لكلّ الديمقراطيين –وما زلت واحدًا منهم– تبعث الانتخابات الأميركية الأخيرة بثلاث رسائل تعرّي مرة أخرى الأوهام الثلاثة التي بنينا عليها جميعًا نظريتنا وممارستنا للديمقراطية.

الرسالة الأولى؛ هي أن هناك أكثر من سبعين مليون أميركي لا يرون مانعًا أن يكون رئيسهم بالصفات المعروفة للجميع، بل وشخصًا ملاحقًا من قبل العدالة في أكثر من قضية. ما نتغافل عنه دومًا هو أن الناس تصوّت لمن يشبهها ويعبّر عن قناعاتها وخياراتها، ولمن يثير إعجابها وتحاول التشبّه به.

لذلك، علينا القبول بأن الفكرة التي تَبني عليها الديمقراطية أسسها خاطئة، أي وجود كائن عاقل أخلاقي يختار كل ما يخدم المصلحة العامة إذا ما توفرت له الحرية.. والحال أننا أمام طيف من البشر فيهم جزء كبير لا علاقة له بهذا التصور المثالي، والدليل على ذلك انتصار ترامب وأمثاله.

وفي هذا الصدد كتب في جريدة "نيويورك تايمز" (The New York Times) لهذا اليوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول الصحفي والكاتب الأميركي كارلوس لوزادا: "بالنسبة لأولئك الذين أصرّوا منذ فترة طويلة على أن ترامب "ليس ما نحن عليه"، وأنه لا يمثل القيم الأميركية، هناك الآن احتمالان: إما أن أميركا ليست كما كانوا يعتقدون، أو أن ترامب لا يمثل تهديدًا كما يعتقدون".

الوهم الثاني الذي تبدده هذه الانتخابات، هو عن دور حرية الرأي والتعبير في فرز الغث من السمين، الحقيقة أن حفنة من رجال الأعمال المتحكمين في وسائل الإعلام والتواصل، أي في جلّ أدوات التأثير على العقول والقلوب، هم أكبر المنتفعين بهذه الحرية، وهم الذين يستطيعون أن يحملوا لسدة الحكم من يريدون. قلّ من ينتبه لخطورة شخص مثل إيلون ماسك في نتيجة الانتخابات الأميركية، والرجل له أكثر من مئتي مليون متابع جند الكثير منهم لصالح ترامب.

هذا عن الجزء الأول من خرافة "الانتخابات تعبر عن إرادة الشعب"، أما عن الجزء الثاني للخرافة الكبرى، فإن نتيجة الانتخابات (كما رددت مرارًا منذ كتابي "عن أي ديمقراطية تتحدثون" الصادر سنة 2004م) لا تعبر إلا عن إرادة خمسين في المئة زائد صوت من المصوّتين المسجلين في القوائم الانتخابية، مع إلغاء كل قيمة لإرادة تسعة وأربعين في المئة من "الشعب".

أضف الآن لمشكلة الشرعية مشكلة الخطورة. كم من مرة عبر التاريخ أدخلت الانتخابات الذئب إلى المدجنة؟

ربما مثلت نتائج الانتخابات الأميركية مفاجأة للكثير من الديمقراطيين الغربيين والعرب، لكنها كانت متوقعة بعد انتخابات مشابهة في الهند والمجر وتونس والأرجنتين، وانتظروا تواصل المسلسل في فرنسا بعد ثلاث سنوات، وكم من بلدان أخرى تنتظر دخول القائمة.

نحن أمام مفارقة رهيبة؛ فالديمقراطية لا تعيش إلا بأدوات الانتخاب وحرية التنظم وحرية التعبير، لكنها لا تمرض ولا تموت إلا بها عندما تحمل للسلطة بفضل المال والإعلام أشخاصًا يفرغون الديمقراطية من محتواها أو يقضون عليها القضاء المبرم، كما فعل رجل جاءت به الانتخابات هو أيضًا اسمه أدولف هتلر.

من حسن الحظّ – إن صح التعبير – أن الاستبداد يواجه نفس المعضلة. هو الآخر لا يعيش إلا بما يميته عاجلاً أو آجلاً. انظر كيف يذهب ضحية أدواته الفكرية والعملية. من الناحية الفكرية، بقدر ما تغالي الديمقراطية في تقديس "الشعب" بقدر ما يزدري الاستبداد هذا "الشعب"، فالمستبد والعصابة التي حوله على قناعة تامة بأن العامة غير "ناضجة" للديمقراطية، وأن الحرية خطر منها وخطر عليها، وأنه لا بد لها من راعٍ قادر على أخذ القرارات الذي يعرف وحده أيها الأفضل للرعية وخاصة للراعي.

القاعدة هي أنه بقدر ما تخطئ الديمقراطية بالمبالغة في تقدير طيبة وذكاء البشر، بقدر ما يخطئ الاستبداد بالمبالغة في احتقار شجاعة البشر وتوقع استكانتهم للظلم.

لفرض الوضع ليس له إلا ثلاث وسائل هي التي ستقضي عليه: التضليل، وملء مراكز القرار بالأوفياء، والقمع.

فبالتضليل ينتهي المستبد بتصديق أكاذيبه وأكاذيب من حوله، فتتكاثر أخطاؤه إلى أن تقوده لحتفه، وبوضع الأوفياء في مراكز القرار على حساب الأكْفاء يساهم في الأداء الرديء لكل دواليب الدولة، وبالقمع تراه يشحن المجتمع بالنقمة التي تقود يومًا ما للانفجار، إضافة إلى كونه يصطفي الأشجع والأكثر عنادًا وتصميمًا على الإطاحة بوضع يزداد تأزمًا، لأنه ليس للاستبداد أي آليات للإصلاح الداخلي خلافًا للديمقراطية.

وفي الحالتين القاعدة أن النظام السياسي مواجه بتعقيد مجتمع فيه دومًا كمّ غير معروف من الأذكياء والشجعان والمثاليين، وبنفس الكيفية وبصفة دائمة كمّ آخر من الأغبياء والجبناء والانتهازيين.

هذا ما يجعل مشكلة النظام السياسي أكان ديمقراطيًا أم استبداديًا واحدة: خطورة المراهنة على جزء من المجتمع، وتجاهل النصف الآخر، مما يؤدي به طال الزمان أو قصر إلى استفاقة موجعة، والنصف المتجاهل يذكّره بصفة موجعة بأنه باقٍ ويتمدّد.

إن هذه الإشكالية هي التي تضع كل نظام سياسي أمام محاولة شبيهة بمحاولة تربيع الدائرة، وهي التي تفسر كيف ولماذا يمهّد فشل الاستبداد لطفرة ديمقراطية، ويمهد فشل الديمقراطية لطفرة من الاستبداد.

هل ثمة إمكانية للخروج من هذه الحلقة المفرغة التي نعايش اليوم مقطعًا منها، ونحن نرى حتى في أعرق الديمقراطيات بوادر انتصار الاستبداد، بعد أن رأينا في العقود الأربعة الأخيرة بوادر انتصار الديمقراطية في أعتى الدكتاتوريات ومنها العربية؟

بعبارة أخرى، هل ثمة إمكانية لحكم رشيد يوقف هذا التتابع حتى وإن ندرك أنه لا وجود لنظام حكم مثالي لا يعمل فيه الزمان أظافره وأنيابه؟

إذا عرّفنا الحكم الرشيد بأنه نظام الحكم الذي يضع القيم الجامعة فوق المصالح المفرّقة ويفرض بالقانون والقوة التوزيع الأكثر عدلاً للثروة والسلطة؛ لضمان الاستقرار والسلم والاعتبار داخل المجتمع، فإنه يمكن القول إن تجارب الحكم عبر التاريخ أظهرت أن الاستبداد هو الصفر على سلم الحكم الرشيد، والديمقراطية قفزة نوعية في الاتجاه السليم.

المشكلة أن هذا التطور الذي بدا يومًا غير قابل للتوقّف هو اليوم متوقف، بل متراجع حتى في أقدم معاقله لصالح جولة عبثية جديدة من الاستبداد.

يتحدد السؤال كالتالي: هل ثمة إمكانية لوقف هذا التدهور وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ديمقراطية يتكالب عليها الأعداء من خارجها ومن داخلها؟

هذا السؤال هو الشغل الشاغل اليوم في كل الأماكن التي يطرح فيها موضوع مصير الديمقراطية من جامعات ومؤتمرات وكتب ومقالات لا تحصى ولا تعدّ.

في إطار هذا الحراك الفكري والسياسي غير المسبوق في تاريخ الديمقراطية، وفي وضع يتسم بتراجع الديمقراطية الغربية في كل العالم، وفي الغرب ذاته، ناهيك عن تجدد إغراءات الاستبداد خاصة في شكله الشعبوي الجديد، جمع "المجلس العربي" في سراييفو في الشهر الماضي نخبة من الديمقراطيين العرب من كل الأجيال والبلدان والاتجاهات الفكرية في الوطن العربي؛ لكتابة العهد الديمقراطي العربي المفترض والمأمول منه أن يشكل المرجع النظري المشترك لكل الحركات السياسية والمجتمعية العربية.

ثلاثة أفكار رئيسية تشكل أسس هذا العهد وتم التوافق عليها بالإجماع

أولاً: الديمقراطية في شكلها الغربي الحالي مرحلة تاريخية من تطور بحث المجتمعات عن أفضل أنواع الحكم الرشيد، وهي اليوم في وضع صعب لا في نزعها الأخير، وقد أثبتت التجارب منذ قرنين في أكثر من 150 بلدًا أن أخطر ما يهددها آليات تقادمت وبنيت على فرضيات فكرية خاطئة، وتم الاستيلاء عليها من طرف أعدائها من الداخل وإفراغها من كل فاعلية في تحقيق أهدافها المعلنة، مثل هذا الوضع يفرض علينا نحن العرب أن ننطلق من التجارب الغربية للتعلّم منها والتفكير في طرق تجاوزها؛ لنضمن لديمقراطيتنا التمكن والبقاء أطول وقت ممكن.

ثانيًا: لا بديل عن الخيار الديمقراطي؛ لأن الاستبداد هو سبب فقرنا وتخلّفنا وتشتتنا وفقدان سيادتنا الوطنية، وذروة جرائمه إبادة جماعية لشعب من شعوبنا، وجيوشنا لا تحرك ساكنًا إلا لحماية المستبدين.

لذلك، تشكل الديمقراطية الطريق الوحيد لبناء ما تحتاجه شعوبنا؛ أي دول قانون ومؤسسات، وشعوب من المواطنين لا من الرعايا، واتحاد شعوب عربية حرة ودول مستقلة على نموذج الاتحاد الأوروبي الذي لم يقم إلا على أشلاء الدكتاتورية النازية والفاشية والشيوعية.

ثالثًا: لكي تستقر وتثبت أطول وقت ممكن، على ديمقراطيتنا العربية أن تكون أكثر من نظام سياسي يضمن الحريات والتداول السلمي على السلطة وبناء المواطنة الفعلية المتجاوزة لكل تمييز جندري، أو جهوي، أو عرقي، أو ديني. عليها أن تجعل من أولى أولوياتها أيضًا خدمة العدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية الخارجية، والعمل على بناء الفضاء السياسي العربي المشترك.

هكذا عرّف العهد ديمقراطيتنا المنشودة بأنها مواطنية، اجتماعية، سيادية، اتحادية، أي أنها مثل مربع لا يكون كاملاً متكاملاً إلا بأضلعه الأربعة التي تسند بعضها البعض.

نعم، يجب التمسك أكثر من أي وقت مضى بأهداف الديمقراطية، لكن ماذا عن أي إصلاحات للآليات المعطوبة والمستولى عليها والبشر هم البشر في أي مجتمع؟

من القائمة الطويلة للتحديات الفكرية والعملية

ماذا عن حرية الرأي والتعبير؟ هل يجب تقنينها، وآنذاك أين نضع الحدود بين المسموح به والمرفوض، ووفق أي سلم للقيم؟ كيف نحارب التضليل وطوفان الأكاذيب والإشاعات في ظل العولمة والذكاء الاصطناعي؟

ماذا عن حق التنظُّم وحرية تكوين الأحزاب؟ هل نضع قائمة بالأحزاب والتنظيمات والأشخاص المعادين للديمقراطية لنتغدى بهم قبل أن يتعشوا بنا؟ آنذاك، ألن نبني ديمقراطية استبدادية بحجة الدفاع عن الديمقراطية؟

ماذا عن الانتخابات لاختيار المسؤولين؟ كيف نتخلى عنها وهي البديل الرمزي للحرب، حيث يعوض الصراع بالكلمات الصراع باللكمات؟ لكن كيف نترك حق تقرير مصير شعب بأكمله لخمسين في المئة زائد صوت من مصوتين لا يتجاوز عددهم نصف المسجلين في القوائم الانتخابية، وأغلبهم يتحركون تحت طوفان التضليل الإعلامي؟

أي طرق لسحب البساط من المال الفاسد والإعلام الفاسد الذي لا يستطيع تمكين شعبوي تافه من جائزة نوبل أو رئاسة جامعة لمجرد قدرته على الصراخ وإثارة غرائز العدوانية والانتقام؟ هل يمكن قصر الانتخابات المباشرة على مستوى البلديات والبرلمانات ويُعهد لاختيار قضاة المحكمة الدستورية ورئيس الدولة بلجان كالتي تختار الفائزين بجائزة نوبل أو رئاسة الجامعات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى؟

كم من مشاكل أخرى تكمن داخل تفاصيلها كل الشياطين، ومع هذا لا بدّ من مواجهتها.

إنها المشاكل الفكرية والسياسية التي سيعمل عليها طيلة هذه السنة المجلس العربي عبر حوارات افتراضية ستستغرق كل السنة، والأمل أن يبت فيها مؤتمر سراييفو الثالث في أكتوبر/ تشرين الأول 2025م لنقترح على التيار الديمقراطي العربي خارطة طريق مكتملة ليس فيها الأهداف فقط وإنما الوسائل، إذ لا أضيع للجهد والوقت من عدم فهم أن كل ما نعيش على كل المستويات تجارب مهمتنا التعلم من أخطائها لا تكرارها، حتى لا يكون مسارنا حلقة مفرغة، بل سهمًا لا وجهة له إلا الأمام والأعلى.

ولا بد لليل أن ينجلي.


* المصدر: مقال منشور تحت عنوان "أوهام نحيا فيها ويكشفها لنا فوز ترامب"، بموقع الجزيرة. نت، بتاريخ 10/11/2024م، يمكن الاطلاع عليه عبر هذا الرابط: https://2u.pw/xmWdrYhR

** رئيس تونس الأسبق، وهو طبيب أعصاب، حصل على جائزة المغرب العربي في الطب لأبحاثه عن الإصابات الدماغية عند الأطفال المعاقين، وجائزة المؤتمر الطبي العربي لكتابه. "المدخل إلى الطب المندمج" وله أكثر من عشرين مؤلف، منها: «عن أية ديمقراطية يتحدثون؟»، «الإنسان الحرام، قراءة في الإعلان العالمي لتحقيق الإنسان»، «حقوق الإنسان... الرؤيا الجديدة».

صدر حديثًا كتاب جديد تحت عنوان "التراث القضائي العربي: دراسة ببليوجرافية وصفية" (فيما يزيد على 430 صفحة متوسطة الحجم)، للباحث الدكتور أحمد لطفي السيد، عن دار المخطوطات العربية، بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) ومعهد المخطوطات العربية.

ومؤلف الكتاب يعمل أستاذًا مساعدًا للعلوم السياسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية- بمنيسوتا، وهو حاصل على دكتوراه في الفقه السياسي عن موضوع: "التطور الموضوعي في الفقه السياسي". نشرت له مجموعة من الأبحاث والدراسات في مجلات علمية دولية محكمة، منها: دراسة بعنوان: "تقرير مسؤولية رئيس الدولة في الفقه الإسلامي"، وأخرى بعنوان: "الأصول الفقهية التي تقوم عليها السياسة الشريعة" (كلاهما نشر بمجلة كلية القانون والاقتصاد الصادرة عن كلية الحقوق جامعة المنصورة). كما صدر له كتاب مؤخرًا بعنوان: "تطور النظريات السياسية في الفقه الإسلامي".

ويعد هذا الإصدار خطوة مهمة في مجال دراسة التراث القضائي العربي، تفتقر إلى مثله المكتبة العربية، وهو نتيجة جهود قام بها الباحث في تتبع ما كتبه الفقهاء وخطه القضاة على مر العصور الإسلامية، بدءًا من القرن الأول الهجري حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

 

نظرة عامة على الكتاب

يقدم الكتاب محاولة فريدة لرصد وتوثيق ما تم إنتاجه من رسائل مستقلة في التراث القضائي عبر القرون، حيث نجح الباحث في تتبع وجمع ما يصل إلى 673 رسالة مخطوطة متوزعة في مكتبات المخطوطات العالمية. هذه الرسائل تتنوع بين ما هو مفقود، محقق، أو غير محقق، مما يعطي لمحة شاملة عن التراث القضائي العربي عبر مختلف المذاهب الإسلامية.

إلى جانب الببليوجرافيا الشاملة، يحتوي الكتاب على دراسة وصفية تناولت التطور التاريخي للمذاهب الفقهية وتأثيرها في مجال القضاء. كما سلط الباحث الضوء على أسباب تنوع وغزارة الإنتاج الفكري لبعض المذاهب في فترات معينة، بينما شهدت مذاهب أخرى ركودًا في الإسهام القضائي خلال فترات تاريخية معينة. هذه الدراسة تفتح بابًا جديدًا لفهم الديناميكية التي تحكمت في نمو وتراجع التراث القضائي عبر القرون.

 

أهمية الدراسة

تكمن أهمية هذا العمل في كونه يُقدم لأول مرة ببليوجرافيا دقيقة ومفصلة تشمل معظم ما كُتب عن القضاء عبر التاريخ الإسلامي. وهذا يعزز من فهم السياقين التاريخي والاجتماعي للقضاء في الفترات الإسلامية المختلفة. إلى جانب ذلك، يعرض الباحث لإسهامات المذاهب الفقهية المتعددة، بما فيها المذاهب السنية والشيعية، ويضعها في إطارها التاريخي والاجتماعي، مما يسهم في إثراء المكتبة العربية والباحثين في هذا المجال.

ومما يميز هذه الدراسة -كذلك- تسليط الضوء على الأصول العربية القديمة للكثير من أساليب التقاضي المستخدمة في المحاكم العربية اليوم. فطرق تشكيل هيئة المحكمة، تحديد مهام القاضي وكاتبه، إجراءات التحقيق، الحبس الاحتياطي، واستدعاء الخبراء كل هذه العمليات لها جذور واضحة في التراث القضائي العربي، حسبما أشار الباحث. هذه المعلومة تكسب الدراسة أهمية خاصة في الوقت الراهن، إذ تظهر استمرارية التراث القانوني العربي في التأثير على الأنظمة القضائية الحديثة.

فهذا العمل يتيح للباحثين إمكانية التعرف على أسس القضاء العربي الإسلامي، ويعزز من الدراسات التي تتناول تطور القضاء على مر العصور. كما أن هذا الكتاب يمثل أداة قيمة للمحامين والقضاة والمهتمين بالأنظمة القضائية الحديثة، إذ إنه يوضح لهم كيف أن العديد من المفاهيم والإجراءات القضائية التي نعرفها اليوم تعود بجذورها إلى التراث القضائي العربي. ومن هنا، فإن هذا العمل يمثل حلقة وصل بين الماضي والحاضر في مجال القضاء.

 

 

محتويات الكتاب

يتكون الكتاب من قسمين رئيسيين: القسم الأول وهو دراسة وصفية للتراث القضائي العربي، والقسم الثاني وهو دراسة ببليوجرافية شاملة لمختلف العصور الإسلامية.

 

القسم الأول: الدراسة الوصفية

يتناول هذا القسم جوانب متعددة من التراث القضائي العربي، حيث يبدأ باستقراء عدد الرسائل التي تم فقدانها أو تحقيقها، ثم ينتقل إلى دراسة إسهامات المذاهب الفقهية المختلفة في مجال القضاء. ولعل أهم ما يميز هذا القسم هو التحليل العميق للأسباب التي جعلت بعض المذاهب تتفوق في مجال القضاء على غيرها. يشمل هذا القسم عرضًا لأهم الإسهامات القضائية للمذاهب السنية، بما في ذلك المذهب الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، والمذهب الظاهري. كما يستعرض أيضًا إسهامات المذاهب الشيعية في القضاء، مثل المذهب الإمامي الاثنا عشري، الزيدي، والإسماعيلي. فهذا القسم من الدراسة يعطي نظرة شاملة لتنوع الإنتاج الفقهي والقضائي عبر العصور الإسلامية المختلفة، ويسهم في فهم الديناميكية التاريخية التي شكلت القضاء العربي.

 

القسم الثاني: الدراسة الببليوجرافية:

يضم هذا القسم قائمة ببليوجرافية مفصلة لكل ما كتب عن القضاء العربي منذ القرن الأول الهجري وحتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري. حيث يبدأ الباحث بعرض الإنتاج القضائي في كل قرن على حدة، مما يساعد القارئ على تتبع تطور الفكر القضائي عبر الزمن. وتتضمن هذه القائمة الأعمال المجهولة التاريخ أو المؤلف، مما يعكس مدى الجهد الذي بذله الباحث في تتبع هذا التراث القضائي.

 

فهرس الكتاب:

- المقدمة

- شكر وتقدير.

 

القسم الأول: الدراسة الوصفية

أولًا: الاستقراء.

(أ) عدد الرسائل المفقودة.

(ب) عدد الرسائل المحققة وغير المحققة.

 

ثانيًا: إسهام الفقهاء وأتباع المذاهب في التراث القضائي.

(أ) التراث القضائي على أحكام الفقه العام.

(ب) إسهام المذاهب السنية في التراث القضائي العربي.

1- التراث القضائي الحنفي.

2- التراث القضائي المالكي.

3- التراث القضائي الشافعي.

4- التراث القضائي الحنبلي.

5- التراث القضائي الظاهري.

 

(ج) إسهام المذاهب الشيعية في التراث القضائي العربي.

1- التراث القضائي الإمامي الاثنا عشري.

2- التراث القضائي الزيدي.

3- التراث القضائي الإسماعيلي.

 

القسم الثاني: الدراسة الببليوجرافية

1- التراث القضائي العربي في القرن الأول الهجري.

2 - التراث القضائي العربي في القرن الثاني الهجري.

3- التراث القضائي العربي في القرن الثالث الهجري.

4 - التراث القضائي العربي في القرن الرابع الهجري.

5- التراث القضائي العربي في القرن الخامس الهجري.

6 - التراث القضائي العربي في القرن السادس الهجري.

7- التراث القضائي العربي في القرن السابع الهجري.

8- التراث القضائي العربي في القرن الثامن الهجري.

9 - التراث القضائي العربي في القرن التاسع الهجري.

10 - التراث القضائي العربي في القرن العاشر الهجري.

11- التراث القضائي العربي في القرن الحادي عشر الهجري.

12 - التراث القضائي العربي في القرن الثاني عشر الهجري.

13 - التراث القضائي العربي في القرن الثالث عشر الهجري.

14 - التراث القضائي العربي في أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

15 - التراث القضائي العربي مجهول التاريخ.

16 - التراث القضائي العربي مجهول المؤلّف.

 

- الخاتمة.

 

الكشافات:

- كشاف العناوين.

- كشاف المؤلفين.

- كشاف المكتبات.

- كشاف المصطلحات القضائية.

 

- المصادر والمراجع.

 

تمهيد ضروري:

يكاد مؤرخو الحضارات يجمعون على أن الحضارات الإنسانية ليست أبنية ثابتة تتحدد معالمها مرة واحدة، ثم تبقى على حالها.. وإنما هي أشبه بالكائنات العضوية الحية.. لها لحظة ميلاد.. ولها بعد ذلك مراحل نمو وتطور.. تنتقل فيها تلك الحضارات بين الارتفاع والازدهار في مرحلة من تاريخها والتراجع والانكماش في مرحلة أخرى من ذلك التاريخ.

كذلك يسجل تاريخ الحضارات وجود تيارين متقابلين داخل كل حضارة.. أحدهما تيار محافظ شديد التمسك بالثوابت التي حددت- في لحظة تاريخية قديمة- هوية تلك الحضارة.. وتيار آخر حريص على تجديد الحضارة، وملاقاة ما يحمله اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال من مستجدات لم تكن قائمة لحظة ميلاد تلك الحضارة.. وذلك بتجدد وتطور مواكبين لتلك المستجدات.. يكفلان للثقافة مزيدا من الحيوية، ويحققان لها مزيدًا من فرص الاستمرار والبقاء.

إنه على الرغم من دور "الوحى" في تحديد معالم الثقافة ومواقفها الأساسية من القضايا الوجودية الكبرى المتصلة بالإنسان والكون، والخالق، ومصير الحياة.. فإن دور "العقل " والتجربة الإنسانية في ملء تفاصيلها، وتغذية تجلياتها، يظل دورًا بارزًا لا يتصور إغفاله أو إنكاره.. ولهذا تبقى "الثقافة الإسلامية" في نهاية المطاف ثقافة إنسانية تتعرض لما تتعرض له سائر الثقافات، من مد وجزر، وارتفاع وانخفاض.. كما يظل المسلمون- عرفوا ذلك أو لم يعرفوه- جزءًا من التاريخ العام للإنسانية- كما يظل سلوكهم جزءًا من تيار السلوك الإنساني، تحكمه ذات السُّنن والضوابط التي تحكم الناس في مسيرتهم عبر التاريخ.

 

لهذا كله لم يكن غريبًا أن يعرف تاريخ الثقافة الإسلامية، وتاريخ الفقه الإسلامي بصفة خاصة تيارين متقابلين، يميل أولهما إلى المحافظة الشديدة، ويخاف على الإسلام أشد الخوف من أن تضيع معالمه وتهتز ثوابته بسبب نزوع فريق من المسلمين عامتهم وخاصتهم وفقهائهم إلى "التجديد"، وإدخالهم على ثقافة المسلمين وشريعتهم أمورًا لم يكن يعرفها أهل القرن الأول للإسلام.. ويعتصم هذا الفريق بالنصوص القرآنية والنبوية لا يكاد يعدوها.. بل لا يكاد يعدو حروفها وظواهرها، وذلك إيمانًا بأن هذه النصوص وحدها التي تحمل الخصائص الذاتية النفيسة للإسلام وثقافته وتصوراته الأساسية في الاعتقاد والأخلاق والسلوك الفردي والتنظيم الاجتماعي.. أما التيار الآخر فإنه يجعل للعقل دورًا بارزًا إلى جانب دور النصوص.. إيمانًا بأن النصوص، خصوصًا في أمور التشريع والنظام السياسي والاجتماعي، نصوص متناهية، وأن الحوادث والنوازل وما يعرض للناس من حاجات.. أمور غير متناهية.. وأن كمال الشريعة وخلودها لا يمكن أن يتحققا إلا بأمر "وراء ما فهمه الفريق الأول من النصوص ومن الشريعة.. وهؤلاء هم الذين يطلق المؤرخون عليهم أو يطلقون هم على أنفسهم وصف "المجددين"، ويلتمس هذا الفريق أساسًا لشرعية منهجه من الحديث الشريف الذى رواه أبو داود وغيره والذى يقول: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي).

ويعرف دارسو الفقه وعلماء الشريعة ومؤرخو الثقافة الإسلامية روافد هذين التيارين، عالم كل منهما.. ويصفون أتباع التيار الأول في مجال العقائد وأصول الدين بوصف السلفيين، كما يصفون التيار الآخر بأنه تيار "المجددين".. ويقابلون في خصوص الفقه وأصوله بين مدرسة "الحديث " التي نشأت ونمت في مدينة النبي- صلى الله عليه وسلم- ومدرسة "الرأي" التي نشأت ونمت في بغداد والكوفة.

وهذا البحث لا يتوجه إلى دراسة معالم هاتين المدرستين في ميدان " الفقه " وحده.. وإنما يتوجه إلى دراسة أمر يتجاوز "الفقه " ومدارسه.. ليمتد إلى الفكر الإسلامي في عمومه ومجمله.. وإلى "العقل المسلم" المعاصر ومناهجه الغالبة والسائدة في تعامله مع الواقع الموضوعي الذى يتجدد من حوله، ومدى قدرته على تجديد فهمه لدور "الدين" في التعامل مع هذا الواقع المتجدد.. وفى هذا الإطار نستطيع من جانبنا أن نقابل بين منهجين متقابلين.. اخترنا أن نسمى أولهما منهج "الجمود على الموجود" وأن نسمى الآخر منهج "التجديد" في فهم مضامين الإسلام والتجديد في المضامين والأولويات التي يجرى بها تعامل "الخطاب الإسلامي" مع جموع المسلمين من ناحية، ومع سائر الأمم والشعوب من ناحية أخرى.. وفى الثقافة الإسلامية المعاصرة استقطاب واضح تحددت من خلاله معالم هذين المنهجين.. على النحو الذى سنفصله فيما يلى.. ولكنَّا نسارع فنقول: إن المواجهة بين هذين المنهجين قد صارت تستهلك القدر الأكبر من طاقة المسلمين جميعًا، وتستغرق الجانب الأكبر من جهود مفكريهم وخاصة علمائهم.. وهو استغراق يهدد مستقبل الأمة.. وينتقص من فرصتها في اللحاق بالآخرين.. وفى التأهل لأداء دور الريادة والقيادة الذى عبرت عنه الآية القرآنية الكريمة رقم 143 من سورة البقرة (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143).

 

إن أخص خصائص المنهج الأول الأمور التالية:

1- الاستغراق الكامل في النصوص، والوقوف بصفة خاصة عند الأحكام الفرعية التي تستخلص من هذه النصوص.. والوقوف- فوق ذلك- عند ظواهر تلك النصوص.. واعتبار ذلك من علامات الاتباع المحمود، الذى يقابل "الابتداع" المذموم، والتوقف عن البحث الطويل في حكمة التكليف ومقاصد التشريع وأولويات المطالب الدينية للأفراد وللأمة، وعن النظر في إمكان تغير تلك الأولويات باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.

2- إساءة الظن بكل مذهب أو رأى أو اجتهاد يدعو إلى استخدام العقل والتعويل عليه في استنباط الأحكام الفقهية وتقرير الأمور الدينية.. واعتبار هذا الاستخدام تهديدًا لقدسية الشريعة، ومدخلا لتحكيم الهوى، وتمردًا على حكم الله الذى تقرره الآية القرآنية الكريمة: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)  (الأحزاب: 36).. ويلخص أتباع هذا المنهج موقفهم من هذه القضية بقولهم: إن الشريعة حاكمة لا محكومة.. وأن على المؤمنين بها أن يطبقوا أحكامها الكلية والجزئية (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65).

3- المبالغة في تقديس آراء علماء القرون الأولى من تاريخ الإسلام ومتابعة تلك الأقوال والآراء امتثالًا لما ورد به حديث النبي- صلى الله عليه وسلم- : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، ولما اشتهر عنهم من الجمع بين العلم والعمل به، وبين المعرفة والتقوى.. على نحو كانوا معه أئمة في العلم وقدوة للأمة في السلوك والعمل.. وليس هذا -فيما يرى أتباع تلك المدرسة- حال المحدثين من العلماء والمشتغلين بالفقه، بل إن هؤلاء المحدثين -في نظر أتباع هذه المدرسة- مظنة الافتتان بحضارات الآخرين، والاستعداد العقلي والنفسي لتقبل آراء أولئك الآخرين.. وتعريض خصوصية الإسلام، وثوابت عقيدته وشريعته لأخطار عظيمة.

4- المبالغة في رفض كل فكرة وافدة، والحذر الشديد من الأخذ بشيء مما عليه أتباع الحضارات الأخرى والانحصار بذلك في الإسلام التاريخي والإسلام الجغرافى.. اعتقادا بأن غير المسلمين متآمرون أبدًا على الإسلام والمسلمين.. وأن الإسلام متميز ومتفرد بخصائص ذاتية تنفى عنه مشابهة أي حضارة أخرى وأي نظام آخر عرفه الناس قديما أو يعرفونه حديثًا.. وأن أي لقاء بين الإسلام وحضارته وبين عقيدة أو حضارة أخرى لا يمكن إلا أن يكون لقاء عابرًا تعقبه مفارقة كاملة ويحكمه اختلاف أساسي.. لأن التصور الإسلامي كله تصور متميز تمامًا..

 

ونحن لا نخفى استدراكنا على كل المقولات المكونة لهذا المنهج.. واعتقادنا بأنها تؤدى إلى انكماش الحضارة الإسلامية، وتراجع شأن المسلمين.. كما أنها تلزم المؤمنين بما لم يلزمهم به الله.. وتملأ حياتهم عسرًا وحرجًا وحيرة.. وهى أمور تنافى ثوابت كبرى من ثوابت المنهج الإسلامي السليم الذى تشهد له نصوص قطعية في كتاب الله وسُّنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- .. كذلك لا نخفى أننا نعتبر اقتحام مصاعب التجديد بعد عصور طويلة من الجمود والانغلاق.. سبيلًا وحيدًا لنهضة الأمة وانبعاثها وتجدد دورها في ريادة المسيرة الإنسانية توجهًا إلى قيم الحق والعدل والرحمة والسلام..

إن العقل المسلم المعاصر يحتاج إلى أن يعيد النظر في جسارة وثقة في كل واحدة من المقولات التي تقف في طريق التجديد، وتحبس الأمة في إطار التقليد.. لا يرده عن ذلك تخويف المخوفين أو لوم اللائمين (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (التوبة:13).

وتفصيلا لأسباب هذا الاستدراك نقرر ما يلى:

1- أن أحدًا من المسلمين، عامتهم وعلمائهم، لا يخطر بباله أن يهون من قدسية النصوص القرآنية، أو نصوص الأحاديث النبوية الصحيحة.. وهم جميعًا مأمورون بالامتثال لما جاءت به تلك النصوص نزولًا عند قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله).. وقوله (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور: 51).

ولكن النصوص الجزئية تحتاج إلى تفسير، ولهذا التفسير أصول ومناهج مقررة.. كما أن وراء النصوص الجزئية مقاصد كلية عامة لا يتصور الغفلة عنها أو الذهول عن إدراكها.. وإلا استوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. ولوقع جملة الناس في الحرج والعسر والمشقة بسبب التزامهم ما لا يلزم، ولفاتت مصالح ومنافع شرعها الله.. سبحانه- لهم، وهم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد، وإذا ضاعت المصالح وفاتنا المنافع وضاقت صدور بالعسر والمشقة.. انتفى مقصود الشارع سبحانه من قوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78).. وقوله (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185).. والاتباع الذى أمرنا به هو اتباع العقلاء المبصرين الذين يرون آيات الله تعالى في الآفاق وفى أنفسهم.. لا اتباع المقلدين الذين سدوا على أنفسهم وعلى الناس طرقًا كثيرة من طرق الحق والخير والعدل "ظنًا منهم منافاتها للشريعة"، ولعمر الحق إنها لم تناف الشريعة، وإنما نفت ما فهمه هؤلاء من الشريعة.. والابتداع الذى نهينا عنه، هو أن يدخل على الدين ما ليس منه، زيادة فيه أو نقصًا منه.. تحريمًا للحلال أو تحليلًا للحرام، أو قولًا على الله تعالى بغير علم.. وهناك ابتداع محمود هو ثمرة الاجتهاد في استقراء الحكم الشرعي من دليله الجزئي في إطار من مجموع النصوص، في ظل من الوعى بمقاصدها الكلية، وبالمصالح التي اعتبرها الشارع بالنص عليها.. أو تركها مرسلة يتغياها المجتهدون في اجتهادهم وتسعى الأمة لتحقيقها، وهى تصوغ أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. غير خارجة على نص قطعي ولا ساعية لتحقيق مصلحة ألغى الشارع اعتبارها بدليل لا يحتمل التأويل..

2- ويتصل بهذا أوثق الاتصال أن ينتبه المجتهدون والفقهاء وأن يلتفت العقل المسلم "في كل مكان" إلى مبدأ استصحاب الحال، وأن الأصل براءة الذمة، وأن كل شيء هو حلال وجائز وصحيح حتى يقوم دليل بنقض هذا الأصل بدليل يقيني مثله، يفيد التحريم أو المنع أو البطلان، إعمالا لقاعدة فقهية ومنطقية مؤداها أن اليقين لا يزول بالشك..

لهذا نستطيع أن نقرر في ثقة أن الأصل في المطعومات والمشروبات الحل حتى يرد دليل التحريم، لقوله تعالى  (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ) (النساء: 24)، وقوله:  (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) (الأنعام: 119) .. وقوله: (خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة: 29) .. وأن الأصل في الأعمال الجواز حتى يرد دليل المنع.. وأن الأصل في العقود والتصرفات الصحة حتى يرد دليل البطلان.. والقول بغير ذلك افتئات لا دليل عليه من علم ولا كتاب، ومن عواقبه المحققة أن تمتلئ حياة الناس حرجًا، وأن يزول عنها الإحساس بنعمة الله وفضله ورحمته.. وأن يعرض بعضهم -بذلك- عن جملة الشريعة كما قال ابن قيم الجوزية- رحمه الله: "إن هذا الأصل من أصول الشريعة مدخل أساسي من مداخل التوجه إلى التجديد.. وهو أصل من شأنه جعل ثمرات التجديد قسمًا من أقسام الشريعة داخلًا فيها لا قسيما لها خارجا عنها أو منافيا لمقتضاها".

3- إنه قد آن الأوان لإسدال الستار على الثنائية التقليدية التي سممت الحياة الفكرية لملايين المسلمين عبر قرون طويلة، وهى الثنائية التي تقابل بين العقل والنقل.. فينحاز بسببها بعض الناس إلى العقل وإعماله، وينحاز بعض آخر منهم إلى النقل وإنزال حكمه.. كما لو كان أحدهما من عند الله والآخر من عند غيره.. كيف والله سبحانه هو خالق العقل والمنعم به على آدم وذريته، وبه علم آدم الأسماء كلها.. وجعله خليفة في أرضه، وحامل أمانته التي عرضها الله سبحانه (عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) (الأحزاب: 72).. ولا نقول في هذا إلا أن العقل آية من عند الله.. وأن النقل، قرآنًا وسنُة، نعمة ورحمة من عند الله.. وليس يصح في العقول أن تتناقض آيات الله مع رحمته.. !ذا وقع هذا التناقض في بعض العقول.. فهو تناقض موهوم مرجعه إلى واحد من أمرين.. أولهما: ألا يكون "المنقول " قطعيًا في وروده أو في دلالته.. والآخر: ألا يكون "المعقول" يقينيًا في صحته وثبوته وثباته.. ولكن المهم أن يستقر في "العقل المسلم" أن الإيمان فريضة، وأن العلم- هو الآخر- فريضة.. وأن الله تعالى أنعم علينا بكتابين هما آيتان من آيات رحمته.. كتابه الموحى به إلى نبيه- صلى الله عليه وسلم-.. وكتابه الأكبر المثبوت في الكون والتاريخ وفى ثنايا الوجود كله.. وإذا كان الإيمان والتصديق هما السبيل إلى استقبال كتاب الله الأول.. فإن البحث والتجربة والنظر وسائر ما يتجلى به العقل على العالم والطبيعة هو السبيل إلى استقبال كتاب الله الأكبر.. المبثوثة آياته في الآفاق الأنفس.

إن التجديد الذى به خلاص هذه الأمة.. لا أمل فيه ولا رجاء في تحققه إلا إذا أعيد العقل من جديد إلى عرشه الذى أنزلته عنه مخاوف الخائفين وهواجس المرتابين الذين يحسبون كل صيحة عليهم.

 4- إننا جميعًا نعرف فضل الأولين السابقين، بدءًا من صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعشيرته وأهل بيته- رضى الله عنهم وأرضاهم- الذين قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- "إن أحدكم لو أنفق مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، ومرورًا بالتابعين الذين صحبوا أصحابه وأخذوا العلم والعمل عنهم في أيام كان صوت الوحى فيها لا يزال يملأ الآفاق علمًا وهدى ونورًا.. وانتهاءً بالأئمة العلماء من المفسرين والمحدثين والمتكلمين والفقهاء.. والأمة كلها تعرف ما قدموه للأجيال من بعدهم من زاد وخير وعلم غزير.. وما أصَّلوه من قواعد وما فصلوه من فروع وتطبيقات.. ولا يدخر أحدنا وسعًا في الاستفادة من علمهم والاستئناس بآرائهم.. ولكنا نقف عند هذا المنتهى لا نتجاوزه ولا نعدوه.. ونقول، فيمن عدا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هم رجال ونحن رجال.. وليس صحيحًا أبدًا ما يجرى على بعض الألسنة من أن الأول لم يترك للآخر شيئًا.. ذلك أن الأولين كانوا يجتهدون في إطار واقع لم تعد كثير من عناصره قائمة بيننا.. كما كان اجتهادهم محكومًا بعلوم لم يكن أكثرها قد بلغ من النمو والتطور ما بلغه في عصرنا.. والفقه والإفتاء في الشريعة يقوم على معرفة الحق ومعرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر.. فإذا تغير الواقع لزم أن تتغير ثمرة هذا التنزيل الذى يجريه الفقيه أو المشرع الوضعي أو القائم بالإفتاء.. والخلاصة أننا نستقصى- في كل مسألة- ما قرره السابقون الأولون من علماء المسلمين- ولكنا لا نتوقف عنده، ولا نعطل بسببه ما أمرنا به من الاجتهاد.. وإلا كنا عالة عليهم، متبعين غير مذهبهم السوى في مواصلة البحث والاجتهاد.

5- وأما رفض كل فكرة وافدة وإغلاق الباب في وجه كل تبادل ثقافي، فإننا نرى الإسراف فيه تعبيرًا واضحًا عن المبالغة في الخوف.. ونقص الثقة في قدرة الأمة، وقدرة علمائها على اتخاذ موقف نقدى من تلك الأفكار الوافدة.. نقبل منه كل نافع ونرفض كل ضار أو مخالف لثوابت عقيدتنا وشريعتنا ومصالح أبناء أمتنا.. إن هذا الرفض المطلق الذى يعزل ثقافة المسلمين عن كل ثقافة إنسانية قديمة أو حديثة يقوم على ثلاثة أخطاء لا بد لنا أن نسميها بأسمائها، وأن نستدرك عليها في غير مجاملة لأحد:

الخطأ الأول تصور الإسلام كما لو كان كيانًا ونظامًا مختلفًا عن كل ما عداه اختلافًا مطلقًا.. وينسى أصحاب هذا التصور أن الإسلام هو دين الأنبياء جميعًا، وأن الحنفية كانت دين إبراهيم عليه السلام وأنه سبحانه وتعالى شرع لنا من الشريعة (مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: 13).

وينسى أصحاب هذا التصور كذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو القائل إن: "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها" وأنه قال صلى الله عليه وسلم: شهد في الجاهلية حلفًا كريمًا هو حلف الفضول، وأنه قال فيه، لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم لم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".

الخطأ الثاني: تصور إمكان العزلة وتوهم أنها مسلك يحتاج إليه المسلمون، وهذا خطأ مركب.. فالعزلة لم تعد ممكنة بعد الثورات العلمية والصناعية التي أدت إلى سقوط حواجز الزمان والمكان.. ولم يعد لطلاب العزلة سبيل- اليوم- لممارستها إلا بأن يقطعوا عن أنفسهم شرايين الحياة، وهواء التنفس، ونسمات الحياة الاجتماعية التي فطر الناس عليها.. ثم إن المسلمين لا يحتاجون اليوم إلى العزلة، لأن حضارة الإسلام قد ولدت ونمت وشبت عن الطوق وأفاءت على الإنسانية عبر التاريخ خيرًا كثيرا وعلمًا نافعًا وقيمًا صالحة، والتعلل بأن الحضارة عند مولدها تحتاج إلى حماية وحضانة حتى تنمو وتشب ويشتد عودها يتجاهل حقيقة جوهرية مؤداها أن الحضارة تولد مرة واحدة ولا يتجدد مولدها مع تعاقب المد والجزر في حياتها، وفى هذا السياق جاء قوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية".

الخطأ الثالث: أن كثرة الحديث عن خطر الفكر المستورد والعيش الدائم تحت ظلال الخوف من أشباح الغزاة يحتاج إلى مراجعة واستدراك.. ذلك أن أكثر الأفكار التي نعايشها اليوم أفكار مستوردة من مكان آخر أو من زمان آخر، والفرض الذى لا يجوز البناء على غيره أن المسلمين أصحاب عقول ونظر، وأن لهم في اختيارهم من تجارب الآخرين وأفكارهم ميزانًا ومعيارًا.. والمسلمون- في تاريخهم الطويل ابتداء من عصر النبوة لم يجدوا -في عصور نهضتهم- حرجا ولا غضاضة في أن يأخذوا من غيرهم وأن يأخذ غيرهم منهم.. لهذا يكون من الخطل والخطأ أن ينصب بعض الناس اليوم أنفسهم وصاة على الإسلام وثقافته، يرفضون -نيابة عنه- كل تجربة إنسانية نشأت أو تمت واكتملت خارج نطاق الإسلام التاريخي والجغرافي، ولا يبقى إلا أن نذكر هؤلاء الخائفين على الإسلام وثقافته بأن الله سبحانه وتعالى هو الذى أنزل الذكر وهو الذى يحفظه، وأنه سبحانه وتعالى هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. فليس الإسلام- إذًا- في حاجة إلى وصاية أحد، ولا حماية أحد ولا تحتاج شريعة الله إلى أن يستدرك عليها أحد من الأولين أو الآخرين، ذلك أنها الحق الخالص والخير المحض وأنها تحكمها في مدها وجزرها سنة الله الخالدة: (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17).. ويبقى كذلك أن نضيف أن الحضارات عبر نشأتها تحتاج إلى مرحلة إعلان واضح للمبادئ التي تميزها وتحدد هويتها، ولكن هذه الحاجة تكون لها الأولوية الكبرى عند مولد الحضارة، أو انفصالها عن حضارة أخرى.. ففي هذه المرحلة يشتد الحرص على رموز التميز وشعائر الخصوصية. وإلى تعقب مظاهر "التشبه" بالغير.. أما بعد أن تتحدد المعالم، وترسخ أقدام الحضارة الجديدة في الأرض، وتحتل مكانها على خريطة الناس والشعوب، فإن الحاجة إلى توكيد الخصوصية تقل وإن كانت تظل قائمة.. ولكنها تحتاج- حينئذ- إلى أن توازنها دعوة أخرى إلى اكتشاف العناصر المشتركة التي تعين على التواصل، وتفتح أمام دعاة الحضارة الجديدة وأبنائها عقول الناس وقلوبهم.. خصوصًا إذا كانت دعوة إنسانية وعالمية على ما عليه الشأن في دعوة الإسلام وثقافته.

والخلاصة.. إننا نستمع- بعقول مفتوحة وقلوب صافية- إلى كل ما يقول دعاة "الجمود على الموجود" وإلى ما ينبهون إليه من محاذير الاندفاع وراء دعوات التجديد، بل إننا ننبه إلى هذه المحاذير، كما ينبهون ولكنا نضعها في إطارها الصحيح وفى إطار الغاية من التذكير بها، وهى أن يظل التجديد تجديدًا في "فكر المسلمين" وتطويرًا له.. لا خروجًا على شيء من ثوابت الإسلام ولا تحريفًا لأحكامه، وانفلاتًا من مبادئه وقيمه..

ولكن حسبنا هذا، ولننطلق بعده بلا مخاوف ولا شكوك، نجدد الفكر، ونغنى الرؤية بكل ما هو جديد، ونطور خطابنا الديني حتى يلقى آذانًا سامعة وقلوبًا واعية، ونمارس الاجتهاد الفقهي في جسارة وثقة.. ولنذكر أن البديل الوحيد لهذا هو أن نبقى حيث نحن، قانعين بالتبعية والتخلف، تمر بنا مواكب الأمم والشعوب، تحمل القيادة، وتمارس السيادة.. ونحن نكتفى بإعلان السخط والرفض والإنكار.

 

مداخل التجديد:

المدخل الأول: تصحيح التصور العام للإسلام والمسلمين.. فأما عن الإسلام فهو خطاب ودعوة.. بلغها أنبياء الله ورسله.. وحمل أمانتها من بعدهم أتباعهم وأنصارهم والمؤمنون بهم وبرسالاتهم.. مصداقًا لقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) (الزخرف: 44)، وبعد هذا البلاغ تنتقل التبعة والمسئولية إلى كل من بلغته هذه الدعوة.. بلا إكراه له أو وصاية عليه (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس: 99) (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) (الغاشية: 21). والإسلام- فوق ذلك- هو كلمة الله الموحى بها إلى أنبيائه ورسله (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285) .. هكذا فَهِم نبينا- صلى الله عليه وسلم- الإسلام، وأدرك حقيقة الرابطة الوثقى التي تربط بين الأنبياء والمرسلين، فكان يقول: "يرحم الله أخي موسى" ويقول عن يونس- عليه السلام- (حين سأله الغلام القبطي يوم خروجه من ثقيف) "هذا أخي هو نبي وأنا نبي"..

أما المسلمون.. فهم، والخلق جميعا، عيال الله.. والله تعالى ليس بينه وبين أحد نسبا "إنما هي أعمالكم ترد إليكم" كما يقول الحديث الشريف.. والمسلمون بهذا لا يحملون صكًا يضمن لهم النصر والتأييد والرفعة بين الشعوب.. ونصر الله الموعود نصر مقيد ومشروط (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7)، (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) (النساء: 123).

المدخل الثاني: توسيع نطاق الاجتهاد الفقهي ليشمل أصول الفقه، وحتى لا يختلط الأمر على أحد، وقبل أن ترتفع في وجه هذه الدعوة صيحات التحذير من المحاذير.. نبادر فنقول إن الأصول التي نعنيها هنا ليست أصول الدين أو أصول الشريعة.. وإنما هي قواعد علم أصول الفقه، وهو نتاج اجتهاد بشرى لرجال أمثالنا، نعرف فضلهم، ونغترف من علمهم.. ولكنا لا نقدسهم ولا نمنحهم موافقة عامة مطلقة على كل ما قالوا به.. فما قالوه في الإجماع والقياس والمصلحة.. وما صاغوه من مبادئ كلية استخلصوها من استقراء النصوص الجزئية.. كل ذلك اجتهاد مأجور.. ولكنه غير نقدى ولا معصوم.. ويعرف المشتغلون بالفتيا في زماننا هذا أن تقرير الحكم الشرعي في أي مسألة أو نازلة.. لابد أن يفضى إلى التعرض للقواعد التي قررها واضعو علم أصول الفقه.. وما لم يمتد الاجتهاد ويعاد النظر في بعض تلك القواعد فسيبقى هذا الاجتهاد مقيدًا ومكبلًا بقيود تحول دون استجابة الشريعة لحاجات الناس ومطالبهم المشروعة، وما قبلته الكثرة الغالبة من المعاصرين من كلام الإمام الشاطبي في "الموافقات" من أن أصول الشريعة كلها قطعية (ومن ثم لا يجوز الاجتهاد في شأنها) يحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة، لأن الأمر أجل وأخطر من أن يسلم فيه لفقيه مهما علا قدره، وقد استدرك على ذلك غير واحد من العلماء الثقاة كالإمام الشوكاني والقاضي أبى بكر الباقلاني وتابعهما في هذا الاستدراك كثير من المعاصرين.. ومن هذا المدخل الثاني تتفرع مداخل عديدة.

المدخل الثالث: معاودة النظر في منهج تفسير القرآن الكريم، بعد أن نشأت ناشئة من الشباب تزعم لنفسها القدرة على ما يسمونه (التعامل المباشر) مع القرآن الكريم.. دون أن تكون لهم قدم ثابتة أو غير ثابتة في علوم اللغة أو أصول التشريع أو غيرها مما اتفق العلماء والعقلاء على ضرورته لمن يتصدى لتفسير القرآن الكريم.. ويزيد من أهمية ضبط منهج التفسير، ما يعرفه المشتغلون بالقضاء والإفتاء من أن المجتهد بصفة عامة يملك -عن طريق التفسير- دورًا كبيرًا في تحديد مضمون الأحكام الشرعية المستمدة من أدلتها الجزئية، سواء أعلن ذلك أم لم يعلنه، وسواء عرف ذلك هو أم لم يعرفه، وكثيرًا ما يكون هذا الباب أوسع أبواب التجديد، لأنه يلتزم أساسًا بالنص، ولا يحاول معارضته بدليل آخر، ولكنه قد يحمله -مع ذلك- كل ما يريد مما قد لا يكون مقصودًا به أصلًا، ولكنه أكثرها اتفاقًا مع ميله واختياره.. ومعاودة النظر في منهج التفسير لا يجوز أن تقتصر على مراجعة أقوال الأقدمين من المفسرين.. إذ في الثقافات القانونية والتشريعية المعاصرة زاد نافع ومفيد، لابد أن يضاف إلى أقوال القدامى والمحدثين من المشتغلين بتفسير القرآن الكريم.

ويتصل بهذا- وان لم يتصل بجوهره- الاستئناس بما توصلت إليه العلوم المختلفة من نتائج ثابتة ومستقرة، في فهم بعض آيات القرآن الكريم أو الاستدلال بها على إعجازه وتجاوزه حدود المعرفة التي كانت متاحة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأهل زمانه.

المدخل الرابع: إطالة التوقف عند السنة النبوية باعتبارها الأصل الثاني، والمصدر المتمَّم للقرآن الكريم بين أدلة الأحكام الشرعية.. وهو توقف يشمل، بدوره أمورًا عديدة:

أولها متابعة الاجتهاد في كل ما يشتمل عليه "علم مصطلح الحديث"، ومعلوم أن المحدثين والفقهاء الأوائل قد اختلفوا في تصنيفات الأحاديث من حيث سندها ومتنها.. وأن عنايتهم بأمر السند كانت أشد بسبب تأخر البدء في جمع الأحاديث إلى عهد عمر بن عبد العزيز- رحمه الله-، وذلك مخافة اختلاط الأحاديث بآيات القرآن الكريم على ما هو معروف ومفصل في كتب الأصول وكتب علم الحديث.

ومن أهم ما يحتاج إليه في هذا الباب معاودة النظر في جواز الاستدلال بالحديث الضعيف، ومعاودة النظر في أقسام الحديث الضعيف، ومتابعة الدراسة لأمر "الوضع في الأحاديث ".. ويملك الجيل المعاصر من أدوات البحث والتحليل ما يتيح مزيدًا من التثبت في كل ما يتصل برواية الأحاديث بحيث تتم تصفية هذه القضية التي لا تزال سببًا من أهم أسباب الخلافات الفقهية القديمة والمعاصرة، حين يؤول الأمر إلى الاحتجاج بحديث يقبله البعض ولا يقبله غيرهم، لاختلافهم في وزن رواته أو اختلافهم في جواز الاحتجاج بمثله.

ثانيها: تحديد ما يعد تشريعًا وما لا يعد تشريعًا من أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله.. وأساس هذه الحاجة ما أجمع عليه علماء المسلمين، وشهد له القرآن الكريم من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر يوحى إليه، وأن بشريته ظلت حاضرة في حياته حضور نبوته، وأن كثيرًا من أقواله وأفعاله قد صدرت عنه بحكم تلك البشرية دون أن يكون المقصود بها التشريع وتقرير الأحكام الملزمة للناس من بعده، وقد يصرح النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن فعله للتشريع أو أنه من خاصة أمره البشرى، وقد لا يصرح بذلك فيستعين العلماء بطبيعة الموضوع الذى ورد فيه الحديث وملابساته وما يحيط به من قرائن.

ثالثها: توجيه مزيد من العناية إلى الملابسات والوقائع التي أحاطت بالحديث، قولًا كان أو فعلا من أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما يقابل البحث في أسباب النزول في خصوص آيات القرآن الكريم.. وفى هذا السياق تتعين إعادة النظر في القاعدة التي قررها علماء الأصول من أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" إذ لا يمكن- في تقديرنا- إسقاط دلالة "الوقائع" التي ورد عليها الحكم الشرعي سواء كان مصدره نصًا قرآنيًا، أم حديثًا نبويًا.. وأقل ما يقال في هذا الشأن أن من شأن الإحاطة بتلك الملابسات أن تعين على تفسير النص تفسيرًا يطابق المقصود من ورائه، ويحقق الغاية منه، ويحدد -لذلك كله- نطاق تطبيقه على الوقائع الداخلة في نطاق حكمه.

المدخل الخامس: الاجتهاد بتحديد ما يمكن أن يتغير من الأحكام بتغير الزمان وما لا يجوز أن يرد عليه التغيير، وهو ما عبر عنه بعض الفقهاء الأوائل بعبارة "ما هو تشريع دائم من الأحكام، وما هو مؤقت بزمان".. وعبر عنه آخرون بأنه "ثوابت الشريعة التي لا يجوز فيها الخلاف".. كما شاع بين الفقهاء القدامى والمحدثين تعبير "ما عرف من الدين بالضرورة"، وهو تعبير لا يتخلص به الإشكال.. وتظل القضية معه قائمة موكولة إلى المجتهدين بغير ضابط يحكمها أو معيار يحتكم إليه.. لعل هذا الباب من أبواب الاجتهاد أن يكون أدقها وأصعبها وأقربها إلى مواطئ الزلل، والحجة الأساسية التي يستند إليها الرافضون لهذا النوع من الاجتهاد أنه لا نسخ للأحكام بعد انقطاع الوحى بانتقال النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى.. والحقيقة- فيما نرى- أن الأمر ليس أمر نسخ ولا ادعاء بوقوعه، وإنما هو أمر تغير في الفتوى.. وهو تغير قليل الاحتمال جدًا حين يكون في الأمر نص قرآني أو نبوي قطعي لا يحتمل التأويل.. وحينئذ لا ينفتح الباب لمثل هذا الاجتهاد، إلا إذا قامت قرينة على ارتباط النص بواقعة معينة هي سبب وروده فينفتح الباب عندئذ لمناقشة مدى الارتباط بين الحكم وسبب نزوله، ومن هذا الباب ما نجده من قول بعض المجتهدين عن حكم معين إن ذلك "كان والناس حديثو عهد بشرك أو جاهلية" بمعنى أنه إذا تباعد الزمن واستقر أصل التوحيد والإيمان وزالت مخاوف الشرك الجلي، لم يعد للاحتياط الذى جاء به النص ضرورة ولا لزوم. ويقوى هذا ويسنده المبدأ العقلي الرشيد الذى نبه إليه العز بن عبد السلام من أن "كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل" وقد يفيد أن نختم الحديث عن أثر تغير الزمان بالإشارة إلى ما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله: "خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب".. ويقول في تفسير هذا الحديث عالم معاصر هو المرحوم الشيخ/ عبد الوهاب خلاف عليه رحمة الله "إن في نفس صيغة النص ما يدل على أنه تشريع زمنى روعي فيه زي المشركين وقت التشريع والقصد إلى مخالفتهم فيه، وأزياء الناس لا استقرار لها".. (من بحث له بعنوان: مصادر التشريع الإسلامي مرنة- مجلة القانون والاقتصاد- مايو 1945)- ومن هذا القبيل أيضًا الرمل في الحج "عند الطواف" فقد قال فيه عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-: "مالنا وللرمل به، كنا نتراءى به بين المشركين وقد أهلكهم الله".

المدخل السادس: إعادة النظر فيما قرره العلماء الأوائل في شأن مصدرين من مصادر الأحكام.. وهما الإجماع، والمصلحة المرسلة..

(أ) فأما "الإجماع "فإن ما اشترطه كثير من الفقهاء عند تعريفهم له أنه "الإجماع التام بين جميع المجتهدين في عصر من العصور بغير مخالف على الإطلاق".. هذا الاشتراط أمر غير مقبول على الإطلاق- فيما نرى- وهو يؤول عملًا إلى إلغاء الإجماع كمصدر للتشريع والفتيا.. إذ يستبعد تمامًا أن يجمع جميع العلماء على رأى واحد في أمر الفرض فيه أنه موضع من مواضع الاجتهاد.. فضلًا عن أن من الجائز وقوعه توهم الإجماع، مع وجود مخالف لم يستدل الباحث عن الإجماع عليه ولم يعرف رأيه، وفوق هذا كله فإن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يتشاورون في النوازل ومستجدات الأمور، دون أن يتحروا معرفة رأى جميعهم وأهل الاجتهاد فيهم، بل كان الإجماع- في الحقيقة- إجماع من حضر منهم أو من طلب منه الرأي والمشورة.. هذا مع أن قلة عدد الصحابة ومعرفة الناس لهم جميعًا كان من شأنها أن تجعل الوصول إلى رأيه أيسر وأدنى مما عليه الحال بعد انتشار الإسلام، وتباعد الديار بين علمائه والمجتهدين في شريعته..).

وبقى أن نشير إلى أن هذا الذى ندعو إليه ليس بدعًا في الآراء ولا هو أمر ننفرد به.. بل ذهب إليه كثير من العلماء الأوائل كالإمام أحمد وابن جرير الطبري عليهما رحمة الله، كما قال به من المحدثين أستاذنا الشيخ/ خلاف، والشيخ/ محمود شلتوت عليهما رحمة الله: وإذا كان من المقرر أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن تنظيم أمر هذا الإجماع يغدو-هو الآخر- واجبًا وذلك بتنظيم ما يسميه المعاصرون "الاجتهاد الجماعي" بدلا من الاجتهاد الفردي.. الذى يترك السائل حيرانا حين يعرف أن من الفقهاء من يفتى بغير ما أفتى به.. وليس بين يديه أداة ولا معيار يختار- استنادًا إليهما بين الآراء المتعارضة والفتاوى المختلفة.

(ب) أما "المصلحة" فإن إعادة النظر فيما قرره العلماء الأوائل في شأنها قد صارت أمرًا تدعو إليه الضرورة والحاجة العامة.. فالشريعة كلها مبناها على المصالح، كما يقول ابن قيم الجوزية.. والعلاقة بين "المصلحة" واعتبارها دليلًا شرعيًا يتمم النصوص، وبين مقاصد الشريعة أظهر من أن تحتاج إلى بيان.. إذ تكاليف الشريعة ترجع كلها كما يقول الشاطبي في الجزء الثاني من موافقاته إلى "تحقيق مقاصدها في الخلق".. فالمصالح هي غاية التشريع، وتحقيقها هو أساس العلة التي يرتبط بها كل حكم شرعي بحيث إذا زالت أو تغيرت معها الحكم، وهذا هو الفهم الرشيد للتشريع الإسلامي في جملته وفى جزئياته، فقد جاء النبي- صلى الله عليه وسلم- يحل للناس الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث.. ولذلك كان حقًا ما قرره ابن قيم الجوزية من أن كل مسألة خرجت من العدل إلى الظلم، ومن المصلحة إلى المفسدة ومن الرحمة إلى ضدها فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.

وإنما يدعونا إلى تجديد الدعوة لمعاودة النظر في المصلحة وضوابطها ما لاحظناه من أن أكثر المعاصرين الذين كتبوا عن المصلحة قد غلب عليهم الخوف، واستولى عليهم الحذر الشديد والخوف من المحاذير، فربطوا المصلحة بالنصوص ربط شديدا يكاد [يلغي] دورها ويحول دون الانتفاع بها كمصدر تكميلي من مصادر استخراج الأحكام.

وقد حاول بعض المحدثين توسيع نطاق الأخذ بالمصلحة عن طريق توسيع الأخذ بالقياس، بحيث لا يُبنى على العلة بمفهومها الضيق وتعريفها بأنها "الوصف الظاهر المنضبط" الذى بني عليه الحكم، [و]إنما يبنى على استقراء عدد من النصوص الجزئية، واستنباط المقصد أو المصلحة التي تسعى تلك النصوص لتحقيقها، ثم نتوخى بعد ذلك هذا المقصد حيثما كان في الظروف والملابسات الجديدة.. وهذا ما يطلق عليه "قياس المصالح المرسلة".

ونحن لا نتعجل القول في أمر هذا المنهج.. وإنما ننبه إلى العلاقة الوثقى بين الاستدلال على المقاصد التشريعية، وبين الأخذ بالمصالح المرسلة دليلًا من أدلة الأحكام.. وإلى العلاقة الوثقى كذلك بين فقه المقاصد وفقه إجراء القياس.. وإنما على الحاكم لهذا كله الانتباه إلى أن الأحكام الشرعية وسائل لغايات، وليست مجرد شعائر تعبدية يجرى أمرها على قاعدة الطاعة وحدها.. وأن الطاعة التي يصاحبها تحقيق المصالح، والانتفاع بالمنافع، تجمع الحسنيين.. حسنى الدخول في طاعة الحق سبحانه.. وحسنى تحقيق النفع لعامة المسلمين، "وخير الناس أنفعهم للناس".

المدخل السادس- تنظيم الاجتهاد الجماعي:

لم أتوقف- عامدًا- عند دعوى قفل باب الاجتهاد.. وذلك لسببين: أولهما: أن هذه الدعوى لا يعرف صاحبها على وجه التحديد وإن عرفت أسبابها ومبرراتها وهى تصدي من ليس عالمًا بالفقه ولا حائزًا القدر الأدنى من شروط الاجتهاد للقول في دين الله ودنيا الناس بغير علم ولا هدى.. فخشى العلماء المحققون من عواقب هذا الانفلات ومن آثاره الضارة على الناس أجمعين.. ولكن القول بقفل باب الاجتهاد سدًا لهذه الذريعة، قول لا يسنده دليل، ولا تشهد له مصلحة.. بل إنه كما قال كثير من المحققين يحمل في طياته تناقضًا أساسيًا، إذ هو في ذاته اجتهاد، فكيف يقول بمنع الاجتهاد من يمارسه بقوله وفعله.

ثانيهما: أن باب الاجتهاد لم يقفل أبدًا خلال قرون التاريخ الإسلامي، فبعد الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة ومن هم في مقامهم ومنزلتهم من الفقهاء كالأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وابن حزم، وابن تيمية، والشوكاني، والصنعاني، وولى الله الدهلوي، وغيرهم.. فإن عشرات من المجتهدين قد ظهروا وأفتوا الناس ومارسوا الاجتهاد.. وتبعهم كثيرون من المعاصرين يضيق المقام عن تعدادهم وذكر أسمائهم. لهذا لم تعد القضية في تقديرنا هي الرد على دعاة قفل باب الاجتهاد.. وإنما صارت القضية قضية وضع منهج منضبط للاجتهاد يصاحبه التنبيه المتكرر إلى زيادة الحاجة إلى هذا الاجتهاد في ضوء المستجدات العديدة التي اقتحمت على الناس حياتهم.. وصارت مواجهتها محتاجة إلى فقه جديد واجتهاد متواصل.

وقد عرف تاريخ الفقه الإسلامي نوعين من الاجتهاد..

أولهما اجتهاد فردى يمارسه فقيه واحد، فيتبعه بعد ذلك عدد قل أو كثر من تلامذته والآخذين بمنهجه.. ويظل الاجتهاد- مع ذلك- منسوبًا إليه وحده.. وقد كان هذا حال الأئمة مؤسسي المدارس أو المذاهب الفقهية المعروفة.. ولكن المتأمل يجد- مع ذلك- في هذه المدارس الفقهية نوعًا من الإفتاء الجماعي، وذلك حين يحدد الفقيه المؤسس للمدرسة أصوله ومنهجه في استدلال الأحكام.. ثم يتابعه فقهاء المذهب في الأخذ بهذه الأصول وتطبيق ذلك المنهج، ولهذا يوصف مؤسس المدرسة الفقهية بأنه فقيه مطلق بينما يقتصر اجتهاد أتباعه عادة على الاجتهاد في إطار منهج المدرسة التي يتبعها، ولذلك يسمى هؤلاء المتبعين مجتهدين في المذهب.. وقد تتردد مرتبة بعضهم بين الاجتهاد المطلق والاجتهاد في المذهب، كما هو حال ابن تيمية في علاقته بمنهج أحمد بن حنبل مؤسس المذهب الحنبلي وابن حزم في علاقته بداود الظاهري مؤسس مدرسة أهل الظاهر.

ولكن الاجتهاد الجماعي الذى يحتاج المسلمون إليه اليوم هو اجتهاد "مؤسسي".. بمعنى أنه يتم داخل مؤسسات بحثية، ينقطع فيها العلماء لمدارسة العلوم الإسلامية، ومدارسة الفقه بصفة خاصة مدارسة لا تقف عند حد معرفة آراء الفقهاء المجتهدين أصحاب المذاهب والمدارس.. ولكنها تعنى بأمرين لا يستغنى قائم بالإفتاء عن الإحاطة بهما:

الأول: معرفة مقاصد الشريعة في موضوع البحث واستقصاء آراء العلماء في شأن ذلك الموضوع استقصاء علميًا يستعان فيه بأدوات المعرفة والإحصاء التي وفرتها ثورة المعلومات.

والآخر: معرفة أحوال الناس معرفة قائمة على المشاهدة والتجربة والتحليل.. مع متابعة ما يطرأ على تلك الأحوال من تغير لابد أن تستجيب له الفتوى، ومعنى هذا أن هذه المؤسسات البحثية ولنصطلح على تسميتها "المجامع".. لابد أن تكون فيها أقسام متخصصة في الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. بحيث توضع نتائج أبحاثها بين أيدى المتصدين للفتيا.. ذلك أن من أهم أسباب القصور في الاجتهاد المعاصر أن "الفقيه" قد يكون ملما بآراء الفقهاء القدامى والمحدثين، ولكنه غير عليم بحقيقة الوقائع والمواقف التي يطلب الناس الرأي فيها خصوص بعد أن تعقد الواقع تعقيدًا شديدًا وظهر من أنواع المعاملات والتصرفات وأنماط سلوك الناس ما يحتاج فيه الفقيه إلى الاستعانة بأهل الخبرة في علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع والإحصاء.. وتزداد صعوبة هذا الأمر حين يبحث المجتهد عن المصالح والمفاسد أو حين يفتى أو يقضى على أساس ما يسميه علماء الإسلام "سد الذرائع"، فتلك كلها أمور تقديرية لا يمكن الاعتماد في شأنها على تقدير الفرد الواحد ولو كان أعلم العلماء، إذ ليس الأمر فيها كما يتخيل بعض الناس مجرد مضاهاة واقع بسيط قد يرى الفقيه جزءًا واحدًا من أجزائه وتغيب عنه أجزاء، بل نص واضح صريح، بل لابد فيها من دراسة وفهم وتحليل لأوضاع الأفراد وللمجتمع كله، ودراسة للآثار المحتملة للتشريع أو القضاء برأي معين على الناس.. بل إننا نضيف في هذا المقام أن من المتصور اختلاف الفتوى باختلاف حال السائل، أو ما يسميه المحدثون "تفريد الفتوى وتفريد القضاء".. أي اختلافه باختلاف حال الفرد السائل أو المسائل أمام الحاكم.. وهذا التفريد، في إطار القاعدة العامة بطبيعة الحال، هو عين ما انتبه إليه وقال به الإمام الشاطبي في الموافقات من أن على المجتهد "النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال، وشخص دون شخص ثم يقول: "فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذى رزق نورًا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها.. فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقى التكاليف وتشهد لهذا النظر السُّنة العملية للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان يُسأل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال فيجيب بأجوبة مختلفة، لاختلاف الحال أو اختلاف صاحب السؤال.. وهذا ما يسميه بعض الفقهاء كذلك: فقه الواقع.. وهو فقه يرتفع عن الاكتفاء بالعموميات وإجراء النص إجراء واحدًا دون التفات لتغير وقائع الحال.. ولذلك وجدنا القرافي ينكره ويعلل هذا الإنكار بقوله (الفروق ج 1 ص176): "فمهما تجدد العرف اعتبره، ومتى سقط أسقطه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك.. والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين".

وحين نتحدث اليوم عن المجامع الفقهية أو "الاجتهاد الجماعي المؤسسي" فنحن لا نبتدع جديدًا.. إذ من حولنا مؤسسات بحثية عديدة.. حسبنا أن نشير فيها إلى مجمع البحوث الإسلامية الذى أنشئ بالأزهر عام 1961م، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والذى أنشئ 1981م، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية الذى أنشئ بالأردن تحت اسم "مؤسسة آل البيت"، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.

والحق أن المجامع الفقهية القائمة ليست سواء في أولويات اهتمامها أو في الهدف من إنشائها، أو فيما تبذله من جهد علمي حقيقي على طريق تجديد الفكر الإسلامي، وإحياء حركة الاجتهاد الفقهي.. منها ما هو مشتغل بالعموميات يجتمع لها مرة كل عام أو مرتين ثم ينفض المشاركون في تلك الاجتماعات دون أن يثمر اللقاء عن تقدم فكرى أو ممارسة لاجتهاد فقهى أو حوار حقيقي بين العلماء حول مشكلة احتار المسلمون في البحث عن حل لها.. وجاءوا إلى تلك المجامع يلتمسون الرأي ويطلبون الفتيا المؤيدة بالدليل.. ومنها ما هو خاضع حتى في توجهه السياسي لحكومة تموله أو تراقبه أو تشرف عليه.

ومنها ما جمد وشاخ وفارقته الهمة وتحول إلى جسم لا روح فيه.. وانقطع عن تيار الحياة الزاخر بالمشاكل والتطلعات والتحديات..

لهذا فإن "إحياء" المجامع القائمة يقتضى فيما نرى أمرين:

أولهما: التقويم الفوري لأدائها، وإعادة النظر في كيفية تشكيلها، ونظام عملها.. حتى تعود كما أريد لها، مؤسسات بحث فقهى أصيل يقوم به علماء محققون، مشهود لهم بثبوت القدم في علوم الإسلام، كل في تخصصه.. ووضع برنامج لعملهما.. يشمل عددًا من السنوات يتوجه فيها المجمع إلى بحث قضايا فقهية محددة من خلال بحوث متخصصة يعدها أعضاء المجمع خلال سنة كاملة سابقة لموعد اجتماعه.

ثانيهما: إيجاد لجنة للتنسيق بين هذه المجامع.. حتى لا تتكرر الجهود بغير مقتضى، ويدخل في عمل هذه اللجنة تحقيق تبادل المعلومات والأبحاث ونتائجها بين المجامع المختلفة، حتى إذا توجه مجمع إلى دراسة مشكلة عرض لها مجمع آخر بدأ من حيث انتهى البحث في المجمع الأول، مستفيدًا من نتائج هذه الأبحاث... وقد ترى هذه اللجنة تنظيم نوع من "تبادل العلماء"، لفترات زمنية يتفق عليها.. وذلك أملًا في توحد الرؤية، وتوحيد الأولويات.

وفى تقديرنا أن من السابق لأوانه إنشاء مجمع واحد أو مجلس أعلى للمجامع تجرى فيه البحوث وتصدر عنه الآراء والاجتهادات.. ذلك أن تعدد الاجتهادات في هذه المرحلة التي يتهيأ فيها الفقه الإسلامي للتجدد، أمر مطلوب ونافع..

وبعد،

فهذه لمحات تعبر عن إيماني بالحاجة الكبرى إلى تجديد الفكر وتجديد الفقه.. ذلك أن إيقاع التطورات والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم قد صار بالغ السرعة، مما يعنى أن المستقبل يدق أبواب الحاضر قبل تصوره والاستعداد للقائه.. وأن تحديات جديدة سوف تواجه الناس جميعًا قبل أن يتموا تصور مضمونها وحساب آثارها والاستعداد لمواجهتها.. يصدق ذلك على المسلمين وغير المسلمين..

وسوف يتفاضل الناس وتتفاضل الشعوب في هذا المقام على أساس من قدرتها على مغالبة الجهود واستعدادها لاستقبال عناصر التطور والتغير السريع.. فالذين يتجاوبون ويتعاملون مع المستجدات لهم فرص أكبر وأوفر في إقامة مستقبلهم إقامة واعية مبصرة على أساس معادلات دقيقة جمعوا فيها بين ما يريدون الاحتفاظ به والالتزام بضوابطه وبين عناصر الواقع الجديد الذى يرد عليه الالتزام.

أما الرافضون المنكمشون الذين لا يعبؤون بمتابعة ما يدور حولهم فأولئك (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) (نوح: 7)، وآثروا- خوفًا وعجزًا- أن يفروا إلى ماض لا فضل لهم فيه، إشفاقًا من مستقبل لا أمل لهم فيه..

سادتي العلماء.. لقد التوت أعناق أجيال متعاقبة من المسلمين، وهم مشدودون إلى الوراء، منكفئون على الماضي، متعبدون بآراء الأسلاف من العلماء.. مسرفون في إساءة الظن بكل دعوة ينادى أصحابها بالجديد.. في الفكر وفى الفقه وفى أساليب العمل الفردي والجماعي.. لهذا توقفنا وتحرك الآخرون.. وتجمدت أوصال أمتنا، حين انطلق الآخرون.

والخطاب في نهاية هذا الحديث موجه لجيل الشباب، أن تعالوا نرفع أصابعنا عن آذاننا، ونشحذ الهمة لعمل كبير وجهاد طويل.. فيه تجرد في الفكر وتجديد في الفقه، نمد به أبصارنا إلى المستقبل، ونرتحل فيه بمشاعرنا -بعض حين- عن الماضي الذى أوقعنا التقليد في أسره ونحن نحسب أننا بهذا نتقرب إلى الله.. تعالوا نمارس الاجتهاد كما تمارس العبادة، ونمارس اختلاف الرأي في تواضع الأتقياء المؤمنين.. اختلافًا تظلله روح الأخوة الصادقة، والحرص على توحد الكلمة واجتماع الشمل.. ولنلقى من أيدينا تلك الصواعق المحرقة التي يتقاذفها المفكرون في عالمنا الإسلامي الفسيح، فتسقط على الأمة كلها كأنها حجارة من سجيل!

وإن الله تعالى هو الموفق إلى سواء السبيل.

 


* محاضرة ألقيت في المؤتمر الثالث عشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالأزهر الشريف، والذي عقد تحت عنوان: "التجديد في الفكر الإسلامي، مايو 2001م.

** وزير الإعلام الأسبق- مصر.

 

 

 

في مطلع القرن العشرين (وبالتحديد عام 1906م) حين كانت الأفكار (الإصلاحية) تعصف بالعالم الإسلامي، ظهر جدال فكري حاد في صفحات مجلة المنار، المجلة التي كانت تُعد منبرًا للفكر الإسلامي التجديدي تحت رئاسة الشيخ محمد رشيد رضا. هذا الجدل نشب على خلفية مقال نشره الطبيب والمفكر المصري محمد توفيق صدقي بعنوان "الإسلام هو القرآن وحده". قدم صدقي في مقاله رؤية صادمة حول السنة النبوية، زاعمًا أن الإسلام يجب أن يستند إلى القرآن فقط، وأن السنة لم تكن لتكون ملزمة لكل العصور، بل هي خاصة بالعصر النبوي. أثارت هذه الفكرة ضجة بين العلماء والمفكرين، ودفع ذلك مجموعة من الكتّاب إلى الرد عليها، مما خلق نقاشًا حول مصادر التشريع الإسلامي وأدوارها.

 

محمد توفيق صدقي ومقاله "الإسلام هو القرآن وحده":

محمد توفيق صدقي طبيب وباحث ومفكر مصري، ويعتبر من أوائل القرآنيين في القرن العشرين، عمل بمصلحة السجون بالقاهرة، كتب مقالات في مجلة المنار فأصبح من كبار الكتاب المصرين في عصره. صدقي كان يرى أن العالم الإسلامي بحاجة إلى العودة إلى القرآن الكريم باعتباره المصدر الوحيد للتشريع، وأن الابتعاد عن السنة النبوية سيحرر المسلمين من كثير من التفسيرات الفقهية التي يعتبرها قيودًا فُرضت عليهم عبر القرون.

في مقاله الأول، اعتبر صدقي أن السنة النبوية لم تُكتب بشكل منهجي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل جاءت الروايات بشكل شفهي، مما فتح الباب أمام التحريف والتلاعب. لذلك، حسب رأيه، يجب أن يكون الاعتماد فقط على القرآن الكريم، لأنه الوحيد الذي تم الحفاظ عليه بشكل نصي دقيق، وصانه الله من التبديل. وكان أحد أبرز حجج صدقي أن الصحابة لم يكونوا في حاجة إلى السنة كنص مكتوب، لأنهم عاصروا النبي وعاشوا معه، ما جعل فهمهم للإسلام متينًا دون الحاجة إلى توثيق الحديث. بالتالي، يرى أن اتباع السنة النبوية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليس أمرًا ضروريًا، بل قد يكون مصدرًا للتناقضات والاجتهادات التي تقيد الإسلام بروح عصور سابقة.

 

التعقيب المبدئي لمجلة المنار(1):

وقد عقبت مجلة المنار على هذا المقال مباشرة موضحة أنه قد سبق الكاتب إلى هذا الموضوع غيرُ واحد من المسلمين الباحثين من أشهرهم ميرزا باقر الشهير الذي كان تنصر وصار داعية لمذهب البروتستنت، ثم عُني بدراسة سائر مذاهب النصرانية ومذهب اليهود، ثم عاد إلى الإسلام باجتهاد جديد، ودعا إليه في إنكلترا بغيرة وعزم شديد، وأن المجلة هي من اقترحت على الكاتب أن يكتب ما يراه لعرضه في المنار على العلماء والباحثين، ودعت المجلة علماء الأزهر وغيرهم لبيان الحق في هذه المسألة بالدلائل ودَفْع ما عُرِضَ دونه من الشبهات التي اتسم بعضها بالشذوذ، منوهة أنها سترد على المقال تفصيلًا فيما بعد.

 

 

الرد الأول على مقال صدقي: "الدين كله ما جاء به الرسول":

أثار مقال صدقي الأول عددًا من الردود والتعقيبات، فقد رد عليه أحد القراء (وهو أ. أحمد منصور الباز) في المجلة نفسها بمقالة حملت عنوان "الدين كله ما جاء به الرسول". في هذا الرد، تمت مناقشة أطروحات صدقي من زاوية فقهية، حيث أكد الكاتب أن الإسلام لا يمكن اختزاله في القرآن فقط؛ فالقرآن، رغم كونه المصدر الأول للتشريع، يحتاج إلى تفسير وتوضيح، والسنة هي التي تقوم بهذا الدور. أشار الكاتب إلى أن السنة النبوية ليست مجرد مكمل للقرآن، بل هي شارحة ومبينة له، وقد أمر الله باتباع النبي في آيات عديدة من القرآن، مما يعني أن سنة النبي جزء لا يتجزأ من الشريعة. كما قدم في مقاله شواهد تاريخية تؤكد أن الحديث النبوي كان يُدوّن في عصر الرسول، مشيرًا إلى نصوص توضح اهتمام الصحابة والتابعين بحفظ السنة وتوثيقها.

 

الرد الثاني، الشيخ طه البشري ودفاعه عن أصول الإسلام:

في مواجهة الجدل المتصاعد، تدخل الشيخ طه البشري بمقال مؤثر حمل عنوان "أصول الإسلام: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس"، دافع فيه عن المصادر الأربعة للتشريع الإسلامي، موضحًا دور كل منها في حفظ الدين. واعتبر البشري أن الإسلام ليس مجرد نصوص، بل هو نظام كامل يقوم على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن إلغاء أي من هذه الركائز سيؤدي إلى خلل كبير في فهم الدين وتطبيقه. البشري استعرض بالتفصيل كيف أن السنة كانت دائمًا مكملة للقرآن، وأنها كانت ضرورة لفهم الأحكام القرآنية التي قد تأتي في بعض الأحيان مجملة. وأكد أن التشكيك في السنة هو تشكيك في القدرة البشرية على نقل الوحي بطريقة موثوقة، وهو ما يعتبره خرقًا لفكرة الحفظ الإلهي للدين.

 

رد صدقي على منتقديه: "الإسلام هو القرآن وحده: رد لرد":

لم يتراجع صدقي أمام هذه الردود، بل كتب مقالًا آخر بعنوان "الإسلام هو القرآن وحده: رد لرد"، حيث حاول فيه الدفاع عن مواقفه والرد على منتقديه. جادل صدقي بأن الاعتماد على السنة بجانب القرآن يفتح الباب أمام اختلافات واسعة في الفقه والشريعة، مما يعقد الأمور أكثر مما يبسطها. وأكد أن الله قد تكفل بحفظ القرآن، بينما ترك حفظ السنة للبشر، وهذا، حسب رأيه، يضعف مصداقية السنة كمصدر تشريعي. في مقاله هذا، ركز صدقي على الحاجة إلى تبسيط الدين والعودة إلى أصوله الأساسية، متمثلة في القرآن فقط، معتبرًا أن التشريع يجب أن يكون مرتبطًا مباشرة بالنص القرآني الواضح دون الاعتماد على اجتهادات لاحقة.

 

الرد الثالث: مجلة المنار تعقب على مقال صدقي:

في تعقيب مجلة "المنار" على مقالي الدكتور محمد توفيق صدقي حول "القرآن وحده"، بدأت بتوضيح أن الجدال تشعب حول سؤال مركزي: هل الإسلام يعتمد فقط على القرآن أم أن السنة جزء لا يتجزأ منه؟ وأشارت المجلة في تعقيبها إلى أن صدقي في مقاليه زعم أن السنة النبوية خاصة بعصر الرسول، ولا يجب اتباعها في كل زمان ومكان، حيث عارضت المجلة هذا الطرح بشدة، مؤكدة على أن الرد على أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع البشر، وأن رسالته، بما فيها السنة، ليست محدودة بعصر أو فئة معينة.

وذكرت مجلة المنار في تعقيبها أن الإسلام هو دين شامل يعتمد على ما جاء به الرسول من القرآن والسنة، وأن الاعتماد على القرآن وحده يعني تجريد رسالة الرسول من جوانب هامة تشمل العبادات والأحكام التي لا يُذكر تفصيلها في القرآن. على سبيل المثال، صلاة المسلمين وكيفيتها تُعد جزءًا أساسيًا من الدين وتعلمت الأمة كيفية أدائها من السنة النبوية. كما لفتت المجلة إلى أن جميع الصحابة والتابعين نقلوا كيفيات الصلاة، الحج، والعبادات الأخرى، ولم يحدث أي خلاف أو نزاع حول هذه الأمور الأساسية. لذلك، ما فهمه الصحابة عن النبي يجب أن يكون ملزمًا لكل مسلم إلى يوم القيامة. واعتبر التعقيب أن محاولة الدكتور صدقي التشكيك في صحة بعض جوانب السنة النبوية هو تشكيك في المبادئ الثابتة للإسلام.

وتناول تعقيب المجلة حجة صدقي المتعلقة بالصلاة، حيث يقول إن القرآن وحده يذكر الركعات في صلاة الخوف، ولكن لا يحدد كيفية الصلاة في ظروف الأمن. يؤكد الرد أن السنة العملية، التي أداها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي واظب عليها الصحابة، تفرض على المسلمين الالتزام بعدد الركعات والكيفيات التي نقلت إلينا. بالتالي، من غير المنطقي الشك في أن السنة النبوية تحمل توجيهات عامة تتعلق بالعبادات والحياة الدينية، ويجب أن تكون واجبة على الجميع. كما ينفي الرد ادعاءات صدقي بأن السنة النبوية كانت خاصة بالعرب أو بزمن معين، ويشير إلى أن أي تخصيص لا يمكن الأخذ به إلا إذا كان هناك دليل قاطع يثبت ذلك. وإلا، فالأصل أن جميع ما ورد في السنة هو عام وملزم لكل المسلمين.

ومن النقاط التي تناولتها مجلة المنار في تعقيبها تلك التي تتعلق بجدل كتابة الحديث، حيث استند صدقي إلى فكرة أن النبي نهى في بعض الأحيان عن كتابة الحديث. هنا، يوضح المنار أن هذه الشبهة ليست دليلًا كافيًا على ضعف أو عدم موثوقية السنة. إذ أن الصحابة التزموا بالسنة على مستوى عملي دون الحاجة إلى التدوين المباشر، والاعتماد على النقل الشفهي كان كافيًا في تلك الفترة. فيما بعد، جمع العلماء الحديث بحرص ودقة، مما يُعد امتدادًا طبيعيًا لتبليغ السنة النبوية.

وفي نهاية ردها، حثت المنار علماء الدين على توضيح مسائل السنة النبوية والحديث، وذلك لمواجهة الشكوك والاعتراضات التي طرحها صدقي، مبينة أن دور العلماء هو إيضاح الحقائق وتقديم الأدلة التي تثبت أن الإسلام يعتمد على كل ما جاء به الرسول من قرآن وسنة.

 

ويعيد موقعنا نشر المقال الذي أثار الجدل الذي لم ينته بعد حول مكانة السُنَّة في الإسلام، وكذلك الردود على هذا المقال التي نُشرت تباعًا في مجلة المنار، باعتبار أن ذلك يمثل باكورة نشأة هذا الجدل في العصر الحديث:

 

 

المقال الأول: الإسلام هو القرآن وحده(2)

محمد توفيق صدقي(3)

 

هذا عنوان مقال لي جديد، أريد أن أفصح فيه عن رأي أُبدِيه لعلماء المسلمين، المحققين منهم لا المقلدين، حتى إذا ما كنت مخطئا أرشدوني، وإذا ما كنت مصيبًا أيدوني، وبشيء من علمهم أمدوني، فإني لست ممن يهوى الإقامة على الضلال، ولا ممن يلتذّ بحديث مع الجهال، فلذا أجهد النفس في تحقيق الحق وتمحيصه، والإسراع إليه إذا ما بدا لي بارق من بصيصه، وها أنا ذا أشرع في إيضاح المقصود بالتدقيق، راجيًا من الله التوفيق، للهداية إلى أقوم طريق، فأقول: لا خلاف بين أحد من المسلمين، في أن متن القرآن الشريف مقطوع به؛ لأنه منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم باللفظ بدون زيادة ولا نقصان، ومكتوب في عصره بأمر منه عليه السلام، بخلاف الأحاديث النبوية فلم يكتب منها شيء مطلقًا إلا بعد عهده بمدة تكفي لأن يحصل فيها من التلاعب والفساد ما قد حصل، ومن ذلك نعلم أن النبي عليه السلام لم يرد أن يبلغ عنه للعالمين شيء بالكتابة سوى القرآن الشريف الذي تكفل الله تعالى بحفظه في قوله جل شأنه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: ٩) فلو كان غير القرآن ضروريًّا في الدين لأَمَرَ النبي بتقييده كتابة ولتكفل الله تعالى بحفظه، ولما جاز لأحد روايته أحيانًا على حسب ما أداه إليه فهمه.

فإنْ قيل: إن النبي لم يأمر بكتابة كلامه لئلا يلتبس بكلام الله، قلت: وكيف ذلك والقرآن معجز بنظمه، ولا يمكن لبشر الإتيان بمثله؟ ولِمَ لَمْ يضمن ما في الأحاديث من الواجبات كما ضمن ما في القرآن حتى نأمن عليه من التغيير والتحريف والاختلاف؟ ولمَ كان بعض الدين قرآنًا والبعض الآخر حديثًا؟ وما الحكمة في ذلك؟ وما الفرق بين الواجب بالقرآن والواجب بالسُّنة؟ فهذه بعض أسئلة ألقيها على الباحثين ليجيبوا عنها إن كان ثَم جواب.

سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: (هل يجب الوضوء من القيء؟) فأجاب عليه السلام: (لو كان واجبًا لوجدته في كتاب الله تعالى) فهذا الحديث صح أو لم يصح، فالعقل يشهد له ويوافق عليه، وكان يجب أن يكون مبدأ للمسلمين لا يحيدون عنه. ولكن ويا لَلأسف لَحِقَ المسلمين ما لحق غيرهم من الأمم، فدفع بهم في ظلمات في بحر لُجيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج أحدٌ منهم يده لا يكاد يراها، ومن لم يجعل الله له من كتابه نورًا فما له من نور.

ولع الناس في الأعصر الأولى بالروايات القولية ولوعًا، وتفاخروا بكثرة جمعها جموعًا، حتى ملأت الأحاديث الآفاق، وكثر فيها التضارب والاختلاف. وصار من المستحيل أن يعمل الإنسان بدينه بدون أن يقلد غيره ممن أفنوا أعمارهم في عمل مذهب لهم فأصبح التقليد من أوجب الواجبات في دين المسلمين بعد أن كان من ألدّ أعداء القرآن المجيد. تنوعت المذاهب واختلفت المشارب وتعددت الآراء في كل فرع من فروع الفقه حتى تجد في كل مسألة أن كل ممكن من الممكنات العقلية قد صار مذهبًا لأحد الأئمة ووجب على المقلدين القول (بأن الكل على الحق) فأصبح القول باجتماع الضدين بل النقيضين عقيدة من عقائد الدين بين المسلمين فحق عليهم القول بأن سيتبعون سنن مَنْ قبلهم حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلوه.

أراد بعضهم أن يزيل عن العين الرمد فقال بسد باب الاجتهاد. وبذلك شفى الرمد بالإعماء، فصار كل من أراد أن يستعمل عقله في الدين رموه بأنه من المارقين وهكذا ضاع الحق بين الأباطيل: ولولا عناية الله لأزهقت رُوحَه الأضاليلُ.

نظر المجتهدون في الأحاديث نظرة علموا ما فيها من الاختلاف، وتحققوا أن أكثرها موضوعات، ولما أراد كل منهم أن يستخرج مذهبه اضطر أن يرفض منها ما صح عند غيره، فهل يعقل أن الله يدين العالمين بشيء لا يمكن لأحد أن يميز حقه من باطله؟ وهل يعذر المسلمون في تركهم القرآن خلف ظهورهم والاشتغال عنه بهذه المذاهب وصرف الوقت في مراجعة الروايات التي لا تحصى لظنهم أن القرآن غير وافٍ بالدين كله، والله تعالى يقول: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (الأنعام: ٣٨) وإذا صحت مذاهبهم، فأي تفريط أكبر من ترك القرآن لأكثر واجباتهم في الصلاة والصوم والحج والزكاة وغير ذلك؟

دين الله سهل ميسور، والتقليد فيه محظور، فلو كان العمل بما في الأحاديث واجبًا لَلَزِمَ كل مكلف أن يترك أي شغل آخر ويقضي الليالي الطويلة في مطالعة المجلدات الضخمة من كتب الحديث، ليعرف الضعيف والصحيح والموضوع، والحسن والموقوف والمرفوع، والناسخ والمنسوخ: فهل في شرعة الإنصاف أني ... أكلف خُطَّةً لا تستطاع؟

يحتج السنيون على صحة قولهم بنحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: ٥٩) ولكننا نحن القرآنيين نقول: إن إطاعة الرسول لا نزاع فيها ولكن النزاع في مسألة أخرى، وهي: هل يفرض علينا الرسول فرضًا لم يفرضه كتاب الله؟ فإذا كان ذلك صحيحًا فهل لأولياء الأمر أن يفرضوا علينا صلوات سبعًا بدل الخمس أو صيام شهرين بدل الشهر ونحن مأمورون بطاعتهم مثل طاعة الرسول؟ وإذا كان الأمر كذلك فما بال جميع أصحاب المذاهب ميزوا بين أمر الله وأمر الرسول أو بين الواجب والسنة وبين المفروض والمندوب؟ أليس ذلك إقرارًا منهم بالفرق الهائل بين الكتاب والسنة؟

نحن لا نجهل أن كل مذهب منها يقول ببعض فرائض لا أثر لها في الكتاب، ولكن الذي نلاحظه على أصحابها ونشكرهم عليه أنهم كانوا دائمًا يجتهدون أن يأخذوا دليلهم على الفرضية من الكتاب إن أمكنهم حتى إن كثيرًا منهم قال بعدم وجوب أشياء كان النبي عليه السلام يواظب عليها ويأمر أصحابه بها، إذ لم يجد دليلًا عليها من القرآن، فأبو حنيفة مثلًا قال بأن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست بواجبة؛ لأنه لم يجد أمرًا بذلك في كتاب الله، وكذلك قال في الاستنجاء، وذهب الجميع إلى القول بأن المضمضة والاستنشاق ليستا من فرائض الوضوء، وغير ذلك كثير حتى إنك تجدهم يستنبطون كل ما قالوا بأنه فرض من الآية الواردة فيه، وبعد ذلك يقولون بأن ما زاد عليه فهو سنة، ولو لم يثبت أن النبي تركه مرة واحدة، أليس ذلك أثرًا من آثار الفطرة السليمة الباقية في نفوسهم؟

إذا نظر ناظر في جميع المذاهب المعروفة واستخرج منها جميع ما أجمعوا على وجوبه وجد أنه كله مستنبط من القرآن الشريف إلا مسائل قليلة جدًّا أذكر منها بعضها لأهميتها، كعدد ركعات الصلاة، ومقادير الزكاة وما يتعلق بها. لا شك عندي أن هاتين المسألتين متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس ذلك محلًا للنزاع، ولكن محل النزاع هو هل كلُّ ما تواتر عن النبي أنه فعله وأمر به يكون واجبًا على الأمة الإسلامية في جميع الأزمنة والأمكنة، وإن لم يرد له ذكر في القرآن رأيي أنه لا يجب. وربما كان ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم هو مندوبًا إليه ندبًا شديدًا أو أنه تطبيق لأوامر القرآن الباقية على أحوال الأمة العربية، بحيث إن غيرها من الأمم لها أن تستنبط من الكتاب ما يوافق أمورها وأحوالها كما سنبين ذلك في مسألة الزكاة.

ولنبدأ الآن بالبحث في مسألة ركعات الصلاة. قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًا مُّبِينًا * وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} (النساء: ١٠١- ١٠٢) إلى آخر الآية، فيتضح من هذه الآيات الكريمة أن قصر الصلاة مباح في السفر إذا خفنا العدو، وأن صلاة الخوف للإمام ركعتان فقط وللمؤتمين واحدة يصلي نصفهم الركعة الأولى معه، ثم يصلي النصف الآخر الركعة الثانية، وهذا هو المتبادر من القرآن الشريف وما ذهب إليه ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد. فإذا كانت صلاة الخوف ركعة واحدة للمؤتم، وظاهر من السياق أن هذا قصر، أي دون الواجب، فيكون الفرض في أوقات عدم الخوف هو أكثر من ركعة، أي أن القرآن يفرض على المسلم أن يصلي في كل وقت من أوقات الصلاة أكثر من ركعة، ولم يحدد له عددًا مخصوصًا، وتركه يتصرف كما يشاء، وبعبارة أخرى: إن الإنسان يجب عليه أن يصلي ركعتين على الأقل، وله أن يزيد عن ذلك ما شاء أن يزيد بحيث لا يخرج عن الاعتدال والقصد، فإن الغلو في الدين مذموم وكذا في كل شيء {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} (الأعراف: ٣١) ومن ذلك تعلم أن عدد ركعات الصلاة غير معين إلا بهذا القدر فقط، وهو أن لا تنقص عن اثنتين ولا تزيد إلى درجة الإفراط، وبعد ذلك فللمسلم الاختيار فيما يفعل على حسب ما يجده من نفسه ومن وقته، ولا يجوز له القصر عن الركعتين إلا فيما ذكره القرآن الشريف، والذي يدلك من السنة على أن هاتين الركعتين لهما الشأن الأكبر في الدين ما يأتي:

(١) أول ما فُرضت الصلاة كان النبي عليه السلام يصلي دائما ركعتين ركعتين مدة إقامته بمكة وجزءًا من إقامته بالمدينة، فإن قيل: لعل ذلك كان في أول الأمر لحدوث عهد المسلمين بالإسلام فناسب أن يكون التكليف حينذاك خفيفًا، قلنا: إن المعهود في طباع البشر أن يكونوا عند دخولهم في دين جديد شديدي الرغبة في القيام بجميع واجباتهم الدينية ويطلبون المزيد، وكلما طال عليهم العهد أخذوا في التهاون فيها، ولذلك كان المسلمون في أول الإسلام يقومون الليل بعضه إن لم يكن كله، وكلما ازداد اضطهاد المشركين لهم كلما ازدادوا رغبة في الصلاة فلو كلفوا بأكثر من ركعتين في أول الأمر لوجدوا في أنفسهم من الرغبة الشديدة في العمل ما لا يجدونه فيما بعد وخصوصًا لأنهم كانوا غير مكلفين بالجهاد ولا بغيره: كالصوم والحج وغيرهما، ثم لو سلَّمنا أن التخفيف في الصدر الأول كان لمراعاة جانب المسلمين الحديثي العهد بالدين وهم إذ ذاك نفر قليل فلماذا لا يراعى جانب مَنْ دَخَلَ في الدين فيما بعد وقد كانوا يُعدُّون بالملايين؟ فلهذه الأسباب نحن نتخذ هذه المسألة دليلًا على أن النبي ما كان يكتفي بالركعتين في ذلك الوقت إلا لبيان أنهما أقل الواجب، ثم زاد عليهما فيما بعد لبيان أن الزيادة أولى.

(٢) إن النبي لما زاد عدد ركعات الصلاة كان يقتصر على ركعتين في سفره ولو لم يكن هناك خوف من العدو، ولو كان السفر قصيرًا جدًّا، ولو أقام بالجهة التي سافر إليها بضعة عشر يومًا وزال عنه العناء والتعب، فلو كانت الزيادة واجبة لعُدَّ هذا تهاونًا، وخصوصًا لأن القرآن لم يبح القصر إلا عند الخوف من العدو ولكنهم يقولون تحكمًا: إن هذا هو القصر المراد في القرآن ولا يبالون بمخالفة الظاهر منه ونحن نسمي ذلك (اكتفاء بالواجب) محافظة على مقام القرآن الشريف ولا نقول في قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: ١٠١) إن هذا القيد في الآية المذكورة آنفًا لا مفهوم له كما يقولون اتباعًا لمذاهبهم.

(٣) كان عليه السلام لا يجهر بالقراءة في الركعتين الأخيرتين، وإن جهر في الأُوليَيْن ولا يقرأ فيهما بعد الفاتحة شيئًا من القرآن، فهل يدل ذلك على أن منزلتهما أقل من الركعتين الأوليين؟

(٤) إننا إذا نظرنا إلى عدد الركعات التي كان يصليها النبي في أوقات الصلاة مع قطع النظر عما سماه المجتهدون سُنة وما سمَّوْه فرضًا نجد أنه لم يحافظ على عدد مخصوص، فكان تارة يزيد وتارة ينقص؛ ولذلك اختلفت المذاهب في عدد السنن وفي المندوب والمستحب والرغيبة إلى غير ذلك من التقسيمات والأسماء التي ما كان يعرفها الرسول نفسه ولا أصحابه، ثم إن عدد الركعات التي كان يصليها في الأوقات المختلفة من اليوم هو مختلف أيضًا، فصلاة الصبح مثلًا أربع ركعات والظهر عشر ركعات أو اثنتا عشرة ركعة، ولكن الشيء المطرد الذي نلحظه أنه ما صلى وقتًا أقل من ركعتين ولا تقيد بعدد مخصوص، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه كل التأييد.

وأما كونه كان يصلي بعض هذه الركعات في الجماعة ويواظب على ذلك، وإذا كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية لم يسلم إلا مرة واحدة، وإذا ترك سهوًا بعضها أعاده وسجد للسهو، فكل هذه أشياء لا يصح أن يُردَّ بها علينا، أما صلاة الجماعة فهي غير خاصة بالفرض، فصلاة العيدين والكسوف والخسوف والاستسقاء وغيرها كان يصليها جماعة وكذا صلى بعض النوافل، وأما المواظبة على جعل بعض الصلوات أربعًا أو ثلاثًا فهو لا يدل على وجوب ما فوق الركعتين؛ لأن هذه المواظبة المزعومة غير مسلمة كما بينا ذلك فيما سبق، وإذا سلمت فكم من أشياء واظب عليها طول حياته، وقال بعض الأئمة: إنها غير واجبة مثل الاستنجاء أو الاستجمار، ومثل قراءة الفاتحة في كل ركعة والمضمضة والاستنشاق، وغير ذلك كثير جدًّا.

وأما قرن الركعات بتسليمة واحدة فكم من أشياء قرنت بل مزجت بالفرائض، وقال الأئمة: إنها غير واجبة مثل كثير من أعمال الحج والوضوء والصلاة، ولما لا نتخذ نحن جلوسه صلى الله عليه وسلم دائمًا بين الركعتين الأوليين والركعتين الأخيرتين، إشارة منه إلى فصل الواجب عن غير الواجب، وكذا عدم الجهر في الأخيرتين وعدم قراءة شيء بعد الفاتحة فيهما، وأما إعادة ما تركه سهوًا وسجود السهو فهو أيضًا غير دليل؛ لأن السبب فيه هو أن النبي عليه السلام لمّا كان ينوي أن يصلي أربع ركعات مثلًا، ويجد أن قلبه اشتغل بشيء آخر أنساه ما هو فيه كان يعد ذلك تقصيرًا وذنبًا؛ فيسجد سجدتي السهو استغفارًا لله تعالى وطلبًا للصفح عنه، وذلك بعد أن يعيد ما كان نوى أن يصليه ونسيه عقابًا للنفس، وإن كان سهوها للفكر في أمر شريف يليق بالأنبياء، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وليس سجود السهو هذا خاصًّا بترك الفرض، بل إذا نسي الإنسان أي شيء مما نوى عمله لله حق عليه أن يفعله، فإذا نوى أن يصلي مثلًا أربع ركعات، فصلى سهوًا ثلاثًا، ثم تذكر فليصل ما نسيه وليسجد لله، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا قام أحدكم يصلي أتاه الشيطان فلبَّس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين) .

وأما الاحتجاج بالإجماع فهو غير حجة علينا؛ لأن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعرفون اصطلاحاتنا هذه الفقهية، فلا يميزون بين ما نسميه نحن الآن سُنة أو فرضًا أو مندوبًا أو مستحبًّا، بل كانوا يحافظون على كل شيء رأوا النبي عليه السلام يفعله، وأما إجماع الخَلَف فلا نعبأ به والاستشهاد بحديث (لا تجتمع أمتي على ضلالة) إن صح هذا الحديث عنه عليه الصلاة والسلام، فنحن لا نقول: إن المسلمين اجتمعت في هذه المسألة على ضلالة، فإن مَنْ عرف أن الواجب عليه ركعتان على الأقل فصلى أربعًا تقليدًا للرسول عليه السلام شكرناه وشكره الله ورسوله وزاده الله أجرًا، وإنما الغرض من هذا البحث هو تمحيص المسائل علميًّا ليس إلا، وهو يفيدنا أيضًا في مسائل أخرى من الوجهة العملية فوائد لا تحصى.

 

***

مبحث الزكاة

نذكر أولًا مقدار النصاب من الذهب والفضة والماشية وما يجب في كل من الزكاة حسب ما ورد في السُّنة المتواترة(4):

النصاب

ما يخرج من الزكاة

(١) من الذهب ٢٠ دينارًا (أي ١٠ جنيهات تقريبا)

نصف دينار

(٢) من الفضة ٢٠ دينارًا  (٢٠٠ درهم)

٥ درهم

(٣) من الإبل ٢٠ دينارًا  (٥ جمال)

شاة واحدة

(٤) من البقر ٢٠ دينارًا  (٣٠ بقرة)

عجل تبيع

(٥) من الغنم ٢٠دينارًا  (٤٠ شاة)

شاة واحدة

فالذي يكاد يجزم به العقل أن قيمة النصاب من كلٍّ لا بد أنها كانت عند العرب متساوية أي أن مَنْ كان عنده منهم ٢٠ دينارًا كان كمن عنده ٢٠٠ درهم أو٥ جمال أو ٤٠ شاة؛ ولذلك تؤخذ شاة واحدة ممن عنده ٤٠ شاة وكذا ممن عنده ٥جمال ولو لم تكن جميع هذه المقادير متساوية لكان هناك ظلم ظاهر لبعض الناس دون الآخرين، ومما يرجح أن هذه المقادير إن لم تكن متساوية فهي متقاربة جدًّا أن مالكًا رضي الله عنه جعل القطع ليد السارق مشروطة بسرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم لتَسَاوِي هذين القدرين، وعليه يكون نصف الدينار يساوي ٦ دراهم، وإذا لحظنا أن ما يؤخذ من نصاب الذهب هو نصف دينار وما يؤخذ من نصاب الفضة هو ٥ دراهم أدركنا أن ما يؤخذ من كل هو متقارب جدًّا إن لم نقل: إنه كان متساويًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الأمر كذلك كان ثمن الشاة أو العجل التبيع هو ٥ دراهم أو نصف دينار: أي نحو ٢٥ قرشًا صاغًا مصريًّا بالتقريب، وذلك في مبدأ الإسلام وهي قيمة زهيدة جدًّا، ولا شك أن هذه القيمة تختلف اختلافًا كبيرًا بحسب البلاد وبحسب الأزمنة.

ومن ذلك نعلم أن ما بيّنته السنة للعرب في ذلك الزمن لا يصلح لجميع الأمم في الأوقات المختلفة، ولذلك لم يَرِد شيء من ذلك في القرآن مطلقًا؛ لأنه هو الكتاب الوحيد الذي أمر النبي أصحابه بحمله لجميع العالمين، وتركت أمثال هذه التفاصيل فيه لتتصرف كل أمة في الأمور بما يناسب حالها، فيجب على أولياء الأمر بعد الشورى ومراجعة نصوص الكتاب أن يضعوا للأمة نظامًا في هذه المسألة، وفي غيرها لتسير عليه، ولا يصح أن نجمد على ما وضع للعرب في ذلك الزمن جمودًا يبعدنا عن العقل والصواب، فإن الذي عنده عشرة جنيهات أو خمسة جِمال مثلا إذا عد غنيًّا عند قوم فلا يلزم أن يكون غنيًّا عند الآخرين، ثم إن ربع العشر إذا قام بإصلاح حال الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والغارمين وبالنفقة منه على العاملين على الزكاة والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله وفي تحرير الرقاب إذا قام بكل هذه الشئون في زمن أو بلد فليس ضروريًّا أن يكون كافيًا كذلك في زمن آخر أو في بلدة أخرى، ومن ذلك تعلم حكمة الله في عدم تعيين شيء من ذلك في كتابه تعالى، وغاية ما ذكر فيه الحث على إعطاء الزكاة وأنها تؤخذ من أصحاب الأموال، وأن تعطى من ثمر النخل والزيتون والرمان يوم حصاده، ولنا أن نقيس على ذلك أن زكاة الأموال تؤخذ سنويًّا من أربابها، وذكر فيه أيضًا مصارفها التي أشرنا إليها سابقًا.

وخلاصة القول في هذا الموضوع: أننا يجب علينا الاقتصار على كتاب الله تعالى مع استعمال العقل والتصرف، أو بعبارة أخرى (الكتاب والقياس) وأما السنة فما زاد منها عن الكتاب إن شئنا عملنا به وإن شئنا تركناه، وما فيها من الحِكَم الكثيرة نقبلها على العين والرأس، وكذلك أي حكم من أي مصدر آخر.

 

***

كلمة في الصوم والحج

أما الصوم فجميع ما اتَّفَقَ على وجوبه المجتهدون هو واضح في القرآن وكذلك جميع أركان الحج، وهنا يناسب أن أذكر شيئًا عن تقبيل الحجر الأسود ردًّا على أعداء الإسلام فأقول: هذا الحجر موضوع في أحد أركان الكعبة وأصله علامة وضعها إبراهيم عليه السلام؛ ليعرف به الركن الذي يبتدأ منه بالطواف، والظاهر أنه قطعة أخذها من جبل هناك يسمى أبا قبيس كما يستخلص من هذه الرواية (إن الله استودع الحجر أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح عليه السلام، وقال: إذا رأيت خليلي يبني بيتي فأخرجه له، فلما انتهى إبراهيم لمحل الحجر نادى أبو قبيس إبراهيم فجاء فحفر عنه فجعله في البيت) فهذه الرواية على ما فيها من الأوهام وكذا غيرها يدلنا على مأخذ هذا الحجر وتاريخه، وقد شوهد أن النبي قبَّل هذا الحجر وكذا الركن اليماني ولم يقبّل الركنين الآخرين؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، وهذا العمل هو ضرب من ضروب العبادة والتذلل لله تعالى وحده كوضع الساجد وجهه على الأرض خضوعًا لله وانكسارًا مع العلم بأن الحجر والأرض لا قيمة لهما بالمرة، ولولا سقوط منزلتيهما لَمَا كان هناك تعبُّد في وضع الوجه عليهما، ولم يأت معنى التعبد إلا لوضع أشرف عضو في الإنسان على هذين الشيئين الحقيرين تعظيمًا لله كمن يُقَبِّلُ أعتاب الملوك أو ذيل ثيابهم؛ ولذلك قال عمر رضي الله عنه: (والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلتكَ)، ومع كل ذلك فليس التقبيل ركنًا من أركان الحج، ولم يقل أحد بوجوبه، ولم يَرِدْ للحجر الأسود ذكر في القرآن الشريف مطلقًا ولا لبئر زمزم ولا للشرب منها فلندع ما يهذي به الأغبياء الجاهلون من الطاعنين في الإسلام.

 

بقي عليَّ لإيفاء موضوعنا حقه أن أتكلم عن مسألتين أُخْرَيَيْنِ لوُرود شيء كثير عنهما في السنة وعدم وُرود شيء في الكتاب.

(المسألة الأولى - قتل المرتد) إنه لم يرد أمر بذلك في القرآن فلا يجوز لنا قتله لمجرد الارتداد، بل الإنسان حر في أن يعتقد ما شاء {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: ٢٩) وأما ما حصل من ذلك في صدر الإسلام فقد كان لضعف المسلمين وقلة عددهم بالنسبة لأعدائهم والخوف من إفشاء أسرارهم وإعانة العدو عليهم، وتمكينه منهم، وتشكيك ضعاف المسلمين في دينهم، أو لأن المرتد كان ممن آذاهم وأبيح لهم دمه، فلمَّا تظاهر بالإسلام كفوا أيديهم عنه، ثم لما عاد عادوا إليه فهذه أسباب قتل المرتد في العصر الأول، أما الآن فإن وُجدت ظروف مثل تلك، وحصل مثل ما كان يحصل جاز لنا قتله؛ لأنه صار ممن حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض بالفساد، قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} (المائدة: ٣٣) الآية.

وأما قتل المرتد لمجرد ترك العقيدة فهذا مما يخالف القرآن الشريف {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} (البقرة: ٢٥٦)، وورد في الحديث ما معناه (إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فرُدُّوه).

 

(المسألة الثانية - رجم الزاني المحصن) حد الزاني في القرآن الجلد، وقد أنكر بعض المعتزلة الرجم وكذا جميع الخوارج، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ} (النساء: ٢٥): أي أن الأَمَةَ إذا زنت بعد الإحصان تُعاقب بنصف عقاب المحصنة من الحرائر: أي تجلد خمسين جلدة، فقالوا: لو كان عقاب المحصنات الرجم لكان حد الإماء نصف الرجم، والرجم لا نصف له، ثم إن القرآن تكلم عن الزنا وحَدِّه وعن رمي المحصنات به وعقوبته، وعن اللعان وكل ذلك بإيضاح تام، فلو كان الرجم واجبًا لذكره الله تعالى في القرآن، فهذه حجة هؤلاء القوم، والذي نقوله نحن: إن الإمام إذا وجد أن الأمة قاسية غليظة القلوب منتشر فيها الفسق والفجور ولا يردعهم الجلد ولا يؤثر فيهم لخشونتهم وشدتهم، وخاف على الأُمة الضعف والانحلال والفساد جاز له والحالة هذه أن يقرر الرجم عقوبة للزنا، وأن يَعتبر مَنْ أقدم عليه وهو محصن مفسدًا في الأرض عاصيًا لله ومحاربًا له ولدينه عملًا بالآية السابقة.

وعَذَرَ مَنْ لم يكن محصنًا، أو إن تكرر منه الذنب ولم يردعه الجلد جاز للإمام أن يقدر الرجم على غير المحصن أيضًا بعد عدد مخصوص من وقوعه في الإثم، والخلاصة أن المسألة تركت ليتصرف فيها أولو الأمر وليتشاوروا فيها، فإن كان الفساد في الأُمَّة قليلًا ويردعها الجلد فبه، وإن كان المفسدون كثيرين ولا يبالون بالجلد ولا بالدين أوجبوا تقتيلهم.وكذلك ترك القرآن كثيرًا من الحدود وأطلق الكلام في قطع يد السارق، والظاهر منه أن القطع لا يجب لأول مرة بل يستتاب السارق فإن تاب وأصلح وإلا قطعت يده. فهذه أفكاري في هذه المواضيع أعرضها على عقلاء المسلمين وعلمائهم، وأرجو ممن يعتقد أنني في ضلال أن يرشدني إلى الحق وإلا كان عند الله آثمًا.

 

*** 

الخاتمة

إذا تقرر ذلك المذهب فما على المسلم إلا أن يطالع كتاب الله تعالى مطالعة إمعان وتدقيق وعمل فكر، وأن يستنتج جميع ما يجب عليه في دينه ودنياه من اعتقادات وعبادات وأخلاق ومعاملات، فإن في هذا الكتاب الهداية والكفاية وسعادة الدنيا والآخرة.

ومن اقتصر عليه عَلِمَ سخافة مَنْ عاب الإسلام بأشياء ألصقت به وليست منه، فاللهم اهدنا بكتابك، وأفهمنا من أسرارك، وافتح أعيننا وأَنِرْ بصائرنا، إنك هادي الضالين مرشد الحائرين آمين. اهـ

 

***

تعقيب مبدئي لمجلة (المنار)

قد سبق الكاتب إلى هذا الموضوع غيرُ واحد من المسلمين الباحثين من أشهرهم ميرزا باقر الشهير الذي كان تنصر وصار داعية لمذهب البروتستنت، ثم عُني بدراسة سائر مذاهب النصرانية ومذهب اليهود، ثم عاد إلى الإسلام باجتهاد جديد، ودعا إليه في إنكلترا بغيرة وعزم شديد، وقد ذاكرني الكاتب في هذا الموضوع مرارًا، وكذلك رفيقه الدكتور عبده أفندي إبراهيم، فأشرت عليه بعد البحث في كثير من جزئياته أن يكتب ما يراه لعرضه في المنار على العلماء والباحثين، فننظر ماذا يقولون ثم نقفّي عليه بما نعتقده. فنحن ندعو علماء الأزهر وغيرهم لبيان الحق في هذه المسألة بالدلائل ودَفْع ما عُرِضَ دونه من الشبهات، فإن المحافظة على الدين في هذا العصر لا تكون بالنظر في شبهات الفلسفة اليونانية أو شذوذ الفِرَق الإسلامية التي انقرضت مذاهبها، وإنما تكون بإقناع المتعلمين من أهله بحقية الدين ودفع ما يعرض لهم من الشبهات على أصوله وفروعه الثابتة، وأهونها ما يعرض للمعتقدين المستمسكين ككاتب هذه المقالة، فإنني أعرفه سليم العقيدة مؤمنًا بالألوهية والرسالة على وفق ما عليه جماعة المسلمين مؤديًا للفريضة، وإنما كان إقناع مثله أَهْوَن على علماء الدين؛ لأنه يعد النص الشرعي حُجة فلا يحتاج مُناظره لإقناعه بالألوهية والرسالة ليحتج عليه بنصوص الوحي.

وإني أعجل بأن أقول: إن أظهر الشذوذ في كلامه ما قاله في مسألة الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم مبين للتنزيل بقوله وفعله، كما ثبت بنص القرآن وقد تواتر عنه ما يفيد القطعَ بأن الصلاة المفروضة هي ما يعده جميع المسلمين اليوم فرضًا، والكاتب لم يستغنِ عن السنة في بيان دعواه أن الفريضة ركعتان وغير ذلك، ولا أطيل في المسألة الآن، وإنما ذكرتها لئلا تعلق شبهتها بأذهان بعض القراء فيطول عليهم العهد بالجواب عنها، وسنفصل القول في الموضوع بعد أن ننظر ما يكتبه العلماء من بيان ما يجب عليهم أو السكوت عنه، ونحب أن يكون معظم ما يكتب في أصل المسألة لا في الأمثلة التي أوردها والله الموفق.

((يتبع بمقال تالٍ))

 

رابط تحميل ملف المقال

------------------------------------------------------------------

 

 

الرد الأول على مقال صدقي، بعنوان: "الدين كلهم ما جاء به الرسول"(5)

أحمد منصور الباز(6)

حضرت الفاضل المحترم صاحب مجلة المنار

اطلعت على المقال المندرج في الجزء السابع من المنار لحضرة محمد أفندي توفيق تحت عنوان: (الدين هو القرآن وحده) فأدهشني العجب لما رأيته من الفلسفة الخارقة التي لم يسبق لها مثال إذ قرر حضرته هدم دعامة من دعائم الدين واجتث أصلًا ثبتت جذوره في قلوب جميع المؤمنين (ثم إن الكاتب لخص المقال بنحو عشرة أسطر تلخيصًا يمكن النزاع فيه على أنه لا حاجة إليه ثم قال ما نصه).

ولعمري لو لم يكن الرسول مبينًا لأحكام الله التي لم تفصل في التنزيل ككيفية الصلاة في ركوع وسجود وتسبيح وتهليل ومشرعًا لما لم يرد في القرآن حكمه وأن ما بينه أو يشرعه واجب الاتباع تعطلت وظيفته، وكان اقتداء الصحابة به وتعلموهم منه عبثًا وباطلًا، فقل لي بأبيك إذا لم يكن أمر الرسول صاحب الشرع وصاحب الوحي المعصوم من الخطأ والزلل كأمر القرآن والكل من عند الله فما معنى قوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، ومعنى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، ومعنى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ومعنى {ومن يعصي الله ورسوله أو يتعدى حدوده يدخله نارا خالدا فيها} ومعنى {وما ينطق عن الهوى}.

قل لي بإنصاف لو لم يبين الرسول كيفية الصلاة التي أمر الله بها من ركوع وسجود أكان أحد من الصحابة يمكنه أن يؤديها على حسب رغبة الله في ركع الركوع المخصص ويزود مرتين في كل ركعة ما أظن ذلك أبدًا ولا أظن أن الكاتب نفسه عرف كيفية الصلاة إلا عن سنة النبي إذ القرآن لم يبين أن يسجد الإنسان مرتين بل أجمل الأمر وترك كيفية التفصيل للنبي. أيريد الكاتب أن يفهم في الدين فهمًا غير ما كان يفهم رسول الله وبذلك يكون الدين أو القرآن (كالأستك) صالح لكل زمان ولا يكون جامدًا متحجرًا كما يقول البعض.

إن قول الله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} لبرهان قاطع على أن سنة الرسول يرجع إليها كتاب الله، وكذا قوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} أدله دليل على أن أوامر الرسول ونواهيه واجبة على متبعيه ولا يشتبه عليه أنها نزلت لسبب إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولماذا لم تذكر طاعة الله إلا مقرونة بطاعة الرسول أكان ذلك من باب تعاطف اللفظ على المعنى الواحد فتكون طاعة الله هي اتباع أوامر القرآن وطاعة الرسول أيضًا اتباع أوامر القرآن أم كانت طاعة الله فيما أمر الله به في القرآن وطاعة الرسول فيما بينه من الأحكام التي لم ترد فيه؟! قل لي أي المعنيين أرجح عندك لا أظن إلا المعني الثاني الذي لا يقبل العقل السليم غيره.

وإني واثق أن الكاتب مقتنع بالقرآن حيث جزم بصحته أفلا يقتنع بما سردته له من الآيات ولو كنت أعلم أنه يقتنع بالأحاديث التي لم يستغن عن الاستبدال بها في مقاله لأوردت له كثيرًا من الأحاديث الصحيحة التي تزيل عنه الشبهة كحديث (أنتم أعلم بأمور دنياهم فإذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به) وحديث (ما من نبي من بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريين وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم خلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) وحديث (ألا إني أتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدت فيه من حلال فأحلوه وما وجدته فيه من حرام فحرموه. وإنما حرم رسول الله كما حرم الله).

يقول الكاتب أن آية القصر تفيد أن الصلاة المقصورة ركعة واحدة للمأموم، وإني لا أعجب كيف استنتج ذلك لأن الآية لا تفيد ركعة ولا اثنتين ولا ثلاثة لأن الله يقول ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ ولفظ سجد لا يفيد ركعة ولا غيرها.

 أما ما يقوله من أن النبي كان يواظب على أعمال من العبادة كثيرة ولم يقل أحد بوجوبها مما يدل على أن المواظبة على الشيء لا تقتضي وجوبه فهو مردود لأنه بيَّن لأصحابه الواجب والمندوب وجرى على ذلك نحو أربعمائة ألف مليون مؤمن كذلك من عهده إلى وقتنا هذا من غير أن يشذ منهم واحد وإني أخجل أن أقيم على ذلك دليلًا بأن إثبات البديهيات من المشكلات أفلا يقنع حضرته ما أقنع أولئك الملايين.

يقول أن النبي لم يأمر بكتابة الأحاديث في عهده كما أمر بكتابة القرآن مما يدل على أنه لم يرغب أن يبلغ عنه شيء من غير القرآن وهذا أيضًا مردود لأنه كان أمر بكتابة القرآن أمرًا كثيرًا يحفظ مما يقول ويفعل روري عنه هذا وقد حُفظت أحاديث في صدور الرجال الذين حفظوا القرآن وحرصوا عليها حرصًا شديدًا حتى إن الواحد من أصحابه كان لا يعمل عملًا إلا ويستشهد عليه بجملة أحاديث، وقد خلف من بعدهم رجال دونوها في الكتب كما دونوا القرآن وحرروها رواية ودراية حتى ضرب بهم المثل في شدة التحري لسنة الرسول، (راجع مصطلح الحديث وتاريخ البخاري وغيره) وجعلوا لها مراتب يعمل بحسابها في الأحكام حتى صار اشتباهها بأحاديث الكاذبين محال (كذا).

وما كنت أظن ولا يخطر ببالي أن حضرة الفاضل صاحب المنار يذاكر الكاتب في هذا الموضوع ولا يقنعه وهو ابن بجدتها ويأمر بعرض مقاله في المنار مع خلوه من الفائدة لأن هذا يعد خلق مشاكل جديدة بين المسلمين وليس هذا ما يتناول الاجتهاد المزعوم ولعمري إذا كان فتح باب الاجتهاد يجر إلى ذلك فسده بالطين واجب!

ماذا يا حضرة الفاضل تطلب من الأزهريين وغيرهم من العلماء؟ أتطلب دليلًا منهم على أقوال الكاتب الفاسدة بعدما قال الله تعالى {وما آتاكم الرسول} ...إلى آخره؟، وهل بعد ما أمر الله صراحة كلام إلي أحد؟! وهل بعد إجماع الملايين من العلماء على ذلك محل استفهامي والسؤال؟ كلا!

هذا وأرجو يا حضرة الراشد المرشد سد باب مثل هذه المواضيع ونشر هذه العاجلة التي لا أكتب بعدها أبدًا في هذا الموضوع وفقنا الله وإياكم وجميع المسلمين للاهتداء بهدي الكتاب المبين وسنة رسول رب العالمين.

 

****

تعليق المنار

حذفنا من هذا المقال ما لخص به كاتبه المقال الذي يرد عليه، وقد أشرنا إلى ذلك في موضعه، وحذفنا منه نحن ستة أسطر أخرى ينكر بها الكاتب ما قاله الدكتور محمد توفيق أفندي صدقي في اختلاف الأمة في فهم الدين، وإنما حذفناها لأنه لم يلتزم فيه ما يجب في المناظرة، وأنها ليس فيها شيء من القوة؛ إذ مضمونها أن الأمة اتفقت على الشهادتين وسائر الأركان الخمسة وليس هذا نفيًا لاختلاف الأمة ولو كنت أجيز لنفسي مناقشة أحدًا من المتناظرين في أثناء المناظرة لذكرته بالأحاديث التي نطقت بأن الأمة ستفترق وبخلاف الفقهاء والمتكلمين وبأن الرجل لم يقل بأنهم اختلفوا في كل أصل وفرع.

أما تعجب الكاتب من عدم إقناع صاحب هذه المجلة للدكتور صدقي ومن حمله على كتابة رأيه في المسألة ونشرنا إياه فله وجه؛ ومن أسباب ذلك أنه لم يتفق له أن ذاكرني في ذلك إلا وأنا مشتغل بالكتابة اشتغال لا مندوحة عنه، وأنني أعلم أن من الناس من يعتقد مثلًا اعتقاده في ذلك فلهذين السببين ولاعتقادي أن الإنسان إذا كتب ما يخطر له فإن هذه الخواطر تنتقل بالكتابة من حيز الإجمال والإيهام إلى حيز التفصلة والجلاء حتى إنه كثيرًا يظهر للكاتب الخطأ فيما كان يعتقد عند كتابته له وكنت أريد أن أبين له رأيي فيما يكتبه قولًا لا كتابة ولكنه اقترح أن ينشر ذلك ليعرف رأي علماء العصر فيه فنشرناه ليكون الرد على ما فيه من خطأ وشذوذ ردًّا على كل من يرى هذا الرأي.

وقد حدثنا بعض كبار شيوخ الأزهر وأذكياء المجاورين أن أهل الأزهر اهتموا بذلك المقال وتحدثوا بالرد عليه وأنهم ظنوا أن المنار ربما يتعقبهم ويرد عليهم فقلنا لهم أننا لا نرد على أحد ولكننا ربما نكتب في الموضوع شيئًا بعد انتهاء المناظرة لا نذكر فيه أحدًا من المتناظرين ولا نرد عليه ثم بلغنا إن بعض الأستاذين قد شرع في الكتابة بالفعل ونحن لا نشترط على من يكتب إلا نزاهة العبارات وسلامتها من الطعن والتهكم عملًا بأدب القرآن الحكيم {وإن أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}.

 

رابط تحميل ملف المقال

--------------------------------------------------

 

 

أصول الإسلام

(الكتاب-السنة-الإجماع-القياس)(7)

الشيخ طه البشري

 

جاءنا من الشيخ طه البِشْري الأستاذ المدرس بالجامع الأزهر تحت هذا العنوان ما يأتي:

إلى الدكتور النطاسي محمد توفيق أفندي صدقي:

بعد أن نحمد الله إليك ونصلي على نبيه المجتبى ورسوله المصطفى وآله وصحبه:

فلقد قرأنا مقالتك التي ذهبت فيها إلى أن الإسلام هو القرآن وحده، ونشدت من العلماء من يساجلك القول ويبادلك الحجة حتى ينتهي البحث إلى الحق الذي لا شبهة فيه، فإذا كنت مصيبًا تابعك وأيَّدك أو مخطئًا خالفك وأرشدك، وإني مناظِرك إن شاء الله تعالى بما لا ترى فيه حرجًا عليك من إلزامك بما قال زيد ورأى خالد، لكن بالكتاب نفسه أو بما رأيت فيه حجة لنفسك من غيره ملتزمًا جهد المستطيع حد المناظرة الصحيحة حتى تبلغ منزلة الحق الذي ننشده جميعًا فإما تهدّيًا إلى وفاق، وإلا فقد بلغ أحدنا من مناظره عذرًا، وكثيرًا ما ابتدأت المناظرة بالمهاترة، وانتهت بتلاحٍ، والحق ذاهب بينهما أدراج الرياح، ولا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله تعالى أن يعافينا وإياك من هذا البلاء.

اعلم -وفقنا الله وإياك- أن أصول الإسلام أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

أما الكتاب فلا تنازع فيه، بل نراك اتخذته وحده التكأة التي تستند في أمر دينك إليها والحجة التي تنافح عن نفسك فيما ذهبت بها.

وأما السنة فلأننا نثبتها بالكتاب نفسه فهي منه تستمد، وعليه تستند وعنه تصدر وإليه ترجع، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: ٤٤) وليس هناك من معنى لتبيين الكتاب غير تفصيل مجمله، وتفسير مشكله، وغير ذلك من مسائل الدين التي لم يتناولها الكتاب بالنص، ولم ينبسط لها بالبيان ومثله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: ٤) وقال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: ١٥١) . الآية فقال: {وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَاب} (البقرة: ١٥١) ولو كان المراد مجرد تبليغه لاكتفى بقوله: يتلو عليكم آياتنا، ولا يذهب عنك أن التعليم غير الأداء والتبليغ، ثم عطف عليه بالحكمة، وعطفها على الكتاب يقتضي أنها هنا شيء آخر وليس هناك غير السنة، وقال تعالى في مواضع كثيرة: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (النساء: ٥٩) وطاعة الله لا شك بالرجوع إلى كتابه، وطاعة الرسول بالرجوع إلى سنته، ولو كان المراد الكتاب وحده لما كان ثمة داعٍ للتكرار، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِث..} (الأعراف: ١٥٧) .. الآية، فنص في هذه الآية الكريمة على الأخذ بما يحل الرسول والتحرج عما يحظر مطلقًا، وقد ثبت أن السنة أباحت كثيرًا وحظرت كثيرًا بدون أي نص أو إشارة خاصة من الكتاب ومع ذلك يجب الأخذ بكل ما جاءت به لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:٧).

وقد صرح الكتاب العزيز بأن كل ما أوجب الرسول وأمر، أو نهى عنه وحظر إنما هو من الله تعالى يجب اتباعه ولا يجوز اجتنابه؛ لقوله تعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: ٨٠) وقد أكد سبحانه وتعالى على الناس في طاعة الرسول وشدد في مواضع كثيرة من القرآن العظيم بالترغيب في اتباعه ووعد العاملين بأمره بعد أن قرن طاعته بطاعته في قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: ٧١) وبتخويف المخالفين لأمره، والمتجافين عن حكمه بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: ٦٣) فمخالفة الرسول -ولا ريب- مخالفة صريحة لأمر الكتاب الصريح.

وقد استدللتَ على أن الإسلام هو القرآن وحده بقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء} (الأنعام: ٣٨) . وعلى تسليم أن المراد بالكتاب هنا هو القرآن، فإن أردت أن القرآن لم يفرط في شيء من مسائل الشريعة بطريق النص فلا نستطيع أن نوافقك على هذا احترامًا لمكان الكتاب الكريم من الثقة والصدق؛ فإن القرآن لم يتناول بطريق النص من مسائل الشريعة إلا يسيرًا، وإن أردت أن الكتاب لم يفرط في شيء من الدين على سبيل الإجمال، قلنا: نعم، فإن القرآن لم يفرط في شيء من كليات الشريعة، وأنت خبير بأن ذكرها مجملة ليس كافيًا في استنباط المجتهد ما يقوِّم به العبادة ويحرر المعاملة، على أننا نقول: إن القرآن لم يفرط في شيء من كليات الشريعة وجزئياتها، فإن ما لم ينص عليه الكتاب منها أمر باتباع الرسول فيه، فكل مسائل الشريعة على هذا من الكتاب إما مباشرة وإما باتباع ما يسنه الرسول الأمين.

 

***

عصمة السنة الصحيحة وأنها من الله قطعًا

لا نحسبك تخالف في أن الرسول معصوم، وأن كل ما يجري على لسانه أو يبدو من عمله إنما هو بالوحي السماوي، أو الإلهام الإلهي الصادق، وما كان للرسول أن يشرع شرعًا يتعبد الناس به من عند نفسه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: ٣-٤) فأمر الرسول لا يختلف عن أمر القرآن وكلاهما معصوم، فلا مجال ثمت للسؤال بأنه: هل يفرض علينا الرسول فرضًا لم يفرضه الكتاب؟ فإن الكتاب والرسول لا يفرضان شيئًا: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} (آل عمران: ١٢٨). وإنما الذي يفرض هو الله الحكيم، ومظهر هذا الفرض إما أن يجري على لسان النبي العظيم أو يتجلى في لفظ الكتاب الكريم، وليس الأمر بطاعتهما إلا أمرًا بطاعة الله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: ٣١) .. الآية {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: ٨٠) فالرسول عليه السلام هو الواسطة إلينا في نقل حكم الله العظيم قرآنًا كان أو غير قرآن، والقول -نعوذ بالله- بعدم حجية الرسول قول بالأولى بعدم حجية الكتاب؛ فإننا لم نأخذ الكتاب إلا منه، ولم نلقفه إلا عنه وهو أمين الله على وحيه، وبعيثه إلى خلقه وحجته على عباده.

السنة إجمالًا مقطوع بها كالكتاب: لا شك في أن الكتاب مقطوع به ولم يكن هذا القطع إلا من طريقه الذي اتصل بنا منه وهو التواتر، والسنة بالجملة جاءتنا من هذا الطريق بعينه؛ لأن إجماع الأمة من المبدأ إلى الآن منعقد على صحة السنة إجمالًا عن رسول الله، وأنها أصل من أصول الدين كالكتاب، وإذا كان طريق السنة هو بعينه طريق الكتاب لا جرم كان مقطوعًا بها إجمالًا كالقطع بالكتاب تفصيلًا.

قلنا السنة بحسب الإجمال، أما هي الشخص فسيأتي عنها بعض التفصيل في مراتب السنة الصحيحة.

 

***

عصمة الشريعة كلها

لنا في إثبات هذه الدعوى وجهان:

الأول: الدلائل الدالة على ذلك من الكتاب مثل قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَه} (التوبة: ٣٢) ونور الله شرعه وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: ٩)

ولو فسرنا الذكر بالشريعة كلها، كتابها وسنتها، لكان الأمر ظاهرًا، ولو قصرنا تفسيره على الكتاب لجاءت السنة بطريق اللزوم لما علمت من أنها كائنة لتفصيل مجمله، وتفسير مشكله، ولا معنى لحفظ كليات الشريعة ومجملاتها دون جزئياتها ومفصلاتها التي هي مناط التكاليف وعليها تدور الأحكام.

والثاني: الاعتبار الوجودي الواقع من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الآن، فإن الله سبحانه كما قيَّض للكتاب العدد الجم من ثقاة الحفظة بحيث لو زِيد فيه حرف واحد لصرفه الآلاف من القارئين، كذلك أقام لكل علم يتوقف عليه فهم الشريعة من الناس من تأدى بعملهم هذا الفرض أحسن الأداء، فمنهم من استنفد السنين الطوال في حفظ اللغات والتسميات الموضوعة على لسان العرب حتى قرروا لغات الشريعة الغراء من القرآن والحديث، وهذا الباب الأول من أبواب فقه الشريعة التي أوحاها الله تعالى إلى رسوله على لسان العرب، ومنهم من جدّ في البحث عن تصاريف هذه اللغات في النطق بها رفعًا ونصبًا وإبدالًا وقلبًا واتباعًا وقطعًا وإفرادًا وجمعًا إلى غير ذلك من وجوه تصاريفها الإفراد والتركيب، ومنهم من قَصَرَ عمره -وهو طويل- على البحث عن الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الثقة والعدالة من النقلة حتى ميزوا الصحيح من السقيم، وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوى في أخذ فلان عن فلان حتى استقر الثابت المعمول به من الحديث الشريف، فلا محل لدعوى (حصول التلاعب والفساد) في حديث الرسول الكريم، كيف وقد علمت أن السنة شطر الدين، والدين قد جاء إلينا بطريق التواتر القطعي؟! وإذا كان نقلة الكتاب العزيز هم العدول الضُبَّاط الحُفَّاظ الأمناء فإن الحديث ورواته إن لم يكونوا هم بأعيانهم فإنهم لا يقلون عنهم في العدالة والحفظ والضبط والثقة والأمانة، فمن طعن في صحة السنة فقد طعن في صحة الكتاب أيضًا.

وقد عللت صحة الكتاب وفساد سند السنة بتعاليل نرى من الحتم علينا الإلمام بها جملة ونعقبها بما يكفي لدفعها:

(١) كون متن القرآن مقطوعًا به؛ لأنه منقول عن النبي باللفظ بدون زيادة ولا نقصان.

(٢) كتابة القرآن في عصر النبي عليه السلام بأمر منه.

(٣) عدم كتابة شيء من الأحاديث إلا بعد عهده بمدة كافية في حصول التلاعب والفساد الذي حصل!

(٤) عدم إرادة النبي لأن يبلغ عنه للعاملين شيء بالكتابة سوى القرآن المتكفل بحفظه في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} (الحجر: ٩) .. الآية ولو كان غير القرآن ضروريًّا في الدين لأمر النبي بتقييده كتابةً، ولتكفل الله بحفظه ولما جاز لأحد روايته على حسب ما أداه إليه فهمه.

ونقول:

(١) أما القطع بالقرآن كله فلا شك فيه، ولكن ليس بما ادعيت من نقله عن النبي باللفظ بدون زيادة ولا نقصان، فإن هذا ليس كافيًا في القطع بل هو إنما تحقق بالتواتر اللفظي، وهو الذي استفيد منه عدم الزيادة والنقصان، على أنك إن عددت مثل ذلك موجبًا للقطع يلزمك أن تعد السنة الصحيحة مقطوعًا بها –بحسب الشخص- كلها؛ لأنها جاءتنا أيضًا بلا زيادة ولا نقصان بل ولعُدَّ كل خبر ورد من أي طريق بلا زيادة ولا نقصان - مقطوعًا به وهو غير مُسَلَّم.

(٢) وأما كتابة القرآن بأمر النبي عليه السلام في عصره فلا نزاع فيها أيضًا، ولكن العمدة في القطع به إنما هي بالتواتر كما قدمنا بحفظه في صدور جماعة من الصحابة غير ممكن تواطؤهم على الكذب، والذين يلونهم كذلك ثم الذين يلونهم إلى عصرنا هذا، على أننا لا نهمل ما للكتابة من التوكيد وفوائد أخرى كثيرة:

مثل ترتيب الآيات بعضها إلى بعض بإشارة جبريل عليه السلام، فإن القرآن نزل نُجُومًا على حسب مقتضيات الوقائع لا بهذا الترتيب. ولا يعزب عنك أن ما سطره كُتَّاب الوحي من القرآن ليس بين أيدينا شيء منه الآن، بل نحن لم نقطع بحصول الكتابة في عصر النبي عليه السلام إلا بالتواتر اللفظي المسلسل إلى ذاك العهد الشريف، وهناك تستوي الكتابة وعدمها في صحة النقل مادام مصدرها موجودًا وهو النبي الكريم المبلغ آيات الكتاب الحكيم، فإذا كنت تعد الكتابة التي سجلت في عهده عليه السلام هي الحجة وحدها في القطع بالقرآن، فقد شككت في القرآن المتلوّ طول هذا الزمان في كل بلاد الإسلام. فإننا ومن قبلنا إلى قريب من ذلك العهد الشريف لم نحظَ برؤية شيء من هذا الأثر الكريم! وإذا اعتبرت القطع بالنقل عن ذاك الأثر قلنا: لا نسلم أن هذا موجب للقطع بصحة القرآن؛ إذ إن الكتابة نفسها لا دليل موجب للقطع بأنها من الرسول بل هي في إثبات صحتها ذاتها محتاجة إلى التواتر اللفظي المؤيد يقينًا لصحة العزو، فعلمت أن المدار في القطع بالقرآن هو التواتر اللفظي لا غيره وقد نُقلت إلينا السنة إجمالًا من هذا الطريق، ولا يذهب عنك أن العرب كانت أمة أمية، أكبر اعتمادها في حفظ مأثورها كان على الصدور لا السطور.

(٣) وأما عدم كتابة شيء من الحديث في عهده فهو لا يفيد دعوى التلاعب والفساد، بل ربما كان عدم الكتابة مما يبالغ بالنفس في تأكيد صحة أسانيد السنة، إذ رواية الحديث الواحد بطرق متعددة وبأسانيد مختلفة مع حفظ وسطه وطرفيه أكبر مدفع لدعوى التلاعب والفساد. ثم إنك قلت: (من التلاعب والفساد ما قد حصل) أترمي بذلك السنة الصحيحة المعتد بها، والمعتمد عليها المسطورة في مثل صحيح مسلم والبخاري وموطأ مالك وأمثالها مما أجمعت الأمة على صحته، أو غير ذلك مما نص على ضعفه أو وضعه؟ إن كان الأول فقد طعنت فيما أجمع القوم على صحته في الجملة ومنه القرآن ولا تقول بهذا، وإن كان الثاني فإنا لا نعول منه على شيء.

(٤) وأما دعوى (عدم إرادة النبي عليه السلام لأن يبلغ عنه للعالمين شيء بالكتابة سوى القرآن) ففي هذه المقدمة -أو شبه المقدمة- نظر، على أننا لو تنازلنا بتسليمها لما نتجت النتيجة التي تريدها، وهي أنه لم يُرد أن يبلغ عنه شيء أصلًا سوى القرآن (طبعًا) والنبي عليه الصلاة السلام أرسل كثيرًا من الرسل إلى الجهات المختلفة ولم نسمع ولا تستطيع أن تثبت أنه كان يقتطع لهم من صحف الكتاب ما يكون (الحجة) في دعوتهم إلى الإسلام أولًا، ويعلمهم أحكامه ثانيًا، ولو كان الأمر كما رأيت ما صح تبليغ أولئك السفراء إلى الدعوة ولا اعتد بإقامتهم بين الناس أحكام الشريعة، نعم يقال: إنه كان يكتفى بمحفوظهم من الكتاب، ونقول إنه كان كذلك يكتفى بمحفوظهم من السنة، وإن قيل: إن النبي صلي الله عليه وسلم أصحب وفوده إلى الملوك بكتابات مرقومة ورسائل مسطورة، قلنا: إن ذلك لم يخرج عن الإيذان بصحة بعثة أولئك الرسل عن النبي عليه السلام وكل ما فيها لا يجاوز الإلماع إلى الغرض الذي سرحهم إليه، وأما كونه لم يترك أثرًا من الدين مسطورًا إلا الكتاب العزيز فقد علمت أن لا يترتب عليه شيء مما نحن فيه، ولو كان الأمر كما تري فبِمَ كان يتعلم الناس كيفيات الصلاة مثلًا وهي القاعدة الثانية من قواعد الإسلام؟! ترى أننا بعد هذا في غنًى من التماس العلل لكتابة القرآن دون السنة؟ فنحن نقيلك من أصل العلة التي أوردتها لذلك وتكلفت مؤنة ردها، ولكنا نناقشك في هذا الرد.

قلت: (فإن قيل: إن النبي لم يأمر بكتابة كلامه لئلا يلتبس بكلام الله. قلت: وكيف ذلك والقرآن مُعْجِزٌ بنظمه ولا يمكن لبشر الإتيان بمثله؟!) ونقول: إن إعجاز نظمه لا يتحقق بقدر الآية الصغيرة مثلًا فلا مانع إذن بأن يلتبس هذا القدر من الكتاب بالسنة، أو مثله من السنة بالكتاب، وأنت أوعى وأرشد من أن تنبه إلى المصاب بخروج آية بل آيات متفرقات من القرآن عنه، ودخول أمثالها فيه وليست منه، على أن عدم التباس القرآن بغيره إنما يتحقق في حق العربي الخبير بأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، ولكنه غير متحقق أصلًا في جانب غيره أعجميًّا كان أو من هؤلاء المستعربين.

على أننا نرجع إلى أصل الموضوع فنقول: إن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب إنما هي التبليغ من أي طريق كان، وقد قال: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب) وذلك غير مخصوص بالكتاب بل بكل ما سمع منه قرآنًا كان أو سنة وقد قال تخصيصًا لهذه: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عَضُّوا عليها بالنواجذ).

أما جواز رواية الحديث بحسب ما يؤديه الفهم فما لم نسمعه إلا منك، فإن المقرر المعروف أن فهم الحديث في ذاته تابع لروايته، لا أن روايته تابعة لفهمه. وإذا كانت روايات الحديث مسوقة حسبما تبلغ الأفهام فأحرى بها أن لا تساق أصلًا. وكيف يجول الفكر ويضطرب الفهم في شيء قبل وروده وتقرره أولًا؟! وإذا أردت بذلك وقوع اختلاف الأفهام في بعض الأحاديث فذلك ضروري كاختلافها في بعض آيات الكتاب سواء بسواء. أما رواية الحديث بمعناه إذا غاب عن الراوي لفظه فجائز؛ لأن المراد منه هو حكمه لا التحدي بنظمه أو التعبد بلفظه. فلا بأس إذن بروايته بأي لفظ يؤدي معناه المراد.

 

***

فساد دعوى الاستنباط من الكتاب وحده

إن المستنبط من الكتاب مهما صح فهمه وغزر علمه لا بد وأن تعترضه مواضع لا يرى الكتاب مستغنيًا في تقرير الحكم فيها بنفسه، ولا مفصحًا بما يكون بُلغة المهتدي وكفاية الطالب، كأن يرى ثمة لفظًا يتبادل أفرادًا مختلفة الحدود على سبيل البدل لغةً كالقرء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: ٢٢٨) فإنه مشترك لغة بين معنيين متناقضين (الحيض والطهر) وهنا لا يسعه إلا ترجيح أحدهما بمرجِّح خارجي وإلا لزم إما التوقف أو التعسف بالترجيح بلا مُرَجِّح، وقد رجَّح الحيض أبو حنيفة بما صح عنده من قوله عليه السلام: (طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان)، فإنه يدل على أن عدة الحرة ثلاث حيض لا ثلاثة أطهار. وكأن يرى المجتهد أيضًا من لفظ الكتاب ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد به اشتباهًا لا يُدْرَك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى شيء آخر كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة: ٤٣) فإن الصلاة في اللغة: الدعاء. والزكاة: النماء. فأي دعاء وأي نماء أريد في الكتاب؟!

لابد من تعيين المراد بشيء آخر ولقد عيَّنه النبي وبيّنه بيانًا شافيًا تصديقًا لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: ٤٤) فالمستنبط من الكتاب لما ذكر فيه نفسه من الأحكام (إلا ما كان نصًّا) لم يسعه تبيين المراد منه إلا بالسنة، وهذا فوق الكثير فكيف بما لم تؤمر به في الكتاب مما انعقد الإجماع على وجوبه كواجبات الإحرام ونحوها؟ بهذا تعلم أن الاستنباط من الكتاب وحده والتغني به في كل أحكام الدين مستحيل.

 

***

مراتب السنة الصحيحة

أثبتنا أن السنة بالجملة أصل من أصول الدين كالكتاب وأنها بهذا الوصف نقلت إلينا نقلًا متواترًا لا شبهة فيه، أما هي بحسب الشخص فمنها المتواتر وهو (ما رواه جماعة لا يتوهم تواطؤهم على الكذب ويدوم هذا الحد فيكون آخره كأوله وأوسطه كطرفيه) وهو موجب لليقين كالعيان علمًا ضروريًّا فهو كالكتاب في صحة متنه، وصدق عزوه بحيث يكفر منكره قطعًا؛ لأنه جحود للمستيْقَن بأنه من الله – وفيها المشهور (وهو ما كان آحاديًّا في الأصل ثم اشتهر شهرة مستفيضة) – ومنها الصحيح وهو (ما رواه العدول الضُبَّاط الحُفَّاظ من غير شذوذ ولا علة). وغير ذلك من أقسام السنة الصحيحة كثير.

وإذا كان القاتل يقاد منه بسفك دمه في عرف الشرائع -وما أدراك بحرمة الدم- بمجرد شهادة عدلين، ألا يجب العمل في حكم شرعي بشهادة اثنين أو أكثر من العدول الثقاة الأوفياء من صحابة رسول الله وتابعيهم. بل لو شئت لأوردنا لك ما قال الشافعي حجة لنفسه في العمل بخبر الواحد، بل لأوردنا ما قال الله تعالى حجة علينا في ذلك.

حكم الله بين السنة والكتاب حيث قد ثبت أن السنة الصحيحة شرع من الله تعالى، مُتَعَبَّدٌ بها فيما كان عبادة ومتعبد بحكمها فيما كان معاملة فهي لا تناقض الكتاب مطلقًا ولا دليل هناك على دعوى (وقوع التضارب والاختلاف) بين ما ورد من الأحاديث الصحيحة المعمول بها في شرع الله القويم؛ لأن منشأ هذا التضارب المدَّعى لا يخلو إما أن يكون من الأصل أو النقل أما من الأصل فمستحيل لأنك ولا شك تعترف معنا بوجوب الصدق والفطنة والعصمة لجميع الأنبياء وليس بشيء من هذه الواجبات أن يُحدث النبي في شرع الله بالمتضارب المتناقض، بل هذا -والعياذ بالله تعالى- كذب لا يجوز لمسلم أن يرمي به نبيًّا معصومًا، وأما من حيث النقل فقد بينا لك منه وجه الحجة وقلنا: إن نقلة السنة هم العدول الثقاة. وليس (ولوع المتقدمين بجمع روايات الحديث مدعاة إلى وقوع التضارب والاختلاف فيها) بل هو أدعى إلى حفظها وصيانتها. ولعلك لم يفُتك قراءة شيء من تاريخ أولئك الأخيار العاملين الذين تصرمت أعمارهم في هذا السبيل؛ إذ كان يمضي الواحد منهم الشهر والشهرين والأكثر متنقلًا بين الأقطار والأصقاع تنقُّل البدر بين منازله التماسًا لتحقيق حديث واحد من أفواه الثقاة الأمناء، ولو أنه ظفر به من طريقه بعد طول الجهد ثم اختلج في نفسه أقل شبهة من أحد رواته نفض يديه منه وانقلب إلى أهله خاويًا من ذاك الحديث وفاضه.

وإليك كثيرًا من هؤلاء كالبخاري ومسلم ومالك والشافعي وأضرابهم الذين هم الحجة في نقل الحديث الصحيح المعتد به والمعوَّل عليه وقولك بعد: (إن المجتهدين تحققوا أن أكثر الأحاديث موضوعات!) هو حجة لنا أيضًا؛ لأن تمييزهم للموضوع والضعيف تمييز -ولو بطريق اللزوم- لغيره وهو الصحيح.

قلت: (المجتهدون) وهم إما الصحابة الذين تلقوا الأحاديث بآذانهم عن فمه الشريف بلا واسطة، والحديث في حق هؤلاء لا يختلف إلى صحيح وموضوع وضعيف؛ لأن هذه الفروق إنما هي راجعة إلى قوة السند وضعفه ولا يكون هذا في حال تسمعه من الرسول الكريم، فإن الحديث كله في حق سامعه منه -عليه السلام- صحيح مقطوع المتن كالقرآن، وأما غير هؤلاء ممن لم يتلقَّ الحديث الكريم إلا بالواسطة، وهذه الواسطة إما أن تكون موجبة لليقين كما إذا كانت التواتر أو الظن بالخبر أو كما إذا كانت غيره من الطرق المعتبرة التي أقلها موجب أيضًا للعمل وإن لم يكن موجبًا لليقين؛ إذ التكليف باليقين تكليف بما لا يطاق أو موجب للحرج على الأقل وهو مدفوع بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} (الحج: ٧٨) بل المجتهد ليس مكلفًا فيما إذا كانت الأحكام غير مقطوعة المتون كما في الأخبار الأحادية إلا بالبحث والتنقيب للعمل بالأقرب إلى يقينه وهو الأرجح في ظنه. والأخبار الأحادية الصحيحة تبلغ ولا شك هذا المقدار، فالعمل بها على هذا واجب، وأيضًا كون بعض أحكام الأحاديث ظنية - لأن سندها ليس إلا موجبًا للظن - لا يقدح في وجوب العمل بها كما لا يقدح في وجوب العمل ببعض أحكام الكتاب نفسه التي دلائلها ظنية، وإن كانت مقطوعة المتن، كل مجتهد يحملها على الوجه الذي يؤديه إليه مبلغ علمه وفهمه، فالقول بأن المجتهدين كلهم على حق ليس (قول باجتماع النقيضين) بل المراد أن الحق على فرض كونه واحدًا دائر بينهم وتعيينه في جانب واحد دون الباقين تعسف، بل المراد أن كل مجتهد بحث عن الحق بما في وسعه حتى اهتدى إلى النقطة التي يلزمه اتباعها دون غيرها، وهي التي يقال: إنها الحق بالنسبة له، والذي لا يجوز له التحول عنه، بل الذي خرج ببلوغه من عهدة التكليف، فلا بأس إذن بالقول بأنهم جميعًا على الحق من هذا الوجه.

وليس ثمة تعارض في السنة الصحيحة -كما قلنا- لا للكتاب ولا لبعضها البعض. فإن الوارد فيها إما مُفَصِّل لما أجمل في الكتاب أو مُظْهِر لما خفي أو غير ذلك مما يحويه معني التفصيل والبيان. وأما ما يخالف ظاهره منها الكتاب فكما يرد في كثير من الآيات يخالف بعضه ظاهر بعض فمُؤَوَّل فيه حتى يطابق النص الكريم سواء أخذنا بقول القائلين بنسخ السنة الصحيحة للكتاب إذا صح التعارض وامتنع التطابق أو ذهبنا مع الذاهبين إلى أنه لا شيء من السنة بناسخ للكتاب؛ لأنه لا يقع بينهما التعارض أصلًا، فلا تعارض هناك مطلقًا بين السنة والكتاب أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول ففرق ما بين النسخ وهو إلغاء حكم بآخر- كما في آيتي العدة - والتعارض ببقاء الحكمين المتناقضين جميعًا، ولا قائل به من هؤلاء أو أولئك.

وكذلك يقال فيما يرد من الأحاديث مخالفًا بعضه لظاهر بعض أي أنه يتأول في أحدهما حتى يطابق الآخر أو يكون بعضه ناسخًا للبعض إذا تعارضا ولم يمكن التطابق. فاختلاف المجتهدين راجع إما إلى الاختلاف في الفهم فيما كانت دلالته على الحكم ظنية، وهذا يستوي فيه الاستنباط من الكتاب والسنة، وإما إلى الاختلاف في العلم بأن يتلقى الواحد منهم حديثًا لم يصح عند الآخر - مع طول البحث وفرط الجهد - أو لم يصل إليه علمه أصلًا. وقد يكون أحدهما ناسخًا أو مطلقًا والثاني منسوخًا أو مقيدًا مثلًا، ولا يقال: إن أحدهما على الباطل بعد إذ علمت ما قلنا في هذا السبيل من أن المجتهد مكلف بما يؤديه إليه اجتهاده وإلا للزم الحرج وهو مدفوع على أن هذا ليس خاصًّا بالاجتهاد من السنة بل ومن الكتاب أيضًا كما بينا.

أما خبر: (إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردوه) فغير صحيح على أننا لو سلمنا صحته فلا يمكن أن يكون معناه أن يحدث بما يخالف حكم الله في كتابه وكيف وهو فوق عصمته أبلغ الناس للكتاب حفظًا وأعظمهم لآياته تدبرًا، وأكثرهم لها ذكرًا، فتعين المعنى إذا صح الخبر: إذا روي لكم عني حديث فاشتبه عليكم وجه الحق فيه فاعرضوه على كتاب الله فإذا خالف فردوه فإنه ليس من قولي، والله أعلم.

أما الوارد من الطريق الصحيح فقد عرفت مبلغ القول فيه وسواء صح هذا الخبر أو لم يصح فقد سقط الاستدلال به في هذا المقام، وأيضًا لو كان الأمر كما رأيت من أن هذا الخبر دليل على كفاية القرآن والأمر بعدم قبول شيء من السنة إلا ما وافقه منها نصًّا (طبعًا) لكان كل ما جاءنا من السنة -وهو بمجموعه متواتر لا شبهة فيه- عبثًا تصان عنه أفعال العقلاء فضلًا عن الأنبياء ما دام هو بينة الذي نص عليه صريح الكتاب، ولكان الأليق بمقام الرسول الكريم أن لا يحدث بحديث مطلقًا حتى ولا بهذا الحديث الذي أوردته على فرض صحته، وكذلك خبر: (لو كان -أي الوضوء من القيء- واجبًا لوجدته في كتاب الله) فغير صحيح أيضًا ولو بما أثبت ظاهره بالمعنى الذي فهمته ما أسرعنا إلى رده في الخبر المتقدم ولو صح ما عيينا بتفسيره على ما يوافق إجماع المسلمين على أنه قد وردت السنة الصحيحة الصريحة في ذاك نكتفي منها بخبر واحد معناه أنه سألت سائلة ابن مسعود –ومكانه من العلم والدين والثقة مكانه- إني امرأة أصل الشعر فهل يحل ذلك لي؟ فقال: لا يحل، فقالت: كيف وهذا ليس في كتاب الله؟! فقال: لو قرأت كتاب الله لوجدتيه فيه، فقالت: إني قرأت ما بين الدفتين فلم أجده، قال ألم تقرأي: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: ٧) فهذا في كتاب الله، فقالت: بلى.

 

* * *

الإجماع

وحجته من الكتاب العزيز أيضًا لقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: ١١٥) وليس هناك من سبيل للمؤمنين غير ما اتفقوا عليه من قضايا الدين ككون فرض الظهر أربعًا والمغرب ثلاثًا، وكون نصاب الضأن أربعين والبقر ثلاثين ونحو ذلك، وأين وليت وجهك إلى أي فريق شئت في تعريف هذا الإجماع وأهله فهو حجة عليك في كل المسائل التي خالفت إجماع المؤمنين قاطبة عليها.

 

* * *

القياس

أثبتَّ القياس فكفيتنا مؤنة إثباته غير أنك أنكرت السنة، ومنكرها منكر للقياس بطريق الأولى، على أننا نثبتهما جميعًا.

 

 

(تعليق المنار)

لهذه المقالة تتمة عنوانها (العقل والدين) ويليها بقية الرد وقد نشرنا عبارته برمتها على طولها لنزاهتها واستيفائها للمقصد.

 

رابط تحميل ملف المقال

----------------------------------------------------------------

 

 

الإسلام هو القرآن وحده(8)

(ردٌّ لردٍّ)

محمد توفيق أفندي صدقي

 

نحمدك اللهم يا هادي المسترشدين إلى الحق والصواب، ونسألك أن تؤتينا الحكمة وفصل الخطاب وأن تؤيدنا بروح منك، فإننا لا نعتمد إلا عليك ونصلي ونسلم على نبيك المبعوث رحمة للعالمين، بكتاب مبين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عليم حكيم (وبعد):

فقد اطلعت على ما كتبه الأستاذ الفاضل الشيخ طه البشري ردًّا عليَّ فيما ذهبت إليه، فسررت جدًّا لغيرته، وشكرته على أدبه ونزاهته، ولكن لما كنت أخالفه في أكثر آرائه اضطررت إلى مناقشته ليظهر لي الحق إن كنت مخطئًا، راجيًا من أهل الإنصاف والعقل أن يكونوا حكمًا بيننا، والله ولي الهداية، المنقذ من الغواية.

قال -حفظه الله-: (وأما السنة فلأننا نثبتها بالكتاب نفسه فهي منه تستمد وعليه تعتمد) ثم استشهد على ذلك بعدة آيات من القرآن الشريف لم تكن لتخفى علينا من قبل، فلهذا نبدي له رأينا فيها واحدة بعد أخرى: الآية الأولى: قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: ٤٤): (ليس هناك معنى لتبيين الكتاب غير تفصيل مجمله وتفسير مشكله ... ) إلخ، ونقول: لو كان جميع ما ورد في كتب السنة من الأحاديث المعتبرة تبيينًا للقرآن لكان في غاية الإجمال ولَما وصفه الله تعالى بكونه بينًا ومفصلًا في قوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: ١٩٥)، وقوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} (الحج: ١٦)، وقوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت: ٣)، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} (الأنعام: ١١٤) وقوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: ١) إلى غير ذلك من الآيات. فكيف وصفه الله تعالى بهذه الأوصاف وهو محتاج إلى كل المجلدات الضخمة (كتب السنة) لتوضحه وتفسره وتفصله؟ وكيف يكون القرآن آية في البلاغة وفيه ما لا يُفهم إلا إذا فسره الرسول بنفسه؟ ألا يستنكف أحدنا أن يكتب للناس كتابًا لا يفهمونه إلا إذا فسره هو لهم؟! فما لك بالقرآن المبين، نعم، قد أطلق القرآن الكلام في مسائل قليلة لتكون عبارته منطبقة على أحوال جميع البشر في كل زمان ومكان، ولكن هذا شيء والإجمال شيء آخر.

ولتوضيح المقام نضرب مثلًا لكلٍّ: فمثال الإجمال قولك: حرم الله الخبائث، وإذا أردت تفصيله تقول: حرم الله الخنزير والخمر والميتة والدم وغيرها. ومثال الإطلاق أن تقول: جاء محمد، وتقييده يكون بنحو قولك: (جاء محمد راكبًا فرسًا في يوم الجمعة)، فالمجمل ما دخل تحته جميع أفراد المفصل، والمطلق لا تدخل فيه أفراد المفصل، والمطلق لا تدخل فيه أفراد المقيد ولكنه يتحملها، أي أن الأول كالجراب الحاوي للمفصل والثاني كجراب غير حاوٍ له ولكنه يسعه، فالقرآن ليس فيه مجمل نحتاج إلى تفصيله إلا وفصله بقدر ما تقتضيه حاجة البشر، ولكنه فيه مطلق لم يتقيد ليقيده أولياء الأمر حسب الحال والزمان والمكان، فإن قيل: لِمَ لا نعتبر السنة تقييدًا لمطلقه بالنسبة للعالمين؟ قلت: لأن النبي لا يعلم حالة البشر في جميع الأزمنة والأمكنة، وإن كان الله تعالى أعلمه بها فلِمَ لَمْ يقيد جميع مطلق القرآن بالقرآن كما قيد بعض مطلقه فيه؟

والخلاصة: إن القرآن بيّن ومفصل تفصيلًا يفي بحاجة جميع البشر بدون احتياج إلى شيء سواه، ولذلك لم يصفه الله تعالى بالإجمال في موضع واحد ووصفه بضده في مواضع كثيرة كما بينا ذلك فيما سبق. إذ لا يمكن أن يكون معنى التبيين المذكور في الآية ما ذكر الأستاذ وإنما معناه الإظهار والتبليغ وعدم كتمان شيء من الكتاب أو إخفائه عن العالمين كما ورد مثل ذلك المعنى في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} (آل عمران: ١٨٧)، وقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (المائدة: ١٥)، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَذيِنَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التُّوَّابُ الرَّحِيم} (البقرة: ١٥٩-١٦٠) إلى غير ذلك من الآيات، ثم على فرض أن التبيين هنا معناه التفصيل والتفسير للمجمل والمشكل كما يقول، فهل نسمي ما زاد في السنة عن الكتاب مما ليس له أثر فيه تفصيلًا وتفسيرًا أم ماذا؟ وذلك مثل كثير من نواقض الوضوء وقتل المرتد لمجرد الارتداد وتحريم الحرير والذهب وغير ذلك مما لم يشر إليه الكتاب.

الآية الثانية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: ٤)؛ أي يُظهر لهم جميع ما أوحاه الله إليه من الدين ويبلغهم إياه مفصلًا وموضحًا بلُغتهم التي يفهمونها وإتيان النبي بهذا القرآن هو كذلك، وليس في الآية ما يدل على أنه يأتي أولًا بالكتاب غير مفهوم ثم يأخذ في تفسيره وشرحه لهم بعبارات أخرى. وهب أن ما يدعونه صحيح فالآية صريحة في أن هذا التفسير والتفصيل هو لقومه الذين نشأ وبعث فيهم -وهو ما ندعيه- وليست نصًّا في أنه كان عامًّا لجميع البشر كما هو ظاهر.

الآية الثالثة: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: ١٥١) فتعليم الكتاب هو تحفيظه للناس وتفهيمه لمن لم يفهمه منهم، وتدريبهم على التدبر والتفكر فيه والاستفادة منه وتوجيه أنظارهم إلى ما فيه من الآيات والدلائل والعبر والحكم وحثهم على إدراكها وتصورها وغير ذلك مما قد يفوت بعضهم. وقوله: (والحكمة) عطف تفسير، كقوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (البقرة: ٥٣)، والمعنى أن القرآن ذو حكمة كما وصفه بقوله: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} (يس: ٢)، وعلى تسليم أن العطف هنا للمغايرة فليس المراد بالحكمة الشرائع والعبادات ونحوها وإنما المراد الحكم والمواعظ والآداب والفضائل وأنواع التهذيب والتأديب والتثقيف التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم نحو الأمة العربية حتى أخرجها من ظلمات الهمجية إلى نور العلم والمدنية. ونحن لا نرفض شيئًا من ذلك بل نقبله على العين والرأس كما قلنا في المقالة السابقة، والذي ندعيه أن القرآن مشتمل على أمهاتها، ولا أظن أن حضرة الأستاذ يخالفنا في ذلك.

الآية الربعة: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (النساء: ٥٩) ونحن لم نعارض في ذلك، بل نقول: إن إطاعة الرسول فرض محتم على كل من أمره بشيء، وإنما موضوع البحث هو: هل أوامر الرسول القولية (السنة) خاصة بزمنه أم عامة؟ وبعبارة أخرى هل فرض علينا نحن فرضًا غير ما في كتاب الله تعالى؟ وهل للرسول أن يفرض على من ليس في عصره وبعد تمام القرآن شيئًا زيادة عما فيه؟ أما من كانوا في عصره فله أن يأمرهم بأي شيء يرى فيه مصلحة لهم في دينهم أو دنياهم؛ لأنه رئيسهم وأعظم أولياء أمورهم وأعلمهم بما فيه الفائدة وأرجحهم عقلًا وهو أولى الناس بتطبيق القرآن على حالهم وتقييد مطلقه بما يوافقهم، وطاعتهم له واجبة.

ولو وجه إلينا خطابه لوجبت علينا نحن أيضًا ولعلمنا أن الله أمره بذلك، ولكن دعوانا أنه لم يفعل، فهذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها تشبه من وجه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} (الحجرات: ٢) فلو وجد عليه السلام في زماننا لحق علينا امتثال هذا الأمر.

الآية الخامسة: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: ١٥٧) فليس في هذه الآية ما يدل على أن الرسول يأمر أو ينهى أو يحل أو يحرم بغير ما في القرآن فمن اتبع القرآن فقد اتبعه في كل ذلك. ولعل ما سقط من هذه الآية في مقالة الشيخ من الطابع لا منه!

الآية السادسة: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: ٧) هذه الآية وردت في الفيء ونصها هكذا: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: ٧) ومعناها: ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه وما نهاكم عن أخذه منه فانتهوا. يقولون إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أي سبب النزول، ولكنا نقول: إن الكلام هنا في السياق لا في السبب، ولو لم يعتبر للسياق لوجب على كل مسلم مثلًا أن يكون دائمًا متجهًا نحو الكعبة في أي عمل يعمله لقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (البقرة: ١٥٠) ولكن السياق يدل على أن ذلك في قبلة الصلاة فكيف يعتبر السياق هنا ولا يعتبر هناك؟!

سلَّمنا أن آية: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ} (الحشر: ٧) عامةً في كل شيء وأمر، ولكن هذا لا يفيد مناظرنا الفاضل شيئًا؛ لأننا نقول إن السنة أعطاها الرسول للعرب لا لنا كما سبق، ولو أعطاها لنا لوجب علينا أخذها، وبعبارة أخرى: إن السنة هي خطاب الرسول الخاص والقرآن خطاب الله العام، أما ما أورده بعد ذلك من الآيات فليس فيه شيء جديد ويعرف الجواب عنه مما بيناه هنا. ثم إني أسأل حضرته سؤالًا وهو: ما الحكمة في جعْل بعض الدين قرآنًا والبعض الآخر سنة؟ مثلًا إذا كان الله تعالى يريد أن كل من كان عنده من المسلمين عشرون دينارًا من الذهب أو مئتا درهم من الفضة وجب عليه أن يخرج زكاتها ربع عشرها في جميع الأوقات وفي جميع البلدان، فلماذا لم يذكر ذلك تفصيلًا في الكتاب كما ذكر المواريث وغيرها؟ وما حكمة الإجمال في بعض المواضع والتفصيل في الأخرى؟

قال حفظه الله: (إن كل ما يجري على لسان الرسول أو يبدو من عمله إنما هو بالوحي السماوي أو الإلهام الإلهي الصادق) وهذه العبارة على إطلاقها غلط لا نوافقه عليها؛ لأن بعض أعمال الرسول وأقواله كانت باجتهاد منه عليه السلام ولم تكن وحيًا مطلقًا، وقد عوتب في بعضها؛ لأن الله تعالى لم يقره على غير الصواب والكمال وما كنا نظن أن حضرة الأستاذ نسي ذلك أو تناساه مع أن القرآن الشريف شهد به وكذلك الأحاديث الصحيحة المعتبرة عنده؛ فلذا نلفت نظره إلى ما ذكره المفسرون في مثل قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} (الأنفال: ٦٧) وقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة: ٤٣)، وقوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس: ١-٢) وإلى غير ذلك من الآيات. حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يبكي بكاءً شديدًا من بعض هذه العِتابات. وقد ورد في الحديث أيضًا أن النبي نهى عن تأبير النخل، ولما علم بضرر ذلك رجع عنه وقال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) فالعصمة لله ولكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وأما قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم: ٣-٥) - فذلك في شأن القرآن خاصة وهو الذي لا يجوز أن يخطئ فيه مطلقًا.

ثم قال الأستاذ ما معناه: إن السنة إجمالًا متواترة وإنها مقطوع بها كالكتاب، ونقول إن أفراد السنة لم يتواتر منها شيء إلا ما كان يعد على أصابع اليد. وإذا لم تكن أفرادها متواترة إلا القليل فلا فائدة في القول بأنها متواترة إجمالًا، بل ولا معنى له ولا يغنينا ذلك من الحق شيئًا. ولم نسمع أحدًا غيره يقول إنها بالجملة مقطوع بها كالكتاب.

وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: ٩) هو في شأن القرآن كما يدل عليه ما قبله، ولم تُسَمَّ السنة بالذكر مطلقًا. وكيف نقول: إن هذه الآية تتناولها مع أن الاعتبار الوجودي يكذبنا لا يؤيدنا. فإنه مع عناية المسلمين بها قد تطرق إليها جميع أنواع التحريف بالزيادة والنقص والتبديل، ولا يمكننا مهما بحثنا في تاريخ الرواة وغيره أن نجزم بشيء منها إلا ما تواتر وقليل هو؛ لأن الكذاب أو الضعيف أو المطعون فيه بوجه ما قد يروي أحيانًا ما هو حق وصدق فلا نقبله منه فيحصل النقص في السنة!

وكذلك الثقة قد يخطئ أو يكون ممن تظاهر بالصلاح والاستقامة حتى غرنا فنأخذ الحديث عنه والرسول بريء منه، فيحصل بسبب ذلك التبديل والزيادة في السنة. فهي أشبه شيء بكتب أهل الكتاب، وما نشأ ذلك إلا من عدم كتابتها في عهد النبي عليه السلام وعدم حصر الصحابة لها في كتاب وعدم تبليغها للناس بالتواتر وعدم حفظهم لها جيدًا في صدورهم حتى أباحوا نقلها بالمعنى واختلفت الرواية عنهم لفظًا ومعنًى!

فلو كانت السنة واجبة في الدين لأُمروا أن يعاملوها معاملة القرآن، حتى نأمن عليها من التبديل والزيادة والنقصان، والذي نراه أن ما أجاب به الأستاذ عن هذه المسائل ليس إلا من قبيل المراوغة في البحث تخلصًا من شدة وقْعها على النفس كما يتضح ذلك لمن طالع ما كتبه وكتبناه من العقلاء المنصفين، وهنا نريد أن نسأل حضرته سؤالًا وهو: لماذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة أقواله في صحف على حدتها، ولأجل التمييز بينها وبين القرآن يكتب عليها ما يفيد أنها أقوال الرسول ويأمر أصحابه بحفظها وتبليغها للناس بالتواتر كما بلغوا القرآن حتى يصل إلينا كتابان لا نزاع فيهما ولا اختلاف؟!

وهَبْ أنه مع العناية التامة بتمييزهما عن بعضهما وبلغت بعض عبارات الرسول درجة الإعجاز فدخلت في القرآن أو دخل شيء من القرآن فيها وحفظ الاثنان بدون أن يختلط بهما شيء أجنبي عنهما حتى وصلا إلينا بالتواتر وبدون أن ينقص منهما شيء -ولو أنهما اختلطا ببعضهما شيئًا قليلًا- أليس ذلك أخف ضررًا من ضياع بعض السنة وعدم الجزم بأكثر ما بقي منها مع العلم بأنها شطر الدين الثاني كما يزعمون؟ وبذلك كان المسلمون يستريحون في القرون الأولى من العناء والتعب في لمها وتمحيصها وهم لم يصلوا إلى النتيجة المرغوبة ولن يصلوا، وكانوا يصرفون همتهم هذه إلى شيء آخر.

واعلم أن زبدة ما أجاب به الأستاذ عما ذكرناه من الفروق بين الكتاب والسنة بعد طول المناقشة هي قوله: (إن المدار في القطع بالقرآن هو التواتر اللفظي لا غيره مما ذكرت) ونقول: إن القرآن لا شك أنه متواتر لفظًا ومعنًى وكتابةً، وهب أن المدار على التواتر اللفظي فقط فأي شيء من السنة وصلنا بمثل ذلك إلا ما شذ وندر؟ وهل يفيدنا ذلك اليسير من السنة المتواترة في شيء من ديننا أو دنيانا؟!

الكلام هنا لا يشمل التواتر العملي ككيفية الصلاة وعدد ركعاتها؛ لأن الأستاذ ينكر علينا قيمة ما عدا التواتر اللفظي كما يفهم من كلامه. وإذا سلم قيمة التواتر العملي فالقرآن أيضًا متواتر عملًا في كيفية كتابته، ولذلك حافظ المسلمون على رسم الصحابة له إلى اليوم، وإذا كان ينكر فائدة التواتر العملي، فبِمَ يعرف عدد ركعات الصلاة مثلًا؟ وهل وصله حديث واحد في ذلك متواتر لفظه؟

الحق أقول: لو كانت السنة واجبة وكانت الشطر الثاني للدين لحافظ النبي عليها هو وأصحابه حتى تصل إلينا كما وصل إلينا القرآن بدون نزاع ولا خلاف، وإلا لكان الله تعالى يريد أن يتعبدنا بالظن والظن لا قيمة له عند الله، قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} (الأنعام: ١١٦)، وما أجمل قوله هنا: {أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ} (الأنعام: ١١٦) فسبحان ربك رب العزة عما يقولون.

ولنجمع هنا أعظم الدلائل التي نعتمد عليها في إثبات دعوانا أن السنة كانت خاصة بمن كان في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي:

(١) لم تُكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتكون أقرب إلى التحريف منها إلى الضبط لو كانت كتبت في عهده.

(٢) نهى صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيء عنه سوى القرآن الشريف ولا يمكن تفسير ذلك تفسيرًا مقنعًا بغير ما ذهبنا إليه.

(٣) لم تجمعها الصحابة بعد عصره في كتاب لينشر في الآفاق، ولم يحصرها أحد منهم حفظًا في صدورهم، ولو كانت الشطر الثاني للدين لاعتني بها بذلك أو نحوه.

(٤) لم تنقلها الصحابة إلى الناس بالتواتر اللفظي. وما تواتر لفظه يكاد يكون لا وجود له وهو غير هام في الدين، وتواتره حصل اتفاقًا لا قصدًا منهم.

(٥) ما كانوا يجيدون حفظها في صدورهم كحفظ القرآن، ولذلك اختلفت ألفاظ ما تعددت رواته منهم.

(٦) كان بعضهم ينهى عن التحديث، ولو كانت السنة عامة لجميع البشر لبذلوا الوسع في ضبطها ولتسابقوا في نشرها بين العالمين، ولما وجد بينهم متوانٍ أو متكاسل أو مثبّط لهم.

(٧) أباحوا للناس أن يرووها عنهم بالمعنى على حسب ما فهموا.

(٨) لم يتكفل الله تعالى بحفظها فوقع فيها جميع أنواع التحريف، ولا يمكننا القطع بشيء منها مما رواه الآحاد وهو جُلها لمجرد عدم معرفتنا شيئًا يجرح الرواة.

(٩) يوجد فيها كثير مما لا ينطبق إلا على العرب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يوافق إلا عاداتهم وأحوالهم كمسألة زكاة الأموال وزكاة الفطر وغير ذلك.

(١٠) يشم من بعض ما وصل إلينا منها رائحة ما ذهبنا إليه كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله: هل يجب الوضوء من القيء: (لو كان واجبًا لوجدته في كتاب الله تعالى).

وإن حصل الطعن في سند مثل هذا الحديث فلا يمكن التعليل عن سبب وجوده بين المسلمين مع أنه يخالف روح مذهبهم، وكيف رووه عن واضعه؟ وهل الواضع له كان يقصد أن يقول بمثل رأينا الحالي؟

إذا سلم ذلك دل على أنه لا إجماع بين المسلمين على وجوب الأخذ بالسنة وإن كان الواضع من غير المسلمين فماذا يهمه إذا أخذ المسلمون بالقرآن وحده أو به مع السنة وخصوصًا في مثل هذه المسألة (مسألة نواقض الوضوء) وهل ذلك يشكك المسلمين في دينهم أو يضعفهم مع أنه يعززهم ويقويهم؟ وكيف أخذ بعض الفقهاء بهذا الحديث، وقال: إن الوضوء لا ينتقض بالقيء مستشهدًا به على مذهبه، فالقول بأن هذا الحديث صحيح أو موضوع لا يكفي لشفاء العلة وإرواء الغلة، بل لابد من البحث والتنقيب.

فهذه أدلتي أوردتها سردًا بالإيجاز ليتدبرها المتدبرون وليتفكر فيها المتفكرون، وأرجو ممن يرد عليَّ أن يترك المراوغة ويجيبني بما يقنعني ويقنعه، وإلا أضعنا الوقت سدى، ولم نصل إلى هدى.

 

***

الاستنباط من الكتاب وحده

قد أنزل الله تعالى القرآن الشريف بلسان العرب وخاطبهم فيه بما يعرفون وبما يفهمون. فهو وحي الله إليهم مباشرة وإلى العالمين بواسطتهم. وجميع ما فيه مفهوم لهم بدون احتياج إلى تفسير مفسر أو تأويل مؤول. أما الأمم الأخرى التي تأخذ القرآن عن العرب فلابد لهم من معرفة اللغة العربية معرفة تامة وكذا معرفة أحوال العرب وعاداتهم وتاريخهم واصطلاحاتهم حتى يتيسر لهم فهم القرآن على حقيقته. وهم غير محتاجين لمعرفة شيء آخر من أحاديث أو ناسخ أو منسوخ أو قصص أو غير ذلك مما لم أذكره هنا.

وبالاختصار: إن العرب لا تحتاج إلى شيء مطلقًا لفهم القرآن. وغيرهم لابد له أن يقدر على فهمه. أعني أن يصير مثل العرب بتعلم ما ذكرت. ولذا وصفه الله تعالى بكونه لسانًا عربيًّا مبينًا، فلا يرد فيه لفظ لا تعرفه العرب أو اصطلاح لم يعهدوه إلا إذا ذكر ما يفسره، إذا عرفت هذا فاعلم أن اصطلاحات القرآن قسمان: اصطلاحات كانت مستعملة بين العرب قبل نزوله مثل لفظ الحج والإحرام، والبحيرة والسائبة وغيرها، واصطلاحات جديدة لم تكن تعرفها من قبل كلفظ الصلاة والزكاة وغيرهما.

أما القسم الأول، فإذا ذكر الله تعالى منه شيئًا فلا يفسره؛ لأنه معروف ولذلك لم يبين القرآن معنى الإحرام مثلًا ولا كيفيته، وإنما ذكر ما يدل على وجوبه.

قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (البقرة: ١٩٦) فإذا سمع العربي هذا الكلام فهم أن المراد بقوله: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ...} (البقرة: ١٩٦) في هذا المقام النهي عن التحلل قبل بلوغ الهدي إلى المكان الذي يحل فيه ذبحه، وهذا يدلنا على أن الإحرام واجب، ولذلك نهى عن قتل الصيد فيه وشدّد العقوبة على من فعل ذلك وتوعده. ولو لم يكن واجبًا لما كانت كل هذه العناية به. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} (المائدة: ٩٥)، وكذلك ذكر تعالى البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ورد على أهل الجاهلية فيها فقال: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} (المائدة: ١٠٣) ولم يبين لنا تعالى معاني هذه الألفاظ اعتمادًا على أن العرب تعرفها، ولا يجوز لنا أن نفسر مثل هذه الألفاظ الاصطلاحية بمعانيها اللغوية، بل يجب فهمها كما كانت تفهمها العرب.

وأما القسم الثاني من الاصطلاحات، فإذا ورد في القرآن شيء منه ذكر ما يتبين المراد به، فمثلًا الصلاة وإن كان معناها لغة: الدعاء، إلا أنها في الاصطلاح صورة مخصوصة تستفاد من مجموع آيات القرآن المتعلقة بها ومقارنتها ببعضها مثل قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} (النساء: ١٠٢)، وقوله: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} (الفتح: ٢٩)، وقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (الحج: ٢٦)، وقوله: {يَا أَيُّهَا ِالَّذِين آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج: ٧٧)، وقوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} (الإسراء: ١١٠-١١١)، وقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء: ٧٨)، وقوله: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ} (هود: ١١٤) مع قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} (طه: ١٣٠)، فأمثال هذه الآيات يكمل ويفسر بعضها بعضًا، والذي يفهم من مجموعها أن الصلاة المطالبين بها في القرآن هي ما اشتملت على قيام وركوع وسجود ودعاء وتسبيح وتحميد وتكبير وقراءة قرآن، وأما الزكاة وإن كانت في اللغة النمو أو الطهارة فهي في اصطلاح القرآن: ما يعطى من مال الأغنياء للفقراء وغيرهم على سبيل الوجوب، وقد أشار إلى ذلك بقوله: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الروم: ٣٨)، {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم: ٣٩)، وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة: ١٠٣)، وقوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} (الليل: ١٧-١٨). واعلم أنه كما تستفاد العقائد والشرائع والأخلاق من مجموع القرآن فكذلك العبادات لا بد من أخذها من مجموعه لا من بعضه.

بقي عليَّ مسألة واحدة مما ذكره الشيخ البشري في هذا الباب وهي قوله ما معناه: إنه قد يرد في الكتاب لفظ مشترك بين معنيين متناقضين ولا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر إلا بالسنة، وأقول: إنه من المستحيل أن يرد في الكتاب لفظ لا يتعين المراد منه إلا إذا كان معنياه يؤديان إلى الفائدة المطلوبة بعينها كلفظ القروء الذي استشهد به حضرته في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء} (البقرة: ٢٢٨)، فسواء أريد به الحيض أو الطهر فالنتيجة واحدة، على أنهم قالوا: إن الأصل فيه الانتقال من الطهر إلى الحيض، والترجيح بالسنة لم يؤدِّ إلى النتيجة المرغوبة؛ لأن أبا حنيفة وإن كان أخذ بحديث (طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان) إلا أن غيره لم يبالِ بذلك وأخذ بأدلة أخرى، فقالت الشافعية والمالكية: إن المراد بالقرء الطهر. وهذا هو الذي اشتكينا ونشتكي منه. فيا أيها الفاضل المناظر أتدعونا إلى شيء لم يفدكم أنتم المتمسكين به ولا زلتم مختلفين فيه؟! هذا، ولتعلم أن ما قلته في هذا الباب يعد طعنًا منك في بيان القرآن المبين وبلاغته، فلتستغفر الله تعالى منه ولتتب إليه.

 

مراتب السنة الصحيحة:

أقر الأستاذ في هذا الباب بأن ما عدا المتواتر لا يفيد اليقين. وأن العمل به عمل بالظن، وقال: إن التكليف باليقين تكليف بما لا يطاق أو موجب للحرج على الأقل وهو مدفوع بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: ٧٨)، ونقول: إن الله تعالى لا يتعبدنا بالظن وإلا لما ذمه في كتابه كثيرًا. قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} (الأنعام: ١١٦)، وقال أيضًا: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} (الأنعام: ١٤٨) والسياق يدل على أن الآية الأولى خصوصًا واردة في الأحكام لا في العقائد. فكيف يذمه الله تعالى ثم يوجب علينا العمل به؟

وقول الشيخ: (إن التكليف باليقين تكليف بما لا يطاق إلخ) غلط؛ لأن التكليف بالقرآن في غاية السهولة وليس فيه من حرج. اللهم إلا أن يكون مراده التكليف بالعمل بالسنة على وجه اليقين، فيكون كلامًا حجة عليه لا له. وقد أقر أيضًا في هذا الباب بأن أصحاب كتب الحديث إذا اختلج في نفس أحدهم أقل شبهة من أحد رواته نفض يديه منه وانقلب إلى أهله خاويًا من ذاك الحديث وفاضه، وهذا القول يؤيد ما قلناه من أن السنة حصل فيها نقص كل التأييد، فإن الحديث إذا كان يرفض لأقل شبهة في أحد الرواة فلابد أنهم رفضوا أحاديث كثيرة، ولابد أن بعضها كان صحيحًا في الواقع ونفس الأمر؛ إذ الاشتباه في الراوي لا يمنع من ذلك.

أما دفاعه عن المجتهدين ومحاولته أن يقول: إنهم جميعًا على الحق وإن اختلفوا فمما لا يقبله العقل، فإن الحق واحد وإذا كان مع أحدهم فلا يمكن أن يكون مع مخالفه، وإذا كان مراده أنهم كلهم مثابون على اجتهادهم فأنا لم أعارض في ذلك، ولم يكن هذا موضوع بحثي في مقالتي السابقة.

 

الإجماع:

استدل عليه بآية وأخطأ في إيرادها ونصها كما قال المنار: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: ١١٥)، وهي كما ترى في غير هذا المقام ولا تناسب ما نحن فيه، وعلى فرض المناسبة نقول: إنه لم يرد في القرآن أن المؤمنين لا يخطئون. أو أن طريقهم واحد ولا يسيرون في طريق الباطل. ولو أورد لنا آية بهذا المعنى لكانت حجة لحضرته. والذي نعلمه أن المؤمنين يجوز عليهم جميعًا الخطأ ويجوز أن يسيروا في طريق الباطل، فمن خالفهم فيه أثابه الله، ومن لم يتبع سبيلهم الحق عذبه الله. فمعنى الآية هكذا: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} (النساء: ١١٥)، أي يعصيه ويخالفه {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} (النساء: ١١٥)؛ أي: طريقهم الحق، عذبه الله بما ذكر، وإذا سار المؤمنون في طريق الباطل فلا يسمى هذا طريقهم؛ لأنه أمر عارض يخالف طبيعتهم. ولا يزال طريق الحق يسمى طريقهم؛ لأنه هو الذي يحنون إليه بمقتضى فطرتهم ويتطلبونه إذا ضلوا. وهم لم يحيدوا عنه إلا خطأ أو جهلًا، ورجوعهم إليه سهل إذا أرشدوا.

هذا وإني قد تركت بعض مسائل لم أبدِ ملاحظتي عليها في مقالة الأستاذ الأولى خوفًا من التطويل والسآمة؛ ولأن البحث فيها لا يؤدي إلى نتيجة هامة في الموضوع ولا يغير جوهر الكلام.

 

مبحث الصلاة:

نبدأ الكلام في هذا البحث بذكر بعض مسائل يحتاج إليها القارئ كل الاحتياج

ليفهم حقيقة ما نرمي إليه فنقول:

(١) إن عدد ركعات الصلاة كما وصلنا متواتر عملًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(٢) لو سلمنا أن أصحاب الرسول عليه السلام كانت تعتقد أن الفرض منها ما هو معروف لما ضرنا ذلك شيئًا؛ لأننا نقول: لعل ذلك كان لأن النبي جمعهم على هذه الأعداد المخصوصة وحتمها رغبة منه في كمال النظام وتمام الاتحاد ورفع أي اختلاف بينهم إذ كانوا حديثي العهد بالوفاق والوئام! وليس من خَلَف بعدهم مضطرًا لالتزام ما أمروا هم بالتزامه! فليس حديث ذي اليدين ولا حديث عائشة اللذان أوردهما الأستاذ بمفيدين لنا في هذا البحث شيئًا، على أنهما ليسا بمتواترين ونحن وإن احتججنا بمثلهما على غيرنا لقبوله ذلك لا نقبل الاحتجاج بهما على أنفسنا؛ لأنهما لا يفيدان إلا الظن كما تقدم.

ثم إن الأستاذ لم يجبنا عن السبب في صلاة النبي ركعتين ركعتين مدة إقامته بمكة وجزء من إقامته بالمدينة أي أكثر من نصف زمن الدعوة وأراد التخلص من ذلك بمناقشتنا في بعض ألفاظ حديث عائشة وهو لم يرو كما نقله، ففي البخاري أن عائشة -رضي الله عنها - قالت: (الصلاة أول ما فرضت ركعتان فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر)، هذا الحديث أقرب إلى رأينا في عدم تسمية صلاة السفر قصرًا منه إلى رأيهم وأظهر منه حديث عمر -رضي الله عنه- حيث قال: (صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم)، ولذلك اضطر كثير من المفسرين إلى تأويلهما والأستاذ يظن أننا أول من أنكر تسمية صلاة السفر قصرًا وتغاضى عن أقوال الصحابة أنفسهم.

(٣) لم يرد حديث واحد متواتر لفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا نحن فيه بهذه الأعداد المخصوصة، أما حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فهو ليس متواترًا وليس صحيحًا في أمر الركعات. وهب أنه يشمل ذلك فهو خاص بمن في عصر النبي بدليل قوله: (كما رأيتموني). عجبًا منك -أيها الأستاذ البشري- كيف تحتج عليَّ بهذا الحديث وهو غير صريح في المسألة. ولا تحتج به على أبي حنيفة الذي نقلت قوله ويظهر أنك أقررته في أنه يكفي قراءة أي آية من القرآن في الصلاة ولو كانت غير الفاتحة، مع أن النبي وأصحابه أجمعوا على المحافظة على قراءة الفاتحة في كل ركعة وتواتر عنهم ذلك ولم ينقل عن النبي عليه السلام أنه تركها مرة واحدة في أول الدعوة أو في آخرها في سفر أو حضر، فهل المصلي بدون الفاتحة يكون عندك مصليًا كما صلى النبي ولا يكون كذلك من صلى ركعتين بدل الأربع؟ ولماذا ترى أننا خالفنا طريق المؤمنين، ولا ترى أن أبا حنيفة فعل ذلك أيضًا؟! وما السبب في ذهابه هذا المذهب؟ أليس ذلك لأنه يرى أن التواتر العملي وحده لا يكفي إذا لم يصحب بأمر لفظي يفهم منه وجوب الشيء من عدمه ويكون غير قابل للتأويل ولا الطعن فيه.

(٤) لو كان وصلنا أصل الأمر بركعات الصلاة متواترًا لفظه فلربما كنا نجد أنه يدل على أنه خاص بمن في عصر النبي عليه السلام، أو أنه على الأقل لا يدل على العموم.

والإجماع على فهم مخصوص غير حجة علينا، فكم من أشياء فهمناها على غير ما فهمها الصحابة والتابعون. انظر مثلًا إلى قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} (النمل: ٨٨)، فلو سألت عنه جميع الصحابة والتابعين لقالوا لك هذا يحصل يوم القيامة. مع أن كثيرًا من علمائنا الآن صاروا يقولون إنه حاصل في الدنيا. ولو قال واحد في الزمان الأول: إن النبي أخبر الصحابة بدوران الأرض، لاتفقوا جميعًا على إنكار ذلك وتكذيبه. ولو كانوا رووا القرآن بالمعنى لرووا هذه الآية على حسب فهمهم. ولو لم يصلنا أصل النص لما علمنا أنه يحتمل ما قاله ذلك المخالف للإجماع.

(٥) غير المتواتر يفيد الظن ولا يفيد اليقين كما أقر بذلك الأستاذ البشري فيما سبق، والله لا يتعبدنا بالظن فلو كان الله يريد منا المحافظة على هذه الأعداد المخصوصة لوصل إلينا أصل الأمر بالتواتر، وحيث إنه ما وصلنا دل ذلك على أن الله لا يريد منا إلا المحافظة على ما في كتابه صريحًا أو ما استفيد منه؛ لأن المتواتر غيره قليل وليس في مسائل هامة في الدين كحديث: (أُنزل القرآن على سبعة أحرف) فإنه متواتر في رأي الأكثرين.

إذا علمت كل هذه المسائل فاسمع ملخص البرهان: الأمر بركعات الصلاة إما أن يكون تحريريًّا أو قوليًّا، هو ليس بتحريري، ولم يصلنا أمر قولي متواتر بذلك إذ لم يصل إلينا أمر مقطوع به مطلقًا من الطريق الأول أو الطريق الثاني، فإن قيل: إن التواتر العملي دال عليه وعلى ما هو مفروض قلت: يحتمل أننا إذا نظرنا في أمر الرسول الأصلي وجدناه إما خاصًّا بمن في عصره أو أنه على الأقل لا يدل على أنه عام لجميع الناس في جميع الأزمنة والأمكنة، وإذًا فليس عندنا دليل قطعي على وجوب هذه الأعداد. والله لا يتعبدنا بالظن كما قلنا مرارًا فلو كان يريد منا المحافظة على هذه الأعداد المخصوصة لوصل إلينا أصل الأمر بالتواتر حتى لا يبقى عندنا أدنى ريب وحيث إن هذا الأمر لم يصل إلينا بالتواتر دل ذلك على أن الله لا يريد منا المحافظة على هذه الأعداد والاستماتة عليها وهو المطلوب.

ولنعد الآن إلى إتمام البحث في هذه المسألة فنقول: نازعنا الأستاذ الفاضل فيما استنتجناه من قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} (النساء: ١٠١، ١٠٢) إلى آخر الآية. فاعلم أن الخطاب بالجمع في قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} (النساء: ١٠١) إلخ - لا يستلزم أن النبي صلى الله عليه وسلم أو من يقوم مقامه داخل فيه إذ كثيرًا ما ورد الخطاب بالجمع ولم يرد به إلا الأكثرين كما في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} (النساء: ٣٥) فالخطاب هنا وإن كان لجماعة المؤمنين إلا أنه لا يشمل الزوجين ولا الحكمين إلا إذا حاولنا التأويل، وهَبْ أن الخطاب يشمل كل فرد فنفي الجُناح لا يستلزم أن القصر واجب على كل فرد في كل صلاة، إذا علمت ذلك تبين لك أن صلاة النبي ركعتين عند الخوف في السفر وهو إمام إن قلنا عنها لم تكن قصرًا لما خالفنا مضمون قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا} (النساء: ١٠١) حتى يتم علينا إلزام حضرة الأستاذ المناظر.

أما قوله إن القيد: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: ١٠١) لا مفهوم له وأنه لبيان الواقع - فمما لا نوافقه عليه؛ لأن الأصل عدم ذلك ومتى أمكن حمل الكلام على وجه يجعل لكل قيد مفهومًا وجب المصير إليه، أما إذا لم يكن ذلك لدليل قام عندنا اضطررنا إلى القول به، وهنا لا دليل يمنعنا من القول بأن هذا القيد معتبر في هذه الآية، وأحاديث الآحاد التي تنافي ذلك هي معارضة بمثلها كقول عائشة وقول عمر اللذين ذكرناهما فيما سبق فإنهما يدلان على أن صلاة السفر ليست قصرًا، فكان القصر هو في صلاة الخوف فقط، وعلى ذلك فإقرارنا بأن القيد في قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} (النساء: ١٠٢) إلخ، لا مفهوم له لا يستلزم أن نقول بذلك في كل قيد نراه، والخطاب هنا وإن كان للنبي إلا أنه قد جرت عادة القرآن في كثير من المواقع أن يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ويريده هو وأمته كقول المثل: (إياك أعني واسمعي يا جارة) ولو قلنا: إن كل خطاب للنبي هو خاص به لأخرجنا الأمة من جزء عظيم من تكاليف القرآن كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة: ١٠٣)، وقوله: {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} (الأعراف: ١٩٩)، وقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (الإسراء: ٧٨)، وقوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} (الإسراء: ١١٠)، الآية، وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} (طه: ١٣٢) إلى غير ذلك من الآيات، ولهذا قال علماء الأصول إن كل خطاب للنبي هو أيضًا خطاب لأمته إلا إذا دل دليل على التخصيص، ومما يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: {ْيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ} (الطلاق: ١)؛ لذلك نقول: إن القيد: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} (النساء: ١٠٢) لا مفهوم له؛ لأن الدلائل قامت على ذلك بخلاف القيد: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: ١٠١)، فإنه معتبر مفهومه لعدم الدلائل القاطعة، ولو كان الحكم في هذه المسألة بحسب اختيار الإنسان وإرادته لحصل التلاعب في فهم أوامر الدين.

أما استشهاده بآية: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنّ} (النساء: ٢٣) فلا حق له فيه؛ لأن هذه الآية ليست مما يتعين أن يكون القيد فيها لا مفهوم له، بل قال بعض الصحابة وغيرهم بعكس ذلك، قال علي -كرم الله وجهه-: (الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر، ثم فارق الأم بعد الدخول فإنه يجوز له أن يتزوج الربيبة)، وكذلك قال داود من الفقهاء.

وصفوة الكلام في هذا الموضوع أن كل قيد ورد في القرآن يجب أن نعتبر مفهومه إلا إذا منع ذلك مانع قوي كما في قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} (النور: ٣٣) وكل خطاب للنبي خطاب لأمته إلا إذا قام دليل على التخصيص وكل قيد لم يعتبر مفهومه لعلة فلابد أن يكون هنا من فائدة أخرى لوروده في الكلام، وبذلك ننزه كتاب الله تعالى عن اللغو والعبث والإبهام وعدم البيان.

أما دعواه أن صلاة الخوف لم يقل أحد بأنها ركعة واحدة فيكفينا في الرد عليه أن نحيله إلى تفسير مثل تفسير فخر الدين الرازي وهناك يجد أن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهدًا وغيرهم قالوا إنها ركعة واحدة فقط كما قلنا وهو المتبادر من قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا} (النساء: ١٠٢) أي أول سجود؛ لأنه لم يذكر غيره وبه تنتهي الركعة الأولى. ثم تأتي طائفة أخرى لم تصلِّ فتصلي الركعة الثانية خلف الإمام. وتكون كل طائفة صلت ركعة واحدة فقط.

قال الأستاذ المناظر أني استدللت على أن ما بعد الركعتين في الثلاثية والرباعية زيادة عن القدر الواجب بعدم الجهر في القراءة به وعدم قراءة شيء بعد الفاتحة وبنى على ذلك ما بني ولكن عبارتي لم تكن كذلك ونصها هكذا: (كان عليه السلام لا يجهر بالقراءة في الركعتين الأخيرتين وإن جهر في الأوليين ولا يقرأ فيهما بعد الفاتحة شيئًا من القرآن، أفلا يدل ذلك على أن منزلتيهما أقل من الركعتين الأوليين؟!) وشتان ما بين هذا المعنى وذاك. ثم إنه لم يُجب بشيء عن السبب في عدم الجهر وعدم قراءة شيء بعد الفاتحة مع فعل أحد هذين الأمرين أو فعلهما معًا في الركعتين الأوليين كما جرت به عادة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهذا شأن حضرته في أكثر رده علينا فإنه يترك الإجابة عن السؤال نفسه ويشغلنا بغيرها.

انتقد علينا تسمية صلاة السفر (اكتفاءً بالواجب) ونرى أن انتقاده هذا له حق فيه إذا أثبت لنا أن النبي كان يلازم في غضون أسفاره النوافل وعندئذ يمكننا أن نستبدل هذه التسمية بغيرها كقولنا (تقليلًا للنوافل) ولما كانت ركعات الصبح والمغرب قليلة بالنسبة لغيرها كان يصليها عليه السلام في السفر كما اعتاد في الحضر بدون تقليل منها.

هذا ولم يبق بعد ذلك في مقال الأستاذ شيء يحفل به، وفيما ذكرناه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وفقنا الله لما يحبه ويرضاه وألهمنا الفهم لكتابه المجيد، إنه ملهم الأنام هادي العبيد، رب العرش الفعال لما يريد.

 

تذييل:

نلفت نظر القارئ إلى المسائل التالية، فإن فيها زبدة هذه المقالة والمحور الذي تدور عليه:

(المسألة الأولى) الفروق بين القرآن والسنة القولية هي:

(١) القرآن هو قول الله، والسنة هي قول الرسول.

(٢) القرآن معجز والسنة غير معجزة.

(٣) القرآن متواتر كل جزء منه، والسنة ليست كذلك.

(٤) القرآن أمَر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته في زمنه ولذلك نسميه (التعاليم التحريرية أو الكتاب) والسنة نهى عن كتابتها ونسميها (التعاليم اللفظية).

(٥) القرآن خطاب الله العام، والسنة خطاب الرسول الخاص.

(المسألة الثانية) التواتر العملي لا يدل على الوجوب ما لم يكن مصحوبًا بدليل قولي قاطع، ولذلك قال أبو حنيفة: إن قراءة الفاتحة غير واجبة في الصلاة مع أن ذلك متواتر عملًا عن النبي عليه السلام.

(المسألة الثالثة) القرآن بيّنٌ للعرب لا يحتاج لتبيينه إلى كلام آخر؛ لأنه في منتهى البلاغة ولا يكون ذلك إلا إذا كان إيضاحه فوق إيضاح كل كلام سواه، فلا معنى عندنا للقول بأن الرسول مبين له بسنته القولية.

(المسألة الرابعة) الإيضاح العملي أبلغ من الإيضاح القولي مهما كانت درجته، فالقرآن وإن كان لا يمكن إيضاحه بقول أوضح منه إلا أنه يمكن توضيحه بالعمل، فإن العمل أبلغ من كل قول، وهذا الأمر يدركه من درس بعض العلوم التي تحتاج إلى العلم والعمل كالطب مثلًا، ويدخل تحت ذلك تصوير الإفرنج للمعاني بصور وأشكال يضعونها في كتبهم لتعين القارئ على الفهم.

(المسألة الخامسة) لا ننكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مبين للقرآن بعمله، ولا ننكر أن قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم} (النحل: ٤٤) قد يشمل هذا التبيين العملي أيضًا، والذي أنكرناه هو التبيين القولي فقط لما أوضحناه آنفًا، فلا يمكن أن يكون هو المراد بهذه الآية.

(المسألة السادسة) التبيين العملي عندنا قاصر على إيضاح ما في الكتاب وتصويره بالفعل، ولا يشمل ذلك الأعمال التي تزيد عن معنى ما في الكتاب، فكل عمل مبين لما في الكتاب يكون واجبًا إذا دل الكتاب على وجوبه، والذي لم يدل الكتاب على وجوبه أو لم يذكره يكون غير واجب علينا. وبعبارة أخرى: (الواجب على البشر لا يخرج عما في كتاب الله تعالى).

(المسألة السابعة) جُل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد عن أصحابه مفسرًا لآي القرآن لم يصح سنده، ولذلك قال الإمام أحمد: (ثلاثة لا أصل لها: التفسير والملاحم والمغازي)، ولم يرد عنه عليه السلام حديث واحد يعتمد عليه في بيان الناسخ والمنسوخ مع شدة الحاجة إلى ذلك إذا صح ما يقولون (راجع مقالتنا في الناسخ والمنسوخ).

فنرجو ممن يطالع هذه المقالة أن يمعن النظر في هذه المسائل ولا يعميه التقليد عن إدراكها، وبعد ذلك إن شاء أن يرد علينا فليفعل... والسلام على مَن اتبع الهدى!

٢٠ يناير سنة ١٩٠٧ ... ... ... ... ... ... ... ... صدقي

 

----------------------------------------------------

 

تعقيب مجلة المنار على مقال صدقي

 

نشرنا هذه الرسالة بطولها في هذا الجزء رغبة في تقصير مدة هذه المناظرة ونقول الآن في المسألة كلمة مختصرة وربما عدنا إليها في بعض أجزاء السنة الآتية.

كثر الكلام وتشعَّبت المباحث ودخل في طور الجدل أو كاد، وتحرير محل النزاع: هل الإسلام الدين العام لجميع البشر هو القرآن وحده أم هو جميع ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أنه دين؟، قال الدكتور محمد توفيق أفندي في المقالة الأولى (كما في ص ٥١٧ من الجزء السابق) بعد مسألة عدد ركعات الصلاة ومسألة مقادير الزكاة ما نصه: (لا شك عندي أن هاتين المسألتين متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليس ذلك محلًا للنزاع ولكن محل النزاع هو: هل كل ما تواتر عن النبي أنه فعله وأمر به يكون واجبًا على الأمة الإسلامية في جميع الأزمنة والأمكنة وإن لم يرد ذكره في القرآن؟ رأيي: أنه لا يجب).

وذكر في المقالة الثانية ما رأيت آنفًا من الدلائل العشرة على أن السنة النبوية كانت خاصة بمَن في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وتارات يقول إنها خاصة بالعرب، وهذه الدلائل كلها تتعلق برواية الحديث إلا الثامن فإنه أمر سلبي، والتاسع فإنه دعوى ممنوعة، والعاشر فإنه رائحة دليل لا دليل.

من البديهي الذي لا يماري فيه عاقل منصف أن الاعتقاد بأن فلانًا رسول الله يستلزم أن يقبل منه كل ما دعا إليه من أمر الدين جميع من أرسل إليهم، فإن كان مرسلًا إلى قوم محصورين وجب ذلك عليهم، وإن كان مرسلًا إلى غير محصورين وجب عليهم متى بلغهم، ومن المعلوم عندنا بالضرورة بحيث لا يتنازع فيه أحد من المتناظرين أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الناس كافة من كان منهم في زمنه من العرب وغيرهم ومن يأتي بعدهم إلى قيام الساعة، فوجب أن يكون كل ما جاء به من أمر الدين موجهًا إلى جميع من أرسل إليهم في كل زمان ومكان إلا إذا دل الدليل على التخصيص، فهذا أصل بديهي لا نطيل في بيانه ولا في تحرير برهانه.

نضم إلى هذا الأصل أصلًا آخر أظن أن الدكتور لا يمتري فيه وهو أنه لا يعقل أن يفهم جميع من تلقوا الدين عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة أن عمل كذا من الدين وأنه عام لجميع المكلفين ويكون ذلك العمل في نفسه خاصًّا بهم وحدهم أو مع من يشاركهم في وصف خاص كاللغة والوطن؛ لأن هذا لا يتصور وقوعه إلا إذا جاز أن يقصر الرسول في التبليغ والبيان الذي بعث لأجله وهذا مما لا يجيزه مسلم.

فإذا جعلنا هذين الأصلين مقدمتين أنتجتا لنا أن كل ما علم من الدين بالضرورة وأجمع عليه أهل الصدر الأول فهو من الإسلام، لا يعتد بإسلام من تركه ومنه القرآن برمته وهذه الصلوات الخمس وأن ما عدا ذلك محل اجتهاد، فمن بلغه عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء غير مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة وثبت عنده وجب عليه أن يعتده من الدين، ومن وثق بمجتهد وعلم منه أنه ثبت عنده شيء عن الرسول وجب عليه أن يعتده من الدين، فإن كان ثبوته على أنه حتم عمل به حتمًا وإن كان مخيرًا فيه تخير، فإذا سلم الدكتور صدقي بهذه النتيجة سلم من الشذوذ في أصل الإسلام وانحصرت إشكالاته فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن وما تلقاه عنه المسلمون من العمل الذي لم يصل إلى درجة المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، وكل ما يصل إليه الاجتهاد بعد ذلك فهو مما يتسع له صدر الإسلام، ولنا فيه تفصيل نرجئه إلى وقت آخر، هذا مجمل ما يقال في أصل المسألة.

أما فروعها فأظهرها مسألة الصلاة، وهذه الكيفية المعروفة عند جميع المسلمين -ويدخل فيها عدد الركعات كعدد الصلوات وهي خمس- مجمع عليها معروفة من الدين بالضرورة. لا ريب في أن جميع الصحابة فهموا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها مفروضة بهذه الكيفية والعدد على جميع من يدخل في الإسلام إلى يوم القيامة، هذا ما تلقاه عنهم التابعون وجرى عليه الناس، فإذا أمكن الريب فيه بعد ثلاثة عشر قرنًا كانت جميع معارف البشر عن الماضي أولى بأن يرتاب فيها، بل أجدر بالناس حينئذ أن يكونوا سوفسطائية يشكُّون حتى في المحسوسات!

ليس قصر الصلاة في الخوف ولا في غير الخوف مما يصلح شبهة على كون الصلاة المفروضة هي ما يعرف جميع المسلمين، فإن حال الخوف لها حكم خاص بها لمكان الضرورة، فمنه ما ذكر في سورة النساء وهو ما يحتج به الدكتور صدقي على ما تقدم عنه ومنها ما ذكر في سورة البقرة: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} (البقرة: ٢٣٩) وهذه كيفية لا ركوع فيها ولا سجود فإذا كان ما في سورة النساء يدل على أن أقل صلاة الخوف ركعة للمأمومين وركعتان للإمام وأقل صلاة الأمن ركعتان لكل مسلم كما قال الدكتور صدقي، فلماذا لا يستدل بما في سورة البقرة على أن الواجب في كيفيتها يحصل بغير ركوع ولا سجود؛ لأنه أقل ما اكتفى به القرآن ويجعل الأمر بالركوع والسجود في آيات أخرى مخيرًا فيه أو مندوبًا إليه أو أمرًا كماليًّا؟ ! ولا يعدم لذلك نظائر في أوامر القرآن.

القواعد العامة في الأديان والشرائع والقوانين توضع للحال التي يكون عليها الناس في الأكثر والأغلب لا للأحوال النادرة والضرورات التي قد يوضع لها أحكام خاصة تسمى رخصًا في عرف أهل الشرع واستثناءً في عرف أصحاب القوانين، وهي لا تُجعل معيارًا على القواعد والأحكام العامة التي هي الأصل. ومن هذا القبيل صلاة الخوف لا يمكن أن يؤخذ منها حكم الواجب في حال الأمن وهي العامة الغالبة.

على أن قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُم} (النساء: ١٠٢) لا يدل على أنهم يصلون ركعة واحدة لا سيما على القول بأن معنى (سجدوا) هنا (صلوا) وهو المتبادر والتعبير عن الصلاة ببعض أعمالها معهود في القرآن والحديث والآثار، ومنه قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الفَجْرِ} (الإسراء: ٧٨) معناه صلاته، بل ورد التعبير عن الصلاة بالتسبيح وهو من أذكارها الخفية لا من أركانها الجلية، وإن قلنا: إن المراد بالسجود العمل المعروف يكون المعنى: فإذا سجد المصلون فليكن الآخرون من ورائهم لئلا يبغتهم العدو وهم ساجدون لا ينظرون إليه، وفعل الشرط لا يقتضي الوحدة بل يصدق بالتكرار وهو المتبادر فيه، فالقرآن لا يدل على عدد الركعات المفروضة في حال الأمن ولا في حال الخوف أيضًا، والأحاديث لا يصح الاستدلال بها عند الدكتور لعدم الثقة بها، فإذا احتج بالسنة العملية وجب عليه أن يتبع سائر المسلمين في الكيفية والعدد وهم قد اتبعوا في ذلك رسول الله كما أمرهم تعالى باتباعه في قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف: ١٥٨) فهذا الأمر العام الذي خاطب الله به الناس جميعًا لا العرب خاصة يحتم على الناس اتباع محمد رسوله صلى الله عليه وسلم وهو أمر مطلق حكمه أن يجري على إطلاقه.

يقول الدكتور صدقي: نعم إن اتباعه واجب ولكن على كل قوم أن يتبعوه فيما دعاهم إليه، وقد دعا العربَ إلى الكتاب والسنة ودعا سائرَ الناس إلى الكتاب فقط.

ونقول: لا دليل على هذه التفرقة في الدعوة وإنما السنة سيرته صلى الله عليه وسلم في الهدي والاهتداء بالقرآن وهو أعلم الناس به وأحسنهم هديًا، وإطلاقها على ما يشمل الأحاديث اصطلاح حادث.

فعلم بما تقرر على اختصاره أن أصل دين الإسلام كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما مضت السنة على أنه حتم في الدين فهو حتم، وما مضت فيه على أنه مستحسن مخير فيه فهو كذلك في الدين.

أما سؤال الدكتور لِمَ كان بعض الدين قرآنًا وبعضه سنة؟، فجوابه: إن الدين تعليم وتربية كما قال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: ١٥١) والتعليم كان للآيات والكتاب والحكمة التي هي أسرار التنزيل وفلسفته، والتزكية -أي التربية- كانت بالسنة وهي طريقته في الاهتداء والعمل بالقرآن على الوجه الذي تتحقق به الحكمة منه، ولذلك قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} (الأحزاب: ٢١)، والأسوة به القدوة به في سيرته وأعماله.

وقول الدكتور: (الحق أقول لو كانت السنة واجبة وكانت الشطر الثاني للدين لحافظ عليها النبي وأصحابه حتى تصل إلينا كما وصل القرآن بدون نزاع ولا خلاف، وإلا لكان الله تعالى يريد أن يتعبدنا بالظن، والظن لا قيمة له عند الله) فيه أن السنة لا معنى لها في عُرف السلف وعُرفنا إلا ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ككيفية الصلاة وكيفية الحج وقد وصل هذا إلينا بدون نزاع ولا خلاف يجعل السنة في جملتها مظنونة، ذلك أن اختلاف الفقهاء في أذكار الركوع والسجود هل هي واجبة أو مندوبة ليس مبنيًّا على اختلافهم في أصلها هل جرى عليه عمل النبي وأصحابه أم لا؟، بل هذا متفق عليه ومثله اختلاف الحنفية مع غيرهم في الفاتحة وما يقرأ بعدها هل يسمى بعضه فرضًا وبعضه واجبًا أو مندوبًا؟ فإن هذا اختلاف في الاصطلاحات وهم متفقون على السنة المتبعة وهي أن النبي وأصحابه كانوا يقرؤون الفاتحة ويقرؤون سورة أو بعض آيات في الصبح والركعتين الأوليين من سائر الفرائض ومن النوافل، وما فعله بعضهم وتركه الآخرون سببه أن النبي فعله تارة وتركه أخرى فهو مخير فيه إلا إذا ثبت أنه تركه في آخر حياته رغبة عنه.

وما اختلفت فيه السنة وهو ثابت يشبه الاختلاف في القراءات ما تواتر من كل منها فهو قرآن وسنة قطعًا وما لم يتواتر فلا حجة فيه على أنه أصل في الدين، وليس في السنة شيء لا أصل له في القرآن، بل كان خُلق صاحب السنة القرآن، ولكن لا نستغني بالقرآن عن السنة إلا إذا استغنينا عن كون الرسول قدوة وأسوة لنا، وذلك فسوق عن هدي القرآن وإهمال لنصه.

بقي في الموضوع بحث آخر هو محل النظر وهو: هل الأحاديث -ويسمونها بسنن الأقوال- دين وشريعة عامة، وإن لم تكن سننًا متبعة بالعمل بلا نزاع ولا خلاف لا سيما في الصدر الأول؟ إن قلنا: نعم، فأكبر شبهة ترد علينا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيء عنه غير القرآن وعدم كتابة الصحابة للحديث وعدم عناية علمائهم وأئمتهم كالخلفاء بالتحديث، بل نقل عنهم الرغبة عنه كما قلنا للدكتور صدقي في مذاكراته لنا قبل أن يكتب شيئًا في الموضوع، وقد سألْنا غير واحد من أهل العلم عن رأيه في حديث النهي فما أجاب أحد إلا ببعض ما أجاب به النووي في شرحه لصحيح مسلم وهو غير مقنع لأهل هذا العصر الذين نبذوا التقليد ظِهْريًّا.

فالمنار يقترح على علماء الدين أن يوافوه بما يعلمون وما يفتح عليهم في هذه المسألة وإلا كانوا من كاتمي العلم، وقد علموا ما ورد في الكاتمين. هذا وقد سبق لنا سَبْح طويل في بحث ما تتحقق به الوحدة الإسلامية من الأخذ بالكتاب والسنة، فليراجع ذلك من شاء في مقالات (محاورات المصلح والمقلد) في المجلدين الثالث والرابع من المنار. وقد طبعت هذه المحاورات في كتاب مستقل ثمنه خمسة قروش صحيحة وهو يطلب من مكتبة المنار.

 

رابط تحميل ملف المقال

 

 

(1) في الغالب الذي كان يكتب باسم مجلة المنار صاحبها ومؤسسها الشيخ محمد رشيد رضا (1282 هـ/ 1865م- 1354 هـ/ 1935م)، وهو أحد رواد الإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث.

(2) محمد توفيق صدقي، الإسلام هو القرآن وحده، المنار، العدد 7، 23 أغسطس 1906.

(3) محمد توفيق صدقي (1881-1920) طبيب وباحث ومفكر مصري. يعتبر من أوائل القرآنيين في القرن العشرين. عمل بمصلحة السجون بالقاهرة، كتب مقالات في مجلة المنار فأصبح من أشهر الكُتاب المصريين في عصره. وقد عرفته المجال أسفل عنوان المقال بأنه "الدكتور محمد توفيق أفندي صدقي الطبيب بسجن طرة"!

(4) قوله السنة المتواترة فيه نظر.

(5) أحمد منصور الباز، الدين كله ما جاء به الرسول، المنار، العدد 8، 19 سبتمبر 1906.

(6) نقيب أشراف مركز كفر صقر من طوخ.

(7) طه البشري، أصول الإسلام، المنار، العدد 9، 19 أكتوبر 1906.

(8) محمد توفيق صدقي، الإسلام هو القرآن وحده: رد لرد، المنار، العدد 12، 13 فبراير 1907.

 

الأستاذ: مالك بن نبي، "القضايا الكبرى"، المأخوذ منه: "إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث"، صفحات: 165-198، دار الفكر الجزائر، ودار الفكر دمشق-سورية، الطبعة الأولى 1412 هجري - 1991ميلادي، ويضمّ الكتاب من 225 صفحة.

 

مقدّمة القارئ لمالك بن نبي:

وضع صديقنا حازم علي ماهر  مقالاً نادرًا للأستاذ مالك بن نبي بعنوان: "إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث"، سبق أن نشره مالك قديما في مجلة الوعي الإسلامي قبل وفاته بأربع سنوات تقريبا (رحمه الله).

وأعترف أنّه هو الذي دفعني لإحياء مقال قديم كتبته عن "إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث". وأعدت ترتيبه، وتنظيمه، وشكله بما يناسب طريقتنا الحالية في كتابة المقال.

 

يضم كتاب القضايا الكبرى المحاور التّالية:

مشكلة الحضارة. بتاريخ: 9 جانفي 1964. صفحات: 28- 63.

مشكلة الثّقافة. بتاريخ: 15 جانفي 1964 باللّغة الفرنسية. وبتاريخ: 30 جانفي 1964 بقسنطينة، الجزائر. صفحات: 65-89.

مشكلة المفهومية: بتاريخ: 24 فيفري 1964. وبتاريخ: فيفري 1964. صفحات: 91-129.

الديمقراطية في الإسلام. بتاريخ: 1960. صفحات: 131-164.

"إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث"، صفحات: 165-198. (دون ذكر التّاريخ، ولا المكان، ولا اللّغة المستعملة).

 

المستشرقون وطبقاتهم:

"إننا نعني بالمستشرقين الكتاب الغربيين الذين يكتبون عن الفكر الإسلامي وعن الحضارة الإسلامية". بهذا التعريف يبدأ بن نبي دراسته "إنتاج المستشرقين وأثارهم في الفكر الإسلامي"، المنشورة ضمن كتاب" القضايا الكبرى ".

وصنف مالك المستشرقين إلى صنفين:

طبقة القدماء. وطبقة المحدثين.

بالإضافة إلى:

طبقة المادحين للحضارة الإسلامية. وطبقة المنتقدين لها المشوهين لسمعتها.

 

محاور لفهم المستشرقين:

يتضح من خلال التعريف، أن هناك ثلاثة محاور لفهم المستشرقين:

محور الدراسة.

محور الزمن.

محور اتجاه العالم.

 

لماذا مالك بن نبي ركز على المستشرقين المادحين دون الحاقدين؟:

حساسية الماضي لتوجيه المسلمين عن حاضرهم:

المستشرقون المادحون = استغلال الماضي + البعد عن الحضارة.

ضعف جهاز الدفاع الذي جعل المدح لا يجد في نفوسنا أي استعداد لرد الفعل. بل إن مبرر الدفاع فقد جدواه، وأصبح جهاز الدفاع معطلا:

المستشرقون المادحون = تعطيل جهاز الدفاع.

لفت النظر عن مشكلة الحضارة، وربط المسلم بمشكلات وهمية. وما المدح والتمجيد لماضينا وسائل ليلتفت العالم الإسلامي عن أم مشكلاته، إذن:

الــــمــــســــتـــشـــرقـــون الــــــمــــــادحــــــون      =      البعد في الحضارة + مشاكل وهمية + حلول وهمية.

 

وجوب فهم الصراع الفكري لفهم المستشرقين:

يرسم بن نبي العلاقة القائمة بين الصراع الفكري والمستشرقين إلى درجة أنه لا يمكن فهم المستشرقين، بدون فهم أبعاد الصراع الفكري، وهو ما يعني:

مــسـتـشـرقـون      =      الصراع الفكري.

وتتضح هذه العلاقة من خلال النقاط التالية:

الصراع الفكري له منطقه الخاص المتمثل في الخط الملتوي، والانتقال من مرحلة إلى أخرى إلى مراحل وسيطة:

الـــــــــــــصـــــــــــــراع الـــــــــفــــــــكــــــــري      =     خط ملتو + مراحل وسيطة + عملية الانتقال.

 

الاستشراق توأم الاستدمار:

علاقة المستشرقين بالاستدمار، وعلاقة الاستدمار بالعالم الإسلامي، حينما استفاد منه في القرون الوسطى، ونتجت عن ذلك النهضة الأوروبية، وحينما استولى عليه في المرحلة المعاصرة، وهو ما يؤكد:

المستشرقون = الاستدمار القديم + الاستدمار الحديث.

وبما أنّ هناك علاقة ما بين الاستدمار والمستشرقين، فدور الصراع الفكري يصبح على هذا الشكل:

الـــــصــــراع الـــفـــكـــري      =      الاستدمار + المستشرقين.

 

استغلال المستشرقين لماضي المسلمين:

استغل المستشرقون حساسية الماضي لدى المسلمين ومساندة الاستدمار لهم والصدمة التي أصابت العالم الإسلامي من جراء الحضارة الغربية، فدخلوا من باب المدح والتمجيد. وهذا هو الصراع الفكري في صورته الجميلة الخبيثة، وقد قال مالك بن نبي " لا نشفي أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه".

إذن:

الصراع الفكري = المستشرقين المادحين.

 

يستغلّ المستشرق كلّ فراغ فكري:

يبحث القائم على الصراع الفكري عن الحقيقة لكي يطبقها في المجال السياسي وهو ينتظر فراغا فكريا ليحتله. بل يضعه ليفصلنا عن أفكارنا بتلك الأفكار الفاصلة الوسيطة.

 إذن:

الصراع الفكري = المصلحة السياسية + الفراغ الفكري + الفصل عن الأفكار.

 

لا فرق بين المستشرقين المادحين والمستشرقين الحاقدين:

لا يفرق مالك بن نبي بين المستشرقين المادحين والمشوهين للفكر الإسلامي. لأنّ عدم التفريق يعتبر خطوة لفهم الصراع الفكري، وهو القائل: "إن الإنتاج الاستشراقي كان شرا على المجتمع".

ما يعني أن:

الـــــــــــــــصــــــــــــــراع الــــــــــفــــــــــكـــــــــري      =      المستشرقين المادحين + المستشرقين المشوهين.

 

المستشرق وانغماس المسلم في ماضيه ونسيان حاضره:

إن المستشرقين ركّبوا في التطور العقلي للمجتمع عقدة حرمان جعلته ينغمس في الماضي، وينسى الحاضر أو الدفاع عن مجتمع منهار، مجتمع ما بعد الموحدين:

الــــــصــــــراع الــــفــــكـــري      =      المستشرقين + عقدة حرمان.

 

تلامذة المستشرقين من المسلمين:

لن يتوقف الصراع الفكري عند المستشرقين. بل تعداه إلى تلامذة المستشرقين الذين ينتسبون إلى المجتمع الإسلامي:

الصراع الفكري = المستشرقين + تلامذة المستشرقين.

ووصفهم مالك بن نبي بأنهم "يلتقون مع أساتذتهم في الانتقاص من سوابق الفكر الإسلامي، ولكن يمتازون في إحاطة مستقبله بالريبة والإبهام"..

 

المستشرق ومركب النقص النّاجم عن صدمة الغرب:

نتج عن الصدمة التي أحدثتها الحضارة الغربية لدى المثقف المسلم، مركب نقص، بحيث ولى مدبرا "أمام الزحف الثقافي الغربي في اللحظة التي بدأ فيها الصراع الفكري يحتدم بين المجتمع الإسلامي والغرب":

الصراع الفكري = الصدمة الغربية + مركب النقص.

 

أدب المدح الذي يستعمله المستشرق في تأجيج الصّراع الفكري:

نتج عن العلاقة القائمة بين الصراع الفكري والمستشرقين، أدب المدح الذي وصفه بأنه "وسيلة عمل جهنمي في تحريك الصراع الفكري المحتدم":

الصراع الفكري = المستشرقين + أدب المدح.

مع الإشارة، إلى أن أدب المدح هو ابن المستشرقين المادحين والحاقدين على السواء. مع اختلاف في درجات المدح، ورد الفعل.

 

أدوات فهم العلاقة بين المستشرقين والصّراع الفكري:

ولا يكتفي مالك بن نبي عند عرض العلاقة القائمة بين الصراع الفكري والمستشرقين، بل يقدم أدوات فهم هذه العلاقة، المتمثلة في:

"كل فراغ أيديولوجي لا تشغله أفكارنا، ينتظر أفكارا منافية معادية لنا".

بما أن الصراع الفكري خفي لا يظهر، وجب النظر إلى "من يستخدم نتائجهم لغايات خاصة في عالمنا نفسه لا في عالم بعيد أو خيالي" :

الصراع الفكري = المستشرقين + عدم الظهور.

التأكد من أنّ المستشرقين ملة واحدة، سواء في ذلك المادح المشوه أم تلميذه "ولا يمكننا، على أية حال، أن نجعل بين التيارين فاصلا قاطعا ".

دراسة تاريخ المستشرقين والاستشراق، والظروف التي أحيطت بهما. بل "يجب أن نعيد (…) الاستشراق إلى مصادره التاريخية".

ضرورة الفهم الجيد للإسلام بأن نبحث في الآيات الكريمة، على ما يشجع على العلم "عوض تضييع الوقت في هل ذكر غزو الفضاء في القرآن؟ هل ذكرت الذرة في القرآن؟:

فهم الصراع الفكري = فهم الإسلام.

التكفل الذاتي بالأفكار "فعلينا أن نكتسب خبرتنا (…) أن نحدد موضوعات آمالنا وألا نسلم لما يحدد لنا وبكلمة، علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية، واستقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا الاقتصادي والسياسي":

الصراع الفكري = الأصالة الفكرية.

الاهتمام بالجانب العلمي مع التأكيد على أن "تطور العلم لا يناط بالمعطيات العلمية فحسب بل بكل الظروف النفسية، والاجتماعية التي تتكون في مناخ معين": 

العلم = المعطيات العلمية + الظروف الاجتماعية + الظروف النفسية.

 

لماذا المستشرقون المادحون شرّا على المجتمع العربي، والإسلامي:

يتضح من خلال " إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي"، أن مالك بن نبي لم يمدح المستشرقين المادحين ولم يذم المستشرقين المشوهين. بل اعتبر المستشرقين المادحين شرا على المجتمع الإسلامي. لماذا؟:

لأن الذي يشتم ويشوه سيتقي شره المجتمع ويبتعد عنه، ويضع يده عليه. أما الذي يمدح، فيميل إليه الناس، ويعجبون به ويثقون فيه. فيستغل المادح هذه الحالة لأغراض من استعمله، دون أن يثير ضجيجا.

 

لماذا المستشرق يمدح الفكر الإسلامي؟:

انطلق مالك بن نبي من فكرة: لماذا هذا المستشرق يمدح الفكر الإسلامي؟  وبما أنّه يمدح الفكر والحضارة الإسلامية فهو يريد أمرا. ما هو هذا الأمر إذن؟:

توصل مالك بن نبي إلى أن هذا الأمر هو الصراع الفكري. مما جعله يؤكد، ويبيّن، ويحذر من العلاقة القائمة بين المستشرقين -خاصة المادحين- والصراع الفكري .

 

العلاقة القائمة بين الصراع الفكري والمستشرقين:

يمكن تلخيص العلاقة القائمة بين الصراع الفكري والمستشرقين –خاصة المادحين– في النّقاط التّالية:

الصراع الفكري. والاستدمار بأنواعه. وتلامذة المستشرقين. والفراغ الفكري. وأدب المدح. وعقد الحرمان، ومركب النقص للمجتمع الإسلامي. والحضارة الغربية. والمجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية.

ومن أراد فهم الصراع الفكري جيّدا، فعليه أن يرجع إلى كتاب "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة " لمالك بن نبي، ويسهل عليه بعد ذلك فهم المستشرقين.


* مقال منشور بموقع رابطة أدباء الشام (بتصرف يسير)، يمكن الاطلاع عليه عبر هذا الرابط:  https://2u.pw/xn5eVglu

** كاتب وباحث جزائري.

 

 

إن المشكلة التي استقطبت تفكيري واهتمامي منذ أكثر من ربع قرن وحتى الآن هي مشكلة الحضارة وكيفية إيجاد الحلول الواقعية لها وإزالة التناقض بين النجاح المادي والتخلف المعنوي، أعني تخلف القيم أو إهمالها، لقد شعرت منذ فترة طويلة وعلى وجه التحديد منذ وصولي إلى أوروبا لتلقي العلم عام ١٩٣٠ أن المجتمعات المعاصرة تواجه مشكلات بالغة التعقيد ومتعددة الأنواع، وإذا كان من المفروض على رجل السياسة أن يتناول هذه المشكلات في تنوعها وتعددها ويجهد في إيجاد الحلول الملائمة لها، وإذا كان من حق رجل الفكر أيضًا أن يطرق هذا الطريق في بلاد متقدمة فأولى برجل السياسة والفكر في البلاد المتأخرة أن يوجه اهتمامًا متزايدًا لدراسة هذه المشكلات في مجتمعه وأن يجتهد في إيجاد الحلول الملائمة لها.

ومن الأخطاء والأخطار التي واجهت بعض الدول الإسلامية أنها تناولت مشكلاتها ووضعت لها حلولها وفقًا للأنماط والنماذج التي واجهت بها الدول المتقدمة مشكلاتها، وإذا كان هذا الأمر له خطورته من الناحية السياسية، أعني من الناحية التطبيقية، فإن خطورته أشد من الناحية النظرية، لا سيما أن الناحية النظرية هي التي توحي بالحلول التي تطبق وتكون النتيجة أن تبقى حياتنا السياسية أسيرة مجهودات فكرية غير ملائمة لواقعنا، لأنها أخلت بمبدأ أساسي من مبادئ فلسفة التاريخ.

يمكننا أن نقرب هذه الحقيقة إلى ذهن القارئ إذا ما طبقناها على مستوى الأفراد، من المسلم به أن ما يمكن أن يصنعه أو يتحمله الرجل المكتمل من مجهودات لا يمكن أن يصنعه أو يتحمله طفل صغير أو شيخ هرم، أيضًا المجتمعات لها أعمارها، فهذا المجتمع في عنفوان شبابه، يستطيع أن يتحمل وينتج ما تنتجه المجتمعات المزدهرة، وهذا مجتمع ناشئ لا تستطيع قواه أن تواجه نفس الأعباء التي يتحملها المجتمع الأول، وهذا مجتمع ثالث هرم لا يستطيع لنفس الأسباب أن يقوم بالمهمات الكبرى مادام يستولي عليه هرمه.

وإذا أرجعنا هذه الاستعارات إلى مصطلح علم الاجتماع نقول بغير تردد إن المجتمع الإسلامي اليوم يتكون من عناصر بشرية مازالت تشكل ما نسميه بـ «الإنسانية العذراء»، أعني الإنسانية التي لم تدخل بعد في دورة حضارة، ولهذا السبب تحتفظ بكل رصيدها التاريخي الأمر الذي يملأها بالتفاؤل نحوها.

كما يتكون المجتمع الإسلامي أيضًا من عناصر بشرية قامت بدور حضاري كبير وأنارت الإنسانية طيلة قرون ازدهارها وأتى على هذه المجتمعات ما يأتي على كل المجتمعات وكل الحضارات فاستولى عليها الهرم، وربما تجد نفسها في هذه الحالة عاجزة عن القيام بالمهمات التي يضطلع بها غيرها من الشعوب المتحضرة لأنها هرمت.

والمشكل الرئيسي إذن، بل أم المشكلات التي يواجهها العالم الإسلامي مشكلة الحضارة من طرفين، كيف تدخل الشعوب العذراء في دورة حضارية جديدة، وكيف تعود الشعوب الإسلامية التي خرجت من حلبة التاريخ لدورة حضارية جديدة.

إذا سلمنا بهذه الحقائق يبقي علينا أن نفكر في مصير العالم الإسلامي، وكيف يمكن لنا الدخول في دورة حضارية جديدة، هذه القضية باختصار هي التي وجهت لها كل مجهوداتي المتواضعة منذ ثلاثين سنة، ولسنا في حاجة إلى حديث طويل لكي نؤكد أن الفكر الإسلامي قد وضع حلولاً لمشكلات العالم الإسلامي وما يعانيه إنسان العصر الحديث من قضايا ومواقف، إن القرآن الكريم قد وضع حلولاً لهذه القضايا والمواقف، ويجب أن نعمل على ضوء هذه الحقيقة، فمن ناحية المشكلات الاجتماعية التي تواجه الإنسان تكفل القرآن بوضع تشريع المعاملات الاجتماعية كالزواج والمعاشرة والطلاق... إلخ، كما وضع تشريعًا للمسائل الدنيوية كالبيع والشراء والتجارة من ناحية أخرى، فإن القرآن الكريم يضع في أعماق عقيدتنا الاستعدادات التي تؤهلنا لتطبيق المعاملات المتعددة ويحفزنا على الإبداع والابتكار.

إن حصيلة دراستي في هذه الناحية تتحدد في مجموعة من النقاط أبرزها أن الحضارة لا تصنع بمنتوجات حضارية مستوردة، بل هي التي تصنع وحدها المنتوجات الحضارية، وهذا يؤدي بنا إلى تساؤل تقليدي عن شروط الحضارة في جوهرها العام، والجواب من دون استطراد طويل، إن شروط الحضارة تتكون من ثلاثة عناصر: الإنسان.. التراب.. والوقت.. وإذا دقننا النظر في هذه العناصر تستطيع أن نستخلص المعنى المطلوب.

وإذا كانت هذه فقط شروط الحضارة فلماذا لا توجد حضارة في مجتمع توافرت فيه هذه الشروط وهي غالبًا ما تتوافر في مجتمعات العالم الثالث الذي يضم أكبر كتلة بشرية وأخصب مساحات من التراب ولديه من الوقت ما لغيره من الدول صاحبة الحضارة، ومع ذلك فلا توجد حضارة كالموجودة في الدول الأولى، وفي رأيي أن السبب في ذلك أن هذه العوامل تتطلب إلى جانبها عاملاً آخر لا غنى عنه، هو العامل النفساني، هذا العامل الذي يصطلح البعض على تسميته بكلمة «العقيدة» والبعض الآخر يسميه «أيديولوجية» فنحن إذن أمام قضية واضحة وضوحًا كاملاً، إن الشروط اللازمة لتكوين الحضارة موجودة.. والذي ينقصنا هو العمل بموجب العقيدة الإسلامية، الإسلام وحده هو الذي يمكن أن يعيد المسلمين إلى عالم الحضارة الخلاقة والمبدعة، أو يدخلهم في حلبتها، ولكن شريطة أن يعتبروا أن هذه العقيدة رسالة هامة وضرورية ولا غنى عنها.. ولكن العقيدة لا يمكن أن تحرك الطاقات إلا بقدر تسخيرها - أي العقيدة - لحاجات أبعد وأسمى وأجل من الحاجات اليومية.


* مقال منشور بمجلة الوعي الإسلامي، العدد (۷۷) جمادى الأولى (١٣٩١هـ) يونيو (۱۹۷۱م)، مستل من كتاب "علماء وأعلام كتبوا في بمجلة الوعي الإسلامي الكويتية"، ج1، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، الإصدار الرابع عشر، 1432هــــ/ 2011م، ط1، ص468-470.

** مالك بن نبي (1905- 1973م) من أعلام الفكر الإسلامي العربي في القرن العشرين، وهو مفكر جزائري كان مهتمًا بقضايا العالم الإسلامي، ويُمكن اعتباره امتدَادًا لابن خلدون، ويُعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة، وله العديد من المؤلفات القيمة، منها: الظاهرة القرآنية، شروط النهضة، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وجهة العالم الإسلامي... الخ.

 

تمهيد:

1- اليوميات في المصطلح الحديث سجل لتجارب المرء وأفكاره، تُسَجَّلُ كل يوم أو كل بضعة أيام. والأصل في اليوميات أنها شخصية يكتبها صاحبها غير قاصدٍ اطلاع الناس عليها[1].

وتلقي اليومياتُ الضوء – عادة – على أحداث مدة زمنية معينة، أو عادات سادت في مجتمع ما في خلال المدة التي تغطيها اليوميات. وقد يكتب المرء يوميات نفسه وقد يكتبها شخص ملازم له، وهي في الحالين تعبر عن المنسوبة إليه[2].

2- وقد تطور أمر اليوميات فأصبحت تدوّن تأريخًا لأحداث بعينها، وتعدُّ ابتداء ليقرأها الكافة، وأمثلة ذلك لا تحصى في الكتابات التاريخية المعاصرة.

3- والأصل في فكرة اليوميات هو الارتباط الضروري بين الواقعة التاريخية وزمن حدوثها[3] وليس هذا التعبير بغريب عن مناهج تدوين التاريخ العربي والإسلامي، فقد كان العرب – قبل الإسلام – يسمون ما وقع في تاريخهم من حوادث ذات شأن باسم «يوم كذا» ويجمعونها على «أيام». وفي مصادرنا التاريخية ذكر «أيام» كثيرة للعرب قبل الإسلام، تحكي وقائع الحروب بين القبائل، وذكر «أيام» كثيرة بعد الإسلام تحكي حوادث التاريخ في العصر النبوي وبعده[4]. ويقول أهل اللغة: إن هذا استعمال مجازي لأن الأصل – عندهم – أن اليوم اسم للوقت مطلقًا، وجرى إطلاقه عرفًا على المدة التي تبقى فيها الشمس فوق الأرض، ثم استعمل على سبيل المجاز في معنى التأريخ[5].

4- وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى أحداث تاريخية بلفظ اليوم والأيام، من ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البقرة: 249]. وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]. وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]. وقوله سبحانه وتَعَالَى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25]. وقوله تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5].

5- فهذه الآيات ونظائرها تؤدي إلى القول بأن سرد السيرة النبوية الشريفة في صورة يوميات مفصلة أمر متسق مع تذكير القرآن لمن خوطبوا به بوقائع التاريخ، ومتفق مع تسمية العرب لتاريخيهم بالأيام في صورتي الإفراد والجمع.

6- وبهذا المعنى لليوم فإن حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أول البعثة إلى وفاته كلها (أيام) إذا لم يكن لعظم الأحداث التي وقعت فيها وأهميتها التاريخية، فلأهميتها تشريعًا وتعليمًا وهديًا نبويًا يجب الوقوف عليه رغبة في اتباعه والتأسي به.

7- لذلك سوغت هذه الدراسة لنفسها أن تقدم نموذجًا ليوميات السيرة النبوية المشرفة مأخوذًا من أيام الحديبية والسيرة.

8- والسيرة النبوية مما ينبغي أن يعنى به العلماء والمفكرون والدعاة والتربويون، في كل عصر، ليستخرجوا من دروسها عبرًا نافعة وحكمًا بالغة تيسِّر للمسلمين لاتباع المأمور به شرعًا قال تَعَالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

9- وبسبب الطريقة التي دونت بها السيرة النبوية لن تستطيع هذه الدراسة أن تضع تقويمًا لما جرى منذ خرج النبيصلى الله عليه وسلممن المدينة إلى أن عاد إليها بعد نحو شهر ونصف شهر، فقد أقام صلى الله عليه وسلم بالحديبية تسعة عشر يومًا أو عشرين ليلة واستغرقت رحلتا الذهاب والعودة سائر المدة، ولكنها سترتب الأيام بحسب الأحداث والوقائع وتسمى الأيام بما كان في كل منها دون أن تحدد كل يوم بموقعه من الشهر، وأظن أن ذلك سيكون شأن يوميات السيرة النبوية كلها. والله المستعان.

 

يوم الرؤيا

10- رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أنه دخل مكة وطاف بالبيت الحرام وأخذ مفتاح الكعبة، ووقف بعرفه، فاستبشر برؤياه خيرًا، وقص رؤياه على أصحابه الذين كانوا في غاية الشوق إلى مكة، بعد أن طال اغترابهم عنها بمقامهم في المدينة المنورة، نحو ست سنين، وكان النبيصلى الله عليه وسلميحببهم في الصبر على مناخ المدينة الذي لم يتعودوه، ويحثهم على تحمل المشقة فيها حتى قال لهم: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا»[6]. فاطمأن الصحابة بعد أن علموا بأمر الرؤيا النبوية إلى قرب دخولهم مكة ولو كانوا زائرين غير مقيمين وتشوقوا إلى ذلك.

 

يوم العزم

 11- عندما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى العمرة أرسل إلى من حول المدينة، من أهل البوادي من الأعراب، ليخرجوا معه لأنه كان يريد أن يستكثر من الناس توقيًا أن تعرض قريش له بحرب أو بصدٍّ عن المسجد الحرام، ثأرًا للهزائم التي لحقتها في المواجهات العسكرية بينها وبين المسلمين.

12- وفي أواخر شهر شوال من سنة ست للهجرة قدم بسر بن سفيان بن عمرو الخزاعي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمًا فقال له صلى الله عليه وسلم: «يا بسر لا تبرح حتى تخرج معنا فإنا إن شاء الله معتمرون»[7]. فكان هذا إيذانًا من الرسول صلى الله عليه وسلم بعزمه على المسير إلى مكة مريدًا العمرة، وفهم الصحابة منه أن عليهم التهيؤ لصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الرحلة التي طال انتظارهم لها، فأعدوا أنفسهم لذلك كلٌ بما استطاع من الزاد والعتاد.

 

يوم المسير

 13- لما كان أول أيام شهر ذي القعدة، سنة ست للهجرة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه من نسائه أم سلمة رضي الله عنها، ومن الصحابيات أم عمارة رضي الله عنها، وأم منيع أسماء بنت عمرو رضي الله عنها، وأم عامر الأشهلية رضي الله عنها، وخرج معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب نحو ألف وخمسمائة نفسٍ لا يشكون في الفتح للرؤيا المذكورة. ولم يكن معهم من السلاح غير السيوف في قرابها وساقوا الهدي معهم حتى وصلوا إلى ذي الحليفة.


يوم الإحرام

14- يوم وصل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى ذي الحليفة -وهو ميقات أهل المدينة- فأحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة وأحرمت معه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وغالب أصحابه وأحرم الباقون عند الجحفة[8]، وقد أحرم النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أنه لا يريد إلا البيت الحرام وتعظيمه ولم يقصد حرب قريش ولا غزو مكة[9].

 

أيام الرحلة

 15- مر النبي صلى الله عليه وسلم، بعد خروجه من المدينة، في طريقه إلى مكة المكرمة بالأعراب من بني بكر ومزينة وجهينة فاستنفرهم للخروج معه إلى العمرة فتشاغلوا بأموالهم وأهليهم، وقالوا فيما بينهم: «يريد محمد أن يغزو بنا إلى قوم معدين في الكراع والسلاح (الكراع كناية عن الخيل المجموعة)، وإنما محمد وأصحابه أكلة جزور[10]، والله لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا أبدًا، قوم لا سلاح معهم ولا عدد»[11].

 16- وقد فضح الله تبارك وتعالى هذا الاعتذار الكاذب بقوله: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 11-12].

 17- وفي يوم من أيام الرحلة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكعب بن عُجرة رضي الله عنه، وقد أصابته هوام رأسه – وكان غزير الشعر وأصابته حشرات كالقمل ونحوه – وكان كعب محرمًا، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيؤذيك هوام رأسك»؟ قال كعب: «نعم» قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما كنت أرى الجهد بلغ بك هذا!» وأمره أن يحلق رأسه – وهو محرم – فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: «صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين فرقًا[12] أو أنسك ما تيسر لك»[13] أي اذبح شاة أو نحوها.

18- فكان التيسير على هذا المريض من رسول الله صلى الله عليه وسلم موافقًا لحكم الله الأزلي، الذي نزل به القرآن الكريم ليكون تخفيفًا دائمًا وتيسيرًا مستمرًا على الناس كافة إلى يوم القيامة، لا على كعب بن عجرة وحده[14].

 19- كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل بسر بن سفيان ليعرف له خبر قريش إذا علموا بمقدمه، فلقيَ النبي صلى الله عليه وسلم بغدير الأشطاط[15] فقال له: «يا رسول الله هذه قريش سمعت بمسيرك، فخرجوا ومعهم العُوذُ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله ألا تدخل عليهم أبدًا»[16]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهره الله – تعالى – أو تنفرد هذه السالفة»[17] أي يموت صلى الله عليه وسلم دون الحق الذي بعثه الله به.

 

يوم المشاورة

 20- شاور رسول الله  صلى الله عليه وسلم، أصحابه في أمر قريش وما أعدته لمنعهم من دخول مكة فقال له أبو بكررضي الله عنه: «يا رسول الله إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ونرى أن نمضي لوجهنا، فمن صدنا عن البيت قاتلناه»، ووافقه على ذلك أسيد بن حضير رضي الله عنه – من رؤوس الأنصار – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فسيروا على اسم الله» وموافقة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي متسقة تمام الاتساق مع نيته الاعتمار لا القتال. ومواجهة من قد يصدهم عن البيت ليست قتالاً مبتدأ وإنما هي دفع صائل ظالم مما يجب على كل قادر أن يصنعه إذا واجهه مثل هذا الموقف.

وهذه المشاورة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هي المشاورة الوحيدة في أمر الحديبية كله... لأن أمر الحديبية كان مبناه الوحي من أوله إلى آخره[18].

 

يوم صلاة الخوف

 21- اقترب جيش المشركين بقيادة خالد بن الوليد حتى أصبحوا على مرأى من المسلمين، وصف خالد بن الوليد صفوف جيشه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشررضي الله عنه فتقدم عباد بمن معه من المسلمين في صفوفهم إزاء صفوف المشركين.

22- ودخل وقت الظهر فأذن بلال رضي الله عنه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى بالناس وأنهوا صلاتهم ورجعوا إلى صفوفهم؛ فندم المشركون أنهم لم يميلوا على المسلمين في أثناء الصلاة، فقال خالد بن الوليد: «وقد كانوا على غرة (أي مشغولين بالصلاة) لو حملنا عليهم أصبنا منهم، ولكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم» فنزل جبريل بين صلاتي الظهر والعصر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 102]. فصلى بهم رسول الله صلاة العصر، صلاة خوف، فقال المشركون: «لقد أُخبروا بما أردنا»، قال الإمام القرطبي «وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه»[19].

23- ونزول هذه الآية كان تخفيفًا على المسلمين فقد أراد خالد أن يتحين وقت صلاة العصر ليغير عليهم فخفف الله عنهم صلاتهم، ولأن الصلاة فريضة لا تسقط بعذر الجهاد وقتال العدو شرع الله لعباده هذه الصلاة دفعًا للمشقة عنهم. وقد رأى بعض العلماء أن صلاة الخوف لا تجوز بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضل الائتمام به صلى الله عليه وسلم على سائر البشر.


يوم الثنية

24- أرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتجنب لقاء جيش المشركين فأمر أصحابه أن يسلكوا طريقًا غير الذي يؤدي إلى مواجهة خالد وخيله، فأخذ يسأل أصحابه عمن يعرف الطريق الآخر   –طريق ثنية الحنظل[20]– وكان طريقًا وعرًا ذا حجارة كثيرة وشوك وشجر ملتف، تناوب على قيادة الركب في ذلك الطريق الوعر بُريدة بن الحُصيب، فحمزة بن عمرو الأسلمي، فعمور بن عبد نُهم الأسلمي فكان هو الذي جاز بهم الثنية؛ فلما خرجوا إلى الأرض السهلة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه» فقالوا ذلك، فقال: «والله إنها للحِطة التي عُرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها»؛ والحطة كلمة دعاء بمعنى اغفر لنا ذنوبنا وقد عرضت على بني إسرائيل فأبوا أن يقولوها في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 58-59]

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجوز هذه الثنية الليلة أحد إلا غُفر له»[21].

 


يوم الإشارة (بداية الوحي)

 25- بعد أن ترك الركب عسفان واجتاز الطريق الوعر من ثنية الحنظل، وأصبح على مشارف الحديبية فاجأتهم ناقة النبي صلى الله عليه وسلم لما هبطت إلى الأرض المطمئنة الواسعة بأن بركت وأبت المسير فقال لها الناس «حل حل» وهي صيغة تزجر بها الناقة لتتحرك، فبقيت في مكانها لتتحرك، وألحت في القعود حيث هي. عندئذ دهش الناس لصنيع الناقة[22]، وصاح بعض الصحابة أن «خلأت القصواء... خلأت القصواء»[23]، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء، وليس هذا لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها»[24]، ثم زجر الناقة فقامت به فتوجه بأصحابه تلقاء الحديبية.

26- كان فعل الناقة هذا بمثابة الإشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن أمر الرحلة كله يجري بصنع الله ويتم على عينه[25]، وكان في تعريضه صلى الله عليه وسلم بقوله حبسها حابس الفيل ما يدل على أن امتناع الناقة عن المسير كان أمرًا ربانيًا مثل الذي كان من فيل أبرهه بامتناعه عن مهاجمة الكعبة، وهذا الفهم النبوي، الذي يفسر عزمه صلى الله عليه وسلم على قبول أي خطة تعرضها عليه قريش تحول بينهما وبين القتال وكأن الله تبارك وتعالى أراد بذلك عصمة نبيه من دخول مكة محاربًا.


يوم جاش البئر

 27- وصل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى الحديبية فنزلوا بها على بئر قليل ماؤها، فرفع منه المسلمون كل ما به من ماء، فلما نفد شكو لرسول الله العطش، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على حافة البئر، ثم دعا بإناء فتوضأ فيه ثم مضمض ودعا، ثم صب الماء في البئر وانتزع سهمًا من كنانته فأعطاه لناجية بن الأعجم رضي الله عنه وأمره أن يثير بالسهم ماء البئر، قال ناجية: «ففعلت، فوالذي بعثه بالحق ما كدت أخرج حتى يغمرني الماء وفارت كما تفور القدر...»[26]. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومها نحو ألف وأربعمائة أو ألف وخمسمائة فشربوا جميعًا حتى ارتووا.

 

يوم الوفد

28- لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، جاءه بُديل ابن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه، لم يكونوا كلهم أسلموا ولكنهم كانوا ممن يقدرون رسول الله صلى الله عليه وسلم قدره وينصحون له مخلصين، وكانوا لا يخفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا. فأتوا رسول الله وأخبروه خبر فريش، وأنهم «أقسموا بالله لا يخلون بينه وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم»[27].

29- فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه. إن قريشًا قد أضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، ويخلون بيني وبين الناس... وإن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا وقد جموا (أي استراحوا) وإن هم أبو فوالله لأجهدن على أمري هذا... وليُنفذن الله، تعالى، أمره»[28].

30- وفي جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم- لما جاء به بديل بن ورقاء من خبر قريش – دليل تمسكه صلى الله عليه وسلمبما عزم عليه من إمضاء أي خطة أو اتفاق تعرضه قريش يحقن الدماء، بل كان هو البادئ بعرض تلك الخطة على بديل بن ورقاء حرصًا منه صلى الله عليه وسلم- كما قال الحافظ بن حجر – على: «صلة الأرحام، والإبقاء على من كان من أهلها، وبذل النصحية للقرابة»، وقد دل هذا، عند ابن حجر، على «ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من القوة والثبات في تنفيذ حكم الله وتبليغ أمره»[29].

31- أخبر بديل قريشًا بما قال النبي صلى الله عليه وسلم له، فقال لهم عروة بن مسعود الثقفي أن ما جاءكم به بديل لهو خطة رشد لا يردها أحدٌ إلا شرٌ منها، وطلب منهم أن يبعثوه لمحمد صلى الله عليه وسلم ليأتيهم بمصداق هذه الخطة ويكون لقريش عينًا على محمد وأصحابه فبعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[30].

 

يوم استقبال الرسل

32- كرر عروة بن مسعود كلام بديل بن ورقاء على النبي صلى الله عليه وسلم من استعداد قريش للقتال ولمنعها للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخول مكة في عامهم هذا؛ وأضاف – مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك من قتالهم بين أحد أمرين: بين أن تجتاح قومك، ولم يُسمَعْ برجل اجتاح قومه وأهله من قبل؛ أو بين أن يخذلك من ترى معك» واستخف بمن مع النبي صلى الله عليه وسلممن الصحابة[31]، مؤكدًا أنهم خاذلوه ولن يصمدوا معه في القتال إن هو قاتل.

33- كان أبو بكر رضي الله عنه حاضرًا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فرد على عروة ردًا قاسيًا فقال عروة «أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبينك» أي لولا مالك من فضل علي لرددت عليك جوابك القاسي هذا؛ وقد كان عروة قد استعان في دفع ديات عليه فأعانه أبو بكر بالمال الكثير[32].

 34- كان عروة بن مسعود في أثناء حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمد يده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، وهذا الفعل عادة من عادات العرب إذا أراد المتحدث أن يظهر بره ووده لمن يكلمه أو إشفاقه عليه، وكان المغيرة بن شعبة واقفًا عند رأس رسول الله لابسًا المغفر[33] متخفيًا به من عروة بن مسعود وهو من عمومته، فكان كلما مد عروة يده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم قرعها، (أي ضربها)، بأسفل قراب سيفه، ويقول له: «اكفف يدك عن مسِّ لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك»[34]، كراهة أن يمس لحية رسول الله مشرك، فغضب عروة وقال للنبي: «ليت شعري!! من هذا الذي آذاني من بين أصحابك؟» فلما علم أنه ابن أخيه كلمه بكلام يذكره فيه بفضل عليه قديم(!).

35- رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عروة بمثل ما رد على بديل بن ورقاء، وخرج عروة إلى قريش فأخبرهم بما كان، ووصف لهم تعظيم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إياه، وأنهم لن يسلموه أبدًا، وأن الرجال والنساء منهم في ذلك سواء وقال: «والله لقد رأيت معه نساء ما كن ليُسلمنه على حال»[35]؛ ونصحهم بأن يخلوا بين المسلمين وبين البيت الحرام فلما رفضت قريش تركهم وانصرف إلى الطائف.

36- أرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد عروة بن مسعود، الحُليس بن علقمة الكناني أحد رؤوس قبائل مكة، وكان من قوم يعظمون الهدي ويتألهون – أي يتعبدون ويتنسكون، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أمامه الهدي فلما رآه قال: «سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت... هلكت قريش ورب الكعبة»! ثم عاد إلى قريش فأمرهم بمثل ما أمر به عروة بن مسعود، فلما أبوا انصرف بمن معه من قبيلته وحلفائها غاضبًا بما تصنع قريش بقوم أرادوا اعتمار البيت وساقوا الهدي[36].

 37- خسرت قريش حلفائها بإصرارها على موقفها من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من دخول مكة، وتبين لمن أرسلتهم قريش موقف محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من القوة والمنعة فها هو عروة بن مسعود ينقض كلامه الأول بعد أن أتى النبي مُخذلا له بأن أصحابه نفر قليل لن ينصروكم وسيسلموك لقريش أسيرًا، فأخبر قريش بما رآه من ذب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عنه وتوقيرهم له؛ وتبين لهم أيضًا أنه أتى ليعتمر ويطوف بالبيت الحرام ولم يأت مقاتلا. وهكذا تواترت ثلاث روايات نقلت إلى قريش من أشخاص غير مسلمين تؤكد كلها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه.

 

يوم إرسال الرسل

38- كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل خراش بن أمية رضي الله عنه رسولاً إلى قريش – قبل أن أي من رسل قريش- على جمل له يسمى «ثعلب» ليبلغهم بأنه أتى معتمرًا ولم يأت محاربًا، ولكن قريشًا كان قد بلغ غضبها مداه فذبح عكرمة بن أبي جهل الجمل، وأرادت قريش قتل خراش إلا أن الأحابيش، وهم القبائل التي حالفت قريشًا في حربها ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، منعت قريشًا من قتله وخلوا سبيله فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما كان.

39- رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعقاب ذلك أن يرسل واحدًا من كبار الصحابة إلى قريش فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليقوم بهذه المهمة فقال «يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وقد عرفت قريش عدواتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، وإن أحببت يارسول الله دخلت عليهم... ولكني أدلك على رجل أعز بمكة مني... يبلغ لك ما أردت، عثمان بن عفان»[37].

وليتأمل من أحب موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وهو المعروف بقوته وشجاعته وصدق بأسه في الحق – وكيف خاف هنا على نفسه التهلكة فلم يمنعه شيء أن يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويعتذر عن قبول المهمة التي كلفه بها؛ وليتأمل مع ذلك موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه، المشهور برقته ولين جانبه كيف لم يتردد لحظة في تنفيذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وليعلم من ذلك أن لكل حال ما يناسبها من المواقف... وأن الرجال المصطفين لصحبة الرسل ينزلون كل قول في موضعه ويتصرفون في كل حال بما يليق بها[38].

40- دعا الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فقال له: «اذهب إلى قريش وأخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارًا، وادعهم إلى الإسلام»[39]. وأمره أن يبشر مسلمي مكة بقرب الفتح وبأن الله تعالى سيظهر دينه بمكة فلا يستخفى فيها بالإيمان[40].

41- وفي هذه البشارة تعبير صادق عن قوة يقين رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقته بوعد ربه التي جعلته يبشر المستضعفين بمكة بفتحها واستعلاء الإيمان فيها وإظهار الله دينه على الشرك وأهله، كل ذلك وهو صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممنوعون من دخول مكة[41].

يوم الصد

 42- سمعت قريش مقالة عثمان رضي الله عنه، ورفضت ما أتى به وقالوا له: «قد سمعنا ما تقول، ولا كان هذا أبدًا، ولا دخلها علينا عنوة، فارجع إلى صاحبك فأخبره أنه لا يصل إلينا»[42].

 43- وأتى عثمان رضي الله عنه المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات، فبشرهم ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، ففرحوا واطمئنوا، وقالو له «اقرئ رسول الله منا السلام».

44- وكان من تعظيم عثمان رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما فرغ من رسالته إلى قريش قالوا له: «إن شئت أن تطوف بالبيت فطف» فقال عثمان لهم «ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم».

 

يوم الغدر

 45- بقيت هواجس السوء تراود قريشًا طول إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية، فعلى الرغم من توالي الرسل بينهم وبين المسلمين، وعلى الرغم من تأكيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لم يأتوا لقتال وإنما جاءوا معتمرين، فإن حقد قريش على المسلمين، وَوَجْدها لما أصابها في حروبها معهم دفعها إلى محاولة الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

 46- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمقد أمر أصحابه بتناوب الحراسة ليلاً، فكان ثلاثة يتناوبون الحراسة، وفي إحدى الليالي – وقد كانت نوبة حراسة محمد بن مسلمة – فأرسلت قريش خمسين رجلاً يقودهم مكرز بن حفص بن الأحنف، أمروهم أن يطوفوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لعلهم يصيبوا منهم أحدًا ويأخذوهم على غرة، فأوقع بهم محمد بن مسلمة أسرى إلا مكرز بن حفص الذي هرب عائدًا إلى قريش مخبرًا لهم بما لحقهم من الهزيمة؛ وفي محاولة قريش تخليص أسراها من أيدي المسلمين خرج جمع منهم وتراشقوا هم والمسلمون بالنبل والحجارة فقتلوا رجلاً مسلمًا يقال له ابن زُنيم، وأسر المسلمون من المشركين اثني عشر رجلاً وفر الباقون.

 

يوم العفو

 47- أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعفو عن أسرى المشركين لكنه لم يطلق سراحهم حتى يرجع عثمان ومن معه وكانوا عشرة نفر. فأرسلت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأخبر سهيل رسول الله بأن أمر القتال لم يكن من رأيهم وإنما كان رأي سفهائهم وطلب منه إرسال الأسرى معه بعد أن عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا، فلما طلبهم سهيل قاله له: «إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي» قال سهيل: «أنصفتنا...».

 

يوم البيعة

 48- في أثناء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سهيل بن عمرو أتى من أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان رضي الله عنه ومن معه قد قتلوا في مكة فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا أصحابه إلى البيعة.

 49- جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة خضراء وقال: «إن الله أمرني بالبيعة» فأقبل الناس يبايعونه حتى تزاحموا زحامًا شديدًا، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم" «يا أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس فاخرجوا على اسم الله»؛ فخرج الناس مسرعين يبايعون وقد حملوا ما كان معهم من سلاح، وقامت أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها تتسلح بعمود كانت تستظل به، وربطت سكينا في وسطها(!).

50- كان أسبق الناس إلى البيعة أبو سنان الأسدي رضي الله عنه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبسط يدك أبايعك! فقال صلى الله عليه وسلم «علام تبايعيني»؟ قال: «على ما في نفسك» فقال النبي: «وما في نفسي»؟ قال: «أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل» فبايعه، وبايع الناس على بيعة أبي سنان[43].

 51- وبايع الناس يومها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يفروا وعلى الموت، والمعنى واحد؛ وقد أثنى الله تبارك وتعالى على الذين بايعوا بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10]، وأخبر تبارك وتعالى نبيه برضاه عن أصحابه فقال ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]. ولذلك سميت «بيعة الرضوان».

52- وبايع عبد الله بن عمر رضي الله عنه مرتين، فقد كان أبوه أرسله في حاجة له، فرأى الناس ملتفين حول النبي صلى الله عليه وسلم يبايعونه فبايع، ثم عاد فبايع مع أبيه، فكان له يومها بيعتان.

 53- وبايع يوم بيعة الرضوان الرجال والنساء جميعًا، فكان الذين بايعوا يومئذ نحو خمس عشرة مائة من المهاجرين والأنصار، فقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الناس أحد بايع تحت الشجرة»[44]؛ ولم يتخلف أحد إلا رجل واحد: الجد بن قيس الأنصاري، ولم يثبت في المروي أي لوم في شأنه، وما نزل في سورة الفتح فقد كان في حق الذين تخلفوا من الأعراب[45]. جاء الوحي بذم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنًا منهم أن الله غير ناصره، وتوعدهم بالهلاك ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. وسكت الوحي عمن أقعده عن البيعة على القتال خلق شخصي، هو ضعف لا مراء، لكنه لا يقدح في دينه ولا في تصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم.

 54- وصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم يده باليد الأخرى وهو يقول: «اللهم إن عثمان في حاجتك، وحاجة رسولك»[46] فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم[47]. وهذا الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن متيقنًا من صحة خبر مقتل عثمان، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايع له وهو مقتول، كما يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم على علم بصحابته وأن عثمان رضي الله عنه لو كان حاضرًا يومئذٍ لبايع مع المبايعين.

55- كان لما رأه سهيل بن عمرو ومن معه من المشركين أشد الأثر في تغيير قرارهم فيما هم فاعلون بالمسلمين، فقد اشتد رعبهم وفزعهم لما رأوا سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب، وأسرعوا إلى قريش يخبرونهم بما كان؛ ولم تر قريش سبيلاً أفضل من قبول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عقد هدنة محدد المدة[48].

56- كان أمر هذه البيعة كله – كسائر شأن الحديبية – وحيًا من السماء «نزل روح القدس بالبيعة». ولم يكن خبر مقتل عثمان إلا سببًا ساقه الله تبارك وتعالى للمؤمنين لتكون بيعتهم على ما كانت عليه من صدق وتصميم وإخلاص، ولتعرف قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم  في منعة من أصحابه، وأنهم ناصروه ومفدوه بأرواحهم؛ وأن الله أوحى لنبيه بالبيعة في هذا الوقت حتى يشهدها سهيل بن عمرو ومن معه فيخبروا بها من وراءهم من قريش.

 57- ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.

بينما عثمان رضي الله عنه ومن معه في مكة قال بعض المسلمين وهم بالحديبية، قبل أن يرجع عثمان، خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون». فقالوا: «وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص إليه؟» قال: «ذلك ظني به! ألا يطوف بالكعبة حتى نطوف!».

فلما عاد عثمان رضي الله عنه ومن معه من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له المسلمون: «أشتفيت من البيت يا أبا عبد الله»؟ (يريدون طفت به) فقال لهم عثمان: «بئس ما ظننتم بي! فوالذي نفسي بيده لو مكثت مقيمًا بها سنةً ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول الله. ولقد دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت!» قالوا: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمنا وأحسننا ظنًا»[49]!

 58- ورجع سهيل بن عمرو ومن معه إلى مكة بما معهم من خبر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفعلهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ما كان من خبرهم الذي بلغهم ممن أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل؛ فقال أهل الرأي منهم بأن يرجع محمد ومن معه عن مكة هذا العام على أن يعودوا في العام المقبل فيعتمروا ويقيموا بمكة ثلاثة أيام ثم ينصرفوا من حيث أتوا، ولم تزل قريش ترد لسهيل قولها القديم «والله لا تتحدث العرب أن محمدًا دخل علينا عنوة».

 59- وكان قريشًا أخذتهم العزة بالإثم – بعد كل الذي كان – فأصروا على منع المسلمين من دخول مكة إظهارًا لعزتهم وقوتهم. ولكن إرادة الله الغالب ردت قصدهم عليهم، وحولت الحديبية من قهر المسلمين إلى نصر وعزة لهم، فقد أصبح عدد المسلمين يوم فتح مكة، بعد سنتين اثنتين من الحديبية، عشرة آلاف بعد أن لم يزيدوا فيها على ألف وخمسمائة نفس؛ فذل المشركين من حيث أرادوا العزة وقهروا من حيث أرادوا الغلبة.

 


يوم الصلح

 60- عاد سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا»؛ جلس سهيل على ركبتيه مواجهًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطال الكلام، وارتفعت الأصوات، وجرى القول بينهما حتى اتفقا على أن تكون الهدنة مدتها عشر سنين يأمن الناس بعضهم بعضًا، وأن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العام ويعود في العام المقبل مدة ثلاثة أيام فقط، ويدخلوها دون سلاح إلا السيوف في قربها؛ وأن من أتى محمدًا بغير إذن وليه رده محمد إليه؛ ومن أتى قريشًا ممن اتبع محمدًا فإنها لا ترده إليه، ومن أراد من العرب الدخول في حلف محمد دخل ومن أراد الدخول في حلف قريش دخل، فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش.

61- ولم يَرْضَ الصحابة بشروط الصلح ووثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله مبديًا اعتراضه على الصلح، وأنهم جاءوا ليعتمروا وأن منعهم من دخول مكة هو خضوع من جانبهم للمشركين لا مسوغ له وهم عندهم القدرة على القتال وجرى بينهما حوار كان مما قاله عمر فيه: «فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ ونرجع ولم يحكم الله بينا وبينهم؟» فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني عبد الله ورسوله، ولست أعصيه، ولن يضيعني الله وهو ناصري»؛ لم يقتنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذا الرد فعاد يقول للرسول صلى الله عليه وسلم «أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقًا؟» قال «بلي»، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال «لا» قال: «فإنك آتيه ومطوّف به».

62-  فذهب عمر إلى أبي بكر وقال له ما قاله للنبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه أبو بكر رضي الله عنه بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم[50]؛ قال عمر عن نفسه: «والله ما شككت قط منذ أسملت إلا يومئذ»، «فجعلت أتعوذ من الشيطان حياءً فما أصابي شيء قط مثل ذلك اليوم»؛ وكان عمر إذا حكى هذه الواقعة يقول: «اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم... حتى قال يا عمر: تراني رضيت وتأبى» قال عمر: «فما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق..» [51].

63- ورغم عدم رضا الصحابة – كما رأينا من موقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه- فإن ما جرى الاتفاق عليه لم يكن من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان وحيًا يؤمر به النبي صلى الله عليه وسلم فينفذه؛ رأى إشاراته عندما خلأت القصواء، وعبر عما يراه بعزمه على خطة الصلح، وصرح به عندما نادى بالبيعة وبأنها وحيٌ رباني، فلذلك أمضى صلى الله عليه وسلم شروط قريش، رغم ما رأى فيها الصحابة من خضوع وتسليم للمشركين لأن الأمر لم يكن محلاً للمشاورة ولا أخذ الرأي {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

 

يوم الكتابة

64- كانت المناقشة عسيرة والمفاوضات شاقة خاصة في ظل غضب الصحابة وعدم رضاهم عن الشروط التي وضعتها قريش، ولكن هذه المشقة لم تكن شيئًا مذكورًا إذا قيست بما لقيه المسلمون من العنت عندما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يملي نص الكتاب أو الوثيقة.

65- كان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم». قال سهيل بن عمرو: أما الرحمن الرحيم فوالله ما أدري ما هو(!) ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. اكتب في قضيتنا[52] ما نعرف. وكلام سهيل يحكي قول الذين وصفهم رب العالمين بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60].

 66- قال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب باسمك اللهم»! ثم استطرد النبي يملي: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال سهيل بن عمرو: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، اكتب في قضيتنا ما نعرف، اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لعلي: «امحه»! فقال عليٌ: ما أنا بالذي أمحاه، وفي رواية أن عليًا جعل يتلكأ، وأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. ولم يكن ذلك عصيانًا من علي لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان من باب الأدب الواجب، أو المستحب، مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وروى بعض كتاب السيرة أن أسيد بن الحضير وسعد بن عبادة رضي الله عنه، أخذا بيد علي رضي الله عنه ومنعاه أن يكتب إلا: «محمد رسول الله» قالا: وإلا فالسيف بيننا وبينهم؛ وارتفعت أصوات الصحابة، وشق عليهم ما يطلبه سهيل من محو صفة النبوة أو الرسالة، وغضبوا غضبًا شديدًا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخفضهم، ويومئ إليهم: «اسكتوا».

ثم قال لعلي: أرنيه (أي الكلام)، فأراه إياه، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وقال: اكتب «محمد بن عبد الله».

قال الزهري: وكان ذلك كله لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسألوني خطة يريدون بها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» وفي رواية (خطة يعظمون بها حرمات الله)[53].

67-  فلما بلغ الكتاب شرط أن من أتى مسلمًا من المشركين بغير إذن وليه رده المسلمون إلى وليه، وأن من أتى المشركين ممن كان مسلمًا لم يرده المشركون إلى المسلمين، قال المسلمون، وهم غِضاب، «سبحان الله: أيكتب هذا؟ كيف يردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟».

68-  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا»[54].

 69- كان أول من جاء، ولما تتم كتابة المعاهدة بعد، هو أبو جَنْدَل عبدالله بن سهيل بن عمرو، كان أبوه قد سجنه لما علم بإسلامه، فهرب من سجنه واجتاز الجبال حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالحديبية فرحب به المسلمون، وهنأوه بخروجه من أسر أبيه، وقام إليه أبوه يضربه بغصن شوك، وقال: «يا محمد، هذا أول ما أقاضيك عليه»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نقض الكتاب بعد»؛ قال سهيل: «إذا لا أصالحك على شيء أبدًا».

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجزه لي» (يعني اتركه لأجلي)؛ قال سهيل: «ما أنا بمجيزه لك»! قال النبي: «بلى فافعل» قال سهيل: «ما أنا بفاعل»!

70-  وجعل أبو جندل يستغيث بالمسلمين ألا يردوه إلى المشركين لما كان لقيه منهم من الأذى والعذاب، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وقال: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا مع القوم صلحًا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا، وإنا لن نغدر بهم»[55].

وأخذ عمر بن الخطاب يمشي إلى جنب أبي جندل، ويقول له: «اصبر واحتسب، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب»، وجعل عمر يدني قائم السيف من يد أبي جندل وقال عمر: «رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه فضن الرجل بأبيه»!

 71- زاد أمر أبي جندل المسلمين همّا على ما كان بهم مما وقع عند كتابة الصلح بين الطرفين. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مضى لما أمره به ربه – سبحانه – من الصلح، فتمت كتابة الكتاب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة أن ينسخ منه نسخة لسهيل بن عمرو، واحتفظ المسلمون بالأصل الذي كتبه علي بن أبي طالب رضي الله عنه[56].

 72- وشهد على الكتاب نفر من المسلمين ونفر من المشركين، فكان ممن شهد من المسلمين أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو (أبو جندل) وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، أجمعين.

 

يوم المشورة

 73- لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو من كتابة الصلح والإشهاد عليه، قال صلى الله عليه وسلم لمن معه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». فلم يقم منهم أحد، فقالها لهم مرة ثانية ومرة ثالثة، فلم يستجيبوا(!)[57].

74- شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، واشتد عليه، فدخل خباءه وفيه أم سلمة رضي الله عنه، فعرفت الغضب في وجهه، فسألته عن الأمر، فقال لها: «هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا» وفي رواية: «يوشك أن تنزل على هؤلاء حجارة من السماء...» وفي رواية ثالثة: «ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه، وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي»؟! قالت أم سلمة: «يا رسول الله لا تَلَمُهُم! فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، وبرجوعهم بغير فتح (أي دون أن يدخلوا مكة ويعتمروا). يا نبي الله، اخرج ولا تكلم منهم أحدًا كلمة، حتى تنحر بُدنَكَ وتدعو حالقك فيحلقك»[58].

75- استجاب الرسول صلى الله عليه وسلم لنصيحة أم سلمة، التي طيبت خاطره على أصحابه، والتمست لهم العذر، ودلته على سبيل يضمن له أن ينفذوا ما أمرهم به؛ فخرج إلى بدنه فنحرها مكبرًا «باسم الله والله أكبر»؛ فتواثب المسلمون إلى الهدي ينحرونه. ثم دعا صلى الله عليه وسلم بخراش بن أمية فحلق له رأسه، فجعل الصحابة يتسابقون إلى الحلق وقد أخذهم غم عظيم لتأخرهم عن تنفيذ أمر رسول الله حتى كاد بعضهم أن يقتل بعضًا لشدة تعجلهم في الحلق لئلا يسبقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

76-  فجلى الله تعالى عن الناس بمشورة بأم سلمة رضي الله عنه، وطيبت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنقذت المسلمين فلولاها لهلكوا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

 

يوم المباركة

77-  بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه رحلة عودتهم إلى المدينة، وفي الطريق نفد منهم طعامهم فذهب نفر منهم يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم  في نحر الإبل التي معهم لأكل لحومها واستخدام شحومها وجلودها، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأن «لا تفعل، فإن يكن في الناس بقية ظهر يكن أمثل (أي أفضل) كيف بنا إذا لقينا عدونا غدًا جياعًا رجالاً (أي مشاة)؟ ولكن إن رأيت أن تدعو الناس فيأتوا ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو فيها بالبركة فإن الله سيبلغنا بدعوتك»؛ ففعل صلى الله عليه وسلم ذلك فأكلوا حتى شبعوا وبقي من الطعام مثله، فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه[59].

ثم تحرك الركب فأنزل الله تبارك وتعالى مطرًا غزيرًا، وكان الوقت صيفًا، فَنَزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الصحابة، فشربوا من ماء السماء حتى رووا.

 


يوم الفتح

78-  لما استأنف المسلمون سيرهم نحو المدينة المنورة قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذا بفتح! لقد صُددنا عن البيت وصُدَّ هدينا؛ وردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من المؤمنين كانا خرجا إلينا»؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بئس الكلام! بل هو أعظم الفتح قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح[60] عن بلادهم. ويسألوكم القضية (أي الصلح)، ويرغبون إليكم في الأمان، ولقد رأوا منكم ما كرهوا (أي من الثبات والاجتماع على النبي صلى الله عليه وسلم والطاعة له) وأظفركم الله، تعالى، وردكم سالمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح! أنسيتُم يوم أحد؟؟! إذ تُصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟! أَنَسِيتُم يوم الأحزاب؟؟! إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا»؟! فقال المسلمون: «صدق الله ورسوله، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأَنتَ أعلم بالله وبأمره منا»!![61].

79- ولم يمض إلا قليل حتى نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بسورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ليَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1-2].

80-  وبلغ الناس نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا إليه فقرأ عليهم أول السورة ، فقال رجل: (قيل إنه عمر بن الخطاب) رضي الله عنه «أو فتح هو يا رسول الله؟» قال: «إي والذي نفسي بيده إنه فتح»[62]! وقال رجال من المسلمين: «يا رسول الله هنيئًا مريئًا لك يا رسول الله، قد بيَّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعلُ بنا[63]؟» فنزل عليه قول الله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 5].

81-  وكان جبريل قد هنأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالبشارة الربانية في مطلع سورة الفتح، ولذلك هنأه المسلمون بها؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس»[64] أو «هي أحب إلي مما على الأرض»[65].

***

   كانت الحديبية. والصلح الذي تم فيها. مبدأ الفتح للإسلام والمسلمين. فقد ترتب على هذا الصلح أن أمن الناس. المسلمون والمشركون جميعًا. وتمكن من أراد الدخول في الإسلام. وكان يخشى سطوة قومه. أن يُظهر دينه، وأن يهاجر إلى المدينة، بل فعل ذلك بعض رؤوس قريش نفسها كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما. قال الإمام الزهري: «لم يكن في الإسلام فتح قبل الحديبية هو أعظم منه... فما أمن الناس كلهم، كلَّم بعضهم بعضًا... ولم يُكّلَّم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا بادر بالدخول فيه. فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر»[66].

ثم توالت الأسباب حتى فتحت مكة نفسها ودانت للإسلام أرض العرب كلها؛ فكان ظاهر الصلح أن المسلمين ظُلِموا وهزموا، وكان باطنه أنهم انتصروا وعزّوا!!

*********

لقد تركت هذه اليوميات - مراعاة لطبيعة مناسبة كتابتها - كثيرًا من الدروس والعبر التي تضمنتها رحلة الحديبية، ولم يكن ذلك إهمالاً لهذه الدروس ولا غفلة عنها، ولكن مقام الإيجاز غير مقـام الإطناب، ومقام الإشارة الدالة الموحية غير مقام الحكاية المفصلة الجامعة؛ ففي الحديبية سفر وإقامة؛ وحرب وسلم؛ وفيها تربية وتعليم؛ وفيها تأكيد لمكانة المرأة في الأمة والأسرة، يخالف ما عليه المتزمتون. في شأن المرأة. من زعمهم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفيها تشريع عبادة وأداؤها؛ وفيها تعليم سياسي من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ وفيها مواقف للمنافقين يفضحها الوحي فيبينها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وفيهـا قـرآن ينزل في أثنائها، وبعدها، يتحدث عما سبقها وعمـا سيلحقها، ويبشر المؤمنين بالنصر والفتح بعد الفتح[67].

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة بي دي إف

 

رابط مباشر لتحميل كتاب «في ظلال السيرة الحديبية»

 


* دراسة مقدمة إلى المؤتمر السابع عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، عمَّان – المملكة الأردنية الهاشمية (المحرم 1438هـ = أكتوبر 2016م).

[1] الموسوعة العربية العالمية، الرياض 1419= 1999، الطبعة الثانية، المجلد 27 ص395.

[2] فيوميات صلاح الدين الأيوبي (سيرته) دوّنها المؤرخ الفقيه القاضي أبو المحاسن يوسف بن رابع بن تميم بن شداد الأسدي وهي منشورة تحت عنوان: «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية»، مكتبة الخانجي بالقاهرة 1994 (الطبعة الثانية).

[3] أحمد زكريا الشلق، ما التاريخ وكيف نفسره، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2015 ص14.

[4] أبو البقاء الكفوي، الكليات، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1998، ص: 981 و983، الراغب الأصفهاني.

[5] مفردات ألفاظ القرآن الكريم، تحقيق صفوان عدنان داوي، دار القلم، دمشق، الطبعة الثالثة، ص 948؛ عبد العزيز الدوري، بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، المطبعة الكاثوليكية بيروت 1960 ص 17.

[6] رواه مسلم عن أبي هريرة، رقم (1378)، ط بيت الأفكار الدولية، عمان 1998.

[7] محمد بن يوسف الصالحي الشامي، سبل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد، ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1992، جـ 5، ص55.

[8] هي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا بالمدينة المنورة.

[9] محمد سليم العوا، في ظلال السيرة (الحديبية)، مكتبة وهبة، القاهرة، 2007، ص32.

[10] الجزور الجمل الصغير، وهي كناية عن قلة عددهم فأكلة الجزور لا يزيدون عن عشرة أنفس.

[11] انظر العوا، السابق، ص 32-33؛ والصالحي السابق، ص 57.

[12] ميكال يسع سنة عشر رطلاً أو ثلاثة أصواع.

[13] متفق عليه من حديث كعب بن عجرة، البخاري (1814)، مسلم (1201).

[14] العوَّا، السابق، ص 58- 59.

[15] موضع قريب من الحديبية.

[16] الصالحي، السابق، ص61.

[17] رواه أحمد من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، الحديث رقم (19117).

[18] العوَّا، السابق، ص36-37.

[19] العوَّا، السابق، ص 60-61.

[20] الثنية واحدة الثنايا من السن وعقبة الطريق وبخاصة في الجبل.

[21] مجمع الزوائد، للهيثمي، تحقيق عبد الله محمد درويش، دار الفكر، بيروت (د.ت) الحديث رقم 10177، وهو من رواية أبي سعيد الخدري، وقد نسبه الهيثمي إلى البزار؛ وهو برقم 10234 في طبعة دار المنهاج، جدة، 1436هـ= 2015م تحقيق حسين سليم أسد الداراني؛ قال الهيثمي: رجاله ثقات.

[22] العوّا، السابق، ص39.

[23] الخلأ للإبل كالحران للدواب وهو أن يرفض الحيوان الحركة حيث يوجهه صاحبه أو راكبه.

[24] من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم السابق تخريجه.

[25] العوَّا، السابق، ص38.

[26] من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم السابق تخريجه.

[27] العوّا، السابق، ص 66-67.

[28] من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم السابق تخريجه.

[29] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ط رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ج5 ص339.

[30] الصالحي، السابق، ص72.

[31] العوا، السابق، ص68-69.

[32] انظر الصالحي، السابق، ص 73.

[33] غطاء للرأس يخفي الوجه يلبسه المحارب تحت القلنسوة.

[34] الصالحي، السابق، ص 73.

[35] الصالحي السابق ص74-75.

[36] العوا، السابق، ص 70؛ والصالحي السابق ص 74-75.

[37] الصالحي، السابق، ص77.

[38] العوا، السابق، ص74.

[39] فتح الباري، كتاب الشروط، ج5 ص329.

[40] انظر: الصالحي، السابق، ص77-78.

[41] العوا، السابق، ص 73.

[42] الصالحي، السابق، ص78.

[43] كنز العمال رقم 1535؛ والصالحي، السابق، ص 83.

[44] حديث جابر بن عبد الله، الترمزي رقم 3860، وأحمد 14837، وأبي داود 4653؛ وهو في مسلم بلفظ مختلف 2496.

[45] انظر العوا، السابق، ص87-88.

[46] كنز العمال، الحديث رقم 36194.

[47] هكذا قال ابن عمر فيما رواه ابن اسحق.

[48] الصالحي، السابق، ص85.

[49] كنز العمال، من مراسيل عروة، الحديث رقم 30152، ولم يذكره صديقنا الدكتور مصطفى الأعظمي فيما جمعه من رواية أبي الأسود عن عروة لمغازي رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ط مكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض، 1981.

[50] من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، سبق تخريجه.

[51] العوا، السابق، ص 97-98؛ الصالحي السابق، ص 87.

[52] القضية هنا هي اتفاقهم على الصلح.

[53] سبق تخريجه.

[54] رواه مسلم عن أنس، رقم 1783؛ ومحمد بن يوسف الصالحي الشامي، السابق، 89.

[55] رواه أحمد من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، رقم 19117.

[56] فتح الباري، ج5، ص343.

[57] الصالحي، السابق، ص 92.

[58] من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، سبق تخريجه.

[59] رواه الحاكم في المستدرك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبيه، وقال عنه حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه، ووافقه الذهبي، (حديث رقم 4287)، من طبعة دار الفكر، بيروت 2002.

[60] الراح جمع راحة وهي كفُ اليد، والمعني: بغير قتال.

[61] تفسير القرطبي، جـ 16 ص 260؛ والصالحي، السابق، ص 96 وهو ينسبه إلى البيهقي من رواية عروة.

[62] رواه أحمد في المسند عن مُجَمَّع بن جارية الأنصاري، رقم 15549؛ وذكره الصالحي، السابق، ص 97، ورواية أن القائل هو عمر بن الخطاب في: النويري، نهاية الأرب، ط دار الكتب المصرية، جـ 17، ص 235.

[63] القرطبي، جـ 16، ص 262؛ والحديث في سنن الترمذي عن أنس برقم 3263 وقال فيه الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

[64] رواه البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه، رقم 4177 و5012.

[65] رواه الترمذي عن أنس بن مالك، رقم 3263.

[66] نقل ذلك ابن حجر في فتح الباري، ج 7 ص 441.

[67] في كتابنا عن الحديبية، الذي أشرنا إليه مرات عدة في هذه اليوميات، تفصيلات كثيرة عن الموضوع لمن أراد التوسع فيه.

مقدمة:

صاحب ظهور مفهوم الفضاء السيبراني، وتحوله إلى جزء لا يتجزأ من تفاصيل الواقع المعاش، انتقال العديد من جوانب وتفاعلات الحياة اليومية إلى هذا الفضاء الجديد؛ ولم تشذ الأمور المتعلقة بالأديان ومعتنقيها، فجزء معتبر من تفاعلات الفضاء السيبراني ينهض به “متدينون،” سواء عبر تحميل أو الاستماع إلى المواد الدينية، مرورا بالحصول على الدعم/ الفتوى، والتفاعل مع المنتمين لنفس الإيمان، وانتهاء بالنقاش وأحيانا المناظرة (مع الآخر) حول معنى ومغزى ما يتم التمسك به من عقائد أو ممارسته من طقوس!

وعلى الرغم من أن الحديث عن السيبرانية عادة ما يستدعي المعنى التقاني؛ على اعتبار أن السيبرانية ترتبط ذهنيا بصورة مئات الملايين من الحواسيب والخوادم (servers) وغيرها من مكونات البنية التحتية الرقمية، المترابطة معاً في شبكة بعرض العالم، إلا أن المفهوم قد اكتسب أبعادا معرفية أعمق بكثير، اقتربت به من معنى النموذج المعرفي (paradigm) وفقا لعبارة توماس كون في كتابه “بنية الثورات العلمية”، حيث أصبحت السيبرانية تعكس اليوم تصورا للعالم، وتقدم طرقا جديدة لفهم ظواهره، بما فيها تلك ذات الطابع الديني[1].

من ناحيتها، تشهد المجتمعات المتأثرة بالسيبرانية هي الأخرى تغيرا في خواصها، على نحو يستحق الدراسة، وتوجد بالفعل الكثير من الدراسات المهتمة بهذا الموضوع على مستوى الأدبيات الغربية، حيث يتم تسليط الضوء على الطريقة التي تتغير من خلالها هذه المجتمعات، وجوانب هذا التغير[2].

وإذا كانت هذه الورقة ستتعامل - وفقا للإطار النظري الذي قدمه كون - مع النموذج السيبراني/الشبكي على أنه نموذج معرفي سائد، بمعنى أنه نموذج يكتسب أرضا جديدة يوما بعد يوم، ويسمح بتفسير العديد من الظواهر المستحدثة، فإن النموذج المعرفي الآخذ في الانحسار - اتساقا مع نفس التصور الذي اقترحه كون، ستتم الإشارة إليه باسم نموذج التقانة العادية أو التقليدية (Normal Technology)، بوصفه يشير إلى مجمل التقانة ما قبل الشبكية، حيث تفترض هذه الورقة أن النقلة من نموذج التقانة التقليدية إلى نموذج التقانة الشبكية قد تضمنت آثارا جوهرية، على المجتمعات وعلى نمط العلاقات الدينية داخلها.

بعبارة أخرى، تفرق الورقة بين أثر التقانة التقليدية وأثر التقانة الشبكية، وتفترض إن التقانة الشبكية تطرح ما من شأنه إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع بشكل عام، ومجتمع الأمة على نحو خاص، وتقدم ما يمكن أن يزيد التقارب بين عناصر الأمة، وصولا إلى حد تحقيق نوع من الأخوة السيبرانية إن جاز القول.

مجتمع الأمة:

يشير مفهوم المجتمع إلى تلك الجماعة (الجماعات) من الأفراد التي تقطن داخل رقعة جغرافية تتحدد غالبًا بحدود دولة قومية ما. ويتميز المجتمع بوجود أنماط من العلاقات المطردة بين أفراده، وأنماط من السلوكيات والمعايير الأخلاقية والثقافية المقبولة على نطاق واسع بينهم[3].

من جانبه يشير مصطلح الأمة، إلى جماعة بعينها - في حالتنا هي جماعة المسلمين - تضم أجيالا ماضية وحاضرة (ومستقبلة أيضا)، وموزعة على امتداد مساحات جغرافية واسعة، لم يحل تفرق أفرادها عبر المكان والزمان دون استشعارهم الانتماء لجسد واحد. “الأمة الإسلامية” بهذا المعنى هي “مجتمع المؤمنين عبر الزمان والمكان.” وفقًا لهذا التعريف، يمكن اعتبار جميع المسلمين البالغ عددهم 2 مليار مسلم (وفق إحصائيات 2024)[4] جزءًا من هذا المجتمع الواسع، بغض النظر عن اختلاف لغاتهم، وجنسياتهم، وأعراقهم، وألوانهم، ومستوياتهم الاجتماعية، والاقتصادية[5].

انبثاق التقانة الشبكية طرح احتمالية للحديث عن مفهوم جديد للأمة هو الأمة الرقمية أو السيبرانية، وثمة اهتمام من قبل المجتمع الأكاديمي (الغربي تحديدا) باحتمال تبلور شكل ما للأمة من خلال الفضاء السيبراني (على نحو ينقض التوقعات السابقة التي اعتبرت أن العولمة قد كتبت شهادة وفاة لهذا المفهوم)[6]. والسؤال المشترك في إطار هذا النوع من الدراسات هو كيف يمكن أن يطور الأفراد حس الانتماء إلى مجتمع الأمة من خلال التفاعل عبر الفضاء السيبراني والتقانات الشبكية[7]. ولمحاولة المشاركة في الإجابة عن هذا السؤال تضيف هذه الورقة سؤالا آخر هو: كيف نجحت التقانات الشبكية في تجاوز الأثر الذي ساهمت من خلاله التقانة التقليدية (بالنظر إلى خصائصها اللصيقة بها أو على الأقل الطريقة التي استخدمت بها)، في تأكيد حالة التجزئة بين مكونات الأمة الواحدة.

التقانة التي صنعناها/التقانة التي صنعتنا!

لم تكن التقانة مشروعا واعدا بالنسبة للبشر دائما، ولم تكن قريبة من الأفراد بنفس درجة اقترابها من دوائر الحكم في لحظات حاسمة من تاريخ تطور المجتمع الحديث، حيث كانت التقانة غالبا أداة تستخدمها الأنظمة لأغراض التنميط والتوجيه والمراقبة والمعاقبة… إلخ. ونتيجة للعلاقة الوثيقة التي ربطتها بالدولة الحديثة منذ نشأة الأخيرة، تطور وضع التقانة لكي تصبح إطارا مرجعيا ونموذجا تصوريا، كما أصبحت لها أدوارها الاجتماعية والسياسية بخلاف دورها التطبيقي العملي. وقد ظهر هذا بوضوح منذ بواكير الثورة الصناعية حين بدأ “المجاز التقاني” يدخل لغة الخطاب البشرية، وحين بدأت تتشكل مقولات العقلانية الحديثة على أساس من النماذج التصورية النابعة من عالم التقانة.

على سبيل المثال تسربت مفاهيم مثل الاستقرار، والتوازن من عالم التقانة الميكانيكية (تقانات المحركات البخارية تحديدا) إلى علم الاقتصاد، ثم إلى علوم السياسة والاجتماع وغيرها. ولم يتوقف الأمر عند حد استعارة بعض الصور التشبيهية، وإنما تسرب الأساس المعرفي لعالم التقانة إلى منظومة الظواهر الاجتماعية، ونقصد بذلك فكرة التحكم العقلاني، فكما أن التحكم يمثل جوهر عمل التقانة، فإنه صار بالدرجة نفسها تقريبًا جزءًا لا يتجزأ من طرائق إدارة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى أصبحت التقانة وأسلوب عملها هي الطريقة التي يفهم بها البعض طبيعة وجودهم في العالم[8].

ما تفترضه هذه الورقة أن النقلة من التقانة، بمعناها التقليدي، إلى التقانة السيبرانية قد تضمنت قفزة في ليس فقط في طبيعة التقانة وإنما في آثارها المحتملة فيما يتعلق بتمكين المجتمع وزيادة الترابط بين أفراده، ولتبين الأثر الذي أحدثته هذه النقلة فيما يتعلق بحالة الأمة الإسلامية ستتم المقارنة في هذه الورقة بين عدد من الخصائص، وهي (1) التنميط والتنوع، (2) التفكيك والتركيب، (3) الحيادية والقيمية، (4) الكمية والكيفية، (5) السببية والغائية[9].

(1) التنميط والتنوع:

استخدمت التقانة لوقت طويل، وعلى نطاق واسع، لأغراض التنميط، ويعنى التنميط رد الكل المختلف إلى قالب واحد، وفي هذا الإطار يمكن استحضار نموذج تقانات الإعلام، فكثيرا ما استخدمت تقانات الإعلام الجماهيري لصناعة وعي نمطي، وتوليد قناعات مشتركة، وإيمان بنفس الأفكار والأهداف[10].

بعد الثورة الرقمية، تحررت التقانة الشبكية من قدر كبير من خصائص التقانة العادية، ومنها خاصية التنميط، فبدلا من أن تخلق مستخدمين منمطين، وفرت التقانة الجديدة فرصا غير محدودة للتنوع؛ ومن ذلك التنوع في مصادر المعلومات، والتنوع في الخيارات التواصلية. وقد ساهمت الطبيعة الجديدة لتقانات الاتصال الحديثة، في إنشاء تجمعات افتراضية جديدة، لا تتقيد بأي حدود جغرافية، وتتجاوز العديد من الانقسامات العرقية والثقافية والاجتماعية[11]. أدت هذه الخصائص إلى إعادة الاعتبار للاختلافات الفردية، فلم يعد من الحتمي أن يقبل الفرد التنميط في إطار المجموع، ولم يعد من الحتمي أن يواري ذاتيته لكي يبدو فردا “صالحا،” يتصرف كما يراد له أن يكون.

على المستوى الديني، قدم الفضاء السيبراني فرصا متنوعة لبناء الهوية الدينية. فالعديد من المسلمين اليوم، يستخدمون صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة، للحصول على معلومات، والنقاش حول قضايا مختلفة. فبعد التجمد الذي أصاب المؤسسات الدينية، بفعل القيود السياسية، أو بفعل موجات التحديث التي أثرت بشكل أو بآخر على البنى التقليدية عموماً، والبنى الدينية خصوصاً، أصبح أمام الأفراد منابر بديلة. بعبارة أخرى لم يعد التدين صناعة محلية، ولم تعد مصادر المعلومات الدينية منحصرة في مؤسسات بعينها، وإنما صار “العرض” متنوعاً بدرجة غير مسبوقة[12].

شكل آخر من أشكال مواجهة التنميط الذي تسمح به تقانات الفضاء السيبراني، يتمثل فيما تقوم به أدوات التواصل الشبكي في مواجهة التنميط الذي تمارسه وسائل الإعلام الغربية، التي يميل كثير منها إلى تصوير المسلمين على أنهم “إرهابيون”، معادون للديمقراطية، متخلفون ثقافيًا وحضاريا. وفي هذا السياق لاحظ البعض أن الفضاء السيبراني يوفر أكثر من أي شيء آخر “مساحات يمكن للمسلمين، الذين يجدون أنفسهم غالبًا أقلية مهمشة في العديد من المجتمعات الغربية، أن يقاوموا من خلالها الصور النمطية التي يوصمون بها[13]. ”حيث ينشط المدونون وصناع المحتوى والمؤثرون الرقميون في مواجهة الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين، ومناقشة إمكانات التعايش بين المسلمين وغيرهم في إطار المجتمعات غير المسلمة. وعلى الرغم من أن الفضاء السيبراني ليس المكان الوحيد المتاح لممارسة هذه الأنشطة، إلا أنه يمثل مساحة مهمة يسعى المدونون من خلالها إلى إحداث نوع من التغيير الاجتماعي والمؤسسي[14].

(2) التفكيك والتركيب:

بشكل عام لا تبدو التقانة التقليدية ومنتجاتها عاملاً مساعدا على تقارب المستخدمين لها، وذلك بحكم غلبة منطق التفكيك على النموذج المعرفي الذي تنتمي إليه. إذ يمثل “التفكيك/الاختزال” ثاني أبرز الخصائص في إطار النموذج المعرفي التقاني التقليدي، ففي إطار هذا النموذج لا يمكن “فهم” أي ظاهرة إلا بعد تفكيكها إلى مكوناتها الأبسط، واختزالها إلى عناصرها الأولية، توطئة لتعميم فهم الجزء على الظاهرة (الكل) التي ينتمي إليها[15].

وقد تسرب منطق التعامل الاختزالي مع الظواهر المادية إلى النموذج الاجتماعي نفسه، فأصبحت الظواهر الاجتماعية كافة عرضة للتفكيك (على الأقل نظريا)، بعد أن هيمن النموذج المعرفي التقاني، وأصبح هو المسيطر على طريقة تصميم العديد من المؤسسات الحديثة. وفي إطار من هيمنة هذا المنظور كانت الشكوى المألوفة هي أن التقانة تعمق الفردية، وتؤدي إلى انقطاع العلاقات سواء بين الأفراد وبعضهم البعض، أو حتى بين الفرد وبين ما يقوم بإنتاجه باستخدام الأدوات التقانية. فالنموذج الاجتماعي المتأثر بفلسفة التقانة مصمم على أساس من اختزال وعزل الفرد عن الكل الذي ينتمي إليه (الأسرة، العائلة، الجماعة)، بل واختزال الفرد نفسه إلى مجموعة المهارات التي يحوزها والخصائص التي يملكها[16].

من جانبها فإن التقانة الشبكية، في إطار الفضاء السيبراني، تعمل على تجسير الفجوات التي خلقتها التقانة التقليدية، ففي حين عمقت الثانية التفكيك، فإن الأولى تدعم الترابط، وذلك بسماحها للمتباعدين أن يكتشفوا ما يجمعهم سوياً، ويوطدوا أواصر علاقات جماعية (غير مؤسسية) بينهم. فأيًا ما يكن اختلافه، سيجد الفرد من يناظره على شبكة التفاعلات الرقمية. وفي هذا الصدد تكتظ المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي بأفراد يتبنون نفس الأفكار، فيما ينتمون لبقاع جغرافية شتى. فالتباعد المكاني لم يعد يقف حائلاً أمام تبادل وجهات النظر تبادلا حرا، والانفتاح على المجموعات المتنوعة ثقافيا وفكريا.

وتلفت العديد من الدراسات الانتباه إلى أن “المسلمين الجدد،” والجاليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة، يفيدون من مواقع التواصل الاجتماعي للمساعدة لنقل وتشكيل الخبرات وإتاحة المعرفة والمعلومات التي تساعد على بناء الإحساس بالمجتمع الواحد. فالمسافة الجغرافية الواسعة التي تفصل بين هؤلاء المسلمين وبين العالم الإسلامي، فضلا عن انخفاض كثافة السكان المسلمين في المجتمعات التي يتواجدون فيها تجعل اتصالهم المباشر صعبًا للغاية. ولهذا يلجأ هؤلاء إلى الفضاء السيبراني كوسيلة للتواصل، ومشاركة المعلومات، والتعرف على المسلمين الآخرين في مجتمعاتهم وفي العالم الإسلامي الأوسع، حيث يساعدهم ذلك على تنمية الشعور بالانتماء، ومواجهة التحديات التي عادة ما تتعلق بمحدودية الوعي بالثقافة الإسلامية وغلبة التصورات الخاطئة عن المسلمين في إطار المجتمعات التي يتواجدون فيها[17].

(3) الحيادية والقيمية:

شاع لبعض الوقت وصف التقانة التقليدية (والمنظور المعرفي المنبثق عنها) بأنها محايدة قيميا، بمعنى أنها منقطعة الصلة عن القيم والخصوصيات الثقافية، فالتقانة (صورت) على أنها ليست متجذرة في أي ثقافة أو منطقة أو تراث، وأن طريقة عملها تتسم بالعموم والشمول، ولهذا فهي يمكن أن توحد تقاليد أو تاريخ المناطق التي تستخدم فيها[18]. ولكن هذا السمعة المحايدة انقلبت مع الوقت إلى اتهام لها بكونها مسؤولة عن التعارض البادي بين التحديث وبين الثقافات الأصيلة. وتذهب الآراء الناقدة إلى القول بأن التقانة تؤدي بمستخدميها إلى نوع من البرود القيمي، فبحكم أنها لا تعمل وفق منظومة قيمية، ولا يتوقف نجاحها في أداء ما تؤديه على التزامها بأي نوع من القيم، فإنها تقدم سياقا داعما للتخلي عن القيم، أو على الأقل لتحييدها، حتى إن المنظور التقاني أصبح بمثابة “كود ضمني” للموضوعية (وهي الكلمة التي أصبحت تستخدم كمرادف لتحييد القيم أو بالأحرى لاستبعادها).

من جانبها لم تنجح التقانة الشبكية في إطار الفضاء السيبراني، في التحرر كثيرا من عيوب المجتمع التقاني اللا-قيمية، ففضلاً عن أنها تسمح للعديد من القيم السلبية بالانتشار، فإنها من ناحية أخرى تقلص من قيم “المجال المثالي،” الذي يفترض أن الفرد المؤمن ينتمي إليه، وتدفعه باتجاه مجال الاستهلاك المادي والترفيهي[19]. ومن المألوف عند كثير من مرتادي الفضاء السيبراني الشكوى من ضياع الوقت في التصفح والانتقال - على غير هدى - عبر المواقع والصفحات، على نحو شبه آلي، لا يكاد يحكمه منطق سوى الفضول والإتاحة والفراغ.

وقد خلصت دراسات جادة إلى القول إن التقانة الشبكية متناقضة بطبيعتها مع الدين. وذلك بحكم أنها ليست متوافقة تمامًا مع مطالب التأمل الانفرادي والتخفف من الارتباط الاجتماعي، التي تنص عليها معظم التقاليد الدينية من أجل التطور الروحي الحقيقي. بدلاً من ذلك، يميل الفضاء السيبراني إلى دمج مستخدميه في سلسلة لا نهاية لها، ومشتتة للانتباه غالبا، من “التجارب الحياتية للآخرين[20]. فضلاً عن ذلك فإن الثقافة السيبرانية تؤكد على المنبهات البصرية، والتغير السريع في الموضوعات، والتنوع، جنبًا إلى جنب مع بساطة/سطحية العرض.

وإذا كانت “القدرة على التسامي عن الأماكن والأحداث، والتفكر في المعنى، والتأمل في المتجاوز هي عناصر أساسية في الخيال الديني. فإن هذه القدرة هي أبرز ضحايا الثقافة (الرقمية) التي تحركها الصورة، فهذه الثقافة البصرية تولد حالة من الانفعال اللحظي، ولكنها لا تستدعي التفكير أو الاستجابة المدروسة. وكأن المعادلة هي أن ما نكسبه من المعلومات نخسر في مقابله قدرا مساويا من البصيرة، وربما بمرور الوقت، نفقد حتى القدرة على التفكير بصورة صحيحة[21]. الفضاء السيبراني بهذا المعنى “يحدث تأثيرا قويا، ولكنه يجعل التأمل العميق والمتجاوز الذي يتطلبه الدين غير عملي. إنه (أي الفضاء السيبراني) “مكان معلومات مفرط التشبع” ولكنه قد يتعارض بشكل واضح مع متطلبات الإيمان كما يؤكد عليها الدين[22].

تتسبب الخصائص السابقة للفضاء السيبراني، في تسرب روح جافة إلى مستخدميه على نحو يجعل الروابط بينهم مجرد روابط شكلية، تقتصر في كثير من الأحيان على المتابعة الباردة، والتعاطف الذي لا يتعدى اختيار الصورة التعبيرية المناسبة (emojis)، من دون فاعلية حقيقية، ومن دون مؤازرة تمتد لما وراء لوحة المفاتيح. وهو ما يشير إليه البعض باسم “وهم الفاعلية،” والذي يشير في أفضل حالاته إلى نوع من التفاعل الفاتر، إزاء قضايا تحتاج بطبيعتها إلى نوع من الدعم المادي، وليس مجرد التأييد الافتراضي[23].

ولكن الفضاء الرقمي، كما تجاوز المعوقات اللغوية والثقافية والمحلية، يمكن أن ينجح في إيجاد مجالات قيمية مشتركة، وذلك بفضل ما يشتمل عليه من إمكانات متنوعة. على سبيل المثال، تنتشر حاليا في إطار الفضاء السيبراني العديد من التجارب الوقفية الإسلامية، التي توظف منابر الوقف الرقمي لنشر المعرفة الدينية والقيم الأخلاقية المرتبطة بها. وقد أكدت دراسات غربية (وإن على نحو تحذيري من عواقب ذلك بالنسبة للمصالح الغربية) أنه حتى المواقع الإخبارية التي تعنى بقضايا الأمة، تساهم بشكل أو بآخر، في دعم الترابط القيمي بين أفرادها[24].

وفي هذا الصدد أشارت دراسات إلى أنه حتى الرسائل المعلوماتية البحتة، التي تتخصص بعض المواقع في نشرها، يمكن أن تدعم قيم الأمة الواحدة. على سبيل المثال في تغطيتها لقوانين حظر الحجاب في المدارس الفرنسية، ساهمت بعض المواقع الإخبارية في بناء هوية إسلامية عالمية وتعبئة الرأي العام المسلم عبر العالم. فقضية مثل هذه تم تغطيتها في التقارير ذات الصلة لا على أنها “مشكلة للفتيات والنساء في المدارس العامة في فرنسا، ولكن على أنها مشكلة للمسلمين في جميع أنحاء العالم”. وذلك في إطار أظهر قضية الحجاب على أنها جزء من “رسالة حضارية”، لأن “الحجاب يشير إلى معنى الاختلاف عن الآخرين”، ويؤكد في نفس الوقت قيم الهوية الجمعية للإسلام[25].

هذه الجهود تتضمن، وفقا للبعض، محاولات ناجحة لفك الارتباط بين التقانة والعلمانية، عبر توظيف ثمار ثورة المعلومات والاتصالات لنشر القيم الحضارية والدينية، وعلى نحو أخص، دحض المقولات التي تصم الإسلام بأنه معاد لقيم التقدم، وغير قادر على التعايش معها فضلاً على الاستفادة من ثمارها.

(4) الكمية والكيفية

لا ينفصل المنظور التقاني التقليدي عن محاولات فرض المقولات الكميَّة على الواقع، ومحاولة إخضاع ظواهره للقواعد القياسية، التي تتضمن تطبيق المعايير الكَميَّة على قواعد تقييم العمل وتنظيم السلوك. وقد ترتَّبَ على هذه النزعة أن تضَاءَلَت جوانبُ مهمة لا غِنَى عنها لحياة الإنسان، وتمت التَّسويَةُ بين الفروق الفردية، والتَّضييق على إمكانات التعبير الكيفية التي لا تَستقيم الحياة بدونها[26].

من جانبه ورث الفضاء السيبراني العديد من هذه العيوب، على سبيل المثال لا يزال عدد المشاهدات هو المتغير الحاكم لذيوع خبر، أو رأي، أو تعليق، أو التوصية بموقع معين، فالتقييم في الفضاء السيبراني كمي وليس كيفي بالدرجة الأولى. وفي هذا الإطار يصبح أهم شيء أن يتبادل المستخدمون الخبر/المعلومة ويعلقوا عليها كيما يأخذ حقه من الانتشار أو تتم التوصية به لآخرين. الأكثر انتشارا بهذا المعنى هو ما يحظى بتفاعل أكبر، أيا ما كان مضمونه أو محتواه. وتستغل العديد من الأطراف هذه الخاصية من خلال تشكيل ما يطلق عليه اللجان الإلكترونية التي تتولى الدفع بأخبار أو موضوعات أو تعليقات معينة إلى صدارة التداول من خلال تفاعل مفتعل وحسابات وهمية، الأمر الذي يحجب موضوعات أو آراء أكثر أهمية، ويعطي الصدارة لموضوعات أقل أهمية. كما يجعل أصحاب المحتوى القيم “يتوسلون” الإعجاب والمشاركة من مشاهديهم ومتابعيهم، على نحو يشوش على الغرض الأصلي من التواجد في إطار العالم الافتراضي.

تدفع المشاكل السابقة بسؤال الكم والكيف إلى واجهة النقاش حول قضايا الأمة، فهل العبرة بكثرة من يتفاعلون حول الموضوعات الدينية، أم بالكيفية التي يتفاعلون بها؟ لقد صاحب حالة الانفتاح الديني (الكمية)، في كثير من الأحيان، تصدي كثير من غير المؤهلين، ليس فقط للتعبير عن آرائهم الدينية، ولكن أيضًا لتقديم “الفتاوى” حول قضايا يمكن أن تخلق العديد من المشاكل وتشكل العديد من التحديات، فضلا عن تطوع الكثير منهم لتقديم ما يطلق عليه التفسيرات الجديدة أو القراءة الحداثية للموروث الديني، وذلك في إطار موجة اتخذت من ادعاء مواجهة المركزية الدينية الرسمية منطلقا لها، لمحاولة تغيير حدود المعرفة الدينية.

تطرح التحديات السابقة معضلة “من يتحدث باسم الإسلام؟”، وهي المعضلة التي تشير إلى الفراغ المعرفي “الكيفي والكمي” الذي ينشأ عن عدم وجود “عدد كافٍ” من “المؤهلين” للحديث باسم الإسلام في الفضاء السيبراني، أو عدم اهتمام كثير من هؤلاء المؤهلين بأن يكون لهم منابرهم السيبرانية، الأمر الذي يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لكثير من الهواة أو لأصحاب المشاريع البديلة. وقد أدت الوفرة الكمية للصنف الأخير في كثير من الأحيان إلى نشر معلومات، أو نصائح دينية غير دقيقة، أو غير كاملة، أو حتى مضللة، وهذه أصبحت أكثر خطورة وأكثر ضررًا اليوم، مع الأخذ في الاعتبار السرعة التي تنتشر بها المعلومات[27].

وعلى أية حال، لا يبدو أن التفاعل عبر الفضاء السيبراني مقدر له الفشل لأسباب تتعلق بغلبة الكمي على الكيفي. فالفضاء السيبراني يتيح مجالات متنوعة أمام العديد من المتدينين لتحقيق أهداف تتسم بالجامعية[28]. ولا شك أن المميزين والمؤهلين قادرين على أن يصنعوا فارقاً في إطار هذا الفضاء، وفي هذا الصدد يمكن رصد التأثير البالغ الذي يحدثه بعض صناع المحتوى الإسلامي في أتباعهم، والذين يقدر عددهم في كثير من الأحيان بالملايين. ولقد كانت الهجمات التي سمح بها أو سهلها الفضاء السيبراني على الإسلام بمثابة حافز لتكتل العديد من هؤلاء الناشطين السيبرانيين الجادين، ممن أخذوا على عاتقهم مهمة حماية التراث ومواجهة الخطابات الداعية إلى تفكيك النص الديني، وبيان خلفيات أصحابها الثقافية والسياسية، وذلك من خلال العديد من الصفحات والقنوات، التي لا يمكن بخس تأثيرها الكيفي أو الكمي[29]

(5) السببية والغائية:

في إطار المنظور التقاني يتم تجاوز التساؤل حول الغايات، لصالح التساؤل حول كيفية استخدام التقانات التي توسم دائما بالرشادة والعقلانية على نحو يعفي من التفكير في غاياتها النهائية. فهل ورثت التقانة الشبكية نفس الفرض، وهل تحول مستخدمو الفضاء السيبراني إلى كائنات تتساءل عن كيفية استخدام التقانات المختلفة من دون أن تتساءل عن الغاية من ورائها؟[30].

بطبيعة الحال يبدو انطباق هذا النقد على الفضاء السيبراني مستبعدا إلى حد ما، فمستخدمو هذا الفضاء ليسوا مجرد آلات، تتحرك من دون غاية، وحتى لو كان النموذج الشبكي لا يحدد للأفراد غايات معينة يتعين عليهم السعي نحو بلوغها، إلا أنه لا يتضمن ما من شأنه أن يمنعهم من أن تكون لهم غاياتهم في الوقت نفسه، فالفرد حر في أن ينشئ أو يتتبع المواقع والصفحات التي تتوافق مع اهتماماته[31]. وفي وسط حزمة الاهتمامات المتاحة، تحتل القضايا المرتبطة بالأمة الإسلامية مكانة متقدمة.

فالكثير من الأنشطة الرقمية يرتبط بغايات محددة، مواقع الإفتاء الرقمي على سبيل المثال، يتحدد فيها غرض الزائر بالحصول على إجابة لسؤال محدد، وتساهم المنتديات بدرجة كبيرة في بلورة أطر مرجعية للمشتركين فيها، وصفحات التواصل تسمح من خلال النقاشات المتواصلة، والتعليقات التفاعلية، بتشكيل وجهات نظر تتجمع حولها بقية الآراء. ونفس الأمر بالنسبة لسائر الخدمات الدينية التي أصبح لها نظير رقمي، مثل المواقع التي تتيح إيصال الزكاة لمنظمات إغاثة عالمية، تتولى نقلها للمناطق الأشد احتياجا. في هذه الحالات وغيرها تعد الخدمة الرقمية ممرا آمنا لتحقيق مقاصد تعبدية على نحو أكثر كفاءة.

كما تلبي العديد من تطبيقات الهواتف الذكية الاحتياجات الدينية على تنوعها. حيث تستعرض العديد من هذه التطبيقات أماكن المساجد وأماكن بيع الطعام الحلال (بالنسبة للمسلمين خارج العالم الإسلامي)، كما تستعرض العديد من التطبيقات كيفية الصلاة، وكيفية حساب الزكاة أو حتى تقسيم الإرث بطريقة شرعية، فضلا عن تطبيقات متنوعة تتيح تنزيل (download) القرآن الكريم، في شكل نسخ نصية ومسموعة، بالإضافة إلى كتب التفسير والموسوعات الحديثية، وكتب التاريخ الإسلامي، ليس فقط باللغة العربية، ولكن باللغات الأخرى، ما يجعل التراث الإسلامي ككل في متناول المسلم العادي، وعلى نحو مفهرس وقابل للبحث السريع (searchable).

كما ظهرت لبعض الوقت محاولات - لم يكتب لمعظمها النجاح - لتقديم بدائل إسلامية لمواقع التواصل الاجتماعي العالمية، لتجنب ما قد تحتويه الأخيرة من مخالفات شرعية، على سبيل المثال حاول بعض المطورين المسلمين، تصميم موقع للتواصل الاجتماعي بعنوان “عالم السلام”، Salamworld بحيث يكون بمثابة فيسبوك إسلامي. يراعي المعايير الأخلاقية. ويقدم محتوى نظيفا، ولكن هذه المحاولة - وكثير غيرها - لم تكلل بالنجاح[32].

وأيا ما يكن الأمر فإن “اختفاء الغاية” ليس هو الخطر المرتبط بالتفاعل السيبراني، وإنما إمكانية السقوط في فخ “الغايات المقلدة أو المستنسخة،” فالفضاء الرقمي مساحة مفتوحة للجميع، والقدرة على صياغة محتوى يجذب رواد هذا الفضاء أصبحت صناعة يجيدها البعض، فيما يفشل فيها آخرون. ويستخدم المختصون، لوصف هذه الظاهرة، اسم “صناعة جذب الاهتمام،” ويشيرون بذلك إلى تلك الأنشطة التي تتفوق فيها الأطراف ذات المقدرة الأكبر على الحشد الرقمي[33].

ولأن أسهل الطرق لجذب الانتباه هو مضاهاة الطرق التي تجذب الانتباه فعلاً، فإن الكثير من الأفكار التي تطرح في إطار الفضاء السيبراني، وتتبنى غايات إسلامية، تستعير وسائلها من الطرف أو الأطراف التي تحظى بالرواج، والتي قد لا تكون إسلامية، أو بالأحرى منافية للإسلام، وهنا بدلا من منافستها بأفكار بديلة يتم تقليدها، فقط مع تغيير اليافطة، أو طريقة العرض[34].

على سبيل المثال يظهر في إطار الفضاء السيبراني ما يسمى بتطبيقات المواعدة الإسلامية عبر الإنترنت. وعروض الموضة “الإسلامية،” وأغاني الراب “الإسلامية،” وبرامج المنوعات الإسلامية. ويبرر أصحاب هذه الأفكار ما يقومون به بالقول إن “ما هو مسموح به في الإسلام أكثر بكثير مما يعتقده الناس”. كما تطرح المقولات النسوية الآن بشكل شديد الإلحاح في إطار المواقع التي يفترض أنها تعبر عن ثقافة إسلامية. ولا تكل هذه الأصوات عن مهاجمة الوضع التقليدي للمرأة في إطار المجتمعات المسلمة، وانتقاد الأصوات التي تحاول وضع ضوابط للتفاعل بين الجنسين وخصوصا على مواقع الدردشة ونظائرها[35].

ولا يتسع المقام، في إطار هذه الورقة، لتقييم هذه التجارب، ولكن التفسير الذي يمكن أن يطرح - إجمالاً - لفهمها أنها تجارب أرادت أن تتحرى غايات معينة، ملتمسة أساليبا مستعارة، فإذا بهذه الأساليب تفضي بها في كثير من الأحيان إلى الانحراف عن الغايات الأصلية، والوقوع في أسر غايات بديلة[36]

 

خاتمة:

المسكوت عنه في الحديث عن “السبل المحتملة لتحقيق تقارب الأمة” أن هذا التقارب متعذر بفعل فاعل. وهذا الفاعل ليس فاعلاً واحدا في حقيقة الأمر، وإنما هو جملة من العوامل التي تراكمت آثارها عبر عقود ممتدة، والتي يخرج استقصاؤها عن نطاق هذه الورقة، ولكن ثمة أثر مارسته “التقانة” نفسها، جعلها من ضمن العوامل التي توجهت إليها أصابع الاتهام، بوصفها أحد الأسباب المحتملة التي ساهمت في انقسام الأمة.

وجهة النظر البديلة، التي عرضت لها الورقة، تذهب إلى أن التحليل السابق ربما يصح فيما يخص التقانة التقليدية، أما التقانات الجديدة - وبخاصة الشبكية منها - فيمكنها أن تسهم بدور إيجابي في خلق نوع من الوعي الجمعي، الذي كان مستعصيا في إطار التقانة التقليدية.

التقانة الشبكية في إطار الفضاء السيبراني، بهذا المعنى، تمهد الطريق لتحقق الهويات التي كانت مطموسة في إطار المجتمعات التقليدية، فقد نقلت قدرًا كبيرًا من الفاعلية والتمكين إلى جانب الأفراد، ومن ذلك القدرة على استعادة الوعي بمعنى الأمة والانتماء إليها.

 

 

رابط تحميل ملف الدراسة

______________________________________________

 

* مقالة منشورة في: قضايا ونظرات: تجديد الوعي بالعالم الإسلامي والتغيير الحضاري؛ ع 23، ص 151 – 160 (القاهرة، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2021)، ويمكن الاطلاع على هذا العدد كاملًا من خلال هذا الرابط: https://2u.pw/gci0RFH2.

** أستاذ مساعد بقسم الحوسبة الاجتماعية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

[1] توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، العدد 168 (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992).

[2] Giulia Evolvi, Maria Chiara Giorda Introduction: Islam, Space, and the Internet, Journal of Religion, Media and Digital Culture, vol. 10 (2021), p. 2. Heidi A. Campbell, ed., Digital Religion, Understanding Religious Practice in New Media Worlds (NY: Routledge, 2013). Birgit Meyer and Annelies Moors, eds., Religion, Media, and the Public Sphere (IN: Indiana University Press, 2006). Stewart M. Hoover et al, eds., Religion in the Media Age (NY: Routledge, 2006). Susan Ella George, Religion and Technology, in the 21st Century: Faith in the E-World (PA: Information Science Publishing, 2006). Brenda E. Brasher, Give Me That Online Religion (San Francisco: Jossey-Bass. 2001).

[3]  Lisa Harrison, Adrian Little and Edward Lock, Politics: The Key Concepts (New York: Routledge, 2015), p. 8.

[4] https://countrymeters.info/en/World#religion

[5]  Sahar Khamis, “Cyber Ummah:” The Internet and Muslim Communities, Handbook of contemporary Islam and Muslim lives (2018), p. 2.

[6] انظر على سبيل المثال:

Olivier Roy, Globalized Islam: The Search for a New Ummah (New York: Columbia University Press, 2004.

[7]  Sahar Khamis, p. 2.

[8] شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، قراءة مقارنة لآراء هربرت ماركيوز ومانويل كاستيلز حول العلاقة بين السلطة والمجتمع والتقانة،” المجلة العربية للعلوم السياسية (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، ص 188.

[9] استعرض الباحث هذا الإطار النظري على نحو موسع في دراسته المذكورة بالأعلى، “من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، قراءة مقارنة لآراء هربرت ماركيوز ومانويل كاستيلز حول العلاقة بين السلطة والمجتمع والتقانة،” ص ص. 183: 209

[10] المرجع السابق، ص 189.

[11] Sahar Khamis, p. 3.

[12]  Morten T. Højsgaard and Margit Warburg, “Waves of Research” in:  Morten T. Højsgaard, Margit Warburg eds. Religion and Cyberspace (NY: Routledge, 2005), p. 7.

[13]  Peter Mandaville, “Communication and Diasporic Islam: A Virtual Ummah,” in Karim H. Karim,

ed., The Media of Diaspora (London: Routledge, 2003), 135, 146.

[14]  Giulia Evolvi, “Hybrid Muslim Identities in Digital Space,” Social Compass, vol. 64, no. 2 (2017): 220-232.

[15]  شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، ص 190

[16]  المرجع السابق، نفس الصفحة.

[17]  Giulia Evolvi, Hybrid Muslim identities in digital space, p. 226.

[18]  شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، ص 191، هامش 23.

[19]  Jay Kinney, “Net Worth? Religion, Cyberspace, and the Future,” Futures, vol. 27, no. 7, (1995), pp. 774–775.

[20]  Lorne L. Dawson, The Mediation of Religious Experience in Cyberspace in: Morten T. Højsgaard, Margit Warburg eds., Religion and Cyberspace (NY: Routledge, 2005), p. 18

[21]  Lorne L. Dawson, p. 17

[22]  Brenda E. Brasher, Give Me That Online Religion (San Francisco: Jossey-Bass. 2001) p. 43.

[23]  سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، الجزء الثاني (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1999)، ص 508.

[24] Philip Seib, “Viewpoint: The Virtual Ummah,” Strategic Insights, Vol. V, Issue 8 (November 2006).

[25]  Sam Cherribi, “From Baghdad to Paris: Al Jazeera and the Veil,” Harvard International Journal of Press/Politics 11, No. 2,) Spring 2006(, p. 122.

[26]  شريف عبد الرحمن، ص 192.

[27]  Sahar Khamis, p. 5

[28]  M K Zuhri, M M Jamil, M Sobirin, I Taufiq, Virtual Ummah and Religious Movement Contestation: Identity and Discourse (2020).

[29]  انظر على سبيل المثال، قناة رواسخ على الرابط:

https://www.youtube.com/c/rawasekhkw

قناة أمة واحدة، على الرابط:

https://www.youtube.com/channel/UCTcEnNmfOivZVtOyYAbsTHQ

معهد البينة (Bayyinah Institute) على الرابط:

https://www.youtube.com/c/bayyinah

وقناة iera، على الرابط:

https://www.youtube.com/channel/UC6bLO3s-p6pLAishtkZQ_yw

وقناة لدكتور إياد قنيبي، على الرابط:

https://www.youtube.com/channel/UCTcEnNmfOivZVtOyYAbsTHQ/channels

وقناة (SCDawah Channel)، على الرابط:

https://www.youtube.com/c/scdawahchannel/featured

[30]  شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، ص 192.

[31]  المرجع السابق.

[32]  Heidi A. Campbell, The Rise of the Study of Digital Religion, in: Heidi A. Campbell, Digital Religion

Understanding Religious Practice in New Media Worlds (NY: Routledge, 2013), p. 10

[33]  شريف عبد الرحمن، شفافية بالإكراه، التحدي الرقمي وجدل المراقبة والتسريب: ويكيليكس نموذجا، المستقبل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018) السنة 40، العدد 469، ص 103.

[34]  انظر: باتريك هايني، إسلام السوق، ترجمة: عومرية سلطاني (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015).

[35]  Danielle Ramos, The Veiled Ummah of Islam find their voices on the Internet, at:

https://pages.nyu.edu/keefer/joe/ramos1.html

[36] تناقش هبة رءوف في إطار تقييم التجارب السابقة جدلية ما الذي يمكن أن يعد تجديدا وما الذي يعد سيولة وعلمنة على نحو معمق، في مقدمة كتاب باتريك هايني، ص17 وما بعدها. 

لا يعمل العقل في فراغ، وإنما يتعامل مع تصورات، ويتحاور مع واقع، وأية محاولة للنظر في منهج دراسي، جزئي أو كلي، هي حركة عقلية ترتبط بتصور وتتحاور مع واقع، وتستهدف في النهاية تقديم مقترحات أو الوصول إلى نتائج. ولأن العلم الجنائي في جانبه التشريعي هو لحمة هذه الورقة وسداها، والغاية منها بدء الحوار حول مفردات منهج يتسق بالدقة والمرونة معًا، وحتى تكون المساحة المتاحة لتدريس التشريع الجنائي الإسلامي أوفى بالغرض وملائمة لأهدافها، جاءت هذه الورقة رباعية العناصر.

 

أولًا: الإسلام المعاصر

يتحرك الإسلام المعاصر في بيئة لها قسمات خاصة وملامح مفارقة ينبغي أن توضع في الحسبان باعتبارها البيئة التي يصمم المنهج في سياقها وتصاغ مفرداته، وأمامنا القوى الفاعلة في هذه البيئة، قبولًا ورفضًا، وتناقضًا وانسجامًا، وفي هذا الصدد نشير إلى ما يلي:

 

1ـ  منذ بداية هذا القرن، والإسلام جزء أساسي من هذا الخطاب العام في المجتمع، لكنه في العقود الثلاثة الأخيرة أصبح ظاهرة قوية تجتاح الأفكار السائدة، وتتوغل في مجالات اجتماعية وسياسية وثقافية، حتى أصبح فهم آليات الإسلام المعاصر _ بين التحدي والتصدي _ أمرًا لا يكفي فيه تفسير الأنظمة الإقليمية، وإنما يستوجب فهم النظام الدولي، وكلا الأمرين بالغ التعقيد والتركيب، لأن البناء التشريعي للإسلام لا يقدم منعزلًا عن صلاحية الإسلام كبديل، وهذا يجعل الإسلام السياسي في قلب المنهج التشريعي بكل ما لهذا الوجود من أصداء ومتطلبات في صياغة التشريع وإعداد المناهج، وفي إطار هذه الأصداء يمكن الإجابة على عدد من التساؤلات في المجال الجنائي تتعلق بسريان النصوص على الأشخاص، وحل إشكاليات التمايز الديني، وصياغة إسلامية لحقوق الإنسان في الجانب الجنائي، ووضع ضوابط النقد المباح للنصوص، وقواعد فهم الواقع، وربما كانت التجربة السودانية بكل تداعياتها نموذجًا يجسد اللحظة التاريخية الراهنة، وما فيها من ترقب وتوتر، وهي لحظة ملأى بالتوقعات المتباينة، وتعني ضرورة التعامل مع الحضور الجديد للإسلام على الساحات المحلية والإقليمية والدولية.

2ـ أن الجهود المبذولة لتجديد الفقه وإصلاح الفكر، لا انعكاس لها على إصلاح مناهج التدريس، بما يجعل الساحة الفقهية الراهنة _ في الأغلب الأعم _ امتدادًا للجمود الذي شهدته الأمة منذ قرون وهو ما صوره الشيخ "محمد مصطفى المراغي" في مذكرته الإصلاحية التي كتبها عام 1928 عندما قال:

"ولكن العلماء في القرون الأخيرة استكانوا للراحة، وظنوا أنه لا مطمع لهم في الاجتهاد، ورضوا بالتقليد، وعكفوا على كتب لا يوجد فيها روح العلم، وابتعدوا عن الناس، فجهلوا الحياة، وجهلهم الناس، وجهلوا طرق التفكير الحديثة، وطرق البحث الحديث، وجهلوا ما جَدَ في الحياة من علم، وما جَد فيها من مذاهب وآراء، فأعرض الناس عنهم، ونقموا هم على الناس، فلم يؤدوا الواجب الديني الذي خصصوا أنفسهم له".

وهو ما قاله "ابن القيم" منذ ستة قرون في مثل هؤلاء بقوله: "لقد جعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وصدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من معرفة الحق والتنفيذ له، ظنًا منهم أنها منافية لقواعد الشرع، ولعمري أنها لا تنافي ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما نافت ما فهموه من الشريعة، والذي أوجب لهم ذلك نوع من تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر".

وهذا يعني أن الأنساق التشريعية القادرة على مواجهة الواقع الجديد لم تتكون بعد، فحضور الإسلام سياسيًا واجتماعيًا، وغيابه عن الواقع التشريعي يقيم صعوبات جمة أمام مناهج التفكير والتقنين والتدريس.

 

ثانيًا: الواقع المعاصر

هناك أزمة في تدريس الفقه في عالمنا الإسلامي المعاصر، وهي أزمة لها أسبابها ودواعيها، وتبدو الجهود الحديثة أقرب إلى استنزاف الطاقة منها إلى استئناف الاجتهاد، وتدريس الفقه في بلادنا يقوم على منهجين:

1ـ المنهج الأزهري القديم: والذي يعتمد كتابًا أو مجموعة كتب من التراث تكون مادة للبحث والحفظ والاستيعاب، وتختار غالبًا من كتب المتأخرين، مما يجعل الدراسة الفقهية عسرة، والنتائج العملية محدودة، وقد وصف الشيخ المراغي هذه الكتب بقوله: "هي كتب معقدة لها طريقة خاصة في التأليف، لا يفهمها كل من يعرف العربية، وإنما يفهمها من مارسها، ومرن على فهمها، وعرف اصطلاح مؤلفيها".

2ـ المنهج الحديث: وهو منهج أكثر تطورًا دفعت إليه الحاجة، ونشأ في ظل اتجاه الدولة العثمانية إلى وضع تجميع لأحكام المعاملات فيما سمى "بمجلة الأحكام العدلية"، والتي مثلت شروحها في مصر والقسطنطينية وسوريا والعراق ولبنان، الروافد الأولى لنشاط تأليفي معاصر ذادت أهميته في مصر في مدرسة الحقوق الملكية، ومدرسة القضاء الشرعي، ومدرسة دار العلوم.

وبينما ظل التأليف في مجال المعاملات -لغيبة التشريع الإسلامي- يتطور ببطء ولا يمده القضاء العملي بما للواقع من تأثير في نمو التشريع، فإن مجال الأحوال الشخصية -وهو جزء من المعاملات- شهد دراسات أكثر عمقًا وشروحًا أوسع وأوفى ترفده حركة القضاء بما يدعو إلى تطويره ويساعد على إثرائه وكثرت التآليف من خلال مقررات الدراسة في مدرستي الحقوق والقضاء الشرعي، واحتلت كتابات أحمد إبراهيم، وزيد الأبياني، ومحمد سلامة، وعبد الحكيم محمد، ومحمد الخضري، مكانة خاصة في العقل الفقهي الحديث، بل وتوغلت في مجالات جديدة أهمها تاريخ التشريع، والسياسة الشرعية، والتي كتب فيهما الشيخ المراغي، ومحمد البنا، وفرج السنهوري، وعبد الوهاب خلاف، ومحمد علي السايس، وعبد الرحمن تاج، وغيرهم، وهي حركة فقهية تتسم بالنضج وفيها مجالات تستوعب بعض جوانب الفقه الجنائي والمرافعات وأصول الأحكام، وينبغي رصد إنتاجها ومناهجها لتكون بين يدي الباحث المعاصر.

وجاء هذا التأليف الفقهي المتطور مواكبًا لنمو الدراسات المقارنة في فرنسا، والتي فتحت إدارة الأستاذ "لامبير" لكلية الحقوق الملكية المجال أمام نخبة من طلاب القانون في مصر للتعمق في دراسة القانون المقارن فقدموا أطروحات علمية في فقه الشريعة الإسلامية مقارنة بالفقه الحديث، وهي دراسات أماطت اللثام عن الوجه الحقيقي لبنية الفقه الإسلامي وتطورها، وتقدمها في عدد من جوانب الدرس الفقهي القانوني، والتي ظن الغرب أنها نتاج خالص للغرب الحديث، ومن هذه الدراسات ما كتبه عمر لطفي، ومحمود فتحي، ومحمد صادق فهمي، ومحمد عبد الجواد، وعبد الرازق السنهوري، ومحمد فؤاد مهنا، وغيرهم، ولو قدر لهذه الحركة الاستمرار لانعكست على الواقع التشريعي والعلمي ودفعته إلى تطور منشود، ولكن التطورات التشريعية ذاتها، وظروف الاحتلال، وسيادة التوجه العلماني، أغفلت كثيرًا هذه الجهود، حتى دخلت معظم هذه الأطروحات في دائرة النسيان.

ومع ذلك، فإن المحاولات التي بذلت منذ بداية هذا القرن لإعداد تشريع كامل للأحوال الشخصية في مصر، ثم أصبحت واقعًا تشريعيًا في عدد من الدول العربية، أتاح فرصًا كثيرة لاحتكاك العقول، وإبراز المشكلات الفعلية التي يعاني منها الفقه المعاصر -تقنينًا وتدريسًا- مما أكد الحاجة إلى أمرين هما:

(أ‌) تقنين مستمد من الشريعة الإسلامية، يعتمد المذاهب الفقهية المختلفة، في نظرة إلى الفقه الإسلامي باعتباره وحدة متكاملة، وليس تفاريق مذهبية، مما يسمح باختيارات واسعة أمام عالم التشريع، ويؤكد صلاحية الشريعة، ووجوب صياغة تشريعات مستمدة منها، وهو ما حرص على الدعوة إليه في دراسات متعمقة "أحمد إبراهيم"، و"عبد الوهاب خلاف"، و "محمد مصطفى المراغي" وغيرهم، ولعل هؤلاء جميعًا انطلقوا من مدرسة الأستاذ الإمام والتي عبر فيها الشيخ نفسه عن رؤية تشريعية منهجية من خلال تقريره لإصلاح القضاء الشرعي، وقد انتهى هذا الأمل إلى واقع تشريعي سواء في تشريعات فعلية صدرت في بعض البلدان أو مشروعات للقوانين كاملة الإعداد في انتظار إجراءات الإصدار والتطبيق.

(ب‌) مؤلفات جديدة تكون تعبيرًا عن فقه معاصر يتابع  هذه المتغيرات ويواكب التطبيق العملي بأحكامه ونوازله، ويكون قادرًا على رفع المشكلات الواردة عليه في كافة المجالات، ولا ينبغي لهذا التأليف أن يقطع صلة الدارس المعاصر بالتراث الفقهي لأعلام المذاهب، بل عليه أن يخفف من عنت الكتب المتأخرة، ويتجاوز المؤلفات الوسيطة من حواشي وهوامش وتعاليق، وقد سبق للإمام "الشاطبي" في مقدمة كتابه "الموافقات" أن انتقد الاعتماد على الكتب المتأخرة وقال: "أما ما ذكرتم من عدم اعتمادي على الكتب المتأخرة فلم يكن ذلك محض رأي ولكني اعتمدته بحسب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين والمتأخرين". ونقل صاحب "نيل الابتهاج" في ترجمته للشاطبي عن أبي العباس القباب أنه كان يقول في المتأخرين: إنهم أفسدوا الفقه.

 

ثالثًا: تطوير تدريس القانون الإسلامي

إن تطوير دراسة القانون، ومن بينها التشريع الجنائي هي صدى للتطورات الاجتماعية، فلا يمثل تدريس القانون مساقًا معزولًا، بل لابد من ربط الدراسة بالواقع في ضوء الإلمام بوظيفة الدرس القانوني، وهل هي عملية بحتة تستهدف تكوين فقيه وصاحب فكر قانوني، أم هي عملية فحسب، مهمتها إعداد جيل من الدارسين لتولي الوظائف والمهن القانونية على اختلافها، أم هي علمية وعملية، لها دورها في صناعة الملكة الفقهية، وتعمل على تأهيل الكوادر المطلوبة للمهن القانونية.

إن تصميم المنهج الدراسي لأي فرع من فروع القانون، يتأثر بلا شك بنوع الإجابة على هذه الأسئلة، ومن جانبنا فإن دراسة الفقه والقانون لا يمكن أن تكون لهدف مهني فحسب، إن دراسة الأحكام التكليفية في المجتمع تنطوي على أصول لابد من معرفتها، وتفاصيل لابد من الإلمام بها، وكل ذلك يعني أن الثقافة القانونية والفقهية هي الجانب الرئيسي في عملية تدريس القانون، فالفقه صياغة وعلم ورافد من روافد الحياة الاجتماعية.

وأتساءل: هل يمكن اقتراح منهج موحد لتدريس الفقه الجنائي في ظل تشريعات عربية متعددة، حتى لو كان الهدف الوصول إلى تشريعات موحدة؟

في الدراسات الأجنبية (1) الخاصة بطرق تدريس القانون خلاف في الرأي، فبينما يرى الأستاذ "جورج أنطوني" الفقيه الأرجنتيني إمكانية التوحيد مستفيدًا ببعض التجارب في أمريكا اللاتينية، يعارض الأستاذ "هازارد" الفقيه الأمريكي إمكانية التوحيد مستدلًا على رأيه بالخلافات التي كانت بين الأنساق المنهجية في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الذي غاب.

ويحاول الأستاذ "بودان" الفقيه الكندي، حصر الخلافات التي تؤثر على مناهج تدريس القانون فيما يلي:

 

أ ـ اختلافات تتعلق بمضمون النظم القانونية: وهذه الاختلافات ليست هامة بذاتها، إذ يجوز اتباع طريقة موحدة لدراسة نظم مختلفة.

ب ـ اختلافات تتعلق بشكل النظم القانونية: وهذه الاختلافات أكثر أهمية، فالقوانين الموضوعة في تقنينات يتلاءم معها التدريس التوضيحي المؤصل عن طريق المحاضرات، أما القوانين القضائية فتتطلب تنمية القدرة على الاستخلاص، مما يستدعي تخصيص الجزء الأكبر من وقت الدارس -إن لم يكن كل وقته- لدراسة الأحكام المنشورة. وينتقد الأستاذ "هازارد" بشدة المحاولات التي تقوم بها بعض مدارس القانون في الولايات المتحدة لاستخدام طريقة القضايا في تدريس القوانين الفرنسية أو الألمانية أو قوانين أمريكا اللاتينية. ويرى الأستاذ "بودان" أن تدريس القوانين المقننة يجب أن يتم عن طريق شرح مبادئها الأساسية، أما دراسة القضاء فتأتي بعد ذلك لإيضاح وتجلية هذه المبادئ.

جـ ـ اختلافات تتعلق بعادات الطلاب العقلية: وهذه الاختلافات ليس من السهل تعريفها، وقد لاحظ الأستاذ "بودان" من خلال تدريسه للطلبة الكنديين الإنجليز والكنديين الفرنسيين، اختلافات نفسية بينهم، فالكندي الذي ينحدر من أصل إنجليزي لا يزال مصطبغًا بصبغة عملية ورثها عن أسلافه مع بعض التأثر بالظروف الأمريكية، ولذلك وجده يهتم بالبحث عن حل عملي لكل مشكلة على حدة، أما الكندي المنحدر من أصل فرنسي فيهتم بالناحية النظرية للمشاكل، وبالعمليات الذهنية، بصرف النظر عن نتائجها العملية.

والواقع أنه يمكن تعداد الكثير من الفروق النفسية المماثلة الموجودة بين طلاب البلاد المختلفة، سواء كانت نتيجة الميراث العنصري أو التقاليد أو الظروف الاجتماعية، أو مستويات التعليم، أو المناخ الروحي والثقافي، وعلى ضوء هذا الاختلاف يمكن القول بأن توحيد مناهج وطرق تدريس القانون ليس هدفًا عمليًا، إلا في حدود النظام القانوني الواحد، أو في مجموعة من البلاد المتشابهة من الناحيتين القانونية والروحية.

والذي نراه أن دراسة القانون -كما يقول الفقيه "ليون دوجي"- لا ينبغي أن تقتصر على تفسير نص صريح أو غامض، ولو اقتصرت مهمة أستاذ القانون على شرحة لما استحق ذرة واحدة من جهده وعمله، إن المهمة الأولى لهذه الكليات هي البحث عن المبادئ العامة ووضع القواعد الضرورية للفرد والجماعة والدولة، وهذه النظرة تستبعد الفقه الأصم، بل لابد من حركة فقهية تتحرك مع الواقع وتحركه، خاصة وأنه من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرًا كبيرًا في الأحكام الشرعية الاجتهادية، وكما يقول "القرافي" في كتابه "الفروق" ما نصه: "الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضيين".

إن القانون صياغة وعلم وفلسفة، وعامل من عوامل الحياة الاجتماعية، فالقانوني المشتغل يجب أن يكون ملمًا بالمبادئ الفنية وبقواعد القانون الوضعي المتعلقة بها، ويجب أن يتوافر لديه إدراك علمي للقانون باعتباره مجموعة من المبادئ التي يمكن أن يستخلص منها الحل القانوني الصحيح، أو جميع الحلول القانونية الصحيحة الممكنة للمشاكل الجديدة التي لا تغطيها السوابق الأخرى، ويجب على الفقيه وعلى المشرع أن يضعا الغاية من القانون نصب أعينهم، والعدالة هي هذه الغاية.

وما يقوله القانونيون هو ما أشار إليه بدقة الفقيه الحنبلي "ابن القيم" في "إعلام الموقعين" إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل.

وهذه الأصول الشرعية والتشريعية تجعل من مناهج البحث ومواد التدريس دوائر متكاملة لتحقيق غايات الشريعة، حيث لابد من أن يحتوي المنهج والدرس كلاهما ما يغطي فقه الواقع وفقه النص بلغة "ابن القيم"، كما يقول "الدكتور إردشيك" الفقيه الألماني: "إن تدريس القانون يجب أن يتناول القانون كمثال وكواقع، ويقول بحق فيما يتعلق بتدريب قضاة المستقبل إن الغرض الأساسي والرئيسي منه هو خلق الإدراك القانوني الصحيح، وتكوين شخصية القاضي الممتاز".

فلا يكفي -كما يرى الفقيه الفرنسي " كابيتان"- لفهم القانون ومعرفته مجرد النظر إليه كشيء جامد في حال سكون، كما يفعل ذلك من يدرسه في الشروح، بل يلزم لفهمه ومعرفته النظر إليه، وهو في حال نشاط وحركة، وهذا يتطلب من رجال الفقه الإسلامي التعامل مع كتب النوازل والفتاوي والأحكام، وهي تراث فقهي مذخور، تصل بعض مؤلفاته إلى مجلدات كثيرة، وما كتبه ابن سهل، وأبو عبد الله الأزدي، وابن المناصف، وابن الرامي والونشريشي، وابن عابدين، وابن حجر، وغيرهم يستحق دراسة خاصة تحتل مكانها في مواد الدراسة في كليات الشريعة والقانون في كافة الفروع، ومنها الفقه الجنائي، لقد ظلت هذه المؤلفات أمدًا طويلًا نتاجًا مهملًا ومجهولًا على الرغم من أنها تمثل الفقه المتحرك إزاء متون الفقه ومختصراته بشروحها وحواشيها، وهي الفقه الساكن الذي لا يزال جل اعتمادنا على ما جاء بين دفتيه، إن الفقه جدلية بين الواقع والنص، وينبغي أن تفرد لكتب النوازل -المنهج والموضوع- مساحات في مفردات الدرس الفقهي المعاصر، فالنوازل أشبه بمجموعات الأحكام القضائية التي لا يستغني عنها الفقيه والقاضي على السواء.

 

إن مشكلة التعليم الفقهي هي كيفية الاستفادة من سنوات الدراسة المخصصة لتعليم الشريعة والقانون، وبصفة خاصة في كيفية إيجاد التوازن بين أمرين:

أ- التعليم المنهجي: أي تكوين عقل الطالب، وإثارة إدراكه بالمشاكل الفقهية العميقة المتعلقة بالتشريع والقانون، وتزويده بالعلوم المساعدة التي تجعله قادرًا على استنباط الأحكام من المصادر أو إنزال الأحكام على الوقائع.

ب -التمرين المهني: الذي يجعله يحيط بالأشكال القانونية المختلفة، وما يصحبها من إجراءات، وما يحيط بالدعاوي من خفايا وحيل وصعوبات.

 

إن مستوى الخريج المطلوب ينبغي أن يكون قادرًا على التعامل مع النص القائم، أو اختيار النص الملائم، والتعاون مع القائم على أمر التشريع من أجل إصلاحه، ومواكبة تغير الأحوال والزمان والمكان، باجتهاد لا يقطع النص ولا يقاطع الواقع.

 

رابعًا: نحو منهج لتدريس الفقه الجنائي الإسلامي

من الصعب على باحث بمفرده أن يصمم منهجًا دراسيًا، فأي منهج لابد أن يوضع في ظل سياسة تعليمية معده سلفًا، واستقر الرأي فيها -قبل تصميم المنهج- على فلسفة وأهداف ورسالة الكلية، وما يجب أن يكون مجالًا للتركيز في مستوى الدراسة الجامعية، وما ينبغي تقديمه لطالب الدراسات العليا، وما هو حجم المنهج المطلوب تدريسه، وما هو النظام الذي يتم تقديم المنهج من داخله، كل هذه أسئلة قبلية تعتبر الإجابة عليها المدخل الطبيعي والضروري في محاولة اقتراح منهج، أو التوصية بمفردات دراسية، وفي حالتنا –" كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات"- فإن القَدْر الذي أتيح من المعلومات يدعو إلى تصميم منهج يتم في داخل نظام للساعات المعتمدة، وهو نظام له جذوره في ثقافتنا، يقول "توماس لامونت" (2) في بحث له عن "نظام الساعات المعتمدة - نشأته وتطوره": "منشأ ومصدر نظام الساعات المعتمدة يمكن إرجاعه إلى تاريخ النظام الاختياري"، وقد نبتت بذور النظام الاختياري في بعض جامعات العصور الوسطى، وفي ظل تقاليد التعليم الإسلامي. نشأت مدارس المساجد أو المدرسة..، وقد ترك للطالب حرية اختيار المدرس والمادة والحلقة الدراسية والموعد الدراسي، بالإضافة إلى عدد المحاضرات التي تعطي في فترة زمنية محددة". وهذا النظام بعد تعديله وفق تطورات ثقافية ومنهجية، هو أساس الساعات المعتمدة، وفيه يسمح للطالب باختيار التخصص مع إتمام مقررات مطلوبة داخل كل تخصص، بالإضافة إلى مقررات المعرفة العامة المحددة من جانب الجامعة، وبهذه الطريقة يعتبر نظام الساعات المعتمدة وسيلة لتطبيق النظام الاختياري، مع إعطاء قيمة لكل مقرر على حدة، من حيث وزنه داخل ما يعرف بمتطلبات التخرج لأي درجة ممنوحة.

 

فنظام الساعات المعتمدة إذن ما هو إلا وسيلة لإيجاد توازن ما بين فلسفتين تعليميتين:

أ‌- نظرية التحول في التعليم: والتي تقوم على إتمام مقررات مفروضة، وترى أن نقل المعرفة يتم بصورة إجبارية.

ب‌- نظرية التخصص في التعليم: وهي تجعل كل المقررات اختيارية، بافتراض أن الطالب سيختار المقرر الدراسي وفق دوافع ذاتية، وأن التحصيل سيتم وفق إقبالة على المقرر الذي اختاره.

 

ويمكن القول بصفة عامة أن صورة التوازن التي يسعى إليها نظام الساعات المعتمدة لا يختلف كثيرًا عن التوازن الذي عملت على إيجاده مدارس المساجد والمؤسسات التربوية الأولى في التاريخ التعليمي عند المسلمين.

 

وإعداد منهج دراسي للقانون الجنائي بتضمن الخطوات الآتية:

  • تحديد أهداف المنهج.
  • اختيار طريقة التدريس.
  • تصميم المقررات العلمية.

 

1- تحديد أهداف المنهج:

إن التشريع في أي مجتمع -كما يؤكد علم الاجتماع القانوني- هو حصاد ما تعارف عليه المجتمع من مثل ومبادئ، ومن ضوابط وقواعد، ونظام تشريعي مستمد من الشريعة الإسلامية، لابد أن يحافظ على أصولها، فهو محكوم بالثوابت التي هي لب التشريع -نظام الحدود مثلًا في التشريع الجنائي- ويعترف بالمتغيرات التي تجعل من الاجتهاد آلية فعالة في الاستجابة لظروف الزمان والمكان.

 

وأهداف هذا المنهج هي:

أ‌- دراسة القانون الجنائي مرتبطًا بأصوله الشرعية في فتح باب الاجتهاد المعاصر؛ لأن الفقه الإسلامي -كما يقول العلامة السنهوري- لا يقتصر على دراسة الأحكام القانونية التي تدخل في نطاق علم الفروع، بل إنه يشتمل على شق آخر هو علم الأصول، الذي يدرس مصادر التشريع، ويبحث في طرق استنباط الأحكام الفرعية من المصادر.

ب‌- تعميق المفهوم الاجتماعي للجريمة، باعتباره ظاهرة اجتماعية، وليس مجرد فكرة قانونية -وكما يقول الدكتور علي راشد بحق- فلا يبقى القانون الجنائي أداه لمجرد الوعيد والعقاب بغير هدف اجتماعي إنساني، وكل قيمته العملية تنحصر في أنه بضاعة قانونية صرف لمنفعة طائفة من المحامين، بالإضافة إلى أنه جهاز يكلف الدولة أبهظ النفقات والعباء، فمن بديهيات النصف الثاني من القرن العشرين ضرورة تغيير مفهوم القانون الجنائي -تشريعيًا وقضائيًا ومدرسيًا- من مجرد دراسة محورها النصوص الجامدة تشرح المتن وتسير وراءه، إلى مادة واقعية محورها الإنسان.

ولم تستجب كليات الحقوق في عالمنا العربي لهذا التطور المنهجي إلى الحد الذي جعل البعض يقارنها بمصانع الطرابيش.

 

2- اختيار طريقة التدريس:

إن صناعة العقل الفقهي من خلال كليات الشريعة والقانون ونظائرها يستدعي اختيارًا دقيقًا لمنهج التفكير وطريقة التدريس، ورغم تنوع الطرق والأساليب، إلا أن الاكتفاء بالمحاضرات الصماء بعيدًا عن الاستجابات العملية للفكرة وللنصوص، تبعدنا عن صناعة العقل الفقهي المنشود.

في بعض كليات القانون في الولايات المتحدة الأمريكية يتم تدريس القانون بالطريقة المصطلح عليها –"طريقة القضايا case method"-، والتي تقوم على عرض القضايا المتصلة بالموضوع محل المحاضرة قبل إلقائها؛ لإمكان متابعة المناقشة، والإسهام فيها، كما أن بعض الكليات تستعمل طريقة عرض المشكلات problem method وهي أشبه بطريقة عرض القضايا، إلا أنها تعرض مشكلات مجردة قد لا تكون أحداثًا واقعية جرت في ساحات القضاء.

وهذا اللون من التفكير التعليمي في تدريس القانون -شرعيًا كان أو وضعيًا- ليس بعيدًا عن الثقافة الإسلامية، فقد ابتدعت مدرسة القضاء الشرعي في مصر مادة دراسية للوصول إلى ذات الهدف، وهي مادة "القضايا ذات المبادئ، وقد زودت المكتبة الفقهية من خلال أعلام القضاء الشرعي الذين انتدبوا لتدريس هذه المادة، بعدد من المؤلفات الهامة منها كتاب "الحياة القضائية" للأستاذ محمد ضاحي أستاذ مادة القضايا ذات المبادئ بكلية الشريعة جامعة الأزهر، وقد أصدره عام 1938 ومنها أيضًا كتاب "الإجراءات القضائية الشرعية والقضايا ذات المبادئ" والذي أصدره عام 1952م الأستاذ "مجاهد الدولتلي" عضو المحكمة العليا الشرعية وأستاذ المادة بإجازة القضاء الشرعي.

ولا شك أن هناك خلافًا بين ما انتهجته كليات القانون في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبين ما كان عليه الأمر في كلية الشريعة ومدرسة القضاء الشرعي، فعندهم كانت القضايا طريقة للتدريس تستوعب المقررات الدراسية جميعها، وعندنا كانت مادة للدراسة، ولكن الهدف كان واحدًا عندنا وعندهم، وهو تطوير الدراسة القانونية لتصبح القضايا العملية أساسًا مهمًا من أسس المنهج الدراسي.

 

وعلى مستوى التعليم المقارن، تنحصر طرائق التدريس القانوني فيما يلي:

أ‌- طريقة المحاضرات، وفيها يجتمع الطلاب للاستماع إلى جزء من المقررات يحاضر فيه الأستاذ، ونجاح هذه الطريقة يعتمد على عدة أمور منها:

–  قدرة الأستاذ على توصيل مادته.

–  مدى انتباه الطلاب.

–  مدى اشتراك الطلاب في المحاضرة بالحوار والأسئلة.

 

وإذا لم يتحقق الوجود الإيجابي لهذه العناصر، أو كانت المحاضرة مجرد قراءة لصفحات من كتاب مقرر، فإن هذه الطريقة تكون غير مؤثرة، وإن كان بعض الباحثين منهم الفقيه الفرنسي "رينيه دافيد" يرون في طريقة المحاضرات "الطريقة الوحيدة الممكنة للتدريس للأعداد الكبيرة"، وتمتاز هذه الطريقة بما يلي:

– تسهيل تدريس القوانين التي تم إصدارها في تقنينات، بحيث يصبح هذا التدريس منتجًا وفعالًا من خلال الشرح المنظم، وكثير من المؤلفات القانونية الضخمة جاءت حصادًا لمحاضرات الأساتذة في قاعات الدرس وفق هذه الطريقة.

– أن الطالب اليقظ يجد لذه عقلية في متابعة الأستاذ تنعقد بها صلة روحية لها أهميتها، ويستطيع الطلاب الاستفادة من ملاحظة كيف ينظم المحاضر الكبير موضوعه، وكيف يعرضه بصورة تبرز تطور قواعده، ومنطقية حججه وأدلته، ومقدرته في الوصول إلى الحل النهائي، أو ترجيح الآراء التي يعتنقها المحاضر، يقول الأستاذ "بودان": "إن هذا النوع من الدروس إذا لم يتم عن طريق القراءة يجرد الأفكار للمستمع، ويبرز الفكرة الواحدة". ويقول الأستاذ "جروير": "إن المحاضرات الشفوية أكثر تنشيطًا من الكلمات المكتوبة، أو يجب أن تكون كذلك".

وعندنا أن أهمية المحاضرات ليست مطلقة لأنها تحتاج إلى أستاذ وطالب كلاهما يحس بأهمية الزمن المحدد وضرورة تقسيمة في المحاضرة بالصورة التي يتحقق بها الهدف، فطريقة المحاضرات وحدها غير كافية، وينبغي إكمالها بطرق أخرى.

 

ب‌- نظام جماعات المناقشة:

توجد صور مختلفة لهذه الطريقة، ففي بعض الجامعات التقليدية في الغرب يقوم طالب أو طالبان معًا بزيارة المدرس في غرفته الخاصة في وقت معين من كل أسبوع؛ لقضاء ساعة معه في مناقشة شخصية، ويكون العمل الرئيسي لهذه المناقشة، موضوعًا قانونيًا اختير في الأسبوع السابق وكتب الطالب مقالًا قصيرًا فيه، ويتقدم الطالب لقراءة البحث بين يدي أستاذه، والذي يقوم بمناقشته ونقده.

والاعتراض الرئيسي على هذه الطريقة، يكمن في تكلفتها، فهي تتطلب مدرسًا مؤهلًا تأهيلًا كاملًا لكل عشرين أو ثلاثين طالبًا. وأعتقد أن هذه الطريقة لها جدواها وفعاليتها إذا استخدمت في كلية الشريعة والقانون بدولة الإمارات، بل وفي كل دول الخليج؛ لأن البيئة المادية وأعداد الطلاب تسمح بالاستفادة من مميزاتها، وقد طبق نظام مماثل في ألمانيا، وفيه يناقش الأستاذ مع طلابه قضايا سبق لهم إعدادها، وقد قرر الأستاذ الألماني "إردشيك" أن قيمة هذه الطريقة كانت كبيرة للغاية.

ويختلف حجم جماعات المناقشة باختلاف البلاد، ففي إحدى كفتي الميزان نجد نظام جماعات أكسفورد التي تتكون من طالب أو طالبين ومدرس، وفي الكفة الأخرى نجد فصولًا للمناقشة تضم خمسين أو مائة، وهي منتشرة في الولايات المتحدة، ولا شك أن جماعات المناقشة تفقد مزاياها بكثرة الأعداد، حيث يندر تحقيق مناقشات جدية يشترك فيها الجميع.

كما أن مادة المناقشة يمكن أن تكون المسائل التي تمت دراستها، أو المقالات التي كتبها الطلاب، والحوار في كلا الاتجاهين له أهميته، لأن المقالة تنمي في الطالب القدرة على البحث والتعبير، والمسألة تنمي في الطالب القدرة على صياغة السؤال وتطبيق المبادئ المجردة التي درسها على الحقائق الواقعية. وتعد القضايا الافتراضية أو فقه الفروض شكلًا معتادًا في هذه الطريقة.

وعندنا أن إضافة "نصوص للقراءة" من كتب الفقه الإسلامي ذات أهمية خاصة إذا ما استخدمت هذه الطريقة حتى يمكن فتح الأبواب المغلقة أمام طلاب أقسام الشريعة؛ ليعرفوا الكتب الأساسية في المذاهب المختلفة، من ناحية المنهج والمصطلحات، وآليات الموازنة بين الآراء وكيفية التعامل مع الراجح والمرجوح.. إلخ، وتلك مساهمة لها أهمية قصوى في صناعة العقل الفقهي.

 

ج- طريقة القضايا:

لقد كانت هذه الطريقة هي الغالبة في دول common law، لكنها واجهت العديد من الصعوبات، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وهي البلد الذي نشأت فيه.

والحقيقة، فإن أهم نقد وجه لهذه الطريقة صدر عن القاضي الأمريكي "جيروم فرانك"، الذي لاحظ أن الحكم القضائي الذي يتعين على الطالب دراسته ليس هو القضية بل جزءًا صغيرًا منها هو الجزء الأخير، ويرى الأستاذ "فرانك" أن دراسة القضايا يجب أن يكون جزءًا فقط من تدريب الطالب، وأن هذا الجزء يصبح أكثر قيمة إذا التزم الطالب بدراسة عدد قليل من القضايا، ولكنه لم يقتصر على دراسة الأسباب القضائية، بل جعلها شاملة لملف القضية كاملًا ابتداءً من إعلان أوراقها الأولى إلى أن تصل إلى محكمة الموضوع، ثم من خلال نظرها في المحاكم العليا.

وطريقة مدرسة القضاء الشرعي وكلية الشريعة في مصر كانت تتجاوز هذا النقد بطريقة فعالة، فهي تختار قضاة المحكمة الشرعية العليا لتدريس مادة القضايا ذات المبادئ، وهؤلاء يقدمون لطلابهم أحكام أصدروها هم، فيدرس الحكم كله في إطار ما ثار حوله من ردود وحدود منذ كان مجرد أوراق في ملف إلى أن أصبح حكمًا، وغالبًا ما كان الأستاذ يواجه الانتقادات التي عرضت للحكم، فكانت الدراسة متعة عقلية وحوارًا فقهيًا، قوي التأثير عالي المستوى.

ويلاحظ الأستاذ "جروير" فارقًا بين الطريقتين الأمريكية والإنجليزية، فالطالب الأمريكي يزوده مدرسه عادة بكتاب للقضايا مقدمًا، أما في إنجلترا فيتم تشجيع الطلاب على أن يكوّنوا كتب القضايا بأنفسهم، من المجموعات الأصلية.

وفي الفقه الإسلامي تحتل هذه الطريقة أهمية خاصة، ليس فقط لربط طالب الشريعة بحركة الواقع، وتطبيقات النصوص؛ بل لأنها تواجه نقدًا مغرضًا صدر عن عدد من المستشرقين، يمثله قول "شاخت": "إن الظروف التي أحاطت بالشرع الإسلامي عند نشأته عملت على تطويره دون أن يكون وثيق الصلة بالحياة العملية، بل كان يصور مثلًا دينيًا أعلى مخالفًا للأوضاع العملية".

وفي مجال تطوير الدرس الجنائي نرى ضرورة الجمع بين هذه الطرق الثلاث، فتنويع الطريقة يكفل بداية قوية لدرس جنائي يعتمد تشريعًا جنائيًا حديث التطبيق، ويتغلب على كسل الطالب من ناحية، ومعوقات العملية التعليمية -وهي كثيرة- من ناحية أخرى.

ونضيف إلى محاولة المزج عددًا من الوسائل المساعدة مثل مجلات الطلاب، والأفلام التعليمية، زيادة المكتبات، والتردد على المحاكم باعتبارها جزءًا من مفردات المنهج، وهذا أفضل من إنشاء قاعات محاكم في كليات الشريعة والقانون يحس فيها الأستاذ والطالب أنهما يمثلان نصًا مكتوبًا لا يعبر عن واقع معاش.

 

3- تصميم المقررات العلمية: يعني نظام الساعات المعتمدة -من زاوية تصميم المقرر الدراسي- ما يلي:

أ‌- أن كل تخصص يمكن تقسيمة إلى مقررات متفرقة.

ب‌- أن لكل طالب أن يختار تخصصًا رئيسيًا أو تخصصًا مركزًا.

ج- أن تكون بعض المقررات التي تكون المنهج محددة، والبعض الآخر اختياريًا.

د- إيجاد طريقة معترف بها ومحددة لقياس وزن كل مقرر على حدة.

 

فحتى نصل إلى صياغة مقررات  المنهج الدراسي، وحتى نقترح مقررًا دراسيًا، لابد من استيفاء المراحل السابقة، ثم يتم الاتفاق على المعلومات التي يتم تحصيلها في مراحل الدراسة، ويتم توزيعها إلى مقررات لكل مرحلة تبدأ بالكليات أو بالمقرر العام؛ وصولًا إلى المنهج الخاص المختار، وبعد اختيار هذه المقررات يتم توصيف الجزء المقرر في كل فصل دراسي من الفصول الثمانية، والوصول إلى الشكل النهائي للمقررات وعددها وعدد الساعات المعتمدة المتخصصة لكل مقرر، وكذلك العدد الكلي للساعات في كل فصول الدراسة، كل هذا ينبغي أن يدرس بعناية كافية، ويعرض للنقاش على نطاق واسع: وقبل أن نقدم مقررات مقترحة من جانبنا نشير إلى ما يلي:

أ‌- أن عملية اختيار المقررات الجنائية لابد أن تأخذ في اعتبارها أن تصميم المنهج يتم في إطار نظام الساعات المعتمدة، وهذا يعني الاختيار داخل التخصص الجنائي، سواء كان الاختيار مطلقًا، حيث يستطيع الطالب أن يختار أي مقرر من المقررات المطروحة في القسم العلمي التابع له، أو كان الاختيار مقيدًا بحيث لا يختار الطالب إلا من بين مجموعة محدودة على الجدول الدراسي.

ب‌- أن المقرر الجنائي المقترح يميل ألا يفسح مكانًا كبيرًا لما يسمى بالقسم الخاص في المدونة الجنائية، بل يدعو إلى اختيار نماذج معينة في ضوء مجموعة من المعايير، وتخضع هذه النماذج لدراسة مفصلة تفرضها الحاجة إلى فهم الشريعة أو تعميق الوظيفة الاجتماعية للنص الجنائي. وهذا قد ينقل دائرة البحث إلى موضوعات غير تقليدية تستوعب ما يطلق عليه القوانين الجنائية الخاصة.

ج- ينبغي أن تحتل العلوم الجنائية المعاصرة مكانها في مفردات الدرس الجنائي، وفي مقدمتها علم الإجرام والعقاب وعلوم السياسة الجنائية وعلم المجني عليه.

د- إن الدرس الجنائي ينبغي أن يراعي اختلاف الفلسفة والمنهج بين الشريعة الإسلامية، والفكر الوضعي، فهناك تمايز ضروري بينهما، فلا يمكن في ظل الفقه الإسلامي دراسة الحدود نصوصًا وشروحًا إلا ومعها قواعد الإثبات التي تعد جزءًا لصيقًا بالحد في جانبه الموضوعي، خاصة وأن جرائم القصاص والحدود هي ثوابت النظام الجنائي الإسلامي.

 

وقد حاولت بعض الأقطار العربية التغلب على مشكلات تطبيق الشريعة الإسلامية، خاصة في جانبها السياسي بإعداد تشريعات للحدود مستقلة عن مجموع المدونة الجزائية، بدعوى أن المدونات الحالية تغطي نظام التعازير، بينما يتطلب نظام الحدود بحوثًا فقهية وتهيئة اجتماعية، ونظمًا قضائية قد يستغرق تحقيقها سنوات طوال.

 

إلا أن -وكما قيل بحق- أسلوب إصدار الجرائم الحدية في تشريعات مستقلة أو موحدة بعيدًا عن المدونة الجزائية العامة، يضع أحكام الشريعة الإسلامية في القصاص والحدود في مرتبة تالية لمرتبة "التعزيزات"، وهو وضع معكوس؛ لأن الجرائم والعقوبات الحدية هي لب التشريع الجنائي الإسلامي، بالإضافة إلى أن الركائز الفلسفية للمسئولية الجنائية، وأصلها ثابت في القرآن والسنة؛ هي عامة في كل الجرائم الحدية، وفي كل تعزيز ينطوي على معنى الجزاء، الأمر الذي يجعل الفصل بينهما في إطار تشريعات مستقلة من العيوب الفنية في التشريع.

والرأي عندنا أن المادة التشريعية في مجال الدرس الجنائي تحتوي على قسمين هما:

أ‌-   النص الديني الإسلامي، وما يفرضه من التزام بحكمه.

ب‌- النتاج الفقهي الإسلامي عبر العصور المختلفة، بما يتطلب الإحاطة بأنساقه الاجتهادية التي أقامها في كليات المسائل، وفروعها على السواء، كما يتطلب الإحاطة بمصطلحات الفقه، وإمكانية وجودها المعاصر، وأراء الفقهاء، والأسس الفنية لمذاهب التشريع، الأمر الذي يفرض أسلوب الدراسة المقارنة، باعتباره أفضل الأساليب في الدرس الجنائي المنشود، والأصول العلمية لهذه الدراسة المقارنة يمكن تلخيصها في أربعة:

  • أن تشريع كل أمة هو من خصائصها، وله ارتباط، وثيق بدينها، وأخلاقها، وتقاليدها.
  • أن هذه الخصوصية لا تمنع الاستفادة من الخبرة البشرية في مجال النظم الجنائية -وغيرها من نظم القانون- استعارة واستنارة، وتكفل السياسة الشرعية الأساس الفقهي لهذه النقول المستحدثة.
  • أن المقارنة بين الشرائع تكون في الأصول والمبادئ، وليس في الفروع والتفاصيل، وكلما كانت بين أنساق فقهية كبرى كلما كانت المقارنة ذات جدوى أكبر وتأثير أفضل.
  • أن المقارنة الصحيحة بين الشرائع أو في داخل الفقه الإسلامي المذهبي، ينبغي أن تحيط بالفكرة محل المقارنة إحاطة تستوعب تاريخها وتطورها وأسسها الفنية في داخل المذهب حتى لا تنتزع من سياقها، وحتى يمكن وضعها في بناء تشريعي حديث يكفل صحة النقل وتناسق البناء.

 

ونرى أن الدرس الجنائي على هذا النحو ليس سهلًا، خاصة وأن التحولات الراهنة قد تفرض على البعض أحكامًا تصدر تحت مظلة السياسة الشرعية، وواقعها أقرب إلى السياسة الظالمة، وقد لاحظ” مجيد خدوري” في أكثر من دراسة له أن المشرع المعاصر في البلاد الإسلامية رغم إعلان ضرورة الاقتراب من الشريعة الإسلامية واعتبارها المصدر الأساسي للتشريع في عدد من الدساتير، إلا أن وجهة التشريع في كثير من هذه البلدان تجسد في الواقع العملي علمانية تشريعية، وهو ما نحذر منه في نصوص التشريع ومناهج الدرس.

 

والله ولي التوفيق

_________________________ 

لتحميل ملف الدراسة

الهوامش

 

(*) ورقة مقدمة إلى ندوة كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات العربية المتحدة (نقلًا عن: مجلة المسلم المعاصر، السنة العشرون، العدد 78، ربيع الثاني - جمادي الأول - جمادي الثاني 1416هـ، نوفمبر - ديسمبر 1995م - يناير 1996م، نُشر بموقع المجلة في 1 نوفمبر 1995م).

(**) أستاذ مساعد "قسم الشريعة الإسلامية كلية الحقوق" - جامعة الإسكندرية.

  1. أ. ه. كامبيد، دراسة مقارنة لطرق ومعاهد تعليم القانون، ترجمة د. محمد لبيب شنب، 1968م.
  2. أستاذ أمريكي شغل لسنوات عدة منصب عميد الكليات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

يتناول بحث "التراث السياسي الإسلامي وحقوق الإنسان" للدكتور مدحت ماهر واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الفكر الإسلامي المعاصر، حيث يحاول تقديم إجابة عن سؤال شائك ومتشعب: ما عناصر رؤية التراث السياسي الإسلامي لحقوق الإنسان؟ وكيف يمكن مقارنتها بالتناول الحديث لهذه الحقوق؟

يتسم البحث بصعوبة المصادر وتنوعها، حيث إن التراث السياسي الإسلامي غني ومتعدد الأبعاد، كما أن قضية حقوق الإنسان في العصر الحديث معقدة ومركبة، ما يجعل المقارنة بينهما تتطلب تعمقًا وتفكيكًا دقيقًا.

وقد استهل د. مدحت ماهر بحثه بالإشارة إلى تلك الطبيعة المتشابكة والمعقدة للتراث السياسي الإسلامي، معتبرًا أن هذا التراث يتضمن كمًا هائلًا من المؤلفات والمفاهيم التي تراكمت على مر العصور، ما يجعل من الصعب أحيانًا تحديد رؤية موحدة أو واضحة بشأن موضوع محدد مثل حقوق الإنسان. ومن ناحية أخرى، يعترف الكاتب بتعقيد قضية حقوق الإنسان في العصر الحديث، حيث يختلف تناولها بناءً على السياقات الفكرية والعملية، ومستويات التحليل التي تتراوح بين البعد الفلسفي النظري والبعد القانوني أو العملي المرتبط بالتطبيق في الواقع المعاصر.

 

نقد الرؤية التراثية لحقوق الإنسان:

يبدأ الباحث بتناول بعض الآراء التي تشكك في وجود مفهوم "حقوق الإنسان" في التراث الإسلامي. فالبعض، من إسلاميين وعلمانيين على حد سواء، يرون أن مفهوم حقوق الإنسان بصيغته الحديثة لا يوجد في التراث الإسلامي، إذ لم يكن الإنسان في الرؤية الدينية الإسلامية مركزًا للعالم كما هو الحال في النظريات الحديثة، التي تجعل من الإنسان قيمة محورية.

يركز النقد العلماني والغربي على نقاط رئيسية، منها: غياب حريات التفكير والتعبير والاعتقاد، التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، وعدم الاعتراف بمفاهيم حديثة مثل المواطنة والمساواة بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون. يضاف إلى ذلك، أن التراث السياسي الإسلامي تعرض لانتقادات تتعلق بتكريس التمييز الديني عبر نظام أهل الذمة، وتبرير الانقلابات والاستيلاء على السلطة بوسائل غير قانونية، مع التركيز على مفاهيم الطاعة المطلقة للحاكم.

 

الرد على الانتقادات:

على الرغم من وجود بعض الصدقية في هذه الانتقادات، إلا أن الباحث يرى أن هناك مشكلة أساسية في هذه الرؤية السلبية، فالكثير مما يُنقد في التراث السياسي الإسلامي له جذوره في النصوص الشرعية الإسلامية، بما في ذلك بعض الأحاديث النبوية التي تعتبر مرجعية مهمة في الفكر الإسلامي. إلا أن البعض يحاول تجاوز هذه الانتقادات إما عبر إنكار بعض النصوص أو عبر رد السنة بشكل كامل.

وفي مواجهة هذه الانتقادات، يشير د. مدحت ماهر إلى ضرورة إعادة النظر في طريقة التعامل مع التراث السياسي الإسلامي. فهو يرى أن هناك عمليات تشويه وتعميم سلبية حدثت في النخب الأكاديمية والثقافية، التي رسخت في أذهان الأجيال الناشئة أن هذا التراث لم يكن سوى عقبة أمام التطور والاعتراف بحقوق الإنسان. وهذا التصور قد تعزز بفعل الإنتاج الفكري الأكاديمي والإعلامي خلال القرن الماضي.

 

رؤية بديلة للتراث:

على النقيض من هذه الرؤية السلبية، يقدم الباحث رؤية أخرى ترى في التراث السياسي الإسلامي مصدرًا لإقرار حقوق الإنسان، بل يعتبر أن الإسلام نفسه هو الذي يمنح الإنسان حقوقه الأساسية. وهذه الرؤية تستند إلى المفاهيم الإسلامية التي تكرس للعدالة الاجتماعية، والمعاملة الحسنة للجميع بغض النظر عن الدين أو العرق، وتُقدِم أمثلة على تسامح الإسلام في التعامل مع غير المسلمين في فترات معينة من التاريخ.

كما يرى الباحث ماهر أن التراث الإسلامي يحتوي على مبادئ يمكن أن تكون منطلقًا للتعامل مع حقوق الإنسان، سواء كان ذلك في التعامل مع المرأة، أم مع الفئات المستضعفة، أو مع الأقليات الدينية. وعلى الرغم من أن بعض الفترات في التاريخ الإسلامي شهدت انتهاكات، إلا أن هذه التجاوزات لا تلغي وجود أصول قوية في الفقه والسياسة الإسلامية تدعم العدالة والمساواة.

 

موقف البحث من التراث:

يؤكد البحث أن قراءة التراث السياسي الإسلامي لا يمكن أن تقتصر على النصوص الدينية، بل يجب أن تشمل أيضًا ممارسات المسلمين الأوائل وتجاربهم السياسية. ويتبنى الباحث موقفًا نقديًا من بعض المدارس الفكرية، خاصة تلك التي تعتمد على قراءة الممارسات العملية بمعزل عن النصوص، مثل المدارس الاستشراقية. ويشير إلى أن التراث الإسلامي يشمل موروثًا فكريًا ضخمًا يعبر عن رؤية متكاملة للحكم والسياسة، تستند إلى المرجعية الإسلامية.

 

السياسة في التراث الإسلامي:

واحدة من أهم القضايا التي يناقشها البحث هي مفهوم "السياسة" في التراث الإسلامي، حيث يشير الباحث إلى أن السياسة في التراث الإسلامي تختلف عن نظيرتها في الفكر الغربي المعاصر، فبينما ترتبط السياسة في الفكر الغربي بالوظائف الحكومية والإدارة العامة، فإنها في الفكر الإسلامي تُعتبر جزءًا من الدين نفسه، حيث تتعلق بإقامة العدالة وتحقيق الصلاح العام. فالسياسة ليست مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف الدنيوية، بل هي عمل ديني يُقصد به التقرب إلى الله، وهو ما يعكس طبيعة الترابط الوثيق بين الدين والسياسة في الفكر الإسلامي.

 

حقوق الإنسان في التراث السياسي الإسلامي:

بالعودة إلى السؤال الأساسي الذي يطرحه البحث: هل هناك حقوق إنسانية في التراث السياسي الإسلامي؟ وكيف نقرأها في ضوء المقارنة مع الرؤية المعاصرة؟ يجيب الباحث بأن التراث الإسلامي يحتوي على مبادئ وتوجيهات تتعلق بحقوق الإنسان، لكن هذه الحقوق تختلف في تعريفها وتصورها عن الحقوق الحديثة. فحقوق الإنسان في الإسلام ترتبط بالالتزام بالأوامر الإلهية والواجبات تجاه الله والمجتمع. ومن ثم، فإن حقوق الإنسان في التراث الإسلامي لا يمكن أن تُفصل عن الدين، بل هي جزء من النظام الديني والأخلاقي الذي يحكم حياة المسلمين.

 

مقارنة مع الرؤية الغربية:

عند المقارنة مع الرؤية الغربية لحقوق الإنسان، لاحظ الباحث وجود اختلافات كبيرة في التصور والمنهج. ففي الرؤية الغربية، تُعتبر حقوق الإنسان حقوقًا طبيعية وغير قابلة للتصرف، مستمدة من الكرامة الإنسانية ذاتها. بينما في الرؤية الإسلامية، تتحدد حقوق الإنسان بناءً على التزامات الإنسان تجاه خالقه وتجاه المجتمع، ما يجعلها متداخلة مع الواجبات الدينية.

واجمالًا؛ يتناول البحث بأسلوب نقدي مسألة حقوق الإنسان في التراث السياسي الإسلامي، ويضعها في سياق المقارنة مع الرؤية الغربية الحديثة. ويخلص إلى أن التراث الإسلامي يحتوي على مبادئ هامة يمكن الاستفادة منها في تطوير رؤية شاملة لحقوق الإنسان، لكن يجب فهم هذه المبادئ في إطار المرجعية الإسلامية التي تشكل أساس الفكر السياسي في الإسلام.

 

نتائج الدراسة:

أجمل الباحث في ختام بحثه نتائجه على النحو التالي:

- بيننا وبين التراث السياسي الإسلامي العديد من المشكلات والعقبات، منها قلة المطالعة المباشرة لنصوصه وهذه لها عوامل عدة، ثم الرؤى المسبقة التي باتت تحكم المسافة بيننا وبين هذا التراث. وفيما يتعلق بحقوق الإنسان في هذا التراث فإن الشبهات والمطاعن ومن ثم الردود والمدافعات أكثر بكثير من الدراسات المباشرة للنصوص الدراسات المعتبرة للأصول المرجعية والسياقات الموضوعية، التي تستكشف الحقائق وتقارنها بين الرؤية التراثية وما عداها؛ الأمر الذي حاولت هذه الدراسة أن تقوم به.

- إن الإعلان العالمي الحقوق الإنسان لم ينشأ من فراغ، إنما في بيئة فكرية سقته من معين فلسفتها ومنحت مفاهيمه الأساسية -من الإنسان والحق والمساواة والحرية وما إليها- دلالتها الخاصة والمتميزة؛ والتي تشكك الدراسة في عالميتها وإن تواصلت عمليات عولمتها لما يقارب القرن قبل إصدار الإعلان، وفي الفترة التالية عليه. كما أن الإعلان نشأ في لحظة تاريخية معينة لها محدداتها من التأثر بما جرته النظم الشمولية النازية والفاشية من ويلات على البشرية ومن ثم اتسمت مفاهيم الإعلان وقضاياه الرئيسة ورؤيته والمنطق الكامن في أحشائه بسمات: الليبرالية التي تقدم الفرد قبل كل شيء، والعلمانية المتجاهلة لما قبل الإنسان ولما قبل الدولة، وتوجيه الاعتبار الأكبر إلى الثنائية التضادية بين الفرد والسلطة، والمجتمع والدولة مع ترجيح كفة الشق الأول في الحقوق والمزايا؛ تأثرا بالسياقين الفكري والواقعي الذين برز فيهما الإعلان. ولا شك أن ثمة تطورا قد طرأ على الخطاب الحقوقي عبر السنوات التالية لصدور الإعلان وإن كانت طفيفة ولا تتعرض الجوهر فلسفته، وقد تجلت هذه التطورات في العهدين الدوليين في أواسط الستينيات من القرن المنصرم؛ حيث ظهر فيهما- بفعل الحرب الباردة بعد اجتماعي وجماعي وإن لم يصل إلى موازنة المسألة. لكن الكثير من مفردات الإعلان التي تم إفرادها بوثائق خاصة -من مثل حقوق المرأة- قد شهدت -بفعل الحركات الأنثوية- غلوا وابتعادا يفوق بكثير ما كان عليه الإعلان.

- بانتقال المجهر إلى ساحتنا العربية والإسلامية، نجد أن العلمانيين والمتغربين كانوا أسبق إلى تلقي رؤية الإعلان وفلسفته وتبنيها، وإنشاء خطاب حقوقي علماني كانت أهم سماته هو التوجه به لانتقاد الخبرة الإسلامية الفكرية والتاريخية من منطلق مفاهيم الإعلان وقضاياه الأمر الذي وصل ببعضهم إلى توجيه الانتقاد لبعض ما جاء في الشرعة الإسلامية ونصوصها نفسها، في مثل قضايا الردة والحدود العقابية والتمييز في شهادة المرأة وميراثها وما إليه. ومن ناحية أخرى تعددت أوجه تلقي أرباب المرجعية الإسلامية للإعلان والخطاب الحقوقي الذي اتصل بالإعلان سواء من الداخل أم من الخارج، وغلبت سمة المقارنة والمقاربة على الكثير من التعاطيات مع هذا الإعلان: دفعا لشبهات المشتبهين عن الدين والتراث، ثم من باب المشاركة في إبراز الرؤية الإسلامية لتكوينات الدولة المنشودة وما تتسم به من انفتاحية وتعددية ومراعاة للفرد والأقليات والمرأة وسيادة القانون -الذي هو الشريعة- على الحاكم قبل المحكوم.

- ومن ثم تحدد سؤال الورقة في استكشاف رؤية التراث السياسي الإسلامي لهذه القضية الحقوقية كما يصورها الإعلان والخطاب المنبثق عنه، وذلك من خلال استنطاق نصوصه التي استقيناها من مداخل أو مجالات أربعة (هي المدخل الفلسفي والفقهي والأخلاقي والعمراني) واقتصرنا فيها على التراث الفكري باعتباره نصوصا تكافئ نص الإعلان ونصوص الخطاب الحقوقي مع مراعاة السياقات. وتعرضنا فيها للمستويين المتعلقين بالمفاهيم الأساسية، والقضايا الحقوقية. وقد كشفت الدراسة عن أن مساحة الاختلاف مع فلسفة الإعلان ليست بالهينة، فالإنسان والحق المتعلق به في التراث السياسي الإسلامي ليس علمانيا ولا يمكنه أن يكون كذلك حال؛ إذ الدينية خصيصة مركوزة في جوهر التراث ومنتشرة في حناياه. تم إن الإنسان في الرؤية التراثية مركب من جواني وبراني غير منفصلين، وينبغي مراعاة كل من العنصرين في العلاقات السياسية والثقافة التي توجه كلا من الحاكم والمحكوم على حد سواء، وأن الخطاب الحقوقي -إذا أراد الاستفادة والتطوير- لابد أن تجتمع فيه (إلى جانب فلسفة التشريع ثم الفقه التشريعي نفسه بمرجعيته المتجاوزة للنسبية الوضعية)، تجتمع فيه الأبعاد المعرفية (التصورية العقدية)، والغائية المقاصدية، والقيمية الأخلاقية، والوجدانية المعنوية، والسننية العمرانية، بما يشكل منظومة متكاملة تحق الحق وتبطل الباطل وتراعي كلتا كفتي ميزان العلاقة. ولم يكن هذا ليعني انتفاء التلاقي بين الرؤية التراثية للحقوق الإنسانية والخطاب الحقوقي المعاصر.

 

_________________

* قدم هذا البحث ضمن أعمال مؤتمر "ستون عاما على الإعلان العالمي حقوق الإنسان"، المنعقد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية

جامعة القاهرة، تحت رعاية مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، ومنتدى القانون الدولي، ونشرته مجلة "المسلم المعاصر"، في عددها رقم (33)، السنة (130)، ص101-205.

** مدير مركز الحضارة للدراسات والبحوث، دكتوراه في العلاقات الدولية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

 

لتحميل ملف البحث