في احتفاء مستحق بقامة علمية كرست عقودًا من الزمن لتأصيل المعرفة العربية والإسلامية في حقل العلوم السياسية، أعلنت جائزة الكتاب العربي في دورتها الثالثة (2026) فوز الدكتورة نادية محمود مصطفى، أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، بالجائزة عن "فئة الإنجاز" في الدراسات الاجتماعية والفلسفية.
ويأتي هذا التكريم تتويجًا لمسيرة أكاديمية حافلة، وانطباقًا دقيقًا لمعايير الجائزة التي تُمنح لأصحاب المشاريع المعرفية التي تتميز بالجدة والأصالة، وتشكل إضافة نوعية للمعرفة الإنسانية، متجاوزة حدود النقل والترجمة إلى فضاءات التنظير والبناء المعرفي المستقل.
دلالات التكريم: انتصار للأصالة المعرفية
لا يُعد فوز الدكتورة نادية مصطفى مجرد تكريم لشخصها، بل هو اعتراف أكاديمي بنجاعة وجدوى "المشروع المعرفي" الذي قادته لسنوات طويلة. لقد حصلت الدكتورة على هذه الجائزة استنادًا إلى حيثيات فئة الإنجاز التي تشترط:
- الأصالة والجدة: حيث لم تكتفِ الدكتورة نادية بتدريس نظريات العلاقات الدولية الغربية، بل عملت على تفكيكها ونقد "تحيزاتها"، مقدمة بديلًا نابعًا من الخبرة التاريخية والحضارية للأمة.
- الإضافة للمعرفة الإنسانية: عبر تقديم "المنظور الحضاري" كأداة تحليلية قادرة على فهم التفاعلات الدولية المعقدة، مما يثري حقل العلاقات الدولية العالمي برؤى غير غربية.
من هي الدكتورة نادية محمود مصطفى؟
تُعد الدكتورة نادية محمود مصطفى -المولودة في القاهرة في 14 أغسطس عام 1951م- واحدة من أبرز منظري العلاقات الدولية في العالم العربي، ومؤسسة لمدرسة فكرية متميزة جمعت بين الصرامة الأكاديمية والعمق التراثي.
- التدريس الأكاديمي:
حاليًا، تشغل أ. د. نادية محمود مصطفى منصب أستاذ متفرغ بقسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وهي الكلية التي تُعرف بأنها "مدرسة السياسة" في مصر والعالم العربي.
وسبق أن قامت د. نادية -في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كذلك منذ 1981 وحتى 2012م-، بتدريس المواد الدراسية التالية:
تطور العلاقات السياسية الدولية، العلاقات السياسية الدولية (قسم الاقتصاد)، التنمية السياسية، سياسات خارجية عربية، مشكلات دولية معاصرة، فكر سياسي إسلامي، العلاقات العربية الدولية، الوطن العربي في السياسات الدولية، قضايا دولية معاصرة، نظرية العلاقات الدولية (دراسات عليا)، الثقافة والسياسة العالمية، العالم الإسلامي في السياسات العالمية (دراسات عليا)، النظم السياسية في أمريكا اللاتينية، اقتصاد سياسي دولي.
كما قامت الدكتورة بتدريس مادة العلاقات الدولية من منظور إسلامي في كلية الدراسات الإسلامية- مؤسسة قطر، في الفترة من يناير - يونيو 2008. كما سبق لها أن أُعيرت إلى جامعة الإمارات العربية المتحدة اعتبارًا من سبتمبر 1992 وحتى يونيه 1996؛ حيث قامت بتدريس المواد التالية: قضايا دولية معاصرة، العالم الإسلامي، السياسات الخارجية للدول العربية، حلقة دراسية في الشرق الأوسط، حلقة دراسية في أمريكا اللاتينية، حلقة دراسية في الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا، السياسات الخارجية للدول الكبرى، مبادئ العلاقات الدولية.
- إدارة المؤسسات البحثية:
تشغل د. نادية حاليًا منصب مدير "مركز الحضارة للدراسات والبحوث" منذ إنشاء هذا المركز في ديسمبر 1997م، وهو المركز الذي كان -ولا يزال- بمثابة الحاضنة للمشروع المعرفي الذي رعته. كما تولت من قبل إدارة العديد من المؤسسات البحثية والأكاديمية، بل وأسست بعضًا منها؛ فهي:
- مؤسس ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (أبريل 2002- يونيه 2002).
- والمشرف على برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (يونيه 2002- يونيه 2006).
- ومدير مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (10/ 6/ 2002- 8/ 6/ 2006).
- ومدير مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والذي تغير اسمه من: برنامج حوار الحضارات إلى: برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات اعتبارًا من بداية عام 2007، (سبتمبر 2008 – سبتمبر 2010).
وذلك فضلا عن عضويتها في الكثير من اللجان والجمعيات والهيئات الاستشارية في المجلات العلمية؛ مثل: عضوية الجمعية العربية للعلوم السياسية، واللجنة الوطنية المصرية لليونسكو، وزارة التعليم العالي (2005 – 2007)، ولجنة العلوم الاجتماعية، مكتبة الإسكندرية (2005-2007)، ولجنة جائزة الأمير عبد المحسن بن جلوي العلمية التي يمنحها مركز عبد المحسن بن جلوي للدراسات الإسلامية- الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، والهيئة الاستشارية لمجلة "حوار العرب التي تصدرها مؤسسة الفكر العربي- بيروت، ولجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة والعلوم والفنون (2008 – 2011).والهيئة الاستشارية لمجلة المسلم المعاصر...، الخ.
- المشروع الفكري: "العلاقات الدولية في الإسلام"
لعل الإنجاز الأبرز الذي استحق هذا التقدير هو إشرافها وقيادتها للمشروع العلمي الضخم "العلاقات الدولية في الإسلام"، الذي صدر في (12) مجلدًا. لم يكن هذا المشروع مجرد تجميع لنصوص تاريخية، بل كان محاولة جادة لـ:
- بناء أصول نظرية للعلاقات الدولية من منظور إسلامي.
- إعادة قراءة التاريخ الإسلامي ليس كسرد للأحداث، بل كنموذج تطبيقي للقيم والمفاهيم السياسية.
- الاشتباك مع النظريات الغربية (الواقعية والليبرالية) من موقع الند للند، وليس من موقع التابع.
وبالطبع لم يقتصر عطاء الدكتورة نادية على هذا المشروع العملاق، بل تجاوزت ما ألفته من بحوث ودراسات المائتين وخمس عشر دراسة، فضلا عن إشرافها على عشرات الرسائل العلمية والمشروعات البحثية، إضافة إلى مشاركاتها الفعالة في المؤتمرات والندوات العلمية والأكاديمية، وغير ذلك من الإسهامات الفاعلة (بلغت السيرة الذاتية للدكتورة نادية -والتي ننشرها رفق هذا التقرير- ما يزيد على ثمانين صفحة)!
- الاهتمام بقضايا الأمة
لم تبقَ الدكتورة نادية حبيسة القاعات الدراسية، بل كان لها حضور بارز في الاشتباك مع القضايا الحية، وعلى رأسها: القضية الفلسطينية: حيث قدمت تحليلات استراتيجية عميقة للصراع، تتجاوز السطح السياسي إلى الجذور العقائدية والحضارية. فضلا عن إصدارها حولية بعنوان "أمتي في العالم"، والتي "تهتم بقضايا العالم الإسلامي، وتعتبر منظارًا راصدًا لمجريات الأمور داخل "الأمة المسلمة" –سواء داخل النطاق الجغرافي الأساس للإسلام أو عبر الأقليات المسلمة المتناثرة خارج هذا العالم"، بالإضافة إلى دراسات د. نادية وأنشطتها العلمية والفكرية والبحثية الأخرى التي لا يملك الناظر إليها إلا التعجب من حمل شخص واحد لهموم الأمة بهذا الشكل، وقيادته لفرق عمل دؤوبة تشاركه الرسالة ذاتها بكفاءة وإخلاص نادرين.
- نموذج للعالم "المربي"
يُمثل فوز الدكتورة نادية مصطفى بجائزة الكتاب العربي رسالةً للباحثين الشباب، مفادها أن "الإنجاز" الحقيقي في العلوم الاجتماعية لا يكمن في استيراد القوالب الجاهزة، بل في مشقة الحفر في الذات الحضارية لاستخراج نظريات ومفاهيم قادرة على تفسير واقعنا ومعالجة أزماتنا. إنها جائزة لمشروع عمرٍ قضته الدكتورة نادية ليس فقط في تأليف الكتب، بل في "تأليف الرجال والنساء" من الباحثين الذين يحملون اليوم مشعل هذه المدرسة في جامعات ومراكز أبحاث حول العالم.
نبذة عن جائزة الكتاب العربي:
والجدير بالذكر أن جائزة الكتاب العربي، التي أطلقها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة- قطر، تُعد إحدى أبرز المنصات التقديرية المستحدثة في المشهد الثقافي العربي، والمكرسة حصرًا للاحتفاء بالإنتاج الفكري الرصين في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد تأسست الجائزة، التي بلغت دورتها الثالثة في عام 2026، انطلاقًا من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي الجاد، وسد الفجوة القائمة في تكريم المؤلفات غير الأدبية، عبر معايير تحكيمية صارمة تشترط في الأعمال المترشحة الأصالة، والجدة المنهجية، والإضافة النوعية للمعرفة الإنسانية، بعيدًا عن النقل أو التكرار. وتتجاوز الجائزة فكرة تكريم "الكتاب الواحد" عبر استحداثها "فئة الإنجاز" (للأفراد والمؤسسات)، وهي الفئة الأرفع التي تُمنح لأصحاب المشاريع الفكرية الممتدة الذين كرسوا مسيرتهم لتأصيل المعرفة وبناء المدارس الفكرية، مما جعل الجائزة تتحول في زمن قياسي إلى "مؤشر معياري" يقيس حيوية العقل العربي وقدرته على الاشتباك مع قضايا واقعه بأدوات تحليلية رفيعة المستوى.
وتستند جائزة الكتاب العربي إلى ظهير مؤسسي وأكاديمي رصين يضمن إلى حد كبير استقلاليتها ونزاهة معاييرها. إذ تنبثق الجائزة بشكل رئيس من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" (بالدوحة)، الذي يُعد الحاضنة والممول الأساسي للمشروع، ومظلة تنظيمية توفر للجائزة ثقلها البحثي. وتتكامل هذه الرعاية مع شراكة استراتيجية عضوية مع "معهد الدوحة للدراسات العليا"، الذي يمثل الذراع الأكاديمي للجائزة، حيث يشارك نخبة من أساتذته وباحثيه في لجان التحكيم والفرز، مما يضفي على الجائزة صبغة "الأكاديمية الصارمة". كما تحظى الجائزة بدعم لوجستي واحتفاء رسمي من وزارة الثقافة القطرية، التي تستضيف حفل التوزيع غالبًا ضمن الفعاليات الثقافية الكبرى في الدوحة.
وفي الحقيقة؛ لم يكن فوز الدكتورة نادية مصطفى في الدورة الثالثة حدثًا معزولًا، بل جاء حلقةً في سلسلة ذهبية بدأت مع انطلاق الجائزة، التي حرصت منذ موسمها الأول (التأسيسي) على وضع معايير استحقاق عالية السقف، مكرمةً "الآباء المؤسسين" للعلوم العربية الحديثة. ففي الموسم الأول، دشنت الجائزة مسارها بمنح "فئة الإنجاز" لقامات شامخة، يتقدمهم فيلسوف الأخلاق المغربي د. طه عبد الرحمن، الذي يُعد نظيرًا للدكتورة نادية في مشروع "تأصيل المفاهيم"، والمحقق المصري الكبير د. أيمن فؤاد سيد، الذي أعاد كتابة تاريخ التراث المخطوط، إضافة إلى عالم الأنثروبولوجيا السعودي د. سعد الصويان، وشيخ البلاغيين د. محمد محمد أبو موسى. وقد تواصل هذا النهج في الموسم الثاني، الذي رسخ هوية الجائزة عبر الاحتفاء برواد المعاجم التاريخية والدراسات النقدية المقارنة، لتشكل قوائم الفائزين في الموسمين السابقين "كتلة حرجة" من العقول العربية التي جمعت بين العمق التراثي والمنهجية الحديثة، وهو السياق الذي جاء فيه تكريم الدكتورة نادية مصطفى هذا العام (2026) ليضيف "العلوم السياسية" إلى خارطة التميز التي رسمتها الجائزة عبر تاريخها القصير والمكثف.
قائمة بأهم مؤلفات وأعمال الدكتورة نادية محمود مصطفى (تأليفًا، أو تحريرًا، أو إشرافًا ومشاركة):
- مشروع العلاقات الدولية في الإسلام (موسوعة من 12 مجلداً) (للمزيد: هنا)
- إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (موسوعة من 7 مجلدات) (للمزيد: هنا)
- العدالة والديمقراطية: التغيير العالمي من منظور نقدي حضاري إسلامي (للمزيد: هنا)
- موسوعة الأمة في قرن (6 مجلدات) (للمزيد: هنا)
- العلاقات الدولية في عالم متغير (للمزيد: هنا)
- الثورة المصرية.. نموذجًا حضاريًّا (للمزيد: هنا)
- العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي (للمزيد: هنا)
- مسارات علم العلاقات الدولية (للمزيد: هنا)
- مدخل في علم السياسية (للمزيد: هنا)
- نحو مدرسة حضارية في حقل العلاقات الدولية (للمزيد: هنا)
- في الذاكرة التاريخية للأمم: تحولات ومالات حضارية معاصرة (للمزيد: هنا)
- في تجديد العلوم الاجتماعية (للمزيد: هنا)
- القيم في الظاهرة الاجتماعية (للمزيد: هنا)
- قراءة في فكر أعلام الأمة (للمزيد: هنا)
- الديمقراطية العالمية من منظورات غربية ونحو منظور حضاري إسلامي في علم العلاقات الدولية (للمزيد: هنا)
- المنهاجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية – حقل العلوم السياسية نموذجًا (للمزيد: هنا)
جائزة الكتاب العربي الموسم الثالث (2026) للمزيد: هنا
السيرة الذاتية الكاملة لـ أ. د. نادية محمود مصطفى (هنا)