القوانين العلاقات الاجتماعية الخاصة والعامة؛ فعلاقة الإنسان بخالقه ينظمها ما وردت به الشريعة الإسلامية من العبادات والعقائد كاعتقاد الوحدانية والقدرة والكمال والتنزه عن النقائص لله سبحانه وتعالى وكالرضاء بالقضاء والقدر والإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه وغير ذلك، وقد جمع أصول العقائد الدينية وألم بأبحاثها علم العقائد، ويسمى علم التوحيد وعلم الكلام.

أما العبادات العملية (من الصلاة والزكاة والحج وترك المحرمات ونحو ذلك) فقد تعرضت لبيانها وتفصيل جزئياتها كتب الفقه الاسلامي وجعلت لها قسما خاصا بها يسمى العبادات.

وعلاقة الإنسان بنفسه ينظمها ما وردت به شرعة الدين من الحث على الفضائل الخلقية والكمالات النفسية التي تؤدب النفوس وتكملها وتخلصها من رجس المفاسد وتستنقذها من أدران النقائص؛ من الصدق والاحسان وطلاقة الوجه وكف الأذى وبذل المعروف والحياء والاحسان إلى الوالدين وتنفيس كربة المسلم وأن يحب المرء للإنسان ما يحب لنفسه وصلة الرحم والاحسان للجار وبذل المعونة وستر عيوب الناس وعيادة المريض والصدقة على الفقير وبذل النصيحة عن إخلاص وإطعام الطعام وإفشاء السلام، وترك الكذب والغيبة والنميمة والحسد والفجور وإيذاء الناس إلى غير ذلك مما هو موضوع الاخلاق والآداب - وإنما سمينا هذه العلاقة بعلاقة الإنسان بنفسه وإن كانت من العبادات والقربات التي يثاب عليها المؤمن ويتقرب بها إلى الله - جريًا على اصطلاح القانون في تسميتها ولأنها أمور ترجع إلى تهذيب النفس وتربيتها بالآداب ومحاسن الاخلاق- وإنما لم تتعرض القوانين الوضعية لهاتين العلاقتين لأنها لا تتصدي إلا إلى ما هو ضروري لحياة المجتمع البشري وصيانته وترقيته ويرى مشرعوها أن العبادات الدينية لا دخل لها في ذلك

أما العلاقة الاخرى فيرونها من الآداب التي ليست ضرورية لحياة المجتمع وله عنها بد وعن تنظيم القانون إياها مندوحة، فليس للقانون أن يرتب على مخالفتها جزاء قانونيا ولكن عقاب المخالف لها أدبي؛ كزراية الناس واحتقارهم لمن يخالف العادات والآداب المألوفة- اللهم إلا ما صار من هذه الآداب والمسالك ضروريًا للمجتمع فان القانون خليق حينئذ أن يتناوله بأحكامه ونصوصه إما من طريق العادة أو التشريع -فلا ينبغي للقانون أن يحتم على الناس أن (يَصْدُقوا أو يُصَدِّقوا) أو يتركوا الحسد والكذب- ولو فشت خصلة من هذه الخصال أو عدمت في أمة من الأمم ما كان ذلك مؤثرا في كيانها وإن كانت مكارم الاخلاق تكسبها كمالًا أدبيًا ورذائل الخصال إذا فشت تحدث نقصًا في آدابها وغضاضة في كرامتها ولكن حياتها مع ذلك تبقى موفورة وكيانها الاجتماعي يستمر محميًا بالقانون والتشريع.

هذا ما يقول أهل القانون في علاقة الاخلاق بالقانون الوضعي فهم يرون أن كلا منهما في ناحية وليس بأحدهما حاجة إلى الآخر والواقع الملموس أن القانون والأخلاق يتعاونان على حفظ كيان المجتمع البشري ويتساندان في توفير السعادة والرفاهة له وإليك بيان ذلك:

(فصل في أن الآداب والأخلاق تخدم الضروريات للحياة الاجتماعية فهي مثلها في حاجة المجتمع إليها).

لم نقل تمتاز الشريعة الاسلامية بتنظيمها هاتين العلاقتين عبثًا من القول ولكن لما هو أوضح من الشمس في رابعة النهار من ظهور آثارها في تقويم النفوس وتهذيب بداوة الطباع وتنقية القلوب من جفائها وجلاء الضمائر والذم من أصدائها ولها أيضًا آثارها في آداب السلوك العامة، ولا أظن مجتمعا مهما ارتقى به التشريع وأحيط بسياج من القانون يخلو من هذه الشمائل والفضائل إلا انحط إلى درك الضعف والاستكانة وقنع بالحقارة والمهانة؛ يدل على ذلك أنه قد أصبح رقى الأمم يقاس برقى آرائها وأخلاقها. والتاريخ يشهد أن أسباب عظمة الأمم ترجع إلى الاخلاق والتقاليد التي تكون عظمتها وتبنى سيادتها؛ قال (جوستاف لوبون) في كتابه (سر تطور الامم): "لقد بدأت عوامل انحطاط الأمة الرومانية في الوقت الذي ازدهرت فيه العلوم وكثرت الشعراء والفلاسفة بها غير أن أخلاقها وتقاليدها التي كانت تبنى عليها عظمتها بدأت في الانحلال".

