صدر حديثًا كتاب "مناهج تطوير قوانين الأحوال الشخصية: دراسة نقدية تطبيقية في المشاريع العربية" للدكتور أحمد حسين عثمان، عن دار العادل القانونية بالقاهرة. والكتاب يعد دراسة مهمة في حقل التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية في العالم العربي، حيث يتناول المؤلف بعمق الإشكاليات المتعلقة بتطوير هذه التشريعات في ضوء التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها المنطقة. ويطرح الكتاب مناهج جديدة للإصلاح والتطوير القانوني، مستندًا إلى تجارب سابقة وواقع القوانين الحالية.

وقد قدم للكتاب فضيلة الأستاذ الدكتور محمد قاسم المنسي (أستاذ الشريعة الاسلامية ووكيل كلية دار العلوم السابق بجامعة القاهرة)، وهو التقديم الذي اعتمدنا عليه في بيان أهمية الكتاب وما تضمنه من إضافات مهمة في موضوعه، وذلك على النحو الآتي:

 

أهمية الكتاب:

تنطلق أهمية هذا الكتاب من عدة محاور أساسية، منها أن قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي قد خضعت لتحولات كبيرة على مر الزمن. فمنذ الحقبة الاستعمارية وما تلاها من استقلال الدول العربية، ظهرت الحاجة إلى تطوير هذه القوانين بحيث تراعي المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وتحقق التوازن بين القيم الدينية والمبادئ القانونية الحديثة.

وتبرز أهمية إعداد مشروعات شاملة لقوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية والإسلامية لعدة أسباب: أولها، تحقيق الوحدة التشريعية بين تلك الدول. وثانيها، مواكبة التطورات الاجتماعية التي لا تتوقف وتفرض نفسها على المجتمعات. وهذه المشاريع القانونية لا تستهدف فقط تلبية احتياجات اليوم، بل تهدف إلى مواجهة الصراعات بين القوى المحافظة التي تسعى إلى الحفاظ على القيم والتقاليد، وبين القوى الداعية إلى الحداثة والتغيير.

ويأتي هذا الكتاب ليكون دعوة لإعادة النظر في المناهج القانونية التي تم اتباعها في تطوير قوانين الأحوال الشخصية، فهذه المناهج؛ قد أصبحت غير كافية لتلبية الاحتياجات التشريعية المتجددة في مجال الأسرة، ومن هنا تأتي أهمية طرح الدكتور أحمد حسين عثمان لفكرة البحث عن منهج جديد أو عدة مناهج تسهم في مواجهة المشاكل الاجتماعية التي يفرزها الزمن.

 

وفي هذا السياق، يقترح المؤلف ثلاثة محاور رئيسية للعمل على تطوير القوانين:

  1. المنهج الانتقائي الإنشائي: يهدف هذا المنهج إلى اختيار الأحكام المناسبة من مختلف المذاهب الفقهية وتطبيقها وفقًا لمقتضيات الواقع والمصلحة الاجتماعية.
  2. ضم المقارنة بين القوانين العربية إلى المقارنة بين المذاهب: يتيح هذا المحور المجال لمراجعة التشريعات المختلفة في الدول العربية والإسلامية والبحث عن أفضل السبل لتوحيد القوانين أو تحسينها.
  3. نظام قضائي قوي: ويقترح المؤلف بناء نظام قضائي جديد يتيح تطبيق المنهجية الجديدة وتحقيق التوازن المطلوب بين التقاليد والتحديث.

 

تحليل نقدي لمشروع القانون الموحد:

من أبرز النقاط التي يتناولها الكتاب هو التحليل النقدي الذي يقدمه الدكتور أحمد حسين عثمان لمشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد بين مصر وسوريا، بحسبان أن هذا المشروع، الذي أشرف عليه فقهاء بارزون مثل مصطفى الزرقا والشيخ حسن مأمون، يعتبر نموذجًا بارزًا للإصلاح القانوني في مجال الأحوال الشخصية. وعلى الرغم من مرور عقود على إعداد هذا المشروع، فإنه لا يزال يحتفظ بقيمته العلمية والقانونية، ويعد من الأعمال الرائدة التي تستحق التحليل والدراسة.

يشير المؤلف إلى أن مشروع القانون الموحد كان خطوة نوعية في مجال التشريع، حيث جمع بين الفقه الإسلامي والتشريعات الحديثة في إطار واحد، مما جعله نموذجًا يحتذى به في مشاريع تطوير قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية.

 

أهمية الإصلاح القضائي:

من النقاط التي يركز عليها الكتاب أيضًا ضرورة تفعيل فكرة المعيار في قوانين الأحوال الشخصية، وتطوير عملية تفسير النصوص من جانب القضاة، حيث يشير المؤلف إلى أن القضاء يلعب دورًا محوريًا في تحقيق العدالة داخل المجتمع، ومن هنا تأتي أهمية تعزيز نظام قضائي قوي يتماشى مع التشريعات المطورة، ويحقق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد. كما يتناول المؤلف في هذا الإطار مسألة تفسير القوانين وعلاقتها بالمنظومة القانونية. ويشير إلى أن هناك مدارس متعددة في تفسير التشريعات، منها المدرسة الفقهية والتشريعية، وهو ما يستدعي فهمًا دقيقًا للقوانين المطبقة، وكيفية توظيفها في تحقيق العدالة.

 

وتميزت لغة الكتاب وأسلوبه في المجمل لغة علمية دقيقة وجيدة، وإن غلبت عليها النبرة الحماسية في بعض الأحيان. ورغم ذلك، فقد كانت الأفكار المطروحة في الكتاب جديرة بالنقاش والتحليل، وهو ما يجعل هذا العمل إضافة مهمة للمكتبة القانونية العربية. ولا تقتصر أهمية هذا الكتاب على محتواه فحسب، بل تعكس أيضًا الجهد الكبير الذي بذله الدكتور أحمد حسين عثمان في مسيرته العلمية، فإن الدكتور عثمان يُعد من الباحثين المتميزين الذين جمعوا بين الدراية الفقهية والقانونية، وهو أمر نادر ومهم في الدراسات الإسلامية المعاصرة.

 

بدأ الدكتور عثمان مسيرته العلمية بدراسة جهود مصطفى الزرقا في الفقه الإسلامي، وانتقل بعدها لدراسة أعمال السنهوري باشا، أحد أبرز فقهاء القانون في العالم العربي. هذا التنوع في الخلفية العلمية جعل من الدكتور عثمان باحثًا واعدًا يمتلك أدوات نقدية وتحليلية تجمع بين الفقه الإسلامي والقانون المدني.

 

فهرس موضوعات الكتاب:

الفصل الأول: مداخل معرفية وقانونية للنظر في قوانين الأحوال الشخصية.

الفصل الثاني: المناهج التي اتبعت في تطوير الأحوال الشخصية.

الفصل الثالث: المنهج المقترح في تطوير الأحوال الشخصية ومحاوره.

الفصل الرابع: دراسة تطبيقية لمنهج التطوير المأمول على القانون الموحد بين مصر وسوريا.

 

صدرت هذه الطبعة من كتاب "الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية (أزمة الشورى)" لمؤلفه الشيخ محمد الغزالي* عن مكتبة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2005م.

وسعى الشيخ محمد الغزالي من خلال هذا الكتاب إلى التحذير من خطورة غياب الشورى عن نظام الحكم، وقمع الحريات العامة، وإهدار كرامة الشعوب، وفقًا لما أكد عليه في مقدمته للكتاب، حيث جاء فيها ما يلي:

ما زلت أعتقد أن ثروتنا من المواهب الثمينة والكفاءات المثمرة كبيرة، وأن حظوظنا من تلك المعادن النفيسة لا تقل عن مثيلاتها لدى الدول العظمى..!!

كل ما هنالك من فروق أن غيرنا انتفع بما يملك، وأتاح الفرص لبقائه ونمائه، وعملت الحريات الموفورة عمل الأشعة في إنضاج الزرع، وعمل المياه في إمداده بالنضارة والحياة ....

أما في أرجاء العالم الإسلامي فإن الحكم الفردي -مـن قــديم- أهلك الحرث والنسل، وفرض ألوانًا من الجدب العقلي والشلل الأدبي أذوت الآمال، وأقنطت الرجال...

والغريب أن هذا التخريب يناقض مناقضة ظاهرة توجيهات الإسلام في كل ناحية! هل في دين الله أهم من العقيدة؟ لا! إن الاعتقاد في المنطق القرآني نبت وسط حرية البحث والتأمل وطلب البرهان  ولننظر إلى حديث القرآن عن المشركين، ونتأمل في مساره، يقول الله  سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ  هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤].

ليس هناك مجال لإلغاء العقل ورفض الرأي الآخر، لابد من تبادل الحجج ونشدان الحقيقة وحدها ... لا مكان لتكميم الأفواه وفرض وجهة نظر واحدة.

صاحب الصواب لا يهاب النقاش، صاحب الحق يَغْشَى به المجالس، ويقرع به الآذان.

المأساة تحدث من مُبطل يريد بالعصا أن يخرس الآخرين، ومع تفاهة ما عنده يقول مقالة فرعون قديمًا: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: ٢٩)

فإلى أين قادهم؟ إلى الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة؟!. إن الاستبداد السياسي يُبيد كل أسباب الارتقاء والتقدم، ولا تصلح الحياة برجل يزعم العلم بكل شيء، ويتهم الناس كلهم بأنهم دونه وعيًا وفهما.

لقد نهضت دولة الخلافة على دعائم الشورى، وكان المبدأ المقرر عند كل خليفة: "إن رأيتم خيرًا فأعينوني، وإن رأيتم شرًا فقوموني". ومن هنا أرست دعائم الحق إلى قيام الساعة.

والدول الكبرى الآن ليس فيها مكان للتفرعن والادعاء الأعمى، إن هذه الآفات للأسف تكثر في الدويلات التي تعيش في غيبوبة التخلف والاستسلام لجلاديها..

وهذا الكتاب صيحة تحذير من غياب الشورى، واستخفاء الحريات العامة، وإهدار كرامات الشعوب.

 

وقد اختتم الشيخ الغزالي كتابه بقوله:

إني أطلب من المسلمين أن يطرحوا الأسمال العقلية والاجتماعية التي أزرت بهم وحطت مكانتهم، وأن ينصفوا الإسلام من أنفسهم حتى يستطيع هذا الدين الانطلاق في الأرض، وإسعاد البشرية، وتحقيق الرحمة العامة للعالمين ...

أما الاستمرار بحكم فردى يخنق الحرية، ويستبيح الحرمات.

أو إيجاد قوارين تملك المال ولا تملك العدالة والرحمة.

أو الاستمرار ببطالة عقلية تهمل العمل والفكر وتحقر نتائجها، وتؤخر العباقرة وتقدم التافهين..

أو استمرارنا بعوائل همها في الحياة المتعة لا التربية، والفوضى الاجتماعية لا الأخلاق الدقيقة والتقاليد الزكية.

أو استمرار القصور العلمي في المادة وما وراء المادة.. أي في شئون الدين والدنيا جميعًا.

أو الاستمرار بدعاة يتساءلون عن الصلاة مع دم البعوض في قمصانهم.. ولا يتساءلون عن مستقبل أمة أرخص دمها. حتى أصبح سفكه لا يثير جزعًا ولا فزعًا.

إن الاستمرار بهذه الذاكرة المفقودة.. لا تستفيد من التجربة ولا تنتفع من عبر التاريخ.

إن استمرارنا في هذه الحياة على هذا النحو هو خزي الأبد.. فإما عشنا مسلمين حقًا ...

وإِمَّا مَمَاتٌ لَا قِيَامَةً بَعْدَهُ             مَمَاتٌ لَعَمْرِي لَمْ يُقَسْ بِمَمَاتِ!

 

محتويات الكتاب:

قسم الشيخ محمد الغزالي كتابه إلى بابين، وذلك على النحو التالي:

الباب الأول: ضوء على تفكيرنا الديني

الباب الثاني: نظرة على واقعنا السياسي

  • مدخل
  • الاستبداد السياسي
  • حدود السمع والطاعة بين الحاكم والمحكومين
  • كتابات خدام السلاطين
  • الانتخابات بدعة!!!!
  • حول تطبيق الشريعة
  • الاجتهاد الجماعي في العصر الحاضر
  • لماذا لا نقتبس من الديمقراطيات الغربية؟
  • السوأة الكبرى
  • ملزمة أو معلمة
  • موازين العدالة في ظل الاستبداد السياسي

خاتمة

  

 رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


* الشيخ محمد الغزالي (1917م- 1996م): عَلَم من أعلام الفكر الإسلامي، وداعية متمكن، جمع بين رجاحة العقل وصدق القلب ونقاء الفطرة، وهو أحد أهم المجددين في العصر الحديث، تميز بالعطاء الفكري والعلمي، له إنتاج غزير؛ حيث صدرت له العديد من الكتب المرجعية في الفكر الإسلامي المعاصر بشكل عام.

 

 

 هذا الكتاب هو نفسه الرسالة التي تقدم بها د. عبد السميع أحمد إمام لنيل درجة أستاذ من قسم الدراسات العليا في كلية الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، وقد فازت بتقدير (جيد) عام 1360هـــــ/1941م، وصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن درا الطباعة المحمدية بالقاهرة عام 1376ه/1957م.

ومما جاء في التقديم لهذا الكتاب ما يلي:

إن من مفاخر الشريعة الإسلامية اتساع صدرها للباحثين. وقبول أحكامها المسايرة الزمن. وشمولها لما يتجدد فيه من المعاملات مع السهولة والتيسير ومراعاة مصالح العباد. فهي الدستور الخالد. والقانون العادل. مصدرها كتاب الله المنزل «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» وتبيانها هدى النبي المرسل ليبين للناس ما نزل إليهم. فهو لسان الشريعة الناطق. وبيانها الصادق. ومترجمها الأمين بلسان عربي مبين. بلغ الرسالة. وأدى الأمانة. واجتهد. ووعد المجتهدين بالثواب. ما دام الحق رائدهم، ومعرفة الحكم غايتهم ومطلبهم. وقد بذلوا في ذلك وما قصروا. فكثر من أعلام أمته من شمروا عن ساعد الجد. واستفرغوا غاية الجهد. في استكناه أسرار الدين واستنباط أحكامه أصولاً وفروعًا حتى تسنموا ذروة الاجتهاد. وخلفوا لمن بعدهم تراثًا مجيدًا خالدًا على الأيام.

فلو أننا شرعنا نستضئ بنوره لنتعرف أحكام ما حدث في عصرنا من معاملات إذًا لأمكن أن نصوغ منه مثالاً يساير الزمان في جدته ويجاري المجتمع في حضارته. وبهذا نكون قد أدينا خدمة للإنسانية. وقمنا بما في الوسع من واجبات الدين.

وقد رأيت أنواعًا من البيوع استحدثت في هذا العصر وأخرى يخيل للناظر فيها أنها لم تكن معروفة من قبل، وقد اختلط سليمها بسقيمه، حتى اشتبه الصحيح منها بالعليل، ولم يدر الخالص فيها من الدخيل.

فرغبت في جعل موضوع رسالتي التي أتقدم بها لنيل درجة الأستاذية هو البحث في أصول البيوع الممنوعة في الشريعة الإسلامية وموقف القوانين الوضعية منها، عسى أن أهتدى إلى رأي التشريع الإسلامي في هذه المستحدثات وأتمكن من الحكم عليها بالتطبيق على أمثالها أو بإدخالها تحت القواعد العامة التي تتناولها حتى يأخذ كل منها ما يستحقه من الحظر أو الإباحة ويستقر مع لداته من الحلال أو الحرام.

ولم أتردد في الحكم بالجواز على ما أراه منها مشمولاً بما يفيد حله من الضوابط الشرعية، وقد رسمت لنفسي أفقًا أتنقل فيه، إذ إني نظرت إلى البيوع التي حظرتها الشريعة الإسلامية فوجدت أسباب منعها تنحصر في أنها فقدت أمرًا مما أوجب الشارع توفره في البيع الجائز، ثم نظرت في كتب الأحكام فألفيت الأمور التي يجب توفرها في عقد البيع لا تخرج عن الأركان والشروط فمن ثم حزمت رأيي أن أتتبعها في كتب المذاهب المعروفة، ثم أتكلم على كل منها بما يفيد أنه أصل ينشأ عن فقده النهى عن بعض البيوع، وقد لاحظت فيما اختصصته بالذكر منها أن يكون مما له مساس بحياتنا العملية أو يصلح أساسًا لبعض ما ظهر التعامل به في عصرنا الحالي، ولم يفتني أن ألمح إلى آراء علماء القانون الوضعي حينما يتعرضون لما يتصل بموضوع البحث، وربما دعاني بعض المواطن إلى شيء من التطويل كي يستوفي المقام حقه من الدرس.

وقد اجتهدت أن أستخلص من مجموع ما أبحثه من المذاهب المختلفة والآراء المتعددة نواحي من النظر تكون مساعدة لي على تكوين رأي خاص أو ترجيح مذهب من المذاهب السالفة محاولاً جهدي أن أدنو من الانصاف قدر المستطاع.

 

محتويات الكتاب:

المبحث الأول: في كون المعقود عليه مالاً شرعيًا، وفيه مواطن.

المبحث الثاني: في كون المعقود عليه موجودًا.

المبحث الثالث: في كون المعقود عليه معلومًا للمتبايعين.

المبحث الرابع: في كون المعقود عليه غير منهي عنه وفيه مواطن.

المبحث الخامس: كون المعقود عليه مقدور التسليم.

المبحث السادس: كون المعقود عليه مملوكًا للعاقد.

خاتمة في مراتب البيوع الممنوعة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

 

إن خدمة الإسلام في هذا العصر عمل صعب معقد يحتاج إلى تجرد تام وفقه رحب... فأمام ركام من المواريث الثقافية والاجتماعية لابد من جراحات جريئة لبتر البدع والأوهام والمراسم التي تغلغلت في حياتنا الخاصة والعامة وأفسدت نظرتنا للدين والدنيا..

وأمام ركام من التقاليد التي رمتنا بها الحضارة الغالبة لابد من بصر دقيق بما ينفع وما يضر! دون تشاؤم قابض أو ترحيب غافل...

إنني أحيانًا كنت أغلغل البصر في النظام الشيوعي نفسه لأتعرف الجوانب التي تجتذب الجماهير، والتي قد تكون بها أثارة من حق، فقد تكون مأخوذة من تراثي أنا فإني أذكر من سيرة "كارل ماركس" أنه قرأ كتاب الخراج «لأبي يوسف».

ويوم آخذ هذا الجانب فهي بضاعتنا ردت إلينا.

ثم إننى محتاج إلى الاستفادة من نشاط العقل البشري في كل قارة وفي كل حضارة إذا كان هذا النشاط يدعم قيمًا مقررة عندي..

وأخيرًا أجدني مضطرًا لذكر أمر مثير سوف يصطدم به خدام الإسلام الصادقون! هو الحقد المتنقل على مر القرون ضد محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته الخاتمة..

إن الصهيونيين والصليبيين والملحدين والعلمانيين من وراء المجازر الرهيبة التي تعرض لها الدعاة وجمهور المؤمنين في أرجاء العالم الإسلامي الكبير.

وقد استبنت أن مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر كانا مخلبي قط في مؤامرات محبوكة للإجهاز على الإسلام وبنيه، وقد تتكرر المؤامرة وتتعدد المآسي، وعلى المسلمين أن يصمدوا فإما الشهادة وإما النصر...

على أن حركات الجماعات العاملة للإسلام هي السبب الأهم وراء انتصاراته وهزائمه، ولنقف وقفة متدبرة عند هذه القضية.

إن الإسلام عقيدة وشريعة ما يشك في ذلك عاقل، وتطلعه إلى أخذ مقاليد الحكم اتجاه طبیعي لتحقيق أهدافه.

بيد أن الترتيب المستفاد من تعاليم الإسلام أن تكوين الدولة يتم بعد تكوين الفرد، وأن وضع النظام يجيء بعد إنضاج الإيمان، وقد تنزلت آيات الأحكام بعد مهاد عريض من اليقين والإخلاص وإرادة الآخرة...

إن التطلع إلى الحكم كما يكون لإعلاء كلمة الله قد يكون لرغبات خاصـة كـامنـة أو مكشوفة..!!

والحكم الإسلامي قبل أن يكون لمعان أسماء أو تسنم مجد هو تفانٍ في الله ورغبة فيما عنده... وإلا فالأمر كما قال الله: ﴿مَن كَانَ يُريدُ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوفَ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُوْلَئِكَ الَّذيِنَ لَيْسَ لَهُم في الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

وقد كنت أعظ نفسي وإخواني بهذه الحقائق من ديننا، وأقول: إنه قبل أن يكون المرء صاحب منصب رسمي يستطيع أن يؤدي للإسلام أجل الخدمات في الميدان الثقافي والاجتماعي..

والذين يسوفون في البلوغ بأمتهم سن الرشد -حتى يتسلموا أزمة الحكم - لن يفعلوا شيئًا طائلاً حين يحكمون.

وقلت -لنفسي وإخواني- إن الحكام في الشرق العربي والإسلامي يعدون المناصب حياتهم.. فالرئيس أو الوزير في أوروبا مثلاً قد يترك وظيفته ويسير آمنًا في أية مدينة أو قرية..

أما في شرقنا العليل فإن عددًا من الزعماء إذا ترك الحكم تابعته ترات قد تودي به، وتخترم أجله، ومن ثم فإن حرصه على الحكم لون من دفاعه عن حياته.

ورؤساء كثيرون يشعرون بالخطر على أشخاصهم إذا أحسوا أن الدعاة المسلمين ينشدون الحكم أول ما ينشدون..

ومن أجل ذلك فهم يشمون رائحة الموت من وراء المطالبة بالحكم الإسلامي.

ونحن المسلمين لسنا قتلة، ولا تحركنا عداوات خاصة، ولا نطلب الحكم لنحيا ويفنى غيرنا..

ويسرنا أن نكون في الصف الثاني إذا احتل الصف الأول من يحقق مراد الله..

وفي الصف الثاني مجالات هائلة لمن يريد أن يسدى للإسلام يدًا، وإذا كان حجم ما يتم في هذا الصف قليلاً، فلا ضير علينا ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها..

من أجل ذلك أطلب بإلحاح أن تنشغل الجماعات الإسلامية بترقية شئون الأمة في نطاق ما تقدر، ويجب أن تعلن باستمرار أن الإسلام دين ودولة، ولكن هذا الإعلان لا يجوز أن يكون عملها الشاغل..

إن الأمراض النفسية بالغة الخفاء شديدة الخطر، وتحقق لي ذلك -في صفوف المتدينين- كنت أرقب الحرب بين المجاهدين الأفغانيين والزحف الشيوعي المجتاح للبلاد..!!

كانت هناك ست جبهات أو ست طوائف تقاوم غارة أولئك الكفار المجرمين، وقد حاول أولو الألباب جعلها جبهة واحدة وبذلوا جهودًا موصولة لإزالة الفرقة، وكان نجاحهم جزئيًا ولاتزال المحاولات تبذل..!!

إن قلب الإسلام مهدد بالتوقف في أفغانستان، والموت يأتي من كل جانب ومع ذلك فالرؤساء الكبار حراص على مناصبهم أو على زعامتهم..!!

إن في ذلك مؤشرًا إلى مهاب الهلاك، ومصادر العطب..

وإذا كان نصر الله يتنزل فى هذه الميادين القصية فمن أجل الجنود المجهولين وذوي الكفايات الذين لا يعرفون إذا حضروا ولا يسأل عنهم إذا غابوا..!

لقد استيقنت من تجاربي أن قلة الفقه سوء كبير! لكن غش النية سوء أكبر..

هناك مسلم «سلفى» يموت ولا يضع يده في يد مسلم "صوفي"، هل هذا يصلح للدفاع عن الأمة أو السير بتعاليم الإسلام في الميدان الدولي؟!

وهناك مسلم يرى أن العمامة لباس الإسلام الرسمي، ويجب أن يكون لها ذنب، ويرفض الصلاة وراء من لا يرتدي هذا الزي، أذلك امرؤ يصلح للدفاع عن الإسلام أو السير به في الميدان الدولي؟!

إن أمتنا مصابة من الناحية الفكرية والخلقية بعلل شتى، وكل جماعة تؤخر علاج هذه العلل، وتجعله فى المرتبة التالية، فهي هازلة فى جهادها، متهمة في قصدها..

وقد أشرت إلى الخلل الهائل، الموروث أو الطارئ، فى كياننا الديني، وبقى أن نتكاتف ضده..

ونعود إلى ما بدأنا به..

إذا كان هناك أقوام اختصموا فى ربهم فنحن المسلمين طرف في هذه الخصومات الباقية إلى آخر الدهر.

نقول لمن ينكر وجود الله: كذبت، الله حق! والكون كله خلقه الفقير إليه، القائم به!

ونقول لمن يرى الآلهة ثلاثة أو أقل أو أكثر: ضللت فالله واحد، وما عداه عـبـده سواء كان ملكًا أو إنسًا أو جنًا..

ونقول لأهل الأرض كلهم: إن محمدا رفيع الشأن، عرف الناس بالله أحسن تعريف، وأعدهم للقائه بعد الرحيل عن هذه الدنيا بأمرين، الإيمان والصلاح: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمورِ﴾.

ومن حق الإسلام أن يحيا، ويبقى وينمو، ويمتد! ما دام هناك مستمسك به، وراغب فيه.

ولكننا نشعر بأن أعداءه يضنون عليه بهذا الحق، ويحاولون بالختل والجهر القضاء عليه، أو تقليص وجوده في أضيق نطاق..

وقد استطاع أعداؤنا -بتفريطنا وخبثهم- أن يحرجونا وينالوا منَّا ويذلوا جانبنا..

ولكننا صحونا من غفوتنا، أو قمنا من كبوتنا، وشرعنا نؤكد وجودنا، ونوصد أبواب الفتنة التي انفتحت علينا من شرق وغرب..!

وأحب أن تربو مشاعر الثقة في قلوب المسلمين الذين كتب عليهم أن يكونوا قلة في أوروبا أو أمريكا أو آسيا أو إفريقيا، وأن يستمدوا هذه الثقة من أنهم وحدهم الذين يعرفون الحقيقة التي بلغها أنبياء الله، وأن مواريث السماء التي معهم لا تحريف فيها ولا غلو ولا إفك..!!

إن الباطل لا يرفع خسيسته أن يكون صاحبه غنيًا أو قويًا .. المهم أن يكون أهل الحق صورة مشرفة له مترجمة عنه..

في إنجلترا وفرنسا ملايين من المسلمين، إن هذه الملايين بين مائة مليون من البشر التائهين عن الله يمكن أن يكونوا هداة مقدورين، وأساة مشكورين، يوم يكونون مسلمين حقًا.

وسيكونون سبة للإسلام، وسدًا دونه يوم تكون عقائدهم زائغة وخلائقهم هابطة. إن حساب العدد يختفى، ويبرز حساب الكيف والأثر في بيئات كثيرة..

والهزيمة أو النصر شعور داخلي قبل أن تكون ظروفًا خارجية.

كان أحد العسكريين -في الخمسينات أو الستينات- يحدثني عن قطاع غزة، وأنه خمسون ميلاً على ساحل البحر في عرض عدة أميال من فلسطين المحتلة، وإن الدفاع عنه عسر!

قلت له: هذا الشعور أول أسباب الهزيمة، إن الجندي الجرىء الجسور يشعر بأن القطاع -في شكله الحالي- رأس حربة ينفذ منها إلى بقايا الوطن المغتصب، ويعده كسبًا لا عبئًا، أما الخور فيتحدث عن الوضع باللغة التي تقول:

إن الأقليات الإسلامية في العالم تبلغ ثلاثمائة مليون أو يزيدون كما ذكرنا أول هذه الرسالة، وهذا العدد إذا كان اتصاله بالإسلام عن طريق شهادات الميلاد، فإن عشر هذا العدد من الوثنيين المشركين سوف يغلبه، ويلحق به الخسار..

وعندي حديث آخر إلى المسلمين الذين يعيشون كثرة فى بعض أقطار إفريقيا، كثرة تبلغ 70% في تنزانيا و٩٥% في السنغال.

إن هذا الوضع شاذ بالغ الشذوذ ويجب أن يتغير لا بالحماس الطائش ولكن بالإعداد الذكي، والخطى المدروسة.

لقد اتضحت سياسة القوى المعادية للإسلام، فقد قسمت الكيان الكبير أكثر من سبعين قطعة، ثم وفرت لكل قطعة من العوامل المادية والأدبية ما يجعل الإسلام فيها يذبل ويتلاشى على مر الأيام..

والخطة واحدة في الأجزاء التي سميت دولاً مستقلة، والأجزاء التي يحيا فيها الموحدون قلة منقوصة منكورة.

ولعل من إخواننا المتفرغين من يشرح في رسائل صريحة كيف تم صنع خمسين دولة في إفريقيا وآسيا يتيه فيها المسلمون، ويحيون دون رباط روحي أو فكري ودون كيان اجتماعي أو اقتصادي .. وكيف شغلوا الجماعات الإسلامية في الدول المستقلة بقضايا سخيفة، ومعارك خاسرة..

وكلمة أخيرة إلى المسلمين في دولهم المستقلة:

إن الفرق بين العالم الأول والعالم الثالث لا يرجع إلى أن المتفوقين قادرون على غزو الفضاء وصنع الطائرات العملاقة، إن هذا مظهر التفوق لا سببه.

الواقع إن الفرق هو النشاط الذهني عند هؤلاء والكسل الذهني عند أولئك، هو غزارة العلم هنا وضآلة العلم هنالك، هو توفير الفرص لنمو الأقوياء في الشعوب المتقدمة، وتوفيرها لنمو التافهين والسفلة في الأمم المتخلفة..

أي إنها أسباب خلقية ونفسية قبل أي شيء آخر..

ويستطيع المسلمون المخلصون أن يقهروا العقبات التي تعترضهم في هذه الميادين مهما كانت جسيمة..

ونحن لا نكلفهم بصنع المعجزات، فلينظروا إلى خصومهم اليهود وكيف تحملوا التحريق والتمزيق وصنعوا من آلامهم جسرًا عبروا عليه إلى أرضنا وعرضنا..

إننا نمثل أصدق وأقدس رسالة لعبادة الله، وترشيد الحياة وتكريم البشر..

وعلى العرب أن يعرفوا فضل الإسلام عليهم، وأنه أكسير وجودهم وبقائهم، لقد دخلوا به التاريخ فلما خانوه خرجوا من التاريخ أذلة مطرودين.

نعم، هل العروبة هي التي هزمت فارس والروم؟ لو أن العرب خرجوا من جزيرتهم يحدوهم عمرو بن كلثوم ببيته المشهور:

وتَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْوَا

 

ويَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدَرًا وطينًا..!!

لضربوا بالنعال على حدود الدولتين العتيقتين، ولكنهم خرجوا وراء عمر الخاشع لربه المتساوي مع خادمه الذي خاض بقدميه بركة ماء دون تأفف وهو يقول: كنا أذل الناس حتى أعزنا الله بهذا الدين فمهما ابتغينا العز في غيره لن نفلح..

على هذه الهيئة التقية المخبتة لله تسلم مفاتيح بيت المقدس..

ونقولها لعرب اليوم بصوت عالٍ: إن فلسطين لن يحررها إلا جيش مسلم، أما تجمع العرب بلا دين فلن يحرر جحر نملة!!

ويجب أن يكون ولاؤنا للإسلام جادًا، متقدمًا على كل ولاء آخر للتراب أو للدم.

ومقتضى هذا ألا ينقطع لنا جؤار بضرورة إلغاء القوانين الاستعمارية وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الأوحد للقوانين كلها، وإنعاش المعاهد الإسلامية المتخصصة حتى تستطيع سد كل ثغرة وإجابة كل مطلب..

إن محو الإسلام في ميدان التقنين كان العمل الأول للاستعمار يوم عسكرت جيوشه فى بلادنا، ومشت تختال على أنقاضنا، ومقدساتنا المهشومة.

من أجل ذلك لا ينبغى التسويف في إعادة الحياة للشريعة التي أماتوها، ورد مكانتها الرسمية المقصاة.

وسوف يقاوم ذلك الأعداء التقليديون للإسلام الراغبون في محو معالمه وفض أتباعه..

وبديه أن ينضم إليهم سماسرة جدد، هم الشيوعيون الحانقون على كل ما له صلة بالسماء .. لقد تضافر هؤلاء وأولئك على محاربة الشريعة المبعدة، وافتراء الأكاذيب عليها وعلى رجالها، ولا دافع لكل هذا الغل إلا الكفر بالله ورسله..

دهشت لأستاذ جامعي كبير كان مربوط اللسان مكسور القلم أيام الاحتلال الإنجليزي، وما عرف له في المقاومة العامة تاريخ ولا شبه تاريخ .. وبغـتـة أخـذت الصحف تنشر مقالات ملتهبة للرجل الذى سكت نصف قرن عن الإسهام بكلمة في الحياة العامة، كلمة لها قيمة وبعد..

ماذا يريد هذا المتحرك المفاجئ؟ شتم المطالبين بتحكيم الشريعة والزعم بأن قطع الأيدي يتم في «الشفاخانات»..!!

إن الرجل الذى لم يعرف بالدفاع عن وطنه أصبح مدافعًا عن اللصوص وسنجد في الطريق كثيرًا من هؤلاء "الأذكياء" ولن يعوقوا القافلة السائرة..

وعلى جماهير العرب أن يرفضوا تهويد أي بلد من بلادهم أو علمنته أو تنصيره، إن ذلك معناه سقوط ما يسمى بالشرق الأوسط في براثن الاستعمار العالمي، وعندما يضرب القلب فلا قيمة للأجنحة.

إن هزائم القرن الرابع عشر الهجري أغرت بنا من لا يدفع عن نفسه، ولقد تناوبتنا اللطمات على الخد الأيمن والأيسر، وشعرنا بمعاناة هائلة من كثرة ما نالنا..

لا بأس، نحن الذين مكنا أعداءنا بنومنا الطويل، واسترسالنا مع الأوهام، ولم نع قول ربنا: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغفلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَميلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً واحدةً﴾.

واليوم، ومع مطالع القرن الجديد تدق طبول اليقظة.

إننا سنحيا برسالتنا وسنحيا لها: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾..

أظننا لن نحرز نجاحًا يذكر خلال القرن الجديد إذا بقينا على فقهنا الضيق المحدود الذي عشنا به خلال القرون الأخيرة، فإن هذا الفقه لم يعالج الخلل المتوارث في علاقة الحكومات بالشعوب، ولم يساند الحريات الصحيحة، ولم ينم القدرات على علاج الأخطاء السياسية والاقتصادية الشائعة في بلادنا..

وفى بلادنا تقاليد ربما كرهت الحرام - أو الرذيلة - لأن فى الضمير الديني بقية حياة..

ولكن هذه التقاليد لا توسع دائرة الحلال، ولا تزيح العوائق المبعثرة في طريقه، فكانت النتيجة أن حرمة الزنى مثلاً بقيت! ويجب أن تبقى، ولكن الزواج تكاثرت حوله الصعاب، حتى يئس البعض من مناله..

وهذه السلبية في الفكر الديني ترشحه للموت، ولا تؤهله للحياة..

ومثل ذلك إجماع أهل الدين على أن الظلم حرام، والكذب حرام ومع ذلك فهم يسكتون سكوت المقابر إذا وقع تزوير عام في انتخابات لخـدمــة فـرد، كأن الكذب يستنكر إذا كان بسيطًا، ويسلم له إذا كان مركبًا.!

ومن المستحيل أن تصلح الأوضاع السياسية للمسلمين إذا كان الدين في وعيهم يهتم بفقه الحيض والنفاس، ولا يكترث لفقه المال والحكم، بل إن مستقبل المسلمين کله سيخضع للحديث الصحيح: «لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوى غير متعتع».

 


* مقال مستل من كتاب: الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية للشيخ محمد الغزالي، طبعة نهضة مصر للنشر والتوزيع، القاهرة، يناير 2005م، ص89-97.

** الشيخ محمد الغزالي (1917م- 1996م): مفكّر إسلامي بارز، وداعية متميز بالعطاء الفكري والعلمي، يعتبر من العلماء المجددين، له إنتاج غزير؛ حيث صدرت له العديد من الكتب المرجعية في الفكر الإسلامي المعاصر.

عَقد مركز خُطوة للتوثيق والدراسات يوم السبت الموافق 02/ 03/ 2024 حلقة نقاشية حول الورقة التي أعدها الأستاذ الدكتور شريف عبد الرحمن سيف النصر (الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة)، المعنونة بـ "الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع".

وقد أدار الجلسة د. مدحت ماهر الليثي (المدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات والبحوث).

 

السادة الحضور:

أ. أحمد رأفت (طالب بكلية اقتصاد وعلوم سياسية، قسم علوم سياسية).

أ. د. أماني صالح (أستاذ العلوم السياسية).

أ. تقى محمد يوسف (باحثة في مركز خطوة وطالبة ماجستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية".

أ. محمد الديب (باحث ماجستير في العلاقات الدولية).

أ. محمد محمود محمد الجزار (طالب دكتوراة، ومعلق صوتي بشركة المتحدة).

أ. منال يحيى شيمي (باحثة في العلوم السياسية- باحثة في مركز خطوة).

أ. مهجة مشهور (مدير مركز خُطوة للتوثيق والدراسات).

د. هاني محمود (مدرس في قسم الشريعة الإسلامية- كلية الحقوق- جامعة عين شمس).

أ. وليد القاضي (باحث بمركز خُطوة للتوثيق والدراسات، وباحث دكتوراة في العلوم السياسية).

 

وفيما يلي النص الكامل للحلقة النقاشية نقلًا عن مركز خطوة ويتبعه رابط للاطلاع على الورقة التي دار حولها النقاش:

 

د/ مدحت ماهر:

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نرحب بحضراتكم في هذا اللقاء العلمي الذي نسأل الله عز وجل في مطلعه أن يجعله علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا. بداية نتقدم بالشكر إلى مركز خطوة على هذه الخطوة المهمة، وأشرف بأن أكون مديرًا لهذه الجلسة.

إن شاء الله، لقاؤنا اليوم حول ورقة بحثية أساسية أو تأسيسية وأيضًا إثرائية في عالم الفقه والتنظير، وعنوانها كما تقدم يقع بين هذين العمودين الكبيرين الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع. والموضوع يتضمن الكلام عن الفقه بالألف واللام، فنحن لا نتكلم عن باب فقهي ولا عن قضية فقهية أو مسألة، ولا نتكلم عن قضية أو مسألة في العلوم الاجتماعية أو في فلسفة العلم أو بالأخص في فلسفة المنهج إنما نتكلم عن فكرة التنظير، وليس عن نظرية معينة، ونتكلم عن مجال وعن أداة أو فكرة وممارسة أساسية في عالم العلم والإنتاج العلمي الأساسي؛ وهي ممارسة التنظير، فعند هذا المستوى فنحن نتكلم فيما يمكن أن يسمى المستوى الإستراتيجي للعلم، وإذا صح أن ما نتناوله يوميًّا هو مستويات تكتيكية وجزئية، وإن صح أيضًا أننا نتعرض للكليات، فنحن اليوم أمام كليات كبرى، الفقه والتنظير، والدكتور شريف مشكورًا في هذه الورقة التي حملت همومًا وِهمّة، يناقش هموم تطور الفقه وهموم التنظير، كما يظهر هِمّة في طرح مجموعة من الأسئلة التي أعتقد أنها تنقلنا من مستوى أو مراحل تم العمل فيها على تأسيس فكرة التنظير في الفقه حديثًا، في ممارسة أشكال من التنظير وإخراج نظريات فقهية، إلى مستوى آخر؛ وهو مستوى المراجعة على ذلك، والنظر في جدواه والنظر في تقييمه، وفيما ينبغي أن يسأل فيه، وبالأخص المناظرة بين ما قام به فقهاء العصر من تنظير، وبين المفهوم السائد في العلوم الاجتماعية (الحداثية) عن مفهوم للتنظير، هذه الإشكالية، التي سيعرض الدكتور شريف تفاصيلها، ثقيلة، ولكن أعتقد أنها تحتاج إلى إمعان النظر فيها، وأيضًا إلى مواجهتها بعمل بحثي يجيب عن أكثر الأسئلة وبالأخص الأسئلة التسعة الأخيرة التي ختمت بها الورقة.

أنقل الكلمة للدكتور شريف لكي يعرض الأفكار التي وردت في الورقة وبالأخص، لكي ندير حولها حوارًا نتمنى أن يكون نافعًا وماتعًا.

 

د/ شريف عبد الرحمن:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا

ليس هدفي في هذه الكلمة أن أُعيد طرح ما هو وارد في الورقة التي تدور حول الفقه والتنظير، بقدر ما أريد أن نُعمل فيها إحدى النظريات ما بعد الحداثية، المعروفة بنظرية موت المؤلف، فنتعامل مع الورقة كما لو كانت ورقة ليست منسوبة إلى شخص بعينه، وإنما هي مما يتعلق بالحوار العقلي والتلاقح الذهني، وإن جاز لي أن أبدأ هذا الموضوع بشكل ذاتي، فإن هناك تفصيلة معينة أحب أن أشير إليها، بدأت في مرحلة عمرية مبكرة، فقد كنت ممن أدركوا عهد الراديو، وقد كان في رأيي وسيلة معرفية ليس لها مثيل، فهي مسئولة عن تشكيل خيالات وصناعة وعي ربما لا يشاركنا فيه الآن من لم يعاصروا مثل هذه الوسيلة المعرفية المهمة؛ فالراديو كان مساحة للتخيل وبناء عالم افتراضي مبكر حيث يتم تصور المتحدثين، وتخيل هيئتهم، والتفاعل مع أفكارهم، وكانت أحد التقاليد المحمودة في البرامج الإذاعية القديمة، أنه كان يتم في بعض الاحيان إذاعة مناقشات مسجلة لرسائل الماجستير والدكتوراة، على مستوى إذاعة القرآن الكريم، وأيضًا على مستوى إذاعة البرنامج الثقافي، والذي كان وقتها اسمه إذاعة البرنامج الثاني، وكان هناك مناقشة تُذاع كل يوم اثنين، وكنت وقتها في المرحلة الإعدادية، وكان يخلب عقلي تلك الحالة من الجدال حول الأفكار، لم أكن أستوعب كثيرًا مما يقال، ولكن ثمة مشترك رسخ في ذهني ومثّل عنصرًا متكررًا، يتم دائمًا التأكيد عليه في كل مناقشة تقريبًا، وهو تلك الفقرة التي يقوم فيها أحد المناقشين بمعاقبة الطالب لأنه لم ينجح في توظيف الإطار النظري، أو لم ينجح في تفعيل النظرية التي وعد بتوظيفها، لم يتقن استخدام المنهج، كانت هذه العبارات تذكر بشكل متكرر، وكان الباحثون يستسلمون أمامها ولا يستطيعون أن يردوا بشكل مقنع، كان هذا النقاش يرسخ في ذهني على نحو تراكمي، حتى بدأت مرحلة الدراسات الجامعية، ونويت ألا أقع في هذا الفخ وأن يكون لدي إجابة لو سُئلت في يوم من الأيام كيف وظفت النظرية وكيف استعنت بالإطار النظري، وفيما أفادك المنهج؟ بدأت الدراسة وانتهت في الجامعة، ولكن لم أقض نهمي من هذا الأمر، فنويت أن يكون أول بحث أقوم به في مرحلة الدراسات العليا يتعلق بهذا الأمر تحديدًا، ما هي النظرية؟ وما هو المنظور؟ وما هو الإطار النظري؟ وما هو المنهج؟ وما هي المستويات المختلفة للبناء المنهاجي، وهكذا كانت رحلتي مع النظرية رحلة مبكرة، وكنت حريصًا على أن أبسط الأمور لنفسي فاعتبرت "أن النظرية هي بناء فكري يلم شتات الواقع المبعثر" فإذا كان الإنسان كائنًا معاديًا للفوضى؛ فالنظرية هي الأداة التي تساعده في التغلب على هذه الفوضى، بتسكين ظواهر الواقع ضمن أطر مسبقة على نحو يجعله مفهومًا، وهذا كان يستدعي أن أحدد معنى الفهم نفسه، وكانت الإجابة التي استطعت أن أطورها هي أن الفهم هو اكتشاف العلاقات ما بين الظواهر؛ فالظواهر تظل غير مفهومة طالما بقيت مبعثرة لا رابط فيما بينها، فإذا وجدت هذه العلاقات أصبح الأمر ميسورًا. وظائف التنظير أيضًا تعاملت معها على أنها تبدأ بوصف الظواهر ثم تفسيرها ثم محاولة توقع مساراتها المستقبلية، إذا كانت هذه الظواهر ديناميكية، أو تقييمها إذا ما كانت الظواهر إستاتيكية، وكنت أُجري تجارب مع الطلبة لأكتشف إذا كانوا بالفعل قادرين على أن يفكروا بشكل نظري أم لا؛ ففي تجربة مشهورة كنت أطلب من الطلبة أن يعلقوا فيما لا يزيد عن نصف صفحة على تمثال نهضة مصر الذي يقع أمام مدخل جامعة القاهرة، كيما أكتشف ما إذا الطلبة يستوفون الخطوات المنهجية في تفكيرهم وكتابتهم أم لا، بمعنى هل يقومون بالوصف والتفسير والتقييم؟ وكنت كثيرًا ما أجد من واقع التجربة أن معظم الطلبة والباحثين يقفزون مباشرة إلى مستوى التقييم، فيعبرون عن آرائهم في التمثال كتحفة فنية، أو كتمثال يبعث على الكآبة والانقباض، من دون أن يمروا على خطوتيّ الوصف والتفسير.

وحتى من كان يقدم وصفًا للتمثال فإنه كان يقدم وصفًا غير مطابق لحقيقة التمثال نفسه، فكان كثير من الطلبة لا يستطيعون أن يصفوا وضعية يد المرأة الموجودة في التمثال بجوار مجسم أبي الهول، فكانوا يتصورن أن المرأة تضع إحدى يديها على رأس أبي الهول واليد الأخرى تمسك بها جرة أو ما شابه، ولم يلتفت أحد إلى أن المرأة المنحوتة، تقوم بنزع الوشاح من على رأسها، فهذا هو الوضع الذي أراد محمود مختار للتمثال أن يخلده وأن يشير إليه باسم النهضة، تحرر المرأة من حجابها، الذي اعتبره رمزًا للجمود والتخلف والرجعية وما شابه.

هذه الأمور ذات دلالة، كيف تؤدي النظرية إلى تحقيق الفهم؟ ولماذا تحقق هذا الدور؟ استدعى مني هذا بحثًا لاحقًا لأن النظرية تدَّعي أنها تقدم فهمًا أو تقدم أسلوبًا لاكتساب المعرفة، فما الذي دفع المطورين الأوائل للنظرية لكي يقوموا بهذا الدور، وتتبع تاريخ الأفكار أفصح عن أنه كانت هناك طريقتان لاكتساب المعرفة، إما طريقة الاستقراء والتجربة والحس باستخدام أدوات الحس، أو طريقة الاستنباط وإعمال العقل.

بعض المفكرين يشبهون الطريقتين بطريقة النملة في مقابل طريقة العنكبوت؛ فالنملة عندما تسعى لكسب قوتها تقوم بجمع ما أنتجه الآخرون، أما العنكبوت فعندما يسعى لكسب قوته ينتج شبكته من ذاته، فكأن العنكبوت استنباطي بهذا المعنى والنملة استقرائية؛ لأن النملة تجمع ما وفّره الآخرون وتنظمه، والعنكبوت استنباطي لأنه ينتج شبكته من داخله ومن جهده الخاصة. وفي مواجهة نمطي النملة والعنكبوت، كان فرانسيس بيكون يدعو الباحثين أن يكونوا مثل النحل؛، لأن النحلة تجمع الرحيق، ولكنها تُنتج العسل بعد ذلك، فكأنه جمع ما بين الاستقراء والاستنباط.

كان الأمر ينحصر ما بين هذه الثنائيات، ثنائية التجريب وثنائية الاستنباط، واكتسب التجريب سمعة أفضل مع الوقت، وأصبح معظم العلماء في إطار عصر النهضة وما بعده يفكرون بشكل تجريبي، إلى أن جاء الشخص الذي تعرفونه جيدًا "ديفيد هيوم" وألقى حجرًا في ماء التجريب الراكد، وصدم الجميع بأنه لا يوجد أي تلازم عقلي منطقي ضروري في العلاقات التجريبية، فإذا كان كل البجع أبيض تمامًا لأننا لم نعثر على بجعة سوداء، فهذا لا يولد أي إلزام منطقي أو عقلي بأن البجع كله أبيض، أي أن فكرة اكتساب المعرفة أو إقامة الفهم، بناء على الاستقراء المتواصل بجمع المزيد من الشواهد، لكي يتم تأكيد نفس الفكرة، فهذا لا يُثبت شيئًا؛ ففي النهاية، لا يوجد تلازم عقلي منطقي بأن يكون كل البجع بالضرورة أبيض، لكون ما تم العثور عليه تجريبيًّا واستقرائيًّا حتى اللحظة هو بجع أبيض.

تعليقات هيوم أفرزت حالة من الشكوكية، التي تطلبت من الباحثين أن يضيفوا إلى أبحاثهم التجريبية ما يشبه المدونة التفسيرية لما يقيمونه من علاقات، فإذا كان الفهم هو اكتشاف العلاقات، وإذا كان اكتشاف العلاقات لابد وأن يتم بشكل تجريبي، كما استقرت على ذلك أبستمولوجيا المعرفة أو نظرية المعرفة الحديثة، فإن إسهام هيوم يتمثل في ضرورة الرجوع خطوة، لفهم طبيعة التلازم المنطقي بين الاستقراء وما بين اليقين، كيف يمكن الادعاء بأنك قد اكتسبت معرفة لمجرد أنك راكمت المزيد والمزيد من الشواهد؟

منذ هذه اللحظة، كما أدعي، أصبحت النظرية هي الكلمة السحرية؛ لأن النظرية، بعبارة وجيزة، هي المذكرة التفسيرية للإجابة عن تساؤل، لماذا أتصور أن الاطراد يولد معرفة؟ البحث العلمي هو محاولة الوقوف على الاطرادات، لا يوجد قانون للتعامل مع حالة؛ فالقانون يتعامل مع الحالة التي تتكرر كلما توافرت ظروفها، فكلما سُخِّن الحديد تمدد؛ فالقوانين تتعامل مع الاطرادات. وإذا كان القانون يصف فدور النظرية في هذه الحالة هي أن تفسر، إذن الدور الأساسي للنظريات، والذي ظهرت من أجل أن تقوم به، هو الدور التفسيري.

 للمستشار البشري تعقيب مهم على كتاب محمد عابد الجابري "نقد العقل الأخلاقي العربي" الذي كان الجابري فيه يتهم العقل العربي أنه لم ينجح في تطوير نظرية أخلاقية، وأنه عندما بدأ في البحث عن مظان هذه النظرية –إن كانت هناك نظرية– لم يجدها إلا بشكل شديد التأخر في كتابات ابن المقفع في كتاب "كليلة ودمنة". أدهش هذا الاستخلاص المستشار طارق البشري، وكتب ردًّا مهمًّا على هذا الكتاب ناقش فيه ادعاء الجابري "أن العرب لم ينجحوا في تطوير النظريات"، فبدأ بمناقشة الجابري في معنى النظرية، وثنّى بالتساؤل هل النظرية هي وصف أم وظيفة؟ وإذا كان الفقه الإسلامي قد خلا من هذا المفهوم فهل لم تقم مفاهيم فقهية أخرى بالأدوار الوظيفية للتنظير، وقدّم البشري في هذا الرد جهدًا مشكورًا وكان ملهمًا جدًّا بالنسبة لي.

بقيت أفكر هل بالفعل يمثل خلو التراث الفقهي من مفهوم التنظير سقطة أو نقطة ضعف؟ أو أمرًا سلبيًّا يحتاج إلى التدارك؟ أو يحتاج إلى تطوير سياسة دفاعية اعتذارية، أو أمرًا نحتاج إلى أن نتكلم عنه بشكل تبريري؟ أم أن الأمر كان مقصودًا، وأن الفقه ربما لا يناسبه أن يكون تنظيريًّا بهذا المعنى؟ في الحقيقة قراءتي للمفكر وائل حلاق فتحت لي بوابة للإجابة؛ لأن حلاق كان معنيًّا بفكرة تطور الفقه الإسلامي، وعلى خلاف كثير من المتعلمين تعليمًا غربيًّا، وهو المسيحي العربي الذي ترقّى في أكاديميات البحث العلمي الغربية، كان شديد الانبهار بحالة التنوع الفقهي، وكان يعتبر أن فكرة جمع الآراء الفقهية في إطار منظومة واحدة تشبه المنظومات القانونية على نحو ما جرى مثلًا في مجلة "الأحكام العدلية" وما شابهها، كان يَعتبر أن هذا يعد من باب تضييق الواسع، وكان يعتبر أن الواقع البشري الإنساني المتنوع، الثري، التدافعي، يلائمه أن يكون الفقه الذي يخاطبه ويوجهه ويضبط حركته فقهًا ثريًّا متنوعًا متدافعًا. احتفى وائل حلاق على امتداد كتابه "الشريعة" بشكل شديد الإيجابية بثراء وتنوع الحالة الفقهية عبر التاريخ الإسلامي، وعندما بدأ هذا التاريخ ينحو ناحية صياغة المدونات القانونية، ولا نقول الفقهية، كان يعتبر أن هذا هو بداية الانسحاق أمام الحداثة، معتبرًا أن الحداثة بشكل أو بآخر هي تلك الفكرة الضجرة بالتنوع؛ فالحداثة هي بشكل أو بآخر تعتبر أنه بالإمكان وضع البشر على خط إنتاج، فهي أخت التصنيع، والتصنيع هو ذلك الفكر الذي يولع بإنتاج السلع المتشابهة، ويعتبر أن السلعة المختلفة هي سلعة غير مطابقة للمواصفات، ومن ثم سلعة معيبة بالضرورة. اعتبر حلاق أن الحداثة نقلت هذا التصور التصنيعي إلى عالم البشر، وأصبح البشر أيضًا مطلوبًا منهم أن يُنَمـَطُوا، وأن يكونوا على شاكلة السلع القياسية.

وكانت أدوات الحداثة في تحقيق هذا التصور متعددة، ومنها النظرية نفسها، هذا هو الادعاء الذي أدعيه في هذه الورقة: أن الحداثة ربما تكون طَورت "التنظير والنظريات" كمحاولة لضبط الواقع المتنوع، ضبط الواقع من خلال مقولة، نظرية، مثل الصراع الطبقي لتفسر كل أشكال الصراع الطبقي، أو نظرية مثل التنمية الاقتصادية، أو نظرية نشأة الدول. هذا الطموح المعرفي الذي كان يسعى لتلخيص الواقع المتنوع في إطار عبارات مصمتة، يبدو شديد الشبه بالحداثة، كما أن الحداثة شديدة الشبه به، ربما يكون هذا هو الطرح الموجود في الورقة على كثرة تفاصيلها، وربما يكون هذا الطرح غير ملائم للواقع الإسلامي، أو يكون الواقع الإسلامي يناسبه أكثر أن يُمارس العقل المسلم نوعًا من الاجتهاد الذي يحاول الاقتراب من الحقيقة دون أن يدَّعي أنه قد اقتنصها في إطار عبارة أو جملة أو مقولة، أو ربما يكون العقل الفقهي ميسرًا أكثر لأن يطور نوعًا من القواعد الفقهية التي توجه الواقع دون أن تدَّعي أنها تفسره، والتفسير هنا يعني -باقتباس "المسيري"- ذلك الجموح العقلي الذي يدَّعي أنه قد ألمّ بأطراف الظاهرة جميعها وأصبح قادرًا على أن يتحكم بها؛ فالتفسير وفقًا للمسيري يندرج ضمن خصائص العقل الحداثي الذي يمارس دائمًا نوعًا من الاستعلاء إزاء هذا العالم، ويدَّعي أن العالم يمكن تفسيره. وكان عبد الوهاب المسيري في إطار ما يدعو اليه من تبَّني النموذج الرباني منفتحًا على أفكار التنوع والاختلاف، وكان واعيًا – وإن لم يفرد مساحات كبيرة من عمله للتأصيل لهذه الفكرة – بفكرة التنوع التي كانت حاضرة بشكل كبير في إطار النموذج الرباني الذي كان يتحدث عنه.

إذن، هل في إطار ثنائيات الواحدية والتنوع، وهل في إطار ثنائية أن التنظير وليد سياق حضاري ربما يكون مختلفًا عن السياق الحضاري الإسلامي، هل يعد غياب التنظير بهذا المعنى أمرًا يحتاج إلى الاستدراك بشأنه، أو التعامل معه، وخصوصًا أنه على أرض الواقع قد حدث هذا بشكل أو بآخر؟ في إطار خضوعنا لمبضع الاستشراق وتعامله مع تراثنا بشكل فيه نوع من الاستباحة، والاستشراق وفقًا لوائل الحلاق هو أحد أضلاع مثلث، ضلعاه الآخران هما الحداثة والدولة القومية. فإذا كان الاستشراق قد قدّم المادة المعرفية إلى مؤسساتنا وإلى أكاديمياتنا وإلى معاهدنا العلمية، فهل يمكن أن نتخيل أن كثيرًا من هذه المؤسسات قد أصبحت تعكس هذا الوعي الاستشراقي، الذي يضيق بالتنوع، ويضيق بكثرة المذاهب، وكثرة الآراء، وكثرة الفتاوي، وكثرة القواعد، ويريد أن يصب الواقع في شكل نظريات؟ هل استلهمت مؤسساتنا ذلك؟ ربما الواقع يقول أن هذا ما قد حدث بشكل ما.

النظريات الفقهية: ما يسترعي الانتباه عند الاطلاع على المحصول المتوافر مما يسمى بالنظريات الفقهية، أن النظريات التي توصف بأنها نظريات فقهية، يدبج مؤلفوها الكثير من الكلمات والعبارات في توضيح الفارق بينها وبين القواعد وبينها وبين الأحكام، ولا يظهر وجه الشبه فيما بينها وبين النظريات أصلًا. وهنا كان الأولى قبل أن يستفرغ هذا الوسع والجهد في بيان الفارق ما بين هذه النظريات الفقهية وما بين القواعد والأحكام وما شابه، أن يتم التساؤل هل هي أصلًا تقترب من معنى النظرية أم لا، وهل هي نظريات بالمعنى الذي نناقشه الآن؟ هل فيها ذلك المعنى التفسيري؟ وهل من الوارد أن يقدم العقل الفقهي تفسيرًا، أم أن هذا مما يخرج عن نطاق اهتمامه؟ وهذا أيضًا من التساؤلات التي أطرحها في هذه الورقة، حيث إنني لا أملك لهذه التساؤلات جوابًا؛ فالعقل الفقهي دائمًا معني بصياغة الحكم العملي، الحكم الذي سيترتب عليه حركة وتفاعل في الواقع، وهو يبني هذا الحكم على أساس من تصور للواقع، أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فهل في المسافة ما بين الوصف والحكم يختفي التفسير؟

هل التفسير ليس جزءًا من بنية العقل الفقهي؟ وهل التفسير يتضمن نّفسًا حداثيًّا يتضمن معنى الإمساك بجوهر الشيء وحقيقته؟ والفقه بحكم أنه ينبع عن عقل مجتهد، ينأى بنفسه عن أن يقدم تفسيرات بهذا المعنى. وإذا خلا الفقه من المعنى التفسيري، فهل ليس للفقه ما يقوله إزاء تمدد المساحات الفكرية إلى الحِمى الفقهية إن جاز القول؟ وعندما يصدر كتاب مثل كتاب "الدولة المستحيلة" مثلًا، أليس للفقهاء ما يقولونه حول هذا الأمر؟ وكيف يقولون أو كيف يعلِقون على ما قاله وائل حلاق، وهو لم ينشأ في إطار المؤسسة الفقهية؟

بعد سلسلة كتب السياسة الشرعية وكتب الماوردي وكتب ابن تيمية، لم نجد تأصيلًا فقهيًّا تفسيريًّا، فليس لدينا شيء على وزن النظريات الغربية فيما يتعلق بنشأة الدول، والعلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، لماذا لا توجد نظرية إسلامية تفسر تدهور الأداء البيروقراطي في ظل المؤسسات الكبيرة؟ لماذا لا يقدم الفقه تفسيرًا لمثل هذه الظواهر التي هي جزء من الحياة كظاهرة الاستبداد؟ لماذا نرجع باستمرار إلى عبد الرحمن بن خلدون إذا أردنا أن نجد تفسيرًا بهذا المعنى، تفسيرًا ينتقل من الأجزاء إلى صياغة مقولة كلية؟ هل الفقه يعتبر أن المساحة (التفسيرية) لا تنتمي إليه؟ هل هو زاهد في أن يطور إنتاجًا بحثيًّا فيها، هل يجد الفقه نفسه محصورًا في إطار دائرتي الوصف (أو التصور) والحكم؟ أم أن هناك جهدًا تفسيريًّا موجودًا؟ هل هناك تفسيرات فقهية لظواهر مثل التضخم، والاحتكار، والأزمات الاقتصادية؟ أم أن النظرية الفقهية هي نظرية قبلية، تقدم الحل مهما كان نوع المشاكل، (عندما كنت أبحث عن إجابات عن المشكلات الاقتصادية في إطار كتب الفقه الإسلامي، كانت الإجابات دائمًا ما تكون إجابات قبلية، أن النظرية الاقتصادية الإسلامية تنهى عن الاكتناز، وتنهى عن الربا، وتنهى عن الاحتكار، وتنهى عن كذا...، كأنها تطرح نظرية قبل نظرية تصلح للواقع، مهما كان نوع المشاكل التي سوف تظهر في إطاره، وليست من نوع النظريات البعدية، التي تتعامل مع النوازل تفسيريًّا. طبعًا يمكن الاستدراك على هذا الكلام بالقول أن هناك رسائل وأبحاث للتعامل مع هذه الجزئيات، ولكن نحن نتحدث – كما أشار أخي د. مدحت – على مستوى التنظير الكلي، وليس على مستوى الاجتهادات أو المقولات التفسيرية الجزئية. فهل من حق الباحثين المسلمين أن يبدأوا في المطالبة بتوفير مثل هذا النوع من التنظير؟ أم أن هذا التنظير – كما سبق القول – هو مما يختلف مع طبيعة الفقه؟ هذا سؤال ينبغي أن نحسمه مرة واحدة وإلى الأبد، ذلك لأنه يمكن الادعاء بأن ما هو موجود من نظريات فقهية، لا يمت لمفهوم النظرية بكثير شبه، هذا هو السياق الذي كُتبت فيه هذه الورقة. ربما يوجد تفاصيل في الورقة لم أتعرض لها، ولكن أرجو أن يكون قد توفر لحضراتكم الوقت للاطلاع عليها، ومحاولة الاشتباك مع ما ورد فيها من أسئلة وتفاصيل. والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين، وشكرًا لحضراتكم.

 

د/ مدحت:

شكرًا د. شريف، كان العرض ممتعًا، وفيه روح، والموضوع في مستوى كلي، هذه طبيعة المناقشات فيه، ولكن الأجزاء المتعلقة بالواحدية والتنوع، والمناظرة ما بين مدخل الوحي ومدخل الحداثة، أعتقد أنها كانت تحتاج لمزيد من التنويه في كلمة حضرتك، وعمومًا فإن الورقة بها الكثير من التفاصيل، وأتمنى أن يكون الحضور قد طالعوها بشكل جيد؛ لأنها جديرة بنقاش قوي إن شاء الله عز وجل.

 

أ/ مهجة مشهور:

كنا نناقش هذا الموضوع كثيرًا داخل المركز قبل طرحه على حضراتكم في هذه الحلقة النقاشية، ولم أتفق مع دكتور شريف على أن تقتصر الورقة على التنظير الفقهي فقط، على أساس أنه انطلق من فكرة هل العقل المسلم عقل جزئي أم عقل كلي؟ واقترحت أن نقسم النظريات إلى ثلاثة مستويات: النظريات العلمية البحتة وهي النظريات الطبيعية التي لا يُختلف عليها، التي يشترك فيها العقل المسلم وغير المسلم، وكان المسلمون قد شاركوا عبر التاريخ في اكتشاف الضوء واكتشاف الأرقام وغيره، وأسسوا نظريات في عدد من العلوم، وبالتالي فالعقل المسلم لم يكن في هذا المجال عقلًا جزئيًّا. ثم النظريات المعرفية في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والنفسي وغيرها من علوم إنسانية واجتماعية، أرى أن هناك فراغًا حقيقيًّا في هذه المساحة لدينا كمسلمين مما جعلنا نلجأ إلى النظريات الغربية، واضطرت كل دولة أن تتبنى نظرية من النظريات السائدة، النظرية الليبرالية أو النظرية الاشتراكية، رغم عدم انتمائها إلى رؤيتنا الإسلامية أو قواعدنا وأصولنا. وهنا يجدر القول بأن التنظير في المجال المعرفي -الذي قام به الغرب – لا يمكن مقارنته بالتنظير في المجال الفقهي لدينا، فهم ليسوا متطابقين من حيث البنية والطرح، ولم يكن رد المستشار البشري كافيًا في هذا الإطار. فعلى سبيل المثال عندما قام "كينز" بوضع نظرية في المجال الاقتصادي والتزم بها العالم فترات طويلة، وقد أُدخل عليها عدة تعديلات، لكن تظل هناك نظرية رائدة قامت عليها اقتصاديات دول، وهذا يُقال أيضًا على الماركسية والاشتراكية. أما نحن فلدينا فراغ نتيجة أن القواعد الكلية لدينا في الوحي -والتي كان من الممكن أن يقوم على أساسها بناءً نظريًّا متكاملًا- لم يتم استغلالها الاستغلال الكافي بحيث يكون لدينا نظرية إسلامية يمكن أن تدير الدولة على أساسها نظامها الاقتصادي. وهنا تأتي فكرة التنوع، فكل دولة يمكن أن تكون لديها –وفق ظروفها الخاصة- المنظور الخاص بها في وضع نظريتها على أساس القواعد والرؤية الإسلامية. فلا ضرورة لوجود نظرية اقتصادية إسلامية واحدة يلتزم بها الجميع، وإنما التنوع يمكن أن يظهر من طبيعة كل بلد، إلا أنه يجب أن تكون هناك رؤية كلية منبثقة من النموذج المعرفي الإسلامي يتم التنظير على أساسها. وأخيرًا تأتي النظريات الفقهية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاقتصار على الجانب الفقهي عند الحديث عن التنظير في المجال الإسلامي أمرٌ غير معبر عن واقع العقل المسلم؛ فالنظريات الفقهية لها طبيعة خاصة وبالتالي فالتعميم انطلاقًا من المدخل الفقهي ليس معبرًا عن واقع العقل المسلم والعربي، كما أن الاقتصار على المدخل الفقهي في هذا المجال لن يسمح بالمقارنة مع التنظير الغربي الذي قامت على أساسه إشكالية الجابري. وهنا يطرأ سؤال مهم وهو مدى امتداد الفقه لتغطية الجزء المعرفي في الفكر الإسلامي؟ فخريجو كليات الاقتصاد لا يملكون من البضاعة الفقهية ما يمكِنهم من تقديم بناءً نظريًّا أو رؤية كلية في المجال الاقتصادي. وكذلك الفقيه، فهو لا يجتمع لديه كل أصول المجال الاقتصادي لكي يستطيع أن يُنظِّر في موضوعات متخصصة مثل التضخم وعلاجه أو الكساد أو غيرها. وشكرًا.

 

أ / محمد الديب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... في البداية أرى أن هناك تفاصيل كثيرة في الورقة، فكنت أقرأ الورقة لكي أرتوي، ولكني أنهيتها وأنا ما زلت عطشًا. مسألة الواحدية والتعدد ومقارناتها بالحداثة والوحي تلك المسألة مهمة جدًّا. وتعليقي كالآتي: في البداية تحدثنا عن الخطاب الفقهي، أرى أن يطول قليلًا تعريف الفقه وتحديده بعدة مداخل، وليس مجرد تعريف نظري أن "الفقه هو معرفة الأحكام"، ونحتاج أن نذكر مثالًا لنماذج شخصيات في عصور مختلفة، فبالتالي التحديد بشخصيات والتحديد الزمني والتحديد بمواضيع وقضايا مهم جدًّا.

ما هو مفهوم الفقه؟ هل نتحدث عن المدونات الفقهية التي استقرت على مذاهب أربعة، وكل مذهب معروف كتبه الأساسية ومتونه؟ إننا يجب أن نُطيل النفَس في الفقه ومستوياته، هل "كتاب الأموال" لأبي عبيد القاسم يُدرج في الفقه أم لا؟ فهو لا يخرج عن نطاق الفقه بالمعنى الواسع. وأيضًا كتاب "السير الكبير" للشيباني فهذا كتاب في الفقه أم لا؟ "الأحكام السلطانية" هل هو كتاب في الفقه؟ إلخ…

عندما نتكلم عن وظيفة النظرية، وهل كان لدى المسلمين نظريات، أو بمعنى أدق هل قاموا بتفسير الواقع؟ هل التراث الإسلامي كان يسعى لتفسير الواقع الاجتماعي سواء على مستوى السلوكيات الفردية أو السلوكيات الجماعية؟ هل ممكن بهذا المعنى أن نذكر "إحياء علوم الدين" وأنه يناقش السلوكيات والدوافع على المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي؟ هل "الغياثي" للإمام الجويني – وهو كتاب رفيع المستوى في باب السياسة الشرعية تعرض للواقع وناقش مشكلات لم تكن موجودة بعد – فهل هذا النموذج تحديدًا يمكن أن يُذكر كنوع من أنواع التنظير؟ وعلى المستوى العقدي هناك مثلًا كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" لابن تيمية، هل ممكن أن يمكن أن نصف هذا الكتاب بأنه على مستوى التنظير أم لا؟ إذ إنه يناقش سلوكيات وظواهر معينة والحكم عليها. وعلى المستوى الفردي هناك كتاب "معيد النِعم ومبيد النِقم"، فهو في مجمله يناقش مسألة الأخلاق والفساد الأخلاقي وآثاره على المجتمع. وإذا ذكرنا ابن خلدون هل يُدرج في الفقه أم لا؟ وهكذا يجب أن نذكر أمثلة على مستوى الشخصيات أو على مستوى القضايا.

هناك تساؤل آخر، أيهما أفقه، الأئمة الأربعة أم سيدنا أبو بكر وعمر بن الخطاب؟ الأئمة الأربعة نتج عنهم مذاهب وقد استقرت تلك المذاهب، لكن لو درسنا سيرة سيدنا أبي بكر أو سيدنا عمر وما كانوا يقومون به على جميع المستويات في حياة المسلمين –ليس على المستوى الفقهي فحسب– فسيتسع المجال. لقد شعرت وأنا أطالع الورقة أننا نتكلم عن الفقه في مسائل الأحوال الشخصية ومسائل القضاء وما شابه ذلك فقط.

 

د/ مدحت:

هناك مجموعة من اللمحات ذُكرت في هذه المداخلة أعتقد أنها مهمة لمزيد من تحديد مفهوم الفقه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال عدد من النماذج التي تطرح سؤالا: هل الفقه بناء على هذه الشواهد شيئًا واحدًا؟ وهل هذه النماذج تعاملت مع التنظير، سواء التنظير الوصفي كما ذكر الدكتور شريف أو التنظير التفسيري كما هو معروف في العلوم الاجتماعية؟ هل هذه الكتب ممكن باختلافها وتنوعها أن تذكر شيئًا مختلفًا أو تنتهي إلى المقولة التعميمية؟

 

أ/ أحمد رأفت:

السلام عليك ورحمة الله وبركاته... أود أن أتحدث في البداية عن التنظير بالمعنى الذي ذكره د/ مدحت وكيفية صياغة نظرية؟ النظرية في أساسها هي رؤية فلسفية ورؤية لغاية الوجود، وتصورات حول ماهية الله والإنسان والعالم، من خلال هذه الرؤية المركزية يتم الانتقال إلى كل المستويات الجزئية لبنائها اتساقًا مع هذا المركز. صحيح أن الفقه يتعلق بأشياء جزئية، لكن يسبقها رؤية كلية للوجود، وهذا ما نتحدث عنه من حيث الأدلة، هذه الرؤية تُبنى على النصوص المقدسة سواء من القرآن الكريم أو من السنة، والإجماع، والرأي، والقياس. بالتالي الفقه عندما يتعامل مع أي قضية فهو يرجع لهذه المرجعية؛ فالتنظير لا يفسر الواقع فحسب، ولكنه أيضًا يحدد الاتجاه الذي يجب أن يسير إليه المجتمع، ويقدم تصورات للشكل الذي يجب أن يكون عليه هذا المجتمع. الفقه في الواقع هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. أما تعريف المعرفة في الغرب فهي الإدراك الجازم للواقع وللحقيقة. ونحن كدارسين للعلوم الاجتماعية يجب أن نعلم بأن هذا التعريف غير مناسب لنا تمامًا كمسلمين، وتحتوي العلوم الشرعية على تعريفات أخرى للإدراك، أو للمعرفة. فالفقه هو أصلًا – كما ذكر إمام الحرمين – ظن، ولو لم يكن ظنًّا لما كان فقهًا، والظن هو أكثر من خمسين بالمئة، فعندما نتحدث مع الفقيه ونذكر له أننا سنقوم بذلك، فيرد لأي درجة تعتقد كذا؟ فنرد أظن فهذا يعني أكثر من خمسين في المائة، فاذا كان رده أشك فالشك يعني نسبة خمسين / خمسين، بمعنى أنه ليس مختلف تمامًا، من هنا فإننا نحتاج أن نعرف هل العقل الفقهي يتسع للتنظير؟ نعم من حيث الأصول، فعلم الأصول هو النظر في الأدلة من حيث استفادة الأحكام منها، لكن ما نحتاجه هو توسيع علم الأصول، ليس لإحكام وإثبات شيء أو نفيه عنه فقط، ولكن ليشمل إفادة التصورات، كيف نرجع بنفس الأدلة والأدوات العقلية لكن نوسع المنهج والمضمون مع التعامل مع النصوص المقدسة.

من جانب آخر، فإن جزءًا من عقلية الفقيه هو التفسير بلا شك، فمن قواعد الإمام الشافعي في فقهه، أن الأمور تتبع المقاصد، كمثال أن كان هناك من يُقصر الصلاة وهو يسافر عابثًا دون وجهة فلا يجوز له أن يُقصر، فبالتالي أن الحكم الفقهي لا بد وأن يترتب على تفسير. ولكن لماذا لا يقدم الفقه تصورات عن المجتمع؟ هنا نتكلم عن غاية الفقيه؟ وما هي الغاية من الموضوع؟ مثلًا الفقهاء يقدسون فكرة حفظ دماء المسلمين، فعندما نذكر الثورة ولماذا تحدث فلن يقبل بها، لكن في نفس الوقت حينما نقدم له كباحثين للعلوم الاجتماعية الشكل المجتمعي الذي نظن أنه أكثر اتساقًا مع النظام الإسلامي فسيكون حكمه أن هذا الأمر مستحب لكنه لن ينادي به، فيقول هذا الشكل حكمه قد يكون مندوبًا لكنه لن ينادي به.

أما الجزء المتعلق بالتنوع، فبالرجوع إلى المصادر المقدسة ومنها القرآن الكريم، فهناك مفهوم في غاية الأهمية أكثر استخدامًا عند الصوفية هو مفهوم التجلي، فإن "ابن عربي" يتحدث عن أن التجلي لا يكون واحدًا أبدًا؛ فالمصري مثلًا حينما يتعامل مع النص المقدس سيحصل على فهم غير ما سيحصل عليه الإندونيسي غير ما سيحصل عليه غيره؛ لأن التجلي مختلف، ويظهر بمظاهر مختلفة، لكن المصدر واحد والغاية واحدة، وهو الذي سيكون مقياسًا لأي اختلاف.

فإن وُجد شخص تربى على العلوم الفقهية لكنه غير مقتصر عليها، فهل يستطيع أن يقدم تنظيرات متعلقة بالواقع الاجتماعي؟ وهنا يمكن أن أذكر مثالًا: محيي الدين بن عربي في كتابه "التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية" استطاع أن يصنع حالة من التجريد بحيث أنه ينظر إلى الواقع فيقول أنه يستفيد منها خادم الملوك في خدمته ويستفيد منها الإنسان في حياته، فهو صنع تجريدًا لمجموعة من القيم استقاها من النص المقدس وبما يتسق مع العلوم الفقهية –رغم تعارض موقفه من الفقهاء– لكنه قال إننا نستطيع أن نقيس الواقع الاجتماعي ونحسنه بناء على هذا التجريد. إذن من الممكن، من خلال توسيع مجال الدلالة الفقهية وتحديد المعرفة وأدواتها، تحقيق مرة أخرى أن يرتبط الفقه بالتنظير. وشكرًا جزيلًا.

 

د. مدحت: شكرًا لاستدعاء أصول الفقه لأنه مهم جدًّا.

 

أ/ وليد القاضي:

أعتقد أن الفقه لم يخلُ يومًا من التنظير، بل هو سمة أصيلة فيه، إذا أخذنا بمفهوم النظرية الموجود في الورقة بأنه "جملة من التصورات المؤلفة تأليفًا عقليًّا، تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات". وإذا كان ظاهر فقهنا التقليدي أنه يهتم بالفروع وبالجزئيات، دون النظريات العامة، فإن حقيقة الأمر، وكما أشارت الدراسة إلى أن الفقهاء والأصوليين بذلوا محاولات رائدة في مجال التنظير، تتمثل في كتاباتهم المنهجية في أصول الفقه، وفي مقاصد الشريعة، وفي عنايتهم بالقواعد الفقهية. وهذا يتوافق في نهاية المطاف مع القول بأن مفهوم النظرية لم يكن فقط حاضرًا بروحه، وإنما تمكَّن من تطوير "نظريات فقهية" فعلية؛ تقوم على "تصور مجرد جامع للقواعد العامة، الضابطة للأحكام الفرعية الجزئية"، وأن هذا التصور يقوم بالذهن، سواء من خلال الاستنباط بالتسلسل الفكري المنطقي، أو عبر استقراء الأحكام الفرعية الجزئية.

ثم إذا كانت النظرية في العالم الغربي تأخذ بعين الاعتبار الرغبة الحداثية في التحكم بالواقع، وتنحو ناحية التنميط، مع عدم استبعاد البُعد المادي، فأتصور أن الإسقاطات الحداثية تعسفية وأنانية، وتخدم في نهاية المطاف مصالح طائفة معينة من البشر، على عكس الوحي الذي يبتغي مصالح العباد كافة، خاصة وأن عملية التنميط مخالفة لسنة الاختلاف التي يجب احترامها وعدم تجاهلها. وحتى لو أخذنا جدلًا بمقولة أن سنن الواقع الاجتماعي تشير إلى أن ما يبدأ متنوعًا وتعدديًّا لا بد وأن ينتهي أحاديًّا ومحددًا، وذلك على اعتبار أن الاستقرار على شكل نهائي هو المآل الطبيعي لأي حالة أصلية من التفاعل والتنوع، فلو افترضنا ذلك، فكيف يمكن القول بتلاقي الفقه مع التنظير بالمعنى الغربي؟ فإذا التنظير الحداثي يهدف إلى السيطرة على الإنسان، فإن التنظير الفقهي يهدف إلى تحقيق مصالح الإنسان، وأخذ تغيرات الواقع في الحسبان، وهو أكثر مراعاةً واستيعابًا لحالات الإنسان وطباعه المتغيرة والمتنوعة. ثم إذا كان هدف التنظير، بصورته الغربية، تحقيق صورة نمطية مجردة وعامة، يتم على ضوئها فهم وتفسير الواقع، فإن العالم الغربي ذاته ما لبث أن نكث إلى التعددية والتنوع التي حاول تحجيمها، وذلك عن طريق الإيغال في التقسيم التخصصي العلمي، فأضحى يعج بعشرات النظريات التي قد تتضارب مع بعضها أحيانًا.

من جهةٍ أخرى، أتصور أن التنظير الفقهي يُعد أكثر اتساقًا مع طبيعة العلوم الاجتماعية، حيث من المعلوم أنه لا توجد نظريات تامة أو نهائية أو بإمكانها التنبؤ بالتصرفات البشرية. وإذا كان ما يشغل العقل المسلم هو احتواء الظواهر داخل أطر شرعية والحكم عليها وليس تفسيرها، مثل التضخم والاحتكار وغيرهما، كما ذكرت الدراسة؛ فذلك لأن الإسلام قدَّم الركائز الأساسية التي من المفترض، وينبغي، أن تكون عليها المجتمعات البشرية، مثل الرحمة والأمانة وتحريم الربا، وهذه الركائز –كما لا يخفى– ذات توظيف مزدوج ومصلحي في الغرب، ولا تُلزم مَن يشتغل بالتنظير هناك ضرورة الأخذ بها أو مراعاتها لدى تنفيذ عملية التنظير، وذلك على عكس ما يقوم به الفقهاء.

وفي هذا السياق، يكون من الجور ادعاء البعض بأن الجهود التنظيرية الفقهية والإسلامية متخلفة عن الجهود التنظيرية الغربية، خاصة وأنه يجب أن يكون حاضرًا في الذهن أن الأخيرة لن تقبل بحال أن يتفوق عليها غيرُها، وإلا كان ذلك نذيرًا بانهيار حضارتها التي عملت جاهدةً على فرض سيطرتها وإظهار تفوقها وتقدمها في ربوع الأرض. ومن ثمَّ، لم يجد المستشرقون بُدًّا من إضفاء صفة "التخلف" على الجهود الإسلامية ذات الصلة؛ في مسعى لتجهيل العقل المسلم. بل أن مقولة "صراع الحضارات" التي طرحها أحد المنظِّرين الغربيين (صامويل هنتنجتون) تؤكد مدى قوة الإسلام، الذي ستصطدم حضارته في نهاية المطاف مع الحضارة الغربية، ولا شك أن هذه القوة تنبني في العديد مِن أُسُسِها على قناعة دينية وجهود فكرية راسخة منذ القرن الأول للإسلام. وبناءً على ذلك، من الأجدى الكفُّ عن المساعي والمحاولات التبريرية التي يقوم بها بعض الفقهاء للتأكيد على أن للمسلمين إرثًا نظريًّا ذا شأن، بل يجب أن ينصرف ذلك الجهد نحو سبل التجديد الممكنة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية.

هذا، وأعتقد أن الانبهار بالغرب، جعل كثيرين من العالم الإسلامي يُفتَن بالأفكار والنظريات الغربية، وبالتالي يبني عليها، فأصبح الكثير من فكرنا بالتالي تابعًا بشكل أو بآخر للأفكار الغربية في نهاية الأمر، كما أن ذلك يخدم الغرب من جهة أخرى؛ حيث ينظر إلى ذلك باعتباره مظهرًا للفقر الإبداعي والتنظيري لدى المسلمين اليوم. كما أتصور أن حركة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية أو الفرنسية وغيرها، ليست بذات القدر السريع من الترجمة من تلك اللغات إلى العربية، ما يُعني أن أفكارهم تنتشر بسرعة في المجالَيْن العربي والإسلامي، مقابل انتشار محدود للغاية للأعمال العربية والإسلامية في المجال الغربي.

ارتباطًا بمسألة التنوع والاختلاف بين المذاهب الإسلامية، وعمَّا إذا كانت مدخلًا للفرقة في الدين، فيمكن القول بأن مراعاة الحكمة الأصلية من الخلق قد تجيب عن ذلك؛ بمعنى أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وبالتالي كان قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وكذا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، هو ما يجب على المؤمنين الالتزام به لتحقيق العبودية الحقة لله تعالى. وبالتالي، متى راعت التعددية الفقهية والمذهبية وغيرها هذه الحكمة، والتي تقتضي بالطبع الالتزام بما جاء بالكتاب والسنة المطهرة، فإنها لا بد أن تؤدي في نهايتها إلى تعزيز التمسك بالدين القويم، ويُفهَم –وفقًا لذلك– أن هذه التعددية هي فقط من باب التيسير في الدين، وليس أن تكون سببًا للفرقة.

فيما يتعلق بالتساؤل الخاص: هل ينبغي أن يلعب الفقه دومًا أدوارًا محافظة، أم أنه يمكن أن يمارس أدوارًا إصلاحية إزاء الواقع؟ أتصور أنها ليست محافظة بالمعنى الجامد، وإنما لا بد أن تأتي وفقًا لكتاب الله وسنة رسوله، كما يمكنه ممارسة هذه الأدوار الإصلاحية عبر ما يُسمَّى بـ "التجديد الفقهي" الذي يشتمل، من بين أمور أخرى، على الحاجة إلى تقديم اجتهادات في المسائل المستحدثة، وهو أمر أصبح مقبولًا في الحِس الإسلامي العام والعلمي؛ لأنه النتيجة الحتمية لقاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، ومن هذا المعنى قولهم بعدم خلو عصر من مجتهد.

وفي هذا السياق ينبغي العمل على استكمال الجانب التنظيري في الدراسات الفقهية المعاصرة، أخذًا في الاعتبار هذه المسائل المستحدثة، وذلك، وفقًا لما ذكره علماء أجلاّء مثل محمد عمارة، وجمال الدين عطية، من أن ذلك يأتي:

تحقيقًا للأغراض العلمية والتعليمية، في تيسير دراسة الأحكام الفرعية، بجمعها تحت قواعدها الفقهية، وربط هذه القواعد بالقواعد الكلية الأعلى منها.

وكذا كون ذلك سببًا دعويًّا، بمعنى أن الإسلام –وسط المعترك الفكري والأيديولوجي المعاصر– مُطالَب بتقديم الإسلام كمنظومة واحدة مترابطة المقدمات بالنتائج، تحكمها مقاصد محددة مبنية على عقيدة واضحة.

وأيضًا كونه سببًا لتعزيز الاجتهاد والقضاء، وتسهيل مهمة المجتهدين والقضاة في سد الفراغات التشريعية؛ إذ إن نصوص الكتاب والسنة لا تغطي كامل مساحة النشاط الإنساني المتزايد دومًا، فنكون بحاجة إلى تغطية هذه الفراغات بالاعتماد على القواعد والنظريات المستنبطة أصلًا من الفروع والمقاصد، وتفصيل هذه المسألة أدخل في تجديد أصول الفقه منها في تجديد الفقه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

د/ مدحت:

تناقش الورقة كيف يمكن أن يكون الفقه أكثر اشتباكًا مع التطورات في المنهجية العلمية، هل بأن يجدد نفسه من ذاته وكفى؟ أم يقدم نفسه وعينه على التطورات في مجال العلوم الاجتماعية وبالأخص في المستوى التنظيري؟ فنحن مؤمنون بديننا وقرآننا وسنتنا بأنها هي الحق الأعظم والخير الأعظم والعدل الأعظم، ولكن الفقهاء اختلفوا، وطالما اختلفوا إذن هناك درجات من الصحة والخطأ، من الصحة والأصح، فأثناء أدائنا هل نحتاج إلى مستوى من القولبة يشتبك مع الواقع بالتفسير؟ أم يكتفي كما قال الدكتور شريف بالوصف والتكييف والحكم؟ وبحضور الدكتور هاني سيتكلم عن الرباعية المعروفة للمفتي أو القاضي الذي يصف الواقعة ويكيّفها شرعيًّا وينزل عليها الحكم، بعد أن يسكِنها في الباب الخاص بها، لكن أين التفسير؟ فنحن علينا جهد في أن نعرِف الوصف للمستفتي، أو للقاضي، أو للمدعي، أو ما إلى ذلك. ولكن هل يكفي الوصف؟ أم ينبغي معرفة التفسير، والتفسير درجات، تفسير جزئي، وهناك تفسير أكثر بنيوية وأوسع.. و... إلخ، هل هذا الجزء مطلوب؟ وهل عندما صغنا النظريات الفقهية تم تغطيته ومراعاته نريد أن نشتبك عند هذا المستوى؟ أما مستوى فقهنا هل هو بخير أم لا؟ فهو بخير والحمد لله وهو شرعنا بالأساس، ولكن درجة تفعيله في المجتمع يجب أن نشتغل عليها.

أعتقد أن الآراء ثرية، تضغط على الإطار المتعلق بالفقه والحداثة إلى أن تدخله في الفقه نفسه.

 

د. أماني صالح:

أشكر مركز خطوة على دعوتي للمشاركة في مناقشة هذه الورقة المهمة للأستاذ الدكتور شريف عبد الرحمن وما تطرحه من موضوع إشكالي مهم أعتقد أنه يترجم واحدًا من هموم مسلمي هذا العصر في تعاملهم مع تراثهم الفقهي العظيم انطلاقًا من زمانهم وقضاياه. وأرجو أن يستمر هذا الاتجاه من انتقاء الموضوعات التي تحقق غاية ورسالة "مركز خطوة". وتتلخص ملاحظاتي على الورقة وموضوعها الإشكالي وهو "الفقه والتنظير" في النقاط التالية:

أولًا: أن المتابع لمنهجية الفقه يلحظ أن هناك اتجاهًا عامًا من الفقه يتحرز من إطلاق الأفكار العامة أو التعميمات -التي تمثل النظريات إحدى صورها- خشية الابتعاد عن النص وتلمسًا وحرصًا على الاتساق مع لفظ القرآن الكريم ما استطاع الفقيه أثناء قيامه باستنباط الحكم الشرعي لجلال وخطورة ما يقوم به وهو يستنبط حكمًا شرعيًّا يحل حلالًا أو يحرم حرامًا، ومن ثم فهو يسعى للحد –ما استطاع – من المكون الفكري الشخصي في بناء الحكم.

هكذا تصور الفقيه أو تمنى.. ولعل هذا هو ما دعا الفقهاء إلى اتخاذ موقف مناهض رسميًّا لعلم الكلام الذي يعتمد كثيرًا على الأفكار والتعميمات حتى ما ينتمي من ذلك العلم إلى أهل السنة والجماعة مثل فكر الأشاعرة.

ولكن السؤال المطروح هو: هل نجح الفقهاء فعلًا في الابتعاد عن التعميمات والتنظير لصالح "الأدلة التفصيلية" المستقاة من النصوص.. يمكن الرد على ذلك بمنتهى الأريحية، بالنفي وأستند في ذلك الرأي إلى ما سيلي من نقاط.

ثانيًا: أن الحديث عن التنظير لا يقودنا بالضرورة إلى النظرية؛ فالتنظير يتخذ أشكالًا ودرجات متفاوتة تتراوح بين: الحجاج والنقاش النظري الجدلي، وبين المقولات النظرية، وهناك المفاهيم، ثم هناك الافتراضات النظرية المسبقة غير المصرح بها والتي تحكم المنتج الفكري أو ما يسميه البعض بالنص الضمني أو المسبق، ثم هناك المنظور أو الاقتراب، وصولًا إلى النظرية.. وهنا يبرز سؤال: من يستطيع أن ينكر وجود العديد من تلك التجليات التنظيرية في عمل الفقهاء حتى وإن غاب مستوى النظرية؟ على سبيل المثال لقد حفل الفقه بالنقاش أو الحجاج النظري؛ والمتابع لفقه الإمامة مثلًا يذهل لمستوى النقاشات التي خاضها أئمة مثل الغزالي والجويني والباقلاني وأئمة المدرسة الخلدونية المالكية، ابن خلدون وابن الأزرق، حول شرط "القرشية" في الولاية وشرعيته وجدواه أمام شرط "الكفاءة"، وأصل قضية القرشية وتحليلها وعلاقتها بالعصبية والشوكة وبالمقاصد الشرعية، كذلك سقوط هذا الشرط الواقعي وما يثيره من نقاش حول علاقة النص بالعقل… إلخ.

حفل الفقه كذلك بقواعد وتعميمات نظرية حكمت العمليات الجزئية للاستنباط والاجتهاد وأطَّرتها، مثل مقولة ترك الفتن والطاعة لولي الأمر الحاكمة في الفقه السياسي السني. وعلى المستوى المنهاجي عدت القواعد الفقهية التي أنتجها الأصوليون من أهم إنجازاتهم، وهي تعميمات وقواعد نظرية قائمة على الاستقراء حكمت عمليات الاستنباط والاجتهاد مثل "لا ضرر ولا ضرار"، "دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة"، "الضرورات تبيح المحظورات"، "اليسر ورفع الحرج"، "سد الذرائع"... إلخ.

ثم هناك نظرية المقاصد العامة للتشريع والضرورات الخمس، وهي جهد عقلي تنظيري قام على استقراء الأحكام.. ومعلوم أن المقاصد لا توجد بنصها أو نظمها أو ترتيبها بشكل مباشر في الكتاب أو السنة فهي نوع من التدبر العقلي للقواعد والمقاصد الكامنة والتي يتوخاها الشارع.

ثالثًا: أنه كلما قلّت النصوص الشرعية المباشرة والصريحة في موضوع من موضوعات الحياة زادت مساحة الاجتهاد الفكري والتنظير في الإسهام الفقهي في هذا المجال، كما يتجلى في الفقه السياسي وقضية السلطة أو ما يُعرف بفقه الإمامة. فالنصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة المشرفة هي نصوص محدودة اتسع معها اجتهادات الفقهاء لتغطية هذا الجانب المهم من قضايا الأمة. ويكفي أن ننظر إلى مبحث "وجوب الإمامة" الذي يتصدر كافة كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية، وهو مبحث نظري بامتياز يناقش مسألة لزوم وأهمية السلطة لنشوء الجماعة والقيام بوظائفها من منظور إسلامي. وقد ناقش أسس هذا الوجوب أو اللزوم لنصب الإمام وما إذا كانت شرعية أم عقلية أم الاثنين. والمثير أن هذا النقاش النظري قد شارك فيه حتى أكثر الفقهاء عنايةً بالنقل ورفضًا للفلسفة والكلام، مثل الإمام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية". وربما حرض طبيعة الموضوع السياسي وندرة النصوص فيه فقهاء آخرين إلى المضي قدمًا في البناء التنظيري إلى حد تطوير نظرية تفسيرية لقيام السلطة والدولة وانحلالها مثل الفقيه العلامة ابن خلدون ونظرية العصبية.

رابعًا: أن الحديث عن علاقة الفقه بالتنظير يحتم علينا فتح موضوع العلاقة بين الفقه وعلم الكلام؛ فرغم الموقف الرسمي للفقه والفقهاء من رفض علم الكلام حتى من جانب الكلاميين السنة باعتباره انجرارًا إلى موضوعات رأوها تضليلًا وتلبيسًا وتخليطًا يضر بسوية واستقامة الدين ومباشرة الأحكام، إلى حد أن عرف أحدهم (وهو المديني المتوفي 324 هجرية) أهل السنة بأنهم "مَن لا يخاصم أحدًا ويناظر ولا يتعلم الجدل والكلام في القدَر" فأخرج بذلك المتكلمة من أهل السنة. ورغم ذلك فقد جمع العديد من الفقهاء المقدرين بين الفقه وعلم الكلام مثل الغزالي والجويني، وجادل آخرون علماء الكلام في قضاياهم مثل الإمام ابن تيمية.

لقد قام علم الكلام الإسلامي على تنظير الرؤى والقواعد الأساسية في العقيدة الإسلامية. وبعض المذاهب مضت قُدُمًا نحو تطوير نظريات متكاملة؛ مثل نظرية الإمامة كأصل من أصول الدين عند الشيعة، ونظرية الأصول والأركان الخمس عند المعتزلة، وبعضها مثل أهل السنة اكتفى بولوج نقاشات نظرية وتطوير مقولات نظرية من باب الدفاع والرد على الآخرين وهؤلاء هم متكلمة السنة (مثل قضايا إثبات الصفات، وأن القرآن كلام الله وتعديل الصحابة جميعًا… إلى آخره).

والشاهد أنه في النموذجين –ورغم الفروق بينهما– فقد كان للتنظيرات المتعلقة بالعقيدة وأصول الدين إسقاطاتها على القضايا الفقهية للمذهب؛ ومنها في فقه أهل السنة مثل قضايا الناسخ والمنسوخ، ومن يحق له الاجتهاد، ومسائل الإجماع، وحكم الأمر في القرآن… إلخ.

خامسًا: أن الحديث عن "نظرية فقهية" لا بد أن يقودنا إلى الحديث عن تنوع مفهوم النظرية. فهل يتوقع أن يقدم الفقه "نظرية تفسيرية" أم "نظرية معيارية" أم مزيج بين الاثنين؟ أظن أن الفقه باعتباره علمًا معني بالحِل والحرمة والمباح والمنكر لا ينتج إلا نظرية معيارية تتعلق بما يجب أن يكون (كسائر البنى النظرية القانونية). لكن تاريخ الفقه يشير إلى احتمال تسرب الواقع للبنية الفقهية من خلال مسائل الفتوى وفقه الواقع المتجدد (على نحو مثلًا طرح نموذج الكد والسعاية وشروط عقد الزواج في منظومة الحلول الفقهية لتعقيدات الواقع الاجتماعي والأسري وصيغه المتجددة). غير أن دخول الواقع إلى النظرية المعيارية يحمل معه مخاطر الانزلاق إلى "التبريرية" على نحو ما شهده بالفعل الفقه السياسي الإسلامي في معالجاته التشريعية لظواهر "إمارة التغلب" و"إمامة المفضول" التي أنتجها واقع وتاريخ الخلافة.

سادسًا: هذه النقطة تتعلق بسؤال مهم ناقشه باستفاضة د. شريف عبد الرحمن في ورقته وهو: هل التنظير مهم للفقه؟ وما هي القيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها للبنية الفقهية العظيمة للفقه الإسلامي؟ ثم ما هي المخاطر التي يحملها لها في طياته؟

أعتقد – من وجهة نظري المتواضعة – أن التنظير ضروري في الفقه الإسلامي، ولو بشكل أو مستوى من المستويات المشار إليها، خاصة ما يتعلق ببلورة منظور أو اقتراب – من خلال استقراء النصوص- يحكم التناول الشرعي لموضوع معين (مثل الأموال، الأسرة، علاقة المرأة والرجل، الحاكم والمحكوم… إلخ)، وذلك لأسباب عدة:

= لإزالة التشرذم والتناقض المرتبط بالاستنباط والقياس الجزئي للأحكام، دون ناظم، اللهم إلا العنوان (في باب كذا وكذا).

= لتفعيل القيم والقواعد الإسلامية العليا التي وردت في القرآن الكريم بوضوح (مثل قيم العدل والحق والمسئولية الإنسانية والاستقامة وحرية الإنسان والمساواة الإنسانية والخيرية والتزكية…)، تفعيلها في عملية استنباط الأحكام بحيث تصبح ذات فاعلية في توجيه عمليات التفسير والاجتهاد والاستنباط والقياس، وهو في نظري من ضرورات ولوازم تفعيل الشرع.

= لإيجاد قواعد للاسترشاد والتوجيه عند وجود أكثر من بديل محتمل مرجح في عمليات التفسير والاستنباط.

الحديث عن أهمية التعميم والتنظير لا بد أن يتعرض أيضًا لمخاطر التنظير (لأن كل تصرف لا بد أن يحمل معه مزايا ومخاطر يتعين استيعابها ومعالجتها). والمشكلة المحتومة في قضية التنظير هي "حتمية الخلاف" لأن استقراء أية نظرية حتى وإن بُنيت على نفس النصوص إنما ينطوي على مكون شخصي حتمي للمفكر الذي يقوم بعملية الاستقراء والتأصيل التي لا بد أن يتفاعل فيها النص مع رؤى المفكر المتأثرة بنشأته وبعوامل التاريخ والجغرافيا والثقافة والقيم والبنية الاجتماعية. ومن ثم لا بد أن تنتج رؤى مختلفة في النظريات الفقهية تختلف باختلاف المنظرين والمفكرين.

ومع ذلك يبقى السؤال هل خلا الفقه الملتصق بجزئيات الأحكام من الخلاف، وهل خلت تلك التأثيرات غير المنظورة للثقافة والواقع التاريخي والشخصي في توليد الحكم. إن كل اجتهاد ينطوي على استنباط، أو استقراء، أو قياس، أو فتوى لا بد أن يعكس بدرجة أو أخرى كل تلك التأثيرات الثقافية -الاجتماعية- التاريخية. ولعل هذا هو مناط التجديد ومعامل التمييز بين النص المقدس والاجتهاد البشري أيًّا كان مستواه أو درجته.

أشكر لكم سعة صدركم وأعتذر للإطالة.

 

د/ هاني محمود:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أولًا أشكر المركز على إتاحة هذه الفرصة، أنا سعيد بفكرة الندوة وأتمنى أن تكون ندوة شهرية؛ لأننا أصبحنا نفتقد مثل هذه اللقاءات.

يعتبر هذا هو الوقت المناسب لهذه الورقة؛ لأن هناك فراغًا منهجيًّا موجودًا على الساحة، ولذلك لن أنشغل كثيرًا بالدفاع، وإنما سأنشغل بالتعاطي مع الأسئلة الجادة التي طُرحت في الورقة، وأنا من إعجابي بالورقة قرأتها حرفًا حرفًا، وبعض المواضع قرأتها أكثر من مرة. وكعادة أستاذنا الدكتور شريف أنه من خلال العرض أثناء اللقاء عادة ما يضيف الجديد، أو الذي لا يكون منصوصًا عليه صراحة في الورقة. فأنا أتفق مع الدكتور شريف في جزئية أن الفقيه المعاصر، وأفضل أن أعبر بلفظ الفقيه لأني اعتقد أن المساحة التي ركَّز عليها الدكتور شريف هي مساحة الفقيه المعاصر أكثر من الفقه؛ لأن الفقه فيه محصول كثير. وأنا أستحضر هنا عبارة للمستشار البشري –عليه رحمة الله– أننا أنتجنا من الأفكار ما يكفي، وهذا أوان التفعيل. فمن حيث المحصول نحن لدينا محصول فقهي ثري جدًّا، ولكن الإشكالية والمعضلة الأساسية الآن هي كيفية التفعيل، وهذه مساحة كلما فكر الإنسان فيها شعر بالعجز والإحباط، فمتى سنشهد اللحظة التي نستطيع أن نُفَّعِل فيها كل هذا المحصول الثري؟ طبعًا هناك عقبات –لا تخفى على الحاضرين– تتعلق بمساحة ربما يكون جزء منها يرجع إلينا أو إلى تقصيرنا، ولكنْ جزء مهم منها يرجع إلى أسباب خارجة عن إرادتنا. وأنا في تعليقي هنا أُركز على تجاربي الشخصية التي تمس هذه المساحة، فلدي تجربتان.

التجربة الأولى: رسالتي في الدكتوراة، والتجربة الثانية: تدريس مادة النظريات الفقهية.

فيما يتعلق برسالة الدكتوراة التي كانت عن رسالة الإمام الشافعي في المنظور الاستشراقي. إلا أن الموضوع في بدايته كان عما لاحظته في قراءتي عن الأطروحات العلمانية أو الحداثية أو الاستشراقية في الشريعة وأصول الفقه، وكان المخطط في البداية أن أتناول شخصية من الشخصيات التي تعرضت لقضايا الشريعة وأصول الفقه من المنظور العلماني أو الحداثي أو الاستشراقي، وكنت قد نويت في البداية تناول شخصية "محمد شحرور"، فعلًا أعددت خطة بهذا الصدد، ولكن تم رفض هذه الخطة. وعزمت على أن أغيِّر دفة الموضوع، وكان الدكتور محمود عبد الرحمن هو مَن ناقشني في الماجستير، وكنت أتشاور معه لاهتمامه بهذه المساحة، فنصحني أن أظل في هذه المساحة مع تغيير موضوع البحث، فأخذت أُطالع حتى لاحظت أن هناك تركيزًا من المستشرقين والحداثيين على مناقشة الإمام الشافعي في كتاب "الرسالة"، فانشرح صدري لأن أتناول البحث من خلال هذا الموضوع، فكان موضوع البحث عن رسالة الإمام الشافعي في المنظور الاستشراقي، وكانت فرصة لي كي أُتم قراءة كتاب "الرسالة" وأُعيد اكتشاف وظائف أخرى لعلم أصول الفقه، وكذلك اكتشاف جوانب أخرى في شخصية أئمة الفقه ولا سيما الإمام الشافعي. فعلى سبيل المثال وجدت أن هناك باحثين غربيين يتعاملون مع الأئمة من أمثال الشافعي وابن تيمية لا على أنهم فقهاء فحسب، بل على أنهم فلاسفة، أو بتعبيرهم الذي نقله أمثال محمد عابد الجابري، أنهم إبستمولوجيون، فضلًا عن كونهم فقهاء، فهذه الصفة وُصِف بها الغزالي ووُصِف بها من قبله الشافعي، ووُصِف بها حتى الفقهاء الذين يُتهمون بالسلفية. ووجدت باحثين شرعيين مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتاب "تمهيد إلى تاريخ الفلسفة الإسلامية"، يركز على هذه القضية، فهو يعتبر أن الفقه وأصول الفقه هي علوم فلسفية، وأننا إذا أردنا أن نقدم فلسفة إسلامية رصينة  لا ينبغي أن نقتصر فقط على المباحث الفلسفية التقليدية أو المباحث الثلاثة الأنطولوجي، والإكسيولوجي، والأبستمولوجي، وإنما ينبغي أن نستخرج المناحي الفلسفية من أبواب الفقه، وكان يثمن بشدة على علم أصول الفقه وأيضا كتاب الرسالة للإمام الشافعي، وتابعه على ذلك تلميذه الدكتور مصطفى سامي النشار في كتاب "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" وأفاض القول في بيان الصبغة الفلسفية لعلم أصول الفقه، حتى أنهم كانوا يرون أن علم أصول الفقه هو أفضل مُعَبِّر عن ما يمكن تسميته بإستمولوجيا الإسلام. وهذه وجهة نظر قد يقبلها البعض وقد يرفضها البعض، لكني أستشهد بها للفت النظر إلى الجوانب الأخرى غير المطروقة بالنسبة لوظائف العلوم الإسلامية ومنها علم أصول الفقه، وفي ذلك الوقت كنت بدأت أهتم بمناشدات المتخصصين في الشريعة إلى ضرورة البحث في مسألة المساحة البينية بين علوم الشرع وعلوم الواقع، أو العلوم الاجتماعية، وكيف يمكن أن نستخرج من علوم الشرع منظورات تُفيد الباحثين في العلوم الاجتماعية، فشعرت أن هذه الوجهة في النظر إلى العلوم الشرعية يمكن أن تثري البحث في هذا الميدان. ومن هنا ممكن أن نتطرق إلى الصبغة التنظيرية للعلوم الشرعية ومنها علم أصول الفقه، فمن يتعامل مع علم أصول الفقه على أنه نظرية بوجه من الوجوه، أي نظرية تفسيرية، ليست تفسيرية بالمعنى الذي طالب به الدكتور شريف أن يكون للفقيه دور في تفسير الواقع، لكنها على الأقل تفسيرية من حيث إنها نظرية النص. هذا لا يعني أن علم الأصول منبت الصلة عن قضية فهم أو تفسير الواقع، لكن وظيفته الأساسية يجب أن تكون تفسير النص. إلا أن هذا لا يمنع من أن يكون للعلم وللفقه وللفقيه دور في تفسير الواقع، فهذه كانت نقطة جوهرية في طرح الدكتور شريف. فينبغي أن نفرق بين أمرين، الأمر الأول هو الوظيفة الأساسية للفقه، والأمر الثاني هو المساحات التي وجدنا بعض الفقهاء يتطرقون لها في سعيهم إلى الإصلاح. بمعنى أننا لو نظرنا إلى المبادئ العشرة وإلى وظيفة الفقه، أو فائدته أو ثمرته، نجد أنه ليس معنيًّا أساسًا بتفسير الواقع؛ لأن الفقه حتى في أبسط تعريفاته هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، وبالتالي الصبغة التفسيرية للفقه هي منصبة أساسًا إلى تفسير النص وبيان الأحكام الشرعية. ولكن وجدنا من اشتباكات الفقهاء مع الواقع جهدًا تفسيريًّا، هذا الجهد التفسيري ينصب أساسًا في أمرين، الأمر الأول هو تفسير أجزاء من النص من خلال تعليلات الأحكام الشرعية، والجزء الثاني هو تفسير أجزاء من الواقع من خلال بيان السببية. على سبيل المثال: نجد في تعليلات القرآن والسنة أو تعليلات الأحكام الشرعية بشكل عام إضاءات لمشكلات توجد في الواقع، مثل حينما ننظر إلى قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، فهذا من ضمن التعليلات التي نص عليها القرآن الكريم فيما يتعلق بمسألة تقسيم الأموال، أن مثل هذه التعليلات يمكن أن تسهم في إضاءة بعض الظواهر وبعض المشكلات في الواقع. كذلك مساحة السببية حين يبين الفقيه بعض الروابط السببية التي اطلع عليها في النص، هذا يعني جهدًا تفسيريًّا يمكن أن يقدمه الفقيه إذا ما أراد أن يكون له إسهام في مسألة تفسير الواقع. فعلى سبيل المثال نجد في بعض النصوص الشرعية ارتباطًا سببيًّا بين ارتكاب بعض الذنوب وبين ظهور بعض المفاسد في الواقع، مثلًا في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه أن هناك خمسة أشياء لو ظهروا تظهر خمس مفاسد، وما منعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، فإن طرح الفقيه لهذه العلاقات السببية يمكن أن يكشف جانبًا من تفسير بعض المفاسد التي تطرح في الواقع؛ فهناك مساحة السببية ومساحة بيان علل الأحكام التي تبلورت بعد ذلك في علم مقاصد الشريعة. إن تجلية هاتين المساحتين يمكن أن تجعل للفقيه جهدًا أكبر في مسألة تفسير الواقع. فالخلاصة من خلال تجربتي الأولى في بحث الدكتوراة أني وجدت العديد من الملامح التنظيرية في علم أصول الفق؛ فأبواب الفقه لا تخلو من ترتيب نظري.

أنتقل إلى التجربة الثانية وهي تجربة تدريس النظريات الفقهية. الشائع أن النظريات الفقهية التي عُنيت بصياغة الفقه في شكل نظري والتي كتبها أمثال الشيخ "أبو زهرة" والشيخ "أحمد إبراهيم" والشيخ "علي الخفيف" و"عبد الوهاب خلاف" و"مصطفى الزرقا" و"عبد الكريم زيدان" تعتبر قريبة من الذي ألّفه طلاب القانون وطلاب العلوم الاجتماعية، فهم قاموا بعمل محاكاة للنظريات القانونية، وهذا أمر أنا لا أثبته ولا أنفيه، لكن من خلال تجربتي وجدت أن طريقة ترتيب النظريات الفقهية قريبة الصلة بترتيب أبواب الفقه وخاصة في المذهب الحنفي. فعند تدريس مادة الأحوال الشخصية، نجد أن الترتيب في طريقة التدريس يقارب بشكل كبير ترتيب كتب الفقه الحنفي. ويجب أن نلتفت إلى تجارب مثل مجلة "الأحكام العدلية" والتقنينات التي قام بها "قدري باشا"، فإن كتب النظريات الفقهية استفادت من هذا الجهد، كما قد تكون استفادت من محاكاة أسلوب القانونيين في صياغة النظريات الفقهية.

لقد طرح دكتور شريف سؤالًا مهمًّا "هل يجب علينا كشرعيين أن نعرض معرفتنا بنفس القوالب التنظيرية التي اعتاد علماء القانون على طرح النظريات القانونية من خلالها؟" أقول وما المانع من أن نستفيد من هذا الشكل في تقريب المعرفة الفقهية إلى طلاب القانون والدراسات الاجتماعية، دون أن يعني هذا أن كل شيء على ما يرام وأننا قد فعلنا كل ما يلزم، وأننا لا نحتاج إلى شيء آخر.

تبقى بعض الإشارات السريعة أحب أن أطرحها في ختام هذه المداخلة. هناك ملامح مبكرة أود الإشارة اليها، ذات مرة في معرض الكتاب وجدت كتابًا بعنوان "نظرية العقد" فتخيلت أنه سوف يكون للشيخ "محمد أبو زهرة"، أو للشيخ "علي الخفيف" أو "عبد الوهاب خلاف"، ولكن الكتاب كان لابن تيمية، وبعد قراءة المقدمة وجدت أن هذا الكتاب هو جهد قام به الشيخ "محمد حامد الفقي" مؤسس جماعة أنصار السنة، ويبدو أنه مَن وضع هذا العنوان، فهو اندهش حين طالع مؤلفًا لابن تيمية عن أحكام العقود في البيع والشراء، فوجد أن كلام ابن تيمية يكاد يكون شبيهًا بما جرى عليه التأليف في نظرية العقد عند المتأخرين بما فيهم القانونيون. وهذا أثار لديّ سؤالا، لماذا لا يكون القانونيون في صياغتهم لنظرية العقد قد تأثروا بالفقه الإسلامي؟ ولماذا نفترض أن الذين كتبوا في نظرية العقد عند الفقهاء هم الذين تأثروا بالقانونيين؟ لماذا لا يكون القانونيون –أمثال السنهوري– حين كتبوا في نظرية العقد قد تأثروا بالأوضاع التي كان عليها الفقهاء، خاصة وأن هناك كتابًا آخر معنونًا بـ"جواهر العقود" لأحد فقهاء الحنفية، يجمع فيه الأحكام المتعلقة بالعقد. إذن فهذه البواكير جديرة بأن ننظر إليها للإجابة على تساؤل هل الفقهاء هم الذين تأثروا بالقانونيين أم العكس؟ أم أن العلاقة متبادلة بمعنى أن هناك تأثيرًا وتأثرًا.

طرحت الورقة أسئلة مثل: أليس للفقهاء ما يقولونه في كتاب مثل كتاب "الدولة المستحيلة"، وهذه أطروحات جديرة بالتعاطي معها، وأن تكون منطلقات مشروعات بحثية مشتركة تثري هذه المساحات البينية.

هل الفقيه مكلف بتفسير الواقع؟ أجبت على ذلك حين ذكرت أن مساحة العلل الشرعية ومساحة السببية يمكن أن تكون منطلقًا لكي يقدم الفقيه إسهامًا في تفسير الواقع، لكن تحميل الفقيه وحده المسئولية عن تفسير الواقع ربما لا يكون أمرًا غير منصف؛ لأن تفسير الواقع المعني به باحثون متعددون من تخصصات متعددة ربما يكون الفقيه أحدهم، فلو ابن تيمية أو الغزالي في حاجة إلى تفسير الواقع إلى مَن يلجؤون؟ وقد ذكر د. مدحت أنهم لم يكونوا محتاجين لأحد لأن الواقع كان بسيطًا، في حين أن الواقع الآن مركب ومعقد إلى أبعد الحدود.

 

د/ شريف: أو أنهم كان لديهم عقلية مركبة بحيث إنهم استطاعوا أن يستوعبوا الواقع من زاوية الفقه ومن زوايا التفسير العملي.

 

د/ أماني:

أو أنهم كانوا يمارسون مسألة الفتوى، فهي تحركك نحو الواقع وتربطك بالفقه في آن واحد.

 

د/ مدحت:

من الذي يفسر الواقع؟ المفتي أم المستفتي؟ أم الاثنان؟ فقد جاءت امرأة لابن تيمية فقالت: زوجي يقول لي أنا زوجك فأصنع فيكي ما أشاء، فيسكنني بين قوم من المناجيس، ويغشى مجالسهم ويريدني أو يحملني على أن أغشى مجالسهم، فما قولك؟ قال: هذا يعاقب بعقوبتين أولًا: ليس للإنسان أن يقول أصنع في نفسي ما أشاء، فكيف يصنع في غيره هذا؟ إنما يصنع في نفسه وفي غيره ما شاء الله، ثم قال وهذا الرجل عُوقب بعقوبتين عقوبة في حق نفسه وعقوبة في حقه غيره، هنا من الذي رفع الواقع؟ المرأة.

جاءه سؤال آخر هو الذي رفع فيه الواقع، فقد جاءه سؤال: ما تقول في التتار الذين أتونا، يقاتلوننا ويقتلوننا ويقولون إنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فكتب ثلاث صفحات في وصف حال التتار لكي يُخرِج فكرة الشهادة "أن لا إله الا الله" مع القتل، مع حال المرجعية، ومع تعاملهم مع القضاء، ومع وجود ما يسمى بـ "الياسق" عندهم. كيف كتب هذا ومن أين؟ قال مما يأتينا من الأخبار، ومما شهدناه منهم بأعيننا، ومما سمعناه منهم ومن الذين خالطوهم. فقد قام بدور الباحث.

فتوى أخرى قديمة للإمام مالك تعرف بفتوى موسى بن أعين والفقهاء السبعة، فيها كان النصارى تحت يد المسلمين ولما وقعوا تحت أيد غير المسلمين فهل ترد إليهم الجزية أو لا ترد؟ فهنا التحليل الذي تم في الواقع كان على يد الفقهاء، كان كل واحد يذكر الأخبار التي يعرفها؛ فمسألة الفتوى تحتاج إلى دراسة مَن الذي يرفع الواقع وكيف يرفعه؟

 

د/ شريف:

أعتقد أننا مستلهِمون نفَسًا حداثيًّا ونحن نؤصل لهذه الفكرة، بمعنى نظرية ثنائية الباحث والفقيه أو المثقف والفقيه، فنحن نتكلم في إطار أن الباحث ليس فقيهًا، رغم أن الفقه، حتى في إطار كل ما نشهده من تحولات، جزء من تكويننا العقلي والثقافي أو ينبغي أن يكون كذلك. في السعودية مثلًا يُدرَّس الفقه حتى الثانوية العامة بكل تشعباته؛ لأن الفقه عندهم هو المنطق الإسلامي. فهنا السؤال نفسه غريب علينا، هل ينهض الفقيه بهذا التنظير؟ يجب أن يكون العقل الفقهي جزءًا من عقل الباحث الاجتماعي، فلا نريد أن نستلهم العقل الحداثي في الموضوع، وكأن هذه التقسيمات تقسيمات قدرية، لماذا لا يكون العقل الفقهي جزءًا من التكوين التأسيسي للباحث الاجتماعي؟

 

د. هاني:

هناك مقولة إذا تأملناها ربما تكون ذات دلالات في هذا السياق "يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور" هذه المقولة يمكن أن تكون مفتاحًا لإضاءة بعض الأمور، بشأن التساؤلات التي نحن بصددها.

هناك بعض ملامح أخرى أود الاشارة إليها مثل طريقة الفقهاء في تبويب الكتب، مثلًا الإمام الناطفي له كتاب اسمه "جمل الأحكام" صنّف فيه أبواب الفقه على أساس الأشخاص، فتجد فيه أحكام المجانين، أو أحكام السُكارة، أو أحكام العبيد، وهي كانت طريقة في التبويب الفقهي غير مألوفة، فهي مؤشرات لملامح تنظيرية لو أردنا أن نُحدث تجديدًا ما فيما يتعلق بمجال النظريات الفقهية.

مسألة ارتباط العقيدة بالفقه والأخلاق، هذا ملمح تنظيري مهم يمكن أن يجعل التنظير الإسلامي ذا سمة متفردة؛ لأن التنظيم القانوني لا يُعنى بقضية ربط القانون بالعقيدة والأخلاق كما هو الشأن في الفقه. وهناك لطيفة تذكر على سبيل الاستئناس، أن كتب الفقه الإسلامي عادة ما تُختم بباب العتق رجاء أن يعتق الله رقابنا ورقاب من قرأ هذا الكتاب من النار، فهي مسألة قد تبدو وعظية لكن تأتي في إطار أن الأحكام الفقهية قوية الصلة بمسألة العقيدة والأخلاق، وقد سُئل محمد بن الحسن الشيباني أن يصنف كتابًا في البيوع فصنّف كتابًا في التصوف، فسُئل عن ذلك فقال: "مَن صحت معاملته مع الحق صحت معاملته مع الخلق". هذا يبرز جوانب في شخصية الفقيه تجعل ما يكتبه متميزًا عن القوانين المجردة التي انتقدها أمثال وائل حلاق، والذي يتحدث في كتابه عن النظريات الفقهية عن أصول الفقه، فهو يعتقد أن علم أصول الفقه هو علم مولد للنظريات الفقهية.

 

د/ شريف:

وائل حلاق لا يُكتشف من خلال كتابه تطور المناهج، لكنه يُقرأ من خلال كتبه: الشريعة وقصور الاستشراق والدولة المستحيلة، لكن في البدايات لا تكاد تُميزه عن الاستشراق التقليدي حتى وهو يتحدث عن النشأة المادية للفقه، فهو يثير لدى الباحث المتدين تحفظات عديدة، لكن هذه كانت الأثر الاستشراقي الأول الذي لم يستطع أن يتخلص منه في المرحلة المبكرة من تكوينه.

 

د/ هاني:

بخصوص الصبغة الفلسفية لعلم أصول الفقه، قام البعض بعمل مقارنات بين المنطق الأرسطي والمنطق التشريعي كما يبدو عند الشافعي؛ فهذه مسألة جديرة بالالتفات اليها.

وأختم بأمثلة من علم تخريج الفروع على الأصول؛ فعلم تخريج الفروع على الأصول يربط النظرية بالتطبيقات وهو أقرب صلة بالواقع، ومن الأمثلة أن "الإسنوي" والذي اشتهر بقضية تخريج الفروع على الأصول في كتاب "التمهيد" له كتاب آخر وهو "الكوكب الدري" يُخرج فيه الفروع الفقهية على المسائل النحوية، فيذكر مسائل اختلف فيها الفقهاء وسبب الخلاف يكون راجعًا إلى علم النحو. بخصوص مسألة التنوع فقد أشرت لبعض الفقهاء في حكمة وجود الاختلاف بين الفقهاء، فهل هو مكروه أم له فوائد ورحمة للأمة، وهناك كلام يتعلق بذلك للشعراني في كتاب "الميزان". وجزاكم الله خيرًا.

 

أ/ منال شيمي:

بسم الله الرحمن الرحيم... في البداية من الممكن أن يكون السبب في مثل هذه الحلقة أن عقلنا حداثي، وأننا نشأنا في ثقافة معينة، فلدينا ازدواجية النظام التعليمي؛ فنحن دائمًا ننظر إلى الفقيه أنه غير الباحث، أو غير المتخصص، وهي أزمة حديثة على العالم الإسلامي، انفصال العلوم لم يكن موجودًا في الحضارة الإسلامية، ففيما مضى كان من الطبيعي أن العالم المسلم والمفكر المسلم قد تشكَّل عقله بشكل أكثر تركيبًا وشمولًا لعدة مجالات بحيث لا يفصل علوم الدين عن علوم الدنيا، فقد ذكرت أ/ مهجة في البداية أن هناك نظريات طبيعية أنتجها المسلمون، تتفق عليها جميع الثقافات بغض النظر عن الدين، لكني أرى أنه حتى هذه النظريات رغم انتمائها للعلم الطبيعي تكون مختلفة؛ لأن العقل المسلم بطبيعته حتى في مجال العلوم الطبيعية البحتة ينتج نظرية نتيجة رؤية كلية معينة للكون تختلف عن غيرها، قد لا تختلف النظريات في تفاصيلها ولكن يكون لها صبغة مختلفة وبصمة مختلفة على مستوى من المستويات؛ لأن العقل الذي أنتجها يؤمن بالوحي. فقضية انفصال العلوم الطبيعية عن العلوم الشرعية، والعلوم الإنسانية عن العلم الشرعي هي مسألة حديثة، يمكننا الرجوع خطوة للخلف حتى نتداركها، ومنها يمكن أن نحل جزءًا مهمًّا من الأزمة، وهي هل غياب النظريات تقصير من الفقهاء؟ أم تقصير من الباحثين والمفكرين؟ وهل هذا جهد ينبغي أن يقوم به الفقيه أم جهد ينبغي أن يقوم به الباحثون والمفكرون.

هناك فراغ في المجتمع يجعلنا نحتاج أن نفهم سببه ونحدد موضعه؟ هل نسميه فراغ في مساحة التنظير، أم التفسير، أم مستوى أكثر جزئية؟ فنحن لا نتكلم على نظرية بمعنى الرؤية الكلية؟ نحن نتكلم على النظرية بمستوى آخر من التنظير ليست بهذا المستوى الكلي المختص به "الوحي"؛ فهذا المستوى من الرؤية مُعطى. لكن نتحدث عن نظرية في المستويات الأدنى من ذلك. صياغة الكليات المعطاة وحيًّا وبلورتها في صورة أنساق بشرية نسبية متغيرة وقابلة للتعديل باختلاف الزمان والمكان.

 

د/ شريف:

لماذا لا يوجد نظرية استباقية للواقع توضح موقف الفقه الإسلامي التنظيري؟ ربما نحتاج أكثر أن نتحدث عن العقل السنني والتفكير السنني (إن شاء الله يكون هذا موضوع السمينار القادم)، نحتاج أن نفكر في إطار سنن الواقع وليس نظريات الواقع. أثناء إعداد أحد البحوث وجدت أن كل النظريات لها النسخة "الما بعد" الخاصة بها، بمعنى أن الواقع يُظهر النظرية اليوم وبعدها يُظهر الما-بعد مثل الحداثة "Modernism" ثم ما بعد الحداثة "Postmodernism"، الواقعية ثم ما بعد الواقعية، البنيوية ثم ما بعد البنيوية، وهكذا فالتنظير طوال الوقت يتحرك بشدة. "توماس كون"  (Tomas Kohn) يقول إن التغير في الواقع هو الذي يقود التقدم في التنظير، وتقدم التنظير هو الذي يُكسب الحقل الذي ينتمي اليه صفة العلم. وكان دكتور "أحمد المستجير" يقول إن كل النظريات خاطئة؛ لأن كل النظريات لها مدة صلاحية ثم تَنفُذ هذه المدة. ولذلك عندما نحتفي بابن خلدون لا نقول إنه فعل المستحيل، لكنه قدّم المقولات التفسيرية المرحلية التي صلحت في وقته لكي تكون بمثابة استكشاف لسنن نظرية أو سنن مرحلية. فما الفرق ما بين السنة والنظرية؟ النظرية في النهاية تؤول إلى نظر عقلي بحت، ولكن السُنة تحاول أن تربط الأشياء بالأسس التفسيرية الكبرى أو المقولات النسقية "النسق المعرفي الإسلامي"، وفي النهاية تلتئم بشكل أو بآخر مع مقولات الوحي.

 

د/ أماني:

هذا الموضوع ضمن المشكلات الكبرى في العالم، وهي مشكلة الخلط ما بين السنن والنظرية. على سبيل المثال عندما نطرح نظرية داروين على أنها قاعدة من قواعد التطور الوجودي وتكون قانون أو سنة تطور الخلق، هذا التلبيس ما بين القوانين التي يسير عليها الوجود وبين النظريات مسألة خطيرة جدًّا.

 

د/ شريف:

طوال الوقت مفهوم أن القوانين تصف والنظريات تفسر، والدمج ما بينهما يعتبر إشكالاً خطيرًا. ما يمكن أن يُستخدما بالتبادل بنوع من السعة، هما فكرة النظرية والمنظور؛ فالمنظور أكثر سعة من النظرية لأن مقولاته لا تكون بنفس التضييق، ولكنها مقولات متسعة، ومن ثم من الجائز للباحث أن يعمل في إطار منظور أو في إطار نظرية لو أن لديه مقولات أكثر إحكامًا وتقييدًا. ولكننا ذكرنا في المقدمة أن مشكلة التنظير أنه صادر عن عقل حداثي، والعقل الحداثي يَعتبر أن الإنسان في النهاية هو صورة للطبيعة، والطبيعة صورة العقل الإنساني، ومن ثم الإنسان في لحظة من اللحظات يعتبر أن عقله مجهز وقادر على أن يستوعب معنى الوجود ويستطيع أن يترجم هذا الاستيعاب في شكل عبارة أو جملة أو نظرية مصمتة. فكانت الماركسية تصدر مقولة واحدة وتدعي أنها تفسر اقتصاد وسياسة واجتماعًا وثقافة وكل شيء. والمقولة النسوية تفترض أن العالم يمكن إعادة تفسيره من المنظور النسوي لأنه في الحقيقة يعني أكثر من كونه نظرية، فهو يفترض أن كل شيء يمكن أن يُفسر بالإحالة إلى مجموعة مقولات جندرية (gender) أو ما شابه. هذا هو الصلف الحداثي. وهذا يوضح بشكل ما لماذا غابت النظرية عن العقل الفقهي الذي لم يكن بالضرورة معنيًّا بأن يستوعب الواقع ولا يتصور أن بإمكانه استيعاب الواقع بهذه الطريقة التي قام بها المنظرون. المفسر الإسلامي أو الفقيه الإسلامي قدّم اجتهادات في بعض الأحيان وصفت بأنها سنن، وإذا كانت سننًا فليست بالمعنى المطلق وليست بمعنى قوانين. كنا نناقش إنتاج ابن خلدون على أنه اجتهادات سننية، أو سنن نظرية، لأنه في النهاية عندما يقول "المغلوب مولع بتقليد الغالب" فلدينا في التاريخ شواهد تمثل استثناءات على هذا التصور الكلي المصمت، في حالات كثيرة تشبه الغالب بالمغلوب وليس العكس، إذا كان المغلوب لديه نوع من التفوق الثقافي أو الحضاري أو القيمي. إذن فنحن لا نصل إلى النظريات بالمعنى الغربي، ولكن نصل إلى مقولات أقرب إلى معنى السنن، والسنن ليست دائمًا هي السنن الإلهية التي لا تنخرم، ولكنها قد تكون في حالتنا نحن أقرب إلى أن تكون سننًا اجتهادية أو سننًا نفسية. ففي حديث سابق تكلمنا عن التحولات في الضمير العالمي تجاه بني إسرائيل ومقابل ذلك التحول فينا الذي حذّرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فقالوا: أوَ مِن قلة نحن يوم إذن يا رسول الله قال بل أنتم كثير ولكنكم كغثاء السيل»، وبعدها جاءت السنة، «وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ولينزعن المهابة من قلوب أعدائكم منكم»؛ ففكرة أن التحولات الحضارية تكون مصحوبة بتحول نفسي، فهذا استبشار وعنصر بُشري؛ لأننا أمام حالة يتحول فيها العالم من التعاطف مع المحرقة ومن التعاطف مع اليهود إلى كراهية شديدة ونوع من النفور من هذه الدولة الصهيونية العنصرية، فقد يكون هذا التحول النفسي مصحوبًا أيضًا بتحول حضاري في موازين الأمم، هذا التصور قد يكون ذا نَفس سنني، لكن لا نستطيع أن نقدمه على أنه يمثل قانونًا أو نظرية بالمعنى الغربي، فهو يحاول أن يستلهم معنى السنن النفسية، بمعنى أن التحولات الحضارية الكبرى قد تُسبق بنوع من التحولات النفسية، فإذا تحولت نفوس العدو تجاه من يستهدفونه بنوع من الإحساس بانكشاف المهابة وانكشاف غطاء التعاطف، إلى إحساس بالنفور والكراهية، قد يكون في هذا علامة خير إن شاء الله تعالى؛ فالتحولات النفسية من العدو الصهيوني يمكن أن نرصدها في إطار ما نسميه بالسنن النفسية، ولكنها ليست بحال من الأحوال سننا بالمعنى المكتمل.

 

أ/ منال:

هناك جزء كبير من الحضور قد اتفق على أن هناك فراغًا منهجيًّا، وممكن أن يكون لدى السُنة أكثر من الشيعة؛ فالشيعة طوروا نظريات في المجال السياسي مثلًا، فلدينا منظورات تقوم بالمهمات الأربع فهي تصف وتفسر وتقيّم وتوجه، فهي في النهاية تقوم بتوجيه واقع المجتمعات الإسلامية إلى ما هو أقرب من مراد الشرع الحكيم.

من جانب آخر، من يقوم بصياغة هذه الرؤى النظرية؟ فإذا تجاوزنا هذه الفجوة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية، فإن هذه مهمة المفكر الإسلامي، وليس بالضرورة أن نلصقها بالفقيه الجزئي المنوط به استخلاص الأحكام.

بشأن القلق من ثنائية التنوع والواحدية، فإن هذا التنوع قد أثار القلق قبل ذلك على مستوى القراءات والتفاسير، وليس الفقه وحده. وهنا يجب أن نستلهم روح الشرع، فلا هي الواحدية الحداثية ولا هو التنوع الذي أقلق كثيرًا من السلف من اختلاف الأمة وتنازعها. في مراحل معينة اضطررنا إلى أن نضع النِقاط فوق الحروف في رسم المصحف، وأن نحدد عددًا من القراءات المعتمدة للقرآن الكريم، وأن نجمع القرآن. فنحن نحتاج الوسط بين التنوع والواحدية، ونحتاج إلى جهد في هذه المساحة، وأن يكون جهدًا تجميعيًّا بحيث لا تخرج الأمور عن التيار العام للشريعة في كل مجال من المجالات. فلا بد أن يكون هناك جهد فكري وتنظيري في حدود هذا التيار العام، لكي لا نصل للتنوع الذي على شاكلة ما بعد الحداثة فيؤدي لانفراط العقد، ولا نتقيد بالواحدية التي تقيد الشرع نفسه وتفقده مرونته. أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك قدر من السعة، وأن تستوعب الشريعة جميع الاختلافات وتسع البشر كافة على اختلاف طباعهم وتنوعاتهم المختلفة. من هنا نحن نحتاج إلى رؤى عامة ليست مطلقة، ولكن قابلة للتعديل وقابلة للتغيير داخل الأطُر التي يقدمها الوحي أو يسمح بها. وشكرا جزيلًا..

 

د/ أماني:

قضية بناء منظور الإسلامي ليكون نموذجا للحياة والترويج له ليس فقط من أجل أن ينتظم الفقه، ولكن من أجل أن يُقبل ويُفعّل في الحياة، فما مدى فاعلية الفقه الآن أو الأحكام الفقهية أو الأحكام الشرعية عند جيل من الشباب لا يستوعب منظورًا إسلاميًّا؟ فلدينا جيل لا يستوعب فكرة أن الحياة ليست دنيا فقط، ولكنها آخرة أيضًا، المنظور المادي تم تبنيه وبلورته والترويج له بشتى السبل، كيف لهذا الجيل أن يتقبل قواعد فقهية ويلتزم بها ونصوصًا شرعية ويُسّير حياته على أساسها، فبناء المنظور مهم جدًّا ليس فقط عند الفقيه، ولكن لتفعيل الفقه في الواقع.

 

أ/ تقى:

نحتاج في البداية معرفة إلى أي مدى وصل التنظير في الغرب؟ وهل أخرج نتائج جيدة في الواقع خاصة في الزمن الحاضر، أم أن فكرة التنظير نفسها تراجعت؟ لأن التنظير في الغرب لم يعُد في شكل نظريات كبرى، وأصبح هناك تناقض واضح، فإذا كان يعاب على الفقه أن له أحكامًا متناقضة، فإن التنظير الغربي به أشياء متناقضة حتى في النظرية الواحدة. على سبيل المثال قضية التعامل مع الأقليات حاليًا هي قضية مهمة جدًّا في الغرب، فنجد التيارات المختلفة تذكر أشياء متناقضة، هل نستوعبهم، أم ندمجهم، أم نتركهم كما يريدون؟ وعند التعامل مع الاختلافات لا يصلون إلى شيء لأن ليس لديهم المرجعية، ولكن كفقيه من الممكن أن يصل إلى أشياء متفق عليها على الأقل على المستوى الكلي، وبعدها يختلف في التفصيلات، ولكنهم في التنظير الغربي لا يملكون فكرة كبيرة ينطلقون منها ثم بعدها يختلفون في التفاصيل، فبالتالي التنظير في الغرب في مأزق حتى حول فكرة التنظير نفسها. فيما سبق كان هناك نظريات كبرى ننطلق منها، ولكنها أدت إلى نتائج كارثية، لماذا نتحدث عن التنظير بشكل أننا نحتاج استلهامه والبحث فيه على الرغم من أن الغرب لم ينتج شيئًا جيدًا؟ وهذه فكرة التناقضات.

فكرة أخرى، التنظير الغربي كان له علاقة دائمة بالسلطة، هناك تفاعل ما بين النظريات والمنظرين ومستويات سلطة معينة، مثل أفكار "آدم سميث" التي تبنتها سلطة معينة قامت بتطبيق هذه الأفكار، ولكن أن تكون مجرد نظريات تُكتب وتظل حبيسة الأوراق فما الجدوى، هل علاقة الفقيه بمستويات السلطة سواء قديمًا أو الآن لها علاقة بما نتحدث عنه الآن؟

بخصوص التنظير في الفقه ولماذا لم نتحدث عنه بشكلٍ كافٍ، أرى أن القواعد الفقهية تُعتبر تنظيرًا بقدر كبير، فهناك نوعٌ من التعميم خاصة عند الحديث عن الكليات، والقاعدة الفقهية تتفاعل مع الواقع بشكل كبير وتستوعبه، مثال أن "العادة محكمة" أو "المشقة تجلب التيسير"، وعندما يتم استيعاب هذه القواعد سواء من الفقيه أو من الإنسان العادي، يبدأ الانطلاق بشكل رشيد في تفاصيل الحياة.

ننتقل إلى نقطة أخرى هي أصول الفقه، فعند استيعابها نستطيع أن نخرِّج مسائل موجودة حاليًا ونتفاعل مع الواقع بقضاياه المستحدثة بناء على تلك الأصول، بالتالي نستطيع أن نصل إلى قاعدة لحكم جزئي انطلاقًا من نفس هذه الأصول.

فيما يتعلق بفكرة الفراغ المنهجي، وعند ربط كلام أ. منال بكلام د. أماني، هل الفراغ المنهجي أو عدم وجود نظريات كلية سبب عدم حضور الفقه بشكل قوي في حياتنا؟ أم عدم وجود اجتهادات حقيقية قادرة على استيعاب الواقع المعقد بشكل كبير؟ أم أنه جزء من مشكلة أكبر وهو انسحاب الشرع من حياتنا بسبب الحداثة أو بسبب غلبة المادية؟ أم لها أسباب أخرى، أم أن الموضوع مركب وممكن أن يوجد أكثر من مشكلة؟

نحتاج إلى معرفة السبب الحقيقي لعدم فاعلية الفقه في الحياة اليومية، لكي نعلم هل لو قدمنا نظريات ستُحل المشكلة؟ أم هناك طريقة أخرى؟

عنصر آخر مهم، هو أننا من الممكن أن نعتبر أن الحضارة الإسلامية حضارة مبنية على نص، وبالتالي فإن الفقهاء والمحدثين والمفسرين ركزوا على التعامل مع النص وتفسير النص، وقد وصلوا إلى أشياء كثيرة، خصوصًا في كيفية تفسير النص والوصول لكليات، وحتى في التعامل مع النص وقواعده... الخ، هل من الممكن أن تكون هذه مرحلة يجب أن تليها مرحلة أخرى وهي تفسير الواقع بعد الانتهاء من فهم النص والتفاعل معه وتفسيره.

 

د/ شريف:

الواقع ليس كائنًا خاملًا فمن الممكن أن يتحول إلى كائن مفترس ويفترس الفقه نفسه، ويستأنس الفقه ويستأنس الفقهاء ويحيدهم، فإن لم نستطع تتبع الواقع بنظر مدقق سيلتهمنا؛ فالأمر ليس رفاهية، الواقع الآن يلتهم الجميع، وقد ذكر ذلك "حلاق"، ماذا حدث في الشريعة عند تقنينها حيث تم استئناسها، واعتقد الجميع أننا أصبح لدينا مدونات قانونية للشريعة مثل مدونات القانونيين في الخارج، وفي النهاية اكتشفنا أن الموضوع كان مقصودًا به نوع من الاستئناس وتحييد التنوع لصالح رؤية أحادية، وهذا ما حدث مع تحييد القضاء الشرعي، فمن المهم أن نتحدث عن حكم الشرع في البنوك ولكن لا بد أن نكون على دراية بما تقوم به البنوك في الواقع، أو ما حكم الشرع في البيروقراطية لكن لا بد أن نعي كيف تَفسد البيروقراطية وكيف تترهل وكيف تؤدي بالأمور إلى عكسها.

 

أ/ مهجة:

ما ذكرته د. أماني عن المنظومة مهم جدًّا، وأن العقيدة والأخلاق يجب أن تكون مكونًا أساسيًّا قبل التطرق إلى الجزئيات الفقهية، لأن من لديه المنظور العقيدي لن يتدهور الواقع لديه بهذا الشكل. الإنسان يقوم بتصرف خطأ وبعدها يتجه للفقيه ليسمع رأيه في الحلال والحرام فإن كان لديه العقيدة والإيمان والأخلاق لن يتطور الواقع بعيدًا عن روح الشرع بهذا الشكل الحالي، فلو أن هناك نظرية تصوغ الشكل والحدود العامة، وأن تكون المعالم الأساسية واضحة من أجل تفعيل المنظور الذي قد يكون مفقودًا عند الأفراد، فلن يطغى الواقع بهذا الشكل.

 

د/ أماني:

التحدث عن سقوط السرديات الكبرى، وأنه لم يبق سوى سردية واحدة فقط، هي الإسلام، صحيح ومهم. وهذا يطرح تساؤلاً: لماذا لا يتجه التنظير إلى بناء وبلورة أبعاد هذه السردية؟ لأن الانسحاب لن يكون أثره فقط على الفقه، ولكن على الحياة كاملة.

 

د/ شريف:

عندما كان الطلبة يتظاهرون ويضربون كنتاكي بالحجارة، كنت أعلق بقولي: أن الأولى من مواجهة مظاهر الحداثة في الخارج، على الفرد أن يحاول أن يتبين مظاهر وأثر الحداثة في شخصه ويحاول هو أن يقتلعها، وأقصد أن جزءًا كبيرًا من تكوينكم العقلي كشباب صنعته هوليود وصنعه الإعلام الأمريكي والسياسة الأمريكية والأدب الأمريكي، فهذا أمر أخاطب به نفسي، فأنا مشبع بهذا النسق المعرفي وأتصرف على أساسه، وعلى المفكرين والأساتذة أن يساعدونا في إضاءة هذه المساحات داخلنا التي من الممكن أن تَخفى علينا.

كان الطبيعي في –إطار التعامل مع الأفكار– أننا نزكي أزواجًا من المتغيرات على حساب أزواج أخرى، كنا دائمًا في إطار ثنائية الجزئية والكلية ننتصر إلى الكلية، وثنائية الرجعي والتقدمي ننتصر إلى التقدمي، وثنائية الغيبي والواقعي ننتصر للواقعي، ثنائية الاستنباط والاستقراء ننتصر إلى الاستقراء، كما لو كانت هذه الأمور هي من حكم الضرورة وينبغي أن تكون دائمًا في الصدارة.

عندما كتب "بيونج تشول هان" كتاب مجتمع الشفافية حدث للفرد نوع من التبصر، لماذا بالضرورة نكون مع الشفافية بهذا الشكل المطروح، هل هناك شيء كامن في طبيعة الشفافية يجعلها على حق؟ هل الخصوصية دائمًا شريرة؟ هل الجزئية دائمًا بها نوع من الإعاقة؟ هل التفكير الرجعي غير التقدمي بالضرورة به نوع من النقص؟ أرى أنه يجب على الفرد بين الحين والآخر أن يعيد النظر في هذه الثنائيات التي قد تكون ظالمة. لم أكن معنيًّا بالرد على الاتهام بأن العقل الإسلامي عقل جزئي، كنت أحاول أن أتتبع ملامح الصورة في الورقة ولم يكن يعنيني بالضرورة أن أثبت العكس، بل بالعكس كنت أرى أن هذا اللغم أو هذا الطُعم ينبغي ألا نبتلعه طوال الوقت، فأنا عندما يتهمني الآخر أسارع بأن أعتبر اتهامه وصفًا لحقائق الأمور فأبدأ بتبني الطرح الذي يقول: لا، نافيًا التهمة عن نفسي، لست رجعيًّا أنا تقدمي بالضرورة، أنا لست جزئيًّا أنا كلي بالضرورة. يجب أن نلتفت لهذا اللغم. قد يكون الوقت قد حان لكي نعيد الاعتبار إلى المفاهيم الجزئية لأن المفاهيم الجزئية تصدر عن عقل كلي، فعندما تَصدر عن الجزئية الفقهية مثل هذا الأحكام والشمول والاتساع المدهش للتفاصيل، فإن هذا يستبطن معنى كليًّا، ويستشعره مَن يتحولون إلى الإسلام في الغرب، فهم يستوعبون هذا المعنى الكلي المستبطن في التفاصيل، كيف يدخل الإنسان إلى المسجد فيجد طريقة انتظام الصفوف في الصلاة فيدخل في الدين، وكيف يرى الفرد المسلمين يتصافحون بعد انتهاء الصلاة فيدخل في الدين، كيف يجد الإنسان أن جاره المسلم يبتسم في وجهه بدون أي مصلحة فيدخل في الدين، أن تفاصيل الإسلام قد صيغت بشكل يستوعب المعنى الكلي حتى ولو لم يُسم.

ما يحدث الآن في الإقليم من مشاكل سياسية كشفت لنا عن نوع من العجز وعدم الفاعلية وعدم القدرة على الحركة، هذا يرجع في قدر منه إلى أننا كليون، أو أننا نتصرف في إطار نظري سياسي، فقد درسنا العلوم السياسية، منظوراتها ونظرياتها، ولكننا عندما استدعى الأمر نوعًا من الحركة وجدنا أنفسنا غير قادرين على الحركة، أن التعامل الآن كان حريًّا به أن يستدعي مرة أخرى النظرة الجزئية، لكي نعرف حكم من يبيت شبعانًا وجاره جائع، أو أن الشخص الذي يموت جوعًا تصبح ديته على من حوله، ربما يكون استدعاء النظر الفقهي الجزئي في هذه الحالة كان ليمثل مخرجًا من أزمة عجزت النظريات عن أن تتعامل معها، فإن الجزئية ليس بها هذا العار الذي يجب أن نتحلل منه، بل بالعكس يجب استدعاؤه في المواقف اللازمة، مواقف الحركة، الفقه الذي يتحدث دائمًا عن الأحكام العملية، ما الذي ينبغي عليّ أن أقوم به؟ ربما يكون هذا هو واجب الوقت الآن. ماذا أخذنا من علماء السياسة مع احترامنا لجميع العلماء، بماذا أفادونا الآن عندما يتوجه إلينا الطلبة ويقولون كيف تفصحون عن هذا الوجه الغريب من عدم الفاعلية، وعدم القدرة على قيادة أجيال تنتظركم لكي تسمع الحكمة مجسدة في شكل كلمات، فنظهر أننا ليس لدينا بضاعة للتعامل مع أمر واقع، ولكن لدينا نظريات.

وكما ذكرت أ. تقى، فأنا أؤيد فكرة سقوط السرديات الكبرى، وبحكم التخصص أذكر أن كل ما يدور حاليًا حول فكرة إعادة الاعتبار مرة أخرى إلى البيانات "الداتا"، والتي هي تلك المادة الخام البسيطة المتواضعة التي في النهاية تُنتج المعلومات، فكان من الطبيعي بمقارنة الجزئي والكلي أن نرفع القبعة للمعلومة، ونتعامل باستخفاف مع البيان، والآن النظرية التي تشغل العالم هي نظرية "big data"، لأنهم ذكروا أننا سوف نؤسس الحركة على ما تقودنا إليه البيانات الجزئية، وليس النظريات الكلية فقط، فكأن الواقع الآن يسير مرة أخرى باتجاه إعادة اعتبار الجزئي بجانب المقولة الكلية؛ فالمقولة الكلية لن تُخبرني كيف أتكلم، وكيف أرتب أفكاري، وكيف أستدعي أولوياتي، فربما تكون الجزئية هي من الأفكار التي هُضم حقها، وقد حان الوقت لكي يُعاد النظر فيها.

 

أ/ محمد الديب:

نحن نتعامل مع كلمة الفقيه على أنه شخص له معايير محددة ووحيدة، في حين أن في الفقه الإسلامي الفقهاء لهم مستويات متعددة. نحن نتحدث عن المجتهد داخل المذهب، وعن المقلد، هناك مَن يتحدث في الأحكام التفصيلية على المستوى العملي، وهناك مَن يتكلم عن القضايا الكبرى مثل الغزالي وابن تيمية، وهما شخصيتان كانت لهما تجربة في التعامل مع الواقع الاجتماعي؛ فالإمام الغزالي -كما أوضح تجربته "ماجد عرسان الكيلاني" في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين" – انعزل عن المجتمع لأنه وجد أن الفساد الاجتماعي أساسه فساد أخلاقي، ومن ثم تكلم عن إحياء علوم الدين؛ لذلك فهو كتاب ليس سلوكيًّا على المستوى الشخصي فقط؛ فانخفاض مستوى الإيمان أدى إلى الفساد والانهيار على مستوى المجتمع. كذلك ابن تيمية – وإن كان التحدي أيامه مختلفًا، فهو لم يتكلم على مستوى الأحكام فقط، وكما تكلم في العقيدة تكلم في أحكام الجهاد ولديه اتجاهات سلوكية. فمطالبة الفقيه وهو شخص له نمط محدد أن يتحدث في جميع المستويات أمر به مشقة، منهم مَن سيكون عنده القدرة ويكون لديه استيعاب للكليات ويتكلم في الجزئيات معًا، وهذا نادر، لكن الطبيعي أن الفقيه يتكلم في مستوى الجزئيات واستيعاب الكليات سوف يكون لعدد قليل من الأئمة. وشكرًا جزيلًا.

 

د/ مدحت:

بسم الله الرحمن الرحيم، نشكركم على هذه الجولة الممتعة من التفكير في هذا المستوى الصعب، في اشتراكي في هذه الورقة لدي أربع نقاط:

الأولى مسألة المفاهيم، وبالأخص المفاهيم الرئيسية، فهي تحتاج من أول الورقة أن يكون بها تحديد. فطوال الورقة لدينا مفهومان للتنظير، وحولهم بعض الهالات الدلالية، الأول هو مفهوم التنظير بمعنى إنتاج النظريات التفسيرية، ثم التنظير بمعنى إنتاج الكليات عن الواقع وهذا أوسع من التفسير، وهو مستوى التنظير بالمعنى العربي وهو ما أوردت له تعريفات عن الذين يعملون في النظريات الفقهية أو النظريات القانونية، فهي صناعة الكليات، بمعنى الكليات العامة المجردة الجامعة لأبواب من المسائل ومن القضايا الموجودة في كتب الفقه أو في كتب القانون.

ومفهوم الفقه نفسه، ما بين الفقه كما يفهمه المسلمون، والفقه كمادة في كليات الحقوق ويجري عليها التنظير. أما المفاهيم الثنائية والتي هي أعمدة في الورقة مثل الواحدية أو الأحادية، أحيانًا توصف بالأحادية لكن أكثرها الواحدية، ولكن الأحادية هي الأفضل؛ لأن الواحدية عندنا هي وصف لله عز وجل، أما الأحادية فهي أقرب للمعنى المقصود في الورقة. وهناك كلمة تستخدم في هذا المقام أكثر تعبيرًا وهي "الاختزال"، والتي تقابلها التعددية والتنوع، والتي أحيانًا تكون فوضى أو تكون تفكيكًا، هذه المجموعة من المفاهيم تحتاج تعريفًا قبليًّا وليس بعديًّا.

المفهومان الآخران اللذان يحتاجان أن يُراجعا هما الوحي والحداثة؛ فالحداثة معروضة باعتبارها كلها شرًا، إلا أن هناك قدرًا من المعرفة البشرية ضخمًا ومشتركًا، فقد تعامل فقهاؤنا مع المشترك بشكل فيه أريحية أعلى من الذي نحن نراه، ربما لأنهم كانوا في حالة راحة حضارية وكانوا أقوياء، فهم يترجمون في دار الحكمة وبعدها يعيدون الكتابة، حتى الترجمة كانوا يصبغونها بصبغتهم، فيجب حسم مسألة المفاهيم لأنها إن ظلت بشكلها مع المستوى الصعب للحديث في التنظير فسوف يكون هناك ثقل.

الوحي أكثر استيعابًا للاختلاف من فكر المسلمين؛ فالإسلام أوسع من المسلمين، وحي الله عز وجل أوسع، وكثير مما أنتجه الغرب بعقولهم لو كنا مكانهم سنكون متفقين فيه، وكلمة التنظير في الإطار الإسلامي أوسع بكثير جدًّا من الفقه؛ لأن التنظير في الفقه حذر، وعندما يخرج الفقيه عن دائرة الفقه يصبح أديبًا. وفي بناء علوم اجتماعية جديدة، نجد أن ابن خلدون اختار التاريخ، فدرس ما قدمه المؤرخون قبله وتفوق عليهم لكي يبني طرحه الجديد في "مقدمة المقدمة"، فتناول الفقيه وذكر "الماوردي" وقال ما أقوم به ليس ما أنجزته أنت، ثم بعده "الفارابي" وأسماه أصحاب السياسات المدنية، وأيضًا ذكر "الطرطوشي" صاحب سراج الملوك، وقال لقد حومت حول ما أريده لكنك لم تقع عليه لأنك اكتفيت بالجانب الأخلاقي ولم تنتقل إلى التحليل البرهاني للواقع، أو كما سماه "البرهان الوجودي". فكان ظهور ابن خلدون في زمنه – وتقدير الله أن الأشياء تظهر في توقيتات معينة – لأن هناك قاعدة حاكمة للبشرية من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة وهي أن "الحاجة أم الاختراع"، وأن المسلمين لم يقوموا بشيء لأن الشرع يطلبه منهم في إطار فراغ وإنما "احتاجوا فاشتغلوا". حدث هذا في الحديث، فعندما ظهرت الحاجة تطور علم الحديث ودوِّن بأشد درجات الضبط. وفي التفسير نفس الشيء.

فيما يتعلق بالفقه، لم يكن الموضوع إشكاليًّا، فعندما نذكر الفقه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل القرآن نجد أنه ليس الفقه الذي نتحدث عنه الآن، لفظ الفقه في القرآن والسنة هو كل علوم الدين ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، «اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين»، «ومن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، فلم يكن هناك كلمة الفقه بمعنى علم الأحكام الذي ينفصل عن علم العقيدة ويختلف عن علم السلوك أو الأخلاق. ولكن عندما كثرت المسائل، وهذه هي الحاجة، كان الصحابة يجاوبون عليها ثم تلاميذهم، ولم يحتاجوا إلى التدوين، وعندما ظهر جيل منتصف القرن الثاني الهجري، ظهرت مدونات صغيرة، وبدأت تكبر حين احتاجها الوافدون من بلاد أخرى، فبدأ تدوين كلام الإمام مالك أو غيره، وكان الإمام مالك نفسه يحتاج تدوين فقهه على شكل أدلته "الحديثية". وقد كتب أصحاب وتلاميذ أبو حنيفة – قبل الإمام مالك – كلمة كلمة قالها، ثم – والأعظم – أنهم كانوا يكتبون كلامهم هم، فكان أبو يوسف يكتب: قال صاحبي… وأنا أقول… وعندما جاء محمد بن الحسن كتب: قال صاحبي…، وأنا أقول…، ثم الحسن بن زياد وغيره كتبوا بهذا النفَس الحواري. وهكذا بدأ عندنا قصة "العلم المكتوب". ولكن أصل الحضارة الإسلامية في تسييرها للحياة لم يكن الفقه مكتوبًا؛ فالأمة لا تكتب ولا تحسب، فهذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، «نحن أمة أمية لا تقرأ ولا تحسب…». وحتى العالَم نفسه أمي، كم شخص في العالم يقرأ علومًا سياسية لكي يتكلم في السياسة؟ فالعلم الشفاهي غير الجانب الأكاديمي الذي نحصر به مقولة التنظير. هذا السياق يبين فاعلية العلم وأخذه وعطائه، ولمن يُنَظِّر وأيضًا بأي كيفية. وعند ظهور القوالب والمدارس أصبح التنظير فعلًا أكثر تخصصية وأصبح يأخذ المعنى الحالي، بخلاف النداءات الحركية مثل "حامد ربيع"، أو تحويل ذلك إلى خطاب أو إلى رسالة، ولذلك كان الفقهاء يكتبون كتبًا لبعضهم البعض، وكانوا يكتبون الرسائل؛ "فالسياسة الشرعية" هي رسالة ليست مكتوبة للفقهاء، ولكنها مكتوبة للثقافة، و"الأحكام السلطانية" رسالة كما كُتب في أولها "كتبت هذا لمن وجبت طاعته واشتغل بأمر السياسة ليعرف مذاهب الفقهاء فيما له فيستوفيه وما عليه فيوفيه". هذا غير كتاب "الحاوي" في الفقه للإمام الماوردي، الذي شرح فيه الفقه الشافعي. الشاهد أن هذا الفقه لم يكن هو المشكلة، ولكن المشكلة ظهرت في أواخر القرن الثاني الهجري وتم حلها سريعًا، وهي الاختلاف بين المذاهب بدون ضابط، فيرسل "عبد الرحمن بن مهدي" إلى الشافعي، ويقول له "اكتب لنا شيئًا يضبط هذا الاختلاف بين الناس"، ولا بد أن ندرس هذه النقطة: كيف كُتب هذا الذي خرجت منه القواعد الفقهية والنظريات والتنظيرات وهو كتاب "الرسالة"؟ بمعنى بأي قلم كتب الإمام الشافعي؟ بالعقيدة، باللغة، بفهم كبير لمعاني القرآن وكليات القرآن؟ كتب بها جميعًا، وصار هذا هو مجال التنظير؛ فمن يريد أن ينظر في الفقه لا يذهب إلى الفقه، ولكن لأصول الفقه، فمنه خرجت المقولات والنقاشات النظرية كما ذكرت د. أماني وأ. وليد.

من ثم فالحاضر الغائب في هذه الورقة هو أصول الفقه وليس الفقه؛ لأننا ننشئ ثنائية ما بين الجزئي والكلي، بينما الكلي موجود، وسوف نُقيم مقارنة بين ما آل إليه التنظير في العلوم الغربية وبين ما تم في أصول الفقه؟ ما هي الأسئلة التي أجاب عنها وما علاقتها بالتفسير؟ وكما ذكر د. هاني؛ فالتفسير لديهم كان تفسير نص، ولم يكونوا معنيين بتفسير الواقع، ولكن قدّموا تنظيرًا لتفسير النص، وكان تنظيرًا كبيرًا احترمه القدماء والمعاصرون والمسلمون وغير المسلمين. وهنا سؤال أ. تقى: هل اشتغلوا في الواقع؟ فكانت إجابة د. أماني: أن الأدباء في هذا العصر لم يكتبوا في النص، وإنما كانوا يكتبون في الواقع. فلو بدأنا من الجاحظ وابن المقفع وغيرهما كانوا يكتبون عن أحوال الناس، والمؤرخون كانت أعينهم على أحوال الناس والملوك والصناعات والصنائع والعلوم، حتى أنهم ينظرون لحركة العلوم، وهذه نقطة مهمة عند ابن خلدون، فقد جمّع كل هذا، فهو لم يكتب عن السياسة فقط، وإنما كتب الباب الأول في أحوال العالم والعلم، والباب الثاني عن أحوال العمران، والباب الثالث في السياسة، والباب الرابع في المعايش، والباب الخامس في الصنائع، والباب السادس في التربية. هذه هي مجالات الحضارة التي كانت موجودة، والطريقة التي كتب بها كانت هي الطريقة التي ظهرت الحاجة إليها فكتب بها. ومن أروع الأشياء في تاريخ الإسلام هي تلك القدرية العظيمة في اختلاف المسلمين في كل شيء لكن اجتماعهم على الدين. مثلًا عند جمع القرآن ورغم اختلافهم في كل شيء إلا إنهم لم يختلفوا فيه، فلم يرِد إلينا لا من مستشرق ولا من مستغرب أن هناك من عارض وقال إن عثمان رضي الله عنه دمّر القرآن. وهكذا فإن اختلافهم مع الاجتماع على الدين كان نوعًا من أنواع الدلالة على أن الدين مُجمَع عليه.

كتاب "الأصول" هو الذي تطور من هذا التأسيس الكلي للإمام الشافعي إلى التأسيس المبوب لمن جاءوا بعده إلى فكرة القواعد والأصول، وهذا تطور تنظيري، لكن بالنسبة للعلوم الاجتماعية فهي أُدمجت في كتاب الفقه أولًا ثم فُصلت مع الاتصال بكتب الفقه، وهذا مثل الماوردي وصولًا لابن تيمية، لكن لم يكن الفقيه وحده هو الذي يكتب؛ فالأديب كتب، والمؤرخ كتب، وكان المؤرخ سرديًّا وغير تمحيصي ولا يُستفاد مما كتبه إلا للمتعة العقلية والمعرفة غير الفعالة، حتى أتى ابن خلدون، ويجب أن يُقال مدرسة ابن خلدون، لأنه رُزق مباشرةً بتلاميذ ثم جيل ثم بهتت الدنيا حتى اختفت. ويظهر "الجبرتي" ويتأثر به "خير الدين التونسي" ثم تتجدد المدرسة من جديد حتى مدرسة المنظور الحضاري. وكان لابن خلدون تلميذ خطير هو "المقريزي" وهو إمبريقي في كتابه "إغاثة الامة بكشف الغمة" يبحث فيه ظاهرة المجاعات في تاريخ مصر، ويعد حوالي ست وعشرين مجاعة ويحلل المجاعة تحليلاً بمؤشرات: ماذا يحدث في النيل؟ ماذا يحدث في الزرع؟ ماذا يحدث في الأسعار? ماذا يحدث في سياسات النقد؟

الأمر الثاني هو علاقتنا بالغرب والحداثة، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر؛ فالمسلمون عندما اصطدموا بالحداثة تذبذبوا بين الشرق والغرب. أعجبني من توجه ناحية الشرق، حيث يبدو أن الغرب على مدار التاريخ به فيروس. مثلًا نجد "البيروني" في القرن ما بين الرابع والخامس الهجري، درس الهند، وبدأ يكتب عن الهنود، ووجد أن الحديث عن هذا المجتمع ليس علميًّا، فهو ليس قائمًا على مسموعات مباشرة أو على مشاهدات مباشرة ولا ترجمة كتبهم، فكأنه عالم اجتماعي أنثروبولوجي، فألّف كتاب "تحقيق مال الهندي من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، فتكلم فيه عن أنه لا يوجد طريق لمعرفة المجتمعات إلا المشاهدة، والملاحظة، وتمحيص الأخبار، وإعادة قراءة الخطابات، وإحسان ترجمة النصوص، وكانت النتائج مبهرة. أولًا توصل إلى أن هذا المجتمع المستبشع في عقائده له أصول توحيدية، وأن كثيرًا مما تُرجم عنها تُرجم مشوهًا، ومع ذلك لا تزال عقائدهم فاسدة، لكن فيها ما هو مشترك وفيها ما يمكن تأويله، واستخلص منهم الفلك، والجبر، وسماه بأسمائهم ثم طوّر ونمَّى. وفي هذه الأثناء كان يضع نظريات رياضية، والتي كان يوظفها لصالح حساب مواقيت الصلاة، ومواقيت الحج والصيام، ولحساب المواريث، إذن ما أود قوله أن التعامل العملي الأريحي مع الأمر هو الذي يليق بهذا المستوى التنظيري. ولو كانوا قد وضعوا نظريات فقهية فماذا ستكون نتائجها؟ فبعد 100 سنة من التنظير الفقهي الحديث ماذا نجد؟

بخصوص التنظير الغربي، أريد أن أنقل تجربتي، كنت أعمل في رسالة الدكتوراة وكان موضوعها في "القوة والمصلحة والأخلاق" وكانت الكلمة الجديدة هي الأخلاق. طرحت مفهوم الأخلاق في العلاقات الدولية فوجدت مجموعة رائعة من الكُتاب الذين راكموا في هذه المسألة، ولكنهم غير مشهورين، فمن الواضح أن التنظير الذي يصل إلينا ليس الجيد بالضرورة، بل هناك من الجيد ما يتم التعتيم عليه أو استبعاده. ومن خبرتي الأخيرة يبدو أن فكرة التنظير الكبيرة العميقة ينبغي أن نصلها بالواقع والتوظيف الغربي لكي نكتشف من أين يأتي هذا التنظير؟ وهل فعلًا هو من أجل أغراض خطيرة متعلقة بالحداثة والتنظير. ويجب أن نصلها أيضًا بالوضعية، فما بين التنظير والحداثة تأتي الوضعية والسلوكية، والسلوكية بالأخص، لأنها هي التي دمرت العقل الغربي بأن حصرته في أن ما تستطيع أن تقيسه هو فقط الذي يجب أن تدرسه، ومع ذلك فهي ما زالت رائجة؛ فالتنظير الرائج في الغرب غير التنظير الذي يشتمل على المعياري والوصفي، وليس كله بالضرورة تفسيريًّا، وهو جزء من الحداثة أو ما بعد حداثة، لكنه موجود، فلكي أقيِّم مشكلة مع التنظير بتعميمه، ينبغي أن أبصر التنوع في هذا التنظير.

عنصر أخير، الأمة ليست قائمة على الفقيه وحده وإن كان لا بد أن تستند للفقيه باستمرار لكن ليس هو من يفسر الواقعة. لن يكون في مقدرة الفقيه الذي يدرس كل المواد الفقهية - حتى بعد تطوير الأزهر الحديث – أن يفسر الشأن الاجتماعي والعلم الاجتماعي بثقل. فلا بد أن يلتقي علماء الاجتماع والسياسيون مع الأزهريين، من هنا تخرج نظرية أو أنصاف نظريات أو نقاشات نظرية، حتى تظهر النظريات التي تعيد توجيه المجتمع نحو دولة أفضل ومجتمع أكثر تماسكًا واقتصاد أكثر عدالة... إلخ.

في دراستي اكتشفت أنني أجهل ما يكتب إسلاميًّا في العلوم الاجتماعية، هناك إنتاج ضخم من ماليزيا حتى المغرب لكننا لا نطلع عليه. فهناك مثلًا دراسات قيمة في معالجة الأزمة المالية بقيم إسلامية وبمقاصد إسلامية، باللغتين العربية والإنجليزية، بها محاولة اشتباك مستصحب إسلاميته ومستصحب أدوات إسلامية فقهية وأصولية.

 

د/ هاني:

ذكرتني الأسئلة التي طرحها د. شريف ببعض الأطروحات الشبيهة السابقة التي قد عزمت على الاهتمام بها، مثل كتاب "ما لم يقُلْه الفقيه" للدكتورة أماني أبو الفضل، فقد طرحت بعض التساؤلات التي تعتقد أن الاجتهاد الفقهي المعاصر لا يستطيع الإجابة عنها، وهناك تجربة للدكتور علي جمعة في كتاب "أسئلة الأمريكان". وهناك كتاب "مائة سؤال عن الإسلام" للشيخ الغزالي، وكان للمستشار طارق البشري بعض المساحات التي أشار إليها لم يتم تغطيتها فقهيًّا بشكل كافٍ، منها أن طريقة عمل المؤسسات المعاصرة من الداخل تحتاج إلى إسهام فقهي رصين. وقد أشار د. شريف إلى نقطتين، نقطة تتعلق بضعف الأداء البيروقراطي وجنوح الموظفين إلى الرشوة والفساد، فقد تبلورت في ذهني فكرة من خلال هذا الخيط المتتابع من الأسئلة التي تطرح على العقل الفقهي المعاصر وهي أهمية عمل مسرد بهذه القضايا التي لم تُغط إلى الآن، وهذا المسرد يشتمل على مائة تساؤل وقضية من هذه القضايا، ثم يوجه الباحثين الشرعيين الجادين إلى الاشتباك مع هذه القضايا، بدلًا من تناول مسائل قُتلت بحثًا.

 

د/ شريف:

بخصوص موضوع العملات الإلكترونية، فإن الفتاوى تسير حيثما صارت الدولة؛ فالموضوع معقد جدًّا، فيجب إثارة المناقشات حول هذا الأمر، ويجب تجنب موقف أن طالما أن المصلحة العامة تقتضي فنقبل أو نرفض، فهذا ليس بالكافي. حتى على مستوى نقل المعرفة فنقل المعرفة بهذه الطريقة لا يُشبع، فنحن لدينا طلبة علم شرعي يحتاجون أن يؤسَسوا ويلهَموا هذا النَفَس الفقهي ليصبح لديهم فكرة الملَكَة، وهي لن تتأتى بذكر الحكم مباشرةً، أو التكييف بناء على مصلحة عامة مبهمة، هناك واقع يتغير. في النهاية النَفَس التفسيري مهم، رغم أن العقل الفقهي لديه نوع من الفهم لأن التفسيرات في النهاية لا يمكن أن تكون تفسيرات مكتملة، وأن هذا الجهد يعكس نوعًا من الاستعلاء المعرفي، الذي ربما يخالفه الواقع، ولكن فلنسمه اجتهادًا وليس تنظيرًا، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؛ فأين هي النظريات الإسلامية التي تشرح كيف بدأ الخلق، وأين النظريات البديلة؟ وأين الطرح الإسلامي المناظر لنظريات الانفجار الكبير أو الداروينية؟ رغم الأمر القرآني المباشر بالنظر في كيفية بدء الخلق؟

أتفق مع أخي مدحت في أن الموضوع يحتاج أريحية في التعامل مع الحداثة، لكن المشكلة في الحداثة أن ميراثها كله يتمخض عن نفي الإنسان، وتجريده من المعنى بشكل أو بآخر. هي بدأت بالنهضة، وهي حالة الاستفاقة كإنسان استيقظ وقرر العودة لاستئناف دوره الحضاري، وبعد ذلك مارس الإصلاح الديني ليحطم المؤسسات التي كانت تعوق هذه الحالة التحررية، ويقاوم الاستيلاب الذي أوقعته فيه الكنيسة، بعد ذلك التنوير الذي أُعيد فيه العقل إلى مكانته التي يستحقها، وبعدها دخلنا طور الثورة الصناعية التي أبدلت الأنساق المعرفية تمامًا، وأصبح الإنسان يفكر بأنساق قريبة من أنساق الآلات، ثم لُخص هذا في اسم الحداثة التي أصبحت في النهاية تعتذر عن دراسة الإنسان لغياب الأدوات الكافية لدراسته، ولكنها في النهاية تقوم بتحليله، كما فعلت السلوكية؛ فالسلوكية بدأت بطرح لطيف ومهذب، فنحن ليس لدينا الأدوات الكافية لدراسة النفس ولكن نستطيع أن ندرس السلوك، وبعدها قالوا لا توجد نفس، وكل ما لدينا هو السلوك، وكذلك في مجالات أخرى، دائمًا يتم تحييد الحقيقي والمعنى والمتجاوز والجوهر، والاستعاضة عنه بالعرض؛ فالحداثة نحاسبها في إطار ما نعرفه عنها.

النظريات، وهل لا بد أن تكون نظريات أبدية؟ فقد أشرنا إلى أن النظرية بطبيعة الحال هي مرحلية، والنظريات لا توضع لكي تكون موجودة الآن وإلى الأبد، ولكنها بطبيعة الحال لا تصرح بذلك. فالنظرية تشبه عقد الزواج، يمكن أن ينتهي، ولكن إذا نُص على توقيته في أثناء عقده يفسد. فالنظرية لا تُصرّح في البداية أنها سوف تكون نظرية مرحلية، هي تُطرح على أنها نوع من الزواج سيستمر، ولا يُنص على أنها سوف تنتهي صلاحيتها بعد فترة من الفترات، ولكن يمكن أن تنتهي صلاحيتها كما يمكن أن ينتهي الزواج. ومن ثم إذا أردنا أن نفكر في التنظير الفقهي، فلن يكون من حسن السياسة أن نقول مسبقًا أن هذه النظريات مؤقتة وسوف تنتهي؛ لأن الناقد سوف يأتي في أي لحظة ويقول حان أوان انتهاء نظريتك فهي لم تعُد صالحة، ومن ثم يطالب بسحبها من نطاق التفسير.

فيما يتعلق بأن تكون النظرية متعددة المنظور، بمعنى أنها تستوعب المقولة التفسيرية التي تنطق بها وتستوعب مقولات تفسيرية أخرى، هذا يمكن أن يفرغ التنظير من معناه؛ لأن التنظير بطبيعته لا بد أن يراعي عنصر التبسيط. فهناك مقطع فيديو شهير عن "جون ميرشايمر"، وهو أحد كبار منظري العلاقات الدولية في العالم، وُجِه إليه سؤال: "ربما ما يحدث الآن في غزة يجعلكم تعيدون النظر في النظرية الواقعية، فنحن الآن أمام حالة صريحة تقوم فيها دولة بسلوك سياسة خارجية ليست مبنية على أساس من المصالح الدولية الصريحة، فأمريكا قد ورطت نفسها فيما لا تريده بسبب الدعم المطلق الذي تقدمه لإسرائيل؟"، فوافق "شايمر"، ولكنه اعترض على أن هذا ربما يمثل مدخلًا لإعادة النظر في مقولاته الواقعية، وقال: "إن الواقعية كأي نظرية أخرى لم تطرح لكي تكون نظرية تستوعب الواقع بنسبة 100%، ولكنها سوف تفسر نسبة وتفقد قابليتها التفسيرية في نسبة أخرى". ولا ينبغي أن يستدعي هذا من الواقعيين أن يعيدوا تطوير نظريتهم، لأن إعادة تطوير النظرية على نحو مستمر وفقًا "لشامير" يخرجها عن العمل. وهو نفس ما كان قد قاله "صامويل هنتنجتون" عندما كان يناقش فكرة التنظير في مجال العلوم الاجتماعية، وكان يناقش هذه الجدلية، فكرة أن النظرية طوال الوقت يُنظر إليها على أنها الساعة التي تدل على التوقيت السليم في اليوم لمدة مرتين فقط، لأنها ساعة متوقفة عن العمل، بمعنى أنها تطرح مقولة، والمقولة هذه يجب أن تكون صالحة لكي تفسر أوضاع الواقع، ولكنها في الحقيقة لا تستطيع أن تستوعب كل تفاصيل الواقع.

من هنا نستنتج، أن الأمر يستدعي أن يكون الإنتاج الفقهي إنتاجًا اجتهاديًّا وليس تنظيريًّا كليًّا، بالمعنى الذي تناقشنا حوله، وألا نخجل من فكرة الكلية، وأن ينتقل الشغف من معنى النظريات إلى معنى المقولات التي يمكن البرهنة عليها أو يمكن الرهان عليها؛ لأن النظرية لا تستطيع أن تستوعب الواقع وكل الاستدراكات التي تحيط به؛ لأنه مليء بالاستدراكات في حقيقة الأمر. لكن هذا لا يقدح في فكرة بلورة المنظور؛ لأن المنظور لا يقدم مقولات تفسيرية محددة بالمعنى الذي تأتي به النظريات فهو توجيهي أكثر، فهو يعبر عن طريقة لرؤية الواقع الكلية، ولكنه لا يلتفت إلى كل تفصيلة فيرسم ملامحها. وكان "صامويل هنتنجتون" يقول: "إننا إذا فسرنا السلوك الاقتصادي على أنه ينبع من رغبة الفرد في تحقيق المنفعة الاقتصادية، فلو رأى البعض أن ربما هناك عوامل أخرى تتحكم في السلوك الاقتصادي لدى الأفراد مثل الإيثار أو الكرم أو الطمع، فيقول فإذا قال مطورو النظرية الاقتصادية إن معنى المنفعة يتسع لكي يشمل كل هذه العوامل، فهذا يسقط النظرية تمامًا؛ لأنها لا تصبح بعد ذلك كيانًا فكريًّا قادرًا على تفسير الواقع والتنبؤ بالسلوك أو توجيه السياسات على النحو الذي ينبغي أن تقوم به النظريات".

 

د/ أماني:

وهذا يعني أنه ممكن للنظرية ألا تُقدح، ولكن تولِّد نظرية أخرى، وهذا ينطبق على النظريات التي نشأت أو نمت في إطار أصول الفقه. بمعنى مثلًا أن المقاصد ليست كل شيء، ولكن قد توجد بجوارها أشياء، العلل شيء وبعدها هناك مقاصد وبعدها قد توجد أشياء وهكذا.

 

د/ شريف:

ولذلك احتفى "وائل حلاق" بالتنوع الفقهي وبالحالة الفقهية التي تتضمن طوال الوقت تلاقحًا مستمرًا مع الواقع. وقد احتفى بحالة التجدد الفقهي الذي كان النقاد الحَدَاثيون أو المستشرقون ينظرون إليه بنوع من الازدراء؛ لأنهم يرون أننا غير قادرين على أن نصل إلى حالة من النضج الفقهي، ولن تستطيعوا أن تسبكوا من كل هذا الشتات مقولات قانونية وعقوبات رادعة وأنظمة محددة يستطيع الشخص البيروقراطي الذي يجلس في موقع القانوني أو القاضي أن يحكم بها. هذا لأن الحداثة في النهاية تقوم على تقسيم العمل؛ فهناك شخص وظيفته قاض، والقاضي لا يشترط فيه أن يكون مجتهدًا أو ذا عقل لكل يستطيع أن يستخرج من المذاهب الفقهية، هو يحتاج مدونة ينظر فيها الحالة بحالتها؛ فالحداثة يناسبها القانون في إطار تقسيمها للعمل. كأن القاضي بهذا المعنى هو شخص يجلس على خط إنتاج؛ فالعامل العادي يُنتج جزءًا لا يستطيع أن يتصور علاقته بالمنتج النهائي، فكأن القاضي أيضًا في إطار المنظومة الحَدَثية ينطق بحكم ولا يستطيع بالضرورة أن يسكِّنه في إطار منظومة العدالة، كما يفترض في الفقيه المجتهد.. وجزاكم الله خيرًا.

 

د/ مدحت: نشكر جميع الحضور ونختتم اللقاء.

 

رابط الدراسة: تساؤلات حول علاقة الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع (هنا)

 

 

قراءة في الرؤية الإصلاحية والمشروع المعرفي:

مع انتصاف القرن العشرين بدا واضحًا أن مشروع النهضة والإصلاح الإسلامي الذي تأسس في القرن التاسع عشر بات على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة عبّرت عنها متغيرات عديدة من قبيل: حرب فلسطين (1948م)، ورحيل الاستعمار التقليدي، والإخفاقات المتوالية لمشروع الدولة الوطنية. ولم يكن الوضع على الصعيد الفكري أفضل حالًا، إذ كان نهج الدولة قائمًا على اقتباس المناهج والنظريات والأفكار الغربية وتطبيقها بشكل قسري ودفعة واحدة على النظام التعليمي ووسائل الإعلام ومنابر التثقيف بدعوى أن الاقتباس سيأتي بنتائج مماثلة لنظيرتها الأوروبية، وهو ما أوجد قلقًا عميقًا وجدلًا حول الهوية التي بدت معرّضة للخطر بفعل عمليات التغريب الممنهجة التي مارستها الدولة.

كان من المنطقي أن تترك تلك المتغيرات آثارها العميقة على مشروع الإصلاح الذي بلغ ذروة نضجه واكتماله في مطلع القرن بفضل اجتهادات عبد الرحمن الكواكبي (ت1902م)، والشيخ محمد عبده (ت 1905م)، ورشيد رضا (ت 1935م)، حيث دخل المشروع منعطفًا جديدًا بالتساوق مع هذه المتغيرات حين شرع في مراجعة أهم مقولاته، وهي إمكان بلوغ النهضة عبر اقتباس النظم والأفكار الغربية وإضفاء الطابع الإسلامي عليها. وأسفرت المراجعة عن بروز فكرة مضادة وهي أن الأفكار الغربية هي نتاج حضارة مادية، وأنها تستبطن خصائص تتعارض مع الرؤية الإسلامية التي تصبح مهددة في عُقر دارها إذا تمّ اقتباس الأفكار الغربية، وعليه فليس هناك من سبيل لبلوغ النهضة إلا الاجتهاد في سبيل إيجاد بديل لها من داخل المنظومة الإسلامية، وهو ما بات يُعرف باسم “الأسلمة”.

وعلى هذا، فإنه يمكننا القول إنه بينما كانت مهمة بعض الإصلاحيين المتقدمين القيام بعملية تقريب المنتج الحضاري الغربي (أفكار، نظم، أدوات) إلى الواقع الإسلامي؛ فإن مهمة إصلاحيي النصف الثاني من القرن العشرين تركزت حول التأكيد على تميز الأفكار الإسلامية وإيجاد البديل الإسلامي للمنتج الحضاري الغربي أي أسلمة المعارف والتقنيات الغربية.

ومن المتغيرات الأخرى التي يمكن رصدها على مشروع الإصلاح التفاوت الكبير في تشخيص الأزمة واقتراح الحلول؛ إذ بينما التفت بعض الإصلاحيين الأوائل إلى الإصلاح السياسي بكثير من الاهتمام وعولوا على دور الدولة في الإصلاح؛ فإن معظم الإصلاحيين المتأخرين -وبخاصة مع إخفاق مشروع الدولة الوطنية- قد شخّصوا أزمة الأمة باعتبارها أزمة فكرية[1] ومن ثم نظروا للمدخل المعرفي باعتباره سبيل الإصلاح.

من جهة أخرى، فإننا نلاحظ أن نسبة يُعتدُّ بها من إصلاحيي النصف الثاني من القرن العشرين هم ممن يصح أن نُطلق عليهم وصف “إصلاحيي الخارج”، إذ تهيأت للعديد منهم سُبُل التعليم والإقامة في الغرب، وهو ما يُعني أن المكوّن الفكري لديهم لم يكن إسلاميًا خالصًا وإنما هو مكوّن غربي تمّ مزجه ببعض التأثيرات الثقافية الإسلامية، وهذا بخلاف الإصلاحيين الأوائل الذين كانت ثقافاتهم إسلامية بالأساس إذ هم لم يعايشوا أو يتعرفوا على الثقافة الغربية عن كثب[2]، ومن ثَمَّ انطلقوا في مسعاهم للتجديد من الأرضية الإسلامية التقليدية.

وأخيرًا، فإن أحد المتغيرات الهامة التي يمكن رصدها على مشروع الإصلاح في النصف الثاني من القرن العشرين هو في انتقاله من الطابع الفردي[3] إلى الطابع المؤسسي والذي يجسده مشروعات مثل “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” و”جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية” و”الجامعة الإسلامية العالمية” في ماليزيا، وذلك مع غياب المفكرين الكبار من وزن جمال الدين الأفغاني (ت 1897م) والشيخ محمد عبده (ت 1905).

ويُعد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي (1921-1986م) خير ممثل لمفكري تلك المرحلة الهامة من مراحل المشروع النهضوي.

أولًا: السيرة والإنتاج المعرفي:

وُلِد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام (1921م) لإحدى الأسر الفلسطينية العريقة والثرية. عمِل والده قاضيًا شرعيًا ورغم ذلك فقد فضّل أن يتلقى ابنه تعليما مدنيًا حديثًا على عادة بعض الأسر الفلسطينية الثرية؛ فألحقه بمدرسة الفرير الدومينيكان الفرنسية (سان جوزيف) التي حصل منها على الشهادة الثانوية عام (1936م)، ومنها التحق بكلية “الآداب والعلوم” بالجامعة الأمريكية ببيروت حيث حصل على بكالوريوس الفلسفة عام (1941م). وعقب تخرجه اشتغل ببعض الأعمال الحكومية في ظل حكومة الانتداب البريطاني. ومع اندلاع القتال في فلسطين عام (1948م) شارك في بعض العمليات الجهادية إلا أنه غادر إلى الولايات المتحدة مع انتهاء الحرب وتأسيس الدولة اليهودية[4].

فور وصوله إلى الولايات المتحدة تابع إسماعيل الفاروقي تحصيله العلمي حيث حصل على درجتي ماجستير في الفلسفة عامي (1949، 1951م)، ثم حصل على درجة الدكتوراه من جامعة إنديانا عام (1952م) عن رسالته المعنونة “نظرية الخير: الجوانب الميتافيزيقية والإبستمولوجية للقيم”.

وعلى الرغم من حصوله على أعلى الدرجات العلمية فقد استشعر الفاروقي نقصًا في تكوينه المعرفي بسبب اقتصاره –حتى ذلك الحين- على الاطلاع والتعمق في الثقافة والفكر الغربي، حيث نهل من رافد معرفي وحيد هو الرافد الغربي، لذلك قرر الإقبال على الدراسات الإسلامية حتى يستكمل تكوينه العلمي؛ فتوجه إلى القاهرة وأمضى بها نحو الأربعة أعوام تفرغ خلالها لدراسة العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية في الأزهر الشريف، وقد برهن على عميق فهمه وتمثله للتراث المعرفي الإسلامي حين وقع اختياره على ابن تيمية (728 هـ) ليكون مرجعيته فيما استشكل عليه من أمور فكرية، وبخاصة ما يطرحه عليه المستشرقون في الغرب بشأن الإسلام، وفي هذا الصدد يقول الفاروقي: “يظُنُ بعض الناس أن أفكاري من صنعي ولكن كلما استشكل علىّ أمر أجدُ جوابه عند شيخ الإسلام ابن تيمية”[5].

وإلى جانب هذه التأثيرات الإسلامية تعرّض الدكتور الفاروقي خلال إقامته بالقاهرة لبعض التأثيرات الناصرية حين آمن لبعض الوقت بفكرة العروبة التي رأى أنها ذات جذور إسلامية من حيث إن العرب كان لهم بعض الفضل بسبب قيامهم بالدور الأكبر في تبليغ الدين الخاتم، وذلك بخلاف مفهوم القومية الذي هو نتاج تجربة حضارية غربية لا يمكن تعميمها عالميًا. إلا أن تعثر مشروع جمال عبد الناصر القومي والإخفاق السياسي الذي مُني به في حرب يونيو (1967م) جعل الفاروقي يتوجه نحو الإسلام حتى إنه لم يعُد يذكر العروبة في كتاباته.

مع اكتمال التكوين المعرفي ارتحل الدكتور إسماعيل الفاروقي مجددًا إلى الولايات المتحدة حيث اشتغل منذ أواخر الخمسينيات أستاذًا لفلسفة الأديان في عدد من الجامعات الأمريكية والغربية، وله مؤلفات متميزة في هذا المجال، فقد صدر له باللغة العربية “الملل اليهودية المعاصرة”، كما أن له عددًا من المؤلفات باللغة الإنجليزية ولم يتم تعريبها، نذكر منها: Historical Atlas of the Religions of the World الأطلس التاريخي لديانات العالم، The Great Asian Religions أديان آسيا الكبرى، Christian Ethics الأخلاق المسيحية. وقريب من هذا كتاباته عن اليهود والظاهرة الصهيونية من مثل (أصول الصهيونية في الدين اليهودي) و(Islam and The Problem of Israel) الإسلام ومشكلة إسرائيل، وهي مؤلفات امتدحها المفكر عبد الوهاب المسيري في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية) بوصفها استطاعت أن تتجاوز السياسي وصولًا إلى المعرفي في فهم الظواهر المرتبطة باليهود.

أما بقية إنتاجه المعرفي فهو يدور حول الحضارة الإسلامية التي خصها الفاروقي بمؤلف ضخم أسماه “أطلس الحضارة الإسلامية” والذي نُقل إلى العربية بعد رحيله، وقد حاول من خلاله أن يعرّف بجوهر الحضارة الإسلامية وخصائصها المميزة وأن يؤكد على دور التوحيد في تشكيل جميع جوانبها حتى المادية منها، ولا ننسى في هذا المقام كتابه الأكثر أهمية، والذي نشره بالإنجليزية تحت عنوان (Al Tawhid; Its Implications for Thought and Life) التوحيد وآثاره في الفكر والحياة. كما أن للفاروقي عددًا من البحوث حول (إسلامية المعرفة) الذي يُعد بحق المُنظّر الأول لها، وبعضها تمت ترجمته ونُشرت من خلال المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودورية (المسلم المعاصر). وللفاروقي مجموعة مهمة جدًا من البحوث والدراسات المنشورة باللغة الإنجليزية حررها ونشرها بعد وفاته عطاء الله صديقي تحت عنوان: (Islam and Other Faiths) الإسلام والعقائد الأخرى، هذا فضلًا عن بعض ترجماته إلى اللغة الإنجليزية مثل ترجمته لكتاب (حياة محمد) لمحمد حسين هيكل.

كانت للدكتور الفاروقي نشاطات واسعة خلال إقامته في الولايات المتحدة عبّر من خلالها عن تواصله مع قضايا العالم الإسلامي وبخاصة المعرفية منها، وبرهن على أن الارتحال عن الوطن لا يعني انفصالًا وانقطاعًا عن متابعة قضاياه والعمل لأجلها، وفي هذا الصدد نذكر أنه قد أسس مع مجموعة من أعضاء اتحاد الطلاب المسلمين “جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين” عام (1972م) وتولى رئاستها منذ تأسيسها وحتى عام (1978م)، ومن خلال الجمعية ونقاشاتها تبلورت لديه رؤية محددة حول “إسلامية المعرفة” وهي الفكرة الأم التي تأسس حولها “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” في الولايات المتحدة عام (1981م).

ثانيًا: معالم الرؤية الإصلاحية:

1) مراجعة مشروعات النهضة:

اعتبر الفاروقي حركات الإصلاح أحد المعالم المميزة للتاريخ الإسلامي حتى إنه لا يكاد يخلو منها إقليم أو منطقة حضارية إسلامية على الرغم من الاختلافات الواضحة فيما بينها. وبحسب الفاروقي فإنّ أُسس الإصلاحية الإسلامية تمّ إرساؤها على يد شيخ الإسلام ابن تيمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين؛ ومنذ ذلك الحين أصبح ابن تيمية المُلهم والمُرشد لكثير من حركات الإصلاح ولاسيما ذات النهج السلفي منها. وحسب الفاروقي فإن ما يجعل من تراث ابن تيمية الإصلاحي حيًا باقيًا كونه صاحب رؤية متجاوزة لزمانها، وأن اجتهاده لم يكن محصورًا داخل مجال بعينه؛ فإلى جوار المجال الديني برز اجتهاده في المجالات الثقافية والاجتماعية، بل وحتى العسكرية، حيث استطاع بمجهوده الخاص أن يساهم في إثارة المشاعر والقوى الإسلامية وتعبئتها في مواجهة التتار ووضع نهاية لتقدمهم في العالم العربي.

وفيما يتعلق بالحركات الإصلاحية الحديثة فقد لجأ الفاروقي إلى وضع معايير حتى يمكن الاحتكام إليها عند مناقشة دورها وتقييم أثرها في الواقع الإسلامي المعاصر، ذلك أن كثرة الحركات وتنوعها واختلاف مناهجها جعل هناك ضرورة علمية للقيام بذلك.

أولى هذه المعايير التي اقترحها الدكتور الفاروقي هو موقف الحركة الإصلاحية من التعليم، وإلى أي مدى قامت بالدعوة إلى تضمين الإسلام باعتباره نظامًا عقائديًا وخُلقيًا وممارسة واقعية في المؤسسات التعليمية على كافة مستوياتها؟

أما المعيار الثاني فيتعلق بمدى نجاح الحركة في التعرف على العلل التي تواجه الأمة وما هي رؤيتها لكيفية مواجهتها. على حين يرتبط المعيار الثالث بمدى نجاح الحركة الإصلاحية في التعبير عن عالمية الإسلام وعدم خصوصيته للمسلمين، وإعلان أنه بُعث لأجل إشباع الحاجات المادية والروحية للأفراد والمجتمعات على حدٍ سواء.

ومن خلال تطبيقه لهذه المعايير الثلاثة على الحركات الإصلاحية الحديثة – جميع الحركات التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين عدا الحركة السلفية الوهابية- استنتج الفاروقي أن هذه الحركات تُعاني من مشكلات متعددة تتعلق بالتصور والممارسة معًا، وقد أجملها على النحو التالي:

أ- الاقتباس عن الغرب: لقد كان تصور بعض الحركات الإصلاحية قائمًا على إمكانية اقتباس أفكار الغرب ومنتجاته لتحقيق النهضة. ولا يتردد الفاروقي في إبداء أسفه تجاه هذه الفكرة قائلًا لقد “قامت الحركات الإصلاحية والتحريرية في كل أنحاء العالم الإسلامي، ولكن رغم ذلك كان – للأسف- نهج معظم هذه الحركات في غالب الأحيان وتصورها لقضايا الإصلاح تصورًا ونهجًا غربيين، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون نصيب تلك الحركات هو الفشل الذريع والإخفاق الشديد؛ لأن من البديهي أن ما يصلح للغرب من فكر وعقائد لا يصلح لأمة قدر الله لها أن يُبنى كيانها ويرتبط مصيرها وشأنها بكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام” [6]، ويفترض الفاروقي أنه ينبغي على الحركات الإصلاحية إن أرادت بلوغ النهضة أن تُدرِك أن الأمة الإسلامية هي أمة رسالة لن يصلح آخرها إلا بما صلُح به أولها، وهذا يعني ضمن ما يعنيه العودة إلى الاستقاء بشكل مباشر من النصوص الإسلامية التأسيسية من قرآن وسنة، ومهمة الحركات الإصلاحية الحقيقية تتحدد في “معرفة معالم السبيل إلى تمثُل كتاب الله وسنة رسوله ونقلهما من عالم القيم والتوجيه والمثال إلى عالم الواقع والحركة والتطبيق العملي”[7].

ب- النظرة الجزئية: ليس هناك من حركة إصلاحية -كما يذهب الفاروقي- تميزت بشمولية الرؤية واتساعها. والأدلة على ذلك أكثر من أن تُحصى؛ فالحركة الوهابية تفوقت في تأكيد مبدأ التوحيد، والحركة السنوسية برزت في مجال تطبيق المبادئ الإسلامية وإدراجها ضمن ممارسات الحياة اليومية، على حين أبلت الحركة المحمدية في اندونيسيا بلاءً حسنًا في مضمار التعليم والتعامل مع المعطيات العصرية “ولكن الإنجاز الإجمالي لجميع الحركات يُعد جزئيًا ولم تصل أي منها- بل حتى لم تحاول- التعبئة العامة من أجل التحويل الجذري للمجتمع”[8].

ج- تضييق باب الاجتهاد: لا ينكر الفاروقي أن بعض الدعوات الإصلاحية – وبخاصة التي أطلقها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده – قد بادرت بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، إلا أن الدعوة على استنارتها أخفقت لكون المؤهلات التقليدية التي يجبُ توفرها في المجتهدين بقيت على حالها[9]، وبذلك تم حصر صفة الاجتهاد في الأئمة التقليديين من خريجي المدارس التقليدية، وهؤلاء لم تتوفر في مناهجهم أدوات الاجتهاد ولا يؤمنون بوجود حاجة إليه؛ إذ يعتقدون بأن مشكلات العالم الإسلامي – على اختلافها- يمكن ردها إلى ضعف الإيمان الذي اعترى البعض، وعدم تطبيق الشريعة. يضاف لهذا استمرار التصور التقليدي بأنّ المجتهد ليس سوى الفقيه، وهو ما ترتب عليه أن أصبحت قضايا الإسلام تُختزل في كيفية ترجمة المشكلات والقضايا إلى صياغات فقهية قانونية، واختُزل معه مفهوم الاجتهاد إلى حدِه الأدنى وبات محصورًا في أعمال الإفتاء وإصدار الأحكام على أفعال المسلمين في حياتهم اليومية.

د- الفُرقة والمحلية: عانت الحركات الإصلاحية من الفُرقة؛ فما من حركة إلا واختلف أصحابها وظهرت فيما بينهم بذور الشقاق، وإلى جانب الفُرقة تلوح آفة المحلية فليس هناك حركة إصلاحية قد امتدت فيما وراء حدودها الجغرافية وضمت مسلمين مختلفين عرقيًا ولغويًا وثقافيًا، وتلك ظاهرة ينبغي على الحركات الإصلاحية أن تعمل على تلافيها في المستقبل.

على ضوء هذه التقييمات والمآخذ حول مسيرة الحركة الإصلاحية يبدو مفهوما لِم اختار الفاروقي ابن تيمية دون غيره ليكون مرجعيته الفكرية، ولماذا يغدو وصل ما انقطع من التراث وإحياء الصلة معه إحدى الغايات الكبرى لإسلامية المعرفة، المشروع الفكري الأهم في حياة الدكتور الفاروقي.

2) إسلامية المعرفة:

كان لتعثر جهود الإصلاح أثره الكبير على الفاروقي وأترابه من الدارسين المسلمين في الغرب، الذين استطاعوا بحكم إقامتهم في الغرب أن يدركوا حالة التراجع الإسلامي من جهة ومدى التناقض بين التصورات الغربية الوضعية عن المعرفة وبين مثيلاتها الإسلامية من جهة ثانية. وحسب هؤلاء فإن أيًا من المصلحين السابقين لم يستطع أن يقف على هذا التناقض “إن جيلنا هو الذي اكتشف هذا التناقض عندما عاشه في حياته الفكرية، على أن العذاب النفسي الذي ولدّه هذا التناقض فينا جعلنا نستيقظ مرعوبين ومُدركين تمامًا ما تتعرض له الروح الإسلامية من انتهاك في جامعات العالم الإسلامي. ولهذا فنحن نُنبه العالم الإسلامي إلى هذا الشر، ونسعى ولأول مرة في التاريخ إلى تطوير خطة توقف سريانه وانتشاره، وتتصدى لنتائجه، وتُعيد التعليم الإسلامي إلى نهجه القويم”[10].

كانت تلك هي الأجواء التي تم خلالها إنشاء “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” بواشنطن عام (1981م) الذي ترأسه الدكتور الفاروقي منذ إنشائه وحتى وفاته عام (1986م)، وذهب مؤسسو المعهد إلى أن الأزمة التي تُعاني منها الأمة هي أزمة فكرية، وأن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما هي إلا تجليات لهذه الأزمة الأم. وقد قدم هؤلاء رؤية يمكن وصفها بالمتفردة حيث وقفت موقف النقد من المعرفة الغربية للمرة الأولى – عربيًا على الأقل[11]– كما أنها تبنت استراتيجية أو خطة مقترحة للعمل عرفت باسم (إسلامية المعرفة) وهكذا اجتمع في هذه الرؤية النقد والتقويض جنبًا إلى جنب مع البناء والتأسيس.

يُعد الفاروقي من أوائل من اشتغلوا على تمحيص الأسس الفلسفية التي تأسست عليها المعرفة الغربية ومقارنتها بالأسس الإسلامية، وخلص من خلال المقارنة إلى أن هناك اختلافات لا مجال لإنكارها تجعل من التسليم الإسلامي المطلق للمعرفة الغربية أمرًا مُتعذرًا، وهذه الاختلافات هي: الاعتقاد بأن الغيب لا يُمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة، وأن العلم هو ما يتعلق فقط بالحقائق الموضوعية التي ترصدها الحواس، وأنه يخلو من أي موجهات أخلاقية أو قيمية، وأن غايته القصوى إشباع الحاجات المادية لبني البشر وتحقيق سعادتهم دون أن يُعنى بالارتقاء بهم.

وعلى النقيض من هذا تقف المعرفة الإسلامية التي تتأسس –حسب الفاروقي- على مبدأ “وحدة الحقيقة” الذي يُعني أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر المعرفة، وأن وحيه الإلهي قد تضمن إلى جوار صفاته عز وجل (الحقيقة المطلقة العليا) بعض الإشارات الكونية (الحقائق الموضوعية)، وأنه ليس ثمة تعارض بين الوحي من جانب وبين العقل والعلم من جانب آخر؛ فالعقل هبة من الله للإنسان وتقع على عاتقه مهمة مزدوجة هي استيعاب الوحي واكتشاف الأسباب والسنن الكونية. ويذهب الفاروقي إلى أن هناك ما يحول بين العلم الإسلامي وبين الانزلاق إلى ما انزلق إليه العلم الغربي من إنكار لوجود الإله ومن نهب للطبيعة وإعلان للسيطرة عليها؛ ذلك أنه يعمل في إطار من القيم والأخلاق المستمدة من الوحي مصدر العلم والمعرفة؛ ونظرًا لأخلاقيته فهو يرتبط بالجماعة والأمة، إذ الأخلاق هي مجموعة ضوابط تنظم علاقة الفرد بالمجموع العام، ولا يمكن أن يكون مجال تطبيقها الدائرة الفردية وحسب.

من ناحية أخرى أولت خطة إسلامية المعرفة –التي حدد ملامحها الدكتور الفاروقي[12] – اهتمامًا ملحوظًا بالتعليم الأوليّ حين دعت إلى إعادة تأسيس النظام التعليمي الراهن على نحو يكفل القضاء على الازدواجية التي تقسمه إلى نظامين، أحدهما إسلامي والآخر علماني، واعتماد نظام موحد يحل محلهما يضُم العلوم الحديثة إلى جانب مبادئ العلوم الشرعية، فالإسلام يمقت تقسيم الناس إلى طبقتين طبقة عامة الناس وطبقة العلماء الشرعيين؛ فالناس سواسية في اكتساب المعرفة الحديثة وفي التعرف على مبادئ دينهم. ويتميز هذا النظام الجديد بأنه يجعل من دراسة الحضارة أمرًا إلزاميًا في كافة المراحل التعليمية لأنها وحدها الكفيلة بغرس روح الانتماء في نفس الدارس وتعريفه بتاريخه وجوهر حضارة أمته على نحو يجعله في منأى عن التأثر السلبي بالأفكار الوافدة.

كذلك طرحت إسلامية المعرفة تصورًا للعملية المعرفية مفترضة أن إنتاج معرفة إسلامية يقتضي أمرين:

الأول، الاطلاع الواسع على المنتج المعرفي الغربي، ومنهجيات البحث العلمي، والانتقادات الموجهة إلى المعرفة الغربية من جانب المفكرين الغربيين[13]، وهذا الاطلاع العميق يعني لدى الفاروقي وقوفًا من الباحث المسلم على آخر التطورات العلمية، ومعرفة ما الإضافات التي يمكن تقديمها إليها.

والثاني، أن يكون الباحث متمكنًا من التراث، ومن هنا نبتت فكرة الدعوة إلى تيسير التراث. وقد اقترح الفاروقي إجراءات عملية في سبيل تيسيره من قبيل القيام بتبويبه وتصنيفه وفقًا لتقسيمات العلوم الاجتماعية وأقسامها، والتعريف بمصطلحاته بلغة يسيرة ومفهومة، ونشر بعض الكتب التراثية الهامة مع تقديم شروح لها. ويبين الفاروقي أن الغاية من وراء الاهتمام بالتراث أن يصبح بمقدور الباحث المسلم أن يجيب على أسئلة ثلاث: ما هي مساهمة التراث الإسلامي في القضايا التي تثيرها العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ وأين يتفق ويختلف معها؟ وكيف يمكن أن يُسهم في تصحيح وتقويم مسار المعرفة الإنسانية والاجتماعية المعاصرة؟

إن الإحاطة بهذه التساؤلات وتقديم الإجابات عليها لن يتحقق إلا إذا سبقها فهم واستيعاب كامل لطبيعة هذا التراث وتقدير لجوانب القوة والضعف فيه، وتلك نقطة يشدد عليها الدكتور الفاروقي حين يذهب إلى القول بأن التراث ليس نسخة من الوحي لكنه يشتمل عليه كنقطة انطلاق تأسست عليها مجمل الثقافة والمعارف الإسلامية، وإذا كان الوحي غير قابل للنقد فليس كذلك فهم المسلمين له ولا مجمل المعرفة الإنسانية الناتجة عنه، ومن هنا ينبغي إعمال النقد بحق التراث؛ فإذا وجد أنه غير ملائم أو جانبه الصواب فينبغي أن تتوجه الجهود لتصحيحه، أما إذا كان ملائمًا لاحتياجات الواقع فلنعمل على الاستفادة منه وصقله وبلورته والإضافة إليه.

3) الإسلام والأديان الأخرى:

قدّم الدكتور الفاروقي إسهامًا متميزًا في سبيل إيضاح موقف الإسلام من الأديان الأخرى وذلك بحكم تخصصه في فلسفة الأديان، وهو ينطلق من إقرار الإسلام بأن ظاهرة النبوة ظاهرة شاملة ومتكررة، وأنها حدثت على امتداد الزمان والمكان، وأن الله سبحانه وتعالى لن يُحاسب البشر حتى يبعث فيهم نبيًا. والأنبياء منهم من ورد ذكره في الكتب السماوية ومنهم مَنْ لم يرِد، ولكن يمكن لنا التعرف عليهم عن طريق مضمون رسالتهم؛ فجوهر دعوة الأنبياء جميعًا التوجه إلى الله وحده بالعبادة، وفعل الخيرات واجتناب المنكرات. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 62).

وينظر الإسلام إلى الديانتين التوحيديتين اليهودية والمسيحية بنوع من الشعور بأواصر القربى والاشتراك في جوهر توحيدي واحد، “فالإسلام لا يرى في اليهودية والمسيحية آراء أخرى لابد من التسامح إزاءها، بل ديانتين قائمتين شرعًا نزلتا بوحي من الله، ثم إن وضعهما المشروع هذا ليس بالاجتماعي السياسي ولا الثقافي ولا الحضاري، بل هو وضع ديني. والإسلام دين فريد في هذا المجال، إذ لا توجد ديانة في العالم تجعل من الإيمان بحقيقة أديان أخرى شرطًا لازمًا في إيمانها الخاص وشهادتها على الناس”[14].

ولا يعني هذا أن الإسلام يُقدّر أتباع الأديان توحيدية كانت أم وضعية مسقطًا من تقديراته من هم لا يؤمنون بأي دين؛ فهؤلاء ينظر إليهم الإسلام باعتبارهم بشرًا لهم حقوقهم الكاملة غير المنقوصة؛ بموجب أنهم يؤمنون بالدين الفطري الذي منحه الله للبشر كافة، وأنهم يمكن أن يكونوا مؤمنين بالله سبحانه وتعالى بما استودعه الله فيهم من عقل قادر على التمييز بين الهدى والضلال.

وعلى هذا فإن نظرة الإسلام إلى البشر –كما استنبطها الفاروقي- تأتي على ثلاثة مستويات منفصلة أولها الاشتراك في دين الفطرة؛ فالله تعالى قد منح البشر جميعًا عند ميلادهم دينًا صحيحًا صادقًا وفطريًا لا يتبدل بمرور الأزمان. وثانيها أن البشر وعلى اختلافهم كانوا هدفًا للوحي الإلهي كلٌ بأسلوب يتلاءم مع تاريخه ولغته. وثالثها التماثل بين الديانات التوحيدية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام باعتبارها مُنّزلة من الله سبحانه وتعالى.

ومن الواضح أن الإسلام وقد اعترف بالديانات التوحيدية وغيرها قد منح جميع الذميين – أتباع الديانات التوحيدية والأديان الأخرى – حقوقًا وامتيازات داخل الدولة الإسلامية؛ فللذمي الحق المطلق في أن يظل على عقيدته حتى وإن تم عرض الإسلام عليه مرات متعددة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كفل لنصارى نجران ولكافة الذميين هذا الحق. كما يجوز للذمي أن يحاول إقناع المسلم بعقيدته أيًا كانت، انطلاقًا من أن حق الإقناع متبادل، وأنه عملية ذات وجهين من المناقشة والمناقشة المضادة، ولا يمكن أن تتم إلا في وجودها وإلا أصبحت إملاءً وإكراهًا. ولأهل الذمة الحق في أن يلقنوا أبناءهم تعاليم دينهم، وأن يتلقى أبناءهم تعليمًا دينيًا في المؤسسات التعليمية الرسمية، ولهم كامل الحق في التعبد وإقامة دور العبادة التي تكفل لهم ممارسة شعائر دينهم. وللدولة الإسلامية أن تكفل لهم حق التملك، وحق العمل دونما تقيد بنوعية معينة من الوظائف حتى ذات الطبيعة الحساسة كالوظائف العسكرية، ولهم الحق كذلك في إشباع رغباتهم في السعادة والتمتع بالجمال، إذ يجوز لهم معاقرة الخمر واقتناء الأعمال الفنية التي يرى الإسلام أنها غير جائزة، شريطة أن يتم ذلك في نطاق ضيق لا يتجاوز دوائرهم المغلقة خشية تهديد الشعور الأخلاقي العام.

من خلال العرض السابق يمكننا القول إن الدكتور الفاروقي كان يمتلك رؤية تجديدية منفتحة على العصر وغير منقطعة الصلة عن التراث، وترك بصمات فكرية واضحة على عدد من الباحثين الشباب من أبناء الجيل الثاني، نذكر منهم إبراهيم زين ولؤي صافي لإسلامية المعرفة. وقد تميزت أفكاره بالانفتاح وخصوصًا تجاه الآخر إذ كان ينظر إليه بوصفه إنسانًا له كافة الحقوق الإنسانية بغض النظر عن دينه وجنسه؛ فكان بذلك مفكرًا عربيًا وإسلاميًا إنسانيًا.

***************

 


* فاطمة حافظ (2009). قراءة في الرؤية الإصلاحية والمشروع المعرفي: إسماعيل راجي الفاروقي نموذجًا. مجلة المسلم المعاصر. 131. ص ص. 261- 278.

** دكتوراة في التاريخ. كلية الآداب. جامعة القاهرة

[1] هناك قائمة طويلة من المفكرين الإصلاحيين نذكر منهم على سبيل المثال: جودت سعيد، طه جابر العلواني، عبد الحميد أبو سليمان.

[2] من الواجب أن نشير هنا إلى أن الفكر الغربي خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كان أكثر رحابة وإنسانية ولم يكن قد أحدث قطيعة كاملة مع كل ما هو غيبي، ومن هنا رأى المصلحون المسلمون إمكانية التوفيق بينه وبين الإسلام؛ أما مع النصف الثاني من القرن العشرين فقد كان الأمر مغايرا مع صعود تيارات ما بعد الحداثة ونفيها للإنسان ولكل ما هو مقدس، ولذلك كان من المتوقع أن يذهب بعض المفكرين المسلمين الذين عايشوا هذا الإنكار بأنفسهم إلى أنه ليس هناك مجال للتعايش بين الإسلام والأفكار الغربية كما فعل سيد قطب وأبو الأعلى المودودي.

[3] لا ننكر هنا أن بعض رجال الإصلاح الأوائل اجتهد في العمل على إنشاء بعض المؤسسات التعليمية والصحفية مثل رشيد رضا الذي أنشأ مجلة المنار، ومدرسة الدعوة والإرشاد، وحسين الجسر الذي أنشأ مجلة طرابلس الشام، والمدرسة الوطنية الإسلامية. لكن لم يُكتب لهذه المشاريع الاستمرار لأسباب عديدة منها ارتباط هذه المؤسسات بشخوص أصحابها وإمكانياتهم المادية الخاصة.

[4] على الرغم من مشاركته الجهادية عام (1948م) إلا أن الدكتور الفاروقي قد قبل في مرحلة متأخرة بوجود اليهود في الدولة الإسلامية الموحدة (سواء داخل فلسطين أم خارجها على السواء) وفق صيغة من صيغ قبول أهل الكتاب المستأمنين والمعاهدين وأهل الذمة في الدولة الإسلامية كما صاغها الفقه الإسلامي مع حفظ كافة حقوق اليهود الدينية والثقافية في الدولة الإسلامية والتي يعيش فيها العرب إلى جوار اليهود، ولكن هذا القبول كان مشروطاً لديه بنزع الطابع الصهيوني عن الدولة  وتفكيك مؤسساتها الصهيونية وخصوصا العسكرية منها، وإنهاء أي شكل من أشكال السيادة الصهيونية، وإعادة الفلسطينيين إلى ديارهم التي أُخرجوا منها، وتعويضهم عن كل خسائرهم بسبب التهجير ونزعهم من أراضيهم وممتلكاتهم, وتخليها عن عنصريتها تجاه العرب.

لمعرفة الموقف الدقيق للفاروقي من هذه القضية، يمكن الرجوع إلى كتابه: الإسلام ومشكلة إسرائيل، ص 112ـ 114.

Ismail Raji Al Faruqi, Islam and The Problem of Israel, Kuala Lumpur, The Other Press, 2003, pp 112-114.

[5] من مقدمة هشام الطالب للطبعة المعربة من كتاب أطلس الحضارة الإسلامية: إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، الرياض، مكتبة العبيكان، 1998، ص 16.

[6] إسماعيل راجي الفاروقي، إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات، واشنطن، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1986، سلسلة إسلامية المعرفة1، ص 12.

[7] نفس المرجع السابق، ص 13.

[8] إسماعيل راجي الفاروقي، النهضة الإسلامية في المجتمع المعاصر، المسلم المعاصر (بيروت، ع 28، 1981)، ص 62.

[9] هذا الكلام يمكن التحفظ عليه، لأن محمد عبده قد وضع شروطا نوعية وجديدة لمفسر القرآن وللمجتهدين عموما، والمشكل برأينا ليس عند رجال الإصلاح، بل تتحمله المؤسسات الدينية التي عجزت عن استقبال أفكار هؤلاء المصلحين وإدراجها ضمن برامجها التعليمية.

[10] إسماعيل راجي الفاروقي، إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات، ص 52.

[11] يشير البعض إلى سيد نقيب العطاس الإندونيسي باعتباره أول من تبنى الدعوة إلى إسلامية المعرفة.

[12] انظر: إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات. وهي في الأصل ورقة عمل محررة باللغة الإنجليزية تحت عنوان “Islamization of Knowledge” قدمت إلى مؤتمر أسلمة المعرفة في باكستان عام 1982م.

[13] في الحقيقة استفاد الدكتور الفاروقي وصحبه كثيرا من تيارات النقد الثقافي الغربي التي وجهت النقد المرير للتصورات والمنهجيات المعرفية الغربية، ولعل أبرز هذه المدارس مدرسة فرانكفورت وتيارات التفكيك الحداثي.

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ص 279.

 

يسلّط هذا البحث –المنشور في العدد السادس من مجلة "المدونة" التونسية عام 2024م- الضوء على مناقشة علمية بين الدكتور وائل حلاق وبين غيره من الباحثين حول قضيتين، الأولى: في استشكال كون الشافعي أول من صنف في علم أصول الفقه، والثاني: في مكانة الرسالة ضمن مصنفات علم أصول الفقه، وقد استند البحث في هذا إلى دراستين قدمهما الدكتور وائل حلاق. والملاحظ هو وحدة النتائج التي توصل إليها الدكتور وائل حلاق رغم اختلاف السياقات الحاكمة لكل دراسة.

ومما جاء في مقدمة هذا البحث ما يلي:

تشهد الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية اليوم ازدهارًا واضحًا من قبل الأكاديميين والنخبة المثقفة، ازدهارًا أفرز إنتاجًا علميًا بارزًا أصبح من جملة التراكمات والإسهامات في مجال الدراسات الإسلامية بمختلف تخصصاتها من جهة، كما أصبح يفرض نفسه بقوة في دائرة البحث العلمي من جهة ثانية، بحيث لا يسع المتخصص في المجال إهمال هذا الاهتمام ولا تجاهل نتائجه، اهتمام تشير إليه المجلات الصادرة عن دور نشر أو جامعات غربية، وهي مجلات علمية متخصصة في نشر بحوث الدراسات الإسلامية، كما تشير إليه الندوات والمؤتمرات التي أصبحت تُعقد هناك خصيصًا لمعالجة مواضيع وقضايا تاريخية لها راهنيتها اليوم في معترك الحياة الفكرية، وكذا التطرق إلى بعض الشخصيات العلمية البارزة في التراث الإسلامي، يقصد البحث في آرائها وإسهاماتها وآثارها العلمية، كأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ) وابن رشد الحفيد (ت 595 هـ) وغيرهما ممن أفردت لهم أعمال قائمة بذاتها.

وما تميزت به هذه الكتابات المعاصرة هو إعادة طرحها، على مائدة النقاش، بعض القضايا التي أصبحت لدى المتخصصين من قبيل المسلمات، ومن ثم إعادة استشكالها وإفاضة البحث فيها قصد مراجعتها وتسليط الضوء على بعض الجوانب التي مازالت في حاجة إلى مزيد بحث وتعميق نظر.

ولقد كان من بين الكتاب المبرزين في هذا المجال الباحث وائل حلاق، الأستاذ المحاضر بالجامعات الأمريكية، والذي تميز بوفرة البحوث في مجال الدراسات الفقهية والأصولية، دراسات يمكن القول إنها قد أسهمت على نحو بارز في إثراء البحث في الدرس الفقهي والأصولي في السياق الغربي، وقد دل على هذا ما تُحدثه تلك الأعمال من تفاعلات مساندة أو معارضة لما يكتبه، وهو ما يسهم في زيادة الاهتمام بالتراث الإسلامي وإن بمستويات مختلفة من حيث البواعث الدافعة لذلك.

كثيرة هي القضايا والمواضيع التي طرحها وائل حلاق على مائدة النقاش مما يرجع إلى تخصصات الدراسات الإسلامية، والملاحظ أن كتاباته كانت مؤطرة بسياقات معينة يمكن تلخيصها في أنها كانت طرفًا محاورًا لبعض الجهات ممن كان له الاهتمام ذاته في السياق الغربي أيضًا؛ حيث كانت بعض دراساته موجهة لانتقاد أعمال بعض المستشرقين الذين انتصبوا لدراسة تاريخ العلوم الإسلامية، وخرجوا، بعد سنوات من البحث، بنتائج وأحكام لا يمكن القطع بها، وإنما هي أحكام يمكن عرضها من جديد على محك النظر وفق قواعد البحث العلمي.

ولقد كانت من أبرز القضايا التي انتصب وائل حلاق لمراجعتها قضية كون الشافعي (ت 204 هـ) هو المهندس الأول لعلم أصول الفقه؛ حيث إن من جاء بعده من الأصوليين سار على منواله، وقد كانت هذه إحدى النتائج التي توصل إليها بعض المستشرقين حسبما يذكر وائل حلاق، كما أنها صارت من قبيل المسلمات عند كثير من أهل التخصص في الدراسات الأصولية، وهو ما لم يسلم به حلاق، واعتبره حكمًا قابلاً لإعادة النظر والمراجعة بناء على معطيات تاريخية مخالفة نذكرها أثناء الخوض في البحث.

كان من نتائج هذه المعارضة العلمية أن تثير نقاشًا آخر حول الموضوع، خصوصًا من منتقديه الذين أبوا هذا التشكيك في القضية، متمسكين بما تقرر قبل؛ وهو ما كان سببًا في إعادة طرح الموضوع على مائدة النقاش مرة أخرى من قبل وائل حلاق، لا بقصد التنازل أو التراجع عما قرره من قبل، وإنما بقصد دعم رأيه بحجج أخرى، وتناول الموضوع من زاوية أخرى.

وقد ارتأينا في هذا المقال أن نرصد هذا الجهد لوائل حلاق وهو يناقش هذه القضية وينقضها؛ من حيث إنه عرض لها في مقامين مختلفين، وفي بحثين مختلفين أيضًا، بين الأول والثاني حوالي ربع قرن من الزمن، ولن يكون هذا الرصد للموضوع رصدًا معرفيًا، أي: ملاحظة الجانب المعرفي للقضية؛ إذًا لكان الأمر في ذلك هينًا نظرًا لأن النتيجة، في نهاية الأمر، إما إيجاب أو سلب، وإنما القصد هنا الاحتفال بالسياقات المختلفة للقضية، وكذا رصد آليات الاشتغال لدى وائل حلاق في كلٍّ من بحثه الأول والثاني.

وعليه، فإن الأسئلة التي ينطلق منها هذا البحث هي:

ما السياقات العلمية التي احتضنت هذا النقاش العلمي بين وائل حلاق وغيره؟ وما منهج المعالجة لدى وائل حلاق في هذه المراجعة؟

وإذا كان وائل حلاق قد أفرد للقضية بحثين مختلفين، فهل كانت آليات الاشتغال عنده واحدة في البحثين معًا، أو كان هناك اختلاف بين البحث الأول والثاني؟

هذا الذي يسعى هذا البحث لرصده من خلال مبحثين اثنين الأول: سياقات طرح القضية، والثاني: منهج المعالجة.

ولقد خلص البحث إلى النتائج الآتية:

  • اعتراض وائل حلاق على دعوى المستشرق جوزيف شاخت القائلة بأن الشافعي هو من هيكل علم أصول الفقه وحدد مواضيعه، وأن من جاء بعده من الأصوليين ما زادوا على تفصيل المجملات وتوسيع العبارات، هي في حد ذاتها دعوى ليست جديدة، وإنما هي قديمة في تراث الأصوليين، وموجودة على نحو واسع حتى صارت عند جملة منهم من قبيل المسلمات؛ ومن هنا يمكن اعتبار اعتراض وائل حلاق على شاخت اعتراضًا من جهة أخرى على علماء الأصول المسلمين وإن كان لم يصرح بها في مقاليه.
  • اختلاف منهج المعالجة لدى وائل حلاق في كل من مقاليه بالنظر إلى اختلاف السياقات رغم أن القضية واحدة، وقد تميز منهج المعالجة في البحث الأول بالتركيز على الجانب التاريخي المعتمد على الحفر في مصنفات التأريخ للعلم بقصد إثبات سبق في التأليف في بعض مباحث أصول الفقه قبل الشافعي؛ الشيء الذي يجعل القارئ أمام معطى جديد في القضية، مع السكوت عن تفسير هذا المعطى أو عدم اعتباره من قبل كثير من الأصوليين؛ حيث لم يلتفت إلى تلك التأليف ولا تم اعتبارها سباقة في أصول الفقه، وأما في البحث الثاني فقد انتقل وائل حلاق إلى حجج أخرى تمثلت في توظيف النظر الإبستمولوجي للعلم؛ إذ قصد إلى التمييز، بما وضعه من معايير، بين الكتابة العلمية في أصول الفقه وبين ما لا يعدو أن يكون إسهامًا مصاحبًا لظهور علم أصول الفقه كما هو الشأن في الرسالة.
  • الشروط التي قدمها وائل حلاق على أنها معايير معتمدة في التمييز بين الكتابة العلمية وبين غيرها إنما صيغت بالنظر إلى مختلف الاعتبارات، وذلك اعتبار القصد من علم أصول الفقه، واعتبار وظيفته، واعتبار سيرورته التاريخية إلى الحد الذي بدأت ملامح التوقف والانحدار تبرز في بعض مصنفات العلم، ولقد كان التحقيب الذي قدمه وائل حلاق لتاريخ علم أصول الفقه مبنيًا على تلك المعايير.

 

محتويات الدراسة:

مقدمة

  1. سياقات طرح القضية.
  • الجدلية النقدية.
  1. منهج المعالجة.
  • استشكال المسلمات.
  • الاستعانة بالتأريخ لعلم أصول الفقه.
  • المعايير الإبستمولوجية في التأريخ لعلم أصول الفقه.

أهم النتائج والخلاصات.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

يتناول البحث الحديث عن قضية فض النزاع حول المياه، وموقف الفقه الإسلامي والقانون الدولي منها، حيث إن الواقع يكشف لنا عن كثير من المنازعات التي تقوم حول هذه المصدر الهام، والتي في هي في سبيلها إلى التوسع مستقبلا. ولا يكتفي البحث -فقط- برصد المواقف والإجراءات التي يتخذها الفقه والقانون حول هذه القضية، بل يسعى لإقامة مقارنة بين النظامين في كيفية التعامل؛ ليكشف عن جسور التواصل الفكري التي يمكن أن يفيد كل طرف منها الآخر؛ لنصل في النهاية إلى قواعد عادلة تضمن إرساء السلام الدولي الذي ينشده الإسلام، وتبحث عنه النظم القانونية النزيهة.

 

التعريف بموضوع البحث:

يبين البحث القواعد التي يتبناها النظام القانوني للفقه الإسلامي لفض النزاعات التي تحدث حول المياه، ويستعرض الإجراءات التي تقوم بها القوانين المحلية والدولية لتسوية الخلاف حول كل أشكال تواجد المياه محل النزاع، ويستتبع ذلك توضيح وجهة نظر المدارس الفقهية المختلفة في تعاملها مع هذه القضية؛ لنصل من خلال المناقشة إلى أسلم الحلول التي يفيد منها الواقع، وتحقق مقصد الشارع. ولا يقف البحث عند هذه النقطة، لكنه يقارن بين الفقه والقانون؛ ليبين الحدود التي توقف عندها كلا النظامين، والأفكار التي لابد أن تضاف إلى كل منهما؛ ترقية للواقع، وتحسينًا لأدوات التعامل مع المستجدات، خاصة في القضايا الحيوية التي تتعلق بالحرب والسلام.

 

أهمية الموضوع:

يعد هذا الموضوع من القضايا الهامة للآتي:

  • فهو يتعلق بقضية واقعية تتعلق بالدول الإسلامية وغيرها، الأمر الذي يستدعي توضيح موقف الفقه الإسلامي منها.
  • يتهم كثير من الناس الفقه الإسلامي بالجمود، أو أنه فقه يقتصر على العبادات وحسب، وهذا البحث يكشف عكس ذلك تمامًا من خلال رصد دقيق للقواعد القانونية التي تبناها والتي ساعدته وتساعده في معالجة قضايا الساعة.
  • يساعد البحث المشرعين المحليين، أو الدوليين في التوصل إلى أفضل الحلول التي لابد من تبنيها؛ لفض النزاعات حول المياه بصورة تراعي الأولويات، وتحقق السلام الشامل.
  • يكشف البحث عن المنهجية السليمة التي نتبناها في المقارنة بين الفقه والقانون، فليس الغرض هو رصد الأسبقية الفكرية، ولا الدفاع عن الفقه من خلال التقليل من قواعد القانون، لكن الغرض من المقارنة هو ترقية النظم، ومد جسور الإفادة بينها، من خلال الوقوف على النقاط الضعيفة التي يمكن لكل نظام أن يعين الآخر في تعديلها أو تخطيها.

 

منهج البحث:

اعتمد الباحث على عدة مناهج هي:

  • المنهج الوصفي: في رصد موقف الفقه والقانون من القضية.
  • المنهج التحليلي: في الكشف عن المقاصد، والأهداف، والمنهج الذي اتبعه كل من الفقه والقانون لفض التنازع.
  • المنهج المقارن: في المقارنة بين نظام القانون الإسلامي ونظام القانون الدولي لاستخلاص أوجه التشابه، والاختلاف.

 

أهم نتائج البحث:

توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج التي يمكن إجمالها على النحو الآتي:

  • إن الفقه الإسلامي يعلي من قيمة النفس؛ حيث يكفل لها كل مقومات الحياة، فقد اعتبر المياه حقًا مشتركًا لا يجوز منعه وإن كان خاصًا.
  • استطاع الفقه أن يحقق المعادلة المهمة التي تسعى إليها القوانين، وهي الموائمة بين المصلحة العامة والخاصة، من خلال توضيح الوظيفة الاجتماعية للحق؛ فهو يسمح لكل طرف بإقامة ما يريد من مصالح شريطة أن تراعى الأولويات عند التنفيذ.
  • اتفق الفقهاء على أن ماء البحار والأنهار العظام (العامة)، لا يجوز تملكها إلا ما حازه الشخص منها بإناء، ويثبت فيها حق الشفة والشَّرب لجميع الناس، وتبين من خلال هذه الدراسة أن هذه التقسيمات اجتهادية في أغلبها تتعلق بالمصلحة والزمن.
  • تنصب الأبحاث الفقهية في معظمها حول حقوق الارتفاق دون اهتمام بإبراز حقوق الجوار، فحقوق الارتفاق هي تكليف مقرر على إقليم لمنفعة إقليم آخر؛ ومن ثم فالتعدي على هذا الحق لن يأتي إلا من جانب دولة الإقليم المقرر عليه الحق أي الدولة الخادمة، في حين أن مفهوم حقوق الجوار يتضمن حقوقًا والتزامات متبادلة بين الدول المتجاورة؛ لذلك فنظرية حقوق الجوار أصلح النظريات للتوفيق بين سيادات ومصالح الدول التي تقع في حوض النهر الدولي الواحد.
  • صحيح أن الفقه الإسلامي لم يتأخر عن القانون الدولي، ولكن لا ننسى أن القانون تشكلت فيه أربع نظريات: الأولى نظرية السيادة الإقليمية التي تعني إطلاق يد الدول التي تجري بأراضيها أنهار دولية في استخدام مياهه دون أي اعتبار بحقوق الدول المتشاطئة، ونظرية الوحدة الإقليمية التي تعني أن للدول التي يمر بها النهر عدم الحق في إقامة أي مشروع خاص بها، ونظرية السيادة الإقليمية المقيدة التي تعني أن لكل دولة الحق في القيام بما تريد مع مراعاة حقوق الدول الأخرى، وتعد النظرية الحديثة هي نظرية وحدة المصالح التي تنظر إلى النهر باعتباره وحدة واحدة، وهي من أقوى النظريات التي سبق إليها الفقه الاسلامي غيره من النظم.
  • لا بد هنا من توضيح نقطة فاصلة في قواعد البحث الفقهي المقارن فيما يتعلق بالقضايا المعاصرة التي تعالجها بنود القوانين، وهي أننا لا نطالب مدونات الفقه بالإفصاح التام عن اتفاقيات القانون الدولي؛ لأن ثمة فرقًا بين التقنين والفقه، فالتقنين بنود محددة واضحة تعبر عن الواقع في لحظة كتابته، لكن الفقه هو وعاء النظريات التي نأخذ منها تلك البنود، والفقه ليس من شأنه التحديد بل من شأنه إعطاء الإطار العام، تمامًا كالفرق بين عمل مصنع القماش وحائك الأثواب، فالباحث في مثل هذه القضايا لا بد أن يبحث عن القواعد العامة لمثل هذه الموضوعات، ولا يضيره بعد ذلك أن يجد نصًا صريحًا أو لا، وفيما يتعلق بموضوعنا فإن فقهاء القانون يشيرون إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة ۱۹۷۷م رغم كونها اتفاقية إطارية فهي تقدم حلولاً عادلة لمشاكل الأنهار الدولية تبنى على مبدأ الانتفاع المنصف والعادل متى روعيت الظروف والاعتبار الخاصة لكل نهر دولي.

 

أهم التوصيات التي توصل البحث إليها:

  • الاهتمام بإبراز نظريات الفقه الإسلامي في القانون العام والدولي؛ لأنه يستطيع أن يمد هذه الحقول القانونية برؤى وأفكار تساهم في إرساء قواعد السلام الدولي.
  • العمل على فهرسة المسائل الواقعية في مدونات الفقه التي تذكر مبعثرة دون رباط يجمعها مما يعسر عملية البحث.
  • أن تتصدر واقعية التشريع الحديث العام في البرامج الثقافية؛ حتى نعيد ثقة الأجيال الحالية في التراث بعدما حاولت أيدي عابثة زعزعته من النفوس.
  • وفيما يتعلق بالتوصيات التي تؤكد عليها الدراسات القانونية:
  • ضرورة تكوين لوبي عربي ودولي يطالب الأمم المتحدة بمراجعة اتفاقية ۱۹۹۷م على اعتبار أن بعض البنود بها تحتاج إلى مراجعة دقيقة؛ لتتوافق مع قواعد القانون الدولي العادل.
  • قيام مجموعة الدول الإسلامية داخل الأمم المتحدة بصياغة اتفاقية إطارية موازية لاتفاقية الأمم المتحدة قوامها يتعلق برؤية القانون الإسلامي للانتفاع المشترك بمياه الأنهار الدولية، يكون نابعًا من مجلس استشاري يضم النخبة من الخبراء والمشرّعين والعلماء في مجال المياه من العالم الإسلامي؛ لوضع سياسات مائية إسلامية تشتمل على مبادئ توجيهية موحدة، وتقوم على توجيه النصح بتنفيذ مشروع إرشادي يغطي كل القضايا الموجودة في البلدان الإسلامية، ويخاطب المجتمعات الإسلامية بلغة يسهل فهمها وتوجه خطابًا محددًا إلى المجتمع الدولي كله.

 

محتويات البحث:

تم تقسيم البحث إلى خمسة مطالب، وذلك على النحو التالي:

المطلب الأول: الحقوق المتعلقة بالمياه.

المطلب الثاني: تقسيم المياه من حيث الامتلاك وعلاقة الحقوق بها.

المطلب الثالث: حقوق الأنهار الخاصة والعامة وقواعد إنهاء التنازع عليها.

المطلب الرابع: قواعد القانون الدولي في فك التنازع وموقف الفقه منها.

أولاً: قواعد تسوية النزاع حول المياه في القانون الدولي.

ثانيًا: موقف الفقه الإسلامي من قواعد القانون الدولي.

ثالثًا: الموازنة بين الحقوق المشروعة في استخدام المياه المتنازع عليها في الفقه والقانون.

رابعًا: شروط استخدام الطرق غير السلمية في فك النزاع في الفقه والقانون.

المطلب الخامس: الموازنة بين الفكر الفقهي والقانوني.

أولاً: ما تفرد به الفقه الإسلامي.

ثانيًا: ما تفرد به القانون.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 


* دكتوراه الشريعة الإسلامية والمقارنات التشريعية- كلية دار العلوم جامعة القاهرة.

 

تعد الأعراف الدولية أحد الأسس الجوهرية في تشكيل العلاقات الدولية، حيث تمثل آلية مهمة لتنظيم سلوك الدول في مختلف المجالات، كما أنها تشكل إطارًا قانونيًا غير مكتوب تلتزم به الدول في تعاملاتها المتبادلة، ويختلف عن القوانين الدولية الصريحة التي يتم التوصل إليها من خلال المعاهدات والاتفاقات الرسمية. وعلى الرغم من أن الأعراف الدولية ليست مكتوبة أو موقعة من قبل الأطراف المعنية، فإنها تكتسب قوتها القانونية من استمرارية تطبيقها واعتراف الدول بها.

 

مفهوم الأعراف الدولية لغة واصطلاحًا:

  1. تعريف الأعراف لغةً:

الأعراف في اللغة العربية جمع "عُرف"، ويقصد به ما تعارف عليه الناس واعتادوا على ممارسته، سواء في عاداتهم أم في سلوكياتهم اليومية. يشير "العرف" إلى التقاليد والممارسات التي يتقبلها المجتمع كجزء من حياته الطبيعية، دون الحاجة إلى أن تُفرض من خلال قانون مكتوب.

 

  1. تعريف الأعراف اصطلاحًا:

أما اصطلاحًا، فتعرف الأعراف في القانون الدولي بأنها مجموعة من القواعد التي تنشأ من الممارسات الدولية المتكررة والمستقرة، والتي تعتقد الدول بأنها ملزمة قانونًا. الأعراف تختلف عن القوانين المكتوبة أو المعاهدات، إذ تعتمد على سلوك الدول واستمرار تطبيقها لممارسات معينة لفترة طويلة. عندما تشعر الدول بأنها ملزمة قانونًا بتلك الممارسات، فإنها تتحول إلى "عرف دولي".

 

نشأة الأعراف الدولية وتطورها

تعود نشأة الأعراف الدولية إلى العصور القديمة، حيث كانت الدول تتبع بعض القواعد العرفية التي تضمن حسن سير العلاقات بين الأمم. ولكن هذه الأعراف لم تكن موحدة أو مدونة بشكل رسمي، بل كانت تعتمد على الأعراف الدبلوماسية والتقاليد التي تتفق عليها بعض الدول الكبرى في تلك الحقبة.

مع تطور العلاقات الدولية وزيادة التبادل بين الدول، بدأت هذه الأعراف في اكتساب طابعًا أكثر رسمية. في القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهدنا بدايةً لتدوين بعض من هذه الأعراف، خاصةً في إطار العلاقات بين الدول الأوروبية، ففي القرن السابع عشر، تم تطوير مفهوم "العدالة الدولية" الذي يحدد سلوك الدول في الحرب والسلام.

وفي القرن العشرين، ومع إنشاء الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، أصبحت الأعراف الدولية أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالقانون الدولي المنظم، وتزايد استخدام الأعراف كأداة لحل النزاعات بين الدول، خاصة في إطار حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

 

دور الأعراف الدولية وفق القانون الدولي:

في القانون الدولي، يُنظر إلى الأعراف على أنها قواعد قانونية نشأت عن ممارسات دولية ثابتة ومتفق عليها بين الدول.  ويُشار إلى أن الأعراف الدولية تُعتبر أحد المصادر الأساسية للقانون الدولي، إلى جانب المعاهدات والاتفاقات الدولية؛ حيث تشير المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية إلى أن الأعراف الدولية تشكل أحد مصادر القانون الدولي، بجانب المعاهدات والقوانين العامة. ويُعرّف العرف الدولي بأنه "ممارسة ثابتة ومستمرّة من الدول، التي يعتقد أنها تتبع بموجب التزام قانوني". بمعنى آخر، إذا قامت معظم الدول بتصرف معين لعدد من السنوات أو العقود، وكان هذا التصرف يُعتبر ملزمًا قانونًا، يمكن اعتباره عرفًا دوليًا. ومن أجل أن يتحقق العرف الدولي، يجب أن يتوافر عنصران: العنصر المادي (أي ممارسة الدول) والعنصر النفسي (أي الاعتقاد بأن هذه الممارسة مفروضة قانونًا). لا بد أن تكون الممارسة مستمرة وموحدة بين الدول، وأن تكون الدول تعتقد بأنها ملزمة قانونًا بها.

وتعمل الأعراف الدولية على ملء الفراغات التي قد تنشأ بسبب غياب معاهدات مكتوبة أو غموضها. على سبيل المثال، إذا لم يتمكن اتفاق بين الدول من معالجة مشكلة معينة، فقد يتم اللجوء إلى الأعراف لحلها. كما أن الأعراف تعمل على تطوير القانون الدولي بشكل ديناميكي، مما يساهم في ضمان استقرار العلاقات الدولية وتقديم حلول عملية لمشكلات العالم المتجددة.

 

الأعراف الدولية في فروع القانون الدولي

يمكن تقسيم الأعراف الدولية إلى عدة مجالات رئيسية يتعامل فيها القانون الدولي مع دول العالم. هذه الفروع تشمل:

  1. الأعراف الدولية في القانون الدولي الإنساني: الأعراف الإنسانية تمثل مجموعة من القواعد التي تحكم سلوك الدول في أوقات النزاعات المسلحة. على سبيل المثال، تتضمن هذه الأعراف ضرورة توفير الحماية للمدنيين والأسرى، كما هو الحال في اتفاقيات جنيف.
  2. الأعراف في القانون الدولي الاقتصادي: في هذا المجال، تلعب الأعراف دورًا مهمًا في تنظيم التجارة الدولية وحركة رأس المال. على سبيل المثال، تتبع الدول العديد من الأعراف التي تحكم المعاملات التجارية الدولية، مثل احترام العقوبات الاقتصادية أو تسوية المنازعات التجارية وفقًا لقواعد محددة.
  3. الأعراف في القانون البيئي الدولي: الأعراف الدولية المتعلقة بالبيئة تساعد على تعزيز التعاون بين الدول لحماية الموارد الطبيعية والمناخ. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الأعراف التي تحكم قضايا مثل التلوث عبر الحدود أو حماية التنوع البيولوجي.

 

دور الأعراف الدولية في حل النزاعات

تعد الأعراف الدولية أداة فعالة لحل النزاعات بين الدول، فعندما لا تنجح الوسائل الدبلوماسية أو المعاهدات القانونية في حل النزاع، يمكن أن تُستخدم الأعراف الدولية كحلول وسط. على سبيل المثال، في حالة النزاعات حول الحدود أو حقوق المياه الدولية، قد تلجأ الدول إلى الأعراف الدولية المتبعة لحل هذه النزاعات. وقد أثبتت المحكمة الدولية في عدة قضايا أنها تعتمد بشكل كبير على الأعراف الدولية لإصدار أحكامها، مثل قضايا الحدود بين الدول أو النزاعات حول الأنهار الدولية.

 

التحديات والانتقادات

على الرغم من أهمية الأعراف الدولية، إلا أنها تواجه العديد من التحديات. من أبرز هذه التحديات صعوبة إثبات الأعراف في بعض الأحيان، خاصة إذا لم تكن الدول قد طبقتها بشكل مستمر أو موحد. بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من الانتقادات التي تُوجه إلى الأعراف الدولية، حيث يرى البعض أنها تُفضي إلى فرض مبادئ من قبل الدول الكبرى على الدول الصغيرة أو النامية.

 

مفهوم الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية

الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية ترتبط بمفهوم "العرف" الذي يعتبر أحد المصادر التكميلية للتشريع الإسلامي. وعلى الرغم من أن الفقه الإسلامي لا يستخدم مصطلح "الأعراف الدولية" بالمعنى الحديث الذي يُستخدم في القانون الدولي، فإن هناك مفاهيم قريبة من هذا المبدأ في الإسلام تتعلق بالعرف والممارسات المستقرة التي يتعارف عليها الناس في علاقاتهم الدولية. فهو في "الاصطلاح الفقهي": ما تعارف عليه الناس وأصبح سائدًا بينهم في سلوكياتهم ومعاملاتهم، بشرط ألا يتعارض مع نصوص الشريعة أو مقاصدها. والعرف في الشريعة الإسلامية يُعتبر مصدرًا من مصادر التشريع، ولكن بشرط أن يكون متوافقًا مع الأصول الشرعية ولا يتعارض مع نصوص القرآن أو السنة. ويعد العرف في الإسلام جزءًا من الفقه المرن الذي يأخذ في الاعتبار الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يتغير فيها الناس عبر الزمن. أما في العلاقات الدولية، نجد أن الفقه الإسلامي قد أرسى العديد من المبادئ التي تشبه "الأعراف الدولية" الحديثة من حيث أهدافها وطبيعتها. على سبيل المثال، أحكام العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين تم تنظيمها من خلال فقه المعاهدات وفقه الحرب والسلام، وهي مجموعة من القواعد التي تضبط سلوك الدولة الإسلامية في تعاملاتها مع الدول الأخرى.

ومفهوم الأعراف الدولية هو أحد المفاهيم الأساسية التي تحدد آلية التعامل بين الدول في سياق إسلامي، حيث يُأخذ بعين الاعتبار أن الأعراف الدولية تتفق مع القيم والمبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية، مما يعزز فهمًا شاملًا لماهية العلاقات بين الدول وفقًا للمفاهيم الإسلامية.

وفيما يلي استعراض مفصل لبعض مبدأ تلك الأعراف الدولية في التشريع الإسلامي:

 

  1. الاعتراف بالأعراف الدولية كأداة لتنظيم العلاقات الدولية

تُعتبر الأعراف الدولية أداة لتنظيم العلاقات بين الدول في الإسلام، شأنها شأن القوانين التي يتم التوافق عليها بين الأطراف المختلفة. ويُنظر إلى الأعراف الدولية على أنها إطار يُمكّن الدول من تنظيم تعاملاتها في غياب نصوص شرعية قطعية، وبالتالي يتم قبول العرف الدولي شريطة ألا يتعارض مع النصوص الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم والسنة النبوية. الشرط الأساسي في ذلك هو أن الاعتياد والتوافق الدولي بين الدول لا ينبغي أن يضر بالقيم الإسلامية، أو يُخالف مبادئ الشريعة الأساسية. وفي هذا الإطار إذا كان العرف الدولي يتوافق مع المصلحة العامة ويخدم تحقيق العدالة والإنصاف، فيُقبل به ويُعتبر مُلزمًا شرعًا.

 

  1. الوفاء بالعهد والميثاق: جوهر الأعراف الدولية

يُعد الوفاء بالعهد والميثاق من المبادئ الأساسية التي يُبنى عليها العرف الدولي في الإسلام. الإسلام يُعلي من قيمة العهود والمواثيق، ويُعتبر الإخلال بالعهد أو نقضه انتهاكًا لقاعدة شرعية قوية. تقول الآية الكريمة: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا" (الإسراء: 34)، مما يدل على وجوب احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُبرم بين الدول، سواء كانت مع دول إسلامية أم غير إسلامية. في هذا السياق، يتفق هذا المبدأ مع الأعراف الدولية الحديثة التي تُلزم الدول باحترام المعاهدات الدولية والاتفاقات الموقعة بين الدول، مثل معاهدات السلام والتحالفات التجارية. يتم الربط بين العرف الدولي في الشريعة الإسلامية وبين ضرورة احترام جميع الدول لمواثيقها وعهودها ضمن نظام منظم يعزز الاستقرار الدولي ويحفظ حقوق الأطراف المتعاقدة.

 

  1. العدالة والتعايش السلمي: المبادئ الأساسية للأعراف الدولية

تُعد العدالة والتعايش السلمي من المبادئ الأساسية التي تشكل جوهر العلاقات الدولية في الإسلام. ومن هذا المنطلق، يتم التعامل مع الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية باعتبارها وسيلة لتحقيق المساواة والعدالة في التعامل بين الدول والشعوب، حتى وإن كانت هذه الدول غير مسلمة، فمن المبادئ الإسلامية التي تتوافق مع الأعراف الدولية الحديثة مبدأ البر والقسط مع غير المسلمين في التعاملات الدولية. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة: 8). هذا المبدأ يمكن اعتباره عرفًا دوليًا في الشريعة الإسلامية يشجع على التعايش السلمي واحترام الحقوق المتبادلة بين الدول الإسلامية والدول غير الإسلامية. ويتضمن ذلك احترام حقوق الأقليات والعدالة في التوزيع بين الدول، وهذا يشمل التعاون بين الدول لتحقيق المصالح المشتركة دون اللجوء إلى العنف أو العدوان، وهذا يتوافق مع الأعراف الدولية الحديثة التي تدعو إلى حل النزاعات بالطرق السلمية وتعزيز السلام العالمي عبر أدوات مثل الدبلوماسية والتحكيم والوساطة.

 

  1. حقوق الإنسان وحماية الحقوق الدولية

تُعد حقوق الإنسان جزءًا لا يتجزأ من الأعراف الدولية في الإسلام، وقد أرسى الإسلام مبادئ حقوق الإنسان بشكل عام، وأكد على ضرورة حماية حقوق الأفراد والجماعات في العلاقات الدولية. من هذه المبادئ: حماية الحياة، الحرية، الكرامة الإنسانية، مما يتقاطع مع الأعراف الدولية الحديثة التي تركز على ضمان هذه الحقوق في التعامل بين الدول. في الإسلام، لا يُسمح للدولة أو أي طرف دولي بالتعدي على حقوق الإنسان، كما أن الدول الإسلامية يجب أن تلتزم بتقديم الحماية للأقليات والعدالة لجميع الأطراف بغض النظر عن الدين أو العرق. هذا المبدأ يعكس تكامل الأعراف الدولية في الإسلام مع المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان.

 

  1. الحل السلمي للنزاعات الدولية

حل النزاعات بالطرق السلمية يُعد من القيم الجوهرية التي يتبناها الإسلام في علاقاته الدولية؛ حيث يولي الإسلام أهمية كبيرة لحل النزاعات بين الدول عبر الحوار والوساطة والتحكيم، وهي آليات معترف بها في الأعراف الدولية المعاصرة. يُنظر إلى هذه الأساليب على أنها وسائل فعّالة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين. لذا فإن اللجوء إلى القوة العسكرية يُعتبر خيارًا أخيرًا، ويجب أن يتم في إطار الدفاع الشرعي ضد العدوان. بينما يتم تشجيع الدول على استخدام الوسائل السلمية من خلال التحكيم الدولي أو الوساطة، بما يتماشى مع المبادئ التي تأسست عليها الأعراف الدولية في العصر الحديث.

 

مقارنة بين الأعراف الدولية المعاصرة والشريعة الإسلامية

الأعراف الدولية في القانون الوضعي المعاصر تقوم على ممارسات مستمرة بين الدول، وفي الشريعة الإسلامية نجد أن العرف الشرعي هو ما يتوافق مع الشريعة ويحقق المصلحة العامة دون تعارض مع النصوص القطعية.

الالتزام بالأعراف في كلا النظامين (الإسلامي والدولي) يقوم على نفس المبدأ: إذا تعارف الناس أو الدول على أمر ما واعتبروه جزءًا من التعاملات القانونية أو الأخلاقية، يصبح ملزمًا لطرفي التعامل.

ويمكن القول إن الشريعة الإسلامية تفتح الباب أمام الأعراف والتقاليد التي تحقق المصلحة العامة طالما أنها لا تتعارض مع نصوص الشريعة. وفي سياق العلاقات الدولية، فإن الأعراف الدولية التي تتفق مع مبادئ العدالة والقسط واحترام المعاهدات تجد لها أساسًا قويًا في الفقه الإسلامي. بذلك، تشكل الأعراف الدولية في الإسلام إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا يتوافق مع المبادئ الإنسانية العامة التي تُنظم العلاقات بين الدول.

 

____________________________

المصادر:

  1. القانون الدولي والعدالة، الأمم المتحدة، https://2u.pw/fRvW2Q4s
  2. عبد الرحمن أسامة، العرف الدولي، الموسوعة السياسية، 4 أبريل 2020، https://2u.pw/CAH831
  3. قاعدة بيانات القانون الدولي الإنساني العرفي، قواعد بيانتا القانون الدولي الإنساني، https://2u.pw/0CDlwn0i
  4. القانون الدولي العام.. إجراءات ونصوص لتنظيم العلاقات بين الدول والمنظمات، الجزيرة نت، 4 يونيو 2024، https://2u.pw/z4cmpQTh
  5. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المفوض السامي لحقوق الإنسان، https://2u.pw/SJXLG
  6. العرف الدولي، موسوعة ودق القانونية، 28 مارس 2021، https://2u.pw/t0UnebmW
  7. إبراهيم دراجي، العرف الدولي، الموسوعة القانونية المتخصصة، https://2u.pw/UnNCZB2J
  8. تحول القواعد الدولية الاتفاقية إلى عرفية، مجلة العلوم القانونية والسياسية، العدد 1، 2022، https://2u.pw/ID4XulSP
  • عبد الرسول كريم، القواعد العرفية في القانون الدولي، 2015، https://2u.pw/husecbHU
  1. آية الوصيف، تعريف ومفهوم العرف في القانون، المحاماة نت، 6 ديسمبر 2017، https://2u.pw/RJ8PHDOq
  2. فائز الرويلي، العرف الدولي بين الفقه والقانون وأثره في المعاهدات المعاصرة: المملكة العربية السعودية نموذجا، الجامعة الأردنية كلية الدراسات العليا، https://2u.pw/9D6JapEk
  3. مبخوتة أحمد، التطورات المتلاحقة على العرف الدولي باعتباره مصدرا للقانون الدولي، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، عدد 1، 2021،https://2u.pw/uqFkLW3K
  4. علي صادق أبو هيف، القانون الدولي العام، منشأة المعارف.
  5. محمد أبو زهرة. (1958). العلاقات الدولية في الإسلام. دار الفكر العربي، القاهرة.
  6. وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي. دار الفكر، دمشق، 1981.
  7. نادية محمود مصطفي (محرر)، موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، دار السلام، 2022.