كشفت وثائق أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرًا عن مراسلات إلكترونية تعود لعام 2016، تُظهر محاولة الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين الترويج لمشروع مالي غريب، يقوم على إطلاق ما أسماه «عملة الشريعة»، في مسعى واضح لجذب استثمارات من «الشرق الأوسط» باستخدام لغة دينية.
وتأتي هذه المراسلات ضمن ملايين الملفات التي نُشرت في إطار الإفراج القانوني عن وثائق مرتبطة بقضية إبستين، لتكشف جانبًا آخر من نشاطه لا يتصل مباشرة بجرائمه الجنائية المعروفة، بل بمحاولاته التسلل إلى عالم المال الرقمي، مستفيدًا من صعود العملات المشفرة والاهتمام المتزايد بالتمويل «المتوافق مع الشريعة».
ماذا اقترح إبستين؟
في رسالة مؤرخة في 13 أكتوبر 2016، ذكر إبستين أنه تحدث مع من أسماهم «بعض مؤسسي البيتكوين»، أثناء عرضه فكرة نظام نقدي مزدوج على جهات اتصال عربية. ويتضمن هذا النظام:
- عملة ورقية تحمل اسم «The Sharia» (الشريعة)، مخصصة للاستخدام في الشرق الأوسط، وتحمل عبارة In God We Trust (نثق بالله)، على غرار الدولار الأمريكي.
- عملة رقمية «متوافقة مع الشريعة»، مبنية على تقنية البلوك تشين، ومرتبطة بشبكة البيتكوين، لتعمل كنظام مكمّل للعملة الورقية.
وادعى إبستين في الرسالة أن مطوري البيتكوين كانوا «متحمسين للغاية» للفكرة، دون أن تتضمن الوثائق أي دليل مستقل يؤكد صحة هذا الادعاء، وهو ما يفتح الباب لاحتمال استخدامه كأداة إقناع وتسويق أمام مستثمرين محتملين.
بيتكوين… وادعاءات بلا دليل
يثير حديث إبستين عن «مؤسسي البيتكوين» بصيغة الجمع تساؤلات إضافية، في ظل الغموض المعروف حول هوية مبتكر هذه العملة الرقمية. وحتى الآن، لا يوجد ما يثبت أن تلك المحادثات قد حدثت بالفعل، مما يجعل ما ذكره إبستين أقرب إلى ادعاء منه إلى حقيقة موثقة.
الشريعة كعلامة تجارية
الأهم من تفاصيل المشروع نفسه هو دلالته؛ فهذه المراسلات تكشف كيف يمكن لمفهوم «الشريعة» أن يُستخدم بوصفه أداة جذب مالي، لا بوصفه منظومة أخلاقية وقيمية؛ إذ جرى اختزال الشريعة في اسم أو شعار، يُضاف إلى منتج مالي ناشئ ومثير للجدل، بهدف إضفاء هالة من المشروعية والثقة.
في الرؤية الإسلامية، لا ينفصل الاقتصاد عن الأخلاق، ولا تُختزل المعاملات في الأرقام والأرباح. ومن هنا، فإن محاولة شخص متورط في شبكة واسعة من الجرائم الجنسية والابتزاز -بحسب ما ثبت قضائيًا- اقتحام مجال التمويل الإسلامي، تثير أسئلة عميقة حول هشاشة المعايير الأخلاقية في النظام المالي العالمي، وكيف يمكن للدين أن يتحول إلى «واجهة خادعة» إذا غابت الرقابة والوعي.
الدرس الأوسع
لا تمثل «عملة الشريعة» التي طرحها إبستين مشروعًا حقيقيًا بقدر ما تمثل إنذارًا؛ إنذارًا من خطورة التعامل مع كل ما يُسوّق تحت لافتة «إسلامي» أو «متوافق مع الشريعة» دون تدقيق في:
- من يقف خلف المشروع؟
- مدى صدق أهداف المشروع ومدى توافقها مع مقاصد المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية؟
- ما طبيعة الأموال؟
- وأين تذهب العوائد؟
فالاقتصاد الإسلامي ليس اقتصاد شعارات، بل اقتصاد قيم وأخلاقيات، ولا يمكن فصل «طهارة المصدر» عن «سلامة المنتج». وما تكشفه هذه الوثائق هو أن تسليع الشريعة وتحويلها إلى أداة في سوق المال قد يفتح الباب أمام تبييض السمعة، أو تمرير مشاريع مشبوهة باسم الدين!
لتحميل ملف الوثيقة (هنا)