ومن أجل ذلك عنيت الشريعة الاسلامية بالآداب والاخلاق التي كان لها الأثر الأكبر في عظمة الأمة العربية والدول الاسلامية التي كانت معتصمة بحبلها مستمسكة بعراها.

ومن المعلوم أن القوانين الوضعية قد سايرت الشريعة الاسلامية في المحافظة على ما هو ضروري للمجتمع وجعلت الشريعة الضروريات التي يجب المحافظة عليها خمسًا (الدين والنفس والعقل والمال والنسل)، والقوانين الوضعية تساير الشريعة في المحافظة على هذه الأمور الخمسة غير أنها قد تخالف الشريعة في نوع الفكرة دون جنسها أو في طريقة المحافظة.

(أ) فالمحافظة على الدين في القانون معناها تمتع كل انسان بحرية الاعتقاد فله أن يعتقد ما شاء ويدين بأي دين شاء أما المحافظة على الدين في الشريعة الاسلامية فهي ألا يُترك الدين الاسلامي من دخل فيه بالارتداد وإلا استوجب العقاب الشرعي، فالقانون يحافظ على مطلق الدين الذى يدين به الإنسان -والشريعة تحافظ على دين معين لا نرى في سواه السعادة الحقة وتترك للإنسان حرية الدخول في الإسلام (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي). والمحافظة على الدين في الشريعة هو الأصل في وجوب قتل المرتد وقتال المرتدين والخوارج على الدين الاسلامي.

فهنا اتفاق بين الشريعة والقانون في جنس الفكرة دون نوعها -ويرجع هذا الخلاف إلى الخلاف بينهما في مبدأ حد الحرية الشخصية فالشريعة ترى أن حد الحرية الشخصية ألا يضر الإنسان بنفسه ولا بغيره لأن القاء النفس إلى التهلكة والضرر والضرار محرمة في الشريعة بالنصوص القطعية - والقانون يرى أن حد الحرية الشخصية ألا يضر الإنسان غيره فقط - ولما كان الارتداد عن الدين الاسلامي فيه إضرار بالنفس والقاء بها في الشقاء الأبدي بعد أن تبينت نور الاسلام ووقفت على مزاياه واقتنعت بأنه سبيل السعادة الحقة كان هذا من باب إلقاء النفس إلى التهلكة ولم يكن داخلًا في دائرة الحرية الشخصية التي تخير من لم يدخل الاسلام وتمنحه الحرية في ألا يدخله لأنه لم يتذوق بعد حلاوته ولم تشرب نفسه الاعتقاد بأنه حق وسعادة فجنبها نفسه بترك الدخول فيه.

(ب) والمحافظة على النفس في القانون ينظمها قانون العقوبات وقانون تحقيق الجنايات - والمحافظة على العرض داخلة في النفس - أما المحافظة على النفس في الشريعة فبالقصاص والديات وسائر العقوبات الجنائية الداخلة في قوله تعالى (والجروح قصاص) وبالحدود الشرعية وتحريم الانتحار وإباحة أكل الميتة للمضطر -والمحافظة على العرض بعقوبة القذف إلى غير ذلك - واختلاف نصوص العقوبات في الشريعة والقانون يرجع إلى اختلافهما في طريقة المحافظة.

(يتبع).

 

* مقال منشور في العدد الأول من مجلة «نور الإسلام» الصادر عام 1930م. ويُذكر أن هذه المجلة قد تأسست لسان حالٍ لمعاهد الأزهر الدينية، وقام على تحريرها نخبة من كبار العلماء، ثم تحول اسمها في عام 1935م إلى «مجلة الأزهر» المعاصرة، لتستمر في العطاء العلمي حتى يومنا هذا. (المحرر).

** عرفت المجلة الشيخ عبد الله صيام بأنه "متخصص في الشريعة ومحام شرعي". والحقيقة أنه يعد أحد الأعلام البارزين في مجال الفقه، والمحاماة أمام المحاكم الشرعية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتحديداً في الفترة التي شهدت توهجاً كبيراً للمحاماة الشرعية وقضايا الأحوال الشخصية والأوقاف. تلقى الشيخ عبد الله صيام تعليمه في جامع الأزهر الشريف، وتشرب الفقه الإسلامي على المذاهب الفقهية المعتمدة، ولا سيما المذهب الحنفي الذي كان المعول عليه في القضاء الشرعي المصري آنذاك. يُعد من الرعيل الأول الذين مارسوا مهنة "المحاماة الشرعية" بعد تنظيمها بصدور اللوائح الخاصة بها في أوائل القرن الماضي (مثل لائحة ترتيب المحاكم الشرعية). اشتهر ببراعته الفائقة في الترافع في قضايا الأوقاف المعقدة (إثباتاً ونظارةً واستحقاقاً) وقضايا الأحوال الشخصية، وكان مقصداً للعائلات الكبرى في مصر لتوثيق وحماية أوقافهم وحل النزاعات القضائية حولها. عاصر أقطاب الحركة الفكرية والقانونية في القرن الماضي، وكان له حضور في الأوساط التي تناقش إصلاح القضاء الشرعي وتقنين الأحوال الشخصية. (المحرر).

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الثلاثاء, 21 يوليو 2026 17:57

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